كان يدخل مَرْو أحيانًا من قريته. وكان عالمًا ورِعًا صدوقًا [١] .
أثنى عليه أبو المظفّر منصور بن السّمعانيّ.
أكثر النّاس عنه.
سمع من: أبيه أبي الفضل، وأبي بكر عبد الله بن أحمد القفّال [٢] ، وعبد الرحمن بن أحمد الشّيْرنَخْشِيرِيّ [٣] ، وأبي إبراهيم إسماعيل بن يَنَالَ المحبوبيّ، وأحمد بن محمد بن عَبْدُوس الحافظ النَّسَائيّ.
روى عنه: عبد الكريم بن بدر، وأبو طاهر محمد بن محمد السِّنْجيّ [٤] ، وغير واحد. مات في ربيع الآخر عن ٩١ سنة.
٢٥٦- إسماعيل بن الفُضَيْل بن محمد [٥] .
الإمام أبو محمد الفُضَيْليّ الهَرَويّ.
كان فقيهًا متفنّنًا في العلوم، نبيلًا. وكان أبوه عالم هَرَاة وخطيبها. وله شِعرٌ رائق.
وهو والد محمد بن إسماعيل شيخ أبي رَوْح.
- حرف الباء -
٢٥٧- بَدْر [٦] .
стр. 15962
أمير الجيوش.
أرمنيّ الجنس. ولي إمرة دمشق من قِبل المستنصِر العُبَيْديّ سنة خمسٍ وخمسين وأربعمائة [١] ، إلى أنّ جَرَت بينه وبين الجند والرّعيّة فتنة، وخاف على نفسه، فهَرَب في رجب سنة ستٍّ وخمسين [٢] . ثمّ وليها في سنة ثمانٍ وخمسين والشّام بأسره [٣] ، ثمّ وقع الخِلاف بينه وبين أهل دمشق، فهَرب سنة ستّين [٤] .
وأخْرَب القصر الّذي كان خارج باب الجابية. أخربه أهل البلد والعسكر خرابًا لم يُعَمَّر بعد. ومضى إلى مصر، فَعَلَت رتبتُه، وصار صاحبَ الأمر، فبعث إلى دمشق عسكرًا بعد عسكر، فلم يظفر بها. وتُوُفْي بمصر.
وهو بدر الجماليّ، وهو الّذي بنى جامع العطّارين بالإسكندريّة [٥] .
وفيه يقول عَلْقَمة العُلَيْميّ:
يا بَدْرُ أُقْسِمُ لو بِكَ اعتصمَ الوَرَى ... ولجوا إليك جميعُهم ما ضاعوا [٦]
اشتراه جمال الدّين بن عمّار [٧] وربّاه.
стр. 15963
وقيل: ركب البحر في الشّتاء من صور [١] إلى الدّيار المصريّة في سنة ستٍّ وستّين، والمستنصِر في غاية الضَّعْف واختلال الدّولة للغلاء والوباء الّذي تمّ من قريب، ولاختلاف الكلمة، فولّاه الأمور كلَّها، من وزارة السّيف، والقلم، وقضاء القُضاة، والتَّقدُّم على الدُّعاة [٢] ، فضبط الأمور، وزال قُطُوع [٣] المستنصِر واستفاق.
ولمّا دخل قرأ القارئ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ ٣: ١٢٣ [٤] ووقف، فقال المستنصِر: لو أتمَّها لَضَرَبتُ عُنُقَه [٥] .
ولم يزل إلى أن مات في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين [٦] .
стр. 15964
وبنى مشهد الرّأس بعسقلان.
وقد وَزَرَ ولده الأفضل في حياته لمّا مرض.
- حرف التّاء -
٢٥٨- تُتُش بن ألْب أرسلان أبي شُجاع محمد بن داود بن ميكال بن سلجوق بن دُقَاق [١] .
الملك أبو سعيد تاج الدّولة السُّلْجُوقيّ، ولد السّلطان وأخو السّلطان.
تُركيّ محتشم، شجاع، من بيت ملك وتقدُّم. مرّ كثيرٌ من سيرته وفتوحاته العظيمة في الحوادث.
استنجد به صاحب دمشق أتّسِز [٢] على قتال عسكر المصريّين الرّافضة،
стр. 15965
فقدِم دمشق في سنة اثنتين وسبعين، وقتل أتْسِز في تلك الأشْهر، وملك دمشق، وقيل إنّه كان حَسَن السّيرة. وبقي على دمشق إلى صَفَر سنة ثمانٍ هذه، فقُتِل بمدينة الرَّيّ.
وكان قد سار من دمشق إلى خراسان عند ما سمع بموت أخيه السّلطان ملك شاه ليتملّك، فلقيه ابن أخيه السّلطان ملك شاه لتملّك، فلقِيه ابن أخيه بَرْكيَارُوق، فقُتِل تُتُش في المعركة، وتسلطن بعده بدمشق ابنُه دُقَاق الملقَّب شمس الملوك، أخو فخْر الملوك رضوان.
وكان تُتُش معظِّمًا للشّيخ أبي الفَرَج الحنبليّ. وقد جَرَت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفَرَج وخصومه في قولهم: إنّ القرآن يُسمع ويُقرأ ويُكتب، وليس بصوتٍ ولا حرف. فقال الملك: هذا مثل قول من يقول هذا قَباء، وأشار إلى قبائه [١] ، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قُطْن، ولا كتّان.
وهذا الكلام صَدَر من تُركيّ أعجميّ، فأيّد الله شرف الإسلام أبا الفَرَج، فجاهد في الإسلام حقّ جهاده، ثمّ خلّف ولدًا نجيبًا عالمًا سيفًا مسلولًا على المخالفين، وهو شرف الإسلام عبد الوهّاب.
- حرف الجيم -
٢٥٩- جعفر بْن عَبْد اللَّه بْن جحّاف [٢] .
أبو أحمد المَعَافِريّ، قاضي بَلَنْسِيَة ورئيسها في الفتنة.
سمع: أبا عمر بن عبد البَرّ.
صارت إليه ولاية بَلَنْسِيَة بعد خلْع القادر بن ذي النُّون وقتله على يديه، فلم تُحْمَد دولته.
امْتُحن بالكنبيطور الكلب الّذي أخذ بَلَنْسِيَة، فأخذ ماله وعذّبه، وأحرقه بالنّار.
стр. 15966
- حرف الحاء -
٢٦٠- حَمْد بن أحمد بن الحسن [١] .
أبو الفضل الحدّاد.
قال ابن السّمعانيّ: ورد نعيه من إصبهان إلى بغداد في ذي الحجّة سنة ثمان وثمانين.
قلت: قد ذكرته في سنة ستٍّ، لأنّي رأيت وفاته في تاريخٍ لبعض الأصبهانيين في جُمَادى الأولى سنة ستٍّ، وهو أشبه.
٢٦١- الحسن بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن سَلَمَة [٢] .
أبو عليّ الهمذانيّ المعدّل. إمام الجامع بهَمَذَان.
روى عن: إبراهيم بن جعفر الأسَديّ، وعليّ بن إبراهيم بن حامد، والحسين بن فَنْجُوَيْه الثّقفيّ، ومحمد بن عيسى، وابن سَلَمَة، وغيرهم.
قال شيروَيْه: سمعتُ منه جميع ما كان عنده مِرارًا، وكان ثقة، صدوقًا، متديِّنًا، جمالًا للمحراب، زَيْنًا للمجالس والمحافل. من بيت العلم.
تُوُفّي في صَفَر، وتَولَّيْتُ غسْلَه.
قال: وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
٢٦٢- الحسن بن محمد بن الحسن [٣] .
