[المجلد الثامن والعشرون (سنة ٤٠١- ٤٢٠) ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الحادية والأربعون
سنة إحدى وأربعمائة
[إظهار قرواش الطاعة للحاكم وخطبته]
فيها ورد الخبر أنّ أبا المَنِيع قرواش بْن مُقَلّد جمع أهل المَوْصِل وأظهر عندهم طاعة الحاكم، وعرَّفهم بما عنده مِن إقامة الدّعوة لَهُ، ودعاهم إلى ذَلِكَ.
فأجابوه في الظّاهر، وذلك في المحرَّم. فأعطى الخطيبَ نسخة ما خطب بِهِ، فكانت: الله أكبر، الله أكبر، ولا إله إلا الله، وله الحمد الّذي انجلت بنوره غَمَرات الغضب [١] ، وانقهرت [٢] بقُدرته أركان النَّصْب، وأطلع بنوره شمس الحقّ من الغرب. الّذي محا [٣] بعدله جور الظَّلمة [٤] ، وقصم بقُوّته ظهر الفْتِنة [٥] ، فعاد الحقّ [٦] إلى نصابه، والحقّ إلى أربابه، البائن بذاته، المنفرد بصفاته، الظّاهر بآياته، المتوحّد بدلالاته، لم تَفُتْه الأوقات فتسبقه [٧] ، ولم تشبه الصُّور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة» .
إلى أن قَالَ: بعد الصّلاة عَلَى الرّسول، وعلى أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين، أساسُ الفضل والرحمة، وعمار العِلْم والحِكْمة، وأصل الشّجرة الكرام، النّابتة في الأرومة المقدَّسة المطهرّة، عَلَى أغصانه بواسق [٨] من تلك الشجرة.
стр. 13547
وقال في الخطبة الثانية: بعد الصّلاة عَلَى محمّد، اللَّهمّ صلّ على ولّيك الأكبر [١] عليّ بن أَبِي طَالِب أَبِي الأئمّة الرّاشدين المَهْديّين [٢] ، اللَّهمّ صلّ عَلَى السّبْطْين الطَّاهرين الحسن والحسين، اللَّهمّ صلّ عَلَى الإمام المهديّ بك والّذي بلّغ [٣] بأمرك وأظهر حُجَّتك، ونهض بالعدل في بلادك، هاديا لعبادك.
اللَّهمّ صلّ عَلَى القائم بأمرك، والمنصور بنصرك، الّلذين بذلا نفوسهما في رضاك، وجاهدا عِداك [٤] ، وصلّ عَلَى المُعِزّ لدينك، المجاهد في سبيلك، والمُظْهِر لآياتك الحقيّة، والحجّة العليّة. اللَّهمّ وصلّ عَلَى العزيز بك، والذي تهذَّبت [٥] بِهِ البلاد. اللَّهمّ أجعل توافي صلواتك على سيّدنا ومولانا، إمام الزّمان، وحصن الإيمان، وصاحب الدّعوة العلّوية والمِلّة النَّبويّة، عبدك وولّيك المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، كما صلّيت على آبائه الرّاشدين. اللَّهمّ أَعِنْه ما ولّيته، واحفظ له ما اسْتَرْعَيْتَهُ، وانصر جيوشه وأعلامه [٦] .
وكان السّبب أنّ رُسُل الحاكم وكُتُبَه تكرّرت على قرواش، واستمالته وأفسد نيّته.
ثم انحدر إلى الأنبار، فأمر الخطيب بهذه الخطبة، فهرب الخطيب.
فسافر قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الدّعوة في ثاني ربيع الأوّل، وأقيمت بالمدائن، وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث. فأنزعج القادُر باللَّه، وكاتبَ بهاء الدّولة، وأرسل في الرّسْليّة أبا بَكْر محمد بْن الطّيّب الباقلّانيّ، وحمّله قولًا طويلًا، فقال: إنّ عندنا أكثر ممّا عند أمَير المؤمنين، وقد كاتبنا أبو عليّ، يعني عميد الجيوش، وأمرنا بإطلاق مائة ألف دينار يستعين بها على نفقة العسكر،
стр. 13548
وإن دَعَت الحاجة إلى مسيرنا سِرْنا.
ثمّ نفد إلى قرواش في ذَلِكَ، فأعتذر ووثّق مِن نفسه في إزالة ذَلِكَ، وأعاد الخطبة للقادر.
وكان الحاكم قد وجّه إلى قرواش هدايا بثلاثين ألف دينار، فسار الرَّسُول فتلقّاه قَطْعُ بالرَّقَّة فردَّ [١] .
[ولاية دمشق]
وفي ربيع الأول منها عُزِل عَنْ إمرة دمشق منير بالقائد مظفّر [٢] ، فوليّ أشهرًا.
ثم عُزِل بالقائد بدر العطّار، ثمّ عزل بدر في أواخر العام أيضًا [٣] .
وولي القائد منتجب الدّولة لؤلؤ [٤] ، وكلّهم من جهة الحاكم العُبَيْديّ.
ثمّ قِدم دمشقَ أبو المطاع بْن حمدان متوليا عليها مِن مصر يوم النَّحْر [٥] .
[انقضاض كوكب]
وفي صفر أنقضّ وقت العصر كوكب مِن الجانب الغربيّ إلى سَمْتِ دار الخلافة، لم ير أعظم منه [٦] .
стр. 13549
[زيادة دجلة]
وفي رمضان بلغت زيادة دجْلة إحدى وعشرين ذراعًا وثُلثًا، ودخل الماء إلى أكثر الدُّور الشّاطيّة، وباب التّبْن، وباب الشّعير. وغرقت القُرى [١] .
[خروج أَبِي الفتح العلوي الملقّب بالراشد باللَّه]
وفيها خرج أبو الفتح الحَسَن بْن جعفر العلويّ، ودعى إلى نفسه، وتلقَّب بالراشد باللَّه. وكان حاكمًا عَلَى مكّة، والحجاز، وكثير من الشّام. فإنّ الحاكم بعث أمير الأمراء ياروخ نائبا إلى الشّام، فسار بأمواله وحُرَمه، فلِقَيهم في غزَّة مفرّج بْن جرّاح، فحاز جميع ما معهم وقتل ياروخ [٢] .
وسار مفرّج إلى الرملة فنهبها، وأقام بها الدّعوة للراشد باللَّه، وضرب السّكّة لَهُ. واستحوذت العربُ عَلَى الشّام من الفَرما إلى طبريّة، وحاصروا الحصون [٣] .
[امتناع ركْب العراق]
ولم يحجّ ركْبُ من العراق [٤] .
[وفاة عميد الجيوش]
وفيها تُوُفّي عميد الجيوش أبو عليّ الحُسين بْن جعفر عَنْ إحدى وخمسين سنة. وكان أَبُوهُ من حُجّاب الملك عضُد الدّولة، فجعل أبا عليّ برسم خدمة ابنه صمصام الدّولة، فخَدمه، وخدَم بعده بهاء الدولة.
ثمّ ولّاه بهاء الدّولة تدبير العراق، فقدِم في سنة اثنتين وتسعين والفتن
стр. 13550
شديدة، واللّصوص قد انتشروا، ففتك [١] بهم، ثمّ غّرق طائفة. وأبطل ما تعمله الشّيعة يوم عاشوراء.
وقيل: إنّه أعطي غلامًا لَهُ دنانير في صينيّة، فقال: خُذْها عَلَى يدك.
وقال: سر من النَّجمي إلى الماصر الأعلى، فإن عرض لك معترض فدعْه يأخذها، وأعرف الموضع.
فجاء نصف الّليل فقال: قد مشيتُ البلدَ كلّه، فلم يلْقني أحد. ودخل مرّة الرُّخَّجيّ وأحضر مالًا كثيرًا، وقال: مات نصرانيّ مصريّ ولا وارث لَهُ.
فقال: نترك هذا المال، فإنْ حضر وارث وإلا أُخِذ.
فقال الرُّخجيّ: فيحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقّن المال؟
فقال: لا يجوز ذَلِكَ.
ثمّ جاء أخو الميّت فأخذ التّركة [٢] .
وكان مَعَ هيبته الشّديدة عادلًا. ولي العراق ثمان سِنين وسبعة أشهر، وتولّي الشريف الرضيّ أمره، ودفنه بمقابر قُرَيْش [٣] . وولي بعده العراق فخر الملك.
