← История

История · id 12396

تجارب الأمم وتعاقب الهمم

ابن مسكويه

Полный текст (3 569 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عبيد بن المخارق ومن كتّاب الحجّاج عبيد بن المخارق، قلّده الحجّاج الفوجتين، فوردها وقال: - «هل هاهنا دهقان يعاش برأيه؟» فقيل له: - «هذا جميل بن بصبهرى.» فأحضره وشاوره، فقال له جميل: - «خبّرنى أقدمت لرضى ربّك، أم رضى نفسك، أم رضى من قلّدك؟» فقال: - «ما استشرتك إلّا برضى الجميع.» قال: - «فاحفظ عنّى خلالا: لا يختلف حكمك على الرعيّة، ليكن حكمك على الشريف والوضيع [١] سواء، ولا تتّخذنّ حاجبا ليردّ عنك الوارد [٤٦٨] من أهل عملك، وليكن على ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيّبك عمّالك، ولا تقبل هديّة، فإنّ صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا [٢] لها، فإذا فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من فروعهم إلى أقدامهم.» قال: فعملت بوصيّته، فجبيتها خمسة عشر ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١٥] درهم. يزيد بن أبى مسلم وكان يزيد بن أبى مسلم- واسم أبى مسلم دينار من موالي ثقيف- كاتبا للحجّاج، وكان أخاه من الرضاعة. فتقلّد له ديوان الرسائل، وكنيته أبو العلاء. وكان الحجّاج يجرى له فى كلّ شهر ثلاثمائة درهم، فكان يعطى امرأته خمسين درهما، وينفق فى ثمن اللّحم وما يتّصل به خمسة وأربعين درهما، وينفق باقيها فى ثمن الدقيق وسائر عوارض نفقته، وإن فضل منها شيء ابتاع به ماء وسقاه

стр. 947

المساكين، وربما ابتاع قطفا وفرّقها فيهم وهو مع ذلك يقتل الخلق للحجّاج. وحكى أنّ الحجّاج عاده من علّة اعتلّها، فوجد بين يديه كانونا من طين ومنارة خشب، فقال: - «يا أبا العلاء، ما أرى [١] أرزاقك تكفيك.» فقال: - «إن كانت ثلاثمائة لا تكفيني، فثلاثون ألفا لا تكفيني.» ويزيد بن أبى مسلم [٤٦٩] هو الذي نبّه الحسن البصري على الاستتار حتّى سلم من الحجّاج، وذلك أنّه لقيه خارجا من عنده فقال له: - «توار يا با سعيد، فإنّى لست آمن أن تتبعك [٢] نفسه.» فتوارى عنه، وسلم منه. وقيل: إنّه استتر تسع سنين. عبد الملك وكاتب له قبل هديّة وبلغ عبد الملك أنّ بعض كتّابه قبل هديّة، فقال له: - «أقبلت هديّة منذ ولّيتك؟» فقال: - «أمورك، يا أمير المؤمنين، مستقيمة، والأموال دارّة، والعمّال محمودون، وخراجك موفّر.» فقال: - «أخبرنى عمّا سألتك.» قال: - «نعم، قد قبلت.» قال: - «فو الله لئن كنت قبلت هديّة لا تنوي مكافأة للمهدي لها، إنّك لدنىّ ولئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفى رجلا لم تكن لتستكفيه لولاها، إنّك لخائن، ولئن كنت نويت تعويض المهدى عن هديّته ولا تخون له أمانة ولا تثلم له [٣] دينا، فلقد

стр. 948

قبلت ما بسط عليك لسان معامليك، وأطمع فيك ساير مجاوريك، وسلبك هيبة السلطان، وما فى من أتى أمرا لم يخل فيه، من لؤم أو دناءة أو خيانة أو جهل مصنع [١] .» وخلعه عن عمله. [٤٧٠]

стр. 949

خلافة الوليد بن عبد الملك وبويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة. فخطب الناس لمّا انصرف من دفن أبيه، وقال فى آخر خطبته: - «أيّها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد. أيّها الناس، من أبدى ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه.» ثمّ نزل وحاز أدوات الخلافة وأثاثها، وكان جبّارا عنيدا. ورود قتيبة إلى خراسان وفى هذه السنة وهي سنة ستّ وثمانين، ورد قتيبة بن مسلم إلى خراسان فقدمها والمفضّل يعرض الجند وهو يريد أن يغزو الموضع الذي يقال له: أخرون وشومان. فخطب الناس قتيبة، وحثّهم على الجهاد، وسار، فلمّا كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وعظماؤهم، فساروا معه. فلمّا قطع النهر تلقّاه تيش [١] الأعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب. فدعاه إلى بلاده. فمضى مع تيش إلى الصغانيان، فسلّم إليه بلاده. وسار قتيبة إلى أخرون [٢] وشومان وهما من

стр. 950

طخارستان [٤٧١] فجاءه صاحبها، فصالحه على فدية أدّاها، فقبلها قتيبة ورضى، وانصرف إلى مرو، واستخلف أخاه صالحا، وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسان انبجغر [١] ، وكان معه نصر بن سيّار، فأبلى يومئذ، فوهب له قرية تدعى تنجابه [٢] . ثمّ قدم صالح على قتيبة بعد ذلك فاستعمله على الترمذ، وغزا قتيبة بعد ذلك بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى، فلمّا نزل بعقوتهم استنصروا السغد، واستمدّوا من حولهم، فأتوهم فى جمع كثير، وأخذوا بالطرق، فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه خبر نحو شهرين، وأبطأ خبره على الحجّاج، فأشفق على الجند، وأمر الناس بالدعاء لهم فى المساجد وهم يقتتلون فى كلّ يوم. وكان لقتيبة عين يقال له تندر [٣] من العجم، فأعطاه أهل بخارى مالا على أن يفتأ [٤] عنهم قتيبة. ذكر حيلة لتندر ما نفذت له وقتل لأجلها أقبل تندر إلى قتيبة، فقال: - «أخلنى!» فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبّى، فقال تندر: - «هذا عامل يقدم عليك وقد عزل الحجّاج، فلو انصرفت بالناس [٤٧٢] إلى مرو.» فدعا قتيبة مولاه سيا، فقال له:

стр. 951

- «اضرب عنق تندر!» فقتله. ثمّ قال لضرار: - «لم يعلم هذا الخبر غيرى وغيرك، وإنّى أعطى الله عهدا، إن ظهر هذا الحديث من أحد حتّى تنقضي حربنا، لألحقنّك بتندر، فاملك لسانك، فإنّ انتشار هذا الحديث يفتّ فى أعضاد الناس.» ثمّ أذن للناس، فدخلوا، فراعهم قتل تندر، فوجموا وأطرقوا، فقال قتيبة: - «ما يردعكم من قتل عبد أحانه [١] الله.» قالوا: - «كنّا نظنّه ناصحا للمسلمين.» قال: - «بل كان غاشّا، قد مضى لسبيله بذنبه، فاغدوا على قتال عدوّكم والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به.» فغدا الناس متأهبين، فأخذوا مصافّهم، ومشى قتيبة فحضّ أهل الرايات. فكانت بين الناس مشاولة. ثمّ إنّهم تزاحفوا والتقوا، وأخذت السيوف مآخذها، فقاتلوهم حتّى زالت الشمس، ثمّ منح الله المسلمين أكتافهم، فانهزم المشركون يريدون المدينة، فاتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول، فتفرّقوا، وركبهم المسلمون قتلا وأسرا، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة وهم قليل. فوضع قتيبة [٤٧٣] الفعلة فى أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح فصالحهم، واستعمل عليهم رجلا من قيس، وارتحل عنهم يريد الرجوع. فلمّا سار مرحلتين نقضوا، وكفروا، وقتلوا العامل وأصحابه وجدعوا آنفهم [٢] وآذانهم، وبلغ ذلك قتيبة، رجع إليهم وقد تحصّنوا، فقاتلهم شهرا، ثمّ وضع الفعلة فى أصل المدينة، فعلّقوها بالخشب وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فينهدم. فسقط الحائط وهم يعلّقونه،