الفقيه أبو عليّ السّاويّ [٤] الشّافعيّ، المتكلّم الأشعريّ [٥] .
стр. 15967
حدَّث بدمشق عن: أبي طالب بن غَيْلان، وأبي ذَرّ الهَرَويّ، وأبي الحسن صخر، وغيرهم.
روى عنه: الفقيه نصر المقدسيّ، وهو من أقرانه، وهبة اللَّه بْن طاوس.
وتُوُفّي فِي ذي القعدة، وله ستٌّ وسبعون سنة [١] .
٢٦٣- الحسين بن إسماعيل [٢] .
أبو عبد الله العَلَويّ الحَسَنيّ النَّيْسابوريّ فخر الحَرَمين [٣] .
روى عن: عبد الرحمن بن حمدان النّصروييّ، وناصر بن الحسين العَمْريّ.
روى عنه: أبو سعْد خيّاط الصُّوف.
مات في شوّال، وقد جاوز الثّمانين.
- حرف الخاء -
٢٦٤- خديجة بنت أبي عثمان إسماعيل الصّابونيّ النَّيْسابوريّ [٤] .
ماتت في رمضان: وكانت صالحة عابدة.
ولدت سنة أربع وأربعمائة، وسمعت من أصحاب الأصمّ، ومن: أبي نصر عمر بن عبد العزيز بن قَتَادة، والحسين بن فَنْجُوَيْه الثّقفيّ.
وعنها: أبو البركات بن الفراويّ، وعبد الخالق الشّحّاميّ، وعمر بن
стр. 15968
الصّفّار، وغيرهم.
ماتت في رمضان، وستأتي أختُها ستيك [١] .
- حرف الراء -
٢٦٥- رِزْقُ الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد [٢] .
الإمام أبو محمد بن أبي الفَرَج التّميميّ البغداديّ، رئيس الحنابلة ببغداد.
وُلِد سنة أربعمائة، وقيل: سنة إحدى وأربعمائة [٣] .
قال السّمعانيّ: هو فقيه الحنابلة وإمامهم. قرأ القرآن، والحديث، والفقيه، والأصول، والتّفسير، والفرائض، واللُّغة، والعربيّة، وعُمّر حتى صار يقصد من كل جانب. وكان مجلسه جم الفوائد. وكان يجلس في حلقة أبيه بجامع المنصور للوعظ والفتوى. وكان فصيح اللسان.
قرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي.
وسمع منه، ومن: أبيه، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن المتيَّم [٤] ، وأبي عمر بن مَهْديّ، وأبي الحسين بن بشران، وابن الفضل القطّان، والحرفيّ، وابن شاذان، وجماعة.
стр. 15969
روى لنا عنه خلْق كثير، ووَرَد إصبهان رسولًا في سنة ثلاثٍ وثمانين. وثنا عنه من أهلها أكثر من ستّين نفسًا.
ثُمَّ قَالَ: أنبا الْمَشَايِخُ، فَذَكَرَ سِتِّينَ بِإصبهان، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ غَيْرِهَا.
ثُمّ قَالَ: وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ، قَالُوا: أنبا رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، فَذَكَرَ حَدِيثَ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا» [١] . وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَد رِزْقُ اللَّهِ بِعُلُوِّهِ.
أنبا أبو المعالي الهَمَذَانيّ، أنا أبو بكر بن سابور، أنا عبد العزيز الشّيرازيّ، أنا رزق الله إملاءً، فذكر مجلسًا أوّله هذا الحديث.
قال السّمعانيّ: سمعت أحمد بن سعْد العِجْليّ بهَمَذَان يقول: كان شيخنا أبو محمد التّميميّ إذا روى هذا الحديث قال: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ٥٢: ١٥ [٢] ؟! وقال السِّلَفيّ: فيما أنا الدّمياطيّ، أنا ابن رَوَاج، أنا أبو طاهر بن سِلَفَة قال: رزق الله شيخ الحنابلة، قدِم إصبهان رسولًا من قِبَل الخليفة إلى السّلطان، وأنا إذ ذاك صغير. وشاهدته يوم دخوله. كان يومًا مشهودًا كالعيد، بل أبْلَغ في المَزِيد. وأُنْزِل بباب القصر، محلّتنا، في دار سلطان. وحضرت في الجامع الْجُورْجِيريّ مجلسه متفرِّجًا، ثمّ لمّا تصدَّيت للسّماع، قال لي أبو الحسن أحمد بن مَعْمَر اللُنْبانيّ [٣] ، وكان من الأثبات: قد استجزْتُه لك في جملة من كتبتُ اسمه من صبياننا.
стр. 15970
فكتب خطّه بالإجازة.
وقال أبو غالب هبةُ الله قصيدةً أوّلها:
بمَقْدِم الشّيخ رِزْقِ الله قد رُزِقَتْ ... أهلُ إصبهان أسانيدًا عَجيباتِ
ثمّ قال السِّلَفيّ: وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ.
قال ابن النّجّار: وقرأ بالرّوايات على الحمّاميّ. وقرأ عليه جماعةٌ من القرّاء. وتفقّه على أبيه، وعمّه أبي الفضل. وله مصنَّفاتٌ حَسَنَة [١] .
وكان واعظًا، مليح العبارة، لطيف الإشارة، فصيحًا، ظريف المعاني. له القبول التّامّ والحُرْمة الكاملة. ترسَّل إلى ملوك الأطراف [٢] .
وقال أبو زكريا يحيى بن عبد الوهّاب بن مَنْدَهْ: سمعتُ أبا محمد رزق الله الحنبليّ بإصبهان يقول: أدركتُ من أصحاب ابن مجاهد واحدًا يُقال له أبو القاسم عُبَيْد الله بن محمد الخفّاف، وقرأت عليه سورة البقرة، وقرأها على أبي بكر بن مجاهد [٣] .
وأدركتُ أيضًا أبا القاسم عمر بن تعويذ من أصحاب الشِّبْليّ، وسمعته يقول: رأيت أبا بكر الشِّبْليّ في درب سليمان بن عليّ في رمضان، وقد اجتاز على البقّال، وهو يُنادي على البَقَل: يا صائم من كلّ الألوان. فلم يزل يكرر هذا اللّفْظ ويبكي، ثمّ أنشأ يقول:
خليليَّ إنْ دام هَمُّ النُّفوس ... على ما أراه سريعًا قَتَلْ
فَيَا سَاقيَ القَومِ لا تَنْسَني ... ويَا رَبَّةَ الخِدْر غنِّي رَمَلْ
لقد كان شيءٌ يُسمَّى السُّرُورُ ... قديمًا سمعنا به ما فَعَلْ [٤]
وقال السّمعانيّ: أنشدنا هبة الله بن طاوس: أنْشدنا رزق الله التّميميّ لنفسه:
стр. 15971
وما شَنَّأَنَّ الشَّيْبَ من أجل لَوْنِهِ ... ولكنَّهُ حادٍ إلى البَيْنِ مُسْرِعُ
إذا ما بَدَت منه الطَّليعة آذَنَتْ ... بأنّ المَنَايا خَلْفَها تتطلَّعُ
فإنْ قصَّها المِقْراضُ صاحت بأُخْتها ... فتظهرُ تَتْلُوها ثلاثٌ وأربعُ
وإنْ خُضِبَتْ حالَ الخِضَاب لأنّه ... يُغَالبُ صُنْعَ اللهِ واللهُ أصنعُ [١]
إذا ما بَلَغَت الأربعينَ فقُلْ لِمَنْ ... يَوَدُّك فيما تشتهيه ويُسْرعُ [٢]
هَلُمُّوا لِنَبْكي قبل فُرْقة بَيْننا ... فما بَعْدَها عيشٌ لذيذٌ ومَجْمَعُ
وخَلِّ التَّصَابي والخلاعَةَ والهَوَى ... وأُمَّ طريقَ الخير فالخيرُ أنْفعُ
وخُذْ جنة تُنْجي وزادًا من التُّقى ... وصُحْبَة مأموم [٣] فقصدُك مفزعُ [٤]
قال أبو عليّ بن سُكَّرَة: رِزقُ الله التّميميّ، قرأت عليه برواية قالون خِتْمةً، وكان كبيرَ بغداد وجليلَها. وكان يقول: كلّ الطّوائف تدّعيني [٥] .