وفيه يَقُولُ الببّغاء الشاعر:
سألتُ زماني: بمن أستغيث؟ ... فقال: استغِثْ بعميد الجيوشِ [٤]
فناديتُ: ما لي من حرفة ... فجاوب: حوشيت من هذا وحوشي
رجاؤك إيّاه يُدْنيك منه ... ولو كنتَ بالصّين أو بالعريشِ
نَبَتْ بي داري وفرَّ القريب ... وأودت ثيابي وبيعت فروشيِ
стр. 13551
وكنتُ أُلَقَّبُ بالببّغا قديمًا ... فقد مزق الدّهرُ ريشي
وكان غداءي نقيُّ الأرزّ ... فها أَنَا مقتنعٌ بالحشيش
[القحط بخراسان]
وفيها كان القحط الشّديد بخراسان، لا سيما بَنْيسابور، فهلكَ بَنْيسابور وضواحيها مائة ألف أو يزيدون. وعجزوا عَنْ غسل الأموات وتكفينهم. وأُكَلتِ الجيفة والأرواث ولحوم الآدميّين أكْلًا ذريعًا، وقُبِض عَلَى أقوام بلا عدد كانوا يغتالون بني آدم ويأكلونهم [١] .
وفي ذَلِكَ يَقُولُ أبو نصر الذُهْليّ:
قد أصبحَ النّاسُ في بلاء ... وفي غلاء تداولوه
من يلزم البيت مات جوعًا ... أو يشهد النّاسَ يأكلوه
وقد أنفق محمود بْن سُبُكْتكين في هذا القَحْط أموالًا لا تحصى حتّى أحيى النّاس، وجاء الغيث.
[الفتنة بالأندلس]
وفيها وقبلها جرت بالأندلس فتنة عظيمة، وبُذِلَ السّيف بقُرْطُبة، وقُتل خلقٌ كثير. وتَمَّ ما لا يعبَّر عنه، سقناه في تراجم الأمراء.
стр. 13552
سنة اثنتين وأربعمائة
[عمل عاشوراء بالعراق]
أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بْن حامد الوزير الّذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح [١] .
[محضر الطعن في صحة نسب الخلفاء بمصر]
وفي ربيع الآخر كُتِبَ مِن الّديوان محضر في معنى الخلفاء الّذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم. وقُرئت النّسخةُ ببغداد. وأُخِذَت فيها خطوط القضاة والأئمّة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنَسب الدَيْصَانيّة، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بْن سَعِيد الخُرّميّ، إخوانُ [٢] الكافرين، ونُطَف الشّياطين، شهادةً يتقَّربُ بها إلى الله. ومعتقد ما أوجب الله تعالى عَلَى العلماء أن يبيّنوه للنّاس. شهدوا جميعًا أنّ الناجم بمصر وهو منصور بْن نزار المُلَقَّب بالحاكم حكم الله عَليْهِ بالبوار، والخزْي والنّكال، ابن مَعَدّ بْن إسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد، لا أسعده الله.
فإنّه لما صار سَعِيد إلى الغرب تَسَمّى بِعُبَيْد الله وتلقَّب بالمهديّ. وهو ومَن تقَّدم من سلفه الأرجاس الأنجاس، عَليْهِ وعليهم اللّعنة، أدعياء خوارج لا نسبَ لهم في ولد عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁. وأنّ ذَلِكَ باطل وزُور.
وأنتم لا تعلمون أنّ أحدًا من الطّالبييّن توقَّف عَنْ إطلاق القول في هَؤلَاءِ الخوارج أنّهم أدعياء.
وقد كَانَ هذا الإنكار شائعًا بالحَرَمَيْن، وفي أوّل أمرهم بالمغرب، منتشرا
стр. 13553
انتشارا يمنع من أن يُدلَّس [١] عَلَى أحدٍ كَذِبِهُمُ، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم.
وأنّ هذا النّاجم بمصر هُوَ وسيلة كُفارٍ وفُسّاق فُجّار زنادقة. ولمذهب الثّنَويّة والمَجوسيّة معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروجَ، وسفكوا الدماء، وسَبّوا الأنبياءَ ولعنوا السّلف، وادعَّوا الربوبيّة.
وكُتِبَ في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة.
وكتب خلق كثير في المختصر منهم الشّريف الرضيّ، والشريف المرتضي أخوه، وابن الأزرق الموسويّ، ومحمد بْن محمد بْن عُمَر بْن أَبِي يَعْلَى [٢] العلويّون، والقاضي أبو محمد عَبْد الله بْن الأكفانيّ، والقاضي أبو محمد أبو القاسم الْجَزَريّ [٣] ، والإمام أبو حامد الإسفرائينيّ، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو عليّ بْن حَمَكَان، وأبو القاسم بْن المحسّن التَّنُوخيّ، والقاضي أبو عَبْد الله الصَيْمُريّ [٤] .
[إنفاق فخر الملك الأموال في العراق]
وفيها فَرّق فخر المُلْك أموالًا عظيمة في وجوه البِرّ، وبالغ في ذَلِكَ حتى كثر الدّعاء لَهُ ببغداد، وأقام دارًا هائلة أنفق عليها أموالًا طائلة [٥] .
[نُصْرة يمين الدولة عَلَى الكفّار]
وفيها ورد كتاب يمين الدّولة أَبِي القاسم محمود بْن سُبُكْتكين إلى القادر باللَّه بأنّه غزا قومًا من الكُفّار، وقطع إليهم مفازة، وأصابه عطش كادوا يهلكون، ثمّ تفضَّل الله عليهم بمطرٍ عظيم رواهم، ووصلوا إلى الكُفْار. وهم خلقٌ معهم ستّمائة فيل، فنصر عليهم وغنم وعاد [٦] .
стр. 13554
[هياج الريح عَلَى الحجّاج]
وفي آخر السنّة وردَ كتاب أمير الحاجّ محمد بْن محمد بْن عُمَر العلويّ بأنّ ريحًا سوداء هاجت عليهم بزُبالة [١] ، وفقدوا الماء، فهلك خلْق. وبلغت مزادة الماء مائة درهم. وتخفّر جماعة بني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة [٢] .
[الاحتفال بعيد الغدير]
وعُمل الغدير. ويوم الغدير معروف عند الشّيعة، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجّة بعد الغدير بثمانية أيّام اتّخذته العامّة عنادًا للرافضة. فَعُمِل الغدير في هذه السّنة والغار في ذي الحجّة، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون. وأظهرت القينات من التعليق شيئًا كثيرًا، واستعان السُّنّة بالأتراك، فأعاروهم القماش المفتخر والحُليّ والسّلاح المذهَّب [٣] .
[هرب ناظر الزّمام بمصر]
وفي هذه الحدود هربَ مِن الدّيار المصريّة ناظر ديوان الزّمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بْن عليّ المغربيّ حين قَتَل الحاكم أَبَاهُ وعمّه، وبقيَ إلْبًا عَلَى الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع. فحصل عند المفرّج بْن جّراح الطّائيّ أمير عرب الشام، وحسّن لَهُ الخروج عَلَى الحاكم، وقتل صاحب جيشه، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة.
[إمامة صاحب مكة الراشد باللَّه]
ثمّ قَالَ أبو القاسم لحسّان ولد المفرّج بْن الجرّاح، إنّ الحَسَن بْن جعفر العلويّ صاحب مكّة لا مَطْعَن في نسبه، والصّواب أن تنصّبه إماما. فأجابه،
стр. 13555
ومضي أبو القاسم إلى مكّة، واجتمع بأميرها وأطمعَه في الإمامة، وسهَّل عَليْهِ الأمور وبايعه، وجوّز أخذ مال الكْعبة وضرِبِه دراهم، وأخذَ أموالًا من رَجُل يُعرف بالمطّوعيّ، عنده ودائع كثيرة للنّاس. واتّفق موت المطّوعيّ، فاستولى عَلَى الأموال، وتلقَّب بالراشد باللَّه. واستخلف نائبًا عَلَى مكّة، وسار إلى الشّام، فتلقّاه المفرّج وابنهُ وأمراء العرب، وسلّموا عَليْهِ بإمرة المؤمنين. وكان متقلّدًا سيفًا زعم أَنَّهُ ذو الفِقار، وكان في يده قضيب زعم أَنَّهُ قضيب النَّبِيّ ﷺ ، وحوله جماعة من العلوييّن، وفي خدمته ألف عَبْد. فنزل الرّملة، وأقام العدل، واستفحل أمره، فراسلَ الحاكمُ ابن جرّاح، وبعث إِليْهِ أموالًا استماله بها.
