محمد بن أحمد بن محمد [١] بن قريش البزّاز المجهزّ.
سمع: محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة، ومحمد بن يحيى المروزي.
وعنه: ابن رزقويه بن داود الرازي، وطلحة الكتّاني.
تُوُفّي في رجب ببغداد، وكان ثقة. قاله الخطيب.
محمد بن أَبان بن سيد [٢] بن أبان أبو عبد الله اللخمي القُرْطُبي.
كان عارفًا باللغة والعربية والنَّسَب والأخبار، مصنَّفًا مكِينًا عند الحَكَم المُسْتَنصِر باللَّه.
أخذ عن أبي علي القالي.
محمد بن إبراهيم أبو بكر الْجَوْزي الأديب المسند، أحد الأئمة.
سمع: حمّاد بن مدرك، وجعفر بن أحمد متُّويه.
وعنه: الحاكم، وغيره.
مات بفارس.
محمد بن إسحاق بن أيوب أبو العباس النَّيّسابوري، أخو الإمام أبي بكر الضَّبعيّ، ومحمد الأّسَنّ.
قال الحاكم: لزم الفُتُوَّة إلى عمره، وكان أخوه ينهانا عنه لِما كان يتعاطاه، لا لجَرحٍ في سَماعه.
سمع: إبراهيم بن عبد الله السّعديّ، ويحيى بن محمد الذّهليّ، وسهل بن عمّار، ومحمد بن أيّوب بن الضريس.
وعاش مائة سنة وزيادة أربع سنين، وعُقِد له مجلس الإملاء بعد وفاة أخيه.
قلت: روى عنه الحاكم.
стр. 12602
محمد بن حبّان بن أحمد [١] بن حبّان بن مُعَاذ بن مَعْبَد بن شهيد بن هُدْبة بن مُرَّة بن سعد بن يزيد بن مُرَّة بن زيد بن عبد الله بن دارم بن حَنْظَلة بن مالك بن زيد بن مَنَاة بن تميم، أبو حاتم التميمي البُسْتي [٢] الحافظ العلامة، صاحب التصانيف.
سمع: الحسين بن إدريس الهَرَوي، وأبا خليفة، وأبا عبد الرحمن النَّسائي، وعِمران بن موسى، وأبا يَعْلَى، والحسن بن سُفْيان، وابن قُتَيْبة العَسْقَلاني، والحسين بن عبد الله القطّان، وجعفر بن أحمد الدمشقي، وحاجب بن أرْكين، وأحمد بن الحسن الصوفي، وابن خُزَيْمة، والسرّاج، وهذه الطبقة بالشام والعراق ومصر والجزيرة وخراسان والحجاز.
وعنه: الحاكم، ومنصور بن عبد الله الخالديّ، وأبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق الله السِجِسْتاني، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن هارون الزَّوزني [٣] ، ومحمد بن أحمد بن منصور النَّوقاني، وجماعة.
قال أبو سعيد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانًا، وكان من فقهاء الدّين وحُفّاظ الآثار، عالمًا بالطبّ والنجوم وفنون العلم. ألّف «المسند الصّحيح» و «التاريخ» و «الضّعفاء» وفقّه الناس بسمرقند.
وقال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال. قدم نَيْسابور فسمع من عبد الله بن شيرويه، ورحل إلى
стр. 12603
بخارى فلقي عمر بن محمد بن بجير، ثم ورد نَيْسابور سنة أربعٍ وثلاثين، ثم خرج إلى قضاء نَسَا، ثم انصرف سنة سبعٍ وثلاثين فأقام بنيسابور وبنى الخانكاه [١] ، وقُرئ عليه جملة من مُصَنْفاته، ثم خرج من نيسابور سنة أربعين إلى وطنه. وكانت الرحلة إليه لسماع مصنّفاته، وقال: كان ثقة نبيلا فَهْمًا.
وقد ذكره ابن الصّلاح في طبقات الشافعية وقال: غلط الغَلَط الفاحش في تصرُّفِهِ.
وقال ابن حبّان- في كتاب «الأنواع والتقاسيم» -: ولعلّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ.
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري: سِألت يحيى بن عمّار عن أبي حاتم بن حبّان: هل رأيته؟ قال: وكيف لم أره ونحن أخرجناه من سِجِسْتان، كان له عِلْم كبير ولم يكن له كثيرُ دِين، قدم علينا فأنكر الحمد للَّه، فأخرجناه.
قلت: إنكار الحمد وإثباته، مما لم يبتّ به نصّ، والكلام حكم فضول، ومن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعينه، والأيمان بأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء من قواعد العقائد، وكذلك الإيمان [بأنّ] الله بائن من خلقه، متميّزة ذاته المقدّسة من ذوات مخلوقاته.
وقال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت عبد الصمد محمد بن محمد سمعت أبي يقول: أنكروا على ابن حبّان قوله: النّبوّة: العِلْم والعمل، فحكموا عليه بالزندقة وهُجر، وكُتِب فيه إلى الخليفة فكتب بقتله. وسمعت غيره يقول:
لذلك أخرج إلى سمرقند.
وقال الحاكم: سمعت أحمد بن محمد الطيّبي يقول: تُوُفّي أبو حاتم ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من شوّال سنة أربع وخمسين بمدينة بست.
стр. 12604
قلت: قوله النّبُوّة: العلم والعمل، كقوله ﵇: الحجّ عَرفَة، وفي ذلك أحاديث. ومعلوم أنّ الرّجل لو وقف بَعَرفَة فقط ما صار بذلك حاجًّا، وإنّما ذكر أشهر أركان الحجّ، وكذلك قول ابن حِبّان فذكر أكمل نُعُوت النبيّ، ولا يكون العبد نبيًّا إلّا أن يكون عالمًا عاملًا، ولو كان عالمًا فقط لما عُدَّ نبيًّا أبدًا، فلا حيلة لبشر في اكتساب النبوّة.
محمد بن الحسن بن يعقوب [١] بن مُقَسّم أبو بكر البغدادي المقرئ العطّار. وُلد سنة خمسٍ وستّين ومائتين.
وسمع: أبا مسلم الكجّي، ومحمد بن عثمان بن أبي شَيْبة، ومحمد بن يحيى المروزي، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وغيرهم، وقرأ القرآن على إدريس بن عبد الكريم بن خلف، وطال عمره وأقرأ النّاس رواية حمزة.
وقرأ عليه: إبراهيم بن أحمد الطّبري، وأبو الفرج عبد الملك بن بكران النَّهرواني، وأبو الحسن الحمامي، وعلي بْن أحمد بْن محمد بْن دَاوُد الرّزّاز المحدّث شيخ عبد السيّد بن عتّاب في التّلاوة، وغيرهم. وحدّث عنه أبو الحسن بن رزقويه، وابن داود الرزّاز، وأبو علي بن شاذان، وغيرهم.
وهو راوي أمالي ثعلب عنه، وهو من عوالي ما نقع من طريقه، أعلى من الجزء المنسوب إليه بدرجة.
قال الخطيب: كان ثقة، وكان من أحفظ الناس لنحو الكوفيّين وأعرفهم بالقرآن كتبًا، قال: وطُعن عليه بأن عمد إلى حروفٍ من القرآن تخالف الإجماع، فأقرأ بها، فأنكِر عليه، وارتفع أمرُه إلى الدولة، فاستُتِيب بحضرة الفقهاء والقرّاء وكُتب عليه محضر بتوبته، وقيل: إنّه لم ينزع فيما بعد عن ذلك بل كان يُقرئ بها.
وقال أبو طاهر بن أبي هاشم في كتاب «البيان» : وقد نبغ في عصرنا
стр. 12605
نابغ، فزعم أنَّ كل ما صحّ عنده وجهٌ في العربية لحرف موافق خطّ المصحف فقراءته جائزة في الصلاة.
وقال أبو أحمد الفَرَضي راتب المسجد: صلّى مع الناس، وكان ابن مُقَسّم قد وَلّي ظهره القبلة، وهو يصلّي مُسْتَدبِرَها، فأوّلْتُ ذلك ما اختاره لنفسه من القراءات.
تُوُفّي ابن مُقَسّم في ربيع الآخر.
محمد بن عبد الله بن إبراهيم [١] بن عَبْدُوَيْه، أبو بكر الشافعي البزّاز المحدّث.
مولده بجَبُّل [٢] في جُمادى الأولى أو الآخرة سنة ستين ومائتين.
وسكن ببغداد، فسمع: محمد بن الجهم السّمَّري، ومحمد بْن شدّاد المِسمعي، وموسى بْن سهل الوشّاء، وأبا قلابة، وعبد اللَّه بْن رَوْح المدائني، ومحمد بْن إسماعيل الترمذي، ومحمد بن الفرج الأزرق، ومحمد بن غالب تمتام، وإسماعيل القاضي، وجماعة يطول ذكرهم.
وعنه: الدارقطنيّ، وابن شاهين، وأحمد بن عبد الله المحاملي، وأبو علي بن شاذان، وخلق كثير آخرهم أبو طالب بن غيلان.
قال الخطيب: كان ثقة، ثَبْتًا، حسن التصنيف جمع أبوابًا وشيوخًا.
