أَبُو الْحَسَن البصريّ العطّار.
حدَّث بدمشق عَنْ: محمد بْن زكريّا الغُلابيّ، وإبراهيم بْن فهد، وأبي مُسلْمِ الكَجّيّ، والحسين بْن حُمَيْد بْن الرّبيع.
وعنه: تمّام الرّازيّ، وصدقة بن الدّلم، وأبو الخير أَحْمَد بْن عَلِيّ الحمصيّ.
٨٢٨- مُوسَى بْن سعَيِد الحنْظَليّ الهَمَذَانيّ [١] .
سَمِعَ: يحيى الكرابيسيّ، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الصّائغ، وبشْر بْن مُوسَى.
وعنه: صالح بن أحمد الحافظ، وأبو بكر بْن المقرئ، وابن مَنْدَه، والحاكم.
وكان يفهم هذا الشأن.
- حرف النون -
٨٢٩- نظيف بْن عَبْد اللَّه [٢] .
أَبُو الْحَسَن الحلبيّ المقرئ.
من جِلَّة المقرءين وكبارهم.
قرأ عَلَى: عَبْد الصمد بْن محمد العَيْنُونيّ [٣] سنة تسعين ومائتين ولم يكمل عَلَيْهِ. وسمع منه كتاب عَمْرو بْن الصّبّاح، عَنْ حفص.
وقرأ عَلَى: مُوسَى بْن جرير الرَّقّيّ، وأحمد بن محمد اليقطينيّ [٤] .
стр. 12497
أخذ عَنْهُ: عَبْد الباقي بْن الْحَسَن، وعبد المنعم بْن غلْبُون. قاله الدّانيّ.
- حرف الياء -
٨٣٠- يحيى بْن عَبْد اللَّه بْن الحارث [١] .
أَبُو بَكْر بْن الزّجّاج الْقُرَشِيّ الدّمشقيّ الكاتب.
سَمِعَ: زكريّا خيّاط السنة، وأنس بْن السلم، وجماعة.
وعنه: ابن منده، وتمام، وعبد الرحمن بن محمد بْن ياسر.
الكنى
٨٣١- أَبُو بَكْر الطَّمَسْتانيّ الفارسيّ [٢] .
من أعيان مشايخ الطّريق.
قَالَ السُّلَميّ [٣] : كَانَ منفردًا بحاله ووقته لا يشاركه فِيهِ أحد من المشايخ، ولا يُدانيه.
وكان الشّبْليّ يُجلُّهُ ويعرف لَهُ محلَّهُ.
صحِب إبْرَاهِيم الدّبّاغ، وغيره من مشايخ الفُرْس.
ورد نَيْسابور وتُوُفّي بها بعد سنة أربعين [٤] .
ومن كلامه: كلّ من استعمل الصّدق بينه وبين ربّه شغلهُ صدقُه مَعَ اللَّه عَنِ الْفراغ إلى خلق الله [٥] .
стр. 12498
وقال: من فضّل الفقر عَلَى الغِنَى أو الغِنَى عَلَى الفقر فهو مربوطٌ بهما، وهما محلّ علل [١] .
وقال: النّفس كالنّار إذا طفئ من جانب تأجَّج من جانب، وكذلك النَّفْس [٢] .
٨٣٢- أَبُو الْعَبَّاس الدِّينَوَرِيّ [٣] .
واسمه أَحْمَد بْن محمد.
صحِبَ: يوسف بْن الْحُسَيْن، وعبد اللَّه الخّراز، وأبا محمد الْجَريريّ. وهو مِن أفتى المشايخ [٤] .
أقام بنيسابور يعظ ويتكلّم بأحسن كلام.
وتوفّي بسمرقند بعد الأربعين [٥] .
ومن كلام أَبِي الْعَبَّاس: أدني الذِّكْر أن تنسى ما دونه، ونهاية الذِّكْر أن يغيب الذّاكر فِي الذكر عَنِ الذّكر، ويستغرق بمذكوره عَنِ الرّجوع إلى مقام الذّكْر. وهذا حالُ فناءِ الفناء [٦] .
٨٣٣- أَبُو الخير التّيناتيّ الأقطع [٧] .
стр. 12499
صاحب الكرامات رضي اللَّه تعالي عَنْهُ.
وهو من أهل المغرب. نزل تينات من أعمال حلب.
وكان أسود اللون، سيّدًا من سادات الكَوْن.
قِيلَ: اسمه حمّاد بْن عَبْد اللَّه.
صحِب أَبَا عَبْد اللَّه بْن الجلاء، وسكن جبل لُبنان مدّةً.
حكى عَنْهُ: محمد بْن عبد اللَّه الرّازيّ، وأحمد بْن الْحَسَن، ومنصور بْن عَبْد اللَّه، الأصبهانيّ، وغيرهم.
قَالَ السُّلَميّ: كَانَ ينسج الخُوص بإحدى يديه لا يُدرى كيف ينسجه وله آيات وكرامات، تأوي السّباع إِلَيْهِ وتأنس بِهِ [١] .
وقال القُشَيْريّ [٢] : كَانَ كثير الشّأن، لَهُ كرامات وفراسة جادّة.
قَالَ القُشَيْريّ [٣] : قَالَ أَبُو الْحُسَيْن القَيْروانيّ: زرتُ أَبَا الخير التّيناتيّ، فلمّا ودعته خرج معي إلى بَابِ المسجد فقال: يا أَبَا الْحُسَيْن أَنَا أعلم أنك لا تحمل معك معلومًا، ولكن احمل معك هاتين التُّفّاحتين.
قَالَ: فأخذتهما ووضعتهما فِي جيبي وسرتُ، فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أيّام، فأخرجتُ واحدةً وأكلتها، ثم أردتُ أن أخرج الثّانية فإذا هما فِي جيبي.
فكنتُ كلّما أكلت واحدة وجدتهما بحالهما إلى أن وصلت إلى باب الموصل، فقلت فِي نفسي إنّهما يفسدان عَلِيّ حال توكُّلي، فأخرجتهما من جيبي فنظرت،
стр. 12500
فإذا فقير مكفوف فِي عباءة يَقُولُ: أشتهي تفاحة.
فناولته إيّاهما. فلمّا عبرتُ وقع لي أنّ الشَّيْخ إنّما بعثهما إليه فرجعتُ فلم أجد الفقير.
وقال أَبُو نُعَيْم الحافظ [١] : ثنا غير واحد ممّن لقي أَبَا الخير يَقُولُ أن سبب قطع يده أنّه كَانَ عاهد اللَّه أن لا يتناول لشهوة نفسه شيئًا، فرأى يومًا بجبل لُكَّام [٢] شجرة زَعْرُور [٣] ، فأخذ منها غصنًا قطعه وأكل من الزَّعرُور، فذكر عهده فرماه. ثمّ كَانَ يَقُولُ: قطعتُ عضوًا من شجرة فقطع مني عضوًا.
وقال أَبُو ذَرٍّ عَبْد بْن أَحْمَد الحافظ: سَمِعْتُ ابن أَبِي الخير الأقطع بمصر يَقُولُ، وكان صالحًا، وسألته: لِمَ كَانَ أَبُوهُ أقطع؟ فذكر أنّه كَانَ عبدًا أسود قَالَ:
فضاق صدْري، فدعوتُ اللَّه فأُعْتِقتُ، فكنتُ أجيء إلى الإسكندريّة فأحتطب وأتقوَّت بثمنه. وكنتُ أدخل المسجد وأقف عَلَى الحلَق. فسهَّل اللَّه تعالي عَلَى لسانهم ما كنتُ أريد أن أسأل عَنْهُ فأحفظه وأعمل بِهِ فسمعتُ مرّةً حكاية يحيى بْن زكريّا ﵇ وما عملوا بِهِ، فقلت فِي نفسي: إن اللَّه أبتلاني بشيءٍ فِي يدي صبرتُ.
