فقيل: إنهم صاروا يكبسون دُور الأمراء والكُبراء، فإنّ رأوا نبيذًا أراقوه، وإنّ صادفوا مغنيةً ضربوها، وكسروا آلة الملاهي، وأنكروا في بيع النّاس وشرائهم، وفي مشْى الرجال مع الصّبيان. فَنَهاهُم متولّي الشرطة، فما التفتوا عليه: فكتب الرّاضي توقيعًا يزجُرُهم ويوبّخهم باعتقادهم: وأنّكم تزعمون أنّ الله على صوركم الوحشة، وتذكرون أنّه يصعد وينزل. وأُقسم: إنْ لم تنتهوا لأقتلنَّ فيكم ولأُحَرّقنّ دُوركم [١] .
[هبوب الريح ببغداد]
وفي الشّهر هبّت ريح عظيمة ببغداد، واسودَّت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب برعدٍ وبَرْق [٢] .
[شغب الْجُنْد بابن مقلة]
وفيه شَغَب الْجُنْد بابن مقلة وهمّوا بالشّرّ [٣] .
[قتل سعيد بن حمدان]
وكان سعيد بن حمدان قد ضمِن المَوْصل وغيرها سرًا من ابن أخيه الحسن بن عبد الله بن حمدان، وخلع عليه ببغداد، فخرج سعيد في صورة أنّه يساعد ابن أخيه في الضّمان في خمسين فارسًا، فدخل الموصل، فخرج ابنُ أخيه مظهِرًا لتَلَقِّيه. ومضى العمّ إلى دار ابن أخيه فنزلها، وسأل عنه فقيل: خرج لتَلَقِّيك. فجلس ينتظره.
стр. 11727
فلمّا علم الحسن بأنّ عمّه في داره وجّه غلمّانَه فقبضوا عليه وقَّيدوه، ثمّ قتله بعد أيام [١] .
[خروج ابن مقلة لحرب الحسن بن حمدان]
وتألَّم له الرّاضي، وأمرَ أبا عليّ بن مقلة بالخروج إلى الموصل، والإيقاع بالحَسَن. فخرج في جميع الجيش واستخلف ابنَه ابا الحُسين موضعه. فلمّا قرُب من الْمَوْصل نزح عنها الحسن في شعبان، فتبِعَه ابن مقلة، فصعَد الجبل ودخل بلد الزّوزانّ، فاستقرّ ابن مقلة بالموصل يستخرج أموالًا، ويستسلف من التّجّار على غلّات البلد، فاجتمع له أربعمائة ألف دينار. فاحتال سهل بن هاشم كاتب الحسن، وكان مقيما ببغداد، فبذل لولد ابن مقلة عشرة آلاف دينار حتّى يكتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحضرة مضطّربة. فانزعج الوزير وسار إلى بغداد، فدخل في ذي القعدة [٢] .
[القبض على جعفر بن المكتفي]
وفيها وقعوا برجلٍ قد أخذ البيعة لجعفر بن المكتفي، وبذل أموالًا عظيمة، فقُبِض عليه وعلى جعفر، ونهب منزل جَعْفَر [٣] .
[عَوْد الحسن بن حمدان إلى الموصل]
وعاد الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى الموصل بعد حرب تمّ له مع جيش الخليفة وهزمهم، وكتب إلى الخليفة يعتذر [٤] .
стр. 11728
[مهاجمة القَرْمَطِيّ لِركْب الحُجّاج]
وخرج الرَّكْبُ العراقيّ ومعهم لؤلؤ يَخْفُرُهم، فاعترضهم أبو طاهر القَرْمَطِيّ، فانهزم لؤلؤ وبه ضربات. فقتل القَرْمَطِيّ الحاجّ وسبى الحُرَم، والتجأ الباقون إلى القادسيّة، وتسلّلوا إلى الكوفة [١] .
[موت الأمير ابن ياقوت]
وفي ذي الحِجّة مات الأمير أبو بكر محمد بن ياقوت في الحبْس حتْف أنفه [٢] .
[الغلاء ببغداد]
وفيها غلا السِّعْر ببغداد حتّى أبيع كَرّ القمح بمائةٍ وعشرين دينارًا [٣] .
[استمالة ابن رائق للديلم]
وفيها قدم غلمّان مرداويخ الدَّيْلميّ إلى بغداد، وفيهم بَجْكم، فخافت الحُجَريّة منهم.
ثمّ إنّ محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها كاتَبَهم، فأتوا إليه، فأكرمهم وقدَّم عليهم بَجْكَم، وأفرط في الإحسان إليه، وأمره بمكاتبة جُنْد الجبال ليَقْدَمُوا عليه. ففعلوا، فصار عنده عدّة كبيرة، وتمكّن وجبى الخراج [٤] .
стр. 11729
سنة أربع وعشرين
[وفاة هارون بن المقتدر]
تُوُفّي هارون بن المقتدر، وحزن عليه أخوه الخليفة، واغتمّ له، وأمر بنفي الطّبيب بختيشوع بن يحيى، وأتَّهمه بتعمُّد الخطأ في علاجه [١] .
[تقليد ابن طُغْج عملًا في مصر]
وفيها قلَّدَ ابن مقلة أبا بكر محمد بن طُغْج أعمال المعاون [٢] بمصر مُضافًا إلى ما بيده من الشّام [٣] .
[قطع ابن رائق الحمل عن بغداد]
وفيها قطع الحمل عن بغداد محمد بن رائق، واحتجَّ بكثرة كلْفة الجيش عنده [٤] ، وقطع حمْل الأهواز، وطمع غيرهم.
[إطلاق المظفّر بن ياقوت من الحبس]
وفي ربيع الأوّل أطلق من الحبس المظفَّر بن ياقوت، وحلف للوزير على المُصافاة [٥] ، وفي نفسه الحقْد عليه لأنّه نكبه، ونكب أخاه محمدا. ثمّ أخذ
стр. 11730
يسعى في هلاكه ويشغب عليه الحُجَريّة. فعلم الوزير، فاعتضد بالأمير بدر صاحب الشّرطة ليوقع بالمظفَّر، فانحدر بدر وأصحابه بالسّلاح إلى دار الخليفة، ومنعوا الحُجَريّة من دخولها [١] فضعُفت نفس المظفّر، وأشار على الحُجَريّة بالتّذلُّل لابن مقلة، وأظهر له المظفّر أنّه على أيْمانه، فاغتر بذلك وصرف بدرًا والْجُنْد من دار الخلافة. فمشى الغلمّان بعضهم إلى بعض وأوحشوا نفوس الْجُنْد من ابن مقلة ومن بدر، وتحالفوا وصارت كلمتهم واحدة. ثمّ صاروا إلى دار الخلافة فأحْدَقوا بها، وصار الرّاضي في أيديهم كالأسير، وطالبوه أنّ يخرج معهم إلى الجامع فيصلّى بالنّاس ليعلموا إنّه من حزبهم. فخرج يوم الجمعة سادس جُمادَى الأولى، فصلّى بالنّاس، وقال في خطبته: اللَّهمّ إنّ هؤلاء الغلمّان بطانتي وظهارتي، فمن أرادهم بخير فأزِدْه [٢] ، ومن كادَهم فَكِده [٣] .