حدّثني ابن مَخْلَد أنّه رأي مجلسًا كُتِب عن الشافعيّ سنة ثماني عشرة وأربعمائة، ولما مَنَعَت الدّيْلَمُ- يعني بني بُوَيْه- الناسَ عن ذِكر فضائل الصحابة وكتبوا سَبّ السّلَف على أبواب المساجد، كان أبو بكر الشافعي يتعمّد
стр. 12606
إملاء الفضائل في الجامع، ويفعل [ذلك] حِسبةً وقُرْبةً.
وقال حمزة السّهْمي: سُئِل الدارقُطْني عن محمد بن عبد الله الشافعي فقال: ثقة جَبَل ما كان في ذلك الوقت أوثق منه.
وقال الدارقُطْني أيضًا: هو الثقة المأمون الذي لم يُغْمَز بحالٍ.
وقال ابن رزقويه: تُوُفّي في ذي الحجّة سنة أربع.
قلت: و «الغيلانيات» هي أعلى ما يُروى في الدُّنيا من حديثه، وأعلى ما كان عند ابن الحُصَين شيخ ابن طَبَرزَد [١] .
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، وَالْمُسْلِمُ بْنُ محمد، وَجَمَاعَةٌ كِتَابَةً قَالُوا: أنا عُمَرُ بْنُ طَبَرْزَدَ، أنا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أنا محمد بْنُ محمد، أنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثنا أَبُو يَعلَى محمد بْنُ شَدَّادٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ» [٢] . قلت: غير الشافعي أعلى إسنادًا منه فإنّه ليس بين سماعه وموته إلّا ثمانية وسبعون عامًا، ومثل هذا كثير الوجود، وإنّما على حديثه تأخّر صاحبه ابن غيلان، وصاحب صاحبه ابن الحصَين، فإنّ كلّ واحدٍ منهما عاش بعد ما سمع ثمانيًا وثمانين سنة، والله أعلم.
محمد بن محرز بن مساور [٣] الفقيه أبو الحسن البغدادي الأدمي.
سمع: محمد بن عبيد الله مرزوق، ومُطَيَّنًا، والعمري.
وعنه: أبو علي بن شاذان، ومحمد بن طلحة المدني.
وثّقه ابن أبي الفوارس وقال: رأيته.
стр. 12607
محمد بن عُمَر بن إسْمَاعِيل أَبُو بَكْر المقرئ الحطّاب.
سمع: يحيى بن أيّوب العلاف.
محمد بن القاسم بن عبد الرحمن الكِنْدي المصري، أبو الحسن الحذّاء.
سمع: بكر بن سهل الدِمياطي.
محمد [بن] مكي [١] بن أحمد بن سعدويه [٢] أبو بكر البردعي.
طوّف [٣] وسمع: البغوي، وابن صاعد، وأبا عَروُبة الحرّاني، وأبا جعفر الطّحاوي، وابن جَوصا.
وعنه: أبو الوليد حسّان بن محمد، وهو أكبر منه، ونصر بن محمد الطُّوسي العطّار، وأبو عبد الله الحاكم، وقال: تُوُفّي بالشّاش.
نعَيْم بن عبد الملك بن محمد [٤] بن عَدِيّ أبو الحسن الإستراباذي.
فاضل ثقة رئيس.
رحل به أبوه وسَمَّعه من: أبي مسلم الكَجّي، وعبد اللَّه بْن أحمد، وأحمد بْن الحسن، وبكر بن سهل الدمياطيّ، وسمع «الجامع الصحيح» من الكزبري.
وتُوُفّي سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وخمسين.
روى عنه: الفتى أبو بكر محمد بن يوسف الشّالنجي الْجُرْجاني، وأبو زُرْعَة محمد بن يوسف الحافظ، وحفيدة عبد الملك بن أحمد بن نعيم قاضي جرجان، وآخرون.
стр. 12608
[وفيات] سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
أحمد بن شعيب بن صالح [١] أبو منصور البخاري الورّاق.
سمع: صالح بن محمد بن جزرة، وحامد بن سهل، ومحمد بن حُرَيْث، وأبا خليفة الْجُمَحي، وزكريا السّاجي [٢] ، وعمر بن أبي غيلان.
وعنه: أبو الحسن بن رزقويه، ومحمد بن طلحة النّعالي [٣] ، وعبد الغفّار المؤدّب.
حدّث ببغداد.
وقال الخطيب: كان صالحًا ثبتًا.
أحمد بن العبّاس بن عُبَيد الله [٤] أبو بكر البغدادي ويُعرف بابن الإمام.
قرأ القرآن على: الأشناني، وأبي بكر بن مجاهد، وكان مُجَوَّدًا حاذقًا.
انتقل إلى خراسان وأقرأ هناك، وتوفّي بالرّيّ.
روى عنه: الحاكم وقرأ عليه لأبي عمرو وقال: كان أوحد وقته في
стр. 12609
القراءات، دخل مَرْو وبُخارَى، وسمعتهم يذكرون أنَّ نُوح بن نصر الأمير قرأ عليه ختمة ووَصَله بأموال، ثم إنّه سافر إلى فَرغانة. وكان خليعًا يُضيّع ما يحصل له، وكان لا يُخْلي لياليه من اجتماع الصوفية والقَوَّالين. وسمعته يقول: سمعت من عبد الله بن ناجية، ومن الفِريابي، (وسمعته يقول يوم وفاته: أما سمعت جواريه يصحن: وا سيّداه من يكفن الغريب، فبلغني أنّه مات لم يُكَفَّن) [١] .
وممّن قرأ عليه: عيسى أبو بكر الحِيري.
أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل [٢] أبو بكر العجلي البغدادي الدّقّاق المقرئ المعروف بالوليّ.
سمع: أحمد بن يحيى الحلواني، وعبيد الله بن ناجية، ومحمد بن الليث [٣] الجوهري.
وعنه: علي بن داود الرّزّاز، وغيره.
وقد قرأ على أبي جعفر أحمد بن فرح، وعلي بن سُلَيْم بن إسحاق الخطيب، وأحمد بن سهل الأشناني، وأبي عبد الرحمن اللهبيّ، وأبي عثمان سعيد بن عبد الرّحيم الضرير من أصحاب الدُّوري.
قرأ عليه: إبراهيم بن أحمد الطّبري، وإسناد تلاوته في كتاب «المستنير» ، وأبو الحسن الحمامي، وجماعة.
تُوُفّي في رجب لثمانٍ بقين منه ببغداد.
أحمد بن قانع بن مرزوق [٤] القاضي أبو عبد الله البغدادي الفَرَضيّ، أخو عبد الباقي.
стр. 12610
سمع: الحسين بن المُثَنَّى بن معاذ، وخليفة بن عمرو العُكْبَري، وأبا خليفة.
وعنه: علي بن داود الرزّاز، وأحمد بن علي البادي.
ووثّقه الخطيب.
أحمد بن محمد بن الحسين أبو حامد الخسروجرد بن الخطيب الأديب.
سمع: داود بن الحسين البَيّهَقي، وابن الضُّرَيْس، وطبقتهما.
وعنه: الحاكم.
تُوُفّي في ربيع الأوَّل.
أحمد [١] بْن محمد بن شارك [٢] أبو حامد الهَرَوي، الفقيه الشافعي، مفتي هَرَاة وعالمها ونَحْوِيُّها.
سمع: محمد بن عبد الرحمن النّامي، والحسن بن سفيان، وأبا يَعْلَى، وطبقتهم.
أخذ عنه: الحاكم أبو عبد الله، وأهل هَرَاة، وبها مات.
وسيأتي في أواخر الطبقة الاختلاف في وفاته.
أحمد بن محمد بن رزمة، أبو الحسين القزويني.
سمع: الحسين بن علي بن محمد الطّنافسي، وموسى بن هارون بن حِبّان، ومحمد بن أيوب بن الضريس.
وعاش مائة سنة.
الحسن بن محمد بن عبّاس أبو علي الرّازي الفلاس.
حدّث بهَمَذان سنة خمسٍ وخمسين عن: محمد بن أيُّوب بن الضُّرَيس، وإبراهيم بن يوسف.
стр. 12611
روى عنه: ابن خانجان، وأبو طاهر بن سلمة.
الحسن بن داود بن علي [١] بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن ابن زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أبو عبد الله العلوي النَّيْسَابُوري.
قال الحاكم في ترجمته: شيخ آل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عصره بخُراسان، وكان من أكثر الناس صِلَة [٢] ومحبّة وصدقة لأصحاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عصره.
صَحِبْتُه بُرْهَةً من الدَّهْر فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد. وبكى، وما سمعته يذكر عائشة إلّا قال الصّدّيقة بنت الصّدّيق حبيبة حبيب رسول الله، وبكى.
وسمع: جعفر بن أحمد الحافظ، وابن شيروَيْه، وابن خُزَيْمة.
وكان جدّه علي بن عيسى أزهد العلويّة في عصره وأكثرهم اجتهادًا، وكان عيسى يلقَّب الفيَّاض لكثرة عطائه وجُوده، وكان محمد بن القاسم ينادم الرشيد والمأمون، وكان القاسم راهب آل محمد ﷺ ، وكان أبوه أمير المدينة وأحد من روى عنه مالك في «الموطّأ» . قاله الحاكم.