ثمّ خرجت إلى ثغر طَرَسُوس، وكنتُ آكل المباحات، ومعي جحفة وسيف. وكنتُ أقاتل العدوَّ مَعَ النّاس، فأواني الليل إلى غارٍ، فقلتُ فِي نفسي:
إنيّ أزاحم الطير في أكل المُبَاحات. فنويت أن لا آكل. فمررتُ بعد ذَلِكَ بشجرة، فقطعت منها شيئًا، فلمّا أردتُ أن آكلها ذكرتُ فرميته. ثمّ دخلت المغارة، فإذا قومٌ لصوص، فلم نلبث أن جاء صاحب الشرطة، فدخل الغار فأخذهم وأخذني معهم.
стр. 12501
قَالَ: ثمّ إنهم قدموني بعد أن قطعوا أيديهم، فلمّا قدُمت قَالَ اللّصوص:
لم يكن هذا الأسود معنا.
وكان أهل الثَّغر يعرفوني. فغطّى الله تعالى عنهم أمري حتى قطعوا يدي.
فلما مدّوا رِجْلي قلت: يا ربّ، هذه يدي قُطِعَتْ لعقدٍ عقَدْتُه، فما بال رِجْلي؟
قَالَ: فكأنّه كشف عَنْهُمْ فقالوا: هذا أَبُو الخير. واغتموا لي. فلمّا أرادوا أن يغمسوا يدي فِي الزَّيت امتنعتُ وخرجت، وبتُّ بليلة عظيمة، ونمت فرأيت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رسول اللَّه فعلوا بي وفعلوا. فأخذ يدي المقطوعة فقبّلها، فأصبحتُ لا أجدُ ألم الجرح [١] .
صَلَّى أَبُو الخير بأصحابه يومًا، فلمّا سلَّم قَالَ رجلٌ: لَحَنَ الشّيخ. فلمّا كَانَ نصف اللّيل خرج الرّجل ليبوّل، فرأي أسدًا والشّيخ يطعمه، فغُشيِ عَلَى الرجل. فقال الشَّيْخ: منهم من يكون لحْنُه فِي قلبه، ومنهم من يَلْحَن بلسانه.
رواها أَبُو سعْد السّمّان الحافظ عَنْ جماعة من شيوخه. ورواها الحاكم عَنْ أَبِي عثمان المغربيّ، وذكرها أَبُو القاسم القُشَيْريّ فِي الرسالة [٢] .
وقال أَبُو ذر الحافظ: سَأَلت عيسى كيف حديث السَّبُع؟ فقال: كَانَ أَبِي يخرج خارج الحصْن وثمَّ أجامٌ كثيرة وسِباع. وكان أبي يضربٌ السَّبع ويقول: لا تؤذي أصحابي.
فلمّا كَانَ ذات يومٍ قَالَ لي: ادخل القرية فأتنا بعَيْش فتركتُ ما أمرني بِهِ واشتغلت باللَّعِب مَعَ الصبيان وجئته العشاء، فغضب وقال: لأُبَيِّتَنَّك فِي الأَجَمَة.
فأخذني تحت إبطه وحملني إلى أجمةٍ بعيدة لا أهتدي للطّريق منها، ورماني ورجع. فلم أزل أبكي وأصيح، ثمّ أخذني النّوم فانتبهتُ سحرا، فإذا أَنَا بالسَّبُع إلى جنْبي وأبي قائمٌ يصلي. فلمّا فرغ قَالَ للسَّبُع: قُمْ فإنّ رزقك على الساحل. فمضى السّبع [٣] .
стр. 12502
وقال السُّلَميّ [١] : سَمِعْتُ منصور بْن عَبْد اللَّه الأصبهاني يَقُولُ: سمعتُ أَبَا الخير الأقطع يَقُولُ: دخلُت مدينة الرَّسُول ﷺ وأنا بفاقة، فأقمتُ خمسة أيّام ما ذقتُ ذواقا، فتقدَّمت إلى القبر، وسلمتُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وعلى أَبِي بَكْر وعمر وقلتُ: أَنَا ضيفك اللّيلة يا رسول اللَّه.
قَالَ: ونمتُ خلف المنبر، فرأيت فِي المنام رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وعليّ بين يديه. فحرَكني عَلِيّ وقال: قم قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فقمتُ إِلَيْهِ وقبّلتٌ بين عينيه، فدَفع إلي رغيفًا فأكلت نصفه، وانتبهتُ، فإذا فِي يدي نصف رغيف.
قَالَ السُّلَميّ: [٢] سَمِعْتُ جدّي إِسْمَاعِيل بْن بُجيْر يَقُولُ: دخل عَلَى أَبِي الخير الأقطع بعضُ البغداديين وقعدوا يتكلّمون بشطْحهم فضاقَ صدره، فخرج.
فلمّا خرج جاء السَّبُع فدخل البيت فسكتوا، وانضمّ بعضهم إلي بعض، فدخل أَبُو الخير فقال: أَيْنَ تِلْكَ الدَّعاوي؟
وعن أَبِي الْحُسَيْن بْن زيد قَالَ: ما كنّا ندخل عَلَى أَبِي الخير وفي قلبنا سؤال إلا تكلَّم علينا فِي ذَلِكَ الموضع.
ومن كلامه ﵁ قَالَ: ما بلغ احدٌ إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب وأداء الفرائض، وصُحْبة الصّالحين، وخدمة [٣] الفقراء الصّادقين [٤] .
وقال: حرام عَلَى قلبٍ مأسور بحبّ الدّنيا أن يسيح فِي رَوْح الغيوب [٥] .
стр. 12503
وقال السُّلَميّ: [١] سمعتُ أَبَا الأزهر يَقُولُ: عاش أبو الخير مائة وعشرين سنة، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة [٢] ، أو قريبا من ذلك، ﵀ ورضي عنه.
آخر الطبقة الخامسة والثلاثين من تاريخ الإسلام وعلّقته من خطّ مؤلّفه العلّامة الحافظ شمس الدين الذهبي ﵀ وشكر سعيه والحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى، وحسبنا الله ونعم الوكيل..
(بعون الله وتوفيقه تم تحقيق هذا الجزء من «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرّخ الإسلام شمس الدين الذهبيّ- ﵀ وتخريج أحاديثه وأشعاره، وضبط نصّه، وتصحيح أغلاطه، وتوثيق مادّته، والإحالة إلى مصادره، بقدر الاستطاعة، على يد طالب العلم وخادمه، الفقير إليه تعالى، وراجي عفوه، الحاج «أبو غازي» الأستاذ الدكتور «عمر عبد السلام تدمري» أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، الطرابلسي مولدا وموطنا، الحنفيّ مذهبا، ووافق الفراغ منه بعد ظهر يوم الأحد الواقع في الثاني من شهر جمادى الآخرة سنة ١٤١٢ هـ. (الموافق للثامن من شهر كانون الأول (ديسمبر) سنة ١٩٩١ م.) ، وذلك بمنزله في ساحة النجمة من مدينة طرابلس الشام المحروسة، حماها الله بعنايته، وأبقاها حصنا للإسلام وثغرا ورباطا للمسلمين، إنه على كل شيء قدير، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين) .
