وقال عبد الواحد المذكور: وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد، فبرز من قصْره وسيفه بيده، وغلالته ترفّ على جسده، لا درع عليه، ولا دَرَقَة معه، فلقي فارسًا مشهور النَّجْدة فرماه الفارس بحَرْبةٍ، فأصاب غِلالَتَه، وضرب هو الفارس بالسّيف على عاتقه، فخرَّ صريعًا. فانهزمت تلك الْجُموع، وظنَّ أهل إشبيليّة أن الخِناق قد تنفّس.
فلمّا كان وقت العصر، عاودهم البربر، فظهروا على البلد من واديه، وشبّت النّار في شوانيه [١] ، فعندها انقطع العمل. وكان الّذي ظهر عليها من جهة البَرّ جُدَيْر بن البربريّ، ومن الوادي الأمير أبو حمامة. والْتَوَتِ الحال أيّامًا، إلى أن قدِم سِير ابن أخي يوسف بن تاشَفِين بعساكره، والنّاسُ في تلك الأيّام يرمون أنفسهم من الأسوار. فاتَّسع الخَرْق على الرّاقع بمجيء سِير، ودُخِل البلد من واديه، وأُصيب [٢] حاضره وبادِيه بعد أن جدّ الفريقان في القتال، وشُنَّت الغارة في إشبيليّة، ولم يترك البربر لأهلها سبدًا ولا لبدًا. ونُهِبت قصور المعتمد، وأُخِذ أسيرًا. ثمّ أُكْرِه على أن يكتب إلى ولديه: أن تُسلِّما الحصنَيْن، وإلّا قُتِلتُ. وإنّ دمي رَهْنٌ على ذلك. وهما الرّاضي باللَّه، والمُعْتدّ باللَّه، وكانا في رُنْدَة ومارْتلة، فنزلا بعد عهودٍ مُبْرمَة.
فأمّا المعتدّ، فعند نزوله قبض عليه القائد الواصل إليه، وأخذ كلّ أمواله، وأمّا الآخر فقتلوه غِيلَةً. وذهبوا بالمعتمد وآلِه بعد استئصال جميع أحواله، وعبروا بِهِ إِلى طنجة، فبقي بها أيامًا، ثُمَّ نقلوه إلى مِكْناسَة، فتُرِك بها أشهرًا، ثمّ نقّلوه إلى مدينة أغْمات، فبقي بها أكثر من سنتين محبوسًا. ومات. وللمعتمد مراثٍ في ولديه اللّذين قتلوهما.
وله في حاله:
تَبَدَّلْتُ من ظِلِّ عزِّ البُنُود [٣] ... بِذُلِّ الحديد وثِقْل القُيُودِ
وكان حديدي سِنانًا ذَلِيقًا ... وعَضْبًا رَقيقًا صَقيلَ الحديد
стр. 15997
وقد صار ذاك وذا أدْهَمًا ... يَعَضُّ بساقيَّ عَضَّ الأسُودِ [١]
وقيل: إنّ بنات المعتمد دخلن عليه السّجنَ في يوم عيدٍ، وكُنَّ يغْزِلن للنّاس بالأُجرة في أغْمات، فرآهنّ في أطمارٍ رثَّةٍ، فَصَدَعْنَ قلبه، فقال:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورًا ... فساءك [٢] العيدُ في أَغْماتَ مأسورا
ترى بناتِك في الأطمار جائعةً ... يغزلن للناس لا [٣] يملكن قِطْميرا
بَرَزْنَ نحوك للتّسليم خاشعةً ... أبصارهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسيرا
يَطَأْنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ، ... كأنّها لم تَطَأَ مِسْكًا وكافورا
من بات بعدَكَ في مُلْكٍ يُسَرُّ به ... فإنّما بات بالأحلام مسرورا [٤]
ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضّت بساقيه، فقال:
قَيْدي، أما تَعْلَمُني مُسْلمًا ... أبيتَ أن تُشْفق أو تَرْحما
دمي شرابٌ لك، واللّحم قد ... أكلْتَه، لا تهشم الأعظُما
يُبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني، والقلب قد هُشِّما
ارْحم طُفَيْلًا طائشًا لُبُّه ... لم تَخشَ [٥] أن يأتيك مسترحما
وارحم أُخَيّاتٍ له مثله ... جرّعتهُنَّ السُّمّ والعَلْقَما [٦]
وللمعتمد، وقد أُحيط به:
لمّا تماسكتِ الدّموعُ ... وتَنَهْنَهَ [٧] القلب الصّديع
стр. 15998
قالوا: الخضوعُ سياسةٌ ... فَلْيَبْدُ منك لهم خُضُوع
وألذُّ من طَعْم الخُضُوع ... على فمي السّمُّ النّقِيعُ
إن تَسْتَلِبْ عنِّي الدُّنَا [١] ... مّلْكي وتُسْلِمُني الْجُمُوعُ
فالقلبُ بين ضُلُوعِهِ ... لم تُسّلِمِ القلبَ الضُّلُوعُ
قد رُمْتُ يوم نِزَالِهم ... أنْ لا تحصِّنني الدُّرُوعُ
وبرزت ليس سوى قميص ... [٢] عن الحشَى شيءٌ دَفُوعُ
أجَليَ تأخّر، لم يكُنْ ... بِهَوَايَ ذُلِّي والخُضُوعُ [٣]
ما سِرتُ قطُّ إلى القتال ... [٤] وكان في [٥] أملي الرجوعُ
شِيَمُ الأُولَى أنا منهمُ ... والأصل تتْبعهُ الفروعُ [٦]
ولأبي بكر محمد بن اللّبّانة الدّانيّ فيه قصائد سائرة، وكان منقطعًا إليه، من ذلك:
لكلّ شيءٍ من الأشياء ميقاتُ ... وللمُنى من مناياهنّ غاياتُ
والدّهر في صِيغة الحِرْباء منغمسٌ ... ألوانُ حالاته فيها استحالاتُ
ونحن من لعب الشّطرنج في يده ... ورُبّما قُمِرت بالبَيْدق الشّاةُ [٧]
أنفض يديك من الدّنيا وساكِنها ... فالأرضُ قد أقْفرتْ والنّاسُ قد ماتوا
وقُلْ لعالَمِها الأرضيّ: قد كَتَمتْ ... سريرةَ العالَمِ العُلْويِّ أَغْماتُ
وهي طويلة.