وأحسَّ الراشد باللَّه بذلك، فقال لابن المغربي: غَرَرْتني وأَوْقَعْتني في أيدي العرب، وأنا راضٍ من الغنيمة بالإياب والأمان. ورَكب إلى المفرّج بْن جرّاح وقال: قد فارقتُ نعمتي، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونًا إلى ذِمامك، وثقه بقولك، واعتمادًا عَلَى عهودك، وأرى ولدكَ حسّانًا قد أصلح أمره مَعَ الحاكم، وأريدُ العَوْد إلى مأمني.
فسيَّره المفرَج إلى وادي القُري، وسيَّر أبا القاسم المغربي إلى العراق.
فقصدَ أبو القاسم فخر الملك أبا عليّ، فتوهَموا فيه أنّه يفسد الدّولة العبّاسيّة، فتسحّب إلى الموْصِل ونفقَ عَلَى قرواش، ثمّ عاد إلى بغداد [١] .
[أمراء دمشق]
وفي جُمَادى الأولى عُزِل أبو المطاع بْن حمدان عَنْ إمرة دمشق، وأُعيد إليها بدر العطّار. ثمّ صُرِف بعد أيّام بالقائد بْن بزال، فوليها نحوا من أربعة أعوام [٢] .
стр. 13556
سنة ثلاث وأربعمائة
[تقليد الشريف الرضيّ نقابة الطالبيين]
فيها قُلّد الشّريف الرضي أبو الحسن الموسَويّ نقابة الطَالبييّن في سائر الممالك، وخُلِعَتْ عَليْهِ خلعة سوداء. وهو أوّل طالبيّ خُلعَ عَليْهِ السّواد [١] .
[عمارة رستاق العراق]
وفيها عَمّر رُستاقَ العراق فخرُ الملك الوزير، فجاء الارتفاع لحقّ السّلطان بضعة عشر ألف كُرٍ [٢] .
[اعتداء فُليتة الخفاجي عَلَى ركْب الحاجّ]
وفيها، في أوّلها، بل في صَفَر، وقعة القرعاء. جاء الخبر أنّ فُلَيْتَة الخَفَاجيّ سبق الحاجّ إلى واقصة في ستّمائة من بني خَفَاجة، فغّور الماء، وطرحَ في الآبار الحنظل، وقعد ينتظر الرَّكْب. فلمّا وردوا العَقبَة حَبسهم ومنعهم العبور، وطالبهم بخمسين ألف دينار. فخافوا وضعُفُوا، وأجهدهم العطش، فهجم عَليْهم، فلم يكن عندهم مَنَعَة، فاحتوى عَلَى الْجِمال والأحمال، وهلك الخلق. فقيل: إنه هلك خمسة عشر ألف إنسان، ولم يُفلت إلا العدد اليسير.
وأفلتَ أميرهم محمد بن محمد بن عُمَر العلويّ في نفرٍ من الكِبار في أسوأ حال بآخر رَمَق. فورد عَلَى فخر المُلْك الوزير من هذا أعظم ما يكون، وكتبَ إلى عامل الكوفة بأن يُحسن إِلَى من توصّل ويُعينهم. وكاتب عليّ بْن مَزْيد وأمره أن يطلب العرب، وأن يُوقِع بهم. فسارَ ابن مَزْيد، فلِحقهم بالبّريّة وقد قاربوا
стр. 13557
البصرة، فأوقع بِهِم وقتل كثيرًا منهم، وأسَر القوي والد فُلَيَتَة، والأشتر، وأربعة عشر رجلًا من الوجوه. ووجدَ الأموال والأحمال قد تمزَّقت وتفّرقت، فانتزع ما أمكنه وعاد إلى الكوفة، وبعث الأسرى إلى بغداد، فشُهّروا وسجنوا، وجوع بعضهم، ثُمَّ أطعمهم المالح، وتركوا على دجلة يرون الماء حَتَّى ماتوا عطشا [١] .
[انقضاض كوكب ببغداد]
وفي رمضان انقضّ كوكبٌ من المشرق ببغداد، فغلبَ ضوؤه عَلَى ضوء القمر وتقطّع قطَعًا [٢] .
[جنازة بِنْت أَبِي نوح الطبيب والفتنة بسببها]
وفي شوّال أُخْرجت جنازة بِنْت أَبِي نوح الطبيب امرَأَة ابن إسرائيل كاتب النّاصح أَبِي الهيجاء. ومع الجنازة النّوائح والطُّبول والزُّمور والرُّهْبان والصّلْبان والشُّموع. فأنكر هاشميٌ ذَلِكَ ورجَمَ الجنازة، فوثب بعض غلمان النّاصح فضربَ الهاشميّ بدبّوس فشجّه، وهربوا بالجنازة إلى بَيْعةٍ هناك، فتبِعَتْهم العامّة، ونهبوا البيعة وما جاورَها مِن دُور النَّصارَى.
وعاد ابن إسرائيل إلى داره، فهجموا عَليْهِ، فهربَ واستجار بمخدومِه.
وثارت الفتنة بين العامّة وبين غلمان النّاصح، وزادت ورُفِعَتِ المصاحف في الأسواق، وغُلِّقت الجوامع، وقصد النّاسُ دار الخليفة، فركب ذو السَّعادتين إلى دار النَاصح، وتردّدت رسالة الخليفة بإنكار ذَلِكَ، وطُلِبَ ابن إسرائيل، فامتنع النّاصح من تسليمه. فغضب الخليفة وأمر بإصلاح الطّيّار للخروج من البلد.
وجمع الهاشمييّن في داره، واجتمعت العامّة يومَ الجمعة، وقصدوا دار النّاصح، ودفعهم غلمانه عَنْهَا، فقُتل رَجُل قِيلَ إنّه علويّ، فزادت الشّناعة، وامتنع الناس من صلاة الجمعة. وظفرت العامّة بقومٍ من النّصارى فقتلوهم. ثمّ بعث النّاصحُ
стр. 13558
ابن إسرائيل إلى دار الخليفة، فسكنت العامّة. وأُلْزِمت النّصارى بالغيار، ثمّ أُطْلِقَ ابن إسرائيل [١] .
[إلزام النصارى واليهود بحمل شارات في رقابهم]
وفيها ألزمَ الحاكم صاحب مصرَ النَّصارى بحمل صلْبان خَشَب، ذراع في ذراع في أعناقهم، وزن الصّليب خمسة أرطال، وفي رقاب اليهود أكَر خشب بهذا الوزن، فأسلم بسبب هذا الذُلّ طائفة [٢] .
[النهي عَنْ تقبيل الأرض]
ونهى الأمراء عَنْ تقبيل الأرض وبَوْس اليد، ورسَم أن يقتصروا عَلَى السّلام عليكم ورحمة الله ولَبس الصّوف عَلَى جسده ورأسه، واقتصر عَلَى ركوب الحمار بغير حُجّاب ولا طرّادين [٣] .
[كتاب الحاكم بأمر الله إلى ابن سبكتكين]
وفيها بعث محمود بْن سُبُكْتكين كتابًا إلى القادر باللَّه. وقد وردَ إِليْهِ من الحاكم صاحب مصر، يدعوه فيه إلى الطّاعة والدّخول في بيعته، وقد خرّقه وبصق عَليْهِ [٤] .
[ولاية ابن مّزْيد عَلَى آمد وديار بَكْر]
وفيها قُرِئ عهد أَبِي نصر بْن مَزْيد [٥] الكُرْديّ عَلَى آمد وديار بَكْر، وطُوّق وسُوِّر، ولُقِّبَ «نصير الدّولة» [٦] .
стр. 13559
[إبطال الحاجّ]
ولم يحجّ أحدٌ من العراق. ورَدّ حاجُّ خُراسان [١] .