стр. 12504
[المجلد السادس والعشرون (سنة ٣٥١- ٣٨٠) ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة السادسة والثلاثون
حوادث سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة
فيها نقلت سنة خمسين وثلاثمائة من حَيث المُغَلات في سنة إحدى وخمسين الخراجية.
وكتب «الصّابي» [١] كتابًا عن «المطيع» [٢] في المعنى، فمنه: أنّ السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع بالتقريب، وأنّ الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا وكسْر، وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين على اختلاف مذاهبها. وفي كتاب الله شهادة بذلك. قال الله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ١٨: ٢٥ [٣] . فكانت هذه الزيادة بإزاء ذلك.
стр. 12505
فأمّا الفُرْس فإنّهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثني عشر شهرا، وأيامها ثلاثمائة وستون يومًا، ولقّبوا الشهور اثني عشر لقبًا، وسمُّوا الأيام بأسامي، وأفردوا الأيام الخمسة الزائدة وسمّوا المشرقة، وكسبوا الربع في كل مائة وعشرين سنة شهرًا، فلما انقرض مُلكهم بطل ذلك. وذكر كلامًا طويلًا حاصله تعجيل الخراج وحساب أيام الكسر.
قال «ثابت بن سنان» [١] : ودخلت الروم عين زَربه [٢] مع الدُّمُسْتُق في مائة وستين ألفًا، وهي في سفح جبل مُطِلٍّ عليها، فصعد بعض جيشه الجبل، ونزل هو على بابها، وأخذوا في نقب الصُّور، فطلبوا الأمان، فأمّنَهُم، وفتحوا له، فدخلها وقدّم جيشًا منهم، ونادى بأن يخرج جميع من في البلد إلى الجامع. فلما أصبح بثّ رجاله- وكانوا ستين ألفًا- فكلّ من وجدوه في منزله قتلوه، فقتلوا عالمًا لا يُحْصَى، وأخذوا جميع ما كان فيها.
وكان من جملة ما أخذوا أربعون ألف رمح. وقطع- لعنه الله- من حوالي البلد أربعين ألف نخلة [٣] ، وهدم البيوت وأحرقها. ونادى: مَن كان في الجامع فلْيذْهب حيث شاء، ومن أمسى فيه قُتل، فازدحم الناس في أبوابه، ومات جماعة ومرّوا على وجوههم حُفاةً عُراةً لا يدرون أين يذهبون، فماتوا في الطُّرُقات جوعًا وعطشًا، وأخرب السُّور والجامع، وهدم حولها أربعة وخمسين حصنًا، أخذ منها بالأمان جملة ومنها بالسيف. انتهى قول «ثابت» [٤] .
стр. 12506
ولما عاد إلى بلاده أعاد «سيف الدولة» عينَ زَربه [١] إلى بعض ما كانت، وظنّ أنّ الدُمُسْتق لا يعود إلى البلاد في العام فلم يستعدّ [٢] ، فبينا هو غافل وإذا بالدُمُسْتُق قد دَهَمه ونازل حلب ومعه ابن أخت الملك، فخرج إليه وحاربه، والدُمُسْتُق في مائتي ألفٍ بالرَّجَّالة وأهل إحصار، فلم يَقْوَ به سيف الدولة وانهزم في نفر يسير.
وكانت داره بظاهر حلب، فنزلها الدُمُسْتُق وأخذ منها ثلاثمائة وتسعين بدْرَة دراهم، وألفًا وأربع مائة بغْل، ومن السلاح ما لا يُحْصَى، فنهبها ثم أحرقها، وملك رَبَض حلب. وقاتله [٣] أهل حلب من وراء السور، فقتلوا جماعة من الروم، فسقطت ثُلمة من السور على جماعة من أهل حلب فقتلتهم، فأَكبّت الروم على تلك الثُلمة، فدافع المسلمون عنها، فلما كان الليل بنوها، ولما أصبحوا صعدوا عليها وكبّروا، فعدل الروم عنها إلى جبل جَوْشَن [٤] فنزلوا به، ومضى رَجّالة الشُّرط بحلب إلى بيوت الناس فنهبوها، فقيل لمن على السُّور: الحقوا منازلكم، فنزلوا وأَخْلُوا السُّور، فسوَّرته الروم ونزلوا ففتحوا الأبواب ودخلوها، فوضعوا السيف في الناس حتى كلّوا وملّوا، وسبوا أهلها وأخذوا ما لا يُحصى، وأخربوا الجامع، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، ولم يَنْجُ إلّا من صعد القلعة.
ثم ألحّ ابن أخت الملك في أخذ القلعة، حتى أنه أخذ سيفًا وترسًا وأتى إلى القلعة، ومَسْلَكُها ضيّق لا يحمل أكثر من واحد، فصعد وصعدوا خلفه. وكان في القلعة جماعة من الدَّيْلَم، فتركوه حتى قَرُب من الباب
стр. 12507
وأرسلوا عليه حجرًا أهلكه، فانصرف به خواصُّه إلى الدُمُسْتُق، وكان قد أسر من أعيان حلب ألفًا ومائتين فضرب أعناقهم بأسرهم، وردّ إلى أرض الروم ولم يردّ أهل القرى، وقال لهم: ازرعوا فهذا بلدنا، وبعد قليل نعود إليكم [١] .
وفيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية ولعنة من غَصَبَ فاطمةَ حقَّها من فَدَك [٢] ، ومَن منع الحَسَن أن يُدفن مع جدّه، ولعنة من نفي أبا ذَرٍّ. ثم إنّ ذلك مُحي في الليل، فأراد مُعِزُّ الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلّبي أن يُكتَب مكان ما مُحي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ، وصرّحوا بلعنة معاوية فقط [٣] .
وفيها أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج [٤] وكان واليها [٥] .
стр. 12508
[الوفيات]
وفيها تُوُفّي الوزير أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون المُهَلَّبي [١] من بني المهلّب بن أبي صُفْرة. [أقام] [٢] في وزارة معزّ الدولة ثلاث عشرة سنة.
وكان فاضلًا شاعرًا فصيحًا نبيلًا سمْحًا جوادا حليمًا ذا مروءة وأناة [٣] .
عاش أربعًا وستّين سنة، وصادر معزُّ الدولة أولاده من بعده، ثم استوزر أبا الفضل العبّاس ابن الحسن الشيرازي.
وفيها تُوُفّي المحدّث أبو محمد دَعْلَج [٤] بن أحمد بن دَعْلَج السِّجِسْتانيّ [٥] المعدّل نزيل بغداد.
والشيخ أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقّاش [٦] المقرئ صاحب التفسير.
وشيخ وقته أبو بكر محمد بن داود الدُّقّي [٧] الدّينوري الزاهد نزيل الشام.
стр. 12509
[حوادث] سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
يوم عاشورا. قال ثابت: ألزم معزّ الدولة الناسَ بغلْق الأسواق ومنْع الهّراسين والطبّاخين من الطبيخ، ونصبوا القباب في الأسواق وعلّقوا عليها المُسُوح، وأخرجوا نساءً منشَّرات الشعور مضجّات [١] يلطمن في الشوارع ويُقِمْن المآتمَ على الحسين ﵇، وهذا أول يوم نِيح عليه ببغداد [٢] .