стр. 952

فقتل أربعين رجلا من الفعلة، فطلبوا الصلح، فأبى، وقاتلهم، فظفر بها عنوة، فقتل من كان فيها من المقاتلة، وكان فى من أخذوا فى المدينة رجل أعور كان هو الذي استجاش [١] الترك على المسلمين. فقال لقتيبة: - «أنا أفدى نفسي.» فقال له سليم الناصح: - «ما تبدل؟» قال: - «خمسة آلاف حريرة صينيّة قيمتها ألف ألف [٠٠٠، ٠٠٠، ١] .» قال قتيبة: - «ما ترون؟» قالوا: - «نرى أنّ فداءه زيادة فى غنائم المسلمين وما عسى أن يبلغ من كيد هذا؟» قال: - «لا والله، لا يروّع بك مسلم أبدا.» وأمر به فقتل. وأصاب فى بيكند من آنية الذهب والفضّة ما لا يحصى. فولّى الغنائم والقسم [٤٧٤] عبد الله بن وألان، وكان قتيبة يسمّيه الأمين بن الأمين، وإياس بن بيهس، فأذابا الآنية والأصنام ورفعاه إلى قتيبة، ورفعا إليه خبث [٢] ما أذابا، فوهبه لهما، فأعطيا به أربعين ألفا، فأعلماه فرجع فيه، فأمرهما أن يذيباه، فأذاباه، فخرج منه خمسون ألف مثقال. وأصابوا فى بيكند شيئا كثيرا، فصار فى أيدى المسلمين من بيكند شيء لم يصيبوا مثله بخراسان.

стр. 953

ذكر اتّفاق عجيب مع إضاعة حزم وهو السبب الذي سمى به قتيبة عبد الله بن وألان الأمين بن الأمين كان السبب الذي سمّى قتيبة له عبد الله بن وألان الأمين بن الأمين أنّ مسلما الباهلىّ قال لو ألان: - «إنّ عندي مالا أحبّ أن أستودعكه.» فقال: - «أتريد أن يكون مكتوما أو لا؟» فكره أن يعلمه الناس. قال: - «لا، بل أحبّ أن تكتمه.» قال: - «ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا.» وأمره إذا رأى رجلا جالسا فى ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف. قال: - «نعم.» فجعل المسلم المال فى خرج وحمله على بغل [٤٧٥] وقال لمولى له: - «انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا، فإذا رأيت رجلا جالسا، فخلّ عن البغل وانصرف.» فانطلق الرجل بالبغل، وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده، فأبطأ عليه رسول مسلم، ومضى الوقت الذي وعده، فظنّ أنّه قد بدا له، فانصرف، وجاء رجل من بنى تغلب، فجلس فى ذلك الموضع، وحضر الرسول مع البغل والمال، فرأى الرجل جالسا، فخلّى عن البغل ورجع. فقام التغلبىّ، فلما رأى البغل والمال ولم ير معه أحدا قاد البغل إلى منزله وقبض المال إليه. وكان ظنّ مسلم أنّ المال صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتّى احتاج إليه، فلقيه وقال: - «ما لي.» قال: - «ما قبضت شيئا ولا لك عندي مال.»

стр. 954

فكان مسلم يشكوه ويتنقّصه. فأتى يوما مجلس بنى ضبيعة، فشكاه، والتغلبىّ جالس. فقام إليه وخلا به وسأله عن المال، فأخبره، فانطلق به إلى منزله، وأخرج الخرج إليه، وقال: - «أتعرفه؟» قال: - «نعم،» قال: - «والخاتم؟» قال: - «نعم.» قال: - «فاقبض مالك.» وأخبره الخبر. فكان مسلم بعد ذلك يأتى القبائل وجميع من شكا وألان عندهم وخوّنه فيعذره ويخبرهم الخبر. [٤٧٦] ذكر رأى للحجّاج أشار به وهو بواسط على قتيبة وهو بخراسان حتّى فتح بخارى وموقف لأصحاب قتيبة مستحسن غزا قتيبة وردان خذاه ملك بخارى سنة تسع وثمانين، فلم يظفر من البلد بشيء. فرجع إلى مرو، فكتب إليه الحجّاج: - «صوّرها لى والطرق إليها.» فبعث إليه بصورتها. فكتب إليه الحجّاج أن: - «ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله ممّا كان منك وائتها من مكان كذا وكذا.» [١] فخرج قتيبة إلى بخارى وذلك فى سنة تسعين، من حيث أشار به الحجّاج،

стр. 955

فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرهم. فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة، فحصرهم. فلمّا جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم يقاتلونهم، فقالت الأزد: - «اجعلونا على حدة وخلّوا بيننا وبين قتالهم.» فقال لهم قتيبة: - «شأنكم، تقدّموا.» فتقدّموا، فقاتلوهم وقتيبة جالس عليه رداء أصفر فوق سلاحه، فصبروا جميعا، ثمّ جال المسلمون وركبهم المشركون، فحطّموهم حتّى دخلوا عسكر قتيبة وجازوه حتّى ضرب النساء وجوه الخيل [٤٧٧] وبكين، وقاتلوهم حتّى ردّوهم. فوقف الترك على نشز [١] ، فقال قتيبة: - «من يزيلهم لنا عن هذا الموقف؟» فلم يقدم عليهم أحد والأحياء [٢] كلّهم وقوف. فمشى قتيبة إلى بنى تميم فقال: - «يا بنى تميم، أنتم بمنزلة الحطمة [٣] ، فيوما كأيّامكم، فداؤكم أبى.» فأخذ اللواء وكيع بيده وقال: - «يا بنى تميم، أتسلمونى اليوم؟» فقالوا: - «لا يا با المطرف.» وهريم بن طحفة المجاشعىّ على خيل بنى تميم ووكيع رأسهم. فأحجموا جميعا، فقال وكيع: - «يا هريم، قدّم!»