[إمرة بدر الخَرْشَنيّ على دمشق]
وأمر بدرًا الخَرْشَنيّ بالمسير على إمرة دمشق مسرعًا [٤] .
[تدبير ابن مقلة للإيقاع بابن رائق]
ثمّ أخذ ابن مقلة يُشير على الرّاضي سرّا أن يخرج بنفسه ليدفع محمد بن رائق عن واسط والبصرة. ثمّ بعث ابن مقلة بمقدَّم من الحُجَريّة، وآخر من السّاجيّة برسالة إلى ابن رائق يطلب المحاسبة. فأحسَن ابن رائق إليهما، وحمّلهما رسالة إلى الرّاضي سرّا بأنّه إن استُدعى إلى الحضرة قام بتدبير الخلافة، وكَفَى أمير المؤمنين كلّ مهمّ. فقدِما. فلم يلتفت الرّاضي إلى الرسالة. ولمّا رأى ابن مقلة امتناع ابن رائق عليه عمل على خروج الرّاضي إلى الأهواز، وأنّ يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلّا يستوحش [٥] .
стр. 11731
[إخراج ابن مقلة من الوزارة]
فبَيْنا ابن مقلة في الدِّهليز شغب الغلمّان ومعهم المظفّر، وأظهروا المطالبة بالأرزاق، وقبضوا على الوزير، وبعثوا إلى الرّاضي يعرفونه ليستوزر غيره، فبعث إليهم يستصوب رأيهم، ثمّ قال: سمّوا من شئتم حتّى استوزره.
فسمّوا عليّ بن عيسى، وقالوا: هو مأمون كافي. فاستحضره وخاطبه بالوزارة فامتنع، فخاطبه ثانية وثالثة فامتنع، فقال: أشِر بمن ترى. فأومى إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى. فبعث الرّاضي إليه المظفّر بن ياقوت، فأحضره وقلَّدَه، وركب الجيش بين يديه [١] ، وأُحْرِقَتْ دار ابن مقلة، وهذه المرّة الثالثة [٢] .
وكان قد أحرق دار سليمان بن الحسن. فكتبوا على داره:
أحسَنْتَ ظنَّك بالأيّام إذ حَسُنَتْ ... ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ
وسالَمَتْك اللّيالي فاغْتَرَرْت بها ... وعند صَفْوِ اللَّيَالِي يحدُث الكَدَر [٣]
واختفى الوزير وأعوانّه.
[ظهور الخصيبي وسليمان بن الحسن]
وظهر أبو العبّاس الخصيبيّ، وسليمان بن الحسن، وصارا يدخلان مع الوزير عبد الرحمن وأخيه عليّ، ويدخل معهم أبو جعفر محمد بن القاسم والأعيان [٤] .
[تعذيب ابن مقلة]
وأُخِذَ ابن مقلة فتسلّمه عبد الرحمن الوزير، وضُرِب بالمقارع، وأخذ خطّه
стр. 11732
بألف ألف دينار [١] . ثمّ سُلِّمَ إلى أبي العبّاس الخصيبيّ، فجرى عليه من المكاره والتّعليق والضَّرْب عجائب [٢] .
[رواية ثابت بن سنان عن تعذيب ابن مقلة]
قال ثابت [٣] : كلّفني الخصيبيّ الدُّخول إليه يومًا وقال: إنّ كان يحتاج إلى الفَصْد فليُفْصَد بحضرتك. فدخلتُ فوجدته مطرَوْحًا على حصير، وتحت رأسهِ مخدّة وسِخَة، وهو عُرْيان في وسطه سراويل، ورأيتُ بدَنَه من رأسِه إلى أطراف رِجْلَيه كالباذنجان، وبهِ ضيق نَفَس شديد. وكان الّذي تولّى عذابه ودَهَق صَدْره الدَّسْتُوائيّ [٤] . فقلت: يريد الفصْد.
فقال الخصيبيّ: وكيف نعمل، ولا بدّ من تعذيبه كلّ يوم؟
قلت: فيتلف.
قال: أفصدْه.
ففصدته ورفّهتُه ذلك اليوم. واتَّفق أنّ الخصيبيّ استتر ذلك اليوم، فاطمان ابن مقلة وتصلّح. وحضَر أبو بكر بن قرابة، وضمن ما عليه وتسلَمه [٥] .
[القبض على المظفّر بن ياقوت وهدم داره]
وفي جُمَادَى الأولى قبض الرّاضي على المظفّر بن ياقوت وهدم داره، ثمّ أطلقه بعد جمعه وأصدره إلى أبيه ياقوت [٦] .
[عُزِل الخَرْشَنيّ عن الشرطة]
وعزل بدر الخَرْشَنيّ عن الشّرطة، ووليها كاجوا [٧] .
стр. 11733
[تقليد الخَرْشَنيّ أعمال أصبهان وفارس]
وقلد الخَرْشَنيّ أعمال أصبهان وفارس [١] .
[وزارة الكرْخي]
وعجز الوزير عبد الرحمن عن النفقات، وضاق المّال. فاستعفى. فقبض عليه الرّاضي في رجب وعلى أخيه، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرْخي، وسلم ابني عيسى إلى الكرْخي، فصادرهما برفق، فأدى كلّ واحد سبعين ألف دينار، وانَصْرفا إلى منازلهما [٢] .
[قتل ياقوت الأمير]
وفي رمضان قُتِل ياقوت الأميرُ بعسكر مُكْرَم، فأراد الحُجَريّة قُتِل أبي الحُسين البريديّ ببغداد، وكان يخلف أخاه في الكتابة لياقوت، فاختفى.
وكان ياقوت قد سار بجموعه لحرب عليّ بن بُوَيْه [٣] ، فالتقيا بباب أرَّجان، فهزمه ابن بُوَيْه، فعاد إلى الأهواز، وتواترت الأخبار بأنّ ابن بُوَيْه وافى إلى رامَهُرْمُز مقتفيًا آثار ياقوت. فعبر ياقوت إلى عسكر مُكَرم وقطع الجسرَ. وأقام ابن بُوَيْه أيامًا برامَهُرْمُز إلى أنّ وقع الصُّلح بينه وبين الخليفة، وجرت فصول.
وضعُف أمرُ ياقوت، وجاع عسكره، وتفرَّقت رجاله، وتمَّت له حروب مع كاتبه أبي عبد الله البريديّ، ثمّ انهزم وأوى إلى قريةٍ، فظفروا به وقتلوه، وكان قد شاخ [٤] .
ثمّ طغى البريديّ وأظهر العصيان [٥] .
стр. 11734
[وزارة سليمان بن الحسن]
وفيها استوزر الرّاضي أبا القاسم سليمان بن الحسن. وسببه أنّ ابن رائق تغلَّب على ناحيته، وابن بُوَيْه تغلّب على فارس. وضاقت الدّنيا على الوزير الكْرخيّ، وكان غير ناهض بالأمور، فعزل في شوّال، وقُلّد سليمان، فكان في العجز بحال الكْرخيّ وزيادةً [١] .