وفيها قُلِّد القضاءَ بالعراق أبو البِشْر عمر بن أكثم على أن لا يأخذ رِزْقًا، وصُرِف ابن [٣] أبي الشوارب [٤] .
وفيها قُتل ملك الروم، وصار الدُمُسْتُق هو الملك واسمه نقفور [٥] .
وفيها أصاب سيفَ الدولة فالجٌ في يده ورِجْله، وكان دخل الرومَ ووصل إلى قريب، ثم عاد، وكان هبة الله ابن [٦] أخيه ناصر الدولة عنده بحلب، ثم إنه قتل رجلًا من أعيان النصارى، وساق إلى أبيه إلى الموصل.
стр. 12510
وفي ثامن عشر ذي الحجّة عُمل عيد غدير خُم [١] وضُربت الدبادب، وأصبح الناس إلى مقابر [٢] قريش للصلاة هناك، وإلى مشهد الشيعة.
قال ثابت بن سنان: وأنفذ بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة ومعهما أبوهما، والالتصاق كان في معدة الجنب، ولهما بطنان وسُرَّتان ومَعِدَتان، ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبَوْلهِما، ولكلّ واحدٍ كتِفان وذِراعان ويَدان وفَخذان وساقان وإحليل [٣] وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر إلى المُرْد.
قال القاضي التنوخي: ومات أحدهما وبقي أيامًا فأنْتَنَ، وأخوه حيّ، وجمع ناصر الدولة الأطبّاء على أن يقدروا على فصلهما فلم يمكن، ثم مرض الحيّ من رائحة الميت فمات [٤] .
[الوفيات]
وفيها تُوُفِّيت خَوْلَةُ أخت سيف الدولة بحلب، وهي التي رثاها المتنبي بقوله:
يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبِ ... كناية بهما عن أشرف النَّسبِ
стр. 12511
[حوادث] سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة
عمل ببغداد يوم عاشورا كعام أوّل إلى الضُّحى، فوقعت فتنة عظيمة بين السنة والرافضة، وجُرح جماعة ونُهب الناس [١] .
وفيها نزل الدُمُسْتُق على المَصِّيصَة في جيش ضخم، فأقام أسبوعًا ونقب السُّور في أماكن، وقاتَلَه أهلُها فضاقت بهم الأسعار، ثمّ رحل عنها بعد أن أهلك الضياع، وإنّما رحل لشدّة الغلاء فإنّ القحط كان بالشام والثغور [٢] .
وفيها بعثت القرامطة إلى سيف الدولة يستهدونه حديدا، فاشترى [٣] لهم شيئًا كثيرًا منه أبواب الرَّقَّةِ، وحمل إليهم في الفرات، ثم في البرّيّة إلى هجَر [٤] .
وفيها خرج مُعِزّ الدولة إلى المَوْصِل غضبانًا على ناصر الدولة، فلما
стр. 12512
وصل في الماء إلى بَلَد [١] كان قد لحقه برد [٢] شديد، فخلَّف بالموصل جماعة من الأتراك لِحفّظ [٣] البلد، وقصد نَصِيبيّن [٤] ، فسار ناصر الدولة إلى ميّافارقين [٥] ، فساق وراءه طائفة فخرج عن ميّافارقين ولا يُدْرَى أين ذهب، فرجعت الطائفة إلى مُعِزّ الدولة.
ثم جاء ناصر الدولة إلى الموصل واقتتل مع من فيها، فظهر وانتصر، فاستأمن إليه الدَّيْلَم، واستأسر جميع التُرْك، وأخذ حواصل مُعِزّ الدولة ونقله، فسار مُعِزّ الدولة يريد الموصل، وجرت لهم فصول. ثم اصطلحوا، وعاد مُعِزّ الدولة إلى بغداد خائبًا [٦] .
وفيها جاء الدُمُسْتُق إلى طَرَسُوس وأهدى هدايا إلى سيف الدولة، فاحتفل وجلس على سرير وعلى رأسه تاج [٧] .
وفيها عُمل لسيف الدولة خيمة عظيمة، ارتفاع عمودها خمسون ذراعًا.
[الوَفَيَات]
وفيها توفي بُنْدار بن الحسين الشيرازي الزاهد العارف بأرّجان [٨] .
стр. 12513
وأبو بكر محمد بن أحمد بن خروف المحدّث بمصر.
والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهانيّ بها.
والحافظ أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السَكَن البغداديّ بمصر.
والمحدّث أبو القاسم عليّ بن يعقوب بن أبي الغوث الدمشقيّ بها.
وأبو على محمد بن هارون بن شُعيب الأنصاري بدمشق.
وأبو عيسى بكار بن أحمد، أحد القُرَّاء المتقنين ببغداد.
стр. 12514
[حوادث] سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد مأَتَمُ الحسين كالعامَ الماضي [١] .
وفيها وثبت غلمان سيف الدولة على غلامه نجا الكبير وضربوه بالسيوف، وكان أكبر غلمانه ومُقَدَّم جيشه [٢] .
وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملكها وكانت لنجا [٣] .
وفيها تُوُفِّيت أخت مُعِزّ الدولة ببغداد، فنزل المطيع في طيّارة إلى دار مُعِزّ الدولة يعزّيه، فخرج إليه معزّ الدولة ولم يكلّفه الصعودَ من الطيّارة، وقبّل الأرض مَرات، ورجع الخليفة إلى داره [٤] .
وفيها بنى نقفور [٥] ملك الروم قَيْساريّة، بناها قريبا من بلاد المسلمين
стр. 12515
وسكنها ليغير كلّ وقت، وترك أبناءه بالقسطنطينية، فبعث أهل طَرَسُوس والمَصِّيصة إليه يسألونه أن يقبل منهم حِمْلًا كل سنة، ويُنْفِذ إليهم نائبا له يقيم عندهم، فأجابهم، ثم رأي أنّ أهل البلاد قد ضَعُفوا جدًّا وأنّهم لا ناصر لهم، وأنّهم من القحط قد أكلوا الميتة والكلاب، وأنّه يخرج كل يوم من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فبدا له في الإجابة، ثم أحضر رسولهم وقال: مَثَلُكُمْ مِثْل الحّية في الشتاء إذا لحقها البرد ضعُفَتْ وذبلت حتى يظنّ الظانّ أنّها ميّتة، فإذا أخذها إنسان وأحسن إليها ودفّاها انتعشت ولدغته قتلته، وأنا إنْ أترككم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيت بكم، ثم أحرق الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيته، وقال: قم، ما لهم عندي إلّا السيف. ثم سار بنفسه إلى المَصِّيصة ففتحها بالسيف في رجب، وقتل وسبى وأسر ما لا يُحصَى، ثم سار إلى طَرَسوس فحاصرها، فطلب أهلُها أمانًا، فأعطاهم، ففتحوا له، فدخلها، ولقي أهلَها بالجميل، وأمرهم بالخروج منها وأن يحمل كل واحد من ماله وسلاحه ما أطاق، ففعلوا، وبعث من يَخْفُرُهم إلى أنطاكية، وجعل الجامع إصطَبْلًا لدوابّه، وعمل فيها وفي المَصِّيصة جيشًا يحفظونهما وأمر بتحصينهما. وقيل رجع جماعة من أهل المَصِّيصة إليها وتنصّروا [١] .