стр. 956

ودفع إليه الراية، وقال: - «قدّم خيلك.» فتقدّم هريم ودبّ وكيع فى الرجال، فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدوّ، فوقف وقال له وكيع: - «أقحم يا هريم.» فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصؤول [١] وقال: - «أنا أورد وأقحم خيلى هذا النهر، فإن انكشفت كان هلاكها. والله إنّك لأحمق.» قال: - «يا بن اللخناء لا أراك تردّ أمرى.» وحدفه [٢] بعمود كان معه. فضرب هريم فرسه فأقحمه، وقال: - «ما بعد هذا أشدّ من هذا.» وعبر هريم فى الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فدعا بخشب فقنطر على النهر وقال لأصحابه: - «من وطّن منكم نفسه على الموت فليعبر، ومن لا فليثبت مكانه.» فما عبر معه إلّا [٤٧٨] ثمانمائة رجل، فدبّ حتّى إذا أعيوا [أقعدهم] [٣] فأراحوا حتّى إذا دنوا من العدوّ جعل الخيل مجنّبتين، وقال لهريم: - «إنّى مطاعن القوم فاشغلهم عنّا بالخيل وقل للناس: شدّوا.» فحملوا، فو الله ما انثنوا حتّى خالطوهم، وحمل هريم [فى] خيله [٤] عليهم،

стр. 957

فطاعنوهم بالرماح، فما كفّوا عنهم حتّى حدّروهم عن موقفهم، ونادى قتيبة: - «من جاء برأس فله مائة.» فزعم موسى بن المتوكل القريعىّ، قال: جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بنى قريع كلّ رجل يجيء برأس، فيقال: - «ممّن أنت؟» فيقول: - «قريعىّ.» فجاء رجل من الأزد برأس، فقالوا له: - «من أنت؟» فقال: - «قريعىّ.» قال: وجهم بن زحر قاعد، فقال: - «كذب والله، أصلح الله الأمير، والله لابن عمّى.» فقال له قتيبة: - «ويحك! ما الذي دعاك إلى هذا؟» قال: - «رأيت كلّ من جاء برأس قال: قريعىّ. فظننت أنّه ينبغي لكلّ من جاء برأس أن يقول ذلك.» فضحك قتيبة حتّى استغرب [١] . وفتح الله على يديه بخارى، وفضّ أولئك الجمع. فلمّا تمّ له ذلك هابه أهل الصغد، فرجع طرخون ملك الصغد ومعه فارسان حتّى وقف قريبا من عسكر قتيبة [٤٧٩] وبينهما نهر بخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلا يكلّمه، فأمر قتيبة رجلا، فدنا منه فسأل الصلح على فدية يؤدّيها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طلب،

стр. 958

وصالحه وأخذ منه رهنا حتّى بعث إليه بما صالحه عليه. وانصرف طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبة ومعه نيزك. ذكر غدر نيزك ونقضه عهد قتيبة، وظفر قتيبة به بعد ذلك وقتله إيّاه أمّا طرخون فقد ذكرنا أنّه هاب قتيبة فصالحه، وأمّا نيزك فإنّه هابه ونقض الصلح. وكان سبب غدره أنّه لمّا فصل من بخارى مع قتيبة رأى ما صنع طرخون فقال لأصحابه وخاصّته: - «إنّى قد هبت هذا العربىّ لما يتمّ على يده من الفتوح وأنا معه ولست آمنه، وذلك أنّ العربىّ بمنزلة الكلب إذا ضربته نبح، وإذا أرضيته بصبص [١] ، وإن أنا غزوته ثمّ أرضيته شيئا نسى ما صنعت به، وقد قاتله طرخون مرارا، فلمّا أعطاه فدية قبلها، وهو مع ذلك شديد السطوة فلو استأذنته ورجعت، كان الرأى.» قالوا: - «فافعل.» فاستأذنه فى الرجوع إلى [٤٨٠] طخارستان فأذن له، فقال لأصحابه: - «أحدّوا السير.» فساروا سيرا شديدا حتّى أتوا النوبهار [٢] . فنزل يصلّى فيه ويتبرّك به، وقال لأصحابه: - «إنّى لا أشك أنّ قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على إذنه لى، وسيقدم

стр. 959

الساعة رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي فأقيموا ربيئة [١] ينظر، فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة وخرج من الباب فإنّه لا يبلغ البروقان حتّى يبلغ طخارستان.» فبعث المغيرة رجلا فلا يدركنا حتّى نبلغ شعب خلم [٢] ، ففعلوا، وكان كما قال: وأقبل رسول قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك. فلمّا مرّ الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان- ومدينة بلخ يومئذ خراب- ركب نيزك فى أصحابه فمضوا، وقدم الرسول على المغيرة وهو بالبروقان فى طلبه، فوجده قد دخل فى شعب خلم، فانصرف المغيرة، وأظهر نيزك الخلع، وكتب إلى إصبهبد بلخ، وإلى باذان ملك مروروذ، وإلى سهرك ملك الطالقان، وإلى شهرك ملك الفارياب، وإلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه وواعدهم [٤٨١] الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة، وكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله، وسأله أن يأذن له، إن اضطرّ إليه، أن يأتيه ويؤمنه فى بلاده. فأجابه إلى ذلك، وضمّ ثقله. وكان جبغويه [٣] ملك طخارستان ونيزك من عبيده، إلّا أنّه كان ضعيفا واسمه الشذّ [٤] ، فأخذه نيزك وقيّده بقيد من ذهب مخافة أن يشغب عليه ويمنعه. فلمّا استوثق منه أخرج عامل قتيبة من بلاد جبغويه وكان العامل محمد بن سليم الناصح، وكان محبّبا مصدّقا عند الناس، وبلغ قتيبة خلع نيزك فى قبل الشتاء، وقد تفرّق عنه الجند، فلم يبق معه إلّا أهل مرو، فبعث أخاه عبد الرحمان إلى بلخ فى اثنى عشر ألفا إلى البروقان وقال:

стр. 960

- «أقم ولا تحدث شيئا، فإذا حسر الشتاء فعسكر وسر نحو طخارستان واعلم أنّى قريب منك.» فسار عبد الرحمان، فنزل البروقان، وأمهل قتيبة، حتّى إذا كان فى آخر الشتاء كتب إلى أهل أبر شهر وأبيورد وسرخس، فقدموا عليه مع أهل هراة، فأوقع بالطالقان لأنّ ملكها [٤٨٢] طابق نيزك على حرب قتيبة وواعده مع من استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قتيبة. فسار قتيبة إلى الطالقان، فأوقع بأهلها وقتل منهم مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ فى نظام واحد، وبلغ مرزبان مرو الروذ إقباله إلى بلاده، فهرب إلى بلاد الفرس. فقدم قتيبة مرو الروذ، فوجد ابنين له فقتلهما وصلبهما، ومضى إلى ملك الفارياب، فتلقّاه ملكها بالطاعة، فرضي عنه ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها رجلا، وخرج صاحب الجوزجان هاربا، فترك أرضه ولحق بالجبال. ثمّ مضى يتبع أخاه عبد الرحمان وكان خلّف نيزك على فم الشعب مقاتلة، وترك أيضا فى قلعة من وراء الشعب مقاتلة، فأقام قتيبة أيّاما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدم منهم على شيء ولا يقدر على دخوله ولا يعرف طريقا يفضى إلى نيزك إلّا الشعب أو مفازة لا تحمل العساكر. فهو فى ذاك متحيّر إذ قدم عليه [الرؤب خان] [١] ملك الرؤب [٢] ، فاستأمنه على أن يدلّه [٤٨٣] على مدخل القلعة التي من وراء الشعب. فآمنه قتيبة وأعطاه ما سأله، وبعث معه رجالا ليلا، فانتهى بهم إلى القلعة التي من وراء شعب خلم، فطرقوهم وهم آمنون وفلّوهم وهرب من كان فى الشعب، ودخل قتيبة، والناس معه، الشعب، وسار إلى نيزك،