[عودة ابن رائق إلى بغداد]
فَدَعَتِ الضّرورة إلى أنّ كاتب الرّاضي محمد بن رائق يلاطفه مع كاجوا، فأصغى وأسرع، فأرسل إليه الرّاضي بالخِلَع واللّواء. فانحدر إليه أعيانّ السّاجيّة، فقيّدهم وحبسهم، فاستوحش الحُجَريّة ببغداد، وأحدقوا بباب دار الخليفة. فوصل ابن رائق في جيشه إلى بغداد في ذي الحجّة، ودخل على الرّاضي في قواده [٢] .
ثمّ أنّه أمر الحُجَريّة بقلْع خيامهم وذهابهم إلى منازلهم، فلم يفعلوا، وبطُل حينئذٍ أمر الوزارة والدّواوين وبقي الاسم لا غير، وتولّى الجميعَ محمد بن رائق وكُتّابه، وصارت الأموال تُحمل إليه، وبطُلت بيوت المّال. وحكم ابن رائق على البلاد وبقيَ الرّاضي معه صورةً [٣] .
[الوباء والغلاء بأصبهانّ وبغداد]
وفيها وقع الوباء العظيم بأصبهان وبغداد، وغلت الأسعار [٤] .
стр. 11735
[الغزوة الأولى لعليّ بن حمدان]
وفيها سار الدّمُسْتُق في جيوش الرّوم إلى أرض آمد وسميساط فسار عليّ ابن عبد الله بن حمدان، وهو شابّ، وهذه من أوَّل مَغَازية، إلى آمد، وبعث الأقوات إلى سُمَيْساط، فاختلف عليه بعض أمرائه، ثمّ حاربه فظفر به، ثمّ عفا عنه [١] .
[تغلُّب الحسن بن حمدان على الموصل]
وكان الحسن بن عبد الله بن حمدان أخوه قد غلب على الموصل، فسارَ إليه خلقٌ من السّاجيّة والحجريّة، وهم خاصّكيّة الخليفة، هربوا من محمد بن رائق، فأحسنَ الحسن إليهم [٢] .
[محاربة اليشكري للساجي وانهزامه]
وسارَ من عنده نظيف السّاجيّ متقلَّدًا آَذْرَبْيجانّ، فحاربه اليشكريّ، فانهزم نظيف واستُبيح عسكره، وغلب اليَشْكُري على آَذْرَبْيجانّ، فسارَ لحربه دَيْسَم وابن الدَّيْلَميّ وطائفة، فهزموه ونهبوا وسبوا، وفعلوا القبائح.
[استيلاء الرّوم على سُمَيْساط]
وفيها استولت الرّوم على سُمَيْساط ودَكَوُّها، وأمَّن الدُّمُسْتُق أهلها ووصّلهم إلى مأمنهم [٣] .
[غارات بني نُمَير وقُشَيْر]
وفيها عاثت العرب من بني نُمَير وقُشَيْر وملكوا ديار ربيعة ومُضَر، وشنّوا الغارات، وسبوا وقطعوا السُّبُل، وخَلَت المدائن من الأقوات، فسارَ لحربهم عليّ ابن عبد الله بن حمدان، فأوقع بهم وهزمهم بَسُروج وطردهم إلى ناحية سنجار وهيت [٤] .
стр. 11736
[خلعة الملك لصاحب الموصل]
ونفد الرّاضي باللَّه خلع المُلْكَ إلى صاحب الموصل الحسن بن عبد الله، فبعث على آذَرْبَيْجانّ ابن عمه حسين بن سعيد بن حمدان. وكان على ديار بكر أخوه عليّ.
стр. 11737
سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
[محاربة ابن رائق للحُجَريّة والسّاجيّة]
فيها أشار محمد بن رائق على الرّاضي بأنّ ينحدر معه إلى واسط، فخرج أول السنة منحدرًا، فوصل واسط في عاشر المحرَّم. واستخلف بالحضرة أبا محمد الصّلْحِيّ، فاضطّربت الحُجَريّة وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالسّاجيّة. فأقام بعضهم ثمّ انحدروا. واستخدم ابن رائق ستّين حاجبا، وأسقط الباقين، وكانوا أربعمائة وثمانٍين. ونقّص أرزاق الحَشَم، فثاروا وحاربوا ابن رائق، وجرى بينهم قتالٌ شديد، وانّهزم من بقى من السّاجيّة إلى بغداد [١] ولم يَبْقَ من الحجريّة [٢] إلّا قليل، مثل صافي الخازن، والحسن بن هارون، فأطلقا.
ولمّا فرغ ابن رائق من الحُجَريّة والسّاجيّة أشار على الرّاضي باللَّه بالتقدُّم إلى الأهواز، فأخرج المضارب [٣] .
[رسالة الرّاضي إلى البريديّ]
وبعث ابن رائق أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، والحسن بن إسماعيل الإسكافيّ إلى أبي عبد الله البريديّ برسالة من الرّاضي، مضمونها أنّه قد أخّر
стр. 11738
الأموال وأفسد الجيوش. وأنّه ليس طالبيًّا فينازع الأمر، ولا جُنْديًا فينازع الإمارة، ولا ممّن يحمل السّلاح، فيؤهّل لفتح البلاد. وأنّه كان كاتبًا صغيرًا، فرُفع فَطَغى وكَفَر النِّعْمَة فإن راجع سومح عن المّاضي.
فأجاب إلى أنّه يحمل مالًا عيَّنه، وأنّ الجيش الّذي عنده لا يقوم بهم مال الحضرة، فسيوجّههم إلى فارس لحرب مَن بها.
فبعث إليه الرّاضي بالعهد، فما حمل المّال ولا جهّز الجيش [١] .
[ضمان البريديّ البلاد]
وكان أبو الحُسين البريديّ ببغداد، فجهّزه ابن رائق إلى أخيه أبي عبد الله، ثمّ ضمن البريديّ البلاد [٢] .
[تقلّدَ بَجْكَم الشرطة]
ورجع الرّاضي إلى بغداد، وتقلَّد الشّرطة بجْكَم [٣] .
[خروج الحُجَريّة من بغداد]
وخرج من بَقِي من الحُجَريّة من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريديّ، وأجرى أرزاقهم، وَرَثَى لهم [٤] .
[تفرق البلدان عن الخلافة]
وصارت البلدان بين خارجيّ قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالًا، وصاروا مثل ملوك الطّوائف، ولم يبقَ بيد الرّاضي غير بغداد والسّواد، مع كون يد ابن رائق عليه [٥] .
стр. 11739
[الوحشة بين ابن رائق والبريديّ]
وفيها ظهرت الوحشة بين محمد بن رائق وبين أبي عبد الله البريديّ [١] .
[دخول القَرْمَطِيّ الكوفة]
ووافى أبو طاهر القَرْمَطِيّ إلى الكوفة فدخلها في ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في جُمَادَى الأولى، وعسكر بظاهر بغداد. وسيَّر رسالة إلى القَرْمَطِيّ فلم تُغْنِ شيئًا، ثمّ إنّ القَرْمَطِيّ ردّ إلى بلده [٢] .
[وزارة ابن الفُرات]
وفيها استوزر الرّاضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات بمشورة ابن رائق. وكان ابن الفُرات بالشّام فأحضروه [٣] .
[انهزام جيش ابن رائق]
ومضى ابن رائق إلى واسط وراسل البريديّ، فلم يلتفت وأخذ يماطله.