وكان السبب في فتح المَصّيصة أنهّم هدموا سُورها بالثقوب، فأشار عليهم رجل بحيث أن يُخْرِجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك نقفور [٢] ، فأخرجوهم، فعَّرفه الأسارى بعدم الأقوات، وأطمعوه في فتحها، فزحف عليها. ولقد قاتل أهلها في الشوارع حتى أبادوا من الروم أربعة آلاف، ثم غلبوهم بالكثرة وقتلوهم وأخذوا من أعيانهم مائة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس، فأخرج أهل طَرَسُوس مَن عندهم من الأسرى فضربوا أعناقهم على باب البلد، وكانوا ثلاثة آلاف [٣] .
стр. 12516
وفيها حجّ الركبِ [١] من بغداد.
وفيها تُوُفّي شاعر زمانه أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي المتنّبي عن نيّف وخمسين سنة، قُتل بين شيراز وبغداد وأُخِذ ما معه من الذهب [٢] .
ومن بقايا سنة أربع اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طَرَسُوس، وتكاثرت عليهم جموع الروم، وضعُفَتْ عزائمهم بأخذ المَصِّيصة وبما هم عليه من القِلّة والغلاء، وعجز سيف الدولة عن نجدتهم، وانقطعت الموادّ عنهم. وطال الحصار وخُذِلوا، فراسلوا نقفور [٣] ملك الروم في أن يُسلّموا إليه البلد بالأمان على أنفسهم وأموالهم، واستوثقوا منه بأيمان وشرائط.
ودخل طائفة من وكلاء الروم فاشتروا منهم من البَزّ الفاخر والأواني المخروطة، واشتروا من الروم دوابّ كثيرة تحملهم، لأنه لم يبق عندهم دابّة إلا أكلوها [٤] ، وخرجوا بحريمهم وسلاحهم وأموالهم، فوافى فتح [٥] الثمليّ من مصر في البحر في مراكب، واتّصل بملك الروم خبرُهُ، فقال لأهل طَرَسوُس:
غدرتم! فقالوا: لا والله لو جاءت جيوش الإسلام كلها، فبعث إلى الثمليّ: يا
стр. 12517
هذا لا تُفْسِد [١] على القوم أمرهم، فانصرف، ثم عمل نقفور [٢] دعوة لكبار أهل البلد وخلع عليهم، وأعطاهم جملة وَخَفرهم بجيشه حتى حصّلوا ببغراس [٣] ، وحصل منهم خمسة آلاف بأنطاكية، فأكرمهم أهلها. ثم دخلت الروم مدينة طَرَسُوس فأحرقوا المنبر وجعلوا المسجد إِصْطَبْلًا [٤] .
وأما سيف الدولة فإنه سار إلى أرْزَن [٥] وأرمينية، وحاصر بَدْلِيس [٦] وخلاط، وبها أَخَوَا نجا غلامه عَصَيَا عليه، فتملّك المواضع ورَدَّ إلى مَيّافارقين [٧] . وعمد [٨] أهل أنطاكية وطردوا نائب سيف الدولة عنهم، وقالوا نُداري ببيت المال ملكَ الروم أو ننزح [٩] عن أنطاكية فلا مُقام لنا بعد طَرَسُوس، ثمّ إنّهم أَمَّروا عليهم رشيق النَّسَيْمِيّ [١٠] الذي كان على طَرَسوس، فكاتب ملك الروم على حمل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقّرر الأمر على حمل أربعمائة ألف درهم في السنة، وجعل على كل رأس من المسلمين والنصارى ثلاثين درهمًا [١١] . والأمر للَّه.
стр. 12518
ومن [١] سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
قدِم أبو الفوارس محمد بن ناصر الدولة من [٢] الأسر إلى ميّافارقين، أخذته أخت الملك لتُفادِي [٣] [به] ، فجاء ستة آلاف فنفّذ سيف الدولة أخاها في ثلاثمائة إلى حصن الهَتَّاخ [٤] فلما شاهد بعضهم بعضًا سرّح المسلمون أسيرهم [٥] في خمسة فوارس، وسرّح الروم أسيرهم [٥] أبا [٦] الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق وتعانقا، ثم صار كل واحد إلى أصحابه، فترجّلوا له وقبّلوا الأرض، ثم احتفل سيف الدولة لابن أخيه وعمل الخيل والمماليك والعْدَد التامّة، فمن ذلك مائة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهمَ [٧] .
وفيها قُتل رشيق النُّسَيْميّ، ويقال: لم يُقتل بل أصابته هَيْضَة وضعف
стр. 12519
وتَجَرَّى عليه غلام له فأمسك بعنانه فسقط من الفرس ميتًا وقُطع رأسه وحُمل إلى قرغُوَيْه [١] . وتغلّب على أنطاكية وزير الدَّيْلَمي وحارب قرغُوَيْه [٢] .
وطال مقام سيف الدولة بميّافارقين فأنفق في سنة وثلاثة أشهر: نيّفًا وعشرين ألف ألف درهم ومائتين وستين ألف دينار.
وتمّ الفٍداء في رجب، فخلّص من الأسر من بين أمير إلى راجل ثلاثة آلاف ومائتان وسبعون نفسًا. وتقرّر أمر أربعة أعوام. وأرسل أبو القاسم الحسين بن علي المغربي لتقرير ذلك ومعه هديّة بعشرة آلاف دينار منها ثلاثمائة مثقال مِسْك، وأنفق سيف الدولة على الفِداء ثلاثمائة ألف دينار. ثم قدم حلب وقدم عزم دِزْبَر [٣] صاحب أنطاكية على منازلة حلب، فقصده سيف الدولة ثم حمل عليه، فهرب دِزْبَر [٣] ، وقاتل رجّالته أعظم قتال [٤] ، وسيف الدولة قد شَهَرَ سيفَه يصيح في الناس، فانتصر وأسر طائفة، وغنِمَ جُنْدُه شيئًا كثيرًا، وردّ إلى حلب وصادر أعيان الأسرى الأنطاكيّين وأخذ خطوطهم بأموال عظيمة. وهرب دِزْبَر [٥] الدَّيْلَمي إلى بني كلاب فأسلموه، فوسَّطه سيف الدولة وأحرقه، وقتل وزراءه وأعوانه، وقطع أيدي جماعة، حتى قيل إنّه قتل نحو الخمسة آلاف رجل.
ثم كتب سيف الدولة يبشّر ولَدَه أبا المعالي بنصره على دِزْبَر [٥] يقول:
وقد أنجز الله وعده وأعزّ جُنْدَهُ ونصر عبده وأظفر ممن كان استشرى بالشام أمره، وغمر أهله غشمه وظلمه، دزبر [٥] الدَّيْلَميّ، ومحمد بن أحمد الأهوازي، وقد استوليا على مدن الشام وكاتبا الديلم من كل صقع، وتجمّع لهما عدد كثير من العرب وخلق من الثغريّين، وجبى الأموال واستغلب بأمر
стр. 12520
الفداء مدّة حتى لم يبق بأيدي الكفرة أسير، وللَّه الحمد.
ثم عبرت الفرات ونظرت في التقويم فوجدت الكسوف فتأمّلته على حسب ما أوجبه علم النجوم والمولد فكان نحسًا على أعدائنا، فقصدتهم [١] وهم على مرحلة من حلب بالناعورة، إلى ذكر هزيمتهم، ثم قال: ولا شهدت عسكرًا على كثرة مشاهدتي للحرب استولى على جميع رؤسائه وأتباعه مثْل هؤلاء، ولا غنم من عسكر مثل ما غنم منهم، وقد كنت ناديت بأن من جاء بدِزْبَر [٢] والأَهوازي فله كذا وكذا، فتعاقد طوائف على ذلك وجعلوهما وكْدَهُم فأسروهما، وقُيِّدا، إلى أن قال: ولا شكّ عندي في أنّ ما أنفق على الفداء نحو ثلاثمائة ألف دينار، فكّ الله بها ثلاثة آلاف وخمسمائة إنسان.