وسمعته يقول: يَقْبُحُ بكم أن تستفيدوا منّا ثمّ تذكرونا، فلا تترحّموا [٦] علينا، فرحمه الله.
قلتُ: وآخر من روى عنه سماعًا أبو الفتح بن البطّيّ، وإجازةً أبو الطاهر السِّلَفيّ.
قال ابن ناصر: تُوُفّي شيخنا أبو محمد التّميميّ في نصف جُمَادى الأولى سنة ثمانٍ. ودُفِن في داره بباب المراتب. ثمّ دفن في سنة إحدى وتسعين إلى جنْب قبر الإمام أَحْمَد [٧] .
قال أبو الكَرَم الشّهرزوريّ: سمعته يقول: دخلت سمرقند، فرأيتهم
стр. 15972
يرْوون «النّاسخ والمنسوخ» لجدّي هبة الله، عن خمسة، إليه، فرويته عن جدّي لهم [١] .
стр. 15973
- حرف الشّين -
٢٦٦- شافع بن عليّ [١] .
أبو الفضل الطُّرَيْثيثيّ، الصُّوفيّ النَّيْسابوريّ الزّاهد.
كان عالِمًا عامِلًا، قانتًا عابدًا، ناسكًا كبير القْدر، صاحب مقامات وأحوال. من سكان دويرة أبي عبد الرحمن السّلميّ [٢] .
стр. 15974
توفي في ذي الحجة.
وقد سمع بمكة من ابن صخْر، وبالبصرة من إبراهيم بن طلحة بن غسّان.
روى عَنْهُ: عَبْد الله بن الفُرَاويّ، وعبد الخالق الشّحّاميّ.
- حرف الصّاد -
٢٦٧- صالح بن أحمد بن رضوان بن محمد بن رضوان بن جالينوس [١] .
أبو عليّ التّميميّ البغداديّ المعدّل.
روى عن: عبد الملك بن بشْران، وغيره.
روى عنه: محمد بن عليّ بن عبد السّلام الكاتب.
تُوُفّي في رجب.
- حرف العين -
٢٦٨- عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن حمزة بن الحسن بن حمدان بن ذكوان [٢] .
أبو محمد البَعْلَبَكيّ. يُعرف بابن أبي فجّة [٣] .
سمع: عليّ بن محمد الحِنّائيّ، وعبد الرحمن بن ياسر الْجَوْبَريّ [٤] ، وعليّ بن السّمْسار، وأحمد بن محمد العتيقيّ، وأبا نصر بن الحبّان.
وأجاز له الحسين بن أبي كامل صاحب خَيْثَمَة [٥] .
سمع منه: عَبْد الرَّحْمَن، وعبد اللَّه ابنا صابر.
قال ابن عساكر: ثنا عنه ابن ابنه عليّ بن حمزة، والخَضِر بن عليّ [٦] .
стр. 15975
وتُوُفّي في ذي القعدة [١] .
٢٦٩- عبد الله بن طاهر بن محمد شَهْفُور [٢] .
أبو القاسم التّميميّ الفقيه، نزيل بلْخ.
من أهل إسْفَرائين.
قال السّمعانيّ: كان إمامًا فاضلًا نبيلًا، بَرَعَ في الفقه والأصول، ودرَّس بالمدرسة النّظاميّة ببلْخ. حَسَن الأخلاق، ظهرت له الحشمة التّامّة حتّى صار من أهلِ الثّروة.
وكان له مروءة وإحسّان، وتفقُّد للفقراء، وسَعْيٌ جميل في الحقوق.
سمع بنَيْسابور: عليّ بن محمد الطّرّازيّ، وعبد الرحمن النّصروييّ، وجدّه أبا منصور عبد القاهر البغداديّ.
روى لنا عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطيّ، والمبارك بن خيرون الوزّان. سمعوا منه لمّا حجّ.
وثنا عنه بهَرَاة: أبو شُجاع البسْطاميّ، وببلْخ: أخوه أبو الفتح محمد البسّطاميّ.
٢٧٠- عبد الجبّار بن الحسين بن محمد بن القاسم [٣] .
أبو يَعْلَى الهاشميّ البغداديّ الشُّرُوطيّ، المعروف بابن أبي عيسى. وهم أربعة أخوة: محمد، وعبد الجبّار، وعبد السّميع، وعبد المهيمن.
سمع: أبا علي بن شاذان.
وعنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعليّ بن عبد العزيز بن السّمّاك.
توفّي في شعبان.
стр. 15976
٢٧١- عبد الرحيم بن عثمان بن أحمد [١] .
أبو القاسم السُّنِّيّ الحنفيّ النَّيْسابوريّ.
حدَّث عن: أبي سعيد الصَّيْرَفيّ، وأصحاب الأصمّ، وعنه: عبد الغافر، وقال: تُوُفّي في رمضان [٢] .
٢٧٢- عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بُنْدَار [٣] .
أبو يوسف القَزْوينيّ. شيخ المعتزلة.
نزل بغداد، وسمع: أبا عمر بن مَهْديّ الفارسيّ، وعبد الجبّار بن أحمد الهَمَذَانيّ القاضي المعتزليّ، ودرس عليه الكلام بالرَّيّ.
وسمع بهَمَذَان: أبا طاهر بن سَلَمَة، وبِحَرّان: أبا القاسم عليّ بن محمد الزَّيْديّ، وبإصبهان: أبا نُعَيْم الحافظ.
وسمع من: أبيه، وعمّه إبراهيم. وسماعه قبل الأربعمائة.
روى عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو غالب بن البنّاء، وهبة الله بن طاوس، ومحمود بن محمد الرَّحْبيّ، وإسماعيل بن محمد الأصبهانيّ الحافظ،
стр. 15977
وأبو بكر قاضي المَرِسْتان، وأبو البركات الأنْماطيّ، وأحمد بن محمد أبو سعْد البغداديّ، وآخرون.
قال السّمعانيّ: كان أحد المعمَّرين المقدَّمين، جمع «التّفسير الكبير» الّذي لم يُرَ في التّفاسير كتابٌ أكبر منه، ولا أجمع للفوائد، لولا أنّه مَزَجَه بكلام المعتزلة، وبثَّ فيه مُعْتَقَدَه، وما اتَّبع نهج السَّلَف فيما صَنَّفه من الوقوف على ما ورَدَ في الكتاب والسُّنّة والتّصديق بهما [١] .
وأقام بمصر سِنين، وحصَّل أحْمالًا من الكُتُب، وحملها إلى بغداد. وكان داعيةً إلى الاعتزال.
سمعتُ أبا سعْد البغداديّ الحافظ يقول: كان يصرّح بالاعتزال. وقال ابن عساكر: [٢] هو مُصنِّفٌ مشهور. سكن طَرَابُلُس مدّةً، ثمّ عاد إلى بغداد.
سمعتُ الحسين بن محمد البلْخيّ يقول: إنّ أبا يوسف صنَّف «التّفسير» في ثلاثمائة مجلَّد ونيّف [٣] ، وقال: من قرأه عليّ وهبْتُه النُّسْخة. فلم يقرأه عليه أحدٌ.
