← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.

стр. 11411

صرف الجوهريّ عَنْ قضاء مصر وفيها صُرف عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق الجوهريّ عَنِ القضاء، وولي أبو عثمانٍ أحمد بْن إبراهيم بْن حمّاد بْن إِسْحَاق بْن إسماعيل بْن حماد بْن زيد. ولّاهُ أخوه هارون، وكان إِلَيْهِ قضاء مصر، فبعث أخاه من جهته [١] .

стр. 11412

سنة خمس عشرة إكرام المقتدر لعيسى بْن عليّ في صَفَر قدِم عليّ بْن عيسى [١] الوزير، فزاد المقتدر في إكرامه، وبعثَ إِلَيْهِ بالخلع وبعشرين ألف دينار. وركب من الغد في الدست [٢] ، ثم أنشد: ما الناس إلّا مَعَ الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت يومًا بهِ انقلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يومًا عَلَيْهِ بما لَا يشتهي وثبوا [٣] . انتهاب الروم سُمَيْساط وفيها وصلت الروم إلى سُمَيْساط [٤] وأخذوا من فيها وما فيها، وضربوا الناقوس في جامعها [٥] ، فتهيأ مؤنس للخروج.

стр. 11413

امتناع مؤنس من وداع المقتدر ولمّا أراد وداع المقتدر جاءه خادم من خواصّ المقتدر فقال: إنّ الخليفة قد حفر لك زُبْيَةً بدار الشَّجرة، وأمر أنّ تفرد إذا دخلت، ويمر بك عَلَى الزُبْيَة فتكون قبرك. فامتنع من وداع المقتدر [١] . وركب إلى مؤنس الأمراء والغلّْمان كلّهم، ولم يبق بدار الخليفة أحد ولبسوا السّلاح، فقال لَهُ أبو الهيجاء عَبْد اللَّه بْن حمدان: أيها الأستاذ، لَا تخف، فلنقاتلن بين يديك حتّى تنبت لك لحية [٢] . قدوم مؤنس عَلَى المقتدر فبعث لَهُ المقتدر ورقة بخطه يحلف بالأيمان المغلظة عَلَى بطلان ما بلغه، ويعرفه أَنَّهُ يأتي الليلة ليحلف لَهُ مشافهة. فصرف مؤنس القواد إلى دار الخلافة، ولزم أبو الهيجاء باب مؤنس. وبعث المقتدر نصرًا الحاجب، فأحضروا مؤنسًا إلى الحضرة، فقبّل يدي المقتدر، فحلف لَهُ المقتدر أَنَّهُ صافي النية لَهُ وودعه. وسار إلى الثغور فالتقى مَعَ الروم، وقتل منهم خلقًا [٣] . ظهور الديلم عَلَى الريّ والجبال وفيها ظهرت الديلم عَلَى الرّيّ والجِبال، وأوّل من غلب لنكي [٤] بن

стр. 11414

النُّعْمان فقتل خلقًا وذبح الأطفال [١] . تغلب ابن شِيرُوَيْه عَلَى قزوين وغلب عَلَى قزوين أسفار بن شيرويه فغشم وظلم وتفرعن، فقتله حاشيته في الحمّام [٢] . حرب ابن أبي الساج والقرامطة وجاء القَرْمَطيّ إلى الكوفة، فجهز المقتدر لحربه يوسف بن أبي السّاج فالتقوا، فنظر يوسف إلى القرامطة فاستقبلهم، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجرح من القرامطة بالنشاب المسموم نحو خمسمائة، وأبو طاهر القَرْمَطيّ في عارية حوله مائتا فارس، فنزل وركب فرسًا، وحمل عَلَى يوسف، والتحم القتال، وأُسِرَ في آخر النَّهار يوسف بْن أَبِي السّاج مجروحًا، وقتل من أصحابه عدّة وانهزم جيشه. فداوت القرامطة جراحاته وجاءت الأخبار إلى بغداد، فخاف الناسُ، وعسكر مؤنس بباب الأنبار [٣] . نزول القرامطة عند الأنبار وساق القَرْمَطيّ إلى أنّ نزل غربيّ الأنبار، فقطعوا الجسر بينهم وبينه عَلَى الفُرات. وأقام غربيّ الفُرات يتحيل في العُبُور. ثم عَبَر وأوقع بيزك المسلمين، فخرج نَصْر الحاجب والرجالة واهل بغداد إلى مؤنس، فكانوا أربعين ألفًا وأكثر، وخرج أبو الهيجاء بْن حمدان وإخوته أبو اليد، وأبو السّرايا، وأبو العلاء. وتقدّم

стр. 11415

نَصْر فنزل عَلَى نهر زبارا عَلَى نحو فرسخين من بغداد، وقطعت القنطرة في ذي القعدة. فلما أصحبوا جاءهم القَرْمَطيّ فحاذاهم، وبعث بين يديه أسود ينظر إلى المخاض، فرموه بالنّشّاب حتّى سار كالقنفذ، فعاد وأخبر أصحابه بان القنطرة مقطوعة. فأقامت القرامطة يومين، ثمّ ساروا نحو الأنبار، فما جسر أحدٌ يتبعهم، وهذا خذلان من اللَّه تعالى. فإن القَرْمَطيّ كَانَ في ألف فارس وسبعمائة راجل، وجيش العراق في أربعين ألف فارس [١] . وقال ثابت: إنّ معظم عسكر المقتدر انهزموا إلى بغداد قبل أنّ يعاينوا القَرْمَطيّ لشدة رعبهم. فوصل القرمطي الأنبار، فاعتقد من بها من الجند أنه جاء منهزما، فخرجوا وقاتلوه، فقتل منهم مائة فارس، وانهزم الباقون [٢] . قتل ابن أَبِي الساج ثمّ إنّ القَرْمَطيّ ضرب عُنق ابن أَبِي السّاج [٣] ، وقتل جماعة من أصحابه. وهرب معظم أهل الجانب الغربيّ إلى الجانب الشرقيّ [٤] . فشل القَرْمَطيّ في دخول هيت وسار القَرْمَطيّ إلى هيت فدخل مؤنس بالعسكر إلى الأنبار، وقدم هارون بْن غريب، وسعيد بْن حمدان في جيش إلى هيت، فسبقا القَرْمَطيّ وصعدا عَلَى سورها، فقويت قلوب أهلها وحصنوها. فعمل القَرْمَطيّ سلالم وزحف، فلم يقدر على نقبها، وقتلوا من أصحابه جماعة، فرحل عَنْهَا إلى

стр. 11416

البرية. وتصدق المقتدر وأمه بمال [١] . إنفاق المقتدر المال لحرب القرامطة ولمّا جاء الخبر بقتل ابن أَبِي السّاج دخل عليّ بْن عيسى عَلَى المقتدر وقال: إنّه لَيْسَ في الخزائن شيء، ولم يتمّ عَلَى الإسلام شيء أعظم من هذا الكافر، وقد تمكنت هيبته من القلوب، فاتق اللَّه وخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش وإلّا فما لك ولأصحابك إلّا أقاصي خُراسان. فدخلَ عَلَى والدته وأخبرها، فأخرجت خمسمائة ألف دينار [٢] ، وأخرج المقتدر ثلاثمائة ألف دينار. وتجرد ابن عيسى في استخدام العساكر [٣] . الخلْع عَلَى بعض القرامطة وورد من هيت نَصْر الحاجب ومعه ثلاثة عشر من القرامطة، فأمر المقتدر لهم بخلع وقال: لكونهم خامروا عَلَى القَرْمَطيّ. ولاية أَبِي الهيجاء وولّى المقتدر أبا الهيجاء الجزيرة والموصل. شغب الْجُنْد ببغداد ثمّ إنّ الْجُنْد اجتمعوا فشغبوا عَلَى المقتدر، وطلبوا الزيادة وشتموه ونهبوا القصر الملقب بالثريّا، وصاحوا: أبطلتَ حجنا وأخذت أموالنا وجرأت العدو وتنام نوم الجارية. فبذل لهم المال فسكتوا. وجددت عَلَى بغداد الخنادق وأصلحت الأسوار [٤] .