стр. 961

وقدّم أخاه عبد الرحمان، وبلغ خبره نيزك [١] ، فارتحل من منزله وقطع وادي فرغانه، ووجّه بثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتّى نزل الكرّز وعبد الرحمان بن مسلم يتبعه، وأخذ عليه مضائق الكرّز، فتحرّز نيزك فى الكرّز وليس إليه مسلك إلّا من وجه واحد وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدوابّ. فحصره قتيبة شهرين حتّى قلّ ما فى يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدرىّ وجدّر جبغويه، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليما الناصح فقال له: - «انطلق إلى نيزك، فاحتل أن يأتينى به بغير أمان، فإن أعياك وأبى فآمنه واعلم أنّى إن عاينتك وليس هو معك صلبتك، فاعمل [٢] لنفسك.» قال: - «فإن كنت فاعلا فاكتب إلى عبد الرحمان لا يخالفني.» [٤٨٤] وكان بينهما فرسخان. قال: - «نعم.» فكتب له. فلمّا قدم على عبد الرحمان، قال: - «ابعث رجالا، فليكونوا على فم الشعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا، فليحولوا بيننا وبين الشعب.» قال: فبعث عبد الرحمان خيلا، فكانت حيث أمرهم سليم، وحمل معه من الأطعمة والأخبصة [٣] التي تبقى أيّاما أوقارا حتّى أتى نيزك، فقال له نيزك: - «خذلتني يا سليم!» قال:

стр. 962

- «ما خذلتك، ولكن عصيتني وأسأت إلى نفسك، خلعت وغدرت.» قال: - «دعني من العتاب، ما لرأى؟» قال: - «الرأى أن تأتيه، فقد أمحكته [١] وليس ببارح [٢] موضعه هذا وقد اعتزم على أن يشتو بمكانه، هلك أو سلم.» قال: - «يا سليم آتيه من غير أمان.» قال: - «ما أظنّه يؤمنك، فقد ملأت قلبه غضبا، ولكنّى أرى ألّا يعلم بك حتّى تضع يدك فى يده، فإنّى أرجو إن فعلت ذلك أن يستحى منك ويعفو عنك.» قال: - «أترى ذاك؟» قال: - «نعم.» قال: - «إنّ نفسي لتأبى هذا وهو إن رءانى قتلني.» قال سليم: - «ما أتيتك إلّا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت [٤٨٥] أن تسلم وتعود حالك عنده إلى ما كانت. فأمّا إذا أبيت فأنا منصرف.» قال: - «فتغذّ الآن.» قال: - «لأظنّكم فى شغل عن تهيئة الطعام ومعنا طعام كثير.» ودعا سليم بالغداء، فجاؤوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغمّ ذلك نيزك وتبيّن ذاك فى وجهه. فقال له سليم: - «يا با الهيّاج، إنّى لك من الناصحين، إنّى أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك، فانطلق معى حتّى تأتى قتيبة.» قال: - «ما كنت لآتيه على غير أمان وإنّ ظنّى به أنّه قاتلي وإن آمنني، ولكنّ

стр. 963

[الأمان] [١] أعذر لى وأرجى أن يؤمنني.» قال: - «فقد آمنك، أفتتّهمني؟» قال: - «لا.» قال: - «فانطلق معى.» فقال له أصحابه: - «اقبل قول سليم، فلم يكن ليقول إلّا حقا.» فدعا بدوابّه وخرج مع سليم فلمّا انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض، قال: - «يا سليم، من كان لا يعلم متى يموت فإنّى أعلم متى أموت. أموت ساعة أعاين قتيبة.» قال: - «كلّا!» فركب ومضى معه جبغويه، وقد كان برأ من الجدرىّ. فلمّا خرجوا من الشعب عطفت الخيل التي خلّفها [٤٨٦] سليم على فوهة الشعب، فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزك لسليم: - «هذا أوّل الشرّ.» قال: - «لا تفعل، تخلّف [٢] هؤلاء عنك خير لك.» وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتّى دخلوا على عبد الرحمان بن مسلم. فأرسل رسولا إلى قتيبة يعلمه، فأرسل قتيبة عمرو بن مهزوم إلى عبد الرحمان أن اقدم بهم. فحبس أصحاب نيزك، ودفع نيزك إلى ابن بسّام الليثي وكتب إلى الحجّاج يستأذنه فى قتل نيزك. فجعل ابن بسّام نيزك فى قبّته وحفر حول القبّة خندقا، فوضع عليه حرسا، ووجّه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمي،

стр. 964

فاستخرج ما كان فى الكرّز من المتاع ومن كان فيه فقدم بهم على قتيبة فحبسهم ينتظر كتاب الحجّاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك، فدعا به وقال له: - «هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمان أو عند سليم؟» قال: - «لى عند سليم.» قال: - «كذبت.» وقام ودخل وردّ نيزك إلى حبسه، فمكث ثلاثة أيّام ولا يظهر للناس. وتكلّم الناس فى أمر نيزك، فقال بعضهم: - «لا يحلّ قتله.» وقال بعضهم: - «لا يحلّ له [٤٨٧] تركه.» وخرج قتيبة فى اليوم الرابع، فجلس وأذن للناس، فقال: - «ما ترون فى قتل نيزك؟» فاختلفوا: فقال قائل: - «اقتله.» وقال قائل: - «قد أعطيته [١] عهدا، فلا تقتله.» وقال قائل: - «لا تأمنه على المسلمين.» فدخل ضرار بن الحصين الصبّى. فقال: - «ما تقول يا ضرار؟» قال: - «أقول: إنّى سمعتك تقول: أعطيت الله لئن مكّننى منه لأقتلنّه! فإن لم تفعل لم ينصرك عليه.» فأطرق قتيبة طويلا ثمّ قال:

стр. 965

- «والله، لئن لم يبق من أجلى إلّا ثلاث كلمات لقلت: اقتلوه، اقتلوه، اقتلوه،» وأرسل إلى نيزك، فأمر بقتله وقتل أصحابه. فقتلوا وهم سبعمائة. وفى رواية أخرى: إنّ قتيبة قال لبكر بن حبيب السهمي من باهلة: - «هل بك قوّة؟» قال: - «نعم، وأزيد [١] .» وكانت فى بكر أعرابيّة، قال: - «دونك هؤلاء الدهاقين.» فقتل يومئذ اثنى عشر ألفا، وصلب نيزك وابني أخيه فى أصل عين تدعى: وخش خاشان. ثمّ أذن قتيبة للسيل والشذّ، فانصرفا إلى بلادهما، وأطلق جبغويه ومن عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتّى مات الوليد. وكان الحجّاج يقول: - «بعثت قتيبة [٤٨٨] فتى غرّا. فما زدته ذراعا إلّا زادني كراعا.» فتح شومان وكسّ ونسف ثم غزا قتيبة شومان وكسّ ونسف، ففتحها عنوة، وسرّح أخاه عبد الرحمان بن مسلم إلى السغد، فسار حتّى نزل بمرج قريب منهم، فراسله ملكها بشيء صالحه عليها، ودفع إليه رهنا كانوا معه، وانصرف عبد الرحمان إلى قتيبة وهو ببخارى، فرجعوا إلى مرو، فقالت السغد لطرخون: - «إنّك قد رضيت بالذلّ، وأعطيت الجزية وأنت شيخ!» فقال: - «إنّ عدوّنا قوىّ، وأرى مداراته أدوم لنا وأجمع لشملنا.» فقالوا:

стр. 966

- «لا حاجة لنا فيك.» قال: - «فولّوا من أحببتم.» فولّوا غورك [١] وحبسوا طرخون. فقال طرخون: - «ليس بعد سلب الملك والحبس إلّا القتل، فيكون ذلك بيدي أحبّ إلىّ من أن يليه منّى غيرى.» واتّكأ على سيفه حتّى خرج من ظهره. فتح خوارزم وغزا قتيبة خوارزم، فصالحه صاحبها، ومضى منها إلى السغد، وذلك فى سنة ثلاث وتسعين. وكان سبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرّزاذ على أمره، وكان خرّزاذ أصغر منه، فكان إذا بلغه أنّ عند [٤٨٩] أحد ممّن هو منقطع إلى الملك، جارية أو دابّة أو متاعا فاخرا، أرسل فأخذه، وإذا بلغه أنّ عند أحد منهم بنتا [٢] أو أختا جميلة أرسل فغصبه إيّاها، فإذا شكا إلى الملك. قال: - «لا أقوى عليه.» وقد ملأه مع هذا غيظا. فكتب إلى قتيبة يدعوه [٣] إلى أرضه، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكلّ من كان يضادّه ليحكم فيه ما يرى. وبعث فى ذلك رسلا ولم يطلع أحدا من مرازبته على ما كتب به. فقدم رسله على قتيبة فى آخر الشتاء وقت الغزو وقد تهيّأ للغزو، فأظهر قتيبة أنّه يريد السغد، ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما أحبّ من قبل قتيبة، وجمع خوارزم شاه دهاقنته وأمناءه، فقال لهم:

стр. 967

- «إنّ قتيبة يريد السغد وليس بغازيكم، فهلمّوا نتنعّم فى ربيعنا.» فأقبلوا على الشرب والتنعّم وأمنوا عند أنفسهم الغزو، فلم يشعروا حتّى نزل قتيبة فى هزار دشت [١] ، فقال خوارزم شاه لأصحابه: - «ما ترون؟» فقالوا: - «نرى أن نقاتله.» قال: - «لكنّى لا أرى ذلك، لأنّه عجز عنه من هو أقوى منّا وأشدّ شوكة، ولكنّا نؤدّى إليه شيئا نصرفه به عامنا [٤٩٠] ونرى رأينا.» قالوا: - «فرأينا رأيك.» فأقبل خوارزم شاه حتّى نزل فى مدينة الفيل من وراء النهر ومدائن خوارزم ثلاث يطيف بها فارقين واحد [٢] ، فمدينة الفيل أحصنهنّ، وقتيبة فى هزار دشت بينهما نهر بلخ، فلم يعبر، فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين ومتاع على أن يعينه على ملك خام جرد [٣] وأن يفي له بما كتب إليه. فقبل منه قتيبة ووفى له، وبعث أخاه إلى ملك خام جرد، وكان يعادى خوارزم شاه، فقاتله فقتله عبد الرحمان وغلبه على أرضه، وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير. فلمّا جاء بهم عبد الرحمان أمر قتيبة بسريره، فأخرج فقتل الأسرى بين يديه. فحكى المهلّب بن إياس أنّه أخذت سيوف الأشراف يضرب بها الأعناق فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح. فأخذ سيفي فلم يضرب به شيء إلّا أبانه. فحسدنى بعض آل قتيبة، فغمز الذي يضرب به أن اصفح بالسيف، فصفح به قليلا، فوقع فى

стр. 968

ضرس المقتول فثلمه. قال: فرأيت السيف وكان أبو الذيّال يقول: هو [٤٩١] عندي بعينه. فتح السغد ولمّا أخذ قتيبة صلح صاحب خوارزم قام إليه المجسّر [١] بن مزاحم السلمى فقال: - «إنّ لى حاجة فأخلنى.» فأخلاه، فقال: - «إن أردت السغد يوما من الدهر فالآن. فإنّهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا، وإنّما بينك وبينهم عشرة أيّام.» فقال له قتيبة: - «أشار عليك أحد بهذا؟» قال: - «لا.» قال: - «فأعلمته أحدا؟» قال: - «لا.» قال: - «فو الله، لئن تكلّم به أحد لأضربن عنقك.» فأقام يومه ذلك. فلمّا أصبح من الغد دعا عبد الرحمان فقال: - «سر فى الفرسان والمرامية وقدّم الأثقال إلى مرو.» فوجّهت الأثقال إلى مرو، ومضى عبد الرحمان يتبع الأثقال يريد مرو يومه كلّه. فلمّا أمسى كتب إليه: - «إذا أصبحت فوجّه الأثقال إلى مرو، وسر فى الفرسان والمرامية نحو السغد

стр. 969

واكتم الأخبار فإنّى بالأثر.» فلمّا أتى عبد الرحمان الخبر أمضى الأثقال إلى مرو، وسار حيث أمره. وخطب قتيبة الناس فقال: - «إنّ الله، ، قد فتح لكم هذه البلدة فى وقت الغزو فيه ممكن وهذه السغد [٤٩٢] شاغرة برجلها قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، ومنعونا من مال الصلح الذي صالحنا عليه صاحبهم، وصنعوا به ما بلغكم. وقال الله، : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ٤٨: ١٠ [١] . فسيروا على بركة الله فإنّى أرجو أن تكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة.» فأتى السغد وقد سبقه عبد الرحمان بن مسلم فى عشرين ألفا، وقدم عليه قتيبة فى أهل خوارزم بعد ثالثة ورابعة، فقال: - «إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين [٢] .» فحصرهم شهرا، فقاتلوه فى حصارهم من وجه واحد، وخاف أهل السغد طول الحصار، فكتبوا إلى أهل الشاش وإخشيذ [٣] فرغانة: - «إنّ العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم فاجتمعوا على أن تأتوهم.» فأرسلوا إليهم أن: - «أرسلوا إليهم من يشغلهم حتّى نبيّت عسكرهم.» وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والأساورة والأشدّاء الأبطال، فوجّهوهم وأمروهم أن يبيّتوا عسكرهم. وجاءت عيون المسلمين، فأخبروهم، فانتخب

стр. 970

قتيبة [٤٩٣] ثلاثمائة أو ستمائة من أهل النجدة واستعمل عليهم صالح بن مسلم. وكان ملك الشاش وإخشيذ فرغانة وخاقان لمّا أتاهم كتاب غورك قالوا: - «إنّ صاحب السغد بيننا وبين العرب، فإن وصلوا إليهم كنّا أضعف وأذلّ، فإنّا والله ما نؤتى إلّا من سفلتنا وإنّهم لا يجدون كوجدنا، ونحن معشر الملوك المعنيّون بهذا الأمر.» فانتخبوا أبناء الملوك وفتيانهم وقالوا لهم: - «أخرجوا حتّى تأتوا على عسكر قتيبة، فإنّه مشغول بحصار السغد.» وولّوا عليهم ابنا لخاقان. وبلغ قتيبة الخبر كما حكيناه من أمره، فانتخب من أهل النجدة والبأس، فكان منهم: شعبة بن ظهير، وزهير بن حيّان، وعدّة من أمثالهم، فقال لهم: - «إنّ عدوّكم قد رأوا بلاء الله عندكم وتأييده إيّاكم، فأجمعوا على أن يحتالوا ويطلبوا غرّتكم وبياتكم، واختاروا دهاقينهم وملوكهم، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم وقد فضّلكم [الله] [١] بدينه، فأبلوا الله بلاءا حسنا تستوجبون به الثواب مع الذبّ عن أحسابكم.» ووضع قتيبة [٤٩٤] عيونا على العدوّ، حتّى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكرهم من الليل، أخرج الذين انتخبهم، واستعمل عليهم صالح بن مسلم. فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصف لهم. وفرّق صالح خيله، وأكمن كمينا عن يساره ويمينه، حتّى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه جاء العدوّ باجتماع وإسراع وصمت، وصالح واقف فى خيله. فلمّا رأوه شدّوا عليه حتّى إذا اختلفت الرماح شدّ الكمينان عن يمين وشمال. فلم ير قوم

стр. 971

كانوا أشدّ منهم. فتحدّث شعبة قال: إنّا لنختلف عليهم بالضرب والطعن إذ تبيّنت قتيبة، فضربت ضربة أعجبتنى وأنا أنظر إلى قتيبة فقلت: - «كيف ترى بأبى أنت وأمّى؟» فقال: - «اسكت دقّ الله فاك.» فقتلناهم، فلم يفلت منهم إلّا الشريد، وأقمنا نحوي [١] الأسلاب، ونحتزّ الرؤوس حتّى أصبحنا، ثمّ أقبلنا إلى العسكر. فلم أر قطّ جماعة جاءوا بمثل ما جئنا به، ما منّا رجل إلّا معلّقا رأسا معروفا باسمه، وسلبا من جيّد السلاح [٤٩٥] وكريم المتاع ومناطق الذهب ودوابّ فره، وجئنا بالرؤوس إلى قتيبة، فقال: - «جزاكم الله خيرا عن الدين والأحساب.» ثمّ أكرمنى من غير أن يكون باح لى بشيء، وقرن بى فى الصلة والإكرام حيّان العدوى وحليسا الشيبانى. فظننت أنّه رأى منهما مثل الذي رأى منّى. وكسر ذلك أهل السغد وطلبوا الصلح وعرضوا الفدية، فأبى قتيبة وقال: - «أنا ثائر بدم طرخون- يعنى صاحبهم- كان مولاي، وفى ذمّتى.» ووضع قتيبة عليهم المجانيق فرماهم وهو فى ذلك لا يقلع عنهم، وناصحه من كان معه من أهل بخارى وأهل خوارزم، وبذلوا أنفسهم. فأرسل إليهم غورك: - «إنّك إنّما تقاتلني بإخوتى وأهل بيتي من العجم فأخرج [٢] إلى العرب.» فغضب قتيبة ودعا الجدلىّ وقال: - «اعرض الناس وميّز أهل البأس.» فجمعهم، ثمّ جلس قتيبة يعرضهم بنفسه، ودعا العرفاء، فجعل يدعو برجل

стр. 972

رجل فيقول: - «ما عندك؟» فيقول العريف: - «شجاع.» ويقول: - «ما هذا؟» فيقول: - «محتضر [١] .» ويقول: - «ما هذا؟» فيقول: - «جبان.» فسمّى قتيبة الجبناء الأنتان [٢] ، وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم [٤٩٦] فأعطاه الشجعاء والمحتضرين [٣] ، فترك لهم رثّ السلاح، ثمّ زحف بهم فقاتل بهم فرسانا ورجالا، ورمى المدينة بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدّوها بغرائر الدخن [٤] وجاء رجل حتّى قام على الثلمة، فشتم قتيبة شتما قبيحا فضيحا [٥] بالعربيّة. وكان مع قتيبة قوم رماة، فقال لهم: - «اختاروا منكم رجلين.» فاختاروا. فقال: - «أيّكما يرى هذا الرجل، فإن أصابه فله عشرة آلاف وإن أخطأ قطعت يده.» فتلكّأ أحدهما وتقدّم الآخر، فلم يخطئ عينه. فأمر له بعشرة آلاف. فتحدّث يحيى بن خالد بن ثابت مولى مسلم بن عمرو قال: كنت فى رماة قتيبة، فلمّا فتحنا المدينة صعدت السور، فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه،

стр. 973

فوجدته ميّتا على الحائط ما أخطأت النشّابة عينه حتّى خرجت من قفاه. ثمّ أصبحوا من غد فرموا المدينة حتّى ثلموا فيها. وقال قتيبة: - «ألحّوا عليها حتّى تعبروا الثلمة.» فقاتلوهم، ورماهم السغد بالنشّاب، فوضعوا ترستهم على أعينهم، ثمّ حملوا حتّى صاروا على الثلمة، وكانوا طلبوا الصلح، فقال قتيبة: - «لا والله! [٤٩٧] ما نصالحكم إلّا ورجالنا على الثلمة ومجانيقنا تخطر على مدينتكم.» فصالحهم من غد على ألفى ألف ومائتي ألف [١] [٠٠٠، ٢٠٠، ٢] فى كلّ عام، على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس [٢] ليس فيه صبىّ ولا شيخ ولا ذو عيب، وعلى أن يخلوا المدينة لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى فيها مسجد فيدخل ويصلّى، ويوضع له فيها منبر، ويتغدّى ويخرج. فلمّا تمّ الصلح بعث قتيبة بعشرة من كلّ خمس [٣] برجلين، فقبضوا ما صالحهم عليه، فقال قتيبة: - «الآن ذلّوا حين صار أزواجهم وأولادهم فى أيديكم.» ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا، فدخلها قتيبة فى أربعة آلاف انتخبهم. فلمّا دخلها أتى المسجد، فصلّى وخطب، ثمّ تغدّى. وأرسل إلى أهل السغد: - «من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ، فإنّى لست خارجا منها، وإنّما صنعت هذا لكم، ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه غير أنّ الجند يقيمون فيها.»

стр. 974

والباهليّون يقولون: صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس [١] وبيوت النيران وحلية الأصنام. فقبض [٤٩٨] ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسلبت ووضعت بين يديه وكانت كالقصر العظيم حين جمعت، فأمر بتحريقها. فقالت الأعاجم: - «إنّ فيها أصناما من حرقها هلك.» فقال قتيبة: - «أنا أحرقها بيدي.» فجاء غورك [٢] ، فجثا بين يديه وقال: - «إنّ شكرك علىّ واجب، لا تعرّض لهذه الأصنام.» فدعا قتيبة بالنار، فأخذ شعلة بيده، وخرج فكبّر، ثمّ أشعلها وأشعل الباب، فاضطرمت، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضّة خمسين ألف مثقال. جارية رابعة ليزدجرد أصابها قتيبة ومن ملح الحديث وإن لم يكن من شرط هذا الكتاب، أنّ قتيبة أصاب بالسغد جارية رابعة من ولد يزد جرد [٣] ، فقال: - «أترون ابن هذه يكون هجينا؟» فقالوا: - «نعم، يكون هجينا من قبل أبيه.» فبعث بها إلى الحجّاج، فبعث بها الحجّاج إلى الوليد، فولدت له يزيد بن الوليد.

стр. 975

ما أوصى به قتيبة عبد الله بن مسلم ولمّا فتح قتيبة سمرقند استخلف عليها عبد الله بن مسلم وخلّف عنده جندا كثيفا وآلة من آلات الحرب كثيرة، وقال: - «لا تدعنّ مشركا يدخل بابا من أبواب سمرقند إلّا [٤٩٩] مختوم اليد، فإن جفّت الطينة قبل أن يخرج فاقتله، وإن وجدت معه حديدة أو سكّينا فما سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها منهم فاقتله. وقال قتيبة لمّا جمع بين فتح خوارزم وسمرقند: - «هذا العداء لا عداء العيرين.» لأنّه افتتح خوارزم وسمرقند فى عام واحد، وذلك أنّ الفارس إذا صرع فى طلق واحد عيرين، قيل: عادى بين عيرين. فتوح أخرى تمّت فى هذه المدّة وفى هذه المدة التي ذكرنا فيها أمور الحجّاج بالعراق وأخباره مع الخوارج وعبد الرحمان بن الأشعث وغزوات قتيبة والمهلّب قبله كانت غزوات لعبد الله بن عبد الملك أرض الروم، ففتح فيها المصيصة وغيرها، وغزوات لمسلمة بن عبد الملك، ففتح فيها طوانة، وغيرها، وقسطنطنين، وغزالة، وحصن سورية، وعمّورية وهرقلة، وقمولية. وغزا أيضا مسلمة بن عبد الملك فى هذه المدة الترك حين بلغ الباب من ناحية أذربيجان. وأغزى موسى بن نصير الأندلس، ففتحها، وفتح موسى بن نصير من بلاد الأندلس عدّة مدن، وقتل ملكها، وكان [٥٠٠] رجلا من أهل إصبهان، وكان ملوك الأندلس يلقّبون كما تلقّب الأكاسرة والقياصرة، فيقال لملكها: الأذرينوق [١] ،