وسمعتُ هبة الله بن طاوس يقول: دخلتُ على أبي يوسف ببغداد وقد زَمِنَ، فقال: من أين أنت؟
قلت: من دمشق.
стр. 15978
قال: بلد النَّصْب [١] .
وقال ابن النّجّار: قرأتُ بخطّ أبي الوفاء بن عقيل الفقيه: قدِم علينا أبو يوسف القَزْوينيّ من مصر، وكان يفتخر بالاعتزال. وكان فيه توسُّع في القدْح في العلماء الّذين يخالفونه وجُرأة. وكان إذا قصد باب نظام المُلْك يقول لهم:
استأذِنوا لأبي يوسف القَزْوينيّ المعتزليّ.
وكان طويل اللّسان بعلمٍ تارةً، وبِسَفَهٍ يؤذِي به النّاسَ أخرى.
ولم يكن محقّقًا إلّا في التّفسير، فإنّه لهج بالتّفاسير حتّى جمع كتابا بلغ خمسمائة مجلّد، حشى فيه العجائب، حتّى رأيت منه مجلَّدةً في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ٢: ١٠٢ [٢] فذكر فيه السَّحَرة والملوك الّذين نَفَقَ عليهم السِّحْرُ وأنواع السِّحر وتأثيراته [٣] .
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك: ملكَ أبو يوسف القَزْوينيّ كُتُبًا لم يملك أحدٌ مثلَها. فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدة الغلاء.
وحدَّثني أبو منصور عبد المحسن بن محمد أنّه ابتاعها بالأثمان الغالية.
وكان يحضر بيع كُتُب السِّيرافيّ، وهو شاهدٌ معروف بمصر، وبيعت كُتُبُه في سنتين، وزادت على أربعين ألف مجلَّدة.
قال: وكان أبو يوسف يبتاع في كلّ أسبوع بمائة دينار، ويقول: قد بعتُ رَحْلي وجميعَ ما في بيتي.
وكان الرُّؤساء هناك يواصلونه بالذَّهب.
وقيل: إنّه قدِم بغداد معه عشرة أحمال كُتُب، وأكثرها بالخطوط المنسوبة.
وعنه قال: ملكتُ ستّين تفسيرًا، منها «تفسير ابن جرير» ، و «تفسير الجبّائيّ» ، و «تفسير ابنه أبي هاشم» ، و «تفسير أبي مسلم بن بحر» ، و «تفسير البلخيّ» .
стр. 15979
قال محمد بن عبد الوهّاب: وأهدى أبو يوسف لنظام المُلْك أربعة أشياء ما لأحدٍ منها: «غريب الحديث» لإبراهيم الحربيّ في عشر مجلّدات بخطّ أبي عمر بن حيّويه، و «شعر الكُمَيْت» في ثلاث عشرة مجلّدة بخطّ أبي منصور، و «عهد القاضي عبد الجبّار بن أحمد» بخطّ الصّاحب بن عبّاد وإنشائه، فسمعتُ أبا يوسف يقول: كان سبعمائة سطر، كلّ سطر في ورقة سَمَرْقَنْديّ، وله غلاف آبنُوس يطبق كالأُسْطُوانة الغليظة. وأهدى له مُصْحَفًا بخطٍّ منسوب واضح، وبين الأسطر القراءات بالحُمْرة، وتفسير غريبه بالخُضْرة، وإعرابه بالزُّرْقَة، وكتب بالذّهب علامات على الآيات التّي تصْلُح للانتزاعات في العهود، والمكاتبات، والتّعازي، والتّهاني، والوعيد. فأعطاه نظام الملك ثلاثمائة دينار. فسمعت من يسأل أبا يوسف عند نظام المُلْك فقال: أعطيته أكثر ممّا أعطاني، وإنّما رضيت منه بالإكرام، وعَذَرْته حين قال: ليس عندي حلال لا شُبْهة فيه سوى هذا القدر [١] .
وسُئل عنه المؤتَمَن السّاجيّ فقال: قطعته رأسًا لِما كان يتظاهر به من خِلاف الطّريق.
وقال محمد بن عبد الملك في «تاريخه» : كان أبو يوسف فصيح العبارة، حُلْو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار. وكان زيديّ المذهب، وفسّر بمصر القرآن في سبعمائة مجلّد كبار.
قلت: وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزاليّ، وجلس بين يديه، فسأله:
من أين أنت؟.
فقال: من المدرسة ببغداد.
وقال الغزاليّ: علمتُ أنّه ذو اطّلاعٍ ومعرفة، فلو قلت إنّني من طوس، لذكر ما يُحكى عن أهل طُوس من التّغفيل، من أنّهم توسَّلوا إلى المأمون بقبر أبيه، وكونه عندهم، وطلبوا منه أن يحوِّل الكعبة، وينقلها إلى عندهم: وأنّه جاء عن بعضهم أنّه سُئل عن نجمه، فقال: بالتّيس. فقيل له في ذلك، فقال: من
стр. 15980
سِنين كان بالْجَدْي، والآن فقد كَبُر.
قال ابن عساكر: [١] وسمعتُ من يحكي أنّه كان بأَطْرابُلُس، فقال له ابن البرّاج: [٢] متكلِّم الرّافضة: ما تقول في الشّيخين؟
فقال: سِفْلتان ساقطان.
قال: مَن تَعْني؟
قال: أنا وأنت [٣] .
وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة الصَّدَفيّ: أبو يوسف القَزْوينيّ كان معتزليًّا داعيةً، كان يقول: لم يبقَ مَن ينصُرُ هذا المذهبَ غيري. وكان قد بلغ من السّنّ مبلغًا يكاد أن يُخفى في الموضع الّذي كان يجلس فيه، وله لسانٌ شابٌّ [٤] .
ذكر لي أنّ له تفسيرا في القرآن في نحو ثلاثمائة مجلّد، سبعة منها في سورة الفاتحة. وكان عنده جزءٌ ضخمٌ، من حديث محمد بن عبد الله الأنصاريّ، رواية أبي حاتم الرّازيّ، عنه، كنتُ أودّ أن يكون عند غيره بما يشقّ عليّ.
قرأت عليه بعضه، رواه عن القاضي عبد الجبّار المعتزليّ، عنه.
وكان سبب مَشْيي إليه أنّ شيخنا ابن سوار المقرئ سألني أنْ أمضي مع ابْنَيه لأُسْمِعَهُمَا عليه، فأَجَبْتُه، وقرأ لهما شيئًا من حديث المحامليّ، وأنا [٥] أنّه سمع ذلك سنة سبْعٍ وتسعين وثلاثمائة، وهو ابن أربع سنين أو نحوها [٦] .
стр. 15981
قال لي: كنتُ في سنّ هذا، يعني وَلَد شيخنا ابن سِوَار، وكنتُ أعقل من أبيه.
وكان لا يُسالم أحدًا من السَّلَف، وكان يقول لنا: أُخرجوا تدخل الملائكة [١] . يريد المحدّثين.
قال: ولم أكتب عنه حرفا. يعنى ابن سُكَّرَة أنّه لا يحدِّث عنه، وقد روى عنه شِعْرًا، وذكره في مشيخته.
قال شجاع الذُّهْليّ: أبو يوسف القَزْوينيّ أحد شيوخ المعتزلة، عاش ستًّا وتسعين سنة. ذكر لي أنّ مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة.
وقال ابن ناصر: مات في رابع عشر ذي القعدة، وقال مرَّةً: وُلِدتُ في نصف شعبان [٢] .