стр. 11417

وفاة الجوهريّ ابن الجصّاص وفيها مات الحسين بن عبد الله الجوهري ابن الجصاص [١] . وكان ابن طولون قَالَ: لَا يباع لنا شيء إلّا عَلَى يده [٢] . وعنه قَالَ: كنتُ يومًا جالسًا في الدهليز، فخرجت قَهْرمانة معها مائة حبة جوهر، تساوي الحبة ألف دينار، فقالت: يحتاج هذا إلى خرط ليصغر فأخذته مسرعًا، وجمعت يومي ما قدرت عَلَيْهِ حتّى حصّلت مائة حبّة من النّوع الصغار، وأتيت القهرمانة فقلت: قد خرطنا هذا، وتقومت عليّ بمائة ألف درهم [٣] . وقد أسلفنا من أخباره لمّا صودر سنة اثنتين وثلاثمائة. قَالَ التّنُوخيّ [٤] : ولما صودر وجد في داره سبعمائة مزمّلة خيزران [٥] . [و] بلغت مصادرته [ستة آلاف] [٦] ألف دينار. وأطلق بعد المصادرة، فلم يبقَ لَهُ إلّا ما قيمته سبعمائة ألف دينار [٧] . وكان مَعَ هذا فيه نوع بله وغفلة. لَهُ حكايات في المغفلين. مرضَ مرة بالحمى فقيل: كيف أنت؟ قَالَ: الدنيا كلّها محمومة [٨] . ونظر في المرآة يومًا فقال لرجل: ترى لحيتي طالت؟

стр. 11418

فقال: المرآة في يدك. فقال: الشاهد يرى ما لَا يرى الحاضر [١] . ودخل يومًا عَلَى ابن الفُرات فقال: أيها الوزير، عندنا كلاب ما تدعنا ننام. قَالَ: لعلهم جري. قَالَ: لَا واللَّه، ألا كلُّ كلب مثلي ومثلك [٢] . وقيل: كَانَ يدعو ويقول: حسبي اللَّه وأنبياؤه وملائكته. اللَّهمّ أعد من بركة دعائنا عَلَى أهل القصور في قصورهم، وعلى أهل الكنائس في كنائسهم [٣] . وفرغ مرة من الأكل فقال: الحمد للَّه الذي لَا يحلف بأعظم منه [٤] . ونزل مَعَ الوزير الخاقانيّ في المركب وبيده بطيخة كافور، فبصق في وجه الوزير وألقى البطيخة في دجلة. ثم أخذ يعتذر قَالَ: أردت أنّ أبصق في وجهك والقي البطيخة في الماء، فغلطت. فقال: كذا فعلت يا جاهل [٥] . ومع هذا كَانَ سعيدًا متمّولًا محظوظًا. قَالَ أبو عليّ التّنوخيّ في «نشواره» [٦] : سمعت الأمير جعفر بن ورقاء

стр. 11419

يَقُولُ: اجتزت بابن الجصّاص، وكان بيننا مصاهرة، فرأيته عَلَى روشن داره وهو حافٍ حاسر، يعدو كالمجنون، فلمّا رآني استحيا، فقلت: ويلك ما لك؟ فقال: يحق لي أنّ يذهب عقلي، وقد أخذوا منّي كذا وكذا أمرا عظيمًا. فقلت مسليًا لَهُ: ما سَلْم لك يكفي. وإنّما يقلق هذا القلق من يخاف الحاجة، فأصبر حتّى أواقفك، أنك غنيّ. قَالَ: هات. فقال: أليس دارك هذه بفرشها وآلاتها لك؟ وعقارك بالكرخ وضياعك؟ فما زلت أحاسبه إلى أنّ بلغ قيمة ما بقي له سبعمائة ألف دينار. ثمّ قلت: وأصدقني عمّا سَلْم لك من الجوهر والعبيد والخيل وغير ذَلِكَ. فحسبنا ذَلِكَ، فإذا هُوَ بقيمة ثلاثمائة ألف دينار أخرى، فقلت: فمن ببغداد مثلك اليوم وجاهك قائم؟! فسجد للَّه وبكى، وقال: قد أنقذني اللَّه بك. ما عزانيّ أحد أنفع منك، وما أكلت شيئًا منذ ثلاث، وأحب أنّ تقيم عندي لنأكل ونتحدث. فقلت: أفعل. فأقمت يومي عنده [١] . قَالَ التّنُوخيّ [٢] : وكنت اجتمعت مَعَ أَبِي عليّ ولد أَبِي عَبْد اللَّه ابن الجصاص فسألته عمّا يحكي عَنْ أَبِيهِ من أنّ الْإِمَام قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ ١: ٧ [٣] فقال: إيْ لعمري، بدل آمين [٤] . وإنّه أراد أنّ يقب رأس الوزير الخاقانيّ، فقال: إنّ فيه دهنا.

стр. 11420

فقال: لو كَانَ فيه خرا لقبلته. ومثل وصفه مصحفًا عتيقًا فقال: كسرويًا [١] . فقال: غالبه كذب، وما كانت فيه سلامة تخرجه إلى هذا. ما كَانَ إلّا من أدهي النَّاس. ولكنه كَانَ يطلق بحضرة الوزير [٢] قريبا من ذلك لسلامة [٣] طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أنّ يصور نفسه عندهم بصورة الأبله لتأمنه الوزراء لكثرة خلوته [٤] بالخلفاء. فأنا أحدثك عَنْهُ بحديث تعلم [٥] أنّه في غاية الحزْم [٦] . ثمّ قَالَ: حدَّثني أَبِي أنّ ابن الفُرات لما ولي الوزارة، قَالَ: فقصدني قصدًا قبيحًا لشيء كَانَ في نفسه عليَّ وبالغ، وتلطفت معه بكل طريق. وكان عندي سبعة آلاف ألف دينار عينًا وجوهرًا سوى غيرها. ففكرت في أمري، فوقع لي الرأي في الليل في الثلث الأخير. فركبت في الحال إلى داره، فدققت فقال البوابون: لَيْسَ هذا وقت وصول، والوزير نائم. فقلت: عرفوا الحجاب أني حضرت في مهم. فعرفوهم، فخرج إليَّ أحدهم فقال: إنّه إلى السّاعة لم ينتبه. فقلت: لا، الأمر أهمّ من ذلك فنبّه. فدخل ثمّ خرج فأدخلني إِلَيْهِ وهو عَلَى سرير، وحوله نحو خمسين نفسًا، كأنهم حفظة، وقد قاموا وهو جالس مرتاعًا، ظن أنّ حادثة حدثت، فرفعني وقال: ما الأمر؟ فقلت: خير، ما حَدَث شيء، ولا جئت إلّا في أمر يخصني. فسكن وصرف من حوله، وقال: هات. فقلت: أيها الوزير، إنك قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي بإزالة نعمتي، ولعمري، إني أسأت في خدمتك. وقد كَانَ في بعض هذا التّقويم بلاغ