الحسين بن أيّوب العلامة أبو علي الصَّيْرَفي شيخ المالكية بمصر.
مات في ذي الحجّة.
قال عياض: وشيعة كافور صاحب مصر.
عبد الرحمن بن محمد بن حامد [٣] بن مَتُّوِيه أبو القاسم البلْخي الزَّاهد.
سمع: مَعْمَر بن محمد العوفيّ، وإسحاق بن هيّاج، وعلي بن مكرم، وحدّث ببغداد بانتخاب محمد بن المُظَفَّر.
روى عنه: ابن رزقويه، وأبو الحسن الحمامي، وابن مردُوَيْه، وعلي بن داود الرزّاز.
стр. 12612
وثّقه الخطيب.
وروى عنه الحاكم وقال: قَلّ ما رأيتَ في المحدّثين أودَعَ منه، وكان محدّث بلْخ في وقته، وقد حجّ سنة خمسين فحدّث بَنْيَسابور وبغداد.
علي بن الإخشيد صاحب مصر. مات شابا في هذه السنة كما هو مذكور في ترجمة كافور [١] .
علي بن الحسن بن علّان [٢] الحرّاني أبو الحسن الحافظ، مؤلّف «تاريخ الجزيرة» .
وسمع: أبا عُرُوبة، وأبا يَعْلَى المَوصِلِيَّ، وعبد الله بن زيدان، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن محمد الباغَنْدي، وسعيد بن هاشم الطّبراني، وجماعة.
ورحل وطَوّف [٣] وصنّف.
وعنه: ابن مَنْده، وتمّام، وأحمد بن محمد بن الحاجّ الأشبيلي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الطّبّيز، وأبو العبّاس محمد بن السمسار، وغيرهم.
قال عبد العزيز الكتّاني: كان ثقة حافظًا نبيلًا. تُوُفّي يوم الأضحى.
محمد بن أحمد بن عبد الوهاب [٤] بن داود بن بَهْرام أبو بكر السُّلَمي الأصبهاني المقرئ الضَّرير.
روى عن: علي بن جَبَلَة، وموسى بن هارون، ومحمد بن إبراهيم بن نصر، ومحمد بن عبد الرحيم بن شبيب الأصبهاني، وقرأ القرآن على أبي الحسن الطَّرسُوسي [٥] صاحب أبي عمر الدُّورِي، ولا أعرفه وهو علي بن
стр. 12613
أحمد بن محمد بن زياد المكي.
وعنه: أبو نعيم، وأبو بكر بن أبي علي.
وقال أبو نُعَيم: قرأت عليه ختمة.
قلت: وقرأ عليه محمد بن عبد الرحمن الخلقاني، وأحمد بن محمد بن عبدُوَيْه القطّان، وأبو عمر الخرقي.
وحدّث عنه: محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب التاجر ختمةً قراءة عاصم.
محمد بن أحمد بن بِشْر [١] المزكّي الحنفي أبو عبد الله الفقيه.
ذكره الحاكم فقال: شيخ أهل الرأي في عصره، وكان من الصالحين فتعجّبنا من خشوعه واجتهاده.
سمع: محمد بن إبراهيم البوسنجي، وإبراهيم بن علي الذُهَلي، وطبقتهما، وكنت أَحُثُّ البغداديين على السماع منه، وقد يُعرف بابنِ بشْرُويْه.
محمد بن الحسين بن منصور [٢] أبو الحسن النَّيْسَابُوري التاجر المعدّل، من أحد مشايخ العلم هو وأبوه وعمّه عبدوس.
سمع: محمد بن عمرو الحَرَشي، ومحمد بن إبراهيم البوسنجي، ومحمد بن أيّوب الرازي، وأبا عمر القتّات، ويوسف القاضي، وطائفة.
وكتب ما لم يكتبه غيره، وكان صَدُوقًا متفنّنًا حافظًا. وُلد سنة أربع وسبعين ومائتين، وأكثر الإتقان على العلماء والشيوخ [٣] .
انتخب عليه: أبو علي الحافظ مع تقدُمه مائتي جزء، وصنّف الكتب على رسم ابن خُزَيمة.
قال الحاكم: سمعته يقول: عندي عن عبد الله بن ناجية، وقاسم
стр. 12614
المطرّز ألف جزء وزيادة، وخرجت إلى بُخَارى سنة خمس عشرة فكتبوا عنّي، وقد سمعِ منّي أبي وعمّي ورَوَيَا عنّي.
وقال عبد الله بن سعد الحافظ: كتبت عن أبي الحسن بن منصور أكثر من ثلاثة آلاف حديث استفدتها.
وقال الحاكم: رأيت مشايخنا يتعجّبون من حُسْن قراءة أبي الحسن للحديث وكُفَّ بَصَرُهُ سنة تسعٍ وأربعين.
محمد بن أحمد بن زكريا أَبُو الحسن النَّيْسَابُوري العابد.
سمع: الحسين بن محمد القباني، وأحمد بن النضر بن عبد الوهاب، وإبراهيم بن علي الذهلي، وأبا بكر الجارودي.
قال الحاكم: كان من أفاضل شيوخنا وأكثرهم صحبة، وصار في آخر عمره من العُبّاد المجتهدين، وألِفَ العُزْلَة، وعاش تسعين سنة.
محمد بن الحسن بن الوليد الكلابي أخو تبوك وعبد الوهاب. دمشقي.
حدّث في هذا العام عن: أبي عبد الرحمن النَّسائي، والقاسم بن الليث الرسعني.
وعنه: محمد بن عوف المُزني، وغيره.
محمد بن الحسين بن علي [١] أبو عبد الله الأنباري الوضّاحي الشاعر المشهور، نزيل نيسابور.
سمع: أبا عبد الله المحامليّ، وأبا روق الهزّاني.
روى عنه الحاكم وقال: كان أشعر أهل وقته، فمن شعره:
لأخْمَصَيَّ على هَامِ العُلَى قَدَمُ ... وقطر كفّي في ضرب الطّلى ديم
стр. 12615
فلَسْتُ أملِكُ مالًا لأَجُود به ... ولسْتُ أشْرب ما ليس فيه دَمُ
يَسْتَأْنِسُ اللَّيْلُ بي من كلّ مُوحشةٍ ... تُخْشَى ويعرفُ شَخْصِي الغَوْرُ والأكَمُ
سَلِ الصّحائفَ عنّي والصّفَاحَ مَعًا ... تُنْبي الكُلُومُ بما تُنْبي به الكَلِمُ
محمد بن صالح أبو عبد الله البُسْتي الكاتب. سمع أبا عبد الله البوسنجي وغيره.
محمد بن محمد بن عبدان أبو سهل النَّيْسَابُوري الفقيه الشافعي الصُّوفي.
حجّ وطوّف وجاور. مات غريقًا في طريق فُراء [١] في رجب.
محمد بن عمر بن محمد [٢] بن مسلم أبو بكر بن الْجِعابي التميمي البغدادي الحافظ قاضي المَوْصِل.
سمع: عبد الله بن محمد البلْخي، ويحيى بن محمد الحنّائي، ومحمد بن الحسن بن سماعة الحَضْرَميّ، ومحمد بن يحيى المَرْوَزي، ويوسف القاضي، وأبا خليفة، وجعفر الفريابي، وخلقًا كثيرًا.
وكان حافظ زمانه. صحب أبا العبّاس بن عُقْدة، وصنّف في الأبواب والشيوخ والتاريخ. وتشيّعه مشهور.
روى عنه: الدارقطنيّ، وأبو حفص بن شاهين، وابن رزقويه، وابن الفضل القطّان، والحاكم أبو عبد الله، وأبو عمر الهاشمي، وآخرون، آخرهم وفاة أبو نُعَيم الحافظ.
стр. 12616
مولده في صفر سنة أربعٍ وثمانين ومائتين.
قال أبو علي الحافظ النَّيْسَابُوري: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عَبْدان، ولا رأيت في أصحابنا أحفظ من أبي بكر الْجِعابي، وذاك أني حَسِبْتُهُ من البغداديين الذين يحفظون شيخًا واحدًا أو ترجمة واحدة أو بابًا واحدًا، فقال لي أبو إسحاق بن حمزة يومًا: يا أبا علي لا تغلط في ابن الْجِعابي فإنّه يحفظ حديثًا كثيرًا. قال: فخرجنا يومًا من عند ابن صاعد فقلت له: يا أبا بكر أيش أسْنَدَ الثّوْريّ عن منصور، فمرّ في الترجمة، فقلت: أيش عند أيّوب عن الحسن، فمرّ في الترجمة، فما زلت أجرُّه من حديث مِصر إلى حديث الشام إلى العراق إلى أفراد الخُراسانيّين وهو يُجيب، فقلت: أيش روى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وأبي هُرَيْرَةَ بالشركة، فذكر بضعة عشر حديثًا، فحيّرني حِفْظُه [١] . رواها الحاكم عن أبي علي.