[وفاة أيلك خان صاحب ما وراء النهر]
وفيها مات أيلك الخان صاحب ما وراء النّهر الّذي أخذها من آل سامان بعد التّسعين وثلاثمائة. وكان ملكًا شجاعًا حازمًا ظالمًا، شديد الوطأة. وكان قد وقع بينه وبين أخيه الخان الكبير طُغان ملك التُّرْك، فورث مملكته أخوه طغان، فمالأ السّلطان محمود بن سُبُكْتكين ووالاه وهادنه، وتودَّد لَهُ، فجاست من جهة الصّين جيوش تقصد جيوش طغان وبلاد الإسلام من ديار التُّرك وما وراء النّهر يزيدون عَلَى مائة ألف خِرْكاه، لم يعهد الإسلام مثلها في صعيدٍ واحد، فجمع طغان جمعًا لم يُسمع بِمِثِلِه ونصره الله تعالى [٢] .
[وفاة السلطان بهاء الدّولة]
ومات السّلطان بهاء الدّولة أحمد بْن عَضد الدّولة، وكان مصافيا للسلطان محمود بْن سُبُكْتكين مداريا لَهُ، مُوِثرًا لمصافاته لحكم الجوار [٣] .
والله أعلم.
стр. 13560
سنة أربع وأربعمائة
[تلقيب فخر المُلك بسلطان الدولة]
في ربيع الأول انحدر فخر الملك إلى دار الخلافة، فلما صعِد من الزَّبْزب تلقّاه أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، وقبًّل الأرض بين يديه، وفعَل الحُجّاب كذلك. ودخلَ الدّار والحُجّاب بين يديه، وأُجلس في الرّواق، وجلس الخليفة في القّبَّة. ودُعي فخر الملك. ثمّ كثر النّاس وازدحموا، وكثر البَوْس واللَّغَط، وعجز الحُجَابُ عَنِ الأبواب، فقال الخَليفة: يا فخر الملك، امنع من هذا الاختلاط. فرد بالدّبّوس الناسَ، ووكَل النُّقباء بباب القُبَة.
وقرأ ابن حاجب النُّعمان عهد سلطان الدّولة بالتّقليد والألقاب. وكتب القادر باللَّه علامته عَليْهِ، وأُحضرت الخِلعَ والتّاج والطَّوْق والسّواران واللّواءات، وتولّي عقْدهما الخليفةُ بيده، ثمّ أعطاه سيفًا وقال للخادم: اذهب قلّده بِهِ، فهو فخرٌ لَهُ ولعَقبِه، يفتح بِهِ شرق الدّنيا وغَرْبها. وبعث ذَلِكَ إلى شِيراز مَعَ جماعة [١] .
[إبطال الحاكم للمنجّمين]
وفيها أبطل الحاكم المنجمين من بلاده، وشدَّد في ذَلِكَ، واعتقَ أكثر مماليكه وأحسن إليهم [٢] .
стр. 13561
[ولاية عهد الحاكم]
وجعلَ وليّ عهده ابن عمّه عَبْد الرحيم بْن الياس، وخطب لَهُ بذلك [١] .
[حبس الحاكم للنساء]
وأمرَ بحبس النساء في البيوت. فاستمرّ، وكذلك في سنة ستّ [٢] .
[ملحمة الترك والصين]
وفي حدود هذه السّنة كانت الملحمة الهائلة بين ملك التُّرْك طُغان، ﵀، وبين جيش الصّين، فَقُتِل فيها من الكُفّار نحوٌ من مائة ألف [٣] ، ودامت الحرب أيّامًا، ثم نزل النّصر، [٤] وللَّه الحمد.
стр. 13562
سنة خمس وأربعمائة
[مَنعَ النساء من الخروج في مصر]
فيها ورد الخبر أنّ الحاكم صاحب مصر حظَر عَلَى النّساء الخروج من بيوتهنّ والإطلاع من الأسطحة ودخول الحَمّامات. ومنعَ الأساكفة من عمل الخِفاف، وقتل عدّةِ نِسْوة خالفنَ أمره.
وكان قد لهج بالركوب في اللّيل يطوف في الأسواق. ورتَّب في كلّ درب أصحاب أخبار يطالعونه بما يتمّ. ورتّبوا عجائز يدخلن الدُّور ويكشفن ما يتمّ للنّساء، وأنّ فلانة تحبّ فلانًا ونحو هذا. فيُنْفذ من يُمْسك تِلْكَ المرأة، فإذا اجتمع عنده جماعة منهنّ أمر بتغريقهم. فافتضح النّاس وضجّوا في ذَلِكَ.
ثم أمر بالنّداء: أيّما امرأةٍ خرجت من بيتها أباحت دمها. فرأى بعد النّداء عجائز، فغرقهن.
قَالَ: فإذا ماتت امرَأَة جاء وليُّها إلى قاضي القضاة يلتمس غاسلة، فيكتب إلى صاحب المعونة، فيُرسل غاسلةٍ مَعَ اثنين من عنده ثمّ تُعاد إلى منزلها [١] .
وكان قد هَمَّ بتغيير هذه السُّنّة.
[حيلة امرَأَة]
فاتّفق أنْ مَرَّ قاضي القضاة مالك بْن سَعِيد الفارقيّ، فنادته امرَأَة من رَوْزَنةٍ: أقسمتُ عليك بالحاكم وآبائه أن تقف لي.
стр. 13563
فوقف، فبكت بكاءٍ شديدًا وقالت: لي أخ يموت فباللَّه إلا ما حملتني إليه لأشاهده، قبل الموت.
فرقّ لها وأرسلها مَعَ رجلين، فأتت بابا فدخلته.
وكان الدّار لرجل يهواها وتهواه. وأتى زوجها فسأل الجيران، فأخبروه بالحال، فذهبَ إلى القاضي وصاح، وقال: أَنَا زوج المرأة وما لها أخ، وما أفارقك حتّى تردّها إليَّ.
فعظُم ذَلِكَ عَلَى قاضي القُضاة، وخاف سطوة الحاكم، فطلع بالرجل إلى الحاكم مرعوبًا وقال: العفو يا أميَر المؤمنين. ثمّ شرح لَهُ القصّة. فأمره أن يركب مَعَ ذينك الرجلين. فوجدوا المرأة والرجل في إزار واحدٍ نائمين على سُكْر، فَحُمِلا إلى الحاكم. فسألها فأحالت عَلَى الرجل وما حسَّنه لها. وسأل الرجل فقال: هِيَ هجمت عليّ وزعمت أنّها خلْوٌ من بعْلٍ، وإنّي إنّ لم أتزوّجها سَعَتْ بي إليك لتقتلني.
فأمر الحاكم بالمرأة، فُلفّت في باريّة وأُحْرِقت، وضُرب الرجل ألف سوط. ثمّ عاد وشدّد عَلَى النّساء إلى أن قُتِل [١] .
[تقليد القاضي ابن أبي الشوارب]
وفيها قلّة قاضي القضاة بالحضرة أبو الحسن أحمد بْن محمد بْن أَبِي الشّوارب بعد وفاة ابن الأكفانّي [٢] .
[تقليد ابن مّزْيد أعمال بني دُبيس]
وفيها قلّد عليّ بْن مَزَيَد أعمال بني دبيس بالجزيرة الأسديّة [٣] .
стр. 13564
سنة ستّ وأربعمائة
[الفتنة بين السُّنّة والرافضة]
فيها جرت فتنة بين السُّنّة والرافضة ببغداد في أوّل السنة، ومنعهم فخر المُلْك مِن عمل عاشوراء [١] .
[الوباء بالبصرة]
وفيها وقع وباء عظيم بالبصرة [٢] .
[تقليد الشريف المرتضى الحجّ والنقابة]
وقُلّدَ الشريف المرتضى أبو القاسم الحجّ والمظالم ونقابة الطالبييّن، وجميع ما كَانَ إلى أخيه.
وحضر فخر المُلْك والأشراف والقُضاة قراءة عهده، وهو:
«هذا ما عهد عبدُ الله أبو العّباس أحمد القادر باللَّه أمير المؤمنين إلى عليّ بْن موسى العلويّ حين قّربته إِليْهِ الأنساب الزّكيّة، وقدَّمت لديه الأسباب القّوية» ، وذكر العهد [٣] .
[هلاك آلاف الحجّاج]
وفي آخر صفر وردَ الخبر إلى بغداد بعد تأخّره بهلاك الكثير من الحاجّ، وكانوا عشرين ألفًا، فسلم منهم ستة آلاف وأنّ الأمراء اشتدّ بهم العطش حتّى
стр. 13565
شربوا أبوال الجمال. ولم يحجّ أحد تِلْكَ السّنة [١] .