стр. 11421

عندي. وقد جهلت في استصلاحك، فلم يغن شيء. وليس شيء أضعف من الهرّ [١] ، وإذا عاث في دكان الفاميّ [٢] فظفر بهِ ولزه وثب عَلَيْهِ وخمشه. ولستُ أضعف من السِّنَّور، وقد جعلت هذا الكلام عذرا. فإن صلحت لي وإلا فعلي وعلي. وعقدت الأيمان لأقصدن الخليفة الآن وأحمل إِلَيْهِ من خزانتي ألفي ألف دينار وأقول: سَلْم ابن الفُرات إلى فلان ووله الوزارة، فيخدمني ويرجع تدبير أموره إليّ، فأسلمك إِلَيْهِ، فيعذبك حتّى يأخذ منك الألفي ألف. وأنت تعلم أنّ حالك يفي بها، ويعظم قدري بعزلي وزيرًا وتقليدي آخر. فلمّا سمع هذا، قَالَ: يا عدوّ اللَّه، وتستحلّ هذا؟ فقلت: إنّ أحوجتني إلى هذا، وإلّا فاحلف لي السّاعة عَلَى معاملتي بكلّ جميل، ولا تبغ لي الغوائل. وقال: وتحلف ليّ أنتَ أيضًا على مثل ذلك، وعلى حسن الطّاعة. و [المؤازرة] [٣] ؟ فقلت: أفعل. فقال: لعنك اللَّه، فما أنت إلّا إبليس. واللَّه لقد سحرتني. واستدعى دَواةً، وعملنا نسخة اليمين، وأحلفته بها أولًا، ثمّ حلفت لَهُ. فقال: يا أبا عَبْد اللَّه، لقد عَظُمْتَ في نفسي، واللَّه ما كَانَ المقتدر يفرق بين كفايتي وموقعي، وبين أصغر [٤] كتّابي مَعَ الذهب، فاكتم ما جرى. فقلت: سبحان اللَّه. فقال: إذا كَانَ غدًا فتعال لترى ما أعاملك به.

стр. 11422

فنهضت، فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أَبِي عَبْد اللَّه. فعدتُ إلى داري وما طلع الفجر. ثم قَالَ لي ابنه أبو عليّ: هذا فعل من يحكي عَنْهُ تِلْكَ الحكايات؟ فقلت: لا [١] . والله أعلم.

стр. 11423

سنة ستّ عشرة وثلاثمائة استباحة القَرْمَطيّ الرحبة في أوّلها دخل أبو طاهر القَرْمَطيّ الرحبة بالسيف واستباحها [١] . أمان أهل قرقيسيا وبعثَ أهلُ قرقيسيا يطلبون الأمان فأمنهم [٢] . ارتداد القَرْمَطيّ عَنِ الرَّقَّةِ وقصد الرَّقَّةَ وهو في تسعمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقتل فيها جماعةً بالربض، ودفعه أهلها عَنْهَا [٣] : فسار مؤنس من بغداد إلى الرَّقَّةِ فأتاها بعد انصراف أبي طاهر [٤] .

стр. 11424

انصراف القَرْمَطيّ عَنِ الكوفة ثم أتى هيت، فرموه بالحجارة، فقتلوا أبا الرواد [١] من خواص أصحابه، فسار إلى الكوفة، فنهض نَصْر الحاجب بالعساكر ورآه، فمرض نَصْر [٢] . فاستخلف أحمد بْن كَيَغْلَغ وبعث معه بالجيش فانصرف القَرْمَطيّ قبل أنّ يلقاه. ومات نَصْر في رمضان وحمل إلى بغداد [٣] . وزارة ابن مُقْلَة واستعفى عليّ بْن عيسى من الوزارة، فاستوزر أبو عليّ بْن مُقْلَة الكاتب [٤] . بناء القَرْمَطيّ دار الهجرة والدعوة إلى المهديّ ورجع القَرْمَطيّ فبني دارًا سمّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهديّ، وتفاقم الأمر، وكثر أتباعه، وبث السَّرايا، فهرب عمّال الكوفة عَنْهَا، فسار هارون بْن غريب إلى واسط، فظفر بسرِيّةٍ لهم فقتلهم، وبعث إلى بغداد بأساري وبمائة وسبعين رأسًا وأعلام بيض منكسة عليها مكتوب: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ٢٨: ٥

стр. 11425

اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ٢٨: ٥ [١] . ففرح النّاس واطمأنوا [٢] . الوحشة بين المقتدر ومؤنس وفيها وقعت الوحشة بين المقتدر ومؤنس، ووقع الكلام بأنّ هارون بن غريب يتولّى إمرة الأمراء، فكتب أخصاء مؤنس إِلَيْهِ إلى الرَّقَّةِ بذلك، فقدم بغداد في آخر السنة ولم يات إلى المقتدر، فبعث إِلَيْهِ ولده والوزير ابن مُقْلَة، فوصفا شوق المقتدر إِلَيْهِ، فاعتل بعلة، وظهرت الوحشة بينه وبين المقتدر، فأقام هارون منابذًا لمؤنس، وجعلت الرسل تتردد بين المقتدر ومؤنس [٣] . امتناع الحجّ ولم يحجّ أحدٌ في هذه السنة خوفًا من القرامطة [٤] . دخول الروم خلاط وأمّا الروم فإن الدّمستق لعنه الله، سار في ثلاثمائة ألف على ما قرأت في تاريخ عتيق، فقصد ناحية خلاط وبدليس فقتل وسبى [٥] : ثم صالحه أهل خلاط عَلَى قطيعة، وهي عشرة آلاف دينار، وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب [٦] . فإنّا للَّه وإنا إِلَيْهِ راجعون.

стр. 11426

سنة سبع عشرة وثلاثمائة فتنة خلع المقتدر وخلافة القاهر قَالَ ثابت بْن سِنان: في ثامن [١] المحرم، خرج مؤنس إلي باب الشّمّاسيّة ومعه سائر الجيش، وركب نازوك الوالي في جيشه من داره، وخرج أبو الهيجاء بْن حمدان أيضًا إلى مؤنس، فشحن المقتدر داره ومعه هارون بْن غريب، وأحمد بْن كَيَغْلَغ، وحاشية. فلمّا كَانَ آخر النّهار انفض أكثر من في دار الخلافة من الرجالة إلى مؤنس. وراسل مؤنس المقتدر بأن الجيش عاتب منكر لما يصرف من الذهب إلى الحرم والخدم، وأنهم يطلبون إخراج الحرم والخدم من دار الخلافة وإبعادهم. فكتب إِلَيْهِ رُقْعَةً بخطّه: «أمتعني اللَّه بك، ولا أخلاني منك، ولا أراني فيك سوءًا. إني تأملت الحال فوجدت الأولياء الّذين خرجوا لم يريدوا إلّا صيانة نفسي وإعزاز أمري، فبارك اللَّه عليهم. فأمّا أنت يا أبا الحَسَن المظفّر، لَا خلوت منك، فشيخي وكبيري» . وذكر فصلًا طويلًا في الخضوع لَهُ، إلى أنّ قال: «وقبل هذا وبعده فلي في أعناقهم بيعة مؤكدة، ومن بايعني فإنما بايع اللَّه، ومن نكث فإنما ينكث عَلَى نفسه، وعهد اللَّه نكث، ولي عليكم نعم وصنائع، وآمل أنّ تعترفوا بها لا تكفروها» . فلمّا وقفوا على الورقة عدلوا إلى مطالبته بإخراج هارون عن بغداد، فأجابهم إلى ذَلِكَ وقلّده الثُّغور، وخرج من يومه [٢] .

стр. 11427

ودخل في عاشر محرَّم مؤنس والجيش، فأُرجف بالمقتدر أراجيف شديدة. ثمّ اتّفق مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك عَلَى خلعه، فخرج مؤنس في ثاني عشر محرَّم إلى الشّمّاسيّة في الأمراء والجنود. وفي رابع عشر جاءوا إلى دار الخلافة، فهرب الحاجب مظفَّر، والوزير ابن مُقْلَة، والحشم، ودخل مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك، وحصل الجيش كلّه في دار الخليفة، وأُخْرج المقتدر بعد العشاء ووالدته وخاله وحُرَمه إلى دار مؤنس [١] . ودخل هارون من قطربُّل [٢] فاختفى ببغداد، فأحضروا محمد بْن المعتضد من الحريم، وكان محبوسًا، فوصل في الثُّلث الأخير، وبايعه مؤنس والأمراء، ولُقَّب بالقاهر باللَّه [٣] . وكان عليّ بْن عيسى محبوسًا فأطلق إلى بيته، وقلّدوا أبا عليّ بْن مُقْلَة وزارة القاهر باللَّه، وقلّدوا نازوك الحجابة والشّرطة [٤] ، وقلّد أبو الهيجاء إمرة الدينور، وهمدان، ونهاوند، ممّا بيده من الجزيرة والموصل [٥] .

стр. 11428

ووقع النَّهْبُ في دار السّلطان وبغداد، ونُهب لأمّ المقتدر ستّمائة ألف دينار، وأشهد المقتدر عَلَى نفسه بالخلَع، وذلك يوم السّبت [١] . عودة المقتدر إلى الخلافة وجلسَ القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عَنْهُ إلى البلاد، وعمل النّاسُ الموكب [٢] يوم الأثنين، فامتلأت دهاليز الدّار بالعسكر، فطلبوا رزق البَيْعة ورزق سنة. ولم يات مؤنس يومئٍذ إلى الدَّار، فارتفعت. أصوات الرَّجّالة، فخاف نازوك أنّ يتّم قتال، فهجم الرجّالة، فلم يكفّهم أحد، فقتلوا نازوك وخادمه عجيبًا وصاحوا: المقتدر يا منصور. فتهاربَ مَن في الدّار حتّى الوزراء والحُجّاب [٣] . وصاروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردّوه إلى الخلافة، وأغلق بعضهم باب دار الخلافة لأنهّم كانوا كلّهم خَدَم المقتدر، فأراد أبو الهيجاء الخروج، فتعلّق بهِ القاهر وقال: تُسلّمني وتخرج؟ فداخَلتْه الحمية فقال: لَا واللَّه. ورجع معه فدخلا الفِرْدَوْس، وخرجا إلى الرَّحْبَةِ الّتي يُسلك منها إلى باب النُّوبيّ. ونزع أبو الهيجاء سواده وأخذ جبّة صوف، وذهب عَلَى فرسه. فوقف القاهر مَعَ خَدمٍ لَهُ، فعاد إِلَيْهِ أبو الهيجاء، فأخبره بقتل نازوك [٤] .

стр. 11429

مقتل أَبِي الهيجاء بْن حمدان وسدَّت المسالك عَلَى أَبِي الهيجاء والقاهر فرجعا إلى الدّار يتسلّلون، وبقي من خدم المقتدر جماعة بالسّيوف، فخافهم أبو الهيجاء، فثبتوا فرجع القَهْقَرَى ودخل بيتًا. فجاء خماجور [١] ، وشتم أبا الهيجاء الغلمانُ، فغضب وخرج كالجمل الهائج وصاح: يال تغلب، أَأُقْتَلُ بين الحيطان؟ أَيْنَ الكُمَيْت؟ أَيْنَ الدهْماء؟ فرماه خماجور بسهمٍ في ثَدْيه، ثمّ رماه آخر فأصاب تَرْقُوَتَه. وآخر في فخذه، فنزع عَنْهُ الأسهم، وقتل واحدًا منهم. وكان مَعَ خماجور، أسودان فبادرا إلى أَبِي الهيجاء، فحزَّ أحدهما رأسه [٢] . وأمّا أولئك فإنهم حملوا المقتدر عَلَى أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، فقال: ما فعل أبو الهيجاء؟ فجاءوا براسه إلى المقتدر، فقال: مَن قتله؟ قَالُوا: لَا ندري. فاسترجع وتأسَّف عَلَيْهِ. ثمّ سمع ضجّةً، وجاءه خادم يعدو فقال: هذا محمد القاهر قد أخذ. فجيء بهِ فأجلس بين يديه، فاستدناه وقبّل جبينه، وقال لَهُ: أنتَ واللَّه لَا ذنب بك. هذا والقاهر يبكي ويقول: اللَّه اللَّه يا أمير المؤمنين في نفسي. فقال: واللَّه لَا جرى عليك منّي سوء أبدًا. فطِب نفسًا. [٣] وطيف برأس نازوك ورأس أَبِي الهيجاء ببغداد، ونودي: هذا جزاء من

стр. 11430

عصى مولاه وكفر نعمته. فسكن النّاس. وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعَود الخلافة إلى المقتدر [١] . وقيل: إنّ الّذي قتل نازوكًا سَعِيد ومظفّر من شُطّار بغداد. ثمّ أتى مؤنس وبايع المقتدر هُوَ والقوّاد والقضاة. وقيل: إنّ المقتدر لمّا أُحيط بهِ ورأى الغَلبة نشرَ المُصْحَف وقال: أَنَا فاعلٌ ما فعل عثمان رضى الله عنه، ولا أنزع قميصًا ألبسنيه اللَّه. ولمّا رجع إِلَيْهِ مُلْكه بَذَلَ الأموال في الْجُنْد حتّى أنفذ الخزائن، وباع ضياعًا وأمتعه وتمَّمَ عطاءهم. وبيعت ضياع بُخْتَيْشُوع بالثّمن اليسير [٢] . قَالَ ثابت بْن سِنان: كَانَ قد وصل إلى الطّبيب بُخْتَيْشُوع في مدة خدمته للرشيد ستّة وخمسون ألف ألف درهم من الرشيد والبرامكة. ولاية ابن غريب الجبل وظهر هارون بْن غريب ودخل عَلَى مؤنس وسلَّمَ عَلَيْهِ وقُلَّدَ الجبل، فخرج إلى عمله [٣] . تقليد ابني رائق شرطة بغداد وقُلَّدَ المقتدر إبراهيم ومحمد ابني رائق شرطة بغداد [٤] .