وقال محمد بن الحسين بن الفضل. سمعت ابن الجعابي يقول:
دخلت الرّقّة، وكان لي ثَمّ قِمْطَران كُتُبٍ فأنْفَذْتُ غُلامي إلى الذي عنده كُتُبي، فرجع مغمومًا وقال: ضاعت الكتب، فقلت: يا بُنَيّ لا تغتّمِ، فإنّ فيها مائتي ألف حديثٍ لا يُشْكَلُ عليّ حديث منها لا إسنادًا ولا مَتْنًا [٢] .
وقال أبو علي التنوخي: ما شاهدنا أحفظ من أبي بكر بن الْجِعابي، وسمعت من يقول إنّه يحفظ مائتي ألف حديث ويُجيب في مثلها، إلّا أنّه كان يفضل الحفّاظ بأنّه كان يَسُوق المُتُون بألفاظها، وأكثر الحُفّاظ يتسمّحون في ذلك، وكان إمامًا في المعرفة بعلل الحديث وثقات الرجال ومواليدهم ووفياتهم، وما يُطعن على كل واحدٍ منهم، ولم يبق في زمانه من يتقدّمه في الدين [٣] .
قال أبو ذرّ الهَرَوي: سمعت أبا بكر بن عبدان الحافظ يقول: وقع إليّ
стр. 12617
جزء من حديث الْجِعابي، فحفظت منه خمسة أحاديث، فأجابني فيها، ثم قال: من أين لك هذا؟ قلت: من جزء لك. قال: إن شئت ألق عليّ المتن وأجيبك في الإسناد أو ألْقِ عَليّ الإسناد وأُجيبك في المَتْن.
وقال أبو الحسن بن رزقويه، مما سمعه من الخطيب: كان ابن الْجِعابي يُملي مجلسَه وتمتلئ السّكّة التي يُملي فيها والطريق، ويحضره ابن المظفّر والدار الدّارقطنيّ ويُملي الأحاديث بطُرُقها من حِفْظه [١] .
قال أبو علي النَّيْسَابُوري: قلت لأبن الْجِعابي: قد وصلت إلى الدَّيَنَور فَهَلا جئت نَيْسابور؟ قال: هممت به ثم قلت: أَذْهَبُ إلى عَجَمٍ لا يفهمون عنّي ولا أفهم عنهم [٢] .
وقال الحاكم: قلت للدارقُطْني: يبلغني عن الْجِعابي أنّه تغيّر عمّا عهِدْناه، فقال: وأيّ تَغَيّر؟ قلت باللَّه: هل اتّهَمْتَه؟ قال: أيْ والله، ثم ذكر أشياء، فقلت: وصحّ لك أنّه خلط في الحديث؟ قال: أي والله. قلت: حتى خفت أنّه ترك المذهب، قال: ترك الصلاة والدين.
وقال محمد بن عبد الله المسبّحي: كان ابن الْجِعابي المحدّث قد صحِب قومًا من المتكلّمين فسقط عند [٣] كثير من الحديث، وأمر قبل موته أن تُحرق دفاتره بالنّار، فأَنْكِر عليه واستُقْبح ذلك منه، وقد كان وصل إلى مصر ودخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق فوقفوا على مذهبه فشرّدوه، فخرج هاربًا.
وقال أبو حفص بن شاهين: دخلت أنا وابن المُظفّر والدارقُطْني على الْجِعابي وهو مريض فقلت له: من أنا؟ فقال: سُبْحانَ الله [٤] ألستم فلان وفلان، وسمّانّا، فدَعَوْنا وخرجنا فمشينا خطوات، وسمعنا الصائح بموته،
стр. 12618
فرجعنا إلى داره فرأينا كُتُبَه تَلَّ رَمَاد.
وقال الأزهريّ: كانت تبكيه نائحة الرافضة [١] تنوح مع جنازته.
قال أبو نعيم: قدم علينا الجعابيّ أصبهان سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
ولأبي الحسن محمد بن سُكّرة في ابن الجعابيّ:
ابن الجعابيّ ذو سجايا ... محمودةٌ منه مُسْتَطَابَهْ
رأي الرّيا والنّفاقَ حظًا ... في ذي العصابة وذي العصابةِ
يعطي الإماميّ [٢] ما اشْتَهاه ... ويثبت الأمرَ في القرابهْ
حتى إذا غاب عنه أنْحى [٣] ... يثبت [٤] الأمر في الصحابة
وإنْ خلا الشيخُ بالنّصَارَى ... رأيت سمعان أو مرابهْ
قد فطن الشيخ للمعاني ... فالغَرُّ مَن لامه وعابَهْ
أنبا بن المسلّم بن علان، والمؤمّل بن محمد، ويوسف بن يعقوب، أن [أبا] [٥] اليُمْن الكِنْدي أخبرهم: أنبأ أَبُو مَنْصُورٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، الخطيب، حدّثني الحسن بن محمد الأشتر، سمعت أبا عمر القاسم بن جعفر الهاشم غير مرة يقول: سمعت ابن الْجِعابي يقول: أحفظ أربعمائة ألف حديث وأذاكر بستّمائة ألف حديث. وبه قال الخطِيب: حدّثني الأزهريّ، ثنا أبو عبد الله بن بُكَيْر عن بعض أصحاب الحديث وأظنّه (ابن درّان) [٦] قال:
رآني [٧] أبن الْجِعابي وقد جئت من مجلس [٨] المظفّر [٩] فقال: كم أملى؟
стр. 12619
فسميت، فقال: أيّما أحبّ إليك، تذكر أسانيد الأحاديث وأذكر مُتُونها، أو تذكر المتونَ وأذكر [١] أسانيدها؟ فقلت: بل المتون. فجعلت أقول: روى حديثًا سنة كذا وكذا، فيقول: حدّثكم به عن فلان بن فلان، فلم يُخطئ في جميعها [٢] .
وبه سمعت التنوخي يقول: تقلّد ابن الْجِعابي قضاء [٣] الموصل، فلم يُحمد في ولايته [٤] .
وذكر الخطيب عن رجاله أنّ ابن الجعابيّ كان يشرب في مجلس ابن العميد [٥] .
قلت: لم يُبَيَّن ما كان يشرب هل هو نبيذ أو خمر.
وقال السّلمي: سألت عنه الدارقطني، فقال: خلّط، وذكر مذهبه في التشيّع.
وكذا ذكر الحاكم عن الدارقُطْني وذكر عنه، فقال: قال لي الثقة من أصحابنا ممّن كان يعاشر ابن الْجِعابي: إنّه كان نائمًا فكتبت على رِجْله، فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسّه الماء [٦] .
وبالإسناد المذكور إلى الخطيب: ثنا الأزهري أنّ ابن الْجِعابي لما مات أوصى بأن تُحرق كُتُبْه، فكان معها كتب للناس، فحدّثني أبو الحسين بن البوّاب أنّه كان له عنده مائة وخمسون جزءًا، فَذَهَبَتْ في جملة ما أُحْرِق [٧] .
وقال مسعود السِجْزي: سمعت الحاكم، سمعت الدارقُطْني يقول:
стр. 12620
أخْبرْتُ بعِلّة أبي بكر الْجِعابيّ، فقمت إليه في الوقت، فأتيته فرأيته يحرِق كُتُبَهُ بالنّار، فأقمت عنده حتى ما بقي منه بيّنة، ثم مات من ليلته.
قرأت على إسحاق الأسدي: أخبرك يوسف الحافظ، أنا أبو المكارم المعدّل، وأنا أحمد بن سلامة وغيره إجازةً، عن أبي المكارم، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْحَدَّادَ أَخْبَرَهُمْ، أنا أَبُو نُعَيم، ثنا محمد بن عمر بن مسلّم، ثنا محمد بن النُّعْمان السّلمي، ثنا هديّة، ثنا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ:
بئس الرّفيق الدّينار والدّرهم لا ينفعان حتى يفارقاك.
محمد بن القاسم بن شعبان [١] بن محمد بن ربيعة الفقيه أبو إسحاق المصري المالكي صاحب التصانيف.
قال القاضي عِياض: هو من ولد عمّار بن ياسر ﵁، ويُعرف أيضًا بابن القرضي، نسبة إلى بيع القرض. كان رأس المالكية بمصر وأحفظهم للمذهب، مع التَفَنُّن من التاريخ والأدب مع الدّين والورع، ومع فنونه لم يكن له بصر بالنّحْو، وكان واسع الرواية له كتاب «الزاهي الشعباني في الفقه» وهو مشهور، وكتاب «أحكام القرآن» وكتاب «مناقب مالك» وكتاب «المنسك» .
روى عنه: محمد بن أحمد بن الخلاص التّجاني، وخَلَف بن القاسم بن سهلون، وعبد الرحمن بن يحيى العّطار، وطائفة.
تُوُفّي لأربع عشرة بقيت من جُمادى الأولى.
قلت: وكان ابن شعبان صاحب سنة كغيره من أئمة الفقه في ذلك العصر، فإنّي وقفت على تأليفه في تسمية الرواة عن مالك، قال في أوّله:
«بديت فيه بحمد الله الحميد ذي الرّشد والتسديد، الحمد للَّه أحقّ ما بُدئ وأَولَى مَن شُكِر، الصّمَد الواحد ليس له صاحبة ولا ولد، جَلّ عن المثل، فلا
стр. 12621
شبيه له ولا عدْل عادل فهو دان بعلمه، أحاط عِلْمُهُ بالأمور ونفذ حُكْمُهُ في سائر المقدور» وذكر باقي الخطبة، ولم يكن بالمُتْقِن للأثر مع سعة علمه.