[غزوة ابن سُبُكْتكين للهند وغرق أصحابه]
وفيها وردَ الخبر أنّ محمود بْن سُبُكْتكين غزا الهند، فَغَرَّهَ أَدِلاؤهُ وأضلّوه الطّريق، فحصل في مائّية فاضت من البحر، فغرق كثير ممّن كَانَ معه، وخاض الماء بنفسه أيّامًا ثمّ تخلَّص وعاد إلى خُراسان [٢] .
[ولاية سهم الدّولة على دمشق]
وفيها ولي إمرة دمشق سَهْم الدّولة ساتكين الحاكميّ، فولِيَها سنتين وثلاثة أشهر [٣] .
стр. 13566
سنة سبع وأربعمائة
[احتراق مشهد الحسين]
فيها احترق مشهد الحسين ﵁ بكربلاء من شمعتين سقطتا في جوف اللّيل عَلَى التأزير [١] .
[احتراق دار القطن]
وفيها احترقت دار القطن [٢] ونهر طابق.
[وقوع قبّة الصخرة]
وفيها وقعت القُبّة الكبيرة الّتي عَلَى الصّخْرة ببيت المقدس [٣] .
[الفتنة بين الشيعة والسُّنّة]
وفيها هاجت الفتنة بين الشّيعة والسُّنّة بواسطة، ونُهِبَتْ دُور الشّيعة الزَّيدية وأُحْرِقَتْ، وهرب وجوه الشّيعة والعلوييّن، فقصدوا علي بْن مزيد واستنصروا به [٤] .
стр. 13567
[الخِلَع بالوزارة للرامهُرْمُزيّ]
وفيها خُلِعَ علي أَبِي الحسن بْن الفضل الرامهُرْمُزيّ خِلَعُ الوزارة من قبل سلطان الدّولة. وهو الّذي بنى سور الحائر بمشهد الحسين [١] .
[الوقعة بين أَبِي شجاع وأخيه أَبِي الفوارس]
وفيها كانت وقعة بين سلطان الدّولة أَبِي شجاع وبين أخيه أبي الفوارس بعد أن دخلَ شيراز وملكها [٢] .
[فتح خوارزم]
وفيها افتتح محمود بْن سُبُكْتكين خوارزم، ونقل أهلها إلى الهند [٣] .
[امتناع الركْب من العِرَاقِ]
ولم يخرج رَكْبٌ من العراق [٤] .
стр. 13568
سنة ثمان وأربعمائة
[تفاقم الفتنة بين الشيعة والسُّنّة]
وقعت الفتنةُ بين السُّنّة والشّيعة وتفاقمت، وعمل أهل نهر القلايين بابًا عَلَى موضعهم، وعمل أهلُ الكَرْخ بابًا عَلَى الدّقّاقين. وقتل طائفة عَلَى هذين البابين. فركب المقدام أبو مقاتل، وكان عَلَى الشرطة، ليدخل الكَرْخ فمنعه أهلها وقاتلوه. فأحرق الدّكاكين وأطراف نهر الدّجاج، وما تهيّأ لَهُ دخولٌ [١] .
[استتابة فقهاء المعتزلة]
قَالَ هبة الله اللالكائيّ في كتاب «السُّنّة» ، أو في غيره:
وفيها استتاب القادر باللَّه فُقَهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع وتبرّءوا مِن الاعتزال والرّفْض والمقالات المخالفة للإسلام. وأخذ خطوطهم بذلك، وأنّهم مَتَى خالفوه عاقبهم [٢] .
[ضعف الدّولة البويهيّة]
وضعفت دولة بني بُوَيْه الدَّيْلَم، وقدِم بغدادَ سلطانُ الدّولة، فكانت النَّوبة تَضْرَب لَهُ في أوقات الصّلوات الخَمْس. وما تمّ ذلك لجدّه عضد الدولة [٣] .
стр. 13569
[التنكيل بالمعتزلة والرافضة وغيرهم في خراسان]
وامتثل يمين الدّولة محمود بْن سُبُكْتكين أمرَ القادر باللَّه، وبَثَّ سُنَّته في أعماله بخُراسان وغيرها في قتلِ المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والْجَهْميّة والمُشَبَّهة، وصَلَبهم وحَبَسهم ونفاهم، وأمرَ بلعنهم عَلَى المنابر، وشرّدهم عن ديارهم، وصار ذلك سُنَّة في الإسلام [١] .
[زواج سلطان الدّولة]
وفيها تزوَّج سلطان الدّولة ببنت قرواش بْن المقلّد عَلَى خمسين ألف دينار [٢] .
[إمارة الإدريسي للأندلس]
وفيها بويع بإمرة الأندلس القاسم بن حمود الإدريسيّ، فبقي ستّ سنين، وخُلِع [٣] .
[قتل الدّرزيّ]
وفيها قُتل الدُّرْزيّ الملحد لكونه ادّعى ربوبيّة الحاكم. فقُتِل وقُطّع [٤] .
[إمرة سديد الدّولة بدمشق]
وفيها ولي إمرة دمشق سديد الدّولة أبو منصور، ثم عُزِل بعد أشهر [٥] .
[غزو السلطان محمود للهند]
وغزا السلطان محمود الهند، فافتتح بلادًا كثيرة من الهند، ودانت لَهُ الملوك [٦] .
стр. 13570
سنة تسع وأربعمائة
[تكفير القائل بخلق القرآن]
في المحرَّم قُرئ بدار الخلافة كتاب بمذاهب السَّنة، وفيه: مَن قَالَ:
«القرآن مخلوق» فهو كافر حلال الدّم [١] ، إلى غير ذَلِكَ من أصول السُّنّة.
[زيادة ماء البحر]
وفيها زاد ماء البحر إِلَى أن وصل إلى الأُبُلّة، ودخل البصرة [٢] .
[عَود سلطان الدّولة إلى بغداد]
وفيها ردّ سلطان الدّولة إلى بغداد [٣] .
[فتح مهرة وختُّوج بالهند]
وفيها غزا السلطان محمود الهند، وافتتح مدينتي مهرة وختوج [٤] . وكان فتحًا عزيزًا. وبين ذلك وبين غَزْنَة مسيرة ثلاثة أشهر.
قَالَ أبو النّصر في تاريخه: عدل السّلطان بعد أخذ خوارزم إلى بسْت ثمّ إلى غَزْنة، فأتفقَ أن حشد إليه مِن أدني ما وراء النّهر زُهاء عشرين ألفًا من المطّوّعة. فحرّك من السّلطان محمود نفيرهم، وردّ من نفوس المسلمين
стр. 13571
تكبيرهم. واقتضى رأيه أن يزحف بهم إلى فتوح، وهي التي أعيت الملوك، غير كشاسب عَلَى ما زعمته المجوس، وهو ملك الملوك في زمانه، فزحف السّلطان بهم وبجنوده، وعبر مياه سَيْحون وتلك الأودية التّي تجلّ أعماقها عَنِ الوصْف، ولم يطأ مملكةً من تِلْكَ الممالك إلا أتاه الرَّسُول واضعًا خدّ الطّاعة، عارضًا في الخدمة الاستطاعة. إلى أن جاءه جنكي بْن شاهي وسهمي صاحب درب قشمير، عالمًا بأنه بْعثُ الله الّذي لا يرضيه إلا الإسلام أو الحسام. فضمن إرشاد الطرّيق، وسار أمامه هاديا. فما زال يفتح الصّياصي والقلاع حتى مرّ بقلعة هارون. فلمّا رأى ملكُها الأرض تموج بأنصار الله ومن حولها الملائكة زُلْزِلت قدَمُه، وأشفق أن يُراق دمه، ورأى أن يتّقي بالإسلام بأس الله، وقد شُهِرت حدوده ونُشِرت بعذبات العذاب بنوره، فنزل في عشرة آلاف ينادون بدعوة الإسلام.