وبعث جيشًا إلى البصرة يحفظها من ابن رائق، وطيّب قلوب أهلها، فقلق ابن رائق، وبعث إلى البصرة جيشًا، فالتقوا فانهزم جيش ابن رائق غير مرّة [٤] .
[محاربة ابن رائق للبصرة وعصيان أهلها عليه]
ثمّ قدِم بدر الخَرْشَنيّ من مصر، فأكرمه ابنُ رائق، ثم نَفَّده وبَجْكَمًا إلى الأهواز، فجهّز إليهما البريديّ أبا جعفر الجمّال [٥] في ألف نفس [٦] ، فالتقوا على
стр. 11740
السّوس، فهزمهم الخرشنيّ، وساق وراءهم، فخرج البريديّ وأخوه في طيّار، وحملوا معهم ثلاثمائة ألف دينار، فغرق بهم الطّيار، فأخرجهم الغواصون، واستخرجوا بعض الذَّهَب لبَجْكَم، ووافوا البصرة، ودخل بَجْكَم الأهواز، وكتب إلى ابن رائق بالفتح [١] .
ودخل البريدّيون البصرة واطمأنّوا، فساقَ ابن رائق بنفسه إلى البصرة في نصف شوّال. فهرب البريديّ إلى جزيرة أُوال [٢] ، ووافاه بَجْكَم.
وسار ابن رائق وجيشه ليدخلوا البصرة، فقاتلهم أهلُها ومنعوهم لظُلمهم.
وذهبَ البريديّ إلى فارس، واستجار بعلي بن بُوَيْه فأجاره، وأنفذ معه أخاه وأبا الحسين أحمد بن بُوَيْه لفتح الأهواز [٣] . وبلغ ابن رائق ذلك، فجهَّز بَجْكَم إلى الأهواز، فقال: لست أحارب هؤلاء إلّا بعد أنّ تحصل لي إمارتها وخراجها. فقال ابن رائق: نعم. وأمضى له ذلك على مائة وثلاثين ألف دينار في السنة [٤] .
ودام أهلُ البصرة على عصيان ابن رائق لسوء سيرته، فحلف أنْ تمكّن من البصرة ليجعلها رمادا. فازدادا غَيْظُهم منه [٥] .
[ولاية بُدَير لدمشق]
وفيها ولي إمرة دمشق بُدَيْر [٦] مولى محمد بن طُغْج، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين.
стр. 11741
[قدوم ابن رائق إلى دمشق]
وقدِم محمد بن رائق دمشق، فأقام بها، وزعم أنّ المتّقي ولّاه إيّاها، وأخرج بُدَيْرًا [١] .
[عودة الولاية لبُدَير]
ثمّ ولي بُدَيْر دمشق بعد ذلك مِن قِبَل كافور الإخشيدي.
[اختلاف البريديّين]
وأمّا البريديّون فهم ثلاثة من الكتّاب: أبو عبد الله، وأبو الحُسين، وأبو يوسف. كان أبوهم كاتبًا على البريد بالبصرة، فغلبوا على الأهواز وجرت لهم قصص، ثمّ اختلفوا وتمزَّقوا.
[تغلُّب ابن حمدان على مُضَر]
وفيها سار عليّ بن عبد الله بن حمدان إلى مُضَر، فتغلَّب عليها لمّا خرج عنها بدْر الخَرْشَنيّ إلى العراق.
[امتناع الحج]
ولم يجْسر أحدٌ أن يحجّ هذا العام [٢] .
[تأسيس مدينة الزهراء بالأندلس]
وفيها أسَّس أمير الأندلس النّاصر لدين الله الأمويّ مدينة الزَّهراء. وكان منتهى الإنفاق في بنائها كلّ يوم ما لا يُحدّ، يدخل فيها كلّ يوم من الصّخر [٣] المنحوت ستّة آلاف صخرة، سوى التّبليط [٤] . وجُلِب إليها الرخام من أقطار المغرب، ودخل فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية [٥] ، منها ثلاث وعشرون سارية
стр. 11742
ملوَّنة. وأهدى له ملك الفرنج أربعين سارية [١] رخام. وأما الوردي والأخضر فمن إفريقية والحوض المذهب جلب من القسطنطينية، والحوض الصغير عليه صورة أسد، وصورة غزال، وصورة عُقاب، وصورة ثعبان، وغير ذلك.
كلّ ذلك ذَهَبٌ مرصَّع بالجوهر. وبَقَوْا في بنائها ستّ عشرة سنة. وكان يُنفق عليها ثُلْث دَخْل الأندلس. وكان دخل الأندلس يومئذ خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانٍون ألف درهم.
وعمل في الزَّهراء قصر المملكة. غرِم عليه من الأموال ما لا يعلمه إلّا الله.
وبين الزَّهراء وبين قُرْطُبة أربعة أميال، وطولها ألف وستّمائة ذراع، وعرضها ألف وسبعون ذراعًا.
ولم يُبْن في الإسلام أحسن منها، لكنّها صغيرة بالنّسبة إلى المدائن كما ترى، لا بل هي متوسّطة المقدار. وكانت من عجائب الدنيا. وسورها ثلاثمائة برج، وكلّ شرّافة حجر واحد. وعمل ثُلثُها قصور الخلافة، وثلثها للخدم، وكانوا اثنى عشر ألف مملوك، وثُلثها الثالث بساتين.
وقيل إنّه عمل فيها بُحَيْرة ملأها بالزِّئبق.
وقيل: كان يعمل فيها ألف صانع، مع كلّ صانع اثنا عشر أجيرًا. وقد أحرقت وهدمت في حدود سنة أربعمائة، وبقيت رسومُها وسورُها [٢] . فسبحان الباقي بلا زوال.
стр. 11743
سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة
[انتصار البريديّ على بَجْكَم]
فيها سار أبو عبد الله البريديّ لمحاربة بَجْكَم. وأقبل في مددٍ من ابن بُوَيْه، فخرج بَجْكَم لحربه، وعاد منهزما بعد ثلاثٍ، لأنّ الأمطار عطّلت نشّاب أصحابه وقِسِيَّهم، فقبض على وجوه أهل الأهواز، وحملهم معه، وسار إلى واسط [١] .
[ازدياد قوّة أحمد بن بُوَيْه]
وأقام البريديّ وأحمد بن بُوَيْه بالأهواز أياما. ثمّ هرب البريديّ في المّاء، ثمّ أخذ يراوغ أحمد بن بُوَيْه، وجَرَت له فصول [٢] .
وقوي ابن بُوَيْه. وبَجْكَم مقيم بواسط ينازع إلى الملك ببغداد [٣] .
وقد جمع ابن رائق أطرافه وأقام ببغداد، والبريدي هارب في أسفل الأهواز [٤] .
[المصاهرة بين ابن رائق والوزير أبي الفتح]
ولمّا رأى الوزير أبو الفتح الفضل اختلاف الحضرة، واستيلاء المخالفين على البلاد، أطمع ابن رائق في أنّ يحمل إليه الأموال من الشّام ومصر. وأنّ
стр. 11744
ذلك لا يتم مع بعده. وصاهره فزوج ابنه بابنة محمد بن رائق، وزوج مزاحم بن رائق ببنت محمد بن طُغْج [١] .