وفيها جرت بالرِّيّ فتنة هائلة بين ركن الدولة وبين الخُراسانية الغُزاة فقُتل من الفريقين نحو ثلاثة آلاف، وانتهب أهل الرِّيّ من الغزاة ألْفَيْ جملٍ محمَّلةٍ أمتعة، ثم ظفرت الغزاة ودخَلوا الرّيّ وضربوا جوانبها [٣] بالنّار، ثم طلب خلق منهم بالموصل، وذهب خلق منهم فوق العشرين ألفا إلى خويّ [٤] لو سلماس [٥] .
وفيها سار طاغية الروم بجيوشه إلى بلد الشام فعاث وأفسد، وأقام به نحو خمسين يومًا، فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة يقول: إن نقفور قد عَسْكَرَ بالدَّرب ومنع رسولنا المغربيّ أن يكتب بشيء وقال: لا أجيب سيف الدولة إلّا من أنطاكية، ليذهبْ من الشام فإنّه لنا ويمضي إلى بلده ويهادن
стр. 12521
عنه، وإنّ أهل أنطاكية راسلوا نقفور [١] وبذلوا له الطاعة وأن يحملوا إليه مالًا، وإنّه التمس منهم يد يحيى بن زكريا ﵉ والكرسيّ، وأن يدخل بيعة أنطاكية ليُصَلِّي فيها ويسير إلى بيت المقدس.
وكان الذي جرّ خروجه وأحنقه إحراق بيعة القدس في هذا العام.
وكان البَتْرَك كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قُصُورَ يده عن استيفاء حقوق البيعة، فكاتب متولّي القدس بالشدّ على يده، فجاءه من الناس ما لم يطق رفعه، فقتلوا البترك وحَرَّقُوا البَيْعَةَ وأخذوا زينتها، فراسل كافورُ طاغية الروم بأن يردّ البَيْعَةَ إلى أفضل ما كانت، فقال: بل أنا أبنيها بالسيف [٢] .
وأما ناصر الدولة فكتب إلى أخيه إنْ أحبَّ مسيرَه إليه سار، وإنْ أحبّ حِفْظَه ديارَ بكر سار إليها، وبثّ سراياه، وأصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب وشحنها، وانجفل الناس وعَظُم الغضبُ، وأَخْلِيتْ نَصٍيبّين.
ثم نزل عظيم الروم بجيوشه إلى منبج وحرق الربض [٣] وخرج إليه أهلها فأقرّهم ولم يؤذِهم. ثم سار إلى وادي بُطْنان [٤] .
وسار سيف الدولة متأخّرًا إلى قنسرين، ورجاله والأعراب قد ضيّقوا الخناق على الروم، فلا يتركون لهم علُوفة تخرج إلّا أوقعوا بها، وأخذت الروم أربعة ضياع بما حَوَتْ، فراسل سيفُ الدولة ملكَ الروم وبذل له مالًا يعطيه إيّاه في ثلاثة أقساط، فقال: لا أجيبه إلّا [أن] [٥] يُعْطيني نصفَ الشام، فإنّ طريقي إلى ناحية الموصل على الشام، فقال سيف الدولة: والله لا أعطيه ولا حجرًا واحدًا.
ثم جالت الروم بأعمال حلب، وتأخّر سيف الدولة إلى ناحية
стр. 12522
شيزر [١] ، وانكبّ [٢] العربان في الروم غير مرّة، وكسبوا ما لا يوصف.
ونزل عظيم الروم على أنطاكية فحاصرها ثمانية أيّام ليلًا ونهارًا وبذل الأمان لأهلها، فأبوا، فقال: أنتم كاتبتموني ووعدتموني بالطاعة، فأجابوا: إنّما كاتبنا الملك حيث كان سيف الدولة بأرمينية بعيدًا عنّا، وظننّا أنّه لا حاجة له في البلد، وكان السيف بين أَظْهُرِنا، فلما عاد سيف الدولة لم نُؤْثِر على ضبط أدياننا وبلدنا شيئًا. فناجَزَهُمُ الحربً من جوانبها، فحاربوه أشدّ حربٍ، وكان عسكره مُعْوِزًا من العلوفة.
ثم بعث نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قرغويه [٣] متولّي نيابة حلب بتفاصيل الأمور وبثبات الناس على القتال، وأنّا قد قتلنا جملةً من الروم، وأنّ المسلمين قد أثّروا في الروم وتشجعوا ونشطوا للقتال، وأنا ليلي ونهاري في الحرب لا أستقرّ ساعة، وأنّ اللعين قد ترحّل عنّا وترك الجسر.
وفيها أوقع تقي [٤] السيفي بسريّة للروم فاصطلموها، ثم خرج الطاغية من الدروب [٥] وذهب.
ثم جاء الخبر بأنّ نائب أنطاكية محمد بن موسى الصُّلَحيّ أخذ الأموال التي في الخزائن في أنطاكية مُعَدَّة وخرج بها كأنّه متوجّه إلى سيف الدولة، فدخل بلَدَ الروم مرتدًّا، فقيل: كان عزم على تسليم أنطاكية للملك فلم يُمكن لاجتماع أهل البلد على ضبطه، فخشي أن يُنَمَّ خبرُه إلى سيف الدولة فيتلفه، فهرب بالأموال.
وفيه قدم الغُزاة الخراسانية ميّافارِقين فتلقّاهم أبو المعالي بن سيف الدولة وبالغ في إكرامهم بالأطعمة والعلوفات ورئيسهم أبو بكر محمد بن عيسى.
стр. 12523
ومن سنة ست وخمسين وثلاثمائة
دخلت الخراسانية فغزوا بلد ابن [١] مَسْلَمَة وخرجوا بالسلامة والغنائم، وتصدّر أهل نَصِيبّين إلى ناصر الدولة بمصادرة العمّال، فأزال ضررهم وردّ إليهم كثيرًا من أموالهم، حتى قيل إنّه قال لهم: قد أبحت لكم دماء من ظلمكم.
وفيها رجع غزاة خُراسان إلى بلادهم، ودخل سيف الدولة إلى حلب ومعه قوم من الخراسانية. ومعهم فيل، فمات الفيل بعد أيام، فاتّهموا أنّ النّصارى سمَّتْهُ.
ومات سيف الدولة في صفر، وبُعِثَ بتابوته إلى عند قبر أمّه [٢] . وكان تُقَى [٣] مولى سيف الدولة أكبر الأمراء، وكان قد أخذ من أنطاكية مالًا كثيرًا، حتى ضجّ الناس منه، وشكوه إلى قرغُوَيْه الحاجب نائب حلب، فاجتاز بعده عن الشام، فرفق به حتى جاء إلى حلب، ونفّذه مع التابوت المذكور في
стр. 12524
سبعمائة فارس وراجل، وقال له: أقِمْ بديار بكر، فإنّها مملكة مفتقرة إلى مثلك.