стр. 976

فقتله موسى بعد قتال شديد لم تكن فيها مكيدة، وكانت فيها غزوات العباس بن الوليد أرض الروم. وغزوات لمروان بن الوليد الروم، فتحوا لهم مدنا وحصونا. ولم يذكر فى جميع ذلك ما يستفاد منه تجربة. وقتل الحجّاج سعيد بن جبير فى سنة خمس وسبعين. ذكر كلام لسعيد بن جبير كان سبب قتله قال: لمّا أتى الحجّاج بسعيد بن جبير، قال: - «لعن الله ابن النصرانيّة..» يعنى خالدا القسرىّ وهو الذي كان أرسل به من مكّة. - «.. أتراني ما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكّة.» ثم أقبل على سعيد، فقال: - «يا سعيد، ما أخرجك علىّ مع عدوّ الرحمان [١] ؟» قال: - «أصلح الله الأمير، إنّما أنا رجل من المسلمين يخطئ مرّة ويصيب مرّة.» قال: فطابت نفس الحجّاج وتطلّق حتّى رجونا [٥٠١] أن يتخلّص منه. عاوده فى شيء، فقال: - «إنّما كانت له بيعة فى عنقي.» قال: فغضب الحجّاج وانتفخ حتّى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه، وقال: - «يا سعيد، ألم أقدم مكّة فقتلت ابن الزبير، ثمّ أخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟» قال: - «بلى.» قال:

стр. 977

- «ثم قدمت الكوفة واليا على العراق، فجدّدت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟» قال: - «بلى.» قال: - «فنكثت لأمير المؤمنين بيعتين، ووفيت بواحدة لابن الحائك! يا حرسىّ اضرب [١] عنقه.» ثم قام ليركب، فوضع رجله فى الركاب، وقال: - «لا والله، لا أركب حتّى تبوّأ مقعدك من النار.» فضربت عنقه، فالتبس عقله مكانه، فجعل يقول: - «قيودنا قيودنا!» فظنّ أنّه يريد القيود التي فى رجل سعيد بن جبير، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. فكان إذا نام يراه فى منامه كأنّه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: - «ما لى ولابن جبير؟» موت الحجّاج بن يوسف وفيه هذه السنة مات الحجّاج بن يوسف، وكان استخلف فى مرضه [٥٠٢] على حرب العراقين والصلاة بأهلها يزيد بن كبشة، وعلى خراجها يزيد بن أبى مسلم، فأقرّهما الوليد بعد موت الحجّاج، وكذلك فعل بعمّال الحجّاج، أقرّهم على أعمالهم التي كانوا عليها فى حياته. ودخلت سنة ستّ وتسعين من سيرة الوليد بن عبد الملك وفيها مات الوليد بن عبد الملك فى النصف من جمادى الآخرة منها، وكان

стр. 978

عند أهل الشام أفضل خلائفهم [١] ، وذلك أنّه بنى مساجد منها مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنار وأعطى المجذّمين وأفردهم، وقال: - «لا تسألوا الناس!» وأعطى كلّ مقعد خادما وكلّ ضرير قائدا. وفتحت فى ولايته فتوح عظام. أمّا موسى بن نصير ففتح الأندلس، وبلغ قتيبة كاشغر، وهي أوّل مدائن الصين، وفتح محمد بن القاسم الهند. وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع. فكان الناس فى أيامه إذا التقوا فإنّما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والضياع. ثم ولى سليمان فكان صاحب نكاح وطعام، وكان الناس [٥٠٣] يسأل بعضهم بعضا عن التزويج والجواري. فلمّا ولى عمر بن عبد العزيز، كانوا يلتقون فيقولون: - «ما وردك؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ وكم تصوم من الشهر؟» وكان الوليد وسليمان وليّى عهد عبد الملك. فلمّا أفضى الأمر إلى الوليد أراد أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان. فأبى سليمان، فأراده [٢] على أن يخلعه من بعده، فامتنع أيضا، فعرض عليه أموالا كثيرة، فأبى. فكتب إلى عمّاله بأن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه أحد إلّا الحجّاج وقتيبة. ذكر رأى لعبّاد بن زياد فقال عبّاد بن زياد: - «يا أمير المؤمنين، إنّ الناس لا يجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمنهم على الغدر بابنك، فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك، فإن لك عليه طاعة، فأرده على

стр. 979

البيعة لابنك عبد العزيز من بعده، فإنّه لا يقدر على الامتناع وهو عندك، فإن أبى كان الناس عليه.» [٥٠٤] فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالمسير إليه، فأبطأ، واعتزم الوليد على المسير إليه وعلى أن يخلعه. فأمر الناس بالتأهّب وأخرجت مضاربه ومات قبل أن يسير. فتح كاشغر وما دار بين مبعوثى قتيبة وملك الصين وكان قتيبة قد غزا فى هذه السنة مدينة كاشغر وهي أدنى مدائن الصين. فلمّا بلغ فرغانة أتاه موت الوليد، فوغل قتيبة حتّى قرب من الصين، فكتب إليه ملك الصين أن: - «ابعث إلىّ رجلا من أشراف من معكم يخبرنا عنكم ونسأله عن دينكم.» فانتخب قتيبة من عسكره اثنى عشر رجلا من أفناء [١] القبائل لهم جمال وأجسام وألسن وبأس. وبعد أن سأل عنهم، فوجدهم بحيث أحبّ، فكلّمهم قتيبة وفاطنهم، فرأى عقولا وجمالا، فأمر لهم بعدّة حسنة من السلاح والمتاع والجيّد من الخزّ والوشي والليّن من الثياب والرقيق والبغال والعطر، وحملهم على خيول مطهّمة تقاد معهم، ودوابّ يركبونها، وقال لهم: - «سيروا على بركة الله، فإذا دخلتم عليه فأعلموه أنّى قد حلفت أن لا [٥٠٥] أنصرف حتّى أطأ بلادهم و [أختم] [٢] ملوكهم وأجبى خراجهم.» فساروا وعليهم هبيرة بن المشمرج [٣] ، فلمّا قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم. فدخلوا الحمّام، ثمّ خرجوا، فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل، ثمّ مسّوا

стр. 980

الغالية، ولبسوا النعال والأردية ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلّمهم الملك ولا أحد من جلسائه، فنهضوا فقال الملك لمن حضره: - «كيف رأيتم هؤلاء؟» قالوا: - «رأينا قوما هم نساء، ما بقي منّا أحد حين رءاهم ورأى شعورهم ووجد رائحتهم إلّا انتشر ما عنده.» قال: فلمّا كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشي وعمائم الخزّ والمطارف وغدو عليه. فلمّا دخلوا إليه قيل لهم: - «ارجعوا!» ثم قال لأصحابه: - «كيف رأيتم؟» قالوا: - «هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك [الهيئة] [١] الأولى وهم أولئك.» فلمّا كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدّوا عليهم سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر، وتقلّدوا السيوف، وأخذوا الرماح، وتنكّبوا القسىّ [٥٠٦] وركبوا خيولهم. فنظر إليهم صاحب الصين من منظرة له، فرأى أمثال الجبال مقبلة. فلمّا دنوا ركّزوا رماحهم، ثمّ أقبلوا مشمّرين، فقيل لهم قبل أن يدخلوا: - «ارجعوا!» فانصرفوا. فلمّا ركبوا خيولهم اختلجوا رماحهم ثمّ رفعوا خيولهم كأنّهم يتطاردون بها. فقال الملك لأصحابه: - «كيف ترونهم؟» قالوا: - «ما رأينا مثل هؤلاء قطّ.» فلمّا أمسى أرسل إليهم أن ابعثوا إلىّ زعيمكم وأفضلكم رجلا.