ثمّ سار بجيوشه إلى قلعة كلنجد، وهو من من رءوس الشّياطين، وفكانت لَهُ معه ملحمة عظيمة، هلكَ فيها من الكُفّار خمسون ألفًا، من بين قتيل وحريق وغريق. فعمد كلنجد إلى زوجته فقتلها، ثمّ ألحقَ بها نفسه. وغنم السلطان مائة وخمسة وثمانين فيلًا. ثمّ عطف إلى البلد الّذي يُسَمّى المعبد، وهو مهرة الهند بطالع ابنيتها الّتي تزعم أهلها أنها من بناء الجنّ، فرأى ما يخالف العادات، وتفتقد روايتها إلى الشّهادات. وهى مشتملة عَلَى بيوت أصنام بنقوشٍ مبدعة، وتزاويق تخطف البصر.
قَالَ: وكان فيما كتب بِهِ السّلطان أنّه لو أراد مُريد أن يبني ما يعادل تِلْكَ الابنية ليعجز عنها بإنفاق مائة ألف ألف درهم، في مدّة مائتين سنة، عَلَى أيدي عَمَلَة كَمَلَة، ومَهَرَة سَحَرَة.
وفي جملة الأصنام خمسة من الذَّهب معمولة طول خمسة أذُرع، عينا كلّ واحدٍ منها ياقوتتان، قيمتهما خمسون ألف دينار بل أزْيَد. وعلى آخر ياقوتة زرقاء، وزنها أربعمائة وخمسون مثقالًا. فكان جملة الذّهبيّات الموجودة عَلَى أحد الأصنام المذكورة ثمانية وتسعين ألف مثقال. ثم أمر السلطان بسائر الأصنام فَضُرِبَت بالنِّفْط، وحاز من السّبايا والنّهاب ما يعجز عَنْهُ أناملُ الحُسّاب. ثمّ سار
стр. 13572
قدما يروم فتوح فتوح وخلّف معظم العسكر، فوصل إليها في شعبان سنة تسعٍ، وقد فارقها الملك إقبال منهزمًا، فتتّبع السّلطان قلاعها، وكانت سبعة عَلَى البحر، وفيها قريبٌ من عشرة آلاف بيت من الأصنام، تزعم المشركون أنها متوارثة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبًا وزورًا، ففتحها كلَّها في يوم واحد، ثمّ أباحها لجيشه فانتهبوها. ثمّ ركض منها إلى قلعة البراهمة، وتعرف بمنح، فافتتحها وقتل بها خلقًا كثيرًا، ثمّ افتتح قلعة جندراي وهي ممن يُضرب المثل بحصانتها.
وذكر أبو النّصر ذَلِكَ مطولًا مفصّلًا بعبارته الرائقة، فأسهب وأطنب. فلقد أقَّر عين السّامع، وسرَّ المسلم بهذا الفتح العظيم الجامع، وللَّه الحمد عَلَى إعلاء كلمة الإسلام، وله الشُّكر عَلَى إقامة هذا السّلطان الهمام.
وبعد الأربعمائة كَانَ قد غلب عَلَى بلاد ما وراء النّهر أيلك خان أخو صاحب التُّرك طُغَان الكبير، وهما مهادنان للسّلطان يمين الدّولة محمود بن سبكتكين، فقويت نفوسهما عليه مكرا ورواغا، وبقي كلّ واحدٍ منهما يُحيل عَلَى الآخر. فبعثوا رُسُلهم، فأكرم الرُّسُلَ، وأظهر الزّينة، وعرضَ جيشه.
قَالَ أبو النَّصر محمد بْن عَبْد الجبّار: فأمر بتعبئة جيوشه وتغشية فيوله، ورتَّب العسكر سِماطين في هيئة، لو رآها قارون قَالَ: يا ليت لي مثل ما أوتي محمود. فصفّ نحو ألفي غلام تُرْك في ألوان الثّياب، ونحو خمسمائة غلام بُقربه بمناطق الذَّهب المرصّعة بالجواهر، وبين أيديهم أربعون فيلًا من عظام الأفيلة بغواشي الدّيباج. ووراء السّماطين سبعمائة فيل في تجافيف مشهرة الألوان، وعامّة الجيش في سرابيل قد كدّت القيون وردّت العيون، وأمامهم الرجال بالعُدد، وقام في القلب كالبدر في ظُلمة الدّيجور. وأذن للرُسُل حينئذٍ، ثمّ عُدِل بهم إلى الموائد في دارٍ مفروشة بما لم يُحْك عَنْ غير الجنّة. ففي كلّ مجلس دُسُوت من الذَّهب من جفانٍ وأطباق، فيها الأواني الفائقة والآلات الرائقة، وهّيأ لخاصّ مجلسه طارم قد جُمعَتْ ألواحه وعضادته بضباب الذَّهب وصفائحه وفُرش بأنواع الدّيباج المذهَّب، وفيه كُوَّات مضلَّعة، تشتمل عَلَى أنواع الجواهر الّتي أعْيَتْ أمثالها أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وملوك الهند،
стр. 13573
وأقيال العرب. وحوالي المجلس أطباق تخان من الذَّهب، مملوءة من المِسْك والعنبر والعود، وأواني لم يُسمع بمثلها. ثمّ جهّز الرُّسُل.
ووقع بين الأخوين، وتنافرا مدّة لسعادة الإسلام وسلطانه يمين الدّولة.
وكان عَلَى مملكة خوارزم الملك مأمون بْن مأمون، قد وليها بعد أخيه عليّ، فزوّجه السّلطان محمود بأخته، ثمّ طلب منه أن يذكر اسمه في الخطبة معه، فأجابَ. وامتنع من الإجابة نائبه وكُبراء دولته ولاموه. ثمّ إنّهم قتلوه غيلةً، فغضب السّلطان وسار بجيوشه لحربهم، فالتقاهم بظاهر خوارزم وظفر بهم، فسمّر جماعة من الأمراء، واستناب على خوارزم حاجبه الكبير التونتاش. وصفَت لَهُ مملكة خُراسان، وسجِسْتان، وغَزنة، وخوارزم، والغور. وافتتح نصف إقليم الهند. في عدّة غزوات وكانت سلطنته بضعا وثلاثين سنة كما سيأتي في ترجمته [١] .
стр. 13574
سنة عشر وأربعمائة
[كتاب يمين الدّولة محمود بفتوحاته في الهند]
ورد من يمين الدولة محمود كتابٌ بما افتتحه مِن الهند، وبما وصل إليه مِن أموالهم وغنائمهم، فيه: إنّ كتابَ العبد صَدَر من غزْنة لنصف المحرَّم سنة عشر، والدّيُن مخصوصٌ بمزيد الإظهار، والشِّرْك مقهورٌ بجميع الأطراف والأقطار. وانتدب العبدُ لتنفيذ الأوامر وتابعَ الوقائع عَلَى كُفّار السّنْد والهند. فرتّب بنواحي غَزنة العبد محمدًا مَعَ خمسة عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل.
وانهض العبد مسعودًا مع عشرة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل، وشحن بلخ وطخارستان بأرسلان الحاجب، مَعَ اثني عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل.
وضبط ولاية خوارزم بالتّونْتاش الحاجب مَعَ عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل.
وانتخب ثلاثين ألف فارس وعشرة آلاف راجل لصحبة راية الإسلام.
وانضمّ إليه جماهير المطّوّعة.
وخرج العبدُ من غَزْنة في جمادى الأولى سنة تسعٍ بقلبٍ منشرح لطلب السّعادة، ونفس مشتاقة إلى درك الشهّادة، ففتح قلاعًا وحصونًا، وأسلم زُهاء عشرين ألفًا من عُبّاد الوثن، وسلّموا قدر ألف ألف من الورِق، ووقع الاحتواء عَلَى ثلاثين فيلًا. وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفًا.
ووافي العبدُ مدينةً لهم عاين فيها زهاء ألف قصر مشيد، وألف بيت للأصنام، ومبلغ ما فِي الصّنم ثمانية وتسعون ألف مثقال. وقلعَ مِن الأصنام الفضّة زيادةً عَلَى ألف صنم.
ولهم صنم معظّم يؤرّخون مدّته بجهالتهم بثلاثمائة ألف عام. وقد بنوا
стр. 13575
حول تِلْكَ الأصنام المنصوبة زُهاء عشرة ألاف بيت. فعنى العبد بتخريب تلك المدينة اعتناءً تامًا، ونهبها المجاهدون بالإحراق. فلم يبقَ منها إلا الرسوم.
وحين وجدَ الفراغ لاستيفاء الغنائم، حصّل منها عشرين ألف ألف درهم، وأفردَ خُمسَ الرقيق، فبلغ ثلاثة وخمسين ألفا. واستعرض ثلاثمائة وستّة وخمسين فيلًا [١] .
[ولاية قوام الدّولة عَلَى كرمان]
وفيها جلس القادر باللَّه فَقُرِئ عهد الملك قوام الدّولة أَبِي الفوارس، وحُمِلت إِليْهِ خلع السّلطنة بولاية كَرْمان [٢] .
[وفاة الأصيفر المنتفقي]
وفيها مات الأُصَيْفر المنتفقيّ الذي كَانَ يأخذ الخفّارة من الحجّاج [٣] .
[نيابة دمشق]
وقد ولي نيابة دمشق عدّةُ أمراء للحاكم في هذه السّنين، وكان النّاس يتعجّبون من كثرة ذَلِكَ [٤] .
ثم وليها وليُّ العهد عَبْد الرحيم بْن إلياس بْن أحمد بْن العزيز العُبَيديّ، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا موصوفًا. ثم عُزِل أقبح عْزل بعد أشهُر، وأُخِذَ إلى مصر مُقَيدًا، بعد أن قُتِل وقت القبضِ عَليْهِ جماعةٌ من أعوانه [٥] .
[موت صاحب حرّان]
وفيها مات صاحبُ حرّان وثّاب بْن سابق، وتملّك ابنه شبيب [٦] .
стр. 13576
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[تراجم رجال هذه الطبقة]
ذكر سنة إحدى وأربعمائة ومَن تُوُفّي فيها
- حرف الألف -
١- أحمد بْن عَبْد المُلْك بْن هاشم [١] .
أبو عُمَر بْن المُكْوِيّ الإشبيليّ المالكي، كبير المُفْتِين بقُرْطُبَة، الّذي انتهت رئاسة العلم بالأندلس في عصره إليه.
تفقه عَلَى إِسْحَاق بْن إبراهيم الفقيه، وكان حافظا للمذهب، مقدّما فيه، بصيرًا بأقوال أصحاب مالك، من أهل المتانة في دينه، والصّلابة في رأيه، والبُعْد عن هوى نفسه. القريب والبعيد عنده في الحق سواء.
دُعي إلى قضاء قُرْطُبَة مرَّتين فأبى، وصنّف كتاب «الاستيعاب فِي رأي مالك» للحَكَم أمير المؤمنين، فجاء في مائة جزء.
وكان جَمْعه لَهُ مَعَ أَبِي بَكْر محمد بْن عَبْد الله القُرَشيّ المُعَيْطيّ. ورُفع إلى الحَكَمَ فَسُرَّ بذلك، ووصلهما وقدَّمهما إلى الشُّورَى.
وُلَد أبو عُمر في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وعليه تفقه أبو عُمَر بْن عَبْد البّر، وأخذ عنه «المدوّنة» .
стр. 13577
تُوُفّي فجأة في سابع جمادى الأولى. وكانت لَهُ جنازة عظيمة.
٢- أحمد بْن عَبْدوس بْن أحمد الجرْجانيّ [١] .
يروي عَنْ: أَبِي العبّاس الأصمّ، وغيره.
تُوُفّي في ربيع الأولّ.
٣- أحمد بْن علي بْن أحمد بْن مُحَمَّد [٢] .
أبو العبّاس الرّيغيّ الباغانيّ المقرئ، الفقيه المالكيّ.
قدِم الأندلس سنة ست وسبعين، وأدَّب ولد المنصور محمد بْن أَبِي عامر.
ثمّ عَلَت منزلته، وقُدم للشورى بعد أَبِي عُمَر بْن المُكْويّ. وكان أحد الأذكياء الموصوفين. وكان بحرًا من بحور العلم، لا سيما في القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ والأحكام.
أخذ بمصر عَنْ: أَبِي بَكْر الأدفويّ، وعبد المنعم بْن غَلْبُون.
وتُوُفّي في ذي القعدة وله ستٌ وستّون سنة.
وقد أخذ عَنْهُ: ابن عَتَّاب، وغيره.
٤- أحمد بْن عُمَر بْن أحمد [٣] .
أبو عَمْرو الْجُرْجانيّ المطرّز.
عُرف بالبَكْراباذيّ المحدث.
أحدَ مَن عُني بالرّحلة والسَّماع.
أنفق مالًا جزيلًا، وسمع بإصبهان من أبي الشّيخ، وببغداد من القطيعيّ،
стр. 13578
وباليمن من أَبِي عَبْد الله النِقويّ آخر أصحاب إِسْحَاق الدَّبَريّ.
وتُوُفّي بجُرْجان في جُمَادَى الأولى، وقد شاخ.
٥- أحمد بْن عُمَر بْن أحمد بن محمد بن عبد الواحد.
أبو الحسن الكِنانيّ المصريّ، والد أَبِي الحسن عليّ الرّاوي عَنِ ابن حَيَّوَيْهِ النيسابوري.
تُوُفّي لليلتين بقيتا من ربيع الآخر. قاله أبو إِسْحَاق الحبّال.
٦- أحمد بْن محمد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد بْن الحُبَاب بْن الْجَسُور [١] .
أبو عُمر القُرْطُبي، مولي بني أميَّة.
وأمّا أبو إِسْحَاق بْن شِنْظير فكناه: أبو عُمَيْر، والأوّل أشهر.
روى عن: قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، ومحمد بن عبد الله بن أبي دُلَيْم، ومحمد بن معاوية القرشي، وأحمد بن مطرف، وجماعة.
حدث عنه: الصاحبان [٢] ، وأبو عُمَر بْن عبد البَرّ، وأبو عَبْد الله الخولاني، وأبو محمد بن حزم، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
قال: وهو أوّل شيخ سمعت عليه قبل الأربعمائة.
ومات لأربع بقين من ذي القعدة. تُوُفّي أيّام الطّاعون.
وكان خيّرًا فاضلًا، شاعرًا، عالي الإسناد مُكْثرًا.
وُلِد في حدود سنة عشرين وثلاثمائة.
قَالَ ابن عَبْد البَرّ: قرأت عَليْهِ «المُوَطّأ» عَنْ محمد بْن عيسى بْن رفاعة، عَنْ يحيى بْن أيّوب بْن باذي العلاف، عَنْ يحيى بْن بُكَيِر.
وقرأت عَليْهِ «المُدَوَّنة» عَنْ وهْب بْن مَسَرة، عَنِ ابن وضّاح، عَنْ سحنون مؤلّفها.
стр. 13579
وقرأت عَليْهِ «تفسير سُفيان بْن عُيَيْنة» ، عَنْ قاسم بن أصبغ.
٧- أحمد بْن محمد بْن وسيم [١] .
أبو عُمَر الطُّلَيْطليّ.
كَانَ فقيهًا متفننًا، شاعرًا لُغَويًّا نَحْويا. غزا مَعَ محمد بْن تمّام إلى مَكادة.
فلما انهزموا هربَ إلى قُرْطُبَة، واتّبعه أهل طُّلَيْطلة، فصلبوه ثمّ رَمَوْه بالنَّبْل والحجارة حتّى هلك وهو يتلو سورة يس، ﵀.
٨- أَحْمَد بْن محمد بْن محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن [٢] .
أبو عُبَيْد الهَروي المؤدّب اللُّغَويّ، مصنف «الغريبيَنْ» في اللُّغَة: لغة القرآن، ولغة الحديث.
أخذ اللّغة عَنِ: الأزهري، وغيره.
وتُوُفّي في رجبٍ لستٍ خَلَوْن منه.
وقد ذكره القاضي في «وَفَيَات الأَعْيان» [٣] فقال: سارَ كتابه في الآفاق، وهو من الكتب النّافعة.
ثمّ قَالَ: وقيل: إنّه كَانَ يحبّ البذلة، ويتناول في الخلْوة، ويعاشر أهل الأدب في مجالس الّلَذّة، والطَّرَب، عفا الله عَنْهُ وعنّا. ويقال لَهُ الفاشاني، بالفاء. وفاشان: بفاء مَشُوبةٍ بباء، قرية من قرى هراة.
стр. 13580
وذكره ابن الصّلاح في «طبقات الشّافعّية» فقال: رَوى الحديث عَنْ:
أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن ياسين، وأبي إِسْحَاق أحمد بْن محمد بْن يونس البزّاز الحافظ.
روى عنه أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وأبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي كتابه «الغريبين» .
٩- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم.
أبو القاسم المؤذن المقرئ الخفاف.
يروي عَنْ: أَبِي بَكْر الإسماعيليّ.
وتُوُفّي في شوّال، في الكهولة.
١٠- إبراهيم بن محمد الحافظ [١] .
أبو مسعود الدمشقي.
الصحيح وفاتة سنة أربعمائة كما تقدم.
١١- آدم بن محمد بن توبة [٢] .
أبو القاسم العكبري [٣] .
مات بعكبرا في صفر.
يروي عن: النجاد، وابن قانع، وجماعة.
وعنه: أبو طاهر أحمد بن محمد الخفاف [٤] .
١٢- إسحاق بْن عليّ بْن مالك.
أبو القاسم الجّرْجَرائي الملحميّ.
стр. 13581
روى عَنْ: الإسماعيليّ، ونُعَيْم بْن عَبْد الملك.
وتُوفي ﵀ في رجب.
- حرف الحاء -
١٣- الحُسين ابن القائد جوهر المغربيّ [١] .
كَانَ قائد القوّاد للحاكم صاحب مصر، فنقَمَ عَليْهِ وقتله في هذه السّنة.
١٤- الحُسين بْن عثمان اليَبْرودي.
روى عَنْ: عليّ بْن أَبِي العقَب.
روى عَنْهُ: عليّ الحنّائيّ، وأبو عليّ الأهوازيّ، وعليّ بْن الحسين بْن صَصَرَى.
١٥- الحُسين بْن مظفَّر بن كُنْداج [٢] .
أبو عَبْد الله البغداديّ.
سَمِعَ: إسماعيل الصّفّار، وجعفرًا الخالديّ.
روى عَنْهُ: أبو بَكْر البَرْقانيّ، وقال: لَيْسَ بِهِ بأس، كَانَ يعرف.
١٦- الحُسين بْن حيّ بْن عَبْد الملك بْن حيّ [٣] .
أبو عَبْد الله القُرْطُبيّ، المعروف بابن الْجُزُقّة.
يروي عَنْ: أَبِي عيسى اللَّيثي، وابن القُوطّية، ومحمد بن أحمد بن خالد.
وشاوره القاضي محمد بن بقي.
стр. 13582
وكان من كبار المفتين بقرطبة. عارفا بمذهب مالك.
حج سنة ثمان وأربعين، وأخذ عَنْ أبي بكر الآجرّي كثيرا من تصانيفه، وتردّد فيها ستّة أعوام. وولي قضاء مدينة سالم، ثمّ مدينة جيّان.
قال أبو حيّان: لم يكن بالمحمود في القضاء، استهواه حبّ الدّنيا، وارتكس مع المهديّ بن عبد الجبّار، وكان أحد دعاته، فاستوزره عَنْ ظهوره، فأخلد إلى الأرض، واتّبع هواه. فلمّا زالت دولة المهديّ اختفى، والطّلب عَليْهِ شديد، إلى أن وُجدَ في مقبرة عَلَى نَعْش قد أُخِرج من دارٍ ميّتًا، وعلى صدره ورقةٌ فيها قصتّه.
١٧- حمْد بْن عَبْد الله بن عليّ [١] .
أبو الفرج الدّمشقيّ المقري المعدّل.
مِن جِلّة عُدُول البلد. وهو صاحب دُوَيْرة حمْد بباب البريد.
حكي عَنْهُ محمد بْن عَوّفٍ المُزَنيّ.
قَالَ هبة الله بْن الأكفانيّ في سنة إحدى وأربعمائة: وُجدَ حَمْد وزوجته مذبوحَيْن وصبيّ قرابته في داره بباب البريد، ﵀.
- حرف الخاء -
١٨- خَالِد بْن محمد بْن حُسين بْن نصر بْن خَالِد.
أبو المستعين البُسْتّي الحنفيّ الواعظ.
تُوُفّي في رجب منصرفًا من الحجّ.
١٩- خَلَف بْن مروان بْن أُمَيّة [٢] .
أبو القاسم القُرْطُبيّ الصَّخّريّ، من أهل صَخرة حَيْوَة، بُلَيْدَة بغربيّ الأندلس.
стр. 13583
كَانَ من فُقهاء الأندلس. ولي الشُّورى، ثمّ قضاء طُلَيطُلَة فاستعفي.
توفي في رجب.
- حرف السين -
٢٠- سامة بْن لُؤَيّ.
أبو مُضَر القُرَشيّ الهَرَويّ.
سَمِعَ: أبا بَكْر محمد بْن عَبْد الله حفيد العبّاس بْن حمزة.
روى عَنْ: ناصر العُمَرّى.
وتُوُفّي في ربيع الآخر.
٢١- سَعِيد بْن عَبْد الله بْن الْحَسَن.
أبو القاسم العُمَانيّ، الفقيه.
تُوُفّي في جمادى الآخرة بخُراسان.
- حرف الشين -
٢٢- شقيق بْن عليّ بْن هُود بْن إبراهيم [١] .
أبو مُطيع الْجُرْجانيّ الفقيه.
رُوِي عَنْ: نُعَيْم بْن عَبْد الملك، وأبي الحُسين بْن ماهيار.
وولي قضاء جُرْجان سنةً ونصفًا.
فمات في السّادس والعشرين من المحرَّم [٢] .
- حرف العين -
٢٣- عَبْد الله بْن عَمْرو بْن مُسْلِم.
أبو محمد الطَّرَسُوسيّ.
سَمِعَ: إسماعيل الصّفّار، وأبا سهل بن زياد.
стр. 13584
وعمّر تسعين سنة، وحدَّث بَنَسف.
٢٤- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن هلال [١] .
أبو بَكْر الحِنّائيّ الْبَغْدَادِيّ الأديب، نزيل دمشق.
روى عن: يعقوب الجصّاص، والحسين بْن عَيّاش القطّان، وأبي جعفر بن البختريّ، والصّفّار.
روى عَنْهُ: أحمد بْن عليّ الكَفَرطابيّ، ورشأ بْن نظيف، وأبو القاسم الحِنّائيّ، وأبو عليّ الأهوازيّ.
وثَّقه الخطيب [٢] .
٢٥- عَبْد العزيز بْن محمد بن النعمان بن محمد بن منصور [٣] .
قاضي مملكة الحاكم.
ولي الحكم سنة أربعٍ وتسعين وثلاثمائة بعد ابن عمّه الحسين بْن عليّ.
وعَلَتْ رُتبته عند الحاكم إلى أن أصعَده معه عَلَى المنبر في يوم العيد. ثم عزله في سنة ثمانٍ وتسعين بالقاضي أَبِي الحسن الفارقيّ. ثمّ قتله سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه القائد حسين بْن جوهر.
٢٦- عَبْد الملك بن أحمد بن نعيم ابن الحافظ أَبِي نُعَيْم عَبْد الملك بْن عديّ [٤] .
стр. 13585
أبو نُعَيْم الإستراباذيّ.
ولي قضاء جُرْجان، وحدّث عن: جدّه، وابن ماجة القزوينيّ [١] ، والحافظ ابن عديّ.
تُوُفّي في آخر السُّنّة.
٢٧- عَبْد الواحد بْن زوج الحُرّة محمد بْن جَعْفَر [٢] .
أبو القاسم البغدادي.
سَمِعَ: أحمد بْن كامل، وعبد الله بْن إِسْحَاق الخُراسانيّ، وجماعة كبيرة.
روى عنه: البرقاني، وعبد العزيز الأزجي [٣] .
٢٨- عبيد الله بن أحمد بن الهذيل الكاتب [٤] .
يروي عَنْ أبيه، عَنْ محمد بْن أيّوب الضُّرَيْس.
روى عَنْهُ: أبو الحسين محمد بْن المهتدي باللَّه.
كَانَ ببغداد.
٢٩- عُبَيْد الله بْن محمد بْن الْوَلِيد [٥] .
أبو مروان المعيْطيّ القرْطُبيّ.
قَالَ ابن بشكوال: كَانَ عالمًا حافظا فاضلا ورِعًا كثير الصَّدقة، من بيت فقهٍ وعبادة.
تُوُفّي في ذي القعدة، وصلى عَليْهِ عمّه الفقيه عبد الله.
وعاش ٤٣ سنة.