فأجمع رأي أبي المعالي بن سيف الدولة على المجيء إلى حلب، فلما [وصل] [١] تُقي بالتابوت إلى ميّافارقين [٢] ، خرج أبو المعالي منها لتلقّيه، فصَعُب على تُقي، كون القاضي وابن سهل الكاتب وابن حلبة لم يترجّلوا [٣] له، فلمّا نزل قبض عليهم، فاضطرب لذلك البلد، فجهّزت والدة أبي المعالي إلى كبار الغلمان ولاطفتهم ففرَّقَتْهم عن تقى، قالوا: ما جئنا لنخرق بابن مولانا ولا لنقاتله، واجتمعوا على مخالفة تُقى، فلما أحسّ بذلك سار في حاشيته إلى ناحية أَرْزن، فلم يمكنه عبور النهر لزيادته، فرجع وتذلّل، فقبض عليه أبو المعالي وقيّده واعتقله بحصن كافا [٤] ، وأخذ منه سبعة وعشرين ألف دينار وثلاثمائة ألف درهم كانت معه.
وفيها قبض على الملك ناصر الدولة بن حمدان ولدُهُ تغلب، لأن أخلاقه ساءت، وظلم وعسف وقتل جماعة وشتم أولاده وتزايد أمره، فقبض عليه ابنه بشورة الدولة في جُمادى الأول ونفَّذه إلى قلعة، ورتب له كل ما يحتاج إليه، ووسّع عليه وقال: هذا قد اختلّ مِزاجُه [٥] .
وفي رجب دخل أبو المعالي حلب وفرح الناس به.
وفي هذه الأيام نزلت الروم على رعبان [٦] ، فسار عسكر حلب للكشف
стр. 12525
عنها، فدخل ملك الروم، ثم سار عسكر حلب فنزلوا على حصن سرجون فافتتحوه بعد أيام بالسيف بعد حرب عظيم، فأخذوا منه ما لا يوصف، وحصل من السبي خمسة آلاف آدميّ، ثم نازلوا حصن سنّ الحمراء، فافتتحوه وسبوا منه نحو الألف، وأسروا ثلاثمائة عِلْج، وأسروا سرجون لعنه الله، وهو الذي كان أسر أبا فراس بن حمدان، فلله الحمد.
وغَزَتِ الْخراسانية مع لؤلؤ الجراحي [١] من أنطاكية إلى ناحية المَصّيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الروم، فنصر الله وقتلوا ألفًا من الروم، وأسروا خلقًا، وردّوا بالغنائم إلى أنطاكية، ثم عادوا غزوا فأصلبوا.
وسار نحو ألفي فارس من التُرْك إلى مصر لأنّ كافورًا راسلهم.
ودخل الثغر محمد بن عيسى رئيس الخراسانية ومعه ابن شاكر الطرسوسي، فظفروا وغنموا وردّوا بالغنائم. وتأخّر في الساقة محمد بن عيسى وابن شاكر في نحو ثمانمائة فارس، فدَهَمهُمْ جموع الروم، فقال ابن عيسى: ما أستحل أن أُوَلّيهم الدُّبُرَ بعد أن قربوا. وسار ابن شاكر يكشفهم فإذاهم فيما يقال في ثلاثين ألفًا، فرجع وقال: لا طاقة لك بهؤلاء، فلم يقبل، والتقاهم وقاتلوا أشدّ قتال، وأنكوا في الروم نكاية عظيمة، واستُشْهِد عامّة المسلمين. وبقي محمد بن عيسى في مائة وخمسين فارسًا، فقال له ابن شاكر: لا تُلْقي بيدك إلى التَهْلُكة، فقال له فقيه معه: إن وَلَّيْتَ الدُّبُرَ لحِقُوك وقتلوك وأنت فارَّ، فقاتَلَ حتى قتل أكثر أصحابه، ثم أُسِر محمد بن عيسى، وابن شاكر، ثم ورد الخبر بأن ابن عيسى اشترى نفسه بمائة ألف درهم وبمائة وعشرين عِلْجًا كانوا بأنطاكية، وبرطل فصوص فيروزج، وإنّه بعد ذلك غزا العدوّ وظفر.
стр. 12526
[حوادث] سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
فيها مات ناصر الدولة، وقُتل أبو فِراس الحارث بن سعيد بن حمدان، وكان قد طمع في تملّك الشام، وجاء إليه خلقٌ من غلمان سيف الدولة، وأطمعوه، فصادر أهل حمص وغيرهم، وقتل قاضيهم أبا عمّار، فأخذ من داره ستمائة ألف درهم، فلما أحسّ بأنّ أبا المعالي بن سيف الدولة يقصده سار فنَزل على بني كلاب، وخلع عليهم وأعطاهم الأموال، ونفَّذ حُرُمَه معهم إلى البّريّة، ثم سار أبو المعالي وقرغوَيه [١] الحاجب إلى سَلَمْيَة [٢] ، فاستأمن إلى أبي المعالي جماعة من بني عقيل، وتأخّر أبو فِراس وقال: قد أخْلَيْتُ لهم البلد، ثم سار قرغُوَيْه وأحاط به فقاتل أشدّ قتال، وما زال يقاتل وهم يتبعونه إلى ناحية جبل سنير [٣] ، فتقنطر به فرسه بعد العصر، فقتلوه [٤] . وله شعر رائق في الدّرر [٥] .
стр. 12527
ومات الخادم كافور صاحب مصر ورُدَّ أمرُها إلى الملك أبي الفوارس حسين بن علي بن طُغج الإخشيدي، فوقع الخُلْفُ بين الكافورية وبينه، وتحاربوا وعظم البلاء وقُتل بينهم خلق، ثم هزمت الإخشيديةُ الكافوريةَ وطردوهم عن مصر، فصاروا إلى الرملة وفيهم ابن محمد بن رائق، وأبو منخل، وفنّك، وفاتك الهندي، فقدموا على صاحب الرملة الحسن بن عبد الله بن طُغج، فلم يُقْبِل عليهم وقال: لا أحارب برغمتي، ثم ضاق بنفقاتهم، فتوجّهوا إلى دمشق ومتولّيها فاتك الإخشيدي، فتمّ بينهم قتال وبلاء.
وفي ذي القِعدة أقبل عظيم الروم نقفور بجيوشه إلى الشام، فخرج من الدَّرب ونازل أنطاكية، فلم يلتفتوا عليه، فهدّدهم وقال: أرحل وأَخرّب الشام كلّه وأعود إليكم من الساحل. ورحل في اليوم الثالث ونازل مَعَرَّة مَصْرِين [١] ، فأخذها وغدر بهم، وأسر منها أربعة آلاف ومائتي نسمة.
ثم نزل على مَعَرَّة النُّعمان [٢] فأحرق جامعها، وكان الناس قد هربوا في كلّ وجهٍ إلى الحصون والبراري والجبال المنيعة.
ثم سار إلى كَفَرْ طاب [٣] ، وشَيْزَر، ثم إلى حماة وحمص، فخرج من تبقّى فيها، فأمّنهم ودخلها، فصلّى في البيعة، وأخذ منها رأس يحيى بن زكريا، وأحرق الجامع.
ثم سار إلى عرقة [٤] فافتتحها.
стр. 12528
ثم سار إلى طرابلس، فأخذ بعضها.
وأقام في الشام أكثر من شهرين ورُبْع، فأرضاه أهل أنطاكية بمال عظيم [١]
стр. 12529
[عود إلى حوادث] سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
أقيم المأتم يوم عاشوراء ببغداد على العادة [١] .