روى ابن حزم له في «المُحَلّى» قال: ثنا أحمد بن إسماعيل الحضرميّ، ثنا محمد بن أحمد بن الخلاص، ثنا محمد بن القاسم بن شعبان المصري، حدّثني إبراهيم بن عثمان بن سعيد، فذكر حديثًا ساقطًا، ثم قال ابن حزْم: ابن شعبان في المالكية نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيّين، قد تأمّلنا حديثهما فوجدنا فيه البلاء المبين والكَذِب البَحْت والوضع، فإمّا تغيّر حفظهما وإمّا اختلطت كُتْبُهما.
محمد بن محمد بن عُبيد اللَّه [١] بن عمرو أبو عبد الله الْجُرْجاني الواعظ المقرئ، وقيل كنيته أبو الحسين، ويُلقّب بفضله. كان كثير الأسفار.
سمع: محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، وحامد بن شعيب، وعِمران بن موسى، وأبا بكر بن خُزَيْمة، والحسن بن سفيان، وعبد الله بن شيروَيْه، وابن جوصا الدمشقيّ.
وعنه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو بَكْر بن أبي علي الذكواني، وأبو نُعَيْم.
وقال: أخرج عنه أبو الشيخ.
وتُوُفّي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وَهمَ الحاكمُ في قوله: تُوُفّي سنة أربعٍ وأربعين.
محمد بن مَعْمَر بن ناصح [٢] أبو مسلم الذُّهلي الأصبهاني الأديب.
[سمع] [٣] أبا بكر بن عاصم، وأبا شعيب الحرّاني، ويوسف بن يعقوب القاضي، وموسى بن هارون.
وعنه: علي بن عبد ربّه، وأبو بكر الذّكواني، وأبو نعيم الحافظ، وأهل أصبهان.
стр. 12622
منذر بن سعيد بْن عَبْد الله [١] بْن عبد الرَّحْمَن، أبو الحاكم البَلُّوطي [٢] الكُزْني. وكُزنة فخذ من البربر، قاضي القضاة بقرطبة.
سمع من: عبيد الله بن يحيى الليثي، وحجّ سنة ثمان وثلاثمائة، فأخذ عن أبي المنذر كتاب «الأَشراف» وأخذ العربية [من] [٣] ابن النحّاس.
كان يميل إلى رأي داود الظاهريّ ويحتجّ له، ووُلّي القضاء في الثغور الشرقية. ثم وُلّي قضاء الجماعة سنة تسعٍ وثلاثين، وطالت أيامه وحُمدت سيرته، وكان بصيرًا بالْجَدَل والنظر والكلام، فَطِينًا بليغًا متفوّهًا [٤] شاعرًا، وله مُصَنَّفات في القرآن والفِقْه، أخذ النّاس عنه.
تُوُفّي في ذي القعدة، وله اثنتان وثمانون سنة، وقد ولي الصلاة بالمدينة الزهراء، وكان قوّالًا بالحق لا يخاف لومة لائم، وكان كثير الإنكار على الناصر لدين الله عبد الرحمن، بليغ الموعظة كبير الشأن. [٥] قيل إنّ أول معرفته بالنّاصر أنّ النّاصر احتفل لدخول [رسول] ملك الروم صاحب قسطنطينية بقصر قُرْطُبَة الاحتفال الذي اشتهر، فأحب أن يقوم الشعراء والخطباء بين يديه، فقدّموا لذلك أبا علي القالي [٦] رصيف الدولة، فقام وحَمَد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ارْتُجّ عليه وبُهِت وسكت، فلما رأي ذلك منذر القاضي قام دونه بدرجة، ووصل افتتاح القالي بكلام عجيب بهر
стр. 12623
العقول جزالةً وملأ الأسماع جلالةً، فقال: أمّا بعد، فإنّ لكل حادثة مقامًا، ولكلّ مقامٍ مقالًا، وليس بعد الحقّ إلّا الضلال، وإنّي قد قمت في مقامٍ كريم، بين يدي ملك عظيم، فاصْغوا لي بأسماعكم، إنّ من الحقّ أنْ يُقال للمُحِقّ: صدَقت، وللمُبِطْلِ: كَذَبتَ، وإنّ الجليل تعالى في سمائه، وتَقدّس بأسمائه، أمر كَلِيمَه موسى أن يذكّر قومه بنعم الله عندهم، وأنا أذكّركم نِعَمَ الله عليكم، وتلافيه لكم بولاية أميركم التي آمَنَتْ سربكم ورفعت خوفكم، وكنتم قليلًا فكثّركم، ومُسْتَضْعَفِينَ فقوّاكم، ومُسْتَذَلّين فنصركم، ولاه الله أيّامًا ضربت الفتنة سُرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شُعَلُ النفاق حتى صرتم مثل حدقة البعير، مع ضيق الحال والتغيير، فاستُبْدِلتم من الشدّة بالرخاء.
فناشدتُكُمُ اللَّهَ أَلم تكن الدماء مسفوكةً فَحَقَنها، والسُبُلُ مَخُوفَةً فأَمَّنها، والأموال مُنتَهَبَةً فأحرزها، والبلاد خرابًا فعمّرها، والثغور مهتَضَمَة فحماها ونصرها؟، فاذكروا آلاء الله عليكم [١] . وذكر كلامًا طويلًا وشِعرًا، فقطّب [الرسول] [٢] وصلّب وتعجّب الأمير عبد الرحمن منه وولاه خَطابة الزّهراء، ثم قضاء الجماعة بمملكته، ولم يُحفظ له قضية جَوْر، وقد استعفى غير مرّة فلم يعف، والله أعلم.
стр. 12624
[وفيات] سنة ست وخمسين وثلاثمائة
أحمد بن أسامة بن أحمد [١] بن أسامة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّمْح بن أسامة أبو جعفر التّجَيبي، مولاهم المصري المقرئ.
قرأ القرآن على إسماعيل بن عبد الله النّحاس، عن أبي أيّوب الأزرق صاحب ورش.
وتصدّر للإقراء فقرأ عليه خَلَفُ بن إبراهيم بن خاقان شيخ أبي عمرو الدّاني وغيره.
وسمع الحديث من بكر بن سهْل الدِمياطي، وغيره.
روى عنه: أبو القاسم يحيى بن علي بن الطّحان في تاريخه، وقال:
تُوُفّي في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين، [وقيل] [٢] ستٍ وخمسين.
وأمّا أبو عمرو الدّاني فروى عن خَلَف بن إبراهيم وفاته سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وأنّه نَيّفَ على المائة.
قال أبو عمرو: روى عنه القراءة محمد بن النعمان، وخلف بن قاسم، وعبد الرحمن بن يونس.
стр. 12625
أحمد بن بُوَيْه الدَّيْلمي [١] السلطان مُعِزّ الدولة أبو الحسين بن فنّا خسرو ابن تمّام بن كوفي بن شيرزيل بن شيركوه بن شيرزيل بن شيران بن شيرفنة بن شبستان شاه بن سَسَن فرو بن شروزيل بن سَسْناد بن بهْرامَ جُور.
أحد ملوك بني ساسان. كذا ساق نَسَبَه القاضي شمس الدين، وَعَدَّ ما بينه وبين بهْرام ثلاثة عشر أبًا، وقابلته على نسختين.
كان بُوَيْه يصطاد ويحترف، وكان ولده أحمد هذا رُبَّما احتطب، فآل أمره إلى المُلْك، وكان قدومه إلى بغداد سنة أربعٍ وثلاثين، وكان موته بالبَطَن فَعَهِد إلى ولده عزّ الدولة أبي منصور بَخْتيار بن أحمد.
وقيل: إنّه لمّا احتضر استحضر بعض العلماء فتاب على يده، كلّما حضر وقت الصلاة خرج العالم إلى مسجد، فقال معزّ الدولة: لم لا تصلّي هنا؟ قال: إنّ الصلاة في هذه الدار لا تصحّ، وسأله عن الصحابة، فذكر له سوابقهم وأنّ عليًا زوّج بنته من فاطمة بعمر ﵁، فاستعظم وقال:
ما علمت بهذا، وتصدّق بأموال عظيمة، وأعتق غلمانه، وأراق الخمور، وردّ المواريث إلى ذوي الأرحام.
وكان يقال له الأقطع. طارت يساره في حرب، وطارت بعض اليمنى، وسقط بين القتلى ثم نجا. وتملّك بغداد بلا كلفة، ودانت له الأمم، وكان في الابتداء تَبَعًا لأخيه الملك عماد الدولة.
مات فِي ربيع الآخر سنة ستًّ وخمسين وثلاث مائة، وله ثلاث وخمسون سنة.