стр. 981

فبعثوا إليه هبيرة، فقال له حين دخل عليه: - «قد رأيتم عظيم ملكي وأنّه ليس أحد يمنعكم منّى وأنتم فى بلادي بمنزلة الخاتم فى كفّى، وأنا سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقوني [١] قتلتكم.» قال: - «سل.» قال: - «لم صنعتم ما صنعتم من الزىّ [٢] فى اليوم الأوّل والثاني والثالث؟» قال: - «أمّا زيّنا فى اليوم الأوّل فلباسنا فى أهالينا، وأمّا يومنا الثاني، فإذا أتينا أمراءنا، وأمّا يومنا الثالث فزيّنا لعدوّنا، فإذا هاج هيج كنّا هكذا.» قال: - «ما أحسن ما دبّرتم دهركم! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف [٥٠٧] فإنّى قد عرفت حرصه وقلّة أصحابه وإلّا بعثت إليه من يهلكه ويهلككم معه.» ذكر كلام لهبيرة فى جواب الملك صار سببا لحمله الخراج وتهيّبه الحرب فأجابه هبيرة وقال: - «كيف يكون قليل الأصحاب من أوّل خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون، وكيف يكون حريصا من خلّف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك؟ وأمّا تخويفك إيّانا بالقتل فإنّ لنا آجالا إذا حضرت فلسنا نكرهها ولا نخافها.» فقال بعد أن أطرق: - «فما الذي يرضى صاحبك؟» قال: - «إنّه قد حلف ألّا ينصرف حتّى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى

стр. 982

الجزية.» قال: - «فإنّا نخرجه من يمينه: نبعث إليه بتراب أرضنا فيطأه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها.» قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم. ثمّ أجازهم فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعثوا به.» فقبل الجزية وختم الغلمة وردّهم ووطئ التراب. فقال فى ذلك سوادة بن عبد الله السلولي: لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم ... للصين لو سلكوا طريق المنهج [٥٠٨] كسروا الجفون على العدى [١] خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج لم يرض غير الختم فى أعناقهم ... ورهائن دفعت لحمل سمرّج أدّى رسالتك التي استرعيته ... وأتاك من حنث اليمين بمخرج قال: فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس. من سيرة قتيبة وكان من سيرة قتيبة إذا بعث طلائع الفرسان أو غيرهم أن يأمر بلوح منقوش فيشقّ شقّتين، فيعطيهم شقّة ويحتبس شقّة ويأمرهم أن يدفنوها فى موضع يصفه من مخاضة معروفة، أو تحت شجرة معلومة، ثمّ يبعث بعده من يستخرجها ليعلم أصادق طليعته أم لا.

стр. 983

خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان وفى هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك وخالف قتيبة بخراسان وتأدّى أمره إلى أن قتل. ذكر السبب فى ذلك كان سبب ذلك ما حكيناه من إجابة قتيبة الوليد إلى خلع سليمان. فلمّا مات الوليد وبويع سليمان خافه قتيبة، وأشفق أن يولّى سليمان يزيد بن المهلّب خراسان [٥٠٩] لمودّة كانت بين يزيد بن المهلّب وبين سليمان. فكتب قتيبة كتابا إلى سليمان يهنّئه بالخلافة ويعزّيه عن الوليد ويعلمه بلاءه [١] وطاعته لعبد الملك والوليد وأنّه على مثل ذلك له من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان، ثمّ كتب كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته فى صدورهم وبعد صوته فيهم، ويذمّ المهلّب وآل المهلّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه. ثم كتب كتابا ثالثا فيه خلعه. وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال:

стр. 984

- «ادفع هذا الكتاب، فإن كان يزيد بن المهلّب حاضرا فقرأه ثمّ ألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأه وألقاه إليه فادفع إليه هذا الكتاب الثالث. وإن قرأ الأوّل ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين.» فقدم رسول قتيبة ودخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلّب، فدفع الكتاب الأوّل، فقرأه، ثمّ ألقاه إلى يزيد، ثمّ دفع إليه الكتاب الثاني [٥١٠] فقرأه ثمّ رمى به إلى يزيد، ثمّ أعطاه الكتاب الثالث فتمعّر [١] لونه ثمّ دعا بطين فختمه ثمّ أمسكه [بيده] [٢] . ثمّ أمر رسول قتيبة أن ينزل. فحوّل إلى دار الضيافة. فلمّا أمسى دعا به سليمان، فأعطاه صرّة فيها دنانير، فقال: - «هذه جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان، فسر، وهذا رسولي معك بعهده.» فخرج الباهلىّ و [معه] [٣] رسول سليمان. فلمّا كانا بحلوان تلقّاهما الناس بخلع قتيبة واضطراب الأمر. فدفع الرسول العهد إلى رسول قتيبة وانصرف هو. ذكر عجلة قتيبة بالخلع وما دبّره من أمره فأمّا قتيبة فإنّه لمّا همّ بالخلع استشار إخوته، فقال عبد الرحمان: - «اقطع بعثا، فوجّه فيه كلّ من تخافه، ووجّه قوما إلى مرو وسر [٤] حتّى تنزل سمرقند، ثمّ قل لمن معك: من أحبّ المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء، فإنّه لا يقيم معك إلّا ناصح.»

стр. 985

وقال أخوه عبد الله: - «اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعه، فليس يختلف عليك رجلان.» فأخذ برأى عبد الله [٥١١] فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه، وخطب: - «أيها الناس، إنّى قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر، فضممت الأخ إلى أخيه والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدّرة ولا مؤخّرة، وقد جرّبتم الولاة [قبلي،] [١] أتاكم أميّة، فكتب إلى أمير المؤمنين أنّ خراج خراسان لا يقيم مطبخى، ثمّ جاءكم أبو سعيد [٢] ، فدوّم [٣] ثلاث سنين ولا تدرون: أفى طاعة أنتم أم فى معصية، لم يجب فيئا، ولا نكا عدوّا. ثمّ جاءكم بنوه بعده. فحل تنازى [٤] إليه النساء، وإنّما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنّقة القيسي، فلم يجبه أحد..» فغضب وقال: - «.. لا أعزّ الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على غير ما كسرتم قرنه يا أهل السافلة- ولا أقول العالية- يا أوباش الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كلّ أوب، يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفح والكذب والبخل! بأىّ يوميكم تفخرون: بيوم حربكم، أم يوم سلمكم؟ يا أصحاب مسيلمة، يا بنى ذميم- ولا أقول: تميم- يا أهل الخور والقصف والغدر، كنتم تسمّون الغدر [٥١٢] فى الجاهليّة كيسا [٥] ، يا معشر عبد القيس القساة، تبدّلتم من أبر النخل أعنّة الخيل، يا
следующие страницы →