وفيها ورد الخبر بأن ركْب الشام ومصر والمغرب أَخِذوا وهلك أكثرهم، ووصل الأقلّ إلى مصر، وتمزّق الناس كلَّ ممزَّق، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه، أخذتهم بنو سُليم، وكان ركبًا عظيمًا يمدّه نحو عشرين ألف، حمل معهم الأمتعة والذهب، فما أخذ لقاضي [٢] طَرَسُوس المعروف بالخواتيمي عشرون ألف دينار [٣] .
وفيها سار جيش من خراسان بضعة عشر ألفًا إلى غزو الروم، فأتوا الرّيّ [٤] ، فبعث إليهم ركن الدولة إقامات كثيرة، فلما كان في يوم من الأيام ركب هؤلاء الغزاة إلى منازل قوّاد ركن الدولة، فقتلوا من وجدوا من الدَّيْلم، ونهبوا دار أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة، فظفر بهم وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة، فانهزموا على طريق أذربَيْجان، ثم قدموا الموصل إلى الشام فغزوا في الروم [٥] .
стр. 12530
[حوادث] سنة ست وخمسين وثلاثمائة
عملت الرافضة يوم عاشوراء ببغداد وناحت [١] .
وفيها مات مُعِزّ الدولة بن بُوَيْه، وولي إمرة العراق ابنه عزّ الدولة بختيار ابن أحمد بن بُوَيْه [٢] .
قال القاسم [٣] التنوخي: حدّثني الحسين بن عثمان الفارقي الحنبلي [٤] ، قال: كنت بالرملة في سنة خمس وخمسين [٥] ، فقدِمَها أبو على القرمطيّ القصير الثياب [٦] ، يعني الذي ملك الشام، فقرّبني، فكنت ليلة عنده، فقال بديهًا:
ومَجْدُولَةٍ مثل صدْر القناة ... تَعَرَّتْ وباطنها مكتسي
لها مُقْلَةٌ هي روحٌ لها ... وتاج على هيئة البرنس [٧]
стр. 12531
إذا غازَلْتهَا الصَّبا حرّكت ... لسانًا من الذَّهب الأملسِ [١]
فنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النار في أنحسِ [٢]
وفي المجلس أبو نصر بن كُشَاجم [٣] ، فقبّل الأرض وزاد فيها:
وليلتنا [٤] هذه لَيْلَةٌ ... تشاكل أشكال إقليدس
فيا ربّة العود غنّي الغنا ... ويا حامل الكاس لا تنعس [٥]
стр. 12532
[حوادث] سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
عملت الرافضة يوم عاشورا بالنَّوح وتعليق المُسُوح، وعيّدوا يوم الغدير وبالغوا في الفرح [١] .
ولم يحجّ أحد من الشام ولا مصر [٢] .
وفيها كانت فتنة الأمير أبي الحسن محمد بن المستكفي باللَّه عبد الله بن المكتفي باللَّه على ابن المعتضد العبّاسي لما خُلِع أبوه المستكفي وسُمل [٣] ، وهرب هو ودخل الشام ومصر وأقام هناك عند كافور الإخشيدي، فلاذ به جماعة وأطمعوه في الأمر وقالوا: أن رسول الله ﷺ قال: «المهدي من بعدي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» [٤] وإنْ أنت قدمت بغدادَ بايعك الدَّيْلَم، فتوجّه إلى بغداد ثم دخلها سرًا وبايعه جماعة من الدّيلم في هذه
стр. 12533
السنة، فاطَلع الملك عزّ الدولة بختيار ابن معزّ الدولة على ذلك، وكان قد ادّعى أنّ والده نصّبه للخلافة من بعده، فصحبه من أهل بغداد خلق كثير من رؤسائها وأعيانها وبايعوه سرًا، منهم أبو القاسم إسماعيل بن محمد المعروف بزنجي، وترتب له وزيرًا، فقبض عليه عزّ الدولة ثم جدع أنفه وقطع شفته العليا وشحمتي أُذُنيه، وسُجن بدار الخلافة، وكان معه أخوه علي وانّهما هربا من الدار في يوم عيد، واختلطا [١] بالنّاس، ومضيا إلى ما وراء النهر [٢] .
وروي المتنبي من شعره، وله شعر وأدب، ومات بخراسان خاملًا.
ووصل ملك الروم- لعنهم الله- إلى حمص وملكوها بالأمان، وخافهم صاحب حلب أبو المعالي بن سيف الدولة، فتأخّر عن حلب إلى بالس [٣] وأقام بها الأمير قرغُوَيْه [٤] ، ثم ذهب أبو المعالي إلى ميّافارقين لما تفرّق عنه جنده، وصاروا إلى ابن عمّه صاحب الموصل أبي تغلب، فبالغ في إكرامهم، ثم ورد أبو المعالي إلى حلب فلم يُمكَّن من دخولها واستضعفوه، وتشاغل بحبّ جارية، فردّ إلى سَرُوج فلم يفتحوها له، ثم إلى حَرّان فلم يفتحوا له أيضًا، واستنصر بابن عمّه أبي تغلب، فكتب إليه يعرض عليه المقام بنصيبين، ثم صار إلى ميّافارقين في ثلاثمائة فارس وقلّ ما بيده.
ووافت الروم إلى ناحية ميّافارقين وأَرزن يعبثون ويقتلون، وأقاموا ببلد الأسلام خمسة عشر يومًا ورجعوا بما لا يُحصى.
وكان الحجّ في هذا العام صعبًا إلى الغاية لِما لَحِقهم من العطش والقتْل، مات من حجّاج خراسان فوق الخمسة آلاف، وقيل بل ثلاثة آلاف
стр. 12534
بالعطش، فلما حصلوا بمكة خرج عليهم الطلحّيون والبكريّون فوضعوا في الحجيج السيف، وأخذوا الركْبَ بما حوى، ولم يحجّ من مصر ولا الشام أحد [١] . وكان حجّاج المغرب خلقًا [٢] ، فرجع معهم خلق من التُّجّار فأَخِذوا، فيقال إنّه أَخِذ لتاجرٍ فيها متاع بنحو مائتي ألف دينار، فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون.
وفي آخر العام جاءت القرامطة من البّريّة وتوثّبوا على دمشق فملكوها، وساروا إلى الرملة، فالتقاهم الحسن بن عبد الله الإخشيدي فهزموه، ثم قاتلوا أهل الرملة أشدّ قتال، واستباحوها بعد يومين، ثم إنّ أهلها دافعوا عن نفوسهم بمائة وعشرين ألف دينار، وسبوا من أعمال الرملة عشرة آلاف نسمة، وعزموا على قصْد مصر ليملكوها، فجاء العُبَيْدِيّون فأخذوها، وقامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب ومصر والعراق وغير ذلك [٣] .
стр. 12535
[حوادث] سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة
أقامت الرافضة الشعار الجاهليّ يوم عاشورا ويوم الغدير. [١] وكان ببغداد قَحْط واسعٌ، الكرٌ [٢] بتسعين دينارًا.
وأغارت الروم بالشامْ فقتلوا وسبوا، وبدّعوا في حمص، والثغور، وقتلوا خلائق [٣] .
وفيها ملك جوهر القائد ديار مصر، وخطب لبني عُبَيد [٤] .
وحجّ بالناس من العراق أبو أحمد الموسوي والد المرتضى.
وفيها ولي إمرة دمشق الحسن بن عبد [٥] الله بن طُغج الإخشيدي، فأقام