[محاربة البريديّ لبَجْكَم]
ثمّ خرج الوزير أبو الفتح إلى الشّام على البرّيّة، وقد استخلف على الحضرة عبد الله بن عليّ النُّقْريّ [٢] .
وسار ابن شيرزاد [٣] بين البريديّ وابن رائق في الصُّلْح، فكتبوا للبريدي بالعهد على البصرة، وأنّ يجتهد في أخذ الأهواز من أحمد بن بُوَيْه، وأنّ يحارب بَجْكَم [٤] .
فواقعَ عسكر البريديّ عسكر بَجْكَم فهزمه، فسُرَّ بذلك ابن رائق. ثمّ أرسل بَجْكَم إلى البريديّ: أنتَ قد اتّفقتَ مع ابن رائق عليّ وقد عفوتُ عنك، وأنا أعاهدك إن ملكتُ الحضرة أنّ أقلَّدَك واسطًا.
فسجد البريديّ شكرًا للَّه وحلف له واتّفقا [٥] .
[قطْع يد ابن مقلة]
وفيها قُطِعت يد ابن مقلة. وسببه أنّ محمد بن رائق لمّا صار إليه تدبير المملكة قَبَضَ على ضياع ابن مقلة وابنه، فسأله ابن مقلة إطلاقَها، فوَعده ومَطَلهُ. فأخذ ابن مقلة في السَّعْي عليه من كلّ وجهٍ، وكتب إلى بَجْكَم يُطْمِعه في الحضرة، وكتب إلى الرّاضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق، ويضمن له إذا فعلَ ذلك وأعاده إلى الوزارة أنّه يستخلص له منه ثلاثة آلاف ألف دينار.
وأشار باستدعاء بَجْكَم ونصبه في بغداد. فأصغى إليه، فكتب ابن مقلة إلى بَجْكَم يخبره ويحثّه على القدوم.
стр. 11745
واتّفق معهم أنّ ابن مقلة ينحدر سرًّا إلى الرّاضي ويقيم عنده، فركب من داره، وعليه طَيْلَسان، في رمضان في الليل. فلمّا وصل إلى دار الخليفة لم يُمَكَّن، وعُدِلَ به إلى حُجْرة فحُبِس بها. وبعث الرّاضي إلى ابن رائق فأخبره.
فتردَّد الرُّسُل بينهما أسبوعين، ثمّ أظهر الخليفة أمره، واستفتى القُضاة في أمرِه، وأفشى ما أشار به ابن مقلة من مجيء بجكم وقبض ابن رائق.
فيقال أنّ القضاة، أفْتوا بقطع يده، ولم يصحّ.
ثمّ أخرجه الرّاضي إلى الدِّهْليز، فقطعت يدُه بحضرة الأمراء [١] .
[رواية ابن سِنان عن ابن مقلة]
قال ثابت بن سِنان [٢] : فاستدعاني الرّاضي وأمرني بالدّخول عليه وعلاجه، فدخلت، فإذا به جالس يبكي، ولونه مثل الرصاص، فشكا ضَرَبَان ساعِده.
فطلبتُ كافورًا، وطليتُ به ساعدَه فسَكَن. وكنتُ أتردد عليه، فعرضَتْ له عِلّه النُّقْرُس في رِجْلهِ.
ثمّ لمّا قرُب بَجْكَم من بغداد قطع ابن رائق لسان ابن مقلة [٣] ، وبقي في الحبْس مدة، ثمّ لحِقَه ذِرب وشقي إلى أنّ مات بدار الخلافة [٤] .
стр. 11746
وقد وَزَرَ ثلاث مرّات لثلاثة من الخلفاء [١] . ومات سنة ثمانٍ وعشرين، وهو صاحب الخطّ المنسوب.
[دخول بَجْكَم بغداد وتلقيبه: أمير الأمراء]
ثمّ أقبل بَجْكَم في جيوشه وضعُفَ عنه محمد بن رائق، فاستتر ببغداد، ودخلها بَجْكَم في ذي القعدة، فأكرمه الرّاضي ورفع منزلته، ولقّبه «أمير الأمراء» ، وانقضت أيّام محمد بن رائق [٢] .
[كتاب ملك الرّوم إلى الخليفة بالهدنة]
وفيها ورد كتابٌ من ملك الرّوم. والكتابة بالذّهب، وترجمتها بالعربيّة الفضّة، وهو: «من رومانس وقسطنطين وإسطانوس [٣] عظماء ملوك الرّوم، إلى الشّريف البهيّ ضابط سُلْطان المسلمين.
«بسم الأب والابن وروح القُدُس الإله الواحد، الحمد للَّه ذي الفضل العظيم، الرّؤوف بعباده، الّذي جعل الصلحَ أفضل الفضائل، إذ هو محمود العاقبة في السّماء والأرض. ولمّا بَلَغنا ما رُزقته أيّها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل وتمام الأدب، واجتماع الفضائل أكثر ممّن تقدَّمكَ من الخلفاء، حَمَدْنا الله ... » وذكر كلامًا يتضَّمن طلب الهُدْنَة والفِداء. وقدَّموا تقدمةً سنّية.
فكتب إليهم الرّاضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ثُوَابة، بعدَ البَسملة: «مِن عبد الله أبي العبّاس الإمام الرّاضي باللَّه أمير المؤمنين إلى رومانس وقسطنطين
стр. 11747
وإسطانوس رؤساء الرّوم. سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى وتمسَّك بالعُروة الوُثْقى وسلكَ سبيل النّجاة، والزُّلفى» . وأجابهم إلى ما طلبوا [١] .
[تقلد بَجْكَم إمارة بغداد وخراسان]
وفيها قلَّدَ الرّاضي بَجْكَم إمارة بغداد وخُراسان. وابن رائق مستتر [٢] .
[امتناع الحجّ]
لم يحجّ أحد [٣] .
[انتصار ابن حمدان على الدّمُسْتُق]
وفيها كانت ملحمة عظيمة بين الحسن بن عبد الله بن حمدان وبين الدّمُسْتُق، ونَصْر الله الإسلام، وهربَ الدّمُسْتُق. وقُتِل من النَصارى خلائق، وأخذ سرير الدّمستق وصليبه [٤] .
стр. 11748
سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
[الحرب بين بَجْكَم وابن حمدان]
فيها سافَرَ الرّاضي وبَجْكَم لمحاربة الحسن بن عبد الله بن حمدان، وكان قد أخّر الحمل عن ما ضمنه من الموصل والجزيرة. فأقام الرّاضي بتكريت، ثمّ التقى بَجْكَم وابن حمدان، فانهزم أصحاب بَجْكَم وأُسرَ بعضهم فَحقّق [١] بَجْكَم الحملَة بنفسه، فانهزم أصحاب ابن حمدان. واتبعه بَجْكَم إلى أنّ بلغ نصّيبين فأقام بها، وهرب ابن حمدان إلى آمِد، وسار الرّاضي إلى الموصل [٢] .
[انضمام القرامطة إلى ابن رائق]
وكان في جُنْد بَجْكَم طائفة من القرامطة، وبقوا مع الرّاضي، فلحقتهم الطّائفة بتكريت، فذهبوا مغاضبين إلى بغداد. وظهر محمد بن رائق من استتاره فانضمّوا إليه، وكانوا ألف رجل [٣] .