وقد أنشأ دارًا غرِم عليها أربعين ألف ألف درهم، فبقيت إلى بعد
стр. 12626
الأربعمائة ونُقِضت، فاشتروا جردَ ما في سقوفها من الذهب بثمانية آلاف دينار) [١] [٢] أحمد بن محمود بن زكريا [٣] بن خرّزاذ القاضي أبو بكر الأهوازي.
سمع: أبا مسلم الكجّي، وأبا جعفر الحضرمي مُطَيّنًا، ونحوهما.
تُوُفّي في ذِي القعدة.
أحمد بن محمد بن خَلَف [٤] بن أبي حُجَيْرة، أبو بكر القُرْطُبّي.
سمع من: أحمد بن خالد بن الحُباب، وجماعة، ودخل فسمع بمصر من محمد بن جعفر بن أعْيَن.
وكان زاهدًا متبتّلًا [٥] فقيهًا. تُوُفّي في جُمادى الأولى.
إبراهيم بن محمد بن شهاب [٦] أبو علي [٧] العطّار الحنفي. كان من متكلّمي المعتزلة.
روى عن: محمد بن يونس الكديمي، وأبي مسلّم الكجّي.
وعنه: محمد بن طلحة النّعاليّ.
عِدادُهُ في البغداديين. عاش بِضْعًا وثمانين سنة.
стр. 12627
إسماعيل بن القاسم بن هارون [١] بن عَيذون [٢] ، العلامة أبو علي البغدادي القالي.
سألوه عن هذه النسبة فقال: أهّ وُلد بمَنَازِكِرْد [٣] فلما انحدرنا إلى بغداد كان رفقته فيها جماعة من أهل قالي قلا [٤] فكانوا يحافظون لمكانهم من الشعر، فلمّا دخلت بغداد انتسبت إلى قالي قَلا، وهي قرية من قرى منازكرد من أرمينية، ورجوت أن انتفع بذلك عند العلماء. فمضى عليّ القالي.
وقيل إنّ مولده سنة ثمانين ومائتين.
أخذ العربية واللغة عن ابن دُرَيْد، وابن أَبِي بكر بن الأنباري، وابن دَرَسْتَوَيْه، وسمع من أبي يعلى الموصلي، وأبي القاسم البَغَوِي، وأبي بكر بن أبي داود، وابن صاعد، وابن عرفة نفْطَوَيْه، وعلي بن سليمان الأخفش، وقرأ بحرف أبي عمرو علي أبي بكر بن مجاهد [٥] . وأوّل دخوله إلى بغداد سنة خمس وثلاثمائة.
стр. 12628
حكى هارون النّحْويّ قال: كنّا نختلف إلى [أبي] [١] علي بجامع الزهراء، فأخذني المطر، فدخلت وثيابي مُبْتَلّة، وحوله أعلام أهل قرطبة، فقال لي: مهلًا يا أبا نصر هذا هيّن وتبدّله بثياب أُخَر، فلقد عرض لي ما أبقى بجسمي نُدُوبًا. كنت أختلف إلى ابن مجاهد فأدْلَجْتُ، فلما انتهيت إلى الدرب رأيته مُغْلَقًا فقلت: أبكّر هذا البكور وتفوتني النّوُبَة، فنظرت إلى سَرَبٍ هناك فاقتحمته، فلما أنْ توسّطْتُه ضاق بي، ونشبت فاقتحمته أشدَّ اقتحام، فنجوت بعد أن تخرّقَت ثيابي وتزلّع جِلْدي حتى انكشف العَظْم، فأين أنت ممّا عرض لي.
ثم أنشد:
ثَبَتَّ للمجد والسَّاعونَ قد بلغوا ... جَهْدَ النُّفُوس وألقوا دونه الأزرا
فكابَدُوا المجِدَ حتى مَلَّ أَكْثَرهُم ... وعانق المجدَ مَن أوفى ومَن صَبَرا
لا تَحْسِبِ المجدَ تمرًا أنت آكَلُه ... لن تَبْلُغَ المجدَ حتى تَلْعَقَ الصَّبْرا
قال: ودخل [٢] الأندلس في سنة ثلاثين، فقصد صاحبَها عبدَ الرحمن النّاصر لديَن الله فأكرمه، وصنّف لولده الحَكَم تصانيف، وبثّ علومه هناك، وكان قد بحث على ابن دَرَسْتَويْه الفارسي كتاب سيبَويه، ودقّق النظر وانتصر للبصْرِيّين، وأملى أشياء من حفظه ككتاب «النوادر» وكتاب «الأمالي» الذي اشتهر اسمه، وكتاب «المقصور والممدود» ، وله كتاب «الإبل» وكتاب «الخيل» ، وله كتاب «البارع في اللغة» نحو خمسة آلاف ورقة، لم يؤلّف أحد مثله في الإحاطة والجمع لكن لم يتممّه. وولاؤه لعبد الملك بن مروان ولهذا قصد بني أمَيّة ملوك الأندلس، فَعَظُم عندهم وكانت [مؤلّفاته] [٣] على غاية الاتقان.
أخذ عنه: عبد الله بن الربيع التميمي، وهو آخر من حدّث عنه، وأحمد بن أبان بن سيد، وأبو بكر محمد بن الحسن الزّبيدي اللّغوي، وغيرهم.
стр. 12629
تُوُفّي أبو علي بقرطبة في ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة.
جعفر بن محمد بن الحارث أبو محمد المراغي، طَوَّف الأقاليم وسمع محمد بن يحيى المروزي، وأبا عبد الرحمن النّسَائي، وأبا خليفة، والفِرْيابي، وعبد الله بن ناجية، وأبا يَعْلَى الموصلي، وطائفة بعد الثلاثمائة، وعاش نيّفًا وثمانين سنة.
روى عنه الحاكم وقال: كان من أصدق الناس في الحديث، وأبو عبد الرحمن السّلمي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السرّاج، وآخرون.
جعفر بن مطر النَّيْسَابُوري.
رحل وسمع محمد بن أيّوب بن الضُّريس، وأبا خليفة.
وعنه الحاكم وغيره.
حامد بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [١] بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ معاذ، أبو علي الرّفّاء الهَرَوي المحدّث الواعظ.
سمع: الفضل بن عبد الله اليشكري، وعثمان بن سعيد الدّارمي، والحسين بن إدريس، ومحمد بن عبد الرحمن بهَرَاة، وبهَمَذَان محمد بن المغيرة السُّكّري، ومحمد بن صالح الأشجّ، وعلي بن عبد العزيز بمكة، ومحمد بن يونس الكديمي، وإبراهيم الحربي، وبِشْر بن موسى ببغداد، وسمع أيضًا بَنْيسابور داود بن الحسين البَيْهَقي، وخليفة، وسمع محمد بن أيّوب البجلي بالرّيّ وبالكوفة.
وعنه: الحاكم، وأبو منصور محمد بن محمد الأزدي، وأبو علي بن شاذان، وأبو الفضل محمد بن أحمد الجارودي، وسعيد بن عثمان بن عمّار، ومحمد بن عبد الرحمن الدّبّاس، وأبو عثمان سعيد بن العبّاس القرشي، وهو آخر من حدّث عنه.
стр. 12630
عاش إلى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. وحدّث أبو علي ببغداد بانتخاب الدار الدارقُطْني.
وثّقه الخطيب وغيره، وكان موته بَهَراة في رمضان.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْخَلالِ، أنا أَبُو الْمِنْخَالِ اللُّتِّيِّ، أَنَا أَبُو الْوَقْتِ، أَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الأَنْصَارِيُّ، أنا محمد بْنُ يُوسُفَ، أنا حَامِدُ بْنُ محمد، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْلَمَةَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ عَلِيٍّ ﵁: اللَّهمّ ثَبِّتْنَا عَلَى كَلِمَةِ الْعَدْلِ وَالْهُدَى وَالصَّوَابِ، وَقِوَامِ الْكِتَابِ، هَادِينَ مَهْدِيِّينَ، رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ.
سعيد بن أحمد بن محمد [١] بن عبد ربّه أبو عثمان الفقيه ابن شاعر الأندلس.
سمع: محمد بن عمر بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وجماعة.
وكان مُقَدّمًا في الفتوى ثقة عالمًا، أخذ الناس عنه.
العباس بن محمد بن نصر [٢] بن السّرِيّ أبو الفضل الرافضي.
سمع: هلال بن العلاء، وسعيد بن يحيى بن يزيد صاحب مُصْعَب الزُّبَيْري، ومحمد بن الخَضِر بن علي، وحفص بن عمر بن سنجة، ومحمد بن محمد الجذوعي القاضي، وصباح بن محمد بن صباح صاحب المُعَافَى بن سليمان، وغيرهم.
ولعلّه آخر من روى عن هلال بن العلاء.
روى عنه: عبد الرحمن بن عمر النّحاس، وأبو عبد الله بن نظيف،
стр. 12631
وأحمد بن محمد بن الحاجّ، وجماعة.
وتوفي بمصر. قال يحيى بن علي الطحاوي: تكلموا فيه.
عَبْد اللَّه بْن محمد بْن أحمد بن حبان أبو الطيب قاضي طوس.
قال الحاكم: روى عن مسدَّد بن قطن، ومحمد بن إسماعيل بن مهران، وجماعة.