стр. 15982
٢٧٣- عبد الصّمد بن أحمد ابن الرُّوميّ [١] .
أبو القاسم البغدادي.
سمع: أبا علي بن شاذان.
روى عنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، ومحمد بن عليّ بن عبد السّلام.
تُوُفّي في صَفَر.
٢٧٤- عبد الغفار بن نصر [٢] .
أبو طاهر الهَمَذَانيّ المقرئ البزّاز، ويُعرف بابن هاموش.
قال شيروَيْه: روى عن: ابن عَبْدان، وعبد الغافر الفارسيّ، وأبي حفص ابن مسرور، والنّيسابوريّين. قرأت عليه القرآن، وتوفّي المحرّم.
стр. 15983
٢٧٥- عبد الملك بن عبد الله [١] .
أبو سهل الدَّشْتيّ [٢] الفقيه.
نَيْسابوريّ عالى الإسناد.
سمع: أبا طاهر الزّياديّ، وعبد الله بن يوسف بن ماموَيْه، [٣] وأبا عبد الرحمن السُّلَميّ.
ومات في شوّال.
روى عنه: عبد الغافر الفارسيّ، وقال: [٤] شيخ من بيت العِلم والتّصوّف والثّروة.
وقال السّمعانيّ: [٥] كان شيخًا مستورًا، صدوقًا من بيت العلم والصّلاح.
ولد سنة ستّ وأربعمائة [٦] .
قلت: روى عنه: عبد الخالق بن زاهر، وعمر بن أحمد الصّفّار، وأبو البركات بن الفُرَاويّ، وعبد الرحمن بن الحسن الكَرْمانيّ، وآخرون [٧] .
٢٧٦- عُبَيْد الله بن عبد الله بن حَسكوَيْه [٨] .
أبو سعد النَّيْسابوريّ.
شيخ مُسْنِد، روى عن: أبي بكر الحيريّ، والطّرازيّ، والصّيرفيّ.
стр. 15984
روى عنه: وجيه، وعبد الخالق بن زاهر [١] .
وقد مرّ أبوه سنة ثلاثٍ وخمسين.
٢٧٧- عليّ بن أحمد بن عليّ بن زُهَير [٢] .
أبو الحسن التّميميّ المالكيّ.
دمشقي مشهور.
روى عن: عليّ بن الخضر، وعليّ بن السّمْسار، ومحمد بن عبد الله بن بُنْدَار، وأحمد بن الحسن بن الطّيّان، وأبي عثمان الصّابونيّ، وجماعة.
روى عنه: جمال الإسلام السُّلَميّ، ونصر بْن أَحْمَد بْن مقاتل، وناصر بْن محمود القُرَشيّ.
قال أبو محمد بن جابر: لم يكن المالكيّ ثقة.
وكذلك قال أبو القاسم بن جابر، وقال: أخرج لنا جزءًا من حديث ابن زَبْر، قد كتب عليه سمَاعَه من ابن السِّمْسار سنة خمسٍ وثلاثين. ومات ابن السّمْسار سنة أربعٍ [٣] وثلاثين.
تُوُفّي في ذي القعدة، وله ثلاثٌ وسبعون سنة.
٢٧٨- عليّ بن أحمد بن خُشْنَام [٤] .
أبو سعيد [٥] الصَّيْدلانيّ.
شيخ نَيْسابوريّ صالح.
سمع: محمد بن محمد بن محمش.
وهو أخو شبيب البستيغيّ [٦] .
стр. 15985
روى عنه: عمر بن أحمد الصّفّار، وإسماعيل العصايديّ [١] .
٢٧٩- عليّ بن عَمْرو الحرّانيّ [٢] .
الفقيه الحنبليّ، الرّجل الصّالح.
يُكنى أبا الحسن. مات بسَرُوج. وكان من أصحاب القاضي أبي يَعْلَى.
تُوُفّي في شعبان.
٢٨٠- عليّ بن عبد الصّمد بن عثمان بن سلامة [٣] .
أبو الحسن العسقلانيّ، المعروف بطيف.
سمع: أبا عبد الله بن نظيف بمصر، ومحمد بن جعفر الميماسيّ بغزّة، وعليّ بن السِّمّسار بدمشق.
قال غيث بن عليّ: سمعتُ منه في سنة ثمانٍ وثمانين [٤] ، ما علمتُ من أمره إلّا خيرًا.
٢٨١- عليّ بن عبد الغنيّ [٥] .
стр. 15986
أبو الحسن الفِهْريّ المقرئ الحُصْريّ.
الشَّاعر الضّرير. أقرأ النّاس بسَبْتَة وغيرها.
قال ابن بَشْكُوال: [١] ذكره الحُمَيْديّ [٢] وقال: شاعر أديب، رخيم الشِّعْر [٣] ، دخل الأندلس ولقي [٤] ملوكها، وشعره كثير، وأدبه موفور [٥] .
قلت: وكان عالِمًا بالقراءات وطُرُقَها.
قال ابن بَشْكُوال: [٦] روى لنا عنه أبو القاسم بن صواب، أخبرنا عنه بقصيدته الّتي نَظَمَها في قراءة نافع، وهي مائتا بيت وتسعة أبيات، قال: لقيته بمرسية [٧] .
стр. 15987
ومن شعره، وقد كتب إليه المعتمد وبعث إليه خمسمائة دينار يتجهّز بها ليفد عليه، فقال:
أمرتني بركوب البحر أَقْطَعُهُ ... غيري لك الخير فاخْصُصْه بذا الدّاءِ
ما أنتَ نُوحٌ فَتُنْجِيني سفينَتُهُ ... ولا المسيحُ أنا أمشي على الماءِ [١]
- حرف الفاء -
٢٨٢- الفضل بْن أَحْمَد بْن محمد بن عيسى [٢] .
стр. 15988
أبو القاسم بن أبي حرب الْجُرْجَانيّ الزّجّاجيّ.
شيخٌ نَيْسابوريّ الدّار، ثقة، صالح، حسن السّيرة، تاجر أمين.
سمع: أبا عبد الرحمن السّلَميّ، وابن مَحْمِش، والحِيريّ، وغيرهم.
روى عَنْهُ: إسماعيل بْن السَّمَرْقَنْديّ، وأحمد بْن سعْد العِجْليّ الهَمَذَانيّ، وأبو عثمان العصايديّ المروزيّ، وعمر بن أحدم الصفار، وعبد الله بن الفُرَاويّ، وأحمد بن المبارك بن قُفْرَجَل، وصَدَقَة بن محمد السّيّاف.
حدَّث ببُلْدان، وحكى عنه جيرانه كثرةَ تِلاوةٍ وبكاء.
ولد سنة خمس وأربعمائة، وتُوُفّي في رمضان.
قال ابن النّجّار: أمين صدوق، صالح، عفيف، من التّجّار، كثير الصَّدَقة.
وقيل: كان أبوه حاتم وقته.
- حرف الميم -
٢٨٣- مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الله بن إبراهيم [١] .
الوزير ظهير الدّين أبو شُجاع الرُّوذرَاوَريّ.
وَزَرَ للمقتدي باللَّه بعد عزْل عميد الدّولة منصور بن جهير سنة ستٍّ وسبعين، وصُرِف سنة أربعٍ وثمانين، وأُعيد ابن جَهِير.
ولمّا عُزِل قال:
تولّاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق [٢]
стр. 15989
ثمّ إنّه حجّ وجاوَرَ بالمدينة إلى أن مات بها كَهْلًا. وكان ديِّنًا عالمًا، من محاسن الوزراء.
قال العِماد الكاتب: [١] لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدّين والشَّرع مثله. وكان عصره أحسن العصور ﵀.
[ذكره] [٢] صاحب «المرآة» [٣] .
ولمّا ولي وزارةَ المقتدي كان سليمًا من الطَّمع في المال، لأنّه كان يملك حينئذ ستّمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات والصَّدقات.
قال أبو جعفر الخرفيّ: كنتُ أنا واحدًا من عشرة نتولّى إخراج صَدَقَاته، فحسبْت ما خرج على يديّ، فكان مائة ألف دينار.
وكان يبيع الخطوط الحَسَنة، ويتصدَّق بها، ويقول: أنا أَحَبّ الأشياء إليَّ الدّينار والخطّ الحسن، فأنا أتصدَّق بمحبوبي للَّه.
وجاءته قَصّةٌ بأنّ امرأةً وأربعة أيتام عرايا، فبعث من يكسوهم، وقال: والله لا ألبس ثيابي حتّى ترجعَ. وتعرَّى، فعاد الغلام [٤] وهو يرعد من البرد.
وكان قد ترك الاحتجاب ويكلِّم المرأة والصّبيّ، ويحضر مجالسة الفُقَهاء والعَوَامّ، ولا يمنع أحدًا. وأُسقطت المُكُوس في أيّامه، وألبسَ الذّمّة الغيار.
ومحاسنه كثيرة، وصَدَقَاته غزيرة، وتواضعه أمر عجيب [٥] ، فرحمه الله تعالى.
стр. 15990
٢٨٤- محمد بن عبّاد بن محمد بن إسماعيل بن قريش [١] .
стр. 15991
السّلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السّلطان المعتضد باللَّه أبي عمرو ابن الإمام الفقيه قاضي إشبيليّة، ثمّ سلطانها الظّافر المؤيّد باللَّه أبي القاسم بن أبي الوليد اللَّخْميّ، من ولد النُّعْمان بن المنذر صاحب الحِيرة.
كان المعتمد صاحب إشبيليّة وقُرْطُبة، وأصلهم من بلاد العريش الّتي كانت في أوّل رمل مصر [١] ، فدخل أبو الوليد الأندلس.
مات المعتضد سنة إحدى وستّين وأربعمائة، فتملّك بعده المعتمد هذا.
وكان عالمًا، ذكيًّا، أديبًا، شاعرًا مُحْسِنًا، وكان أندى الملوك راحةً، وأَرْحَبَهم مساحةً، كانت حضرته مَلْقَى الرّحال، وموسم الشُّعراء، وقِبلة الآمال ومَأْلَفَ الفُضَلاء [٢] .
وشِعره في غاية الحُسْن، وهو مدوَّن موجود.
قال أبو بكر محمد بن عيسى اللَّخْميّ الدّانيّ المعروف بابن اللّبّانة الشّاعر: ملك المعتمد من مسوَّرات البلاد ما بين أمصارٍ ومُدُنٍ وحصون مائتي مسوَّر وإحدى وثلاثين مسوَّرًا. وخُلِع من ملكه عن ثمانمائة سريّة، [٣] ووُلِد له مائةٌ وثلاثةٌ وسبعون ولدًا.
وكان راتبه كلّ يوم ثمانمائة رِطْل لحم. وكان له ثمانية عشر كاتبًا.
стр. 15992
وذكر القاضي شمس الدّين ابن خَلِّكان [١] ، قال: كان الأدفونش بن فرذلَنْد ملك الفرنج بالأندلس قد قوي أمُره، وكانت ملوك الطّوائف من المسلمين بجزيرة الأندلس يصالحونه، ويؤدُّون إليه ضريبة، ثمّ إنّه أخذ طُلَيْطُلَة في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعد حصارٍ شديد، وكانت للقادر باللَّه بن ذي النُّون. وكان المعتمد مع كونه أكبر ملوك الجزيرة يؤدِّي الضَّريبة للأدفونش، فلمّا ملك الكلب طُلَيْطُلَة قويت نفسه، ولم يقبل ضريبة المعتمد، وأرسل إليه يتهدده ويقول: تنزل عن الحصون الّتي بيدك، ويكون لك السَّهْل.
فضربَ المعتمدُ الرسولَ، وقتلَ من كان معه. فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجِّهٌ لحصار قُرْطُبة، فرجع إلى طُلَيْطُلَة لأخْذ آلات الحصار، فأتى المشايخ والعلماء إلى أبي عبد الله محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشَفين صاحب مرّاكش، يستنجدونه ليُعدّي بجيوشه إلى الأندلس، ويُنجد الإسلام. واجتمع القاضي بالمعتمد على الله، وأعلمه بما جرى فقال: مَصْلَحَة [٢] .
стр. 15993
ثمّ، إنّ ابن تاشَفين نزل سَبْتَة، وأمر جيشه، فعبروا إلى الجزيرة الخضراء، ولمّا تكامل له جُنْدُه عبرَ هو في السّاقة. ثمّ إنّه اجتمع بالمعتمد. وقد عرض المعتمد عساكره. وأقبل المسلمون من كلّ النّواحي طَلَبًا للجهاد. وبلغ الأدفونشَ الخبرُ فخرج في أربعين ألف فارس، وكتبَ إلى ابن تاشَفين يتهدّده، فكتب ابن تاشَفين جوابه في ظهر كتابه: «الّذي يكون سَتَراه» . وردّه إليه. فلمّا وقف عليه ارتاع لذلك، وقال: هذا رجل عازم [١] .
ثمّ سارَ حزبُ الإسلام وحزبُ الصّليب والتقى [٢] الْجَمْعَان بالزّلّاقة من بلد بَطَلْيُوس، فكانت مَلْحمةً كبرى، وهزم الله الأدفونش، بعد استئصال عسكره، ولم يَسْلَم معه سوى نفرٍ يسير. وذلك في يوم الجمعة من رمضان سنة تسعٍ وسبعين.
وأصاب المعتمدَ جراحاتٌ في وجهه وبدنه، وشهدوا له بالشّجاعة، وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا [٣] .
وعاد ابن تاشَفين إلى بلاده. ثمّ إنّه في العام المقبل، عدَّى إلى الأندلس، وتلقّاه المعتمد، وحاصرا بعض حصون الفرنج، فلم يقدروا عليها [٤] ، فرحل ابن تاشَفين، ومرَّ بغَرْناطة، فأخرج إليه صاحبها عبد الله بن بُلُكِّين تقادُم سَنِيّه، وتلقّاه، فغدر به ابن تاشَفين، ودخل بلدَه وقصره، وأخذ منه ما لا يُحصى، ثمّ رجع إلى مَرّاكش، وقد أعجبه حَسْن الأندلس وبساتينها وبُناها ومطاعمها الّتي لا توجد بمَرّاكش، فإنّها بلاد بربر وأجْلاف العُربان. وجعل خواصُّ ابن تاشَفين يُعظِّمون عنده الأندلس، ويُحسِّنون له أخذها، ويُغْرون قلبه على المعتمد بأشياء [٥] .
стр. 15994
وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكشيّ في «تاريخه» : [١] غلبَ المعتمد على قُرْطُبة في سنة إحدى وسبعين، فأخرج منها ابن عُكّاشة، ثمّ رجع إلى إشبيلية، واستخلف عليها ولده عبّادًا، ولقّبه المأمون.
وفي سنة تسعٍ وسبعين جاز المعتمد البحرَ إلى مَرّاكش مستنصرًا بيوسف بن تاشَفِين على الرُّوم، فَلَقِيه أحسن لقاء، وأسرع إجابته وقال: أنا أوّل منتَدبٍ لنِصْرة الدّين.
فرجع مسرورًا، ولم يدرِ أنّ تدميره في تدبيره، وسلَّ سيفًا عليه لا له.
فأخذ ابن تاشَفِين في أُهْبة العبور إلى الأندلس، واستنفر النّاس، وعبر في سبعة آلاف فارس، سوى الرّجّالة، ونزل الجزيرة الخضراء، وتلقّاه المعتمد، وقدَّم له تُحَفًا جليلة، وسأله أن يدخل إشبيلية، فامتنع وقال: نريد الجهاد.
ثمّ سار بجيوشه إلى شرقيّ الأندلس. وكان الأدفونش، لعنه الله يحاصر حصنًا، فرجع إلى بلاده يستنفر الفرنج، وتلقّى ابن تاشَفِين ملوك الأندلس الّذين كانوا على طريقه كصاحب غَرْناطة [٢] ، وصاحب المَرِيّة، وصاحب بَلَنْسِيَة، ثمّ استعرض جُنْدَه على حصن لُورَقَة، وقال للمعتمد: هَلُمَّ ما جئنا له من الجهاد.
وجعل يصغّر قدر الأندلس ويقول: في أوقاتٍ كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا، فلمّا رأيناها وقعت دون الوصف. وهو في ذلك كلّه يُسِّرُّ حَسْوًا في ارتقاء. فسار المعتمد بين يديه، وقصد طُلَيْطُلَة، فتكامل عدد المسلمين زُهاء عشرين ألفًا، فالتقوا هم والعدوّ بأوّل بلاد الرّوم، لعنهم الله، وجاء الأدفونش في جيشٍ عظيم بمرّة، فلمّا رآهم يوسف قال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير يبلغ هذا الحدّ. فالتقوا في ثاني عشر رمضان، وصبر البربر، وأبلوا بلاء حَسَنًا، وهزم الله النَّصارى، وكانت ملحمة مشهودة. ونجا الأدفونش في تسعةٍ من أصحابه. وتُسمَّى هذه وقعة الزّلّاقة. ففرح أهل الأندلس بالبربر، وتيمَّنوا بهم، ودعوا لابن تاشَفِين على المنابر، فقوي طمعه في الأندلس.
стр. 15995
وقد كانت الفرنج تأخذ الإتاوة من ملوكها قاطبة.
ثمّ جال ابن تاشَفِين في الأندلس على سبيل التَّفرُّج، وهو يُضْمر أشياءً، ويُظْهر إعظام المعتمد ويقول: إنّما نحن في ضيافته، وتحت أمره.
وكان المعتصم مَعْن بن محمد بن صُمادِح، صاحب المَرِيّة، يحسد المعتمد، فداخَلَ ابنَ تاشَفِين، وحظي عنده، فأخذ يعيب المعتمد، وقدَّم لابن تاشَفِين هدايا فاخرة، ولم يدرِ ابن صُمادِح أنّه يسقط في البئر الّذي حَفَر. وأعانه جماعةٌ على تغيير قلب ابن تاشَفِين بقول الزُّور، وبأنّه يَتَنَقَّصَك. فعبرَ إلى بلاده مُرّاكش. وفهِم المعتمد أنّه قد تغيّر عليه. ثمّ اتّفق رأي ابن تاشَفِين أن يراسل المعتمد، يستأذنه في رجالٍ صُلَحاء أصحاب ابن تاشَفِين رغِبوا في الرّباط في حصون الأندلس.
فاذِن له. وأراد ابن تاشَفِين أن يكون له بالأندلس أعوانًا لوقت الحاجة.
وقد كانت قلوب الأندلسيّين قد أُشْرِبَت حُبَّ ابن تاشَفِين، فانتخب رجالًا، وأمّر عليهم قرابته بُلَّجِين، وقرَّر معه أمورًا، فبقوا بالأندلس إلى أن ثارت الفتنة.
ومبدؤها في شوّال سنة ثلاثٍ وثمانين. فملك المرابطون جزيرة طريف، ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين يوسف.
ثمّ زحف المرابطون الّذين في الحصون إلى قُرْطُبة فحاصروها، وفيها المأمون بعد أن أبدى [١] عذرًا وأظهر في الدّفاع جَلَدًا وصبرًا في صَفَر سنة أربعٍ وثمانين. فزادت الإحْنة والمحنة، وعَلَت الفتنة.
قال ابن خَلِّكان: [٢] وحاصروا إشبيليّة، وبها المعتمد، أشدّ المحاصرة.
وظهر من شدّة بأس المعتمد ومصابرته وتَرَاميه على الموت بنفسه، ما لم يُسْمع بمثله. فلمّا كان في رجب سنة أربعٍ هجم جيش ابن تاشَفِين البلدَ، وشنُّوا فيه الغارات. ولم يتركوا لأحدٍ شيئًا. وخرج النّاس يسترون عوراتهم بأيديهم.
وقبضوا على المعتمد.
стр. 15996
وقال عبد الواحد المذكور: وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد، فبرز من قصْره وسيفه بيده، وغلالته ترفّ على جسده، لا درع عليه، ولا دَرَقَة معه، فلقي فارسًا مشهور النَّجْدة فرماه الفارس بحَرْبةٍ، فأصاب غِلالَتَه، وضرب هو الفارس بالسّيف على عاتقه، فخرَّ صريعًا. فانهزمت تلك الْجُموع، وظنَّ أهل إشبيليّة أن الخِناق قد تنفّس.
فلمّا كان وقت العصر، عاودهم البربر، فظهروا على البلد من واديه، وشبّت النّار في شوانيه [١] ، فعندها انقطع العمل. وكان الّذي ظهر عليها من جهة البَرّ جُدَيْر بن البربريّ، ومن الوادي الأمير أبو حمامة. والْتَوَتِ الحال أيّامًا، إلى أن قدِم سِير ابن أخي يوسف بن تاشَفِين بعساكره، والنّاسُ في تلك الأيّام يرمون أنفسهم من الأسوار. فاتَّسع الخَرْق على الرّاقع بمجيء سِير، ودُخِل البلد من واديه، وأُصيب [٢] حاضره وبادِيه بعد أن جدّ الفريقان في القتال، وشُنَّت الغارة في إشبيليّة، ولم يترك البربر لأهلها سبدًا ولا لبدًا. ونُهِبت قصور المعتمد، وأُخِذ أسيرًا. ثمّ أُكْرِه على أن يكتب إلى ولديه: أن تُسلِّما الحصنَيْن، وإلّا قُتِلتُ. وإنّ دمي رَهْنٌ على ذلك. وهما الرّاضي باللَّه، والمُعْتدّ باللَّه، وكانا في رُنْدَة ومارْتلة، فنزلا بعد عهودٍ مُبْرمَة.
فأمّا المعتدّ، فعند نزوله قبض عليه القائد الواصل إليه، وأخذ كلّ أمواله، وأمّا الآخر فقتلوه غِيلَةً. وذهبوا بالمعتمد وآلِه بعد استئصال جميع أحواله، وعبروا بِهِ إِلى طنجة، فبقي بها أيامًا، ثُمَّ نقلوه إلى مِكْناسَة، فتُرِك بها أشهرًا، ثمّ نقّلوه إلى مدينة أغْمات، فبقي بها أكثر من سنتين محبوسًا. ومات. وللمعتمد مراثٍ في ولديه اللّذين قتلوهما.