وقيل إنّ الرّاضي إنما سارع إلى الموصل خوفًا منهم، فدخلها في صفر، فاستناب بَجْكَم قوادَة على نصيبين وديار ربيعة، وعاد إلى الموصل وهو قلِق مِن أمر ابن رائق [٤] .
стр. 11749
[الفتنة بين أهل الموصل وجُنْد بَجْكَم]
وبعد أيّام وقعت فتنة بين المواصلة وجُنْد الأمير بَجْكَم، فركب بَجْكَم ووضع السّيف في أهلِ الموصل، وأحرق فيها أماكن.
[مسير ابن حمدان إلى نصيبين]
وسار ابن حمدان إلى نصيبين فهربَ عُمّال بَجْكَم عنها، وأخذ أصحابه يتسلّلون إلى ابن رائق. ثمّ طلب ابنُ حمدان من بَجْكَم الصُّلح، فما صدَّق به، وبعث إليه بعهده [١] .
[تقلُّد ابن رائق الفُرات وجُنْد قِنَّسرين]
وأما ابن رائق فهرَّبَ أصحاب السُّلطان ببغداد وهزمهم، وراسَل والدَه الرّاضي وحُرَمه رسالةً جميلة [٢] ، وراسل الرّاضي وبَجْكَم يلتمس الصُّلح وأنّ يُقلَّد الفُرات وجُنْد قِنَّسرين ويخرج إليها. فأجِيبَ إلى ذلك، فسارَ ابن رائق إلى الشّام [٣] .
[إهلاك عبد الصّمد بن المكتفي]
وفيها أُهلِكَ عبد الصّمد بن المكتفيّ لكونه راسَلَ ابن رائق في ظهوره أن يقلّد الخلافة [٤] .
[مصاهرة بَجْكَم لابن حمدان]
وفيها صاهر بَجْكَم الحسن بن عبد الله بن حمدان [٥] .
стр. 11750
[موت ابن الفُرات]
وفيها مات الوزير أبو الفتح الفضل بن الفُرات بالرملة [١] .
[مصالحة البريديّ وبَجْكَم]
وفيها وقع الصُّلح على أنّ يضمن البريديّ من بَجْكَم واسطًا في السنة بستّمائة ألف دينار [٢] .
[وزارة البريديّ]
وفيها استوزر الرّاضي أبا عبد الله أحمد بن محمد البريديّ. أشارَ عليه بذلك ابن شيرزاد، وقال: نكتفي شرّه. فبعث الرّاضي قاضي القضاة أبا الحسن عمر بن محمد بن يوسف القاضي إليه بالخِلَع والتّقليد [٣] .
[إطلاق الطريق للحجّاج]
وفيها كتب أبو عليّ عمر بن يحيى العلويّ إلى القَرْمَطِيّ، وكان يحبّه، أن يطّلِق طريق الحاجّ، ويعطيه عن كلّ جمل خمسة دنانير. فأذِن، وحجَّ النّاس، وهي أولُ سنة أُخِذَ فيها المكس من الحجّاج [٤] .
стр. 11751
سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
[انهزام الدّمُسْتُق]
في أوّلها وَرَدَ الخبر بأنّ عليّ بن عبد الله بن حمدان لقي الدّمُسْتُق، فهزمَهُ عليّ [١] .
[زواج بَجْكَم ببنت البريديّ]
وفيها تزَّوج بَجْكَم بسارة [٢] بنت الوزير أبي عبد الله البريديّ.
[وفاة قاضي القضاة ابن يوسف]
وفي شعبان تُوُفّي قاضي القضاة، أبو الحُسَين عمر بن محمد بن يوسف، وقُلَّدَ مكانه ابنه القاضي أبو نَصْر يوسف [٣] .
[وزارة ابن مَخْلَد]
وفيها سارَ بَجْكَم إلى الجبل وعاد، وفسد الحالُ بينه وبين الوزير البريديّ
стр. 11752
لأمورٍ، فَعَزل بَجْكَم الوزيرَ، واستوزر أبا القاسم سليمان بن مَخْلَد [١] . وخرج بَجْكَم إلى واسط [٢] .
[انهزام ابن رائق أمام الإخشيد]
وفي رمضان ملك محمد بن رائق حمص، ودمشق، والرملة، وإلى العريش، ولقِيه محمد بن طُغْج الإخشيد فانهزم الإخشيد، ووقع جُنْد ابن رائق في النّهب، فخرجَ عليهم كمين ابن طُغْج فهزمهم، ونجا ابن رائق إلى دمشق في سبعين رجلًا [٣] .
[موت ابن مقلة والخصيبي]
وفي شوّال مات أبو عليّ ابن مقلة [٤] ، وأبو العبّاس أحمد بن عُبَيْد الله الخُصيبيّ اللَّذَين وزرا [٥] .
[مصالحة الإخشيد لابن رائق بعد مقتل ابنه]
وفيها واقع محمد بن رائق أبا نَصْر بن طُغْج في أرض اللَّجُون، فانهزم أصحاب ابن طُغْج، واستؤسر وجوه قُوّاده، وقُتِل في المعركة. فعزَّ ذلك على ابن رائق وكفَّنه، وأنفذ معه ابنه مزاحمًا إلى الإخشيد محمد بن طُغْج يعزّيه في أخيه، ويحلف أنّه ما أراد قتله، وأنّه أنفذ إليه ولده مزاحمًا ليقيّده به. فشكره وخلع على مزاحم وردّه، واصطلحا على أنّ يُفرج ابن رائق عن الرّملة للإخشيد، ويحمل إليه الإخشيد في السنة مائة وأربعين ألف دينار [٦] .
стр. 11753
[غَرَق بغداد]
وفي شعبان غرقت بغداد غرقا عظيمًا، حتّى بلغت زيادة المّاء تسعة عشر ذراعًا. وغرق النّاس والبهائم، وانْهَدَمت الدُّور، فلِلّهِ الأمر [١] .
[غزوة ابن حمدان بلاد الرّوم]
وفيها غزا سيف الدين عليّ بن حمدان بلاد الرّوم، وجَرَت له مع الدّمُسْتُق وقعات ينَصْر الله فيها المؤمنين [٢] ، وله الحمد.
стр. 11754
سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
[عُزِل بَجْكَم لابنّ شيرزاد ومصادرته]
فيها عزْل بَجْكَم ابن شيرزاد عن كتابته، وصادره على مائةٍ وخمسين ألف دينار [١] .
[وفاة الرّاضي باللَّه]
وفي ربيع الأوّل اشتدّت عِلّة الرّاضي باللَّه، وقَاءَ في يومين أرطالًا من دم [٢] ، وماتَ. وبويع المتّقي للَّه أخوه.
وكان الرّاضي سَمحا كريمًا أديبًا شاعرًا فصيحًا، محبًا للعلمّاء. سمع مِن البَغَويّ، وله شِعُر مدوَّن [٣] .
قال الصُّولِيُّ [٤] : سئل الرّاضي أن يخطب يوم جمعة، فصعِدَ المِنْبر بسُرَّ من رأى، فحضرت أنا وإسحاق بن المعتمد. فلمّا خطب شنَّف الإسماعَ وبالَغَ في الموعظة. ثمّ نزل فصلّى بالنّاس.