стр. 11431

تقليد ابن ياقوت الحجابة وقُلَّدَ مظفَّر بْن ياقوت الحجابة [١] . موت ثَمَل وفي رجب ماتت ثَمَل القهرمانة [٢] . دخول القَرْمَطيّ مكة واقتلاع الحجر الأسود وفيها سيَّر المقتدر الرَّكبَ مَعَ منصور الدَّيْلَمّي، فوصلوا إلى مكّة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا وفي فجاج مكة وفي داخل البيت، وقتل ابن محارب أمير مكة، وعرى البيت، وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود فأخذه. وطرح القتلى في بئر زمزم ورجع إلى بلاد هجر ومعه الحجر الأسود. وامتلأت فجاج مكه بالقَتْلى [٣] . وقال أبو بَكْر محمد بْن عليّ بْن القاسم الذَّهبيّ في تاريخه: إنّ أبا طاهر سليمان حسن القَرْمَطيّ صاحب البحرين دخل مكّة في سبعمائة رَجُل، فقتلوا في المسجد الحرام نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنّساء وهم يتعلّقون بأستار الكعبة. وردم منهم ببئر زمزم، وصعد عَلَى باب الكعبة، واستقبل النّاس وهو يقول:

стр. 11432

أَنَا باللَّه وباللَّه أَنَا ... يخلق الخلق وأفنيهم أَنَا [١] . وقتل في سكّة مكّة وشعابها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النّساء والصّبيان مثل ذَلِكَ. وأقام بمكة ستّة أيام [٢] ، وأوقع بهم في سابع ذي الحجّة. ولم يقف أحدٌ تِلْكَ السنة وقفة [٣] ، فرماه اللَّه في جسده وطال عذابه حتّى تقطعت أوصاله. قَالَ محمود الإصبهانيّ: دخل رجلٌ من القرامطة وهو سكران فَصَفَر لفرسه، فبال عند البيت وقتل جماعة [٤] . ثمّ ضرب الحجر الأسود بدبّوس فكسره ثمّ قلعه. وأقام القَرْمَطيّ بمكّة أحد عشر يومًا، ثمّ رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم نحو عشرين سنة [٥] . وقيل: هلك تحته إلى هَجَر أربعون جملًا [٦] . فلمّا أُعيد إلى مكّة حُمِل عَلَى قَعُود هزيل فَسَمِن [٧] . وكان بجكم التُّرْكيّ قد دفع فيه خمسين ألف دينار فلم يردّوه وقالوا: أخذناه بأمرٍ وما نردّه إلا بأمر [٨] . وقيل: إنّ الّذي اقتلعه صاح: يا حِمْيَر أنتم قلتم: ومن دخله كَانَ آمنًا. فأين الأمن؟

стр. 11433

قَالَ رَجُل: فَلَوَيْتُ رأس فرسه واستسلمت للقتل وقلتُ لَهُ: اسمع إنّ اللَّه أراد ومن دخله فأمنوه. فلوى رأس فرسه وخرج ما كلَّمني [١] . رواية السمنانيّ عَنِ القرمطيّ وقد غلط السّمْنانيّ فقال في تاريخه: الّذي قلع الحجر الأسود أبو سَعِيد الْجَنَّابي. وإنمّا هُوَ ابنه. وكان ابن أَبِي السّاج قبل ذَلِكَ بزمان قد نزل عَلَى أَبِي سَعِيد فأكرمه. فلمّا جاء لقتاله أرسل إِلَيْهِ يَقُولُ، أعني ابن أبي السّاج: لك عليَّ حق قديم، وأنتَ في قلة وأنا في كثرة، فانصرف راشدًا. وكان مَعَ ابن أَبِي السّاج ثلاثون ألفًا، ومع أبي سعيد خمسمائة فارس، وبينهما النّهر. فقال أبو سَعِيد للرسول: كم مَعَ صاحبكم؟ قَالَ: ثلاثون ألفًا. قَالَ: ما معه ولا ثلاثة. ثمّ دعا بعبدٍ أسود فقال لَهُ: خرَّق بطنك بهذه السِّكَّين. فأتلف نفسه، وقال لآخر: غرِّق نفسك في هذا النّهر ففعل. وقال لآخر: اصعد عَلَى هذا الحائط والق نفسك عَلَى دماغك ففعل. ثمّ قَالَ للرسول: إنّ كَانَ معه مَن يفعل مثل هذا وإلّا فما معه أحد. ثمّ ذكر السِّمْنانيّ خرافات لَا تصحّ. رواية القليوبي عَنِ الحجر الأسود ونقل القليوبيّ، وهو ضعيف، أنّ القَرْمَطيّ باعَ الحجر الأسود من المقتدر بثلاثين ألف دينار [٢] ، ولم يصح هذا ولا وقع. قَالَ: فقال للشهود: من أَيْنَ تعلمون أنّه الحجر [٣] ؟

стр. 11434

فقال عَبْد اللَّه بْن عليم المسيّب: إن يُشرف عَلَى الماء ولا تسخنه النّار. فأحضرَ الْجَنَّابي طسْتًا وملأه ماءً ووضع الحجرَ، فطفا عَلَى الماء. وأوقد عَلَيْهِ النّار فلم يَحْمَ بها. فأخذه ابن عليم وقبَّله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود. فتعجَّب الْجَنَّابي وقال: هذا دين مضبوط. ثمّ ردّ الحجر إلى مكّة أيّام المقتدر [١] . كذا قَالَ، وغلط [٢] ، إنمّا رُدَّ إلى مكانه في خلافة المطيع للَّه. وقال محمد بْن الربيع بْن سليمان: كنت بمكّة سنة القَرْمَطيّ، فصعد رجلٌ ليقلع الميزاب وأنا أراه، فِعيل صبري وقلت: يا ربّ ما أحلمك وتزلزلتُ. قَالَ: فسقط الرجل عَلَى دماغه فمات [٣] . ولاية ابن طُغج دمشق وفيها خرج محمد بْن طُغج أمير الْجَوف سِرًا من تكين أمير مصر، فلحِق بالشّام وولي دمشق. وبعث تكين خلفه فلم يُلحق [٤] . ولاية ابن يوسف قضاء القضاة وفيها خلع المقتدر عَلَى أَبِي عُمَر محمد بْن يوسف القاضي، وقُلَّدَ قضاء القضاة [٥] .

стр. 11435

الفتنة في تفسير آية وهاجت ببغداد فتنة كبرى بسبب قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ١٧: ٧٩ [١] ، فقالت الحنابلة: معناه يُقْعدهُ اللَّه عَلَى عرشه كما فسّره مجاهد. وقال عيرهم من العلماء: بل هِيَ الشّفاعة العُظْمى كما صحَّ في الحديث. ودام الخصام والشَّتْم واقتتلوا، حتّى قُتِل جماعة كبيرة. نقله الملك المؤيدّ [٢] : ﵀. تعظيم ابن محرَّم للحجر الأسود وقال المراغي: حدَّثني أبو عبد الله بْن محرَّم، وكان رسول المقتدر إلى القَرْمَطيّ، قَالَ: سألت القَرْمَطيّ بعد مناظرات جرت بيني وبينه في استحلاله ما استحلّ من الدّماء وعن الحجر الأسود. فأمر بإحضاره، فأُحضر في سَفَط مبطَّن بالدّيباج. فلمّا برز لي كبَّرتُ وقلت إيمانا وتصديقًا: هذا هو الحجر بكلّ رَيْب. قَالَ: ورأيتهم من تعظيمه وتنزيهه وتشريفه والتّبريك بهِ عَلَى حالة كبيرة. الخلاف بين أمير خراسان وإخوته وفيها خالف نَصْر بْن أحمد بْن إسماعيل أمير خُراسان إخوتُهُ أبو إِسْحَاق، وأبو زكريّا، وأبو صالح، فأعمل الحيلة حتّى عادوا إلى طاعته ووانسهم ثمّ سقى الأكبر سُمًّا في كوز فقاع فمات، وحبس الآخرين فهرب أحدهما إلى الرِّيّ واستأمن إلى مرداوين فأكرمه، وخنق نَصْر الآخر [٣] . شعر القَرْمَطيّ وأمّا ما كَانَ من خبر الحُجّاج، فإنه قتل من قتل منهم بمكّة، ولم يتم لهم حَجّ. وتجمع مَن بقي وتوصّلوا إلى مصر.

стр. 11436

ولم يفلح أبو طاهر القَرْمَطيّ بعدها، وتقطع جسده بالجدري [١] . ومن شعره: أغَرَّكُمُ مِنّي رُجُوعي إلى هَجَرْ ... فعمّا قليلٍ سوف يأتيكُمُ الخَبرْ إذا طلعَ المِرّيخُ مِن أرض بابل ... وقارَنَه كَيْوانُ فالحَذَرَ الحذَرْ فَمَن مُبْلِغُ أهلَ العراقِ رِسالةً ... بأنّي أَنَا المرهوبُ في البَدْو والحَضَرْ أنا صاحب الأنبار يوم ديارها ... ويوم عقرقوقا فمن منكم حضر فو الله لولا التَّغْلِبيّ ورأيه ... لَغَادَرَكم أمثالَ نخلٍ قد انعَقَرْ فذاك أبو الهيجاء أشجعُ من مشى ... عَلَى الأرضِ أو لاثَ العمائمَ واعتجَرْ وأصبح هذا النّاس كالشّاء ما لَهُم ... زَعيمٌ ولا فيهم لأَنفُسِهم نظَرْ فَيَا وَيْلَهم مِن وَقْعَةٍ بعد وَقْعةٍ ... يُسَاقون سَوْق الشّاءِ للذِّبْح والبقَرْ سَأَضْربُ [٢] خيلي نحو مصرَ وبَرْقَةٍ ... إلى قَيْروانِ التُّرْك والرُّومِ والخزَرْ أَكيلُهُمُ بالسّيف حتّى أُبِيدُهم ... فلا أُبْقِ منهمْ نَسْل أُنْثَى ولا ذكَرْ أَنَا الدّاعي المهديّ لَا شكَّ غيرُه ... أَنَا الضَّيْغَمُ [٣] الضِّرُغام والفارسُ الذَّكَرْ أُعَمَّرُ حتّى يأتي عيسى بْنُ مريمَ ... فيحمَدُ آثاري وأرضى بما أمَرْ ولكنّه حَتْمٌ علينا مُقَدَّرٌ ... فَنَفْنَى ويَبْقَى خالقُ الخلْق والبشَرْ [٤] . من قُتل بيد القرامطة وممن قتلته القرامطة: عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر، أبو بَكْر الرهاويّ. روى عَنْ أَبِيهِ، وغيره. وعنه أبو الحُسين الرّازيّ والد تمّام، وغيره. وكان عليّ بْن بابَوَيْه الصُّوفيّ يطوف بالبيت والسّيوف تنوشه وهو يُنْشِد: ترى المحبّين صَرْعَى في ديارهم ... كَفِتْية الكهْفِ لا يدرون كم لبثوا

стр. 11437

ذكر نازوك كَانَ شجاعًا فاتكًا، غلبَ عَلَى الأمر وتصرَّف في الدّولة. وعلم مؤنس الخادم أَنَّهُ حتّى وافقه عَلَى خلع المقتدر زاد تحكُّمه، فأجابه ظاهرًا، وواطأ فيما قِيلَ البرد داريّة عَلَى قتله. وكان لَهُ أكثر من ثلاثمائة مملوك [١] . خوف أهل الثغور من الروم وأمّا نواحي مملكة الرّوم فكان بها الخوف والوجل ما لَا مَزِيد عَلَيْهِ، وجَنَحَ أهل الثغور إلى ملاطفة النّصاري وبذْل الأتاوة لهم، وركنوا إلى تسليم بلد سُمَيْساط وغيرها [٢] . فلله الأمر.

стр. 11438

سنة ثمان عشرة تقليد ابن ياقوت شرطة بغداد في المحرَّم صَرف المقتدر ابني رائق عَنِ الشرطة، وقلدها أبا بَكْر محمد بْن ياقوت [١] . ريح عظيمة ببغداد وفي ربيع الآخر هبَّت ريح عظيمة حملت رملًا أحمَر قِيلَ: إنّه من جبل زَرُود، فامتلأت بهِ أَزِقَّة بغداد والأسطحة [٢] . القبض عَلَى ابن مُقْلَة وفيها قبض المقتدر عَلَى الوزير أَبِي عليّ بْن مُقْلَة [٣] ، وأحرقت داره [٤] ، وكانت عظيمة قد ظلم النّاس في عمارتها. وعز عَلَى مؤنس حيث لم يشاوره الخليفة [٥] .

стр. 11439

وزارة ابن مَخْلَد ثمّ استوزر سليمان بْن الحَسَن بْن مَخْلَد، فكان لَا يصدر عَنْ أمرٍ حتّى يُشاور عليّ بْن عيسى [١] . حجّ ركب العراق فيها حجّ ركب العراق [٢] . الوباء المهول وكان بها وباءٌ مَهُول. هزيمة الروم وفيها جاءت الأخبار بأنّ الأمير مفلحًا السّاجيّ هزم جيشًا من الروم، وفرح النّاس [٣] .

стр. 11440

سنة تسع عشرة القبض عَلَى الوزير سليمان بْن الحَسَن فيها قبض المقتدر عَلَى الوزير سليمان بْن الحَسَن، وكان قد أضاق إضاقة شديدة. وكانت وزارته سنة وشهرين [١] . وزارة الكلوذاني وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحُسين بْن القاسم، فلم يمكنه مؤنس، وأشار بأبي القاسم عُبَيْد اللَّه بْن محمد الكَلَوْذَانيّ. فاستوزره مَعَ مشاورة عليّ بْن عيسى في الأمور [٢] . الوقعة بين ابن غريب ومرداويج وفيها كانت وقعة بين هارون بْن غريب وبين مرداويج [٣] الدَّيْلَمّي بنواحي همدان. فانهزم هارون، وملك الدّيلميّ الجبل بأسره إلى حلوان [٤] .

стр. 11441

وزارة الحُسين بْن القاسم وفيها عزل الكَلَوْذَانيّ واستوزر الحُسين بْن القاسم بْن عُبَيْد اللَّه لأنه كتب إلى المقتدر، وهو عَلَى حاجة: أَنَا أقول بالنفقات وزيادة ألف ألف دينار كلّ سنة. وكانت وزارة الكَلَوْذَانيّ شهرين [١] . الوحشة بين مؤنس والمقتدر وفي ذي الحجّة استوحش مؤنس من المقتدر لأنه بلغه اجتماع الوزير والقُوّاد عَلَى العمل عَلَى مؤنس. فعزم خواصُّه عَلَى كبس الوزير، فعلم، فتغيب عَنْ داره. وطلب مؤنس من المقتدر عزْل الوزير فعزله [٢] . فقال: انفيه إلى عُمان. فامتنع المقتدر. وأوقع الوزير في ذهن المقتدر أنّ مؤنسًا يريد أنّ يأخذ الأمير أبا العبّاس من داره ويذهب بهِ إلى الشّام ومصر، ويعقد لَهُ بالخلافة هناك. ثمّ كتب الحُسين الوزير يستحثّ هارون بْن غريب عَلَى المجيء، وكتب إلى محمد بْن ياقوت، وكان بالأهواز، أنّ يُسرع الحضور. فصحَّ عند مؤنس أنّ الوزير يدبِّر عَلَيْهِ [٣] . فخرج إلى الشّمّاسيّة بأصحابه، وكتب إلى المقتدر: إنّ مفلحا الأسود مطابق

стр. 11442

للحسين، وإن نفسي لَا تسكن حتّى تبعث إليَّ بمفلح فأقلده أجل الأعمال ويخرج إليها. فأجابه المقتدر: إنّ مفلحًا خادمٌ يوثق بخدمته، ولم يدخل فيما توهمت. فلمّا سمع مؤنس هذا، وأن الوزير ينفق في الرجّال، وأن هارون قد قرب من بغداد، أظهر الغضب وخرج إلى الموصل، فلحق بهِ أصحابه، فقبض الوزير عَلَى حواصله وأملاكه. وهنّى النّاس الوزير بذهاب مؤنس، وزاد محلُّه عند المقتدر، ولقبه «عميد الدولة» . وكتب ذَلِكَ عَلَى الدّينار والدّرهم [١] . انتصار مؤنس ودخوله الموِصل وكتب الوزير إلى دَاوُد وسعيد ابني حمدان، والحسن بْن عَبْد اللَّه بْن حمدان بمحاربة مؤنس، فتعبّوا في ثلاثين ألفا، وكان مونس في ثمانمائة، فنصر عليهم وهزمهم، وملك الموصل في صفر سنة عشرين [٢] . هرب أهل الكوفة من القَرْمَطيّ وفيها نزل القَرْمَطيّ الكوفة، فهرب أهلها إلى بغداد [٣] . دخول الديلم الدّيَنَور وفيها دخلت الدَّيْلم الدّيْنَوَر فقتلوا وسبوا، فجاء من هرب إلى بغداد ورفعوا المصاحف عَلَى القُضُب، واستغاثوا يوم الأضحى وساعدهم الغوغاء، وسبّوا

стр. 11443

المقتدر وأغلقوا الأسواق خوفَا من هجوم القَرْمَطيّ [١] . [ولاية المعز] وفيها ولد أبو تميم المعزّ رابع خلفاء مصر الّذي بنى القاهرة [٢] . [امتناع ركْب العراق] ولم يحجّ في هذه السنة ركْب العراق [٣] . [غزوة والي طرسوس في الروم] ووردَ الخبر بأنّ ثمل والي طرسوس غزا الروم، فعبروا نهرًا ثمّ وقع عليهم ثلج عظيم. ثمّ التقوا جيش الروم عليهم ستّة بطارقة، فنصروا عليهم، وقتل خمسمائة علج من الروم، وأُسر ثلاثة آلاف [٤] . [نجدة ابن حمدان لأهل مَلَطْية وسميساط] ثمّ تناخت الملاعين ونالوا من المسلمين، وقتلوا خلقًا وأسروا آخرين. وسار إلى نجدة أهل مَلَطْية وسميساط سَعِيد بْن حمدان، فكشف عَنْهَا ودخل غاريًا في بلاد الرُّوم [٥] . [دخول والي طرسوس عمورية] ثمّ سار متولّي طرسوس ونسيم الخادم لغزو الصّائفة في اثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل حتّى بلغوا عمّورية ودخلوها. ثمّ أوغلوا في بلاد

стр. 11444

الروم، فغنموا وسبوا نحوًا من عشرة آلاف من الرقيق، وقتلوا خلقًا. وأقاموا في الغزاة ثلاثة أشهر [١] . [الوباء ببغداد] وفيها كَانَ الوباء المفرط ببغداد، حتّى كَانَ يُدْفَن في القبر الواحد جماعة [٢] .

стр. 11445

سنة عشرين وثلاثمائة [وزارة ابن الفُرات] وفيها عُزِلَ الحُسين بْن القاسم من الوزارة واستوزر أبو الفتح بْن الفُرات [١] . [ولاية مرداويج الدَّيْلَمّي] وفيها بعث العهد واللّواء لمرداويج الدَّيْلَمّي عَلَى إمرة أذْرَبَيْجان، وأرمينية، وأرّان، وقُمّ، ونِهاوَنْد، وسِجِسْتان [٢] . [انتهاب الْجُنْد دُور ابن الفُرات] وفيها نهب الْجُنْد دور الوزير الفضل بْن جعفر بْن الفُرات [٣] ، فهرب إلى طيّار لَهُ في الشط، فأحرقَ الْجُنْد الطّيّارات. وصخَّم الهاشميّون وجوههم وصاحوا: الجوع الجوع [٤] . وكان قد اشتدّ الغلاء لأنّ القَرْمَطيّ ومؤنسًا منعُوا الغلّات من النّواحي أن تصل [٥] .

стр. 11446

[امتناع ركب العراق] ولم بحجّ ركْب العراق [١] . [مقتل الخليفة المقتدر] وفي صَفَر غلب مؤنس عَلَى الموصل فتسلل إِلَيْهِ الْجُنْد والفُرسان مِن بغداد، وأقام بالموصل أشهرًا. ثمّ تهيأ المقتدر وأخرج المخيَّم إلى الشّمّاسيّة، وجعل يزكًا عَلَى سامرّاء ألف فارس مَعَ أَبِي العلاء سَعِيد بْن حمدان. وأقبل مؤنس في جمْعٍ كثير، فلمّا قارب عَكْبُرا اجتهد المقتدر بهارون بْن غريب أنّ يحارب مؤنسًا، فامتنع واحتجّ بأن أصحابه مَعَ مؤنس في الباطن ولا يثق بهم [١] [٢] . وقيل: إنّه عسكر هارون وابن ياقوت وابنا رائق وصافي الحُرَميّ ومُفْلح بباب الشّمّاسيّة، وانضموا إلى المقتدر، فقالوا لَهُ: إنّ الرجال لَا يقاتلون إلّا بالمال، وأن أخرجت الأموال أسرع إليك رجال مؤنس وتركوه. وسألوه مائتي ألف دينار [٣] ، فأمر بجمع الطّيّارات لينحدر بأولاده وحُرَمهِ وأمّهِ وخاصّته إلى واسط، ويستنجد منها ومن البصرة والأهواز عَلَى مؤنس. فقال لَهُ محمد بْن ياقوت: اتق اللَّه في المسلمين ولا تسلِّم بغداد بلا حرب، وإنك إذا وقفت في المصافّ أحجم رجال مؤنس عَنْ قتالك. فقال: أنتَ رسول إبليس [٤] . فلمّا أصبحوا ركبَ في الأمراء والخاصّة وعليه البُرْدة وبيده القضيب، والقّراء حواله، والمصاحف منشورة، وخلْفه الوزير الفضل بْن جعفر، فشقّ بغداد إلى الشّمّاسيّة، والخلق يدعون لَهُ. وأقبل مؤنس في جيشه ووقع القتال. فوقف المقتدرُ على تل، ثمّ جاء إِلَيْهِ ابن ياقوت وأبو العلاء فقالا: تقدّم، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا. فلم يبرح، فألحَّ عَلَيْهِ القُوّاد بالتقدم، فتقدَّم وهم

стр. 11447

يستدرجونه حتّى أوقعوه في وسط الحرب في طائفة يسيرة، وقد قدِم الجمهور بين يديه يقاتلون، فانكشف أصحابه وأسر منهم جماعة، وأبلى محمد بْن ياقوت وهارون بلاءً حسنًا. وكان معظم جُنْد مؤنس البربر، فبينا المقتدر واقف قد انكشف أصحابه رآه عليّ بْن بليق [١] فعرفه، فترجّل وقال: يا مولاي أمير المؤمنين. وقبّل الأرض، فوافى جماعة من البربر إلى المقتدر فضربه رَجُل منهم من خلفه ضربةٌ سقط إلى الأرض، فقال لَهُ: ويلك أَنَا الخليفة. فقال: أنت المطلوب. وذبحه بالسَّيف وشيل رأسه عَلَى رُمْح، ثمّ سُلب ما عَلَيْهِ، وبقي مكشوف العورة حتّى سُتِر بالحشيش [٢] . ثمّ حفر لَهُ في الموضع ودفن وعفي أثره. وبات مؤنس بالشّمّاسيّة [٣] . [رواية الصوليّ عَنْ مقتل المقتدر] وقال الصُّوليّ: لمّا كَانَ يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوّال ركب المقتدر وعليه قباء فضّي وعمامة سوداء وعلى كتفه البُرْدة وبيده القضيب والمصاحف منشورة. وكان وزيره قد أخذ لَهُ طالعًا، فقال لَهُ المقتدر: أيّ وقتٍ هُوَ؟ قَالَ: وقت الزّوال. فتطيَّر وهَمَّ بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس وبليق [٤] ، ونشبت الحربُ، وتفرّق عن المقتدر أصحابه وقتله البربريّ.

стр. 11448

وقيل: كَانَ غلامًا لبليق، وكان رجلًا شجاعًا تعجب النّاس منه يومئذ ممّا فعل من صناعات الفروسيّة من اللّعب بالرُمْح والسّيف. ثمّ حمل عَلَى المقتدر وضربه بحربة أخرجها من ظهره، فصاح النّاس عَلَيْهِ، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر، فصادفه حمل شوك فزحمه وهو يسوق حمل الشَّوْك إلى قنار لحّام، فعلقه كُلّاب، وخرج الفَرَس في مشواره من تحته فماتَ. فحطّه النّاس وأحرقوه بالحمْل الشَّوك [١] . [إسراف المقتدر] واستخلف المقتدر خمسًا وعشرين سنة إلّا بضعة عشر يومًا. وكان النّساء قد غلبن عَلَيْهِ. وكان سخيًا مبذّرًا يصرف في السنة للحجّ أكثر من ثلاثمائة ألف دينار [٢] . وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصّقالبة والروم والسُّود [٣] . وأخرج جُمَيْع جواهر الخلافة ونفائسها عَلَى النّساء ومحقهُ. وأعطى بعض حظاياه الدُّرَّة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل [٤] . وأخذت زيدان القهرمانة سبْحة جوهر لم يُرَ مثلها [٥] ، هذا مَعَ ما ضيّع من الذَّهَب والمسْك والأشياء المفتخرة. قِيلَ إنّه فرق ستين حبا من الصيني [٦] ملاء بالغالية الّتي غرِم عليها ما لَا يحصى. وقال الصُّوليّ: كَانَ المقتدر يفرّق يوم عَرَفَة من الإبل والبقر أربعين ألف

стр. 11449

رأس، ومن الغنم خمسين ألفًا [١] . ويقال: إنّه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار [٢] . وكان في داره عشرة آلاف خادم من الصَّقالبة، وأتلفَ نفسه بيده وبسوء تدبيره [٣] . وخلّف من الأولاد محمدا الراضي، وإبراهيم المتّقي، وإِسْحَاق والد القادر، والمطيع، وعبد الواحد، وعبّاسًا، وهارون، وعليًا، وعيسى، وموسى، وأبا العبّاس [٤] . وكان طبيبه ثابت بْن سِنان، وابن بُخْتَيْشُوع. وقال ثابت بْن سِنان الطبيب: إنّ المقتدر أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار [٥] . وقد وزر للمقتدر، كما قدَّمنا، جماعة. [خلافة القاهر] قَالَ ثابت: لما قُتِل المقتدر انحدر مؤنس ونزل الشّمّاسيّة، فقدم إِلَيْهِ رأس المقتدر، فبكى وقال: قتلتموه؟ واللَّه لنقتلن كلنا، فأقلّ ما يكون أنّ تُظهروا أنّ ذَلِكَ جرى عَنْ غير قصد منكم، وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العبّاس [٦] .

стр. 11450

فقال إِسْحَاق بْن إسماعيل النّوَبْخِتيّ: استرحنا ممن لَهُ أمُّ وخاله وحرم، فنعود إلى تِلْكَ الحال؟! وما زال بمؤنس حتّى ثنى رأيه عَنِ ابن المقتدر، وعدل إلى القاهر محمد. فأحضر محمد بْن المكتفي والقاهر محمد، فقال لمحمد بْن المكتفي: تتولّى هذا الأمر؟ فقال: لَا حاجة لي فيه، وعمّي هذا أحقّ بهِ. فكلم القاهر فأجاب. فبايعه واستحلفه لنفسه ولبُليق ولولده عليّ بْن بليق، ولقب بالقاهر باللَّه، كما لقب بهِ في سنة سبْع عشرة [١] . وكان ربعة، أسمر، معتدل الجسم، أصهب الشعر، أقنى الأنف [٢] . [تعذيب أمّ المقتدر وموتها] وأوّل ما فعل أنْ صادر آل المقتدر وعذبهم، وأحضر أمّ المقتدر وهي مريضة فضربها بيده ضربًا مبرحًا، فلم تظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار. وأحضر القضاة وأشهد عليها ببيع أملاكها بعد أنّ كشفت وجهها ورأوها، فلمّا عاينوا ما بها من الضُرّ بكوا. وما زال يعذبها حتّى ماتت معلقة بحبل [٣] . [تعذيب القهرمانة] وضرب أمّ موسى القهرمانة وعذبها، ووجد عندها أبا العبّاس بْن المقتدر فقبض عَلَيْهِ، وبالغ في الإساءة، فنفرت القلوب عنه.
следующие страницы →