وخُرّجت له الفوائد. وكان من أعيان أصحاب أبي علي الثقفي.
تُوُفّي سنة ست وخمسين.
عبد الخالق بن الحسن بن محمد [١] بن نصر بن أبي رُوبا السقطي العدّل ببغداد.
سمع: محمد بن سُلَيْمَان الْبَاغَنْدِيُّ، ومحمد بن غالب تَمْتَام، وإسحاق بن الحسن الحربي، وأبا شعيب الحراني.
وعنه: أبو الحسن بن رزقويه، وعلي بن داود الرّزّاز، وعبد الله بن يحيى السُّكّري، وطلحة الكتّاني، وأبو علي بن شاذان، ومحمد بن طلحة النّعالي.
وثّقه البَرْقاني.
عثمان بن محمد بن بشر [٢] أبو عمرو السَّقَطي البغدادي، سَنَقه [٣] .
سمع: محمد بن يونس الكديمي، وإسماعيل القاضي، وإبراهيم الحربي، وأحمد بن علي البربهاري، وغيرهم.
وكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، وأثنى عليه البرقاني ووثّقه.
روي عنه: ابن رزقويه، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وعبد الله
стр. 12632
السُّكّري، وطلحة بن الصقر، ومحمد بن طلحة النّعالي.
توفّي في ذي الحجّة، وله سبع وثمانون سنة.
علي بن إبراهيم بن حمّاد [١] بن إسحاق أبو الحسن الأزدي البغدادي القاضي.
سمع: محمد بن يونس الكديمي، وبِشْر بن موسى، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وانتخب عليه الدار الدارقطني.
وعنه: أبو الحسن بن رزقويه، وعلي بن داود الرّزّاز.
وثّقه الخطيّب، قال: ولي قضاء الأهواز.
علي بْن الحُسَيْن بْن مُحَمَّد [٢] بن أحمد بن الهيثم أبو الفرج الأصبهاني، الكاتب، مصنّف كتاب «الأغاني» .
سمع: محمد بن عبد الله بن سليمان الحضْرمي، ومحمد بن جعفر القتّات، والحسين بن أبي الأحوص، وعلي بن العبّاس المقانعي الكوفيّين، وأبا خُبيب بن البرتي، فمن بعدهم.
والهيثم هو ابن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان الحمار بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
روي عنه: الدارقُطْني، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وعلي بن أحمد الرّزّاز، وآخرون.
стр. 12633
واستوطن بغداد من صباه. كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنّفيها. روى عن طائفة كثيرة، وكان إخباريًّا نَسَّابةً شاعرًا، ظاهر التشيُّع.
قال أبو علي التنوخيّ: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والمُسْنَدات والأنساب ما لم أر قطّ من يحفظ مثله، ويحفظ سوى ذلك من علوم أُخَر، منها اللغة والنحو والمغازي والسّير، وله تصانيف عديدة، وحصل له ببلاد كُتُب صنّفها لبني أُمَيّة ملوك الأندلس أقاربه، سيّرها إليهم سِرًّا وجاءه الإنعام سرا، فمن ذلك: «نسب بني عبد شمس» ، وكتاب «أيام العرب ألف وستمائة يوم» ، وكتاب «جَمْهرة النَّسَب» ، وكتاب «نسب بني شَيْبان» ، وكتاب «نسب المهالبة» لكونه كان منقطعًا إلى الوزير المُهَلّبي، وله فيه مدائح، وله كتاب «أخبار الشواعر» ، وكتاب «مقاتل الطالبيّين» ، وكتاب «الزّيارات» وهذا عجيب إذ هو مروانيّ يتشيّع.
قال ابن أبي الفوارس: قد خلّط قبل أن يموت. قال: وتُوُفّي في ذي الحجّة، وكان مولده سنة أربع وثمانين ومائتين.
قلت: رأيت شيخنا ابن تيمية يضعّفه ويتّهمه في نقله ويستهول ما يأتي به، وما علمتُ فيه جرحًا إلّا قول ابن أبي الفوارس: خلّط قبل أن يموت.
وقد أثنى علي كتابه «الأغاني» جماعة من جِلَّة الأدباء. ومن تواليفه كتاب «أخبار الطُفَيِليّين» ، كتاب «أخبار جحظة» ، كتاب «أدب السماع» ، كتاب «الخمّارين» .
قال هلال [١] بن المحسّن الصّابي: كان أبو الفرج صاحب الأغاني من نُدماء الوزير المهلَّبي، وكان وسِخًا قذِرًا لم يُغْسَلْ له ثوب أبدًا منذ فصّله إلى [٢] أنْ يتقطّع، وشِعْره جيّد لكنّه في الهجاء أبلغ، وكانوا يتّقون لسانه ويصبرون على مجالسته ومشاربته.
ذكر ابن الصابي أنّ أبا القاسم الْجُهَني مُحتِسب البصْرة كان من ندماء
стр. 12634
المهلّبي، وكان يُورِد الطّامّات من الحكايات المُنْكَرة، فجرى مرّة حديث النَّعْنَع فقال: في البلد الفُلاني نعنع يطُول حتى يصير شجرًا، ويُعمل من شجره سلالم، فثار منه أبو الفرج الأصبهاني وقال: نعم عجائب الدنيا كثيرة ولا يُنكَر هذا، والقدرة صالحة، أنا عندي ما هو أغرب من هذا، زَوْج حمام يبيض بيضتين، فآخذهما وأضع تحتهما سنجة مائة وسنجة خمَسين، فإذا فرغ زمان الحضان انفقست السنجتان عن طشْت وأبريق، فضحك أهل المجلس، وفطن الْجُهَنيّ لِما قصد أبو الفرج من الطنز به، وانقبض عن كثير من حكاياته.
ومن نظْم أبي الفرج وكتب به إلى صديق وأجاد:
أبا محمد المحمودُ يا حُسنَ الإحْسانِ ... والْجُودِ يا بحرَ النّدى الطّامي
حاشاك من عَوْدِ عُوّادٍ إليك ومن ... دواء داءٍ ومن إلمام آلام [١]
علي بن عبد الله بن حمدان [٢] بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد الأمير سيف الدولة أبو الحسن التغلبي الجْزري صاحب حلب وغيرها وأخو ناصر الدولة الحسن.
كان مقصد الوفود، ومطلع الجود، وكعبه الأمال، ومحط الرحال، وكان أديبًا شاعرًا.
ويقال: إنّه لم يجتمع بباب ملك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشعراء، وكان عطاء الشعراء من فرائض الأمراء، وكان كلّ من عبد الله بن
стр. 12635
الفيّاض الكاتب، وأبي الحسن علي الشمشاطي، قد اختار من مدائح الشعراء في سيف الدولة عشرة آلاف بيت.
ملك مدينة حلب سنة ثلاث وثلاثين، انتزعها من أحمد بن سعيد الكلابي نائب الإخشيذ، وكان قبلها قد استولى على واسط ونواحيها، وتقلّبَت به الأحوال، وملك دمشق أيضًا، وكثيرًا من بلاد الشام والجزيرة، وجرت له حروب، وذلك أنّه تَوَجّه من حلب إلى حمص فلقيه جيش الإخشيذ وعليهم كافور الإخشيذي المُتَوَفّي أيضًا في هذه السنة، فكان الظّفَر لسيف الدولة، وجاء فنازل دمشق فلم يفتحوا له، فرجع، وكان الإخشيد قد خرج بالجيوش من مصر، فالتقى هو وهو بنواحي قِنَّسرين، فلما ظفر أحدهما بالآخر، تقهقر سيف الدولة إلى الجزيرة، وردّ الإخشيذ إلى دمشق، ثم ردّ سيف الدولة فدخل حلب، ومات الإخشيذ بدمشق في آخر سنة أربع وثلاثين، وسار كافور بالعساكر إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق وملكها وأقام بها، فذكروا أنّه كان يساير الشريف العقيقي فقال: ما تصلح هذه الغوطة إلّا لرجلٍ واحدٍ، فقال له العقيقي: هي لأقوام كثير لئن أخذتها القوانين ليتبرّأون منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق بهذا القول، فكاتبوا كافور فجاءهم وأخرجوا سيف الدولة بعد سنة، ودخلها كافور.