стр. 11755
وقيل إنّ الرّاضي استسقى وأصابَه ذِرب عظيم. وكان من أعظم آفاتِه كثْرة الْجِماع [١] .
تُوُفّي في منتصف ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف. ودُفِن بالرَّصافة. وهو آخر خليفة جالس النُّدماء [٢] .
خِلافَة المتَّقي
وقال الصُّوليّ: لمّا مات الرّاضي، كان بَجْكَم بواسط، وبلغه الخبر، فكتب إلى كاتبه أبي عبد الله أحمد بن عليّ الكوفيّ يأمره أنّ يجمع القُضاة والأعيان بحضرة وزير الرّاضي أبي القاسم سليمان بن الحسن ويشاورهم فيمن يصلُح [٣] .
وبعث الحُسين بن الفضل بن المّأمون إلى الكوفيّ بعشرة آلاف دينار له، وبأربعين ألف دينار ليفرِّقها في الْجُنْد إنّ ولّاه الخلافة، فلم ينفع.
ثمّ إنّهم اتّفقوا على أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر، فأحدروه من داره إلى دار الخلافة لعشْرٍ بقين مِن الشهر، فَبَايعوه وهو ابن أربعٍ وثلاثين سنة.
وأُمُّهُ أمَة اسمها خَلُوب، أَدْرَكَتْ خلافته. وكان حسن الوجه، معتدل الخَلْق بحُمْره، أَشْهل العين، كَثّ اللِّحية. فصلّى ركعتين وصعِد على السّرير، وبايعوه، ولم يغيّر شيئًا قط، ولم يَتَسَرَّ على جاريته الّتي له [٤] .
وكان كثير الصّوم والتّعبّد، لم يشرب نبيذًا قط. وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف [٥] .
стр. 11756
[إقرار سليمان بن الحسن في الوزارة]
وأقرَّ في الوزارة، على ما قال ثابتُ، الوزيرَ سليمان بن الحسن [١] .
وإنما كان له الاسم، والتّدبير للكوفيّ، كاتب بَجْكَم [٢] .
[حجابه الطولونيّ]
واستحجبَ المتّقي سلامة الطِّولونيّ [٣] .
[ولاية المظالم]
وولّى عليَّ بن عيسى المظالم [٤] .
[سقوط القبة الخضراء بمدينة المنصور]
وفي سابع جُمَادَى الآخرة سقطت القُبّة الخضراء بمدينة المنصور [٥] .
وكانت تاج بغداد ومَأْثرة بني العبّاس [٦] .
فذكر الخطيب في تاريخه [٧] أنّ المنصور بناها ارتفاع ثمانٍين ذراعًا، وأنّ تحتها إيوانًا طوله عشرون ذراعا في مثلها.
стр. 11757
وقيل: كان عليها تمثال فارس في يده رمُحْ. فإذا استقبل جهةً عُلمَ أنّ خارجيًّا يظهر من تلك الجهة. فسقط رأسُ هذه القبّة في لَيْلَةٍ ذات مطر ورعد [١] .
[الغلاء والوباء ببغداد]
وكان فيها غلاء مُفْرط ووباء عظيم ببغداد، وخرج النّاسُ يستسقون وما في السّماء غَيم، فرجعوا يخوضون الوحل [٢] .
واستسقى بهم أحمد بن الفضل الهاشميّ [٣] .
[وزارة ابن ميمون الكاتب]
وفيها عُزِل المتّقي للَّه الوزيرَ سليمانَ واستوزَرَ أبا الحُسين أحمد بن محمد ابن ميمون الكاتب [٤] .
[وزارة البريديّ]
وقدِم أبو عبد الله البريديّ مِن البصرة، فطلب الوزارة، فأجابه المتّقي.
وصار إليه ابن ميمون فأكرمه [٥] .
وكانت وزارة ابن ميمون شهرًا [٦] ، فشَغَب الْجُنْد على أبي عبد الله يطلبون أرزاقهم، فهرب من بغداد بعد أربعة وعشرين يوما [٧] .
стр. 11758
[وزارة القراريطيّ]
فاستوزَر المتّقي أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافيّ المعروف بالقراريطيّ، وعُزِل بعد ثلاثة وأربعين يومًا [١] .
[وزارة الكْرخيّ]
وقُلِّدَ ابن القاسم الكْرخيّ، وعُزِل بعد ثلاثة وخمسين يوما [٢] .
[تقليد كورتكين إمرة الأمراء]
وفيها قلَّدَ المتّقي إمرة الأمراء كورتكين [٣] الدّيلميّ.
[تقليد بدر الحجابة]
وقلّد بدرا الخرشنيّ الحجابة [٤] .
стр. 11759
[مقتل بَجْكَم التّرْكيّ]
وفيها قُتِل بَجْكَم التّرْكيّ أبو الخير. وكان قد استوطن واسطًا، وقرَّر مع الرّاضي أنّه يحمل إليه في العام ثمانمائة ألف دينار. وأظهرَ العدلَ وبنى دار الضّيافة للضّعفاء بواسط. وكان ذا أموالٍ عظيمة. وكان يُخْرجها في الصّناديق، ويخرج الرجال في صناديق أُخَر على الجمال إلى البرّ، ثمّ يفتح عليهم فيحضرون ويدفن المّال، ثمّ يعيدهم إلى الصّناديق، فلا يدرون أين دُفِنوا، ويقول: إنما أفعل هذا لأنيّ أخاف أنّ يُحال بيني وبين داري. فَضَاعت بموته الدّفائن [١] .
قال ثابت بن سِنان: لمّا مات الرّاضي استدعى بَجْكَم والدي إلى واسط، فقال: إني أريد أنّ أعتمد عليك في تدبير بَدَني، وفي أمرٍ آخر أهمّ من بدني، وهو تهذيب أخلاقي. فقد غَلَبَ عليّ الغضب وسوء الخُلُق، حتّى أخرج إلى ما أندم عليه من قتلٍ وضَرْب.
فقال: سمعًا وطاعة.
فحَّدثه بكلامٍ جيد في مُداراة نفسه بالتأني إذا غضب، وحضّه على العفو.
وكان جيش البريديّ قد وصل إلى المَذَار [٢] ، فأنفد بَجْكَم كورتكين وتوزون للقائم، فالتقوا على المذار في رجب، فانكسر أصحاب بَجْكَم وراسلوه يستمدّونه، فخرج من واسط. فأتاه كتابٌ بنَصْر أصحابه، فتصيّد عند نهر جور، وهناك قوم أكراد مياسير، فَشَره إلى أخذ أموالهم، وقَصَدهم في عَدَدٍ يسيرٍ من غلمّانه وهو مُتَخَفٍّ. فهرب الأكراد منه، وبقي منهم غلام أسود، فطعنه برمح، وهو لا يعلم أنّه بَجْكَم، فقتله لتسع بقين من رجب [٣] .
стр. 11760
وخامرَ معظم جُنْده إلى البريديّ، وأخذ المتّقي من داره ببغداد حواصله، فحصَل له مِن ماله ما يزيد على ألفي ألف دينار [١] . فصار توزون وكورتكين وغيرها من كبار أصحابه إلى الموصل [٢] ، ثمّ إلى الشّام، إلى محمد بن رائق. واستدعاه المتّقي إلى الحضرة.
