← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

أَحْمَد بن عَبْد الرَّحْمَن الوَهْبيّ، وحاله قد ظهر. فقال: إنّما نقموا عليه بعد خروجي من مصر [١] . وقال الدّار الدّارَقُطْنِيّ: لولا الْبُخَارِيّ لمّا راح مُسْلِم ولا جاء [٢] . وقَالَ الحاكم: كان مَتْجَر مُسْلِم خان محْمَش، ومَعاشُه من ضِياعه بأُسْتُوا [٣] أَتَتْ من أعقابه من جهة البنات فِي داره. وسمعت أبي يقول: رَأَيْت مُسْلِم بْن الحجّاج يحدّث فِي خان مَحْمِش، وكان تامّ القامة، أبيض الرأس واللّحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه [٤] . وقَالَ أبو قُرَيْش: كنّا عند أبي زُرْعة، فجاء مُسْلِم فسلّم عليه وجلس ساعة وتَذَاكَرا، فَلَمَّا ذهبَ قلتُ له: هَذَا جمع أربعة آلاف حديث فِي «الصّحيح» ! فقال أبو زُرْعة: لِمَ ترك الباقي؟ ثُمَّ قَالَ: ليس لهذا عقل لو داري محمد بن يحيى لصار رجلًا [٥] . وقَالَ مكّيّ بْن عَبْدان: وافى دَاوُد بْن عليّ نَيْسابور أيام إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه، فعقدوا له مجلس النّظر، وحضر مجلسه يحيى بْن محمد بْن يحيى، ومسلم بْن الحَجّاج، فجرت مسألة تكلَّم فيها يحيى فَزَبَره دَاوُد وقَالَ: اسكت يا صبيّ. ولم ينصرْه مُسْلِم. فرجع إِلَى أَبِيهِ وشكى إليه دَاوُد، فقال أَبُوهُ: ومَن كان؟ ثُمَّ قَالَ: مُسْلِم ولم ينصرْني. قَالَ: قد رجعت عن كلّ ما حدّثته به. فبلغ ذلك مسلمًا، فجمع ما كتب عَنْهُ فِي زِنْبِيلٍ وبعث به إليه، وقَالَ: لا أروي عنك أبدًا، ثُمَّ خرج إِلَى عَبْد بْن حُمَيْد. قَالَ الحاكم: علَّقْت هَذِهِ الحكاية عن طاهر بْن أَحْمَد، عن مكّيّ. وقد

стр. 10082

كان مُسْلِم يختلف بعد هَذِهِ الواقعة إِلَى محمد، وإنّما انقطع عَنْهُ من أجل قصّة الْبُخَارِيّ. وكان أبو عبد الله بْن الأخرم أعْرَف بِذَلِك، فأخبر عن الوحشة الأخيرة. وسمعته يقول: كان مُسْلِم بْن الحَجّاج يُظْهِر القول باللّفْظ ولا يكتمه. فَلَمَّا استوطن الْبُخَارِيّ نَيْسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه، فلما وقع بين الْبُخَارِيّ وبين محمد بْن يحيى ما وقع فِي مسألة اللّفظ، ونادى عليه، ومنعَ النّاس من الاختلاف إليه حَتَّى هجر وسافر من نَيْسابور، قَالَ: فقطعه أكثر النّاس من غير مُسْلِم، فبلغ محمد بْن يحيى فقال يومًا: ألا مَن قَالَ باللَّفْظ فلا يحلّ له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رءوس النّاس، وبعثَ إليه بما كتب عَنْهُ على ظهر جَمّال. وكان مُسْلِم يُظْهر القول باللَّفْظ ولا يكتمه [١] . وقَالَ أبو حامد بْن الشَّرْقيّ: حضرت مجلس محمد بْن يحيى فقال: ألا مَن قَالَ: لفْظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسَنا فقام مُسْلِم من المجلس [٢] . قَالَ أبو بَكْر الخطيب [٣] : كان مُسْلِم يناضل عن الْبُخَارِيّ حَتَّى أوحش ما بينه وبين محمد بْن يحيى بسببه. قَالَ أبو عبد الله الحاكم: ذكْر مصنَّفات مُسْلِم: كتاب «المُسْنَد الكبير على الرجال» ، ما أرى أنّه سمعه منه أحد، كتاب «الجامع على الأبواب» ، رَأَيْت بعضه، كتاب «الأسامي [٤] والكنَى» ، كتاب «المُسْنَد الصّحيح» ، كتاب «التّمييز» ، كتاب «العِلَل» ، كتاب «الوحْدان» ، كتاب «الأفراد» ، كتاب «الأقران» ، كتاب «سؤالات [٥] أَحْمَد بْن حنبل» كتاب [ «حديث] [٦] عَمْرو بْن شُعَيْب» ، كتاب «الانتفاع بأُهُب السِّبَاع» ، كتاب «مشايخ مالك» ، كتاب «مشايخ الثَّوْريّ» ، كتاب

стр. 10083

«مشايخ شُعْبَة» ، كتاب «من ليس له إلّا راوٍ واحد» ، كتاب «المُخَضْرمين» ، كتاب «أفراد الشّاميّين» [١] . وقَالَ ابنُ عساكر فِي أول كتاب «الأطراف» له بعد ذكر «صحيح الْبُخَارِيّ» ، ثُمَّ سلك سبيله مُسْلِم، فأخذ فِي تخريج كتابه وتأليفه، وترتيبه على قسمين، وتصنيفه. وقصد أن يذكر فِي القسم الأول أحاديث أَهْل الإتقان، وَفِي القسم الثّاني أحاديث أَهْل السّتْر والصِّدقَ الّذين لم يبلغوا درجة المثَبَّتِين. فحال حُلُولُ المَنِيَّة بينه وبين هَذِهِ الُأمْنية، فمات قبل استتمام كتابه. غير أنَّ كتابه مع إعْوازِهِ اشتهرَ وانتشر. وذكر ابنُ عساكر كلامًا غير هَذَا. وقَالَ أبو حامد بْن الشَّرْقيّ: سمعت مسلمًا يقول: ما وَضَعْتُ شيئًا فِي هَذَا «المُسْنَد» إلّا بحُجّة، وما أسْقَطتُ منه شيئًا إلّا بحُجّة [٢] . وقَالَ ابنُ سُفْيَان الفقيه: قلت لمسلم: حديث ابنُ عجلان، عن زَيْد بْن أسلم: وَإِذَا قُرئ [٣] فأنصتوا. قَالَ صحيح. قلت: لِمَ لمْ تضعْه فِي كتابك؟ قَالَ: إنّما وضعت ما أجمعوا عليه. قَالَ الحاكم: أراد مُسْلِم أن يخرج «الصّحيح» على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرُّواة. وقد ذكر مُسْلِم هَذَا فِي صدر خُطْبته. قَالَ الحاكم: فلم يُقَدَّر له إلّا الفراغ من الطبقة الأولى، ومات [٤] . ثُمَّ ذكر الحاكم ذاك القول الَّذِي هُوَ دعوى، وهو قَالَ أن لا يذكر من الحديث إلّا ما رواه صحابيٌ مشهور، له راويان ثقتان وأكثر، ثُمَّ يرويه عَنْهُ تابعيّ مشهور، له أيضًا راويان ثقتان وأكثر، ثُمَّ كذلك مَن بعدهم. قَالَ أبو عليّ الْجَيّانيّ: المُراد بهذا أنّ الصحابيّ أو هَذَا التابعيّ، قد روى عَنْهُ رجلان خرج بهما عن حدّ الجهالة [٥] .

стр. 10084

قَالَ عِياض: وَالَّذِي تأوّله الحاكم على مُسْلِم من اخترام المَنِيّة له قبل استيفاء غَرَضه إلّا من الطبقة الأولى. فأنا أقول إنّك إذا نظرت تقسيم مُسْلِم فِي كتابه الحديث كما قَالَ على ثلاث طبقات من النّاس على غير تكرار. فذكر أنّ القسم الأول حديث الحُفّاظ، ثُمَّ قَالَ: إذا انقضى هَذَا أتْبَعَه بأحاديث من لم يوصف بالحِذْق والإتقان، وذكر أنّهم لاحقون بالطبقة الأولى، فهؤلاء مذكورون فِي كتابه لمن تدبَّر الأبواب، والطبقة الثالثة قومٌ تكلَّم فيهم قومٌ وزكّاهم آخرون، فخرج حديثهم من ضُعِّف أو اتُّهِمَ بِبِدْعة. وكذلك فعل الْبُخَارِيّ. قَالَ عياض: فعندي أنّه أتى بطبقاته الثلاث فِي كتابه، وطرح الطبقة الرابعة [١] . ثُمَّ سرد الحاكم تصانيف أخَرَ تركتُها. ثُمَّ قَالَ: سمعت أَبَا عَبْد الله محمد بْن يعقوب يقول: تُوُفيّ مُسْلِم يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى وستّين ومائتين، وهو ابنُ خمسٍ وخمسين سنة [٢] . قلت: وقبره مشهور بنَيْسابور ويُزار. تُوُفيّ وقد قارب السّتّين. وقد سمعت كتابه على زينب الكِنْدِيّة إِلَى «النّكاح» ، وعلى ابنُ عساكر من «النّكاح» إِلَى آخر «الصّحيح» . كلاهما عن المؤيَّد الطُّوسيّ كتابة: أنا العزيزي، أنا الفارسي، أنا ابن عروبة، عن ابن سفيان، عن مسلم. وسمعه المزني، والبرزالي، وطبقتهما قبلنا على القاسم الإربلي منه إجازة، بسماعه نقوله عن الطّوسيّ، وهو عذْلٌ مقبول. وسمعه النّاس قبل ذلك على الرّضى التّاجر، وابن عبد الدّائم، والمُزَنيّين. وبِقَيْد الحياة منهم عددٌ كثير من الشّيوخ والكُهُول فِي وقتنا بمصر، والشّام. وسمعه النّاس قبل ذلك بحين على ابنِ الصّلاح، والسَّخَاويّ، وتلك الحَلَبة بدمشق على رأس الأربعين وستّمائة، من المؤيّد وأقرانه، وبمصر على ابنُ الحُبَاب، والمُدْلِجيّ، عن المأمون. فأحسن ما يُسمع فِي وقتنا على من يبقى من أصحاب هَؤُلَاء لَتَقَدُّم سماعهم، فإنْ تعذر فعلى أجلّ أصحاب المذكورين

стр. 10085

قبلهم، وأجلّهم بالإقليمين علما وفضلا وثقة ونُبْلًا شيخ الْإِسْلَام أبو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن الفَزَاريّ الشّافعيّ، ﵁ وأرضاه. ١٦٩- مُصْعَب بْن أَحْمَد الْبَغْدَادِيّ القلانِسيّ الزّاهد [١] . أبو أَحْمَد. صحبه أبو سَعِيد بْن الأعرابيّ، وجعفر الخُلْديّ، وغيرهما. وكان من طبقة الْجُنَيْد، ولكن تقدَّم موته. كان على قدمٍ عظيمٍ من العبادة والأوراد والورع والتّجريد والقناعة، يأوي المساجد والصّحراء. تُوُفيّ سنة سبعين. ١٧٠- مُعَاوِيَة بْن صالح ابْن الوزير أبي عُبَيْد الله مُعَاوِيَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ الأَشْعَرِيُّ [٢] . الحافظ أبو عُبَيْد الله. رحل وكتب الكثير، وقلّد يحيى بْن مَعِين. وحدَّث عن: أبي مُسْهَر الغسّانيّ، وعبد الله بْن جَعْفَر الرَّقّيّ، وأبي غسان النهدي، وخالد بن مخلد القطواني. وأبي الوليد الطيالسي، وأبي عبد الرحمن المقري، وخلق. وعنه: النسائي، وقَالَ: لا بأس به [٣] . وعنه: أبو زُرْعة الدّمشقي، وأبو حاتم، وابن جَوْصا، وأبو عوانة، وآخرون.

стр. 10086

تُوُفيّ بدمشق سنة ثلاث وستّين ومائتين. ١٧١- مُوسَى بْن بُغا الكبير [١] . أحد قوّاد المتوّكل. نُدِبَ سنة خمسين ومائتين لحرب أَهْل حمص حين قاتلوا واليهم. فأوقع بهم وقتل منهم خلْقًا، ورمى النّيران بحمص، وبالغ فِي العَسْف. ثُمَّ ولي حرب الزَّنْج بالبصرة فنُصِر عليهم، وولي حرب الْحَسَن بْن أَحْمَد الكوكبيّ الحسينيّ الَّذِي استولى على قَزْوين وزنجان، فهزمه مُوسَى وقتل من عسكر الكوكبيّ نحو العشرة آلاف. تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين ومائتين. ١٧٢- مُوسَى بْن سهل بْن قادم [٢] . أبو عِمْرَانَ الرَّمليّ. أخو عليّ بن سهل.

стр. 10087

سمع: عليّ بْن عبّاس، وعَمْرو بْن هاشم البيروتيّ، وآدم بْن إياس، وطبقتهم. وعنه: أبو داود، وابن خزيمة، ومحمد بن المسيّب الأرْغِيانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، وجماعة. قَالَ أبو حاتم: صدوق [١] . تُوُفّي فِي جُمَادى الأولى سنة اثنتين وستّين ومائتين. ١٧٣- مُوسَى بْن نصر بْن دينار [٢] . أبو سهل الرَّازيّ. سمع: جرير بْن عَبْد الحميد، وعبد الرَّحْمَن بْن مغراء، وجماعة. وعنه: أَهْل الرِّيّ. لكن قَالَ أبو حاتم: هُوَ أكفر من إبليس. يقول: الجنّة والنّار لم يُخْلقا، وإن خُلِقتا فسَيَفْنَيَان. نقله الخلّال فِي كتاب «السنة» له. تُوُفيّ سنة إحدى وستّين ومائتين [٣] .

стр. 10088

حرف النون ١٧٤- النَّضْر بْن الْحَسَن. الْمَوْصِلِيّ الفقيه الحنفيّ. روى عَنْهُ: يزيد بْن هارون، ورَوْح بْن عُبادة، ويَعْلَى بْن عُبَيْد، وجماعة. وعنه: إِبْرَاهِيم بْن محمد الْمَوْصِلِيّ. تُوُفيّ سنة إحدى أو اثنتين وستّين ومائتين. ١٧٥- النَّضر بْن سلمة بْن الجارود بْن يزيد. سمع: جدّه، ويحيى بْن يحيى، وأبو الْوَلِيد الطَّيَالِسيّ. وعنه: ولده الحافظ أبو بَكْر الجاروديّ، والحسن بْن عليّ بْن مَخْلَد، وغيرهما.

стр. 10089

حرف الهاء ١٧٦- الهيثم بْن سهل التُسْتَريّ [١] . نزيل بغداد. حدث عن: حمّاد بْن زَيْد، وأبي عَوَانه، وعليّ بْن مُسْهِر، وجماعة. وعنه: عليّ بْن حَمَّاد، وجعفر والد أبي بَكْر القَطِيعيّ، ومحمد بْن يوسف الزّيّات، وأبو سَعِيد بْن الأعرابيّ، وآخرون. ضعّفه الدّار الدّارَقُطْنِيّ [٢] . وقَالَ الحافظ عَبْد الغني الْمَصْرِيّ: ضرب القاضي إسماعيل على تحديث الهيثم بن سهل، عن حمّاد بْن زَيْد [٣] ، وأنكر عليه. وقَالَ الهيثم: وُلِدْتُ سنة اثنتين وخمسين ومائة. وعاش نيّفا وستّين.

стр. 10090

حرف الواو ١٧٧- وهْب بْن حَفْص بْن الْوَلِيد بْن المحتسب [١] . الحرّانيّ الزّاهد. عن: أَبِي قَتَادَة الحرّانيّ، وجعفر بْن عَوْن، وعبد الله بْن إِبْرَاهِيم الجدّيّ، وعثمان بْن عَبْد الرَّحْمَن، وجماعة. وعنه: محمد بْن أَحْمَد بْن سهل الصّفّار، وأحمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الصمد، وإسحاق بْن إِبْرَاهِيم النَّخَعيّ، وآخرون. قَالَ أبو عَرُوبه: كذّاب يضع الحديث [٢] . وقَالَ أَحْمَد بْن خَالِد الحرّانيّ [٣] : كان من الصّالحين. مكث عشرين سنة لا يكلّم أحدا [٤] .

стр. 10091

حرف الياء ١٧٨- ياسين بْن عَبْد الأحد بْن أبي زرارة [١] . أبو اليُمْن القِتْبانيّ المصريّ. عن: جدّه، وأيوب بْن سُوَيْد المصريّ الرمليّ، ونعيم بْن حَمَّاد، وجماعة. وعنه: النَّسائيّ، وابن خُزَيْمَة، وعَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر القَزْوينيْ، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيْسابوريّ، وجماعة. قَالَ النَّسائيّ: لا بأس به [٢] . واسم جدّه: اللَّيْث بْن عاصم. قَالَ: ابنُ خُزَيْمَة: كان ياسين ملكًا من الملوك. وقَالَ ابنُ يُونُس: صدوق [٣] . مات فِي عاشر رمضان سنة تسعٍ وستّين. ١٧٩- يحيى بْن حجّاج الأندلسيّ [٤] . عَنْ: يحيى بْن يَحْيَى اللَّيْثِيّ، وعيسى بْن دينار، وسَحْنُون بْن سَعِيد، وغيرهم. قُتِلَ فِي الوقعة التي كَانَتْ بالأندلس بين المسلمين والمشركين فِي سنة ثلاثٍ وستّين. واستشهد فيها جماعة.

стр. 10092

١٨٠- يحيى بْن محمد بْن يحيى بْن عَبْد الله بْن خَالِد بْن فارس [١] . الشّهيد أبو زكريا الذُّهْليّ النَّيْسابوريّ. شيخ نَيْسابور بعد والده ومفتيها، ورأس المطَّوّعة. من القرّاء. سمع: يحيى بْن يحيى، وإسحاق بْن رَاهَوَيْه، وجماعة ببلده، وإبراهيم بْن مُوسَى بالرِّيّ، وأبا الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، وسلمان بْن حرب، وعليّ بْن عُثْمَان اللّاحقيّ، ومسدّد بالبصرة. وأحمد بْن حنبل، وعليّ بْن الْجَعْد، وطائفة ببغداد، وإسماعيل بْن أبي أُوَيْس، وسعيد بْن مَنْصُور، وجماعة بالحجاز. روى عَنْهُ: أَبُوهُ، والحسين بْن محمد القبّانيّ، وإبراهيم بن أبي طَالِب، وابن خُزَيْمَة، ومحمد بْن صالح بْن هانئ، ومحمد بن يعقوب بْن الأصرم، وآخرون. وكان لقبه: حَيْكان. قَالَ الحاكم: حيْكان الشّهيد إمام نيسابور فِي الفتوى والرئاسة، وابن أميرها، ورأس المطَّوَّعة بخُراسان. كان يسكن بدار أَبِيهِ ولكلٍّ منهما فيه صَوْمعة وآثار لعبادتهما [٢] . وكان أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ قد ورد نَيْسابور ويحيى رئيس بها والقرّاء يَصْدُرُون عن رأيه. وكانت الظّاهرية قد رفعت من شأنه وصيَّرته مُطَاعًا، ولم يُحسِن أَحْمَد الصُّحبةَ معه، وقصد الوضْع منه. ومع هَذَا فكان أحمد مجتهدا في التّمكّن من

стр. 10093

الإمارة والاستبداد والأمور دون عِلْم يحيى، فكان لا يقدر، فَلَمَّا قدِم شِيرَوَيْه تمكّن. فَلَمَّا خرج عن البلد تشوّش النّاس. وعرض يحيى بضعة عشر ألفا، وحاربوا قوّاد الخجستانيّ وطردوهم. وقتلوا أمّ أَحْمَد. فَلَمَّا رجع طلب يحيى وقتله. سمعت أَبَا عَبْد الله بْن خُزَيْمَة يقول: ما رَأَيْت مثل حيْكان لا رحِمَ الله قاتله [١] . وسمعت محمد بْن يعقوب يقول: أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ هاربًا من نَيْسابور، فَلَمَّا خشي أهلُها رجوعَه اجتمعوا على باب حَيْكان يسألونه القيام لمنع الخُجُسْتانيّ، فامتنع. فَمَا زالوا به حَتَّى أجابهم. فعرضوا عليه زُهاء عشرة آلاف. ولمّا رجع الخُجُسْتانيّ تفرّقوا عن حَيْكان، فطُلِبَ، فخاف وهرب، فبينا هُوَ يسير فِي قافلة بين الحمّالين وهو بِزيِّهم إذ عرف. فأخذ وأتوا به إلى الخُجُسْتانيّ، فحبسه أيّامًا، ثُمَّ غُيِّب شخصهُ. فَقِيلَ: إنّه بنى عليه جدارًا، وقِيلَ: قتله سرًّا [٢] . سمعت أَبَا عليّ أَحْمَد بْن محمد بْن زَيْد خَتن حَيْكان على ابنته يقول: دخلنا على أبي زكريّا بعد أن رُدّ من الطريق فقال: اشترك فِي دمي خمسة: العبّاسان، وابن ياسين، وشِيرَوَيْه، وأحمد بْن نصر اللّبّاد [٣] . سمعت أَبَا بَكْر الضُّبَعيّ يقول: سمعت نوح بن أَحْمَد: سمعت الخُجُسْتانيّ يقول: دخلت على حيكان فِي مَحْبَسه على أن أضربه خشبتين وأُطْلقه، فلما قربت منه قبضت على لحيته، فعض على خصيتي حتى لم أشك أنّه قاتلي، فَذَكَرْت سِكِّينًا فِي خُفّي، فجررتها وشَقَقْتُ بطْنه [٤] . سَمِعْتُ محمد بْن صالح بْن هانئ يَقُولُ: حضرنا الإملاء عند يحيى بْن محمد فِي رمضان، وقُتِل فِي شوّال سنة سبْعٍ وستّين، فَرَبَضَتْ مجالسُ الحديث، وخُبِّئت المحابر، حَتَّى لم يقدر أحد يمشي بمحبرة ولا كراريس إلى

стр. 10094

سنة سبعين، فاحتال أبو سَعِيد بْن إِسْمَاعِيل فِي ورود السَّرِيّ بْن خُزَيْمَة وعقد له مجلس الإملاء، وعلَّى المحبرة بيده، واجتمع عنده خلقٌ عظيم حَتَّى حضر ذلك المجلس [١] . قَالَ محمد بْن عَبْد الوهاب الفرّاء: حَتَّى لا نستطيع أن نسايره نَحْنُ ولا أعقابنا أنّ رجلًا جعل نحره لنا ونحن مطمئنون نعبد الله. قَالَ صالح بْن محمد الحافظ فِي كتابه إِلَى أبي حاتم الرَّازيّ: كتبت تسألني عن أحوال أَهْل العلم بنَيْسابور وما بقي لهم من الإسناد فاعلم أنّ أخبار الدّين وعلم الحديث دون سائر العلوم اليوم مطروح مجفوّ حاله وأهل العناية به فِي شغل بالفِتَن الّتي دَهَمَتْهم وتواترت عليهم عند مقتل أبي زكريا يحيى بْن محمد بْن يحيى، وقد مضى لسبيله، ولم يخلف أحد مثله. ولزِم كلّ خاصّة نفسه. ومرقت طائفة ممّن كانوا يُظْهرون السنة فصارت تَدِين بدين ملوكها. وقَالَ أبو عُمَر أَحْمَد بْن الْمُبَارَك المستملي: رَأَيْت يحيى فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غُفِر لي. فقلت: ما فعل الله بالخُجُسْتانيّ. بعده سنة واحدة، وقتله غلمانه كما تقدم [٢] . ١٨١- يزيد بْن سِنَان بْن يزيد [٣] . أبو خَالِد البصْريّ القزّاز، مَوْلَى قُرَيْش. نزل مصر، وحدَّث عن: يحيى بْن سَعِيد القطّان، ومُعاذ بْن هشام،

стр. 10095

وعبد الرَّحْمَن بن مهديّ، وجماعة. وعنه: النَّسائيّ، وأبو عوانة، والطّحاويّ، وابن أبي حاتم [١] ، وآخرون. وهو أخو محمد بْن سِنان القزّاز صاحب الجزء المشهور، وعمّ محمد بْن خُزَيْمَة الَّذِي سكن معه مصر. وكان ثقة نبيلًا عالمًا. خرّج لنفسه «المُسْنَد» . وهو آخر من حدّث عن يحيى القطّان بديار مصر. تُوُفيّ فِي جُمادى الأولى سنة أربعٍ وستّين [٢] . ١٨٢- يعقوب بْن بختان [٣] . الفقيه، صاحب الْإِمَام أَحْمَد. روى عن: مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم، وأحمد بْن حنبل. وعنه: أبو بَكْر بْن أبي الدنيا، وأحمد بن محمد بن أبي شَيْبَة. قَالَ الخطيب: كان أحد الصالحين الثّقات [٤] . ١٨٣- يعقوب بْن شَيْبَة بْن الصَّلْت بْن عُصْفُور [٥] . الحافظ الكبير أبو يوسف السَّدُوسيّ البصْريّ، نزيل بغداد. سمع: عليّ بْن عاصم، ويزيد بْن هارون، وأزهر السَّمّان، وبِشْر بْن عُمَر الزّهْرانيّ، وجعفر بْن عَوْن، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهميّ، وأبا عامر العَقَديّ، وعبد الوهاب الخفّاف، ووهْب بْن جرير، ويعلى بن عبيد،

стр. 10096

وخلْقًا من طبقتِهم. ثُمَّ كتب عن طبقةٍ أخرى بعدهم، كعليّ بْن المدينيّ، ويحيى بْن معين، وأحمد بْن حنبل. ثُمَّ كتب عن طبقةٍ أخرى بعدهم كالحسن بْن عليّ الحلْوانيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وهارون الجمّال. روى عَنْهُ: حفيده محمد بْن أَحْمَد بْن يعقوب، ويوسف بْن يعقوب الأزرق، وجماعة. وثّقه الخطيب [١] ، وغيره. وصنَّف مسندًا كبيرًا إِلَى الغاية القُصْوى لم يُتمّه. ولو تمّ لجاء فِي مائتي مجلّد. قال الدّار الدّارَقُطْنِيّ: لو كان كتاب يعقوب بْن شَيْبَة مسطورًا على حرامٍ لَوَجَبَ أن يُكْتَب [٢] . وقَالَ أبو بَكْر الخطيب [٣] : حَدَّثَنِي الأزهريّ قَالَ: بلغني أنّه كان فِي منزل يعقوب بْن شَيْبَة أربعون لحافًا أعدَّها لمن كان يكتب عنده من الورّاقين الّذين يبيّضون «المُسْنَد» ، ولَزِمَه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار. قَالَ: وقِيلَ لي: إنّ نسخةً بمُسْنَد أبي هُرَيْرَةَ شُوهِدت بمصر، فكانت مائتي جزء [٤] . قَالَ: وَالَّذِي ظهر له من «المُسْنَد» : مُسْنَد العشرة، وابن مَسْعُود، وعمّار، وعُقْبة بْن عَدْوان، وبعض الموالي. قلت: وبلغني أنّ مُسْنَد عليّ ﵁ له فِي خمس مجلَّدات، وقع لنا الجزء الأول من مُسْند عمّار بُعُلوّ. قَالَ أَحْمَد بْن كامل القاضي: كان يعقوب من كبار أصحاب أَحْمَد بْن المعدّل، والحارث بْن مِسْكين. فقيهًا ثريًّا. وكان يقف فِي القرآن [٥] .

стр. 10097

وقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يحيى بْن خاقان: أمر المتوكل بمُسْنَد أَحْمَد بْن حنبل عمّن يتقلّد القضاء. قَالَ: فسألته، حَتَّى قلت: يعقوب بْن شَيْبَة؟ فقال: مبتدع صاحب هوى [١] . قَالَ أبو بَكْر الخطيب [٢] : وُصِف بِذَلِك لأجل الوقف، يعني يقول فِي القرآن فلا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق. قلت: أَخَذَ الوقف عن شيخه أَحْمَد بْن المعدل. قَالَ المَرُّوذيّ: أظهر يعقوب بْن شَيْبَة الوقف فِي ذلك الجانب، فحذِر أبو عبد الله أَحْمَد بْن حنبل منه. تُوُفيّ فِي ربيع الأول سنة اثنتين وستّين. ١٨٤- يعقوب بْن اللَّيْث الصّفّار [٣] . الأمير أبو يوسف السّجِسْتانيّ، المستولي على خُراسان. ذكر عليّ بن محمد أنّ يعقوب وعمرا كانوا أخوين صفارين [٤] يظهران الزهد. وكان صالح بن النضر المطوعي مشهورا بقتال الخوارج، فصحباه إلى أن مات، فتولّى مكانه درهم بْن الحسين المطّوّعيّ، فصار معه يعقوب [٥] .

стр. 10098

ثُمَّ إنّ أمير خُراسان ظفر بدرهم، وبعث به إِلَى بغداد، فحبسوه ثُمَّ أطلقوه، فخدم السّلطان، ثُمَّ إنّه تنسّك ولزِم الحجّ، وأقام ببيته. قَالَ ابنُ الأثير [١] : تغلب صالح بْن النَّضْر الكِنانيّ على سِجِسْتان ومعه يعقوب، فاستنقذها منه طاهر بْن عَبْد الله بْن طاهر. ثُمَّ ظهر بها درهم المطَّوِّعيّ فغلب عليها، وصار يعقوب قائد عسكره. ورأى أصحاب دِرْهم عجزه وضَعْفه، فملكوا عليهم يعقوب لمّا رأوا من حُسْن سياسته. فلم ينازْعه دِرْهم. واستبدّ يعقوب بالإمرة، وقويت شوكته. قَالَ عليّ بْن محمد: لمّا دخل درهم بغداد وَلِيَ يعقوب أمر المطّوّعة، وحارب الخوارج الشّراة حَتَّى أفناهم، وأطاعه جُنْدُه طاعة لم يطيعوها أحدًا. واشتهرت صَوْلتُه، وغلب على سجِسْتان، وهَرَاة، وبُوشَنْج، ثُمَّ حضّهُ أَهْل سجِسْتان على حرب التّرْك الّذين بأطراف خُراسان مع رُتْبِيل لشدّة ضررهم، فغزاهم وظفر برُتْبيل فقتله، وقتل ثلاثة من ملوك التُّرْك، ثُمَّ ردّ إِلَى سِجِسْتان وقد حمل رءوسهم مع رءوس أُلوفٍ منهم، فرهبته الملوك الّذين حوله، ملك المُولتان، وملك الرُّخَّج، وملك الطّبْسين، وملوك السِّنْد [٢] . وكان على وجهه ضربة مُنْكَرَةَ من بعض قتال الشُّراة، سقط منها نصف وجهه، وَخَاطه ثُمَّ عُوفي [٣] . وقد أرسل إِلَى المعتز باللَّه هديّة عظيمة، من جملتها مسجد فضّة يسع خمسة عشر نَفْسًا يصلُّون فِيهِ [٤] . وكان يُحمل على عدّة جِمال، ويُفَكَّك ثُمَّ يُركَّب. ثُمَّ إنّه حارب عسكر فارس سنة خمسٍ وخمسين ومائتين، وقتل منهم أُلُوفًا. فكتب إليه وجُوه أَهْل فارس: إنّ كنت تريد الدّيانة والتّطَوُّع وقتل الخوارج فما ينبغي لك أن تتسرع فِي الدّماء [٥] . واعتدّوا للحصار، ونازلهم ووقع القتال،

стр. 10099

فظفر يعقوب بأميرهم عليّ بْن الْحُسَيْن بْن قُرَيْش وقد أُثْخِنَ بالجراح، وقتل من جُنْد فارس خمسة آلاف [١] . ودخل يعقوب شِيراز، فأمَّن أهلها وأحسن إليهم. وأخذ من ابنُ قُرَيش أربعمائة بدرة، فأنفق في جيشه لكل واحد ثلاثمائة درهم [٢] . ثُمَّ بسط العذاب على ابنُ قُرَيْش حَتَّى أنّه عصره على أُنْثَيَيْه وصدْغَيْه، وقيّده بأربعين رطلًا، فاختلط عقله من شدّة العذاب [٣] . ورجع يعقوب إِلَى سِجِسْتان، وخلع المعتز، وبويع المعتمد على الله. ثُمَّ رجع يعقوب إِلَى فارس، فجبى خراجها ثلاثين ألف ألف درهم. واستعمل عليها محمد بْن واصل [٤] . وكان يحمل إِلَى الخليفة فِي العام نحو خمسة آلاف ألف درهم [٥] . وعجز الخليفة عَنْهُ، ورضي بمُدَاراته ومُهادنته. ودخل يعقوب إِلَى بَلْخ فِي سنة ثمانٍ وخمسين. ودخل إِلَى نَيْسابور بعد شهرين، وابن طاهر فِي أسْره ومعه ستُّون نفْسًا من أَهْل بيته، فقصد يعقوب جُرْجان وطَبَرِسْتان، فالتقاه المتغلِّب عليها حسن بْن زَيْد العلويّ فِي جيشٍ كبيرٍ، فحمل عليهم يعقوب فِي خمسمائة من غلمانه، فهزمهم. وغنم يعقوب ثلاثمائة وقرْ مالًا كَانَتْ خزانة الْحَسَن بْن زَيْد، وأسر جماعة من العلويّين وأساء إليهم. وكانت هذه الوقعة في رجب في سنة ستّين [٦] . ثُمَّ دخل آمُل طَبَرِسْتان وقَصَد الرِّيّ، وأمر نائبها بالخروج عَنْهَا، وأظهر أنّ المعتمد على الله ولّاه الرِّيّ. فغضب المعتمد عند ما بلغه ذلك، وعاقب غلمان يعقوب الّذين ببغداد. فسار يعقوب في سنة إحدى وستّين نحو جرجان، فقصده الْحَسَن بْن زَيْد العلويّ فِي الدَّيْلم من ناحية البحر، فنال من يعقوب وهزمه إِلَى جُرْجان. فجاءت بجُرْجان زلزلة قتلت من جُنْد يعقوب ألفي نفس. وأقام يعقوب

стр. 10100

بها فظلم وعَسَف، واستعان مَن ببغداد مِن أَهْل خُراسان على يعقوب، فعزم المعتمد على حربه، ورجع يعقوب إِلَى جوار الرِّيّ وأخذ يستعدّ. ودخل نَيْسابور وصادر أهلها، ثُمَّ خرج إِلَى سِجِسْتان [١] . وجاءت كُتُب المعتمد إِلَى أعيان خُراسان بالحطّ على يعقوب وبأنْ يهتمّوا له. فأخذَ يكاتب الخليفة ويُداريه، ويسأله ولاية خُراسان وفارس وشرطتي بغداد وسامرّاء، وأن يعقد أيضًا على الرِّيّ، وطَبَرِسْتان، وجُرْجان، وأَذْرَبِيجَان، وكرْمان، وسِجِسْتان، ففعل ذلك المعتمد بإشارة أَخِيهِ الموفَّق. وكان المعتمد مقهورًا مع أَخِيهِ الموفَّق، فاضطّربت الموالي بسامرّاء لذلك وتحرّكوا [٢] . ثُمَّ إنّ يعقوب لم يلتفت إِلَى ما أُجيبَ إليه من ذلك، ودخلَ خُوزستان وقارب عسكر مُكْرَم عازمًا على حرب المعتمد، وأخذ العراق منه. فوصلت طلائع المعتمد، وأقبلت جيوش يعقوب إِلَى قرب دير العاقول، ووقع المصافّ، فبرز بين الصّفَّين خشتج أحد قوّاد المعتمد وقَالَ: يا أَهْل خُراسان وسِجِسْتان ما عرفناكم إلّا بالطاعة والتّلاوة والحجّ، وإنّ دينكم لا يتّم إلّا بالإتّباع. وما نشك أنّ هَذَا الملعون قد موَّه عليكم، فَمَنْ تمسَّك منكم بالإسلام فلينفُرْ عَنْهُ. فلم يجيبوه [٣] . وقِيلَ: كان عسكر يعقوب ميلًا فِي ميل، ودوابُّهم على غاية الفراهة، فوقف المعتمد بنفسه، وكشف الموفَّق أخوه رأسه وقَالَ: أَنَا الغلام الهاشميّ. وحمل وحمي الحرب، وقُتِل خلقٌ من الفريقين، فهُزِم يعقوب وأُخِذَتْ خزائنه، وما أفلت أحد من أصحابه إلّا جريحًا، وأدركهم الليل فوقعوا من الزّحمة وأثقلتهم الجراح [٤] . وقَالَ أبو السّاج ليعقوب: ما رأيتك، وما رَأَيْت منك شيئًا من تدبير الحرب، فكيف كنت تغلب النّاس؟ فإنّك جعلت ثِقَلَك وأسْراك أمامك، وقصَدت بلدًا على قلة معرفة منك بمَخَائضه وأنهاره، وسرت من السّوس إلى

стр. 10101

واسط فِي أربعين يومًا، وأحوال عسكرك مُنْحَلَّة. فقال: لم أعلم أنّي محارب، ولم أشكّ فِي الظَّفر [١] . وقَالَ عَبْد الله بْن أَحْمَد بْن أبي طاهر: بعث يعقوب رُسُلَه إِلَى المعتمد، ثُمَّ سار إِلَى واسط فاستناب عليها، ووصل إِلَى دَيْر العاقول، فسار المعتمد لحربه [٢] . وقَالَ أبو الفَرَج الكاتب: نهض الخليفة لمحاربة الصّفّار، ولم تزل كُتُبه تصل إِلَى الخليفة بالمراوغة ويقول: إنّي قد علمت أنّ نهوض أمير المؤمنين يشرّفني وينبّه على موقعي منه. والخليفة يرسل إليه ويأمره بالانصراف، ويحذّره سوء العاقبة. ثمّ عبّأ الخليفة وجيشه، وأرسلوا المياه على طريق الصّفّار، فكان ذلك سبب هزيمته، فإنّهم أخذوا عليه الطّريق وهو لا يعلم. والتحم القتال، ثُمَّ انهزم الصّفّار وغنموا خزائنه. وتوهَّم النّاس أنّ ذلك حيلة منه ومكرًا، ولولا ذلك لاتّبعوه. ورجع المعتمد منصورًا مسرورًا [٣] . وخلص من أسر الصّفّار يومئذٍ محمد بْن طاهر أمير خُراسان، وجاء فِي قيوده إِلَى الخليفة، فخلع عليه خلْعةً سلطانية [٤] . وقِيلَ إنّ بعض جيش يعقوب كانوا نصارى على أعلامهم الصُّلْبان [٥] . وكانت الوقعة فِي ثاني عشر رجب سنة اثنتين وستّين [٦] . وانهزم الصّفّار إِلَى واسط، وعاث أصحابه فِي أعمال واسط، ثُمَّ سار إِلَى تُسْتَر، لم يهجمه أحد، ولا اقتحموا عليه، فحاصر تُسْتَر وأخذها. وتراجع جيشه وكثُر جمعه [٧] . وكان موته بالقُولَنْجٍ، فَقِيلَ: إنّ طبيبةُ أخبره أنّ لا دواء له إلّا الحُقْنة فامتنع، وبقي ستّة عشر يوما وهلك [٨] .

стр. 10102

وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولًا يترضاه فوجده مريضًا [١] . وكان الْحَسَن بْن زَيْد العلويّ صاحب جُرْجان يسمّيه السّندان لثَباته. وكان قل أن يُرَى متبسّمًا [٢] . وولي بعده أخوه وأحسن السّيرة إِلَى الغاية، وامتدّت أيّامه [٣] . مات يعقوب فِي رابع عشر شوّال سنة خمسٍ وستّين بجُنْدَيْسابور. ١٨٥- يعقوب الزّيّات. أحد مشايخ الطّريق بالعراق، صحب أَبَا تراب النَّخْشبيّ، وأبا حاتم العطّار، وأبا عليّ بْن الذّارع. وذكر السُّلَميّ فقال: هُوَ من أقران الْجُنَيْد. مات هُوَ وأخوه جَعْفَر مُحرِمَيْن فِي طريق الحجّ سنة اثنتين وستّين. ١٨٦- يوسف بْن بحر التّميميّ [٤] . أبو القاسم، قاضي حمص. روى عن: عليّ بْن عاصم، ويزيد بْن هارون، وطبقتهما. وعنه: ابنُ صاعد، ومحمد بن المسيّب الأرْغِيانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، ومحمد بن سليمان بْن حيدرة. وأمّا أخوه خيثمة بْن سُلَيْمَان [٥] فأسرته الإفرنج، فلم يخلص من الأسر

стр. 10103

حَتَّى مات يوسف. وكان بغداديًا نزل الشّام. قال ابن عديّ [١] : ليس بالقويّ، أتى عن الثّقات بمناكير [٢] . ١٨٧- يوسف بْن محمد بْن صاعد [٣] . مَوْلَى بني هاشم، أخو الحافظ يحيى. سمع: خلّاد بْن يحيى، وسليمان بْن حرب، وجماعة. روى عَنْهُ: أخوه يحيى، وعليّ بْن إِسْحَاق المادَرَائيّ، وعبد الله الحامض. وكان مُوَثَّقًا [٤] . تُوُفيّ سنة سبْعٍ وستّين [٥] . ١٨٨- يُونُس بْن حبيب [٦] . أبو بِشْر العِجْليّ، مولاهم الإصبهانيّ. روى عن: أبي دَاوُد الطيالسيّ جملة كثيرة من «المُسْنَد» . وعن: عامر بن إبراهيم، وبكر بن بكّار، ومحمد بن كثير الصّنعانيّ [٧] ، وجماعة.

стр. 10104

وعنه: أبو بكر بن أبي داود، وعليّ بن رستم، وأبو بكر بن عاصم، جماعة. آخرهم موتًا عَبْد الله بْن جَعْفَر بْن فارس. قال ابن أبي حاتم [١] : كتبت عنه [بأصبهان] وهو ثقة. وحدَّثني ابنُ أبي عاصم أنّ أَحْمَد بْن الفُرات أمره بالكتابة عن يُونُس بْن حبيب. وقَالَ غيره [٢] : كان عظيم القدر بإصبهان، معروفًا بالسّتْر والصّلاح. تُوُفيّ سنة سبْعٍ وستّين أيضًا. روى القراءة عن قتيبة بن مهران [٣] .

стр. 10105

الكُنَى ١٨٩- أبو حاتم العطّار [١] . الْبَصْرِيّ العارف، أحد مشايخ الطّريق بالبصرة. قَالَ ابنُ الَأعرابي: لم يبلغنا أنّه كان في عصره أحد يُقَدَّم عليه فِي العلم بهذه المذاهب، وكان مع ذلك ملازمًا لسوقه وتجارته. يركب الحمار ويدلّل فِي العطّارين غير متمكن من الدُّنيا منحلّ، غير أنّه يرِد فِي هَذِهِ المذاهب حَتَّى ناب عن غيره، وتَلْمَذَ له من كان بالبصرة ممّن هُوَ أحسن منه. وكان البغداديون يدخلون البصرة يقصدون كلٌّ منهم محمد بن وهب، ويعقوب الزَّيَّات، ورزيق النّفّاط، وغيرهم. وكان ظاهره مظاهر التّجار والعامّة منبسطًا معهم، فإذا تكلم كان غير ذلك. أخبرني محمد بْن عليّ: سمع أَبَا حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيّ: ربّما ذكر أبو حاتم، وكان يتكلم يوم الجمعة، فيقول فِي كلامه: لا تسألوني عن حالي، واعْفوا لي عن نفسي. حسابي على غيركم. اجعلوني كالفتيل أحرق نفسي وأُضيء لكم. وكان لا يظهر عليه خشوع ولا تنكيس رأس ولا لباس. وكان من أَهْل السنة والإتقان، يُزْري على الغسّانيّة وأهل الأوراد وأخْذِ المعلوم، كما يذمّ أَهْل الدُّنيا ومن يأوى إِلَى الأسباب. يقول: من لم يعبد الله الغالب على قلبه، فإنّما يعبد هواه ونفسه. وكان يقول: من ذكر الله نسي نفسه. ومن ذكر نعمة الله نسي عمله. وكان عامّة فِي المعاني. ويقول: الأبطال فِي النُّجوم، والسّرائر فِي القلوب. وتحتاج تتوب من توبتك وتعبد الله له لا لك. ويْحَك كم تبكي وتصيح، صحّح واسترح.

стр. 10106

السيّاحة بالقلوب، وسَيْر الشّواتي سفر لا يقضي. دع الإحصاء والعَدَد، وصُمِ الدُّنيا وأفطِر الآخرة. وكان يقول، إذا رَأَى عليهم الفُوَط والّأبْراد والصوف، وهم يُصَلّون: قد نشرتم أعلامكم وضربتم طُبُولكم، فليت شعري فِي اللّقاء أيّ رجال أنتم؟ قَالَ رُزَيق النّفّاط، أو غيره: رَأَيْت أَبَا حاتم بيده عطْر يعرضه للبيع، فسألته عن مسألة، فقال: لكلّ مقامٍ مقال، ولكن اصْبِر حَتَّى أفرغ. وكان إذا فرغ جلس يوم الجمعة، اجتمع إليه الصُّوفية وأصحاب الحديث والغُرَباء، وعامّة، مسجد البصرة، وجميع الطبقات. وكان الّذين يلزمون حلقته: ابنُ الشُّوَيْطيّ. وأبو سَعِيد الغَنَويّ، والمَرْزُوقيّ. وكان الغَنَويّ يميل إِلَى شيءٍ من الكلام ويعرفه. وكان فِي المسجد طائفة من النّاس يُنْكِرون على أَهْل المحبّةِ لمّا يبلغهم من التّخليط، وكانوا أهل حديث، وكلّهم يستملي أَبَا حاتم ويُعْجبه كلامه لِرِقَّته، ولقَوْله بالسنة ومخالفته الغسّانيّة. وكانوا يميلون إليه هُوَ وعبد الجبار السُّلَمّي، والحسن بْن المُثَنَّى، وأحمد بن أبي عُمَر، وابن أبي عاصم، والْجُذُوعيّ. كلّ هَؤُلَاء صوفيّة المسجد من أَهْل السنة والحديث يتحلّون النُّسُك والأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر. وكان لهم بالبلد قدْرٌ وهَيْبة. وقَالَ السُّلَمّي: كان أبو حاتم العطّار أستاذ الْجُنَيْد، وأبي سَعِيد الخرّاز. وكان من جِلّة مشايخهم، مِن أقران أبي تراب النَّخْشبيّ. وهو أول من تكلّم بالعراق فِي علوم الإشارات. وعن محمد بْن وهْب قَالَ: دخلت البصرة أَنَا ويعقوب الزَّيَّات، فأتينا أَبَا حاتم العطّار، فدقَقْنا الباب، فقال: من هَذَا؟ قلت: رَجُل يقول الله. فخرج ووضع خدّه على الأرض، وقَالَ: بقي مَن يُحْسِن يقول الله! ١٩٠- أبو حَمْزَةَ البغداديّ الصوفيّ [١] .

стр. 10107

أحد الكبار، اسمه محمد بْن إِبْرَاهِيم. تُوُفيّ سنة تسعٍ وستّين [١] . قاله أبو سَعِيد بْن الأعرابيّ. تحوَّل ترجمته إِلَى هنا من بعد الثمانين. ومن أخباره: قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ فِي كِتَابِ «طبقات النُّسَّاك» : قدم أبو حَمْزَةَ من طَرَسُوس إِلَى بغداد، فجلس واجتمع إليه النّاس. وما زال مقبولًا حَسَن الظّاهر والمنزلة إِلَى أن تُوُفيّ. وحضر جنازته أَهْل العلم والنُّسُك. وصلّى عليه بعض بنيه، وغسّله جماعة من بني هاشم. وقُدِّم عليه الْجُنَيْد، يعني فِي الصّلاة، فامتنع، فتقدَّم ولده. وقام المكبرِّون يسمعون النّاس [٢] . وصعد الخطيب المعروف بالكاهليّ على سطح ليبلّغ النّاس. قال ابن الأعرابيّ: وكنت أَنَا وأبو بَكْر غلام بُلْبل، ومحمد الدِّينَوريّ، بائتين فِي مسجد أبي حَمْزَةَ ليلة موته، فمات فِي السَّحَرِ. وأُخبرتُ أنَه كان يقرأ حزبه من القرآن حَتَّى ختم فِي تلك اللّيلة. وكان صاحب ليل، مقدَّمًا فِي علم القرآن وحِفْظه. خاصّة قراءة أبي عَمْرو. وقد حملها عَنْهُ جماعة. وأخذ عَنْهُ كتاب اليزيديّ [٣] . وأخبرني مَرْدَويْه أبو عَبْد الرَّحْمَن المقرئ أنّه لم يَرَ أحدًا يقدّمه فِي قراءة أبي عَمْرو، والقيام بها على أبي حَمْزَةَ. وقد قرأ ابنُ مجاهد على مَرْدَويْه. وكان سبب عِلّته أنّ النّاس كثُروا، فأُتي أبو حَمْزَةَ بكُرسيّ، فجلس عليه، ثُمَّ مرّ فِي كلامه بشيءٍ أعجبه، فردّده وأُغمي عليه حَتَّى سقط عن الكرسيّ [٤] .

стр. 10108

وقد كان هَذَا يصيبه كثيرًا، فانصرف من المجلس بين اثنين يوم الجمعة، فتعلّل ودُفِن فِي الجمعة الثانية بعد الصّلاة. وكان أستاذ البغداديّين، وهو أوّل من تكلّم ببغداد فِي هَذِهِ المذاهب من صفاء الذِّكْر وجمع الهمّة والمحبّة والشَّوْق والقُرب والُأنس [١] ، لم يسبقه بها على رءوس النّاس ببغداد أحد [٢] . وكان قد طاف البلاد، وصحِب النُّسَاك بالبصرة، وغيرهما. وسافر مع أبي تراب وأشكاله طالبًا الحقائق. وجالس أَبَا نصر التّمّار، وأحمد بن حنبل، وسَرِيّ السَّقَطيّ، وهو مَوْلَى لعيسى بْن أبان القاضي [٣] . وقد سمعت أَبَا حَمْزَةَ غير مرّة يقول: قَالَ لي أَحْمَد بْن حنبل: يا صوفيّ ما نقول فِي هَذِهِ المسألة [٤] ؟ ١٩١- أبو السّاج [٥] . كان من كبار قُوّاد المعتمد على الله، وإليه تُنْسب الأجناد السّاجيّة ببغداد [٦] . مات بجُنْدَيْسابُور فِي ربيع الأول سنة ستٍّ وستّين ومائتين، وخلّف أموالا عظيمة.

стр. 10109

(بعون الله وتوفيقه تمّ إنجاز تحقيق هذا الجزء من «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرّخ الإسلام الحافظ «شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي» ﵀ على يد الفقير إليه تعالى، طالب العلم وخادمه «أبو غازي» ، عمر عبد السلام تدمري، الحاج الأستاذ الدكتور، أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، الطرابلسيّ مولدا وموطنا، وقد قام بتصحيحه، وضبط نصّه، وتخريج أحاديثه وأشعاره، والإحالة إلى مصادره، فكان الفراغ منه قبيل غروب شمس يوم الخميس الرابع من شهر شوّال ١٤١١ هـ. الموافق للثامن عشر من شهر نيسان (أبريل ١٩٩١ م.) والرجاء من الله تعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين ويوفّقنا لإنجاز هذا السّفر الجليل، ويجعل عملنا هذا خالصا لوجهه، وخدمة لتراث الأمّة، وهو المستعان والموفّق) .

стр. 10110

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبقة الثامنة والعشرون سنة إحدى وسبعين ومائتين فيها تُوُفيّ: عَبَّاس الدُّوريّ، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد بْن مَنْصُور الحارثيّ، ومحمد بْن حَمَّاد الظهراني، ومحمد بْن سِنَان القزاز، ويوسف بْن سَعِيد بْن مُسْلِم. [تعطيل الجمعة فِي مسجد الرَّسُول] وفيها دخل محمد، وعليّ ابنا الْحُسَيْن بْن جَعْفَر بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق بْن محمد المدينة، فقتلا فيها، وجَبَيا الأموال، وعطِّلت الجمعة والجماعة فِي مسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ شهرًا [١] . [عزْل عَمْرو بْن اللَّيْث] وفيها عزل المعتمد عَمْرو بْن اللّيث، وأمر بلعنه على المنابر [٢] . وولّى

стр. 10111

خُراسان محمد بْن طاهر [١] . وكان محمد ببغداد، فاستناب عَنْهُ على نَيْسابور رافع بْن هرثمة [٢] . [إقرار نصر بْن أَحْمَد على بخارى وسمرقند] وأمر على بخارى وسمرقند نصر بْن أَحْمَد بْن أسد [٣] . [مسير رافع بْن هرثمة إِلَى جرجان] ثُمَّ جاءت كتب الموفَّق إِلَى رافع بقصد جرجان وآمل، وكانت للحسن بْن زَيْد، فسار إليه رافع سنة أربع وسبعين [٤] . [الوقعة بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وخمارويه] وفيها كَانَتْ وقعة عظيمة بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفق، وبين خمارويه بن أحمد بن طولون بأرض فلسطين. كان الموفَّق قد جهز ولده فِي جنود العراق، وأعطاه الأموال، وولّاه أعمال مصر والشام. فسار إِلَى الشّام، فنزل بفلسطين. وجاء خمارويه، وكان قد قام فِي ولاية أَبِيهِ بعده، فالتقيا بحيث جرت الأرض من الدماء. ثُمَّ انهزم خمارويه إِلَى مصر، ونُهِبَتْ أثقاله. ونزل أبو الْعَبَّاس فِي مضربه. وكان سعد أعدّ كمينًا لخمارويه، فخرج على أبي الْعَبَّاس وهم عابرون، فانهزم جيشه، وذهب إِلَى طَرَسُوس منهزمًا فِي نفرٍ يسير، وذهبت خزائنه. فانتهب الجميع سعد ومن معه. وهذا من أعجب الأمور، وهو انهزام كل واحدٍ من المقدمَّين، ثُمَّ اقتتال عسكرهما بعد رواحهما. ثُمَّ كان النّصر للمصريّين [٥] .

стр. 10112

[تقييد ابنُ أبي الساج وإطلاقه] وفيها قدم يوسف بْن أبي الساج مقيدًا على جمل. وكان قد وثب على الحاجّ، فقاتلوه وأسروه، ثُمَّ إنّه حَسنت حاله، وبكى على فعله، وشفع فِيهِ مؤنس، فأطلق [١] . [خروج إِسْحَاق الطالبي وإفساده بالمدينة] وفيها خرج بالمدينة إِسْحَاق بْن محمد الطالبي الجعفري، فقتل أمير المدينة الفضل بْن الْعَبَّاس بْن حسن العباسي، وعاث وأفسد وخرّب المدينة.

стр. 10113

سنة اثنتين وسبعين ومائتين تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن عَبْد الجبار العطاردي وهو ابنُ عاصم الإصبهانيّ، وأبو عُتْبة أَحْمَد بْن الفرج الحمصيّ، وأحمد بْن مهديّ بْن رستم، وسليمان بْن سيف الحرّاني، وأبو أَحْمَد محمد بْن عَبْد الوهاب الفراء، وأبو جَعْفَر محمد بْن عَبْد الله بْن المنادي، ومحمد بْن عوف الحمصي. [الخلاف بين ابنُ الموفَّق ويازمان الخادم] وفيها وقع خلاف بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وبين يازمان [١] الخادم فِي طَرَسُوس، فأخرج أهلها أَبَا الْعَبَّاس عَنْهُمْ. فقدِم بغداد فِي جمادى الآخرة [٢] . [دخول الخوارج المَوْصِل] وفيها دخل حمدان بْن حمدون وهارون الشّاريّ الخوارج مدينة المَوْصِل. وصلّى الشّاريّ بالنّاس في الجامع [٣] .

стр. 10114

[القبض على صاعد بْن مخلد وبنيه] وفيها قبض الموفَّق على صاعد بْن مخلد وعلى بنيه ومواليه، واستكتب عوضه إِسْمَاعِيل بْن بلبل [١] . [حركة الزَّنْج بواسط] وفيها تحركت الزَّنْج بواسط وصاحوا: أنكلائيّ [٢] يا مَنْصُور. وكان أنكلائيّ [٢] ابنُ الخبيث، وسليمان بْن جامع، والمهلبي، والشعراني، وغيرهم من قواد الزَّنْج محبوسين ببغداد فِي يد فتح السعيدي. فكتب إليه الموفَّق أن يذبح الجماعة ويبعث رءوسهم، ففعل [٣] . وقِيلَ صلبت أبدانهم على الجسر. والله أعلم.

стр. 10115

سنة ثلاثٍ وسبعين ومائتين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن الْوَلِيد الفحّام، وإسحاق بْن سيّار النصيبي، وحنبل بْن إِسْحَاق، والفضل بْن شخرف، وأبو أُميّة محمد بْن إِبْرَاهِيم الطَّرَسُوسيّ، ومحمد بْن يزيد بْن ماجة. [وقعة الرافقة] وفيها كَانَتْ بالرافقة [١] واقعة بين إِسْحَاق بْن كنداج [٢] ، ومحمد بْن أبي الساج، فانهزم إِسْحَاق. ثُمَّ تواقعا أيضًا، فانهزم إِسْحَاق فِي ذي الحجة [٣] . [قَتْلُ ملك الروم] وفيها وثب ثلاثة بنين لملك الروم على أبيهم فقتلوه، وملّكوا أحدهم [٤] .

стр. 10116

[القبض على لؤلؤ الطولوني] وفيها قبض الموفَّق على لؤلؤ الطّولونيّ، وأخذ له أربعمائة ألف دينار شَرَهَا. ولم يكن له ذنب، بل ادعي عليه أنّه كاتب خمارويه بْن أحمد بن طولون [١] . والله أعلم.

стр. 10117

سنة أربعٍ وسبعين ومائتين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن الْوَلِيد الفحام النصيبيّ، وإسحاق بْن سيار النصيبي، وحنبل بْن إِسْحَاق، والفتح بْن شخرف، وأبو أُميّة محمد بْن إِبْرَاهِيم الطَّرَسُوسيّ، ومحمد بْن يزيد بْن ماجة، والحسن بْن مكرم، وعليّ بْن إِبْرَاهِيم الواسطيّ، ومحمد بْن عِيسَى بْن حِبّان المدائنيّ، وأبو غسان مالك بْن يحيى، بمصر. وفيها خرج الموفَّق إِلَى كرمان لحرب عَمْرو بْن اللَّيْث الصّفّار [١] . وفيها غزا يازمان الخادم الروم، فقتل وسبى [٢] وعاد سالمًا [٣] .

стр. 10118

سنة خمسٍ وسبعين ومائتين تُوُفيّ فيها: أبو بَكْر المروزيّ الفقيه، وأحمد بْن يحيى بْن ملاعب، والحسين بْن محمد بْن أبي معشر نجيح، وأبو دَاوُد صاحب السنن، وأبو عوف البزوريّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مرزوق، ويحيى بْن جَعْفَر بْن الزِّبْرِقان. [غزوة يازمان البحر] وفيها غزا يازمان البحر، فأخذ عدّة مراكب للروم [١] . [حبس الموفّق لابنه أبي الْعَبَّاس] وفيها حبس الموفَّق ابنه أَبَا الْعَبَّاس، فشغب أصحابه وحملوا السلاح، واضطربت بغداد. فركب الموفَّق وقَالَ: يا أصحاب ولدي أتراكم أشفق على ابني منّي؟ وقد احتجت إِلَى تأديبه. فوضعوا السلاح وتفرَّقوا، واطمأنُّوا عليه [٢] . والله أعلم.

стр. 10119

سنة ست وسبعين ومائتين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن حازم بْن أبي غَرَزَة، وبَقِيّ بْن مخلد الأندلسيّ، وعبد الله بْن مُسْلِم بْن قُتَيْبَةَ، وأبو قلابة الرقاشي، ومحمد بْن أَحْمَد بْن أَبِي الْعَوَّام، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الصائغ، ومحمد بْن سعد العوفي، ويزيد بْن محمد بْن عَبْد الصمد. [رضا المعتمد على عَمْرو بْن اللَّيْث] وفيها رَضِيَ المعتمد على عَمْرو بْن اللَّيْث، وكتب اسمه على الأعلام والأترِسة ببغداد [١] . [هرب ابنُ أبي الساج من خمارويه] وفيها قدم محمد بن أبي السّاج هاربا من خمارويه بعد وقعات جرت بينهما، وضعف عنه محمد [٢] .

стр. 10120

[مسير الموفَّق إِلَى إصبهان] وفيها سار الموفَّق إِلَى إصبهان، فنزح محمد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أبي دُلَف بجيشه وعِياله [١] . [ولاية ابنُ اللَّيْث شرطة بغداد وعزله] وفيها ولي عَمْرو بن اللَّيْث شرطة بغداد. ثُمَّ بعد قليل غضب عليه المعتمد وعزله، وأسقط اسمه من الأعلام [٢] .
следующие страницы →