وُلد سيف الدولة سنة إحدى، ويقال سنة ثلاث وثلاثمائة، ومدحه الخالديّان [١] بقصيدة أولها:
تَصُدُّ ودارُها صدَدُ ... وتُوعدُه ولا تعِدُ
وقد قتلته ظالمَةً ... ولا عقل ولا قَوْدُ
بوجهٍ كلّه قمرٌ ... وسائر جسمه اسَدُ
وكان موصوفًا بالشجاعة، له غزوات مشهورة مع الروم، وكان مثاغرًا لهم، ومن شعره:
стр. 12636
وساقٍ صَبيح للصّبُوح دعوتُه ... فقام وفي أجفانه سنة الغُمْضِ
يطوف بكاساتِ العُقار كأنْجُم ... فمِنْ بين مُنْقَضٍّ علينا مُنْقَضِ
وقد نَشَرَت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنا [و] [١] الحواشي على الأرض
يُطرَّزُها قوسُ السحاب بأصفَرٍ ... على أحمرٍ في أخضر إثر [٢] مُبْيَضِّ
كأذيال خَوْدٍ أقبلت في غَلائلٍ ... مُصَبَّغةٍ، والبعضُ أقصَرُ من بعضِ [٣]
وله:
أُقَبِّلهُ على جَزعٍ ... كشُرْب الطائر الفَزعِ
رأى ماءً فأطمعه ... وخاف عواقب الطمعِ
ومما نُسب إليه:
قد جرى في دمعه دمُه ... فإلى كم أنتَ تَظْلِمُهُ
ردّ عنه الطّرفَ منك فقد ... جَرَحَتْه منكَ أسهمُهُ
كيف يسطيع التَّجَلُّدَ من ... خَطَرَاتُ الوَهْم تؤلِمُهُ؟
وبقلبي من هوى رشاء ... تائه ما الله يعلمه
ما دوَائي غير ريقته ... خمرة لتُقلب مرهَمُهُ [٤]
يقال إنّه مات بالفالج، وقيل بعُسْر البَوْل بحلب في عاشر صفر، وحُمل إلى ميّافارِقين فدُفن عند أمّه. وكان قد جُمع من نَفْض الغُبار الذي يتجمع عليه أيام غزواته ما جاء من لَبِنة بقَدْر الكَفّ، وأوصى أن يوضع خدُّه عليها في لَحده ففُعِل ذلك به، وملك بعده حلبَ ابنُه سعيد الدولة، وهلك سنة إحدى وثمانين كما يأتي.
فذكر ابن محمد الشمشاطي في تاريخه قال: ورد سيف [الدولة] إلى حلب عليلًا فأمسك كلامه ثلاثة أيام، ثم جمع قرغويه الحاجب وظفر الخادم
стр. 12637
والكبار فأخذ عليهم الأَيْمان لولده أبي المعالي بالأمر بعده، ومات على أربع ساعاتٍ من يوم الجمعة لخمس بقين من صفر الموافق ثامن شباط، وتولّى أمرَه القاضي أبو الهيثم بن أبي حُصَين، وغسّله عبد الرحمن بن سهل المالكي قاضي الكوفة، وغسّله بالسّدر ثم الصَّنْدل، ثم بالذّريرة، ثم بالعنبر والكافور، ثم بماء ورد، ثم بالماء، ونُشَّف بثوب دبيقيّ بنيّف وخمسين دينارًا، أخذه الغاسل وجميع ما عليه وتحته، وصبّره بصبر ومُرّ ومنّ من كافور، وجعل على وجهه وبَخْره مائة مِثْقال غالية، وكُفّن في سبعة أثواب تساوي ألفَ دينار، وجُعل في التابوت مُضَرَّبة ومخدَّتان، وصلّى عليه أبو عبد الله العلوي الكوفي الأقساسي فكبّر خمسًا. وعاش أربعًا وخمسين سنة شمسية.
وخرج أبو فراس بن حمدان في الليل إلى حمص، ولما بلغ معزّ الدولة خبرُ موته جزع عليه وقال: أنا أعلم أن أيّامي لا تطول بعده، وكذا كان.
وذكر النّجار [١] أنّ سيف الدولة حضر عيد النحر، ففرّق على أرباب دولته ضحايا، وكانوا أُلُوفًا، فبعث إليهم ما يُضَحُّون به، فأكثر مَن ماله مائة رأس وأقلّهم شاة، قال: ولزمه في فداء الأسارى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ستّمائة ألف دينار، وفي ذلك يقول البَبَّغَاء [٢] :
كانوا عبيد نَدَاك [٣] ثم شريتهم ... فَغَدوا [٤] عبيدك نعمة وشراء [٥]
وكان سيف الدولة شيعيًّا متظاهرًا مِفْضالًا على الشيعة والعلويّين.
علي بن محمد بن خُلَيع [٦] أبو الحسن البغدادي الخيّاط المقرئ، أحد القرّاء.
стр. 12638
[أخذ القراءة] [١] عن: يوسف بن يعقوب الواسطي، وزرعان بن أحمد.
تصدّر للإقراء ببغداد.
قرأ عليه الحمامي، وعبد الباقي بن الحسن، [و] أَحْمَد بن عبد اللَّه بن الخَضِر السَّوْسَنْجِرْديّ، ومحمد بن أحمد الحربي، وآخرون، ويُعرف بابن بنت القَلانسي.
قال الداني: سمعت فارس بن أحمد يقول: قال لي عبد الباقي: بَلَغْت على أبي الحسن ابن بنت القلانسي إلى «الكوثر» [٢] فقال لي: اخْتِمْ، فختمت. ثم إنّه سقط ذلك اليوم من سُلّم فكُسِر ومات، وذلك في ذي القعدة، وهو في عُشْر الثّمانين. رحمة الله.
كافور الخادم الأسود الحبشي [٣] الأستاذ أبو المِسْك الإخشيدي السلطان، اشتراه الإخشيذي من بعض رؤساء المصريين، وكان أسود بصّاصًا [٤] ، فيقال أنه ابتيع بثمانية عشر دينارًا، ثم إنّه تقدّم عند الإخشيذ صاحب مصر لعقله ورأيه وسَعْده، إلى أن كان من كبار القوّاد، وجهّزه في جيش لحرب سيف الدولة، ثمّ إنّه لما مات أستاذه صار أتابك [٥] ولده أبي القاسم أَنُوجُور وكيله صبيًّا، فَغَلَبَ كافور على الأمور
стр. 12639
وبقي الاسمُ لأبي القاسم والدَّسْت [١] لكافور حتى قال وكيله: خدمت كافور وراتبه كل يوم ثلاث عشر جراية، وتُوُفّي وقد بلغت على يدي كل يوم ثلاثة عشر ألف جراية.
وأَنُوجُور معناه بالعربي محمود. ولي مملكة مصر والشام إلّا اليسير منها بعقد الراضي باللَّه والمدبّر له كافور. ومات في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة عن ثلاثين سنة، وأُقيم مكانه أخوه [أبو] الحسن عليّ، فأخذت الروم في أيّامه حلب وطَرَسُوس والمَصّيصة وذلك الصقْع. ومات علي في أول سنة خمس وخمسين عن إحدى وثلاثين، فاستقلّ كافور بالأمر، فأشاروا عليه بإقامة الدعوة لولد لعليّ المذكور، فاحتجّ بصِغَره، وركب في الدَّسْت بخِلَعٍ أظهر أنّها جاءته من الخليفة وتَقَليده وذلك في صفر سنة خمس وخمسين، وتمّ له الأمر.
وكان وزيره أبا الفضل جعفر بن الفرات، وكان راغبا في الخير وأهله.
ولم يبلُغْ أحدٌ من الخُدّام ما بلغ كافور، وكان ذكيًا له نظرٌ في العربيّة والأدب والعِلم، وممن كان في خدمته أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي [٢] النَّحوي صاحب الزَّجَّاج، فدخل يومًا على كافور أبو الفضل بن عيّاش فقال:
أدام الله أيّامِ سيّدنا- بخفض أيّام- فتبسّم كافور ونظر إلى النجيرمي وقال ارتجالًا:
ومثل سيّدنا حالتْ مهابَتُه ... بين البليغ وبين القول بالحَصَرِ
فإنْ يكن خَفَضَ الأيام من دَهَشٍ ... وشدّة الخوف لا من قلّة البَصَر
فقد تَفَاءَلْتُ في هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيّد البشر [٣]
стр. 12640
فأمر له بثلاثمائة دينار.
وكان كافور يُدْني الشعراء ويُجِيزُهُم، وكان يُقرأ عنده كل ليلة السّيَر وأخبار الدولة الأموّية والعبّاسية، وله نُدَماء. وكان عظيم الحِمّيَة يمتنع من الأسواق [١] ، وعنده جَوَارٍ مُغَنّيات، وله من الغلمان الرُّوم والسُّود ما يتجاوز الوصف. زاد مُلْكُه على ملك مولاه الإخشيذ، وكان كريمًا كثير الخِلَع والهِبات، خبيرًا بالسياسة، فطِنًا ذكيًّا جيّد العقل داهيةً، كان يُهادي المُعِزّ صاحب المغرب ويُظْهِر مَيْلَه إليه، وكذا يُذْعن بطاعة بني العباس ويُداري ويخدع هؤلاء وهؤلاء.
ولما فارق المتنّبي سيفَ الدولة مُغَاضِبًا له سار إلى كافور وقال:
قواصدَ كافورٍ تَوَارِكَ غيرِهِ ... ومن قصد البحرَ استقَلَّ السَّوَاقيا
فجاءت بنا أنسانَ عين زمانه ... وخلّت بياضًا خَلْفَهَا ومآقيا [٢]
فأقام عنده أربع سنين يأخذ جوائزه. وله فيه مدائح، وفارقه سنة خمسين، وهجاه بقوله:
مَن علَّم الأسودَ المَخْصِيّ مَكرُمَةً ... أَقَومُه [٣] البيضُ أَمْ آباؤُه الصّيد
وذاك أنّ الفُحُولَ البِيض عاجزةٌ ... عن الجميل فكيف الخصية السّود [٤]