[مسير ابن رائق إلى بغداد]
فسارَ ابنُ رائق من دمشق في رمضان، واستخلف على الشّام أحمد بن عليّ بن مقاتل. فلمّا قرُب من المَوْصل كتب كورتكين إلى القائد أصبهان ابن أخيه بأنّ يصعد من واسط، فصعَد ودخل بغداد [٣] ، فخلع عليه المتّقي وطوّقه وسوّره [٤] .
وحَمَل الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى ابن رائق مائة ألف دينار من غير أنّ يجتمع به. فانْحَدر ابنُ رائق إلى بغداد [٥] .
[خطبة البريديّ لابن رائق]
وخطب البريديّ بواسط والبصرة لابن رائق وكتب اسمه على أعلامه وتراسه [٦] .
[الحرب بين ابن رائق وكورتكين]
ثمّ وقع الحرب بين ابن رائق وكورتكين على بغداد أيّامًا، في جميعها الدّبُرة على ابن رائق [٧] . وجرت أمور.
стр. 11761
ثم قوي ابن رائق، ثمّ دخل بغداد، وأقام كورتكين بعُكْبرا، وذلك في ذي الحجّة، ودخل على المتّقي للَّه، فلمّا تنصف النهار وثب كورتكين على بغداد بجيشه وهم في غايةِ التهاون بابن رائق، يسمون جيشه القافلة، وكان نازلًا بغربيّ بغداد، فعزم على العَود إلى الشّام. ثمّ تثبّت فعبرَ في سفينه إلى الجانب الشرقيّ ومعه بعض الأتراك، فاقتتلوا، فبينما هم كذلك أخذتهم زعقات العامّة من ورائهم، ورموهم بالآجُرّ، فانهزم كورتكين واختفى، وقُتِل أصحابُه في الطُّرُقات [١] .
وظهر الكوفيّ، فاستكتبه ابن رائق [٢] .
[أسر قادة الدَّيْلَم]
واستأسرَ ابنُ رائق من قوّاد الدَّيْلَم بضعة عشرة، فضرَب أعناقهم وهربَ الباقون، ولم يبقَ ببغداد من الدَّيْلَم أحد. وكانوا قد أكثروا الأذِيّة [٣] .
[إمرة الأمراء لأبنّ رائق]
وقُلَّدَ ابنُ رائق إمرة الأمراء، وعظم شأنه [٤] .
стр. 11762
سنة ثلاثين وثلاثمائة
[حبْس كورتكين في دار ابن رائق]
في المحرَّم وُجِدَ كورتكين الدَّيْلَميّ في درب، فأُحضر إلى دار ابن رائق وحُبِس [١] .
[الغلاء العظيم ببغداد]
وفيها كان الغلاء العظيم ببغداد، وأبيع كرّ القمح بمائتي دينار وعشرة دنانير، وأكلوا الميتة، وكثُر الأموات على الطُرُق، وعمَّ البلاء [٢] .
[انتشار الجوع]
وفي ربيع الآخر خرجَ الحُرَم من قصر الرصّافة يستغيثون في الطُّرُقات:
الجوع الجوع [٣] .
[خروج الأتراك إلى البريديّ]
وخرج الأتراك وتوزون، فساقوا إلى عند البريديّ إلى واسط [٤] .
стр. 11763
[وصول الرّوم إلى حلب]
وفيها وصلت الرّوم إلى بلد حلب إلى صوّص [١] ، وهي على ستّ فراسخ من حلب، فأخربوا وأحرقوا، وسبوا عشرة آلاف نسمة [٢] .
[وزارة البريديّ]
وفيها استوزر المتّقي أبا عبد الله البريديّ، برأي ابن رائق لمّا رأى انضمام الأتراك إليه، فاحتاج إلى مداراته [٣] .
[تقلَّدَ الخِرقيّ القضاء]
وفيها تقلَّدَ قضاء الجانبين ومدينة أبي جعفر أبو الحسن أحمد بن عبد الله ابن إسحاق الخِرقيّ التّاجر، وتعجَّب النّاسُ من تقليد مثله [٤] .
[تقليد القراريطيّ الوزارة]
وفيها عُزِل البريديّ، وقُلَّدَ القراريطيّ الوزارة [٥] .
[خروج المتّقي لقتال البريديّ]
وفي حادي عشر جُمَادَى الأولى ركب المتّقي ومعه ابنه أبو منصور، ومحمد بن رائق، والوزير القراريطيّ، والجيش، وساروا وبين أيديهم القُرّاء في المصاحف لقتال البريديّ. ثمّ انحدر من الشّمّاسيّة في دجلة إلى داره، واجتمع
стр. 11764
الخلْق على كرسيّ الجسر، فثقل بهم وانخسف، فغرق خلقٌ. وأمر ابن رائق بلعن البريديّ على المنابر [١] .
[دخول البريديّ بغداد وانتهابها]
وأقبل أبو الحُسين عليّ بن محمد أخو البريديّ إلى بغداد وقاربَ المتّقي وابن رائق، فهزمهما، وكان معه الترك والدَّيْلَم والقرامطة، وكثر النّهْبُ ببغداد.
وتحصّن ابن رائق، فزحفَ أبو الحُسين البريديّ على الدّار، واستفحل الشّرّ.
ودخل طائفة من الدَّيْلَم دار الخلافة، فقتلوا جماعة، وخرجَ المتّقي وابنه هاربين إلى الموصل ومعهما ابن رائق [٢] .
واستتر القراريطيّ [٣] .
ونهبت دار الخلافة، ودُخِل على الحُرم [٤] .
ووجدوا في السّجن كورتكين الدَّيْلَميّ، وأبا الْحَسَن بن سنجلا، وعليّ بن يعقوب. فجيء بهم إلى أبي الحسين، فقيَّد كورتكين، وبعث به إلى أخيه إلى البصرة، فكان آخر العهد به [٥] ، وأطلق الآخران.
стр. 11765
ثمّ نزل أبو الحسين بدار ابن رائق، وقلَّدَ توزون الشّرطة [١] ، وأبا منصور تورتكين [٢] الشرطة بالجانب الغربيّ.
[انتهاب بغداد والغلاء بها]
ونُهبت بغداد، وهُجِّجَ أهلُها من دُورهم. واشتدّ القحط حتّى أبيع ببغداد كرّ الحنطة بثلاثمائة وستّة عشر دينارا، وهلك الخلْق. وكان قحطًا لم يُعْهَد ببغداد مثله أبدا [٣] . هذا والبريديّ يصادر النّاس [٤] .
[وقعة الأتراك والقرامطة]
ثمّ وقعت وقعة بين الأتراك والقرامطة، فانهزم القرامطة [٥] .
[ازدياد دجلة]
وزادت دجلة حتّى بلغت في نَيْسان عشرين ذراعًا، وغرقت النّاس [٦] .
[محاربة أهل بغداد للدَّيْلَم]
ثمّ تناخى أهلُ بغداد لِمَا تمّ عليهم من جُور الدّيلم، ووقع بينهم وبينهم الحرب [٧] .
[الحرب بين الأتراك والبريديّ]
ثمّ اتّفق توزون وتورتكين [٨] والأتراك على كبس البريديّ. ثمّ غدر تورتكين [٨] فبلغ البريديّ الخبرُ فاحترز [٩] .