وله فيه قصائد طنّانة، هي:
تنشَّق رياحينَ السّلامِ فإنّما ... أفضّ [٨] بها مسكا عليك مختّما
стр. 15999
وقل لي مَجازًا إن عَدِمْتَ حقيقةً ... بأنّك [١] في نُعْمَى فقد كنتَ مُنْعِمَا
أفكِّرُ في عصرٍ مضى لك مُشْرقًا ... فيرجعُ ضَوءُ الصُّبْح عندي مُظْلِما
وأعْجَبُ من أُفْقِ المجَرَّةِ إذ رأى ... كُسُوفَكَ شمسًا كيف أطْلَعُ أنْجُمَا [٢]
فتاةٌ سَعَتْ للطَّعنِ حتّى تقَصَّدَتْ [٣] ... وسيفٌ [٤] أطال الضَّربَ حتّى تثلَّما
بكى آلُ عَبّادٍ ولا لَمحمَّدٍ ... وأبنَائهِ صَوْبُ الغَمَامة إذ هُمَا
صَبَاحُهُمْ كُنَّا به نَحْمَدُ السُّرَى ... فلمَّا عَدِمْنَاهُمْ سَرَيْنَا على عَمَى [٥]
وكُنّا رَعَيْنا العزَّ حولَ حِمَاهُمُ ... فقد أجْدَبَ المَرْعَى وقد أقفر الحِمى [٦]
وقد أَلْبَسَت أيْدي اللّياليَ مَحَلَّهُم ... منَاسِيجَ [٧] سَدَّى الغَيْثُ فيها وألحَمَا
قُصُورٌ خَلَتْ من ساكنيها فما بها ... سوى الأدم تمشي [٨] حولَ وَاقِفَةِ الدُّما [٩]
كأنْ لم يكنْ فيها أنيسُ [١٠] ولا التَقَى ... بها الوفدُ جَمْعًا والْجَميشُ [١١] عَرَمْرَمَا
حكيتَ [١٢] وقد فارقْتَ مُلْكَكَ مالكًا ... ومِن وَلَهِي أبكي [١٣] عليك مُتمَّما
تضيقُ عليَّ الأرضُ حتّى كأنّني [١٤] ... خُلِقْتُ وإيّاها سوارا ومعصما
وإنّي على رسمي مقيم فإن أَمُتْ ... سأجْعلُ للباكِينَ رسْمي مَوْسِمَا
بَكَاكَ الحَيَا والرّيحُ شقَّتْ جُيُوبَها ... عليكَ وناح الرَّعْدُ باسمِكَ معلما
стр. 16000
ومُزِّق ثوبُ البَرْق واكتَسَتِ السّما [١] ... حِدَادًا وقامتْ أنْجُم اللّيل مأْتَمَا
وما [٢] حلَّ بدْرُ التَّمِّ بعدَك دارَةً ... ولا أظْهَرَتْ شمس الظَّهِيرة مبسما
سينجيك من نجّى من الجبّ يوسفا ... ويؤويك [٣] من آوى المسيحَ بنَ مرْيَمَا [٤]
ثمّ إنّه وفد على المعتمد وهو في السّجن وفادةَ وفاءٍ لا استجداء، وحكى أنّه لمّا عزم على الانفصال عنه، بعث إليه عشرين دينارًا، وتفصيلة، وأبياتًا يعتذر فيها، قال: فَرَدَدْتُها عليه لعلمي بحاله، وأنّه لم يترك عنده شيئًا [٥] .
قال ابن خَلِّكان: [٦] مولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ومات في شوّال سنة ثمان وثمانين.
قلت: وقد سمّى ابن اللّبّانة أولاد المعتمد الّذين في الحياة بأسمائهم وألقابهم، فذكر نحوًا من ثلاثين ذكرا.
قال: وعدد بناته أربعٌ وثلاثون بنْتًا.
٢٨٥- مُحَمَّد بن عَبْد الواحد [٧] .
أَبُو بَكْر الأصبهاني. عُرف بخوروسْت.
شيخ مُسِن.
قال السِّلَفيّ: لم يَمُت أحدٌ من شيوخي قبله.
روى عن: أبي منصور بن مَهْرُيَرْد [٨] .
٢٨٦- محمد بن عثمان بن عليّ بن حسان [٩] .
стр. 16001
أبو سعيد البُسْتيّ الغازيّ القّوّاس، ابن الأديب النَّحْويّ أبي طاهر. سمع من أصحاب الأصمّ. وكان أحد الرُّماة المذكورين.
وتُوُفّي في ذي الحجَّة عَنْ أربعٍ وثمانين سنةٍ بنَيْسابور.
روى عنه: أبو البركات الفُرَاويّ، وأُمُّ سَلَمَة بنت عبد الغافر [١] .
٢٨٧- محمد بن علي بن الحسين بن يحيى بن حميدون [٢] .
القاضي أبو عبد الله الصُّوريّ.
تُوُفّي بصُور في رمضان.
٢٨٨- محمد بن عليّ بن أبي عثمان [٣] .
أبو الغنائم.
قال شُجاع الذُّهْليّ: تُوُفّي فيها. وقد مرّ سنة ثلاث [٤] .
٢٨٩- مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الله [٥] .
أبو عليّ الشّاذياخيّ [٦] الصُّوفيّ.
حدَّث عن: أبي حسّان محمد بن أحمد المزكيّ، وأبي بكر بن الحارث، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم المزكيّ.
وُلِد سنة خمس عشرة وأربعمائة. وتُوُفّي في صَفَر.
٢٩٠- محمد بْن علي بْن أَبِي صالح البَغَويّ الدّبّاس [٧] .
стр. 16002
سمع: الجراحيّ، ومسعود بن محمد البِغِويّ، وعليّ بن أحمد الإسْتِراباذيّ [١] وغيرهم.
وهو آخر من روى «جامع» التِّرْمِذِيّ بِعُلُوّ.
روى عنه: ابنه عثمان، وأبو الفتح محمد بن عبد الله الشّيرازيّ، وأحمد بن ياسر المقرئ، وأبو الفتح محمد بن أبي عليّ، ومحمد بن عبد الرحمن الحمدوييّ [٢] ، وآخرون كثرون.
وتُوُفّي ببغشُور [٣] في ذي القعدة.
وكان من الفقهاء.
عاش ثمانيا وثمانين. وكنْيته أبو سعيد.
٢٩١- محمد بن المظفّر بن بكران بن عبد الصّمد [٤] .
العلّامة قاضي القُضاة أبو بكر الشّاميّ الحمويّ الفقيه الشّافعيّ. ولد
стр. 16003
بحماه سنة أربعمائة، ورحل إلى بغداد شابًّا، فسكنها وتفقّه بها.
وسمع الحديث من: عثمان بن دُوَسّت، وأبي القاسم بن بشْران، وأبي طالب بن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، وأبي الحسن العتيقيّ، وجماعة.
روى عنه: أبو القاسم بن السمرقندي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وهبه الله بن طاوس المقرئ.
وكان دخوله بغداد في سنة عشرين.
قال السّمعانيّ: هو أحد المتقنين لمذهب الشّافعيّ، وله اطّلاع على أسرار الفقه. وكان ورِعًا زاهدًا متَّقيا. وجَرَت أحكامه على السَّداد. ولي قضاء القُضاة ببغداد بعد موت أبي عبد الله الدّامغانيّ سنة ثمانٍ وسبعين، إلى أن تغيّر عليه المقتدي باللَّه لأمر، فمنع الشُّهُود من حضور مجلسه مدّةً، فكان يقول: ما أنعزِل ما لم يتحقَّقوا عليِّ الفِسْق.
ثمّ إنّ الخليفة خلع عليه، واستقام أمره [١] .
وسمعت الفقيه أحمد بن عبد الله بن الأبنوسيّ يقول: جاء أمير إلى قاضي القُضاة الشّاميّ، فادّعى شيئًا، فقال: بيّنتي فلان والمشطّب [٢] الفَرَغانيّ الفقيه.
فقال: لا أقبل شهادة المشطّب، لأنّه يلبس الحرير.
فقال: السّلطان ملك شاه ووزيره نظام المُلْك يَلْبَسانه.
فقال: ولو شهِدا عندي ما قَبِلتُ شهادتهما أيضًا [٣] .
وقال ابن النّجّار: كان ﵀ قد تفقّه على أبي الطّيّب الطّبريّ، وكان يحْفظ تعليقته. وولي قضاء القُضاة، وأبى أن يأخذ على القضاء رِزْقًا. ولم يغيّر مأكَلَه ولا مَلْبَسه، ولا استناب أحدًا في القضاء. وكان يسوّي بين الشّريف والوضيع في الحُكْم، ويقيم جاه الشَّرْع. فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه، فألصقوا به ما كان منه بريًّا من أحاديث ملفّقة، ومعاييب مزوّرة.
стр. 16004
وصنَّف كتاب «البيان عن أُصول الدّين» . وكان على طريقة السَّلَف، ورِعًا نَزِهًا.
وأنبأنا أبو اليُمْن الكِنْديّ أنّ أحمد بن عبد الله بن الآبنوسيّ أخبره قال: كان لقاضي القُضاة الشّاميّ كِيسان، أحدهما يجعل فيه عمامته، وهي كتّان، وقميصًا من القطْن الحَسَن، فإذا خرج لبسهما. والكيس الآخر، فيه فتيت، فإذا أراد الأكل جعل. منه في قصْعة، وجعل فيه قليلًا من الماء، وأكل منه [١] .
وكان له كادك في الشّهر بدينار ونصف، كان يقتات منه. فلمّا ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير، فأبى، وقال: لا أغيّر ساكني. وقد ارتبتُ بك، لِمَ لا كانت هذه الزّيادة مِن قِبل القضاء؟ وكان يشدّ في وسَطِه مِئْزرًا، ويخلع في بيته ثيابه، ويجلس.
وكان يقول: ما دخلتُ في القضاء حتّى وجب عليّ، وأعصي إن لم أقبله [٢] . وكان طُلّاب المنصب قد كثُروا، حتّى أنّ أبا محمد التّميميّ بذل فيه ذهبًا كثيرًا، فلم يُجب.
وقال [ابن] [٣] الجوزيّ: لمّا مات الدّامغانيّ سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة [٤] أن يولّيه القضاء، فامتنع، فما زالوا به حتّى تقلَّده، وشرط أن لا يأخذ رزقًا، ولا يقبل شفاعة، ولا يغيّر ملبوسه، فأجيب إلى ذلك، فلم يتغيّر حاله، بل كان في القضاء كما كان قبله ﵀ [٥] .
стр. 16005
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيَّ يَقُولُ: كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّامِيُّ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مَا كَانَ يَتَبَسَّمُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَقْعُدُ مُعْبِسًا، فَلَمَّا مُنِعَتِ الشُّهُودُ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ، وَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ، نَفَّدَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ الْمُعْتَزَلِيُّ: [١] مَا عَزَلَكَ الْخَلِيفَةُ، إِنَّمَا عَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ .
قَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟.
قَالَ: لِأَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» [٢] . وَأَنْتَ طُولُ عُمْرِكَ غَضْبَانُ.
وقال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ: كان حافظًا لتعليقة أبي الطّيّب، كأنّها بين عينيه، لم يقبل من سلطانٍ عطيّةً، ولا من صديقٍ هديّة. وكان يُعاب الحِدّة وسوء الخلق [٣] .
стр. 16006
وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة: ورِعٌ زاهِدٌ، وأمّا العِلْم فكان يقال: لو رُفِع مذهب الشّافعيّ أمكنه أن يُمْليه من صدْرِه [١] .
علّق عنه القاضي أبو الوليد الباجيّ.
قال عبد الوهّاب الأنْماطيّ: كان قاضي القُضاة الشّاميّ حسَن الطّريقة، ما كان يتبسّم في مجلس قضائه [٢] .
قال السّمعانيّ: تُوُفّي في عاشر شعبان، ودُفِن في تُربةٍ له عند أبي العبّاس بن سُرَيْج. وله ثمانيةٌ وثمانون عاما.
٢٩٢- محمد بن أبي نصر فتُّوح بن عبد الله بن فتُّوح بن حُمَيْد بن يصل [٣] .
الحافظ أبو عبد الله الأزْديّ الحُمَيْديّ الأندلسيّ الميورقيّ.
стр. 16007
ومَيُورقة جزيرة قريبة من الأندلس.
سمع بالأندلس، ومصر، والشّام، والحجاز، وبغداد واستوطنها.
وكان من كبار أصحاب أبي محمد بن حزْم الفقيه.
قال: ولدت قبل العشرين وأربعمائة.
سمع: ابن حزْم، وأخذ عنه أكثر كُتُبه، وأبا العبّاس أحمد بن عمر العُذْريّ، وأبا عمر بن عبد البَرّ.
ورحل سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة، فسمع بإفريقيّة كثيرًا، ولقي كريمة [١] بمكّة.
وسمع بمصر: القاضي أبا عبد الله القضاعي، وعبد العزيز بن الضّرّاب، وابن بقاء الورّاق، والحافظ أبا زكريّا البخاريّ.
وبدمشق: أبا القاسم الحسين الحِنائيّ، وعبد العزيز الكتّانيّ، وأبا بكر الخطيب.
وببغداد: ابا الغنائم بن المأمون، وأبا الحسين بن المهتدي باللَّه، والطّبقة.
وبواسط: أبا غالب بن بشْران اللُّغَويّ.
ولم يزل يسمع ويُكْثِر حتّى كتب عن أصحاب الجوهريّ.
روى عنه: شيخه الخطيب في مصنَّفاته، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عليّ بن سُكَّرَة، وأبو الحَسَن بن سَرْحان، وأبو بكر بن طَرْخَان، وهبة الله بن الأكفانيّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، والحافظ إسماعيل بن محمد، وصدّيق بن عثمان التِّبْريزيّ، وأبو إسحاق الغَنَويّ، وأبو الفضل محمد بن ناصر، وطائفة آخرهم أبو الفتح بن البطّيّ.
سمع الكثير ورحل وتعب. وكان من كبار الحفّاظ.
كان ثقة، متديّنا، بصيرًا بالحديث، عارفًا بفنونه، خبيرًا بالرجال، لا سيما بأهل الأندلس وأخبارها، مليح النَّظر، حَسَن النِّغْمة في قراءة الحديث، صيِّنًا ورِعًا، جيّد المشاركة في العلوم.
стр. 16008
وكان ظاهريّ المذهب، ويُسِرّ ذلك بعض الشيء [١] .
قال ابن طَرْخَان: سمعتُه يقول: كنت أحمَل للسّماع على الكتف سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وأوّل ما سمعتُ من الفقيه أبي القاسم أَصْبَغ بن راشد. وكنتُ أفهم ما يُقرأ عليه. وكان ممّن تفقّه على أبي محمد بن أبي زيد.
وأَصْلُ أبي من قُرْطُبة، من محلَّةٍ يُقال لها الرّصافة، وسكن جزيرة ميورقة، وبها ولدت [٢] .
قال يحيى بن البنّاء: كان الحُمَيْديّ مِن حِرصه واجتهاده ينسخ باللّيل في الحَرّ، فكان يجلس في إجّانة [٣] ماءٍ يتبرّد به.
وقال الحسين بن محمد بن خسْرُو: جاء أبو بكر بن ميمون، فدّق على الحُمَيْديّ، وظنّ أنّه قد أُذِن له فدخل، فوجده مكشوف الفخذ، فبكى الحُمَيْديّ وقال: والله لقد نظرت إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْت [٤] .
وقال ابن ماكولا: لم أرَ مثل صديقنا الحُمَيْديّ في نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم. صنَّف تاريخًا للأندلس [٥] .
وقال السِّلَفيّ: سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبديّ، عن الحُمَيْديّ فقال: لا يُرى قطٌّ مثله، وعن مثله يسأل! جمع بين الفقه والحديث والأدب، ورأى علماء الأندلس. وكان حافظًا.
قلت: لقي حفّاظ العصر ابن عبد البَرّ، وابن حَزْم، والخطيب، والحبّال.
وقال يحيى بن إبراهيم السّلماسيّ: قال أبي: لم تَرَ عينايَ مثل الحُمَيْديّ في فضله ونُبْله وغزارة عِلْمه وحرْصه على نشر العلم.
стр. 16009
قال: وكان ورِعًا تقيًّا إمامًا في الحديث وعِلَله ورُواته، متحقّقًا في علم التّحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث، بموافقة الكتاب والسُّنّة، فصيح العبارة، متبحِّرًا في علم الأدب والعربيّة والتّرسّل. وله كتاب «الجمع بين الصّحيحين» [١] ، و «تاريخ الأندلس» ، و «جمل تاريخ الإسلام» ، وكتاب «الذَّهَب المسبوك في وعظ الملوك» ، وكتاب في التَّرسُّل [٢] ، وكتاب «مخاطبات الأصدقاء» [٣] ، وكتاب ما جاء من الآثار في حفظ الجار» ، وكتاب «ذمّ النّميمة» [٤] .
وله شِعرٌ رَصِينٌ في المواعظ والأمثال.
قلت: وقد جاء عن الحُمَيْديّ أنّه قال: صيّرني «الشّهاب» شهابًا. وكان يُسمع عليه كثيرًا، عن مصنّفه القُضَاعيّ.
وقال ابن سُكَّرَة: كان يدلّني على المشايخ، وكان متقلّلًا من الدّنيا، يموّنه ابن رئيس الرّؤساء. ثمّ جَرَت لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه. وكان يبيت عند ابن رئيس الرّؤساء كلّ ليلة.
وحدَّثني أبو بكر ابن الخاضبة أنّه لم يسمعه يذكر الدّنيا قطّ [٥] .
وقال أبو بكر بن طرْخان: سمعت أبا عبد الله الحُمَيْديّ يقول: ثلاثة كُتُب من علوم الحديث يجب تقديم الهِمم بها: كتاب «العلل» وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدّار الدَّارَقُطْنيّ، وكتاب «المؤتلف والمختلف» وأحسن كتاب وُضِع فيه كتاب الأمير ابن ماكولا [٦] ، وكتاب «وَفَيات الشّيوخ» وليس فيه كتاب، وقد كنت أردت أن اجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رتَّبه على حروف المُعْجَم، بعد أن ترتّبه على السّنين [٧] .
стр. 16010
قال ابن طرْخان: فشغله عنه الصّحيحان، إلى أن مات [١] .
قلت: قد فتح الله بكتابنا هذا، يسّر الله إتمامه، ونفع به، وجعله خالصًا من الرّياء والرّئاسة [٢] .
وقد قال الحُمَيْديّ في «تاريخ الأندلس» : أنا [٣] عمر بن عبد البَرّ، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد الْجُهَنيّ، بمصنّف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسَائيّ، قراءةً عليه، عن حمزة بن محمد الكنَانيّ، عن النَّسَائيّ.
وللحُمَيْديْ رحمه الله تعالى:
كتابُ الله قَولي ... وما صحَّتْ به الآثارُ دِيني
وما اتّفق الجميعُ عليه بَدْءًا ... وعَودًا فهو عن حقٍّ مُبينِ
فَدَعْ ما صَدَّ عن هذا وخُذْها ... تكُنْ منها على عين اليقينِ [٤]
وقال القاضي عياض: محمد بْن أَبِي نصر أبو عَبْد الله الأزْديّ الأندلسيّ، سمع بمَيُورْقَة من أبي محمد بن حَزْم قديمًا. وكان يتعصَّب له، ويميل إلى قوله.
وكانت قد أصابته فيه فتنة، ولمّا شُدِّد على ابن حَزْم وأصحابه خرج الحُمَيْديّ إلى المشرق [٥] .
ومن شِعْره:
طريقُ الزُّهْد أفضلُ ما طريق ... وتَقْوَى الله تأديةُ الحقوقِ
فثِقْ باللَّه يكْفِكَ واسْتَعِنْهُ ... يُعِنْكَ ودَعْ [٦] بنيّات الطّريق [٧]
وله:
стр. 16011
لقاء النّاس ليس يُفيدُ شيئًا ... سوى الهَذَيان من قيلٍ وقالِ
فاقْللْ من لقاءِ النّاس إلّا ... لأخْذِ العلمِ أو إصلاح حالِ [١]
قال السّمعانيّ: روى لنا عنه: يوسف بن أيّوب الهَمَذَانيّ، وإسماعيل الحافظ، ومحمد بن عليّ الحلابيّ، والحسين بن الحسن المقدسيّ، وغيرهم.
وتُوُفّي في سابع عشر ذي الحجّة، ودُفِن بمقبرة باب أبْرَز بالقرب من قبر الشّيخ أبي إسحاق الشّيرازيّ، وصلّى عليه الفقيه أبو بكر الشّاشيّ بجامع القصر. ثمّ نُقِل في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب، ودُفِن عند قبر بِشْر الحافي.
ونقل ابن عساكر في «تاريخه» إنّ الحُمَيْديّ أوصى إلى الأجلّ مظفّر ابن رئيس الرّؤساء أن يُدْفن عند بِشْر بن الحارث، فخالف وصيّته، فلمّا كان بعد مدّة رآه في النّوم يُعاتبه على ذلك، فنقله في صَفَر سنة إحدى وتسعين [٢] ، وكان كَفَنَه جديدًا، وبدنه طَرِيًّا، يفُوح منه رائحة الطِّيب.
ووقفَ كُتُبَه ﵀ [٣] .
وقع لنا «تذكرة الحميديّ» بعلوّ [٤] .
стр. 16012
٢٩٣- محمد بن محمد بن جُمَاهر [١] .
أبو بكر الحَجْريّ الطُّلَيْطُلِيّ.
روى عن: عمّه جُماهر، وقاسم بن هلال، وأبي عمر بن سُميْق.
وحجّ [٢] ، وسمع من: أبي العبّاس بن نفيس، والقُضَاعيّ.
وكان شديد العناية بالسّماع، وليس عنده كبير علم.
ورّخه ابن بَشْكُوال.
٢٩٤- محمد بن منصور بن عمر [٣] .
أبو بكر الكَرْخيّ، الفقيه الشّافعيّ.
والد أبي البدر إبراهيم الكرْخيّ.
فقيه صالح، سمع: أبا الحسن بن مَخْلَد، وأبا علي بن شاذان.
وعنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهاب الأنْماطيّ.
تُوُفي في جُمَادى الأولى.
٢٩٥- موسى بن محمد بن موسى [٤] .
أبو عِمران الأصبهاني، ثمّ البغداديّ المؤدّب.
سمع: عبد الملك بن بِشْران، وغيره.
روى عنه: أبو غالب بن البنّاء، وابنه سعيد بن البنّاء.
- حرف النون -
٢٩٦- نجيب بن ميمون بن سهل بن عليّ [٥] .
أبو سهل الواسطيّ، ثمّ الهَرَويّ.
стр. 16013
سكن أبوه هَرَاة.
وسمع نجيب من: والده، ومن: أبي عليّ منصور بن عبد الله الخالديّ، ورافع بن عُصم الضّبيّ، وطائفة من مُسْندي هَرَاة في زمانه.
روى عنه: ابن طاهر المقدسيّ، ووجيه الشّحّاميّ، وأبو النّصر الفامي، وخلْق سواهم منهم: عُبَيْد الله بن حمزة الموسويّ، وأخوه عليّ بن حمزة، والمطهّر بن يَعْلَى العَلَويّ، ومحمد بن المفضل الدّهّان، والجنيد بن محمد القائنيّ، ومحمد بن رَيْحان النَّسَائيّ، وأبو الفتح نصر بن سيّار، وعليّ بن سهل الشّاشيّ، وأَمَةُ الله بنت محمد العارف، وعبد الملك بن عبد الله العَلَويّ.
قال الدّقّاق: ليس بقي في الدّنيا من يروي عن الخالديّ سواه [١] .
وسمع من: حاتم بن محمد بن أبي حاتم الهَرَويّ، وأحمد بن عليّ بن أحمد الشّارعيّ، ومحمد بن منصور الْجُولَكيّ [٢] ، ومحمد بن محمد الأزديّ القاضي.
стр. 16014
وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ومات في الثّاني والعشرين من رمضان سنة ثمان.
- حرف الهاء -
٢٩٧- هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الطّيّب [١] .
أبو القاسم بن أبي بكر الصّبّاغ.
من سُراة البغداديّين.
سمع: أباه، وعثمان بن دُوَسْت، وغيرهما.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعمر بن ظَفَر الشَّيْبانيّ، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام.
قال ابن ناصر: تُوُفّي في سادس ذي القِعْدَة.
- حرف الياء -
٢٩٨- يعقوب بن سليمان بن داود [٢] .
أبو يوسف الإِسْفَرَايِينِيّ. نزيل بغداد وخازن كُتُب النّظاميّة.
حدَّث «بسُنَن النَّسَائيّ» عن أبي نصر الكسّار.
وحدَّث عن: عبد العزيز الأزجيّ، والطّبريّ.
وتُوُفّي في العشرين من ذي القعدة.
٢٩٩- يَلْبَرْ بن خَطْلع [٣] .
стр. 16015
أبو منصور الفانيذيّ الكرْخيّ.
سمع مشيخة أبي عليّ بن شاذان منه.
روى عنه: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهاب الأنْماطيّ.
وكان صالحًا، صحيح السّماع.
تُوُفّي في جُمَادى الآخرة.
الكنى
- أبو شُجاع الوزير [١] .
اسمه محمد كما تقدَّم.
стр. 16016
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
- حرف الألف -
٣٠٠- أحمد بْن الحسن بْن أحمد بن الحسن [١] بن خُداداد [٢] .
أبو طاهر الكَرَجيّ [٣] الباقلّانيّ [٤] .
ولد سنة ستّ عشرة وأربعمائة [٥] .
وسمع: أبا عليّ بْن شاذان، وأبا القاسم بن بشْران، وأبا بكر البَرْقانيّ.
وسمع كُتُبًا كِبارًا، وتفرَّد بها، من ذلك: «سُنَن سعيد بن منصور» ، تفرَّد به عن أبي عليّ بن شاذان. ولأبي طاهر السّلفيّ منه إجازة [٦] ، بمروياته.
روى عنه: ابن ناصر، وعمر الدّهسْتانيّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وأبو عليّ بن سكّرة.
وهو ابن خال ابن خيرون.
стр. 16017
قال السّمعانيّ: كان شيخًا عفيفًا، زاهدًا، منقطعًا إلى الله، ثقة، فهما، لا يظهر إلّا يوم الجمعة.
سمعت عبد الوهّاب الحافظ يقول: كان أبو طاهر الباقلّانيّ أكثر معرفة من أبي الفضل بن خَيْرُون. وكان زاهدًا حَسَن الطّريقة [١] ، وما كان له حلقة في الجامع، ولا قُرئ عليه فيه حديث. كان يقول لأصحاب الحديث: أنا لكم من السّبت إلى الخميس، ويوم الجمعة أنا بحكم نفسي للتّبكير [٢] والتّلاوة.
وسمعتُ عبد الوهاب يقول: جاء نظام المُلْك إلى بغداد، وأراد أن يسمع من شيوخها، فكتبوا له أسماء الشّيوخ، وكتبوا في جملتهم اسمه، وسألوه أن يحضر دار نظام المُلْك حتّى يسمع منه. فامتنع، وألحّوا عليه، فما أجاب، ثمّ قال: إنّ ابن خَيْرُون قرابتي، وما انفردت أنا بشيء، بل كلّ ما سمعت أنا سمعه هو، وهو في خزانة الخليفة على عملكم، فسمعوا منه [٣] .
تُوُفّي في رابع ربيع الآخر.
٣٠١- أحمد بن عبد الرحمن بن مظاهر [٤] .
أبو جعفر الأنصاريّ الطُّلَيْطُلِيّ.
روى عن: خاله جُماهر بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن عبد السّلام الحافظ، وقاسم بن هلال، وجعفر بن عبد الله، وجماعة كثيرة.
وعُني بسماع العِلم ولقاء الشّيوخ. وكان ذا بَصَرٍ بالمسائل، ومَيْلٍ إلى الأثَر. صنِّف «تاريخ فُقهاء طُلَيْطُلَة» [٥] .
رواه عنه: القاضي أبو الحسن بن بقيّ.
وكان ثقة.
стр. 16018
٣٠٢- أحمد بن عمر بن الأشعث [١] .
ويقال: ابن أبي الأشعث. أبو بكر السَّمَرْقَنْديّ المقرئ.
نزيل دمشق، ثم نزيل بغداد.
سمع: أبا عثمان الصّابونيّ، وأبا عليّ بن أبي نصر، وأبا عليّ الأهوازيّ وقرأ عليه بالرّوايات.
روى عنه: أبو الكرم الشّهْرُزُورِيّ، وابنه أبو القاسم إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح بن البطّيّ.
وقال أبو الحسن عليّ بن أحمد بن قُبَيْس الغسّانيّ: كان أبو بكر يكتب المصاحف مِن حفظه. وكان إذا فرغ من الوجه كتب الوجه الآخر إلى أن يجفّ، ثمّ يكتب الوجه الّذي بينهما فلا يكاد أن يزيد ولا يُنْقص، مع كونه يكتب في قطعٍ كبير، وقطع لطيف [٢] .
قال: وكان مزّاحًا.
وخرج مع جماعة في فُرْجة، فقدَّموه يُصلّي بهم، فلمّا سَجَد بهم تركهم في الصّلاة، وصعِد شجرة، فلمّا طال عليهم، رفعوا رءوسهم من السَّجْدَة، فلم يجدوه، ثمّ إذا به في الشّجرة يصيح: نَوّ نَوْ، فسقط من أعينهم وانتحس، وخرج إلى بغداد، وترك أولاده بدمشق [٣] .
قلت: ثمّ أرسل أخذ أهله. وسمَّع ابنيه بدمشق سنة بضْعٍ وخمسين.
وببغداد سنة نيّف وستّين وأربعمائة. وأقرأ القرآن ببغداد.
قال ابن النّجّار: هو من أهل سَمَرْقَنْد، سافر إلى الشّام، وكان محمودًا، متقنًا، عارفًا بالرّوايات، محقّقًا في الأخذ، متحرِّيا، صدوقًا ورِعًا. وكان يكتب على طريقة الكوفيّين، ويجمع بين نَسْخ المُصْحف من حِفْظه، وبين الأخذ على ثلاثة، ويضبط ضبطًا حَسَنًا.
стр. 16019
ثنا ابن الأخضر، ثنا ابن البطّيّ: أنا أحمد بن عمر السَّمَرْقَنْديّ: أنبا الحسين بن محمد الحلبيّ: ثنا أحمد بن عطاء الرُّوذْباريّ إملاءً بِصُور.
قلت: مات الحلبي [١] سنة ستٍّ وثلاثين، وهو أقدم شيخ للسَّمَرْقَنْديّ.
قال: الحسين بن محمد البلْخيّ: كان شيخنا أبو بكر السَّمَرْقَنْديّ لا يكتب لأحدٍ خطّه إذا قرأ عليه، إلّا أن يكون مجوّدًا في الغاية. وما رأيته كتب إلّا لمسعود الحلاويّ، وقال: ما قرأ عليّ أحدٌ مثله. فجاء إليه الطّبّال، فقرأ خَتْمات، وأعطى [٢] وَلَد الشّيخ دنانير، فردّها الشّيخ وقال: لا أستحلّ أن أكتبَ له.
قال البلْخيّ: وكان أبو بكر لمّا جاء من دمشق اتّصل بعفيف القائميّ الخادم، فأكرمه وأنزله، فكان إذا جاءه الفرّاش بالطعام بكى، فسأله عن بكائه، فقال: إنّ لي بدمشق أولادًا في ضيق.
فأخبر الفرّاش عفيفًا، فأرسل مَن جاء بهم من دمشق، فجاءوا أباهم بغتةً، ولم يزالوا في ضيافة عفيف حتّى مات [٣] .
وُلِد أبو بكر سنة ثمان وأربعمائة، ومات في سادس عشر رمضان.
قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ في «تاريخه» : هو مشهور في التَّقدُّم بالقرآن ونسْخ المصاحف، جَعَل دأبَه أن ينسخ، ويُقرئ جماعةً بروايات مختلفة، يردُّ على المخطئ منهم. فكان له في هذا كلّ عجيبة، ﵀.
قلت: قرأ عليه جماعة، وكانت قراءته على الأهوازيّ في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
٣٠٣- أحمد بن محمد بن عليّ [٤] .
стр. 16020
أبو بكر الهَرَويّ المقرئ الضّرير.
سكن دمشق، وسمع بها: رشأ بن نظيف، وأبا عليّ الأهوازيّ، وعليّ بن الخضر السُّلَميّ.
وسمع بصور من: عبد الوهاب بن برهان.
سمع منه: عمر الدّهسْتانيّ، وطاهر الخُشُوعيّ، وأبو محمد بن صابر ووثّقه.
وتُوُفّي بالقدس في ربيع الآخر.
قرأ على الأهوازيّ، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وولد بهراة.
وقد صنّف في القراءات الثّمان كتابًا سمّاه «التّذكرة» .
قرأ عليه القراءات: إبراهيم بن حمزة ابن الْجَرْجَرائيّ [١] ، وغيره.
٣٠٤- إسماعيل بن حَمْد بن محمد بن خيران [٢] .
أبو محمد الهَمَذانيّ البزّاز.
سمع: أبا الحسين الفارسيّ، وعمر بن مسرور.
وحدَّث ببغداد.
روى عنه: محمد بن سعدون العبْدَريّ أبو عامر، وأبو البركات بن السَّقَطيّ.
وكان محدِّثًا مُكثِرًا.
٣٠٥- إسماعيل بن حمزة بن فَضَالَة [٣] .
أَبُو القاسم الهَرَويّ الحنفيّ العطّار.
عالم صدوق. حدَّث بصحيح الإسماعيليّ، عن الحسين بن محمد الباشانيّ.
стр. 16021
وسمع أيضًا من سعيد بن العبّاس القُرَشيّ.
روى عنه: الجنيد بن محمد [القائنيّ] [١] ، والقاسم بن الحسين الحصيريّ، مات في ربيع الأوّل.
٣٠٦- إسماعيل بن عبد الملك [٢] .
الفقيه أبو القاسم الطُّوسيّ، الفقيه المعروف بالحاكميّ.
قدِم دمشق. عديل [٣] الإمام أبي حامد الغزاليّ.
وسمع من: نصر المقدسيّ في سنة تسعٍ وثمانين.
قال أبو المفضّل يحيى بن عليّ القُرَشيّ القاضي: كان أعلم بالأصول من الغزاليّ، وكان شافعيًّا [٤] .
قلت: لا أعلم وفاته مَتى هي [٥] .
٣٠٧- إسماعيل بن عثمان بن عمر [٦] الأبْرِيسَميّ [٧] .
نَيْسابوريّ [٨] .
روى عن: أبي سعيد محمد بن موسى الصَّيْرفيّ.
روى عنه: زاهر الشّحّاميّ، وغيره.
стр. 16022
وقيل: تُوُفّي سنة تسعين [١] .
٣٠٨- أَمةُ الرحمن بنت أبي القاسم عبد الواحد بن حسين بن الْجُنَيْد [٢] .
امرأة عالمة صالحة، متبرَّكٌ بها.
سمعت أبا القاسم بن بشْران.
روى عنها: إسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابن عبد السّلام الكاتب.
ووُلِدت سنة أربعمائة، وعُمّرت.
- حرف الحاء -
٣٠٩- الحُسَين بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بن عمر [٣] .
أبو عبد الله بن السّرّاج البغداديّ النّصريّ.
كان من أهل الصّلاح والسَّداد.
سمع: أبا القاسم الحرفيّ، وعثمان بن دُوَسْت العلاف، وعبد الملك بن بشْران، ونصْر بن علالة.
روى عنه: أبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنْماطيّ، وعبد الخالق اليُوسُفيّ، ومسعود بن محمد بن شُنَيْف، وآخرون.
تُوُفّي في صَفَر.
أخبرونا عن ابن اللُّتّيّ، عن مسعود، عنه، بجزء ابن عفّان.
٣١٠- حمزَة بْن مُحَمَّد بْن الحَسَن بْن مُحَمَّد [٤] .
أبو القاسم القُرَشيّ الأسَديّ الزُّبَيْريّ البغداديّ.
شيخ صالح.
سمع: أبا القاسم الحرفيّ [٥] ، وأبا عليّ بن شاذان.
стр. 16023
روى عنه: الأنْماطيّ، وعمر بن ظَفَر، وابن ناصر، وآخرون.
تُوُفّي في شعبان عن نيّفٍ وثمانين سنة [١] .
- حرف السّين -
٣١١- سُلَيْمَان بْن أحمد بْن محمد [٢] .
أبو الربيع الأندلسيّ السَّرَقُسْطيّ.
دخل بغداد، وسمع بها من: أبي القاسم بن بِشْران، وأبي العلاء الواسطيّ، وجماعة [٣] .
وكان عارفًا باللُّغَة، لكن قال ابن ناصر: كان كذّابًا، وكان يُلْحِق اسمه.
قال السّمعانيّ: ثنا عنه: عبد الوهّاب الأنْماطيّ، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وابنه منصور [٤] بن سليمان.
وسألتُ أبا منصور بن خَيْرُون عنه، فأساء القول فيه، وقال: نهاني عمّي أبو الفضل أن أقرأ عليه [٥] .
стр. 16024
وتُوُفّي في ربيع الآخر [١] .
- حرف الشّين -
٣١٢- شافع بْن عليّ بْن أَبِي الفضل الطُّرَيْثيثيّ [٢] .
الصُّوفيّ.
من ساكني نَيْسابور.
شيخ صالح ظريف، له مجاهدة وحفظ أوقات وجمع همة. صحِب السّادة وحجّ، وسمع بمكة: أبا الحسن بن صخْر. وبالبصرة: إبراهيم بن طَلْحة بن غسّان.
روى عنه: وجيه الشّحّاميّ.
ولد سنة أربعمائة، وتُوُفّي في ذي الحجة.
- حرف الظّاء -
٣١٣- ظَفَرُ بنُ هبة الله بن القاسم [٣] .
أبو نصر الكِسائيّ الهَمَذَانيّ التّانيّ [٤] .
قال شيروَيْه: روى عن: ابن المحتسب، وعليّ بن إبراهيم بن حامد، وأبي طاهر بن سَلَمَة، وابن عَبْدان، وأبي بكر الأردستاني [٥] .
سمعت منه وولداي شهردار وزينب، وهو شيخ.
стр. 16025
توفي في جمادى الأولى، وصلينا عليه يوم الجمعة.
- حرف العين -
٣١٤- عَبْد اللَّه بْن الحُسين بْن علي بن حسين الأموي [١] .
أبو محمد السعيداني، البصري. من ولد أمير مكة عتاب بن أسيد [٢] ﵁.
كان أبو محمد محتسب البصرة. وقد سمع الكثير من: عليّ بن هارون المالكيّ، والمبارك بن عليّ بن حمدان، والحسن بن أحمد الدّبّاس، وطلحة بن يوسف المواقيتيّ، وجماعة.
ورحل إلى بغداد، وسمع وحدّث.
ولد سنة تسع وأربعمائة، وأوّل سماعه سنة ثمان عشرة.
وكان حافظًا محدَّثًا، حدَّث عنه: أبو عبد الله البارع، وأبو غالب الماوَرْديّ.
ووثّقه الحافظ جابر بن محمد البصْريّ، وقال: عنهُ أخذتُ عِلْمَ الحديث.
وقد كتب عن السَّعِيدَانيّ: أبو عبد الله الحُمَيْديّ، ومكّيّ الرُّمَيّليّ، وشُجاع الذُّهْليّ.
وقد تقدَّم ذكره [٣] .
ورَّخ ابن النّجّار وفاته في هذه السّنة.
٣١٥- عبد الله بن يوسف [٤] .
стр. 16026
القاضي أبو محمد الْجُرْجَانيّ المحدِّث.
صنَّف «فضائل الشّافعيّ» و «فضائل أحمد بن حنبل» . ودخل هَرَاة.
وتُوُفّي في ذي القعدة.
وسماعاته في حدود الثّلاثين وأربعمائة.
روى عنه: وجيه الشّحّاميّ، وغيره، وعبد الغافر الفارسيّ.
سمع من: عمر بن مسرور، وأبي الحسين الفارسيّ، وأبي سعْد الكَنْجرُوذيّ [١] ، وأبي عثمان البَحِيريّ، وطبقتهم، ومَن بعدهم فأكثر.
وهو ثقة صاحب حديث.
قال السّمعانيّ: وُلِد بجُرْجَان سنة تسع وأربعمائة سمع من: حمزة السَّهْميّ، وأحمد بن محمد الخَنْدقيّ [٢] ، ومحمد بن عليّ بن محمد الطّبريّ، وكريمة بنت محمد المَغَازليّ، والأربعة سمعوا من ابن عدِيّ.
وسمع من: أبي نُعَيْم عبد الملك بن محمد الأسْتِراباذيّ [٣] ، الصّغير صاحب الإسماعيليّ.
روى لنا عنه: الجنيد بن محمد القائنيّ [٤] ، وعبد الملك بن عبد الله العدويّ، وأخوه أبو الفتح سالم، وعليّ بن حمزة المُوسُويّ، وهبة الرحمن القشيريّ، وآخرون [٥] .
стр. 16027
قال: ومات في تاسع ذي القعدة.
٣١٦- عبد الجبّار بن عبد الواحد بن أحمد بن سبوَيْه [١] .
أبو الفضل بن أبي طاهر، التّاجر الأصبهاني.
حدَّث عن: أبي نُعَيْم.
سمع منه: المؤتَمَن السّاجيّ، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح بن عبد السّلام.
وُلِد سنة ثلاثٍ وعشرين وأربعمائة، وتُوُفّي ببغداد في شوّال سنة تسعٍ وثمانين.
٣١٧- عبد المحسن بْن مُحَمَّد بْن علي بْن أَحْمَد بْن عليّ [٢] .
أبو منصور الشِّيحيّ [٣] التّاجر السّفّار المعروف بابن شُهْدَانْكه [٤] من أهل محلّة النَّصْريّة ببغداد.
سمع الكثير من: أبي منصور محمد بن محمد بن السّوّاق، وأبي بكر أحمد بن محمد بن الصَّقْر، وعبد العزيز بن عليّ الأزجيّ، وابن غَيْلان، وأبي محمد الخلّال، والعتيقيّ، وطبقتهم.
وكتب بخطّه أكثر مسموعاته.
стр. 16028
وسمع بمصر: أبا الحسن الطّفّال، وأبا القاسم عليّ بن محمد الفارسيّ، وعبد الملك بن مسكين.
وبدمشق: أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا عبد الله محمد بن يحيى بن سلوان.
وبالرَّحْبة: عُبَيْد الله بن أحمد الرَّقّيّ، وطائفة سواهم.
وكتب بخطّه أكثر مصنَّفات الخطيب.
وروى الكثير.
حدَّث عنه: شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو السُّعُود أحمد بن عليّ، وأبو حامد العَبْدَرِيّ، وأبو القاسم بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام، وسعيد بن محمد الرزّاز الفقيه، وأبو بكر بن الزّاغُونيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وخلْق سواهم.
سُئل إسماعيل بن محمد الحافظ عنه فقال: شيخ فاضل ثقة [١] .
وقال شُجاع الذُّهْليّ: كان صَدُوقًا [٢] .
وقال أبو عامر العَبْدَرِيّ: كان من أنبل من رأيت وأَوْثقه [٣] .
وقال أبو عليّ الصَّدَفيّ: كان فقيهًا نبيلًا كيِّسًا ثقة. وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب بتاريخه، خصَّه به.
قلت: لأنّه فيما قال السّمعانيّ هو الّذي حمل الخطيب إلى العراق، فأهدى إليه الخطيب تاريخه بخطّه.
وقال غيْث بن عليّ: سألته عن مولده، فقال: سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وأوّل سماعي سنة سبْعٍ وعشرين [٤] .
وقال أبو عليّ البَرَدَانيّ: كان من المتموّلين. وكان أمينًا سريّا، كتب
стр. 16029
كثيرًا. وتُوُفّي في جُمَادى الأولى.
قال السّمعانيّ: سمعتُ شيخًا لنا يقول: إنّ الخطيب لمّا حدَّث بالجزء الأوّل من «تاريخه» استأذنه أبو الفضل بن خَيْرُون أو شجاع الذُّهْليّ في التّسميع في أيّ موضعٍ يكتب، فقال: استأذِنوا الشّيخ عبد المحسن، فإنَّ النُّسخة له، ولو كان عندي شيء أعزّ منه أهديته له [١] .
وقال أبو الفضل محمد بن عطّاف: كان شيخنا عبد المحسن على طريقةٍ حَسَنة مَرْضِيّة، حَسَن العناية بالعِلْم، وكان مالكيًّا ثقة أمينًا. قال لي: وُلِدتُ في رجب سنة إحدى وعشرين [٢] .
وقال ابن ناصر: تُوُفّي شيخنا عبد المحسن بن الشِّيحيّ في سادس عشر جُمَادى الأولى [٣] .
قلت: وأبوه من شِيحة، قريةٌ من قرى حلب [٤] .
٣١٨- عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد [٥] .
стр. 16030
أبو الفضل المقدسيّ الهَمَذَانيّ الفَرَضيّ. نزيل بغداد.
كان واحد عصره في الفرائض.
سمع: الحسن بن محمد الشّاموخيّ [١] بالبصرة، وعبد الواحد بن هبيرة العِجْليّ، وجماعة [٢] .
روى عَنْهُ: ابن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأنماطيّ [٣] .
وقيل: كان معتزليّا [٤] .
стр. 16031
تُوُفّي في رمضان ببغداد، وهو والد المؤرّخ محمد.
٣١٩- عبد الملك بن سِراج بن عبد الله بن محمد بن سِراج [١] .
الإمام أبو مَرْوان الأُمَويّ، مولاهم القُرْطُبيّ.
إمام اللُّغَة بالأندلس. غير مدافع.
روى عن: أبيه، ويونس بن عبد الله القاضي، وإبراهيم بن محمد الإفْليليّ [٢] ، ومكّيّ بن أبي طالب، وأبي عَمْرو السَّفاقِسيّ، وجماعة.
روى عنه: أبو عليّ الصَّدَفيّ، وقال: هو أكثر مَن لقيته عِلْمًا وبضروب الآداب ومعاني القرآن والحديث [٣] .
وقال القاضي أبو عبد الله بن الحاجّ: كان شيخنا أبو مروان بن سراج يقول:
стр. 16032
حدَّثنا وأخبرنا واحدٌ، ويحتجّ بقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ٩٩: ٤ [١] فجعل الحديث والخبر واحدا [٢] .
وقال القاضي عياض [٣] : الوزير أبو مروان الحافظ اللُّغَويّ النَّحْويّ إمام الأندلس في وقته في فنّه، وأَذْكرهم للسان العرب، وأوثقهم على نقله [٤] .
وكان أبوه أبو القاسم قاضي قُرْطُبة من أفضل العلماء.
قال عياض: وأخبرني ابنه أبو الحسين الحافظ أنّ أبا محمد مَكِّيًّا المقرئ كان يعرض عليه بعض مصنَّفاته، ويأخذ رأيه فيها. وإليه كانت الرّحلة من أقطار الأندلس [٥] .
وقال الْيَسَعُ بنُ حَزْم: لكن ابن سِراج زَيْن الإيمان، وحَسَنة الزّمان، العلّامة، النّسّابة، ذو الدّعوة المستجابة، والتّسهيل والإجابة. كان المعتمد يزوره ويعظّمه.
وقال أبو الحسن بن مُغِيث: كان أبو مروان من بيت خيرٍ وفضل، من مشاهير الموالي بالأندلس. كان جدّهم سِراج من موالي بني أُمَيّة، على ما حكاه أهل النَّسَب، إلّا أنّ أبا مروان قال لي غير مرّةٍ أنّه من العرب، من كَلْب بن وبرة، أصابهم سباء [٦] .
стр. 16033
اختلف إليه كثيرًا ولازمته، وكان واسع الرّواية والمعرفة، حافِلَهُما، بحرُ علمٍ، عالمًا بالتّفاسير، ومعاني القرآن، ومعاني الحديث، أحفظ النّاس للسان العرب، وأصدَقهم فيما يحمله، وأقَوَمَهم بالعربيّة والأشعار والأخبار والأيّام والأنساب [١] . عنده يسقط حفظ الحفّاظ ودونه يكون علم العلماء. فاق النّاس في وقته، وكان حَسَنَة من حسنات الزّمان، وبقيّة الأشراف والأعيان [٢] .
وقال أبو عليّ الغسّانيّ: سمعته يقول: مولدي في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة أربعمائة. ومُتِّع بجوارحه على اعتلاء سنِّه، إلى أن تُوُفّي، وهو حسن البقيّة، متوقِّد الذّهن، سريع الخاطر، في تاسع ذي الحجّة يوم عَرَفَة [٣] ، وصلّى عليه ابنه أبو الحسن سِراج. ﵀ [٤] .
стр. 16034
وأبا بكر الحِيريّ، وأبا سعيد الصَّيْرَفيّ، وعبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حبيب القاضي، ومحمد بن محمد بن بالوَيْه الصّائغ، والحسين بن عبد الرحمن التّاجر، وعبد الرحمن بن بالوَيْه، وعليّ بن أحمد بن عَبْدان الشّيرازيّ، وأبا عَمْرو محمد بن عبد الله الرَّزْجاهيّ [١] ، وعليّ بن محمد بن خَلَف، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدويّ، وجماعة بنَيْسابور.
وهلال بْن مُحَمَّد الحفّار، وأبا الحُسين بْن بِشْران، وابن الفضل القطّان، والغَضَائريّ [٢] ، والإياديّ [٣] ، وجماعة ببغداد [٤] .
وأبا عبد الله بن نظيف بمكّة.
روى عَنْهُ: إسماعيل بن محمد الحافظ [٥] ، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وأبو طاهر أحمد بن حامد الثّقفيّ، ونُعمان بن محمد الكُنْدُوج، وشَيْبان بن عبد الله المؤدّب، وبُنْدَار بن غانم، وعبد الجبّار بن محمد بن عليّ الصّالحانيّ.
- حرف القاف -
٣٢٠- القاسم بْن الفضل بْن أحمد بْن أحمد بن محمود [٦] .
стр. 16035
أبو عبد الله الثّقفيّ الأصبهاني. رئيس إصبهان وكبيرها ومسندها.
ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
وأوّل سماعه في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وأربعمائة.
سمع: أبا الفَرَج عثمان بن أحمد بن إسحاق بن بُنْدَار البُرْجيّ، وعبد الله بن أحمد بن حولة الأبْهَريّ، ومحمد بن إبراهيم الْجُرْجَانيّ، وأبا بكر بن مردوَيْه [١] ، وعليّ بن فيلة الفَرَضيّ، وأحمد بن عبد الرحمن اليَزْديّ، وجماعة بإصبهان.
ومحمد بن محمد بن مَحْمِش [٢] ، ومحمد بن الحُسَين السُّلَميّ، ويحيى بن إبراهيم المزكّيّ، وأبو المطهَّر الصَّيْدَلانيّ القاسم بن الