[ظفر المُعْتَضِد بحمدان]
ثُمَّ سار إلى مارِدِين وبها حَمْدَان، وخلف فيها ابنه، فنازلها المُعْتَضِد، فحاربه من كان بها. فلما كان مِن الغد ركب المُعْتَضِد ودنا من باب القلعة، فصاح بنفسه: يا ابن حَمْدَان. فأجابه، فَقَالَ: افتح الباب. فَقَالَ: نعم. ففتحه، وقعد المُعْتَضِد على الباب، ونقل ما فيها من الحَوَاصِلِ. وأمَرَ بهدمها، فهُدمت.
ووجّه وراء حَمْدَان، ثُمَّ ظفر به وحبسه [١] .
[الظفر بشدّاد الكُرْديّ]
ثُمَّ سار المُعْتَضِد إلى قلعة الحَسَنيّة [٢] ، وبها شداد الكُردي، في عشرة آلاف مقاتل، فحاصره حَتَّى ظفر به، وهَدَمَها [٣] .
[هدم المُعْتَضِد دار النَّدْوَة]
وفيها هدم المُعْتَضِد دار النَّدْوة بمكة، وصيَّرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام [٤] .
стр. 10397
سنة اثنتين وثمانين ومائتين
تُوُفِّي فيها: إسماعيل بن إسحاق القاضي الفقيه، وجعفر بن أبي عثمان الطَّيَالِسِيّ، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وصاحب مصر خمارويه بن أحمد بن طُولون، والفضل بن محمد الشّعْراني، ومحمد بن الفَرَج الأزرق، وأبو العَيْنَاء محمد بن القاسم الأديب، ومحمد بن سَلَمَةَ الواسطي، ويحيى بن عثمان بن صالح الضَّبِّيّ.
[إبطال المُعْتَضِد لما يعمل في النّيروز]
وفيها أبطل المُعْتَضِد ما يُفعل في النَّيْرُوز من وقيد النيران، وَصَبِّ الماء على الناس، وأزال سنة المَجُوس [١] .
[قدوم قطر الندى على المُعْتَضِد]
وفي أولها قَدِمَتْ قَطْرُ الندى [٢] بنت خُمَارَوَيْه من مصر، ومعها عمّها لِتُزَف إلى المُعْتَضِد، فدخل عليها في ربيع الأول. وكان في جِهَازها أربعة آلاف تِكّة مُجوْهرة، وعشرة صناديق جواهر. وَقُوِّمَ ما دخل معها فكان ألف ألف دينار
стр. 10398
ونيِّف. أعطاه ذلك أبوها [١] .
[خروج المُعْتَضِد إلى الكَرْج]
وفيها خرج المُعْتَضِد إلى الجبل، فبلغ الكَرْج، وأخذ أموال ابن أبي دُلَف [٢] .
[تفريق المال على العلويين]
وفيها بعث محمد بن زيد العَلَوِيّ من طَبَرسْتَان إلى محمد بن الورد العطار ببغداد ثلاثين ألف دينار، ليُفرّقها على العلويين. فبلغ المُعْتَضِد، فسألوه، فَقَالَ محمد: إِنَّهُ يبعث إليَّ كل سنة بمثلها، فأُفرقها.
قَالَ المُعْتَضِد: أنا رأيت أمير المؤمنين عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ في النَّوم، فأوصاني بذُرِّيّته خيرًا. ففرِّق ما تُفرقه من هَذَا المال ظاهرًا [٣] .
[ذبح خُمَارَوَيْه]
وفيها ذُبح خُمَارَوَيْه بن أحمد على فراشه بدمشق. وكان يتعانى الفاحشة بغلْمانه، راود مملوكًا في الحَمّام، فامتنع عليه حَيَاءً من الخَدَم، فأمر أن يُدخل في دُبُره مثلُ الذَّكر خَشَب، فلم يزل يصيح حَتَّى مات في الحمام، فأبغضه الخدم، فذبحه جماعة وهربوا، فَمُسِكت عليهم الطّرق، وجيء بهم وقتلوا [٤] .
стр. 10399
وكان ذبحه في ذي الحِجَّة. وحُمل في تابوتٍ إلى مصر، وصلّى عليه ابنه جيش بن خُمَارَوَيْه. وكان الذي نَهَضَ في مسك أولئك الخَدَمِ طُغْجُ بنُ جُفّ، فَصَلَبَهم بعد القتل.
[ولاية جيش وقتله]
وولي بعده ابنُه جيش، فقتلوه بعد يسيرٍ [١] .
[ولاية هارون بن خُمَارَوَيْه وعزله]
وأقاموا مكانه أخاه هارون بن خُمَارَوَيْه، وقرَّر على نفسه أن يحمل إلى المعتضد كلّ سنة ألف ألف وخمسمائة ألف دينار. فلما استُخلف المكتفي عزله، وولي محمد بن سليمان الواثقي، فاستصفى أموال آل طولون [٢] .
[قتل المُعْتَضِد لابن عمّه أحمد] وفيها، أَوْ قبلها، أهلك المُعْتَضِد عمّه أحمد بن المتوكل لِأَنَّهُ بلغه أَنَّهُ كاتب خُمَارَوَيْه بن أحمد، فيما قيل. وكان عالما شاعرا.
стр. 10400
سنة ثلاثٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: إسحاق بن إبراهيم بن سُفْيَان الخُتُّليّ، وسهل بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ الزاهد، والعباس بن الفضل الأسفاطي، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وعَليُّ بْن محمد بْن عَبْد المُلْك بْن أَبِي الشَّوارب القاضي، ومحمد بن سُلَيْمَان الْبَاغَنْدِيُّ، ومحمد بن غالب تَمْتَام، ومِقْدَام بن داود الرُّعَيْنيّ.
[الظفر بهارون الخارجي]
وفي أولها خرج المُعْتَضِد إلى المَوْصِل بسبب هارون الشاري، وكان الحسين بن حَمْدَان قد قَالَ له: إنْ أَنَا جئتُ بهارون إليك فليَ ثلاثُ حوائج.
قَالَ: اذكرها.
قَالَ: تُطلق أبي، والحاجتان أذكرهما بعد أن آتي به.
قَالَ: لك ذلك.
قال: أريد أنتخب ثلاثمائة فارس. قَالَ: نعم.
وخرج الحسين يطلب هارون حَتَّى انتهى إلى مخاضةٍ في دجلة، وكان معه وَصيف الأمير. فَقَالَ لوصيف: ليس لهارون طريق يهرب منه غير هَذَا، فقِف هاهنا، فإنْ مرَّ بك فامنعه من العبور. قَالَ: نعم.
ومضى الحسين فالتقى مع هارون، فقتل جماعة وهرب هارون، وأقام
стр. 10401
وصيف على المخاضة ثلاثًا، فَقَالَ لأصحابه: قد طال مقامنا. ولسنا نأمن أن يأخذ الحسين هارون فيكون له الفتح دوننا. فالصواب أن نمضي في آثارهم.
فأطاعوه ومضوا. وجاء الشاري إلى المخاضة فَعَبَرَ. وجاء الحسين في إثره فلم يجد وَصِيفًا. ولم يُعرف لهارون خبر. فبلغه أَنَّهُ عبر دِجْلة، فعبر خلفه. وجاء هارون إلى حيٍّ من العرب، فأخذ دابة ومضى، وجاء الحسين فسألهم فكتموه، فَقَالَ: المُعْتَضِد في إثري، فأخبروه بمكانه، فاتَّبعه في مائة فارس، فأدركه.
فناشده هارون الشاري وتوعَّده، فألقى الحسين نفسه عليه، وأسره، وجاء به إلى المُعْتَضِد، فأمر بفك قيود حَمْدَان والتوسعة عليه. ورجع بهارون إلى بغداد، وخلع على الحسين بن حَمْدَان وطوّقه، وعُمِلَت قِباب الزّينة، وركَّبوا هارون فيلًا بين يدي المُعْتَضِد، وازدحم الخَلْق حَتَّى سقط كرسي الجسر الأعلى ببغداد، فغرق خلق كثير.
وكان على المُعْتَضِد قِباء أسود، وعِمَامة سوداء، وجميع الأمراء يمشون بين يديه [١] .
[ولاية طغج إمرة الجيش]
وفيها ولي طُغْج بن جُف إمرةَ الجيش الطُّولوني [٢] .
[وصول تقادُم ابن الليث]
وفيها وصلت تَقَادُم عمرو بن اللَّيث أمير خراسان، فكانت مائتي حِمل مال، ومائتي حمارة، وغير ذلك من التُّحَف.
[إطلاق المُعْتَضِد لحمدان]
وفيها خلع المُعْتَضِد على حَمْدَان وأطلقه [٣] .
стр. 10402
[الأمر بتوريث ذوي الأرحام]
وفيها كُتِبَت الكتب إلى الآفاق، بأن يورَّث ذَوُو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث. وكثُر الدُّعاء للمعتضد. وكان قد سأل أبا حازم القاضي عن ذَلِكَ، فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ٨: ٧٥ [١] .
فَقَالَ المُعْتَضِد: قد رُوِيَ عدم الرد عن الخُلفاء الأربعة.
فَقَالَ أبو حازم: كَذِب الناقلُ عنهم، بل كلِّهم ردّ، هم وجميع الصحابة، سوى زيد بن ثابت. وكان زيد يُخفيه حَتَّى مات عمر، وَهُوَ مذهب فقهاء التابعين ومن بعدهم. ولم يذهب إلى قول زيد غير الشافعي في إحدى القولين، والقول الآخر كالجماعة.
فَقَالَ المُعْتَضِد: اكتبوا بذلك إلى الآفاق [٢] .
[خروج عمرو بن الليث من نيسابور]
وفيها خرج عمرو بن اللَّيْث من نَيْسَابُور، فهاجمها رافع بن هَرْثَمَة وخطب بها لمحمد بن يزيد العلوي، فعاد عمرو ونزل بظاهر نَيْسَابُور محاصرًا لها [٣] .
[ذبح جيش بن خُمَارَوَيْه]
وفيها وثب الْجُنْدُ من البربر على جيش بن خُمَارَوَيْه وقالوا: لو تتنحى عن الأمر لنُولي عمَّك؟ فكلمهم كاتبه عَليَّ بن أحمد الماذرائي، وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم، فانصرفوا. فغدا جيش على عمه أبي [٤] العشائر، فضرب عُنقه وعنق
стр. 10403
عمّ له آخر، ورمى برءوسهما إليهم. فهجم الجند على جيش فذبحوه، وذبحوا أمه، وانتهبوا الدار، وأجلسوا أخاه هارون مكانه [١] .
[قتل رافع بن هرثمة]
وفيها هزم عمرو بنُ اللَّيْث رافعَ بن هرْثَمَة، وساقَ وراءه إلى أن أدركه بخوارزم فقتله. وكان المُعْتَضِد قد عزله سنة سبعٍ وسبعين عن خُراسان، وولى عليها عمرو بن اللَّيْث. فبقي رافع بالرِّي [٢] .
ثُمَّ إِنَّهُ هادن الملوك المجاورين له يستعين بهم على عَمْرو، ودعا إلى العلوي. ثُمَّ سار إلى نَيْسَابُور. فوافقه عمرو في ربيع الآخر من هذه السنة، وهزمه إلى أبِيورد. وقصد رافع أن يخرج إلى مَرْو أَوْ هراة، ثُمَّ دخل نَيْسَابُور.
فأتى عَمْرو فحاصره بها، فهرب رافع وأصحابه على الجمازات إلى خُوَارِزْم في رمضان. فأحاط به أمير خُوَارِزْم وقتله في سابع شوال، وبعث برأسه إلى عَمْرو بن اللَّيْث، فنفذه إلى المُعْتَضِد [٣] .
ولم يكن رافع ولد هرثمة، وإنما هو زوج أمّه، فنسب إليه، وهو رافع به تُومَرْد [٤] . وَصَفَتْ خراسان لعمرو بن اللَّيْث.
[رواية ابن طولون عن قتل جيش بن خُمَارَوَيْه]
قَالَ ربيعة بن أحمد بن طولون: لما دخل ابن أخي جيش مصر قبض عليّ
стр. 10404
وعلى عمَّيه مُضر وشيبان، وحبسنا. ثُمَّ إِنَّهُ أخذ أخانا مُضر فأدخله بيتًا، وجوعه خمسة أيام، ثُمَّ دخل علينا ثلاثة من غلمان جيش، فقالوا: أين أخوكم؟ قلنا: لا ندري.
فدخلوا عليه البيت، فرماه كل واحدٍ بسهم، فقتلوه وأغلقوا علينا الباب، وتركونا يومين بلا طعام، فظننا أَنَّهُم يُهلكوننا بالجوع. فسمعنا صُراخًا في الدار، ففتحوا علينا، وادخلوا إلينا جيش بن خُمَارَوَيْه، فقلنا: ما جاء بك؟ قَالَ: غَلبني أخي هارون على مصر.
فقلنا: الحمد للَّه الذي قبض يدك وأضرع خدك.
فَقَالَ: ما كان في عزمي إِلا أن أُلْحِقَكُما بأخيكما.
وبعث إلينا هارون أن نقتله بأخينا، فلم نفعل، وانصرفا إلى دُورِنا، فبعث إليه من قتله.
стр. 10405
سنة أربعٍ وثمانين ومائتين
تُوُفِّي فيها: أبو عَمْرو أحمد بن المبارك المُسْتَمْلِي، وإسحاق بن الحسن الحربي، وأبو خالد عبد العزيز بن معاوية القُرَشي، ومحمود بن الفرج الأصبهاني الزاهد، وهشام بن عَليَّ السيرافي، ويزيد بن الهيثم أبو خالد البادا.
[القدوم برأس ابن هَرْثَمَة على المُعْتَضِد]
وفي رابع المحرم قُدم على المُعْتَضِد برأس ابن هَرْثَمَة، فنُصب يومًا ببغداد [١] .
[الوقعة بين النوشري وابن أبي دُلف]
وفيها كانت وقعة بين عيسى النُّوشَري المعتضدي وبين بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف، وكان قد أظهر العصيان، فهزمه النَّوْشَرِيّ بقرب أصبهان، واستباح عسكره [٢] .
стр. 10406
[ولاية القضاء بمدينة المنصور]
وفي ربيع الأول وَلِيَ القضاء أبو [١] عمر محمد بن يوسف [٢] على مدينة المنصور [٣] .
وفيها ظهر بمصر حُمرة عظيمة، حَتَّى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان. فتضرًّع الناس بالدعاء إلى الله. وكانت من العصر إلى الليل [٤] .
[إرسال ابن اللَّيْث للأموال]
وفيها بعث عَمْرو بن اللَّيْث بألف ألف درهم لتنفق على إصلاح درب مكة من العراق [٥] .
[عزْم المُعْتَضِد على لعن معاوية]
قَالَ ابن جرير الطبري [٦] : وفيها عزم المُعْتَضِد على لعن معاوية على المنابر، فخوَّفه عُبَيْد الله الوزير اضطراب العامة. فلم يلتفت، وتقدَّم إلى العامة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القُصَّاص من القعود في الأماكن، ومنع من اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب المُعْتَضِد كتابًا في ذلك. واجتمع النّاس يوم
стр. 10407
الجمعة بناء على أن الخطيب يقرأه، فما قرأه، وكان من إنشاء الوزير عُبَيْد الله، وفيه: «وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شُبهة [قد] دخلتهم في أديانهم [١] ، على غير معرفة ولا روية، خالفوا السنن، وقلدوا فيها أئمة الضلالة، ومالوا إلى الأهواء [٢] ، وقد قَالَ الله تعالى: وَمن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً من الله ٢٨: ٥٠ [٣] خروجًا عن الجماعة، ومسارعةً إلى الفتنة [٤] ، وإظهارًا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة. وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملة [٥] . قَالَ الله تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في الْقُرْآنِ ١٧: ٦٠ [٦] وإنما أراد بني أمية الملعونين على لسان نبيّه. وهو [٧] كانوا أشدّ عداوة له من جميع الكفار. ولم يرفع الكفار رايةً يوم بدرٍ وأُحد والخندق إِلا وأبو سُفْيَان وأشياعه أصحابها وقادتها» [٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ وَمَوْضُوعَةٍ فِي ذَمِّ أَبِي سُفْيَانَ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَحَدِيثَ:
«لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ» ، عَنْ مُعَاوُيَةَ. وَأَنَّهُ نَازَعَ عَلِيًّا حَقَّهُ، وَقَدْ قَالَ ﵇ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ سَفَكَ الدِّمَاءَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَانْتَهَبَ الْأَمْوَالَ الْمُحَرَّمَةَ، وَقَتَلَ حُجْرًا [٩] ، وَعَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ، وَادَّعَى زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ جُرْأَةً على الله، والله يقول: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ٣٣: ٥ [١٠] وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» . ثُمَّ دعى إلى بيعة ابنه يزيد، وقد عَلِمَ فسْقة، ففعل بالحسين وآله ما فعل، ويوم الحرّة، وحرق البيت الحرام.
стр. 10408
وَهُوَ كتاب طويل فيه مصائب. فلما كتبه الوزير قَالَ للقاضي يوسف بن يعقوب [١] : كلِّم المُعْتَضِد في هَذَا.
فَقَالَ له: يا أمير المؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه.
فَقَالَ: إنْ تحرَّكت العامةُ وضعتُ السيف فيها.
قَالَ: فما نصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وَإِذَا سمع النَّاس هَذَا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أمْيل وصاروا أبسطَ ألْسنة [٢] .
فأمسك المُعْتَضِد.
[ذكر الخادم وظهوره على المُعْتَضِد]
وفيها ظهر في دار المُعْتَضِد شخص، في يده سيف مسلول، فقصده بعض الخدم فضربه بالسيف فجرحه، واختفى بالبُستان. وطُلب فلم يوجد له أثر.
فعظُم ذلك على المُعْتَضِد، وقيل هُوَ من الجن. وساءت الظُّنون. وأقام الشخص يظهر مرارًا ثُمَّ يختفي [٣] . ولم يظهر خبره حَتَّى مات المُعْتَضِد والمكتفي، فَإِذَا هُوَ خادم أبيض كان يميل إلى بعض الجواري التي في الدُّور [٤] .
وكان منْ بلغَ من الخُدّام يُمنعون من الحرم، وكان خارج دور الحرم بستان كبير، فاتّخذ هَذَا الخادم لحية بيضاء، فبقي تارةً يظهر في صورة راهب، وتارة يظهر بزيّ جنْديّ بيده سيف، واتخذ عدّة لِحًى مختلفة الهيئات [٥] ، فَإِذَا ظهر خرجت الجارية مع الجواري لتراه- يعني ليخلو بها بين الشجر- فيحدِّثها خلسة. فَإِذَا طُلب دخل بين الشجر ونزع اللحية والبُرْنُس ونحو ذلك، وخبّأها،
стр. 10409
وترك السيف في يده مسلولًا كَأَنَّه من جملة الطالبين لذلك الشخص. وبقي كذلك إلى أن ولي المقتدر، وخرج الخادم إلى طوس، فتحدّثت الجارية بحديثه بعد ذلك [١] .
стр. 10410
سنة خمسٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: إبراهيم الحربي، وإسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وعبيد بن عبد الواحد بن شَريك، وأبو العَبَّاس محمد بن يزيد المبرّد.
[إيقاع الطائي بالحجّاج]
وفي المحرّم قطع صالح بن مدرك الطائي الطريق على الحُجاج بالأجْفُر [١] . وأخذ للرَّكب ما قيمته ألف [٢] ألف دينار، وأسر الحرائر [٣] .
[ولاية ابن اللَّيْث ما وراء النهر]
وفي المحرّم عُزل إسْمَاعِيل بن أَحْمَد عن ما وراء النهر، ووليه عمرو بن اللّيث [٤] .
стр. 10411
[الريح الصفراء بالبصرة]
وفي ربيع الأول هبّت ريح صفراء بالبصرة، ثُمَّ صارت خضراء، ثُمَّ سوداء، وامتدت في الأمصار، ووقع عقِبها بَرَدٌ، وزن البردة مائةٌ وخمسون درهمًا. وقلعت الرّيح نحو ستّمائة نخْلة، ومُطرت قرية حجارةً سوداء وبيضاء [١] .
[استعمال ابن أبي الساج]
وفيها استعمل المُعْتَضِد على أرمينية وأَذْرَبِيجَان ابن أبي السّاج [٢] .
[غزوة راغب في البحر]
وفيها غزا راغب الموفَّقي الخادم الرومي في البحر، فظفر بمراكب كثيرة، ضرب منها ثلاثة آلاف رَقَبة، وفتح حُصونًا كثيرة [٣] .
[تكريم عَليّ بن المُعْتَضِد]
وفي ذي الحجّة قدم عَليّ بن المُعْتَضِد بغداد، وكان قد جهّزه لقتال محمد بن زيد العلوي، فدافع محمدا عن الجبال وتحيز إلى خُرَاسَان، ففرح به أبوه فَقَالَ: بعثناك ولدًا فرجعت أخًا. كرامةً له منه بهذا القول. ثُمَّ أعطاه ألف ألف دينار [٤] .
[وفاة أَحْمَد بن عيسى بن الشيخ]
وفي ذي الحجّة خرج المُعْتَضِد وابنه يريد آمد، لما بلغه موت أَحْمَد بن عيسى بن الشّيخ [٥] .
стр. 10412
[صلاة ابن المُعْتَضِد بِالنَّاس]
وصلى بالناس يوم الأضحى ببغداد عَليّ بن المُعْتَضِد، وركب كما تركب ولاة العهود [١] .
стр. 10413
سنة ستٍّ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن سَلَمَةَ النَّيْسَابُوري الحَافِظ، وَأَحْمَد بن عَليّ الخزّاز، وأبو سعيد الخرّاز شيخ الصوفية، وَأَحْمَد بن الْمُعَلَّى الدِّمِشْقِيّ، وأبو نُعَيْم بن سُوَيْد الشامي، وإبراهيم بن محمد [١] الصَّنْعَانيّ، وَالحَسَن بن عبد الأعلى البوسي أصحاب عبد الرزاق، وعبد الرحيم بن عبد الله البَرْقي، وعَليُّ بن عبد العزيز البَغَويّ، وَمحمد بن وضّاح القرطبيّ، ومحمد بن يوسف البنّاء الزاهد، وَمحمد بن يونس الكُدَيْميّ، وأبو عُبادة البُحْتُريّ الشاعر.
[منازلة المُعْتَضِد لآمد]
وفي ربيع الآخر نازل المُعْتَضِد آمد، وبها محمد بن أَحْمَد بن الشيخ، فنصب عليها المجانيق، ودام الحصار أربعين يومًا. ثُمَّ ضَعُف محمد، وتخاذَل أصحابه، فطلب الأمان. ثُمَّ خرج فخلع عليه [٢] .
стр. 10414
[قبض المُعْتَضِد على راغب الخادم]
وفيها قبض المُعْتَضِد على راغب الخادم أمير طَرَسُوس واستأصله، فمات بعد أيَّام [١] .
[قدوم هدية ابن اللَّيْث على المُعْتَضِد]
وفيها، في جُمَادَى الآخرة، قدمت هدايا عَمْرو بن اللَّيْث، وهي أربعة آلاف ألف درهم، وعشرة من الدّوابّ بسروجها ولُجُمها المذهبّة، وخمسون أخرى بجلالها [٢] .
[الحرب بين ابن الصَّفَّار وَإسْمَاعِيل بن أَحْمَد]
وفيها التقى جيش عمرو بن اللّيث الصَّفَّار، وَإسْمَاعِيل بن أَحْمَد بن أسد بما وراء النَّهْر. فانكسر أصحاب عَمْرو، ثُمَّ في آخر السنة عبَرَ إسْمَاعِيل بن أَحْمَد «جَيْحُون» بعسكره، ثُمَّ التقى هُوَ وَعَمْرو بن اللَّيْث على بلْخ. وكان أهل بلْخ قد ملّوا عَمْروًا وأصحابه، وضجوا من نزولهم في دُورهم وأخذهم لأموالهم، وتعرُّضهم لنسائهم. فَلَمَّا التقوا حمل عليهم إسْمَاعِيل، فانهزم عَمْرو إلى بلخ، فوجد أبوابها مغلقة، ففتحوا له ولجماعة معه، فوثب عليه أهل بلخ وأوثقوه، وحملوه إلى إسْمَاعِيل. فَلَمَّا دخل عليه قام إسْمَاعِيل واعتنقه، وقبّل ما بين عينيه، وخلع عليه، وحلف أَنَّهُ لا يؤذيه.
وَقِيلَ: إن إسْمَاعِيل لَمَّا كان على ما وراء النَّهْر، سأل عَمْرو بن اللَّيْث المُعْتَضِد أنْ يوليه ما وراء النَّهْر، فولاه فعزم عَمْرو على محاربته، فكتب إليه إسْمَاعِيل: إنك قد وُليت الدُّنيا، وإنما في يدي ثغر، فاقنع بما في يدك ودعني [٣] . فأبى، فَقِيلَ له: بين يديك «جيحون» كيف تعبره؟
стр. 10415
فَقَالَ: لو شئت أن أسكّره ببذْل [١] الأموال لفعلت حَتَّى أعبره [٢] .
فَقَالَ إسْمَاعِيل: أنا أعبر إليه. فجمع الدَّهاقين وغيرهم، وجاوز النَّهْر.
فجاء عَمْرو فنزل بلخ. فأخذ إسْمَاعِيل عليه الطُّرق، فصار كالمحاصر. وندِم عَمْرو، وطلب المحاجزة، فلم يُجبه، واقتتلوا يسيرًا، فانهزم عَمْرو، فتبعوه، فتوحَّلت دابته، فأُخذ أسيرًا [٣] .
وبلغ المُعْتَضِد، فخلع على إسْمَاعِيل خِلَع السلطنة وَقَالَ: يُقلَّد أبو [٤] إِبْرَاهِيم كل ما كان في يد عَمْرو بن اللَّيْث.
[ابن اللَّيْث في أسر المُعْتَضِد]
ثُمَّ بعث يطلب من إسْمَاعِيل عَمْرو، ويعزم عليه. فما رأى بُدًّا من تسليمه، فبعث به إلى المُعْتَضِد، فدخل بغداد على جمل ليُشهره، فقال الحُسَيْن بن محمد بن الفَهْم [٥] :
ألم ترَ هَذَا الدَّهْر كيف صُروفهُ ... يكون يسيرًا مُرّةً [٦] وعسيرًا
وحسبك بالصفار نُبلًا وَعِزّةً ... يرُوح ويغدُو في الجيوش أميرا
стр. 10416
حباهم بأجمال، ولم يدر أنه ... على جمل منها يُقاد أسيرًا [١]
[نهاية عَمْرو بن اللَّيْث]
ثُمَّ حبسه المُعْتَضِد في مطمورة، فكان يَقُولُ: لو أردت أن أعمل على جيحون [٢] جسرًا من ذهب لفعلت، وكان مطبخي يُحمل على ستّمائة جمل، وأركبُ في مائة ألف، أصارني الدَّهْر إلى القيد والذُّلّ [٣] ! فَقِيلَ: إِنَّهُ خُنق عند موت المُعْتَضِد، وَقِيلَ: قبل موته بيسير.
وَقِيلَ: إنَّ إسْمَاعِيل خيّره بين أن يقعد عنده معتقلًا، وبين توجيهه إلى المُعْتَضِد، فاختار توجيهه إلى المُعْتَضِد. فأُدخل بغداد سنة ثمانٍ وثمانين على جملٍ له سنامان، وعلى الجمل الدّيباج وَالْحُلِيُّ، وطِيف به في شوارع بغداد.
وأُدخل على المُعْتَضِد، فَقَالَ له: يا عَمْرو هَذَا ببغيك [٤] .
ثُمَّ سجنه.
[إنعام المُعْتَضِد على إسْمَاعِيل]
وبعث المُعْتَضِد إلى إسْمَاعِيل ببدرةٍ من لؤلؤ، وتاج مرصًّع، وسيف، وعشرة آلاف درهم.
[ظهور القرمطي بالبحرين]
وفيها ظهر بالبحرين أبو سَعِيد الجنّابيّ [٥] القرمطيّ في أوّل السّنة.
стр. 10417
وفي وسطها قويت شوكته، وانضم إليه طائفة من الأعراب، فقتل أهل تِلْكَ القرى، وقصد البصرة. فبنى المُعْتَضِد عليها سورًا وحصّنها.
وكان أبو سَعِيد كَيّالًا بالبصرة، وَهُوَ من قرى الأهواز. وَقِيلَ من البحرين [١] .
قَالَ الصولي: كان أبو سَعِيد فقيرًا يرفو أعدال الدقيق بالبصرة [٢] ، وكان يُسخر منه ويُستخف به، فخرج إلى البحرين، وانضاف إليه جماعة من بقايا الزنْج والخرّمّية، فعاث وأفسد وتفاقم أمره، حَتَّى بعث إليه الخليفة جيوشا وهو يهزمها [٣] .
وَهُوَ جدّ أبي عَليّ المستولي على الشام الّذي مات بالرّملة سنة خمس وستّين وثلاثمائة.
وَقَالَ غيره: أقام أبو سَعِيد مدة، ثُمَّ ذُبح في حمامٍ بقصره. ثُمَّ خلفه ابنه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحَسَن بن بهرام الجنابيّ القَرْمَطيّ، وَهُوَ الذي تأتّى أَنَّهُ قَتل الحجيج واقتلع الحجر الأسود [٤] .
стр. 10418
سنة سبعٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن إسحاق بن نُبَيْط، وأبو بكر أَحْمَد بن عَمْرو بن أبي عاصم، وَمحمد بن عَمْرو الْجُرَشيّ أبو عَليّ قشْمرد، وموسى بن الحَسَن الْجَلاجليّ، وأبو سَعِيد يحيى بن منصور الهَرَويّ.
[واقعة ركب الحاجّ]
وفي المحرّم واقعتْ طيِّئ رَكْبَ الحاجّ العراقيّ بأرض المعدن. وكانت الأعراب في ثلاثة آلاف ما بين فارس وراجل. وكان أمير الحاجّ أبو الأغرّ، فأقاموا يقاتلونهم يومًا وليلة. واشتد القتال، ثُمَّ إنَّ الله أيّد الركب وهزموهم، وقُتل صالح بن مدرك الذي نهب الحاجّ فيما مضى، وقُتل معه أعيان طيِّئ، ودخل الرّكب بغداد بالرّءوس على الرماح وبالأسرى [١] .
[الوقعة بين ابن اللَّيْث وَإسْمَاعِيل بن أَحْمَد]
وفي نصف ربيع الأول كانت الوقعة على بلْخ بين عَمْرو بن اللّيث وإسماعيل بن أحمد، فأسره إسماعيل [٢] .
стр. 10419
[ذكر القرامطة وغِلَظ أمرهم]
وفيها غَلُظ أمر القرامطة، وأغاروا على البصرة ونواحيها، فسار لحربهم العَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، فالتقوا، فأُسر الغنوي، وقُتل خلقٌ من جنده [١] .
[إطلاق القَرْمَطيّ للغنوي]
ثُمَّ إنَّ أبا سَعِيد بعد أنْ ضيق عليه أطلقه وَقَالَ: بلِّغ المُعْتَضِد عني رسالة، ومضمونها أَنَّهُ يكفّ عنه ويحفظ حُرمته: فأنا قد قنعت بالبرية، فلا يتعرّض لي [٢] .
[رواية ابن خلّكان عن القرامطة]
قَالَ ابن خلّكان [٣] : كان من حديث العَبَّاس أَنَّ القرامطة لَمَّا اشتد أمرهم وبالغوا في القتل، أرسل إليهم المُعْتَضِد جيشًا عليه العَبَّاس بن عَمْرو، فالتقوا، فأسره أبو سَعِيد القَرْمَطيّ في الوقعة، وأسر جميع مَن معه مِن الجيش [٤] .
ثُمَّ مِن الغد أحضر الأسرى فقتلهم بأسرهم وحرّقهم، ﵏. وأطلق العَبَّاس فجاء إلى المُعْتَضِد وحده [٥] .
وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين.
стр. 10420
[خروج المُعْتَضِد إلى الثغور]
وفي شوال خرج المُعْتَضِد من بغداد، وسار إلى عين زَرْبة، فأسرَ وصيفًا الخادم. ثُمَّ قدِم المِصيصة ونزل طَرَسُوس، ثُمَّ رحل إلى أنطاكية. ثُمَّ جاء إلى حلب، ثُمَّ إلى بالس، وأقام بالرَّقَّة إلى سلْخ السنة [١] .
[وفاة صاحب طَبَرسْتَان]
وفيها مات صاحب طَبَرسْتَان محمد بن زيد العلويّ [٢] .
[الإيقاع بالقرامطة]
وفيها أوقع بدر بالقرامطة على غرة، فقتل منهم مقتلةً عظيمة [٣] ، والحمد للَّه.
стр. 10421
سنة ثمانٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: إسحاق بن إسْمَاعِيل الرملي بإصبهان، وَبِشْر بن موسى الأسديّ، وجعفر بن محمد بن سوار الحَافِظ، وعثمان بن سَعِيد بن بشار الأَنْمَاطِيُّ، ومُعاذ بن المُثَنَّى العَنْبَريّ، وخلْق سواهم.
[دخول ابن اللَّيْث بغداد أسيرًا]
وفي جُمَادَى الأولى أُدخل عَمْرو بن الليث الصَّفَّار بغداد أسيرًا على جَمل [١] ، فسجن إلى سنة تسعٍ وثمانين، وأُهلك عند موت المُعْتَضِد.
[الزلزلة في دبيل]
وزُلزِلت دبيل [٢] ليلا. قال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ [٣] : فأُخرج من تحت الهدْم خمسون ومائة ألف ميّت.
стр. 10422
وَقِيلَ: كان ذَلِكَ في العام الماضي، كما تقدّم.
[الوباء بأذربيجان]
وفيها وقع وباءٌ عظيم بِأَذْرَبِيجَان حَتَّى فُقدت الأكفان، حَتَّى كفّنوا بالأكسية واللُّبُود. ثُمَّ طُرحوا في الطُّرق [١] .
[موت ابن أبي الساج وأصحابه]
ومات من أصحاب محمد بن أبي السّاج وأقاربه سبعمائة إنسان، وكان ببرذعة، ثُمَّ تُوُفِّي هُوَ، فقام بعده ابنه ديوداد، وخالفه أخوه يوسف [٢] .
[موت وصيف الخادم في السجن]
وفيها قدم المُعْتَضِد ومعه وصيف خادم محمد بن أبي الساج، وكان قد عصى عليه بالثُّغور، فأسره وأُدخل على جملٍ. ثُمَّ تُوُفِّي في السجن بعد أيام، فصُلبت جُثّته عند الجسر [٣] .
[ظهور الشيعي بالمغرب]
وفيها ظهر أبو عبد الله الشيعي بالمغرب، ونزل بكُتامة [٤] ، ودعاهم إلى المهديّ عُبَيْد الله [٥] .
стр. 10423
سنة تسعٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أبو عبد الملك أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم البُسْريّ، والمعتضد باللَّه الخليفة، وَأَحْمَد بن يَحْيَى بن حمزة [١] ، وَإِبْرَاهِيم بن محمد الأغلبي أمير القيروان، وأنس بن السّلم، وجماعة كبار.
[فيضان ماء البحر على السواحل]
وفيها فاض ماء البحر على السواحل، فأخرب البلاد والحصون التي عليه، وَهَذَا لم يُعهد [٢] .
[اعتلال المُعْتَضِد]
وفي ربيع الآخر اعتل المُعْتَضِد علّة صعبة، وتماثل، فَقَالَ ابن المعتز:
طار قلبي بجناح الوجيب ... جزعًا من حادثات الخُطوب
وحذارًا من أن يُشاك بسوء ... أسدُ المُلك وسيفُ الحروب [٣]
ثُمَّ انتكس ومات في الشّهر.
стр. 10424
[خلافة المُكْتَفِي]
وقام بعده ابنه المُكْتَفِي باللَّه أبو محمد عَليّ، وليس في الخلفاء من اسمه عَليّ إِلا هو، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وُلد سنة أربعٍ وستين.
ومائتين، وأُمه تركية. وكان من أحسن النَّاس [١] .
[أخذ البيعة للمكتفي]
وَلَمَّا نُقل المُعْتَضِد اجتمعوا في دار العامة، وفيهم مؤنس [٢] الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف، موشكير، والفضل بن راشد، ورشيق. وكان بدر المعتضدي بفارس، فقالوا للقاسم بن عُبَيْد الله الوزير: خُذ البيعة.
فَقَالَ: المُعْتَضِد حي، ولا آمن إفاقته، وقد أطلقتُ المال، فيُنكر عَليّ.
فقالوا: إنْ عُوفي فنحن المناظرون دونك.
وكان في عزْمه أن يزوي الأمر عن المُكْتَفِي، لكن رأى ميلهم إلى المُكْتَفِي، فأخذ له البيعة بعد العصر من يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلةً بقيت من ربيع الآخر. وأحضر أحمدُ بن محمد بن بسطام أولاد الخلفاء: عبد الله بن المعتز، وقصيّ بن المؤيّد، وعبد العزيز بن المعتضد، وعبد الله بن الموفّق، وأبي أَحْمَد، وأخذ عليهم البيعة للمكتفي [٣] .
[وفاة المُعْتَضِد]
وَتُوُفِّي المُعْتَضِد ليلة الإثنين لثمان بقين من الشّهر [٤] .
стр. 10425
[الأموال التي خلفها المُعْتَضِد]
وكان المُكْتَفِي بالرقة. فكتب إليه الْقَاسِم بالخلافة [١] ، وَأَنَّ في بيوت الأموال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم أضعافها، ومن الجواهر ما قيمته كذلك، ومن الثياب والخيل، وذكر أشياء كثيرة [٢] .
[تحرُّك الْجُنْد ببغداد]
وَقِيلَ: إنَّ الجند تحركوا ببغداد عند موت المُعْتَضِد، ففرّق الْقَاسِم فيهم العطاء، فسكنوا.
[دخول المُكْتَفِي بغداد]
ووافى المُكْتَفِي بغداد في سابع جُمَادَى الأولى، ومر بدجلة في سمارية، وكان يومًا عظيمًا. وسقط أبو عُمَر القاضي من الزّحمة من الجسر، وأُخرج سالمًا. ونزل المُكْتَفِي بقصر الخلافة، وتكلمت الشعراء، وخلع على الْقَاسِم بن عُبَيْد الله سبْع [٣] خِلع، وقلّده سيفًا. وهدم المطامير التي اتخذها أبوه، وصيّرها مسجدًا [٤] .
وأمر بردّ البساتين والحوانيت التي اتخذها أبوه من النَّاس ليعملها قصرًا.
وفرّق أموالا جزيلة. وسار سيرةً جميلة، فأحبه النَّاس ودعوا له [٥] .
[موت عَمْرو بن اللَّيْث]
ومات في السجن عَمْرو بن اللَّيْث الصَّفَّار في اليوم الذي دخل فيه
стр. 10426
المُكْتَفِي بغداد. فَقِيلَ: إنَّ الْقَاسِم الوزير قتله سرًا، خوفًا من إخراجه، فإنه كان محسنًا إلى المُكْتَفِي أيام مقامه بالري [١] .
[خلع محمد بن هارون الطاعة]
وفي رجب ورد الخبر إلى بغداد أَنَّ أهل الرَّيِّ كتبوا إلى الأمير محمد بن هارون الذي كان إسْمَاعِيل بن أَحْمَد متولي خُرَاسَان بعثه لقتال العلوي وولاه طَبَرسْتَان، فخلع محمد بن هارون الطاعة، ولبس البياض، وسار إلى الرَّيِّ، وكان واليها أوكرتُمُش قد غشم وظلم، فالتقيا، فهزمه محمد وقتله، وقتل ولديه وقوّاده، واستولى على الرَّيِّ [٢] .
[زلزلة بغداد]
وفي رجب زُلزلت بغداد زلزلةً عظيمة دامت أيامًا [٣] .
[إمارة ابن بسطام آمد وديار ربيعة]
وفيها خُلع على أَحْمَد بن محمد بن بسطام، وأمّر على آمد، وديار ربيعة [٤] .
стр. 10427
[ريح بالبصرة]
وفيها هبت ريحٌ عظيمة بالبصرة، قلعت عامة نخلها، ولم يُسمع بمثل ذَلِكَ [١] .
[خروج القَرْمَطيّ ومقتله]
وفيها خرج بالشام يَحْيَى بن زكرويه القَرْمَطيّ، وجمع الأعراب، فقصد دمشق وبها طُغْج بن جُفّ نائب هارون بن خُمَارَوَيْه، فكانت بينهما حروبٌ، إلى أن قُتل في أول سنة تسعين [٢] .
وسبب خروجه أَنَّ زَكْرَوَيْه بن مهرويه القَرْمَطيّ لَمَّا رأى متابعة الجيوش إلى من بسواد الكوفة وضعُف، سعى في استغواء الأعراب الذين بالسواد، فاستجابوا له. وكان طائفة من كلب يخفرون الطريق على السماوة، فيما بين دمشق والكوفة على طريق تدمر. ويحملون الرسل وأمتعة التجار على إبلهم. فأرسل زَكْرَوَيْه أولاده إليهم فبايعوهم، وخالطوهم، وانتسبوا إلى أمير المؤمنين عَليّ، وإلى إسْمَاعِيل بن جعفر بن محمد الصادق، فقبلوهم، فدعوهم إلى رأي القرامطة، فلم يقبل منهم إِلا طائفة، فبايعوهم. وكان المُشار إليه في القرامطة يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه أبو الْقَاسِم. وذكر لهم أَنَّهُ له بالعراق والشرق مائة ألف تابع، وَأَنَّ ناقته مأمورة، وَأَنَّهُم متى اتبعوها في مسيرها ظفروا، فقصدوا الرصافة، التي هي غربي الفرات، فقتلوا أميرها، وأكثروا الفساد [٣] .
стр. 10428
[الوقعة بين إسْمَاعِيل بن أَحْمَد وَمحمد بن هارون]
وفيها كانت وقعة بين جيش إسْمَاعِيل بن أَحْمَد، وبين محمد بن هارون على باب الرَّيِّ. وكان محمد في مائة ألف، فكانت الدائرة عليه، فانهزم إلى الدَّيلم في ألف رجل، فاستجار بهم [١] .
[صاحب إفريقية ينسلخ من الإمارة ويتصوف]
وفيها قَوِيَت أمور أبي عبد الله الشيعي بالمغرب، فصنع صاحب إفريقية صُنع محمد بن يَعْفُر ملك اليمن، فانسلخ من الإمارة، وأظهر توبةً، ولبس الصُّوف، وردّ المظالم، وخرج إلى الروم غازيًا. فقام بعده ابنه أبو العَبَّاس [٢] .
وكان خروج إِبْرَاهِيم بن أَحْمَد صاحب إفريقية [٣] منها وركوبه البحر سنة تسعٍ وثمانين، فوصل إلى صقلية، ومنها إلى طَبَرْمين، فافتتحها، ثُمَّ حاصر كنيسة، فمرض بإسهال، ومات في ذي القِعْدَة. وكانت ولايته ثمانية وعشرين عاما ونصف [٤] ، ودفن بصقلّية [٥] .
стр. 10429
[اشتهار أمر أبي عبد الله الشيعي]
واشتهر أمر أبي [١] عبد الله بأرض كُتامة، وسُمي «المشرقي» لقُدُومه من الشرق.
وكان إِذَا بايعه الواحد قِيلَ: تشرَّق، وتسارع المغاربة إليه. وَلَمَّا استفاضت دعوة المهدي كثُر الطلب عليه من العراق والشّام، فسار متنكّرا من سلمية، ثُمَّ إلى الرملة، ثُمَّ مصر، ومعه ولده محمد صبي، وأبو العَبَّاس أخو الداعي أبي [١] عبد الله بزي التُّجار. فتوصلوا إلى طرابلُس الغرب. فَلَمَّا وصل المهدي إلى طرابلُس الغرب قدم أبو [٢] العَبَّاس أخو [٢] الداعي إلى القَيْرُوَان فوصلها، وقد جاءت المكاتبات من مصر بالإنذار وصفته والتوكيد في طلبه، فعُني زيادةُ الله بطلبه، وتقصّى أخباره، فوقع بأبي العَبَّاس، فقرّره فلم يعترف، فحبسه برقّادة.
وكتب إلى طرابلُس في طلب المهدي، وكان قد خرج منها قاصدًا أبا عبد الله داعيته، وفات أمره.
ثُمَّ علِم في طريقه بحبْس رفيقه، فعدل إلى سِجِلْماسة [٣] ، وأقام بها يتَّجر، فبلغ زيادة الله أَنَّهُ بسِجِلْماسة، فقبض متوليها على المهدي وابنه. ثُمَّ وقعت الحرب بين زيادة الله وبين أبي عبد الله الداعي، فهزمه أبو عبد الله مرات، وهرب من الجيش أبو العَبَّاس، ثُمَّ مُسك. ثُمَّ سار زيادة الله منهزمًا إلى مصر، ولحق أبو العَبَّاس بأخيه. ثُمَّ سارا في جيشٍ كثيفٍ وطلبا سِجِلْماسة، فخرج اليَسَع متوليها للقتال، فهزمه أبو عبد الله سنة ستّ وتسعين، كما سيجيء [٤] .
стр. 10430
[صلاة المُكْتَفِي يوم النحر]
وفيها صلى المُكْتَفِي بِالنَّاس يوم النحر بالمُصلّى [١] .
[خبر مقتل بدر المعتضديّ]
وفيها قتل بدر المعتضدي. وكان المعتضد يحبه.
وكان بدر جوادًا كريمًا شجاعًا، وكان يؤثر الْقَاسِم بن عُبَيْد الله الوزير ويتعصب له، فَقَالَ المُعْتَضِد: والله لا قتله غيره. فكان كما قَالَ. وذلك أَنَّ الْقَاسِم همّ بنقل الخلافة عند موت المُعْتَضِد إلى غير ولده، وناظر بدرًا في ذَلِكَ، فامتنع بدر. فَلَمَّا رأى الْقَاسِم ذَلِكَ علم أن لا سبيل إلى مخالفة بدر، إِذْ كان المستولي على الأمور، اضطغنها على بدر. وحدث على المُعْتَضِد الموت، وبدر بفارس، فعمل الْقَاسِم على هلاكه.
وكان بين بدر وبين المُكْتَفِي تباعد في أيام أبيه. فأشار القاسم على المُكْتَفِي أن يكتب إلى بدر بأن يقيم بفارس، وأن يبعث إليه بالمال، وأن يختار من الولايات ما شاء، ولا يقدم الحضرة. وخوّف المُكْتَفِي منه. فكتب إليه مع يانس المُوفّقي بذلك، وبعث إليه بعشرة آلاف ألف درهم. فَلَمَّا وصل إلى بدر فكّر وخاف لبعده من مكر الْقَاسِم. فكتب إلى المكتفي يقول: لا بدّ من المصير إلى الحضرة، وأن أشاهد مولاي.
فَقَالَ الْقَاسِم له: قد جاهرك بالعصيان، ولا آمنه عليك. وكاتب الْقَاسِم الأمراء الذين مع بدر بالمصير إلى باب الخليفة. فأوقفوا بدرًا على الكُتب وقالوا: قُمْ معنا حَتَّى نجمع بينك وبين الخليفة.
فَقَالَ: قد كتبت إليه، وأنا منتظر جوابه.
ففارقوه ووصلوا إلى بغداد. فجاء بدر فنزل واسطًا. فندب الْقَاسِم أبا حازم القاضي وَقَالَ: اذهب إلى بدرٍ برسالة أمير المؤمنين بالأمان والعُهود. فامتنع، وكان وَرعًا، وَقَالَ: لمَ أؤدي عن الخليفة رسالة لم أسمعها منه؟
قال: أما تقنع بقولي؟
стр. 10431
قَالَ: في مثل هَذَا ما يكفيني.
فندب أبا عُمَر محمد بن يوسف القاضي، فأجاب مسرعًا، وانحدر إلى واسط، فاجتمع ببدر، وأعطاه الأيمان المُغلّظة عن المُكْتَفِي، فنزل بدر بطيّار، وترك أصحابه بواسط ليلحقوه في البَرّ. فبينا هُوَ يسير، إِذْ تلقاه لؤلؤ غلام الْقَاسِم في جماعةٍ، فنقلوا القاضي إلى طيار آخر، وأصعدوا بدرا إلى جزيرة. فَلَمَّا عرف أَنَّهُم قاتلوه قَالَ: دعُوني أصلّي ركعتين وأُوصي، فتركوه، فأوصى بعتق أرقابه، وصدقة ما يملك، وذبحوه في الرّكعة الثانية، في ليلة الجمعة السابعة والعشرين من شهر رمضان، وقدموا برأسه على المُكْتَفِي، فسجد.
[ما قِيلَ في ذم القاضي أبي عُمَر]
وذمّ النَّاس أبا عُمَر القاضي وقالوا: هُوَ غرير [١] ، وندم القاضي غاية الندم.
فَقَالَ شاعر:
قل لقاضي مدينة المنصور ... بمَ أحللت أخذ رأس الأمير؟
بعد إعطائه المواثيق والعهد ... وعقد الأمان [٢] في منشور
أين أيمانك التي شهد [٣] الله ... على أنها يمينُ فُجور [٤]
أَنَّ كفّيكَ لا تُفارقُ كفيه ... إلى أنْ تُرى مَلِيكَ [٥] السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الأ ... الأُمةٍ يا شاهدًا شهادة زور [٦]
أيّ أمر ركبت [٧] في الْجُمعة الغراء ... [٨] من ذي شهر هذي الشّهور [٩]
стр. 10432
قد مضى من قتلت في رمضان ... صائمًا بعد سجدة التعفير [١]
يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور [٢] [٣]
стр. 10433
سنة تسعين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن عَليّ الأبار، وَالحَسَن بن سهل المجوز، وَالحُسَيْن بن إِسْحَاق التُّسْتَريّ، وعبد الله بن أَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَمحمد بن زكريا الغلابي الإخباري، وَمحمد بن العَبَّاس المُؤَدِّب، وَمحمد بن يَحْيَى بن المنذر القزاز، شيوخ الطَّبَرَانيّ.
[ظفر القَرْمَطيّ بغلام طُغْج]
وفي أولها قصد يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه الرّقّةِ، فجاء جمعٌ، فخرج إليه عسكرها فهزمهم وقتل منهم، فبعث طغج لحربه بشيرًا غلامه، فالتقوا، فقتل بشيرًا [١] ، وانهزم جُنده. فندب المُكْتَفِي أبا الأغر في عشرة آلافٍ، وجهزه لحربهم [٢] .
стр. 10434
[حصار القَرْمَطيّ دمشق]
ثُمَّ سار القَرْمَطيّ فحاصر دمشق، وبها طُغْج بن جف، فضعف عن مقاومة القرامطة [١] .
[صرف المُكْتَفِي عن السكن بسامراء]
وفيها خرج المُكْتَفِي من بغداد يريد سامراء ليسكن بها، فصرفه الوزير عن ذَلِكَ وَقَالَ: نحتاج إلى غرامات كثيرة. فعاد إلى بغداد [٢] .
[إقامة الحُسَيْن مقام أخيه يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه]
وَلَمَّا قتل الكلبُ يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه على حصار دمشق أقاموا مقامه أخاه الحُسَيْن [٣] .
[مسير المُكْتَفِي إلى المَوْصِل لحرب القرامطة]
وفيها عسكر المُكْتَفِي وسار إلى المَوْصِل في رمضان لحرب القرامطة، وتقدّم أمامه إلى حرب الحُسَيْن أبو الأغرّ، فنزل بوادي بُطْنان [٤] . فكبسهم على غِرة صاحبُ الشامة القَرْمَطيّ، فقتل منهم خلقًا، وهرب أبو الأغرّ في ألف رجلٍ إلى حلب، وقُتل تسعة آلاف. وتبعهم صاحب الشامة، فحاربه أبو الأغر على باب حلب، ثُمَّ تحاجزوا، ووصل المُكْتَفِي إلى الرّقّة، وسرح الجيوش إلى القرمطيّ [٥] .
стр. 10435
[هزيمة القَرْمَطيّ أمام بدر الحمامي]
وفي رمضان وصل القَرْمَطيّ أَيْضًا إلى دمشق، فخرج لقتاله بدر الحمامي صاحب ابن طولون فهزم القَرْمَطيّ، ووضع في أصحابه السيف وهرب الباقون في البادية. وبعث المُكْتَفِي في أثر صاحب الشامة الحُسَيْن بن حَمْدَان والقوّاد [١] .
وَقِيلَ: إنما كانت الوقعة بين بدر والقرمطي بأرض مصر. وأن القَرْمَطيّ انهزم إلى الشام في نفرٍ يسير. فسار على الرَّحْبة وهيت [٢] ، فنهب وسبى، ومضى إلى الأهواز [٣] .
[مقتل يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه القَرْمَطيّ]
وفيها قُتل أبو الْقَاسِم يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه القَرْمَطيّ المعروف بالشيخ، وبالمُبَرْقَع. وكان يسمي نفسه كذِبًا وبُهْتانًا: عَليّ بْن أَحْمَد بْن محمد بْن عَبْد الله بن الحسين. وكان من دعاة القرامطة [٤] .
قيل: إن بدر الحمامي لقيه بحوران فِي هذه السنة، فاقتتلوا قتالًا عظيما، فقتل، فقام أخوه موضعه.
وكان سبب قتله أن بربريًا رماه بمِزْراقٍ، واتبعه نفّاط فأحرقه بالنار في وسط القتال، فنصب أصحابه أخاه الحُسَيْن بن زَكْرَوَيْه، ويسمّى بصاحب