وله في حاله:
تَبَدَّلْتُ من ظِلِّ عزِّ البُنُود [٣] ... بِذُلِّ الحديد وثِقْل القُيُودِ
وكان حديدي سِنانًا ذَلِيقًا ... وعَضْبًا رَقيقًا صَقيلَ الحديد
стр. 15997
وقد صار ذاك وذا أدْهَمًا ... يَعَضُّ بساقيَّ عَضَّ الأسُودِ [١]
وقيل: إنّ بنات المعتمد دخلن عليه السّجنَ في يوم عيدٍ، وكُنَّ يغْزِلن للنّاس بالأُجرة في أغْمات، فرآهنّ في أطمارٍ رثَّةٍ، فَصَدَعْنَ قلبه، فقال:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا ... فساءك [٢] العيدُ في أَغْماتَ مأسورا
ترى بناتِك في الأطمار جائعةً ... يغزلن للناس لا [٣] يملكن قِطْميرا
بَرَزْنَ نحوك للتّسليم خاشعةً ... أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا
يَطَأْنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ، ... كأنّها لم تَطَأَ مِسْكًا وكافورا
من بات بعدَكَ في مُلْكٍ يُسَرُّ به ... فإنّما بات بالأحلام مسرورا [٤]
ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضّت بساقيه، فقال:
قَيْدي، أما تَعْلَمُني مُسْلمًا ... أبيتَ أن تُشْفق أو تَرْحما
دمي شرابٌ لك، واللّحم قد ... أكلْتَه، لا تهشم الأعظُما
يُبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني، والقلب قد هُشِّما
ارْحم طُفَيْلًا طائشًا لُبُّه ... لم تَخشَ [٥] أن يأتيك مسترحما
وارحم أُخَيّاتٍ له مثله ... جرّعتهُنَّ السُّمّ والعَلْقَما [٦]
وللمعتمد، وقد أُحيط به:
لمّا تماسكتِ الدّموعُ ... وتَنَهْنَهَ [٧] القلب الصّديع
стр. 15998
قالوا: الخضوعُ سياسةٌ ... فَلْيَبْدُ منك لهم خُضُوع
وألذُّ من طَعْم الخُضُوع ... على فمي السّمُّ النّقِيعُ
إن تَسْتَلِبْ عنِّي الدُّنَا [١] ... مّلْكي وتُسْلِمُني الْجُمُوعُ
فالقلبُ بين ضُلُوعِهِ ... لم تُسّلِمِ القلبَ الضُّلُوعُ
قد رُمْتُ يوم نِزَالِهم ... أنْ لا تحصِّنني الدُّرُوعُ
وبرزت ليس سوى قميص ... [٢] عن الحشَى شيءٌ دَفُوعُ
أجَليَ تأخّر، لم يكُنْ ... بِهَوَايَ ذُلِّي والخُضُوعُ [٣]
ما سِرتُ قطُّ إلى القتال ... [٤] وكان في [٥] أملي الرجوعُ
شِيَمُ الأُولَى أنا منهمُ ... والأصل تتْبعهُ الفروعُ [٦]
ولأبي بكر محمد بن اللّبّانة الدّانيّ فيه قصائد سائرة، وكان منقطعًا إليه، من ذلك:
لكلّ شيءٍ من الأشياء ميقاتُ ... وللمُنى من مناياهنّ غاياتُ
والدّهر في صِيغة الحِرْباء منغمسٌ ... ألوانُ حالاته فيها استحالاتُ
ونحن من لعب الشّطرنج في يده ... ورُبّما قُمِرت بالبَيْدق الشّاةُ [٧]
أنفض يديك من الدّنيا وساكِنها ... فالأرضُ قد أقْفرتْ والنّاسُ قد ماتوا
وقُلْ لعالَمِها الأرضيّ: قد كَتَمتْ ... سريرةَ العالَمِ العُلْويِّ أَغْماتُ
وهي طويلة.
وله فيه قصائد طنّانة، هي:
تنشَّق رياحينَ السّلامِ فإنّما ... أفضّ [٨] بها مسكا عليك مختّما
стр. 15999
وقل لي مَجازًا إن عَدِمْتَ حقيقةً ... بأنّك [١] في نُعْمَى فقد كنتَ مُنْعِمَا
أفكِّرُ في عصرٍ مضى لك مُشْرقًا ... فيرجعُ ضَوءُ الصُّبْح عندي مُظْلِما
وأعْجَبُ من أُفْقِ المجَرَّةِ إذ رأى ... كُسُوفَكَ شمسًا كيف أطْلَعُ أنْجُمَا [٢]
فتاةٌ سَعَتْ للطَّعنِ حتّى تقَصَّدَتْ [٣] ... وسيفٌ [٤] أطال الضَّربَ حتّى تثلَّما
بكى آلُ عَبّادٍ ولا لَمحمَّدٍ ... وأبنَائهِ صَوْبُ الغَمَامة إذ هُمَا
صَبَاحُهُمْ كُنَّا به نَحْمَدُ السُّرَى ... فلمَّا عَدِمْنَاهُمْ سَرَيْنَا على عَمَى [٥]
وكُنّا رَعَيْنا العزَّ حولَ حِمَاهُمُ ... فقد أجْدَبَ المَرْعَى وقد أقفر الحِمى [٦]
وقد أَلْبَسَت أيْدي اللّياليَ مَحَلَّهُم ... منَاسِيجَ [٧] سَدَّى الغَيْثُ فيها وألحَمَا
قُصُورٌ خَلَتْ من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشي [٨] حولَ وَاقِفَةِ الدُّما [٩]
كأنْ لم يكنْ فيها أنيسُ [١٠] ولا التَقَى ... بها الوفدُ جَمْعًا والْجَميشُ [١١] عَرَمْرَمَا
حكيتَ [١٢] وقد فارقْتَ مُلْكَكَ مالكًا ... ومِن وَلَهِي أبكي [١٣] عليك مُتمَّما
تضيقُ عليَّ الأرضُ حتّى كأنّني [١٤] ... خُلِقْتُ وإيّاها سوارا ومعصما
وإنّي على رسمي مقيم فإن أَمُتْ ... سأجْعلُ للباكِينَ رسْمي مَوْسِمَا
بَكَاكَ الحَيَا والرّيحُ شقَّتْ جُيُوبَها ... عليكَ وناح الرَّعْدُ باسمِكَ معلما
стр. 16000
ومُزِّق ثوبُ البَرْق واكتَسَتِ السّما [١] ... حِدَادًا وقامتْ أنْجُم اللّيل مأْتَمَا
وما [٢] حلَّ بدْرُ التَّمِّ بعدَك دارَةً ... ولا أظْهَرَتْ شمس الظَّهِيرة مبسما
سينجيك من نجّى من الجبّ يوسفا ... ويؤويك [٣] من آوى المسيحَ بنَ مرْيَمَا [٤]
ثمّ إنّه وفد على المعتمد وهو في السّجن وفادةَ وفاءٍ لا استجداء، وحكى أنّه لمّا عزم على الانفصال عنه، بعث إليه عشرين دينارًا، وتفصيلة، وأبياتًا يعتذر فيها، قال: فَرَدَدْتُها عليه لعلمي بحاله، وأنّه لم يترك عنده شيئًا [٥] .
قال ابن خَلِّكان: [٦] مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ومات في شوّال سنة ثمان وثمانين.
قلت: وقد سمّى ابن اللّبّانة أولاد المعتمد الّذين في الحياة بأسمائهم وألقابهم، فذكر نحوًا من ثلاثين ذكرا.
قال: وعدد بناته أربعٌ وثلاثون بنْتًا.
٢٨٥- مُحَمَّد بن عَبْد الواحد [٧] .
أَبُو بَكْر الأصبهاني. عُرف بخوروسْت.
شيخ مُسِن.
قال السِّلَفيّ: لم يَمُت أحدٌ من شيوخي قبله.
روى عن: أبي منصور بن مَهْرُيَرْد [٨] .
٢٨٦- محمد بن عثمان بن عليّ بن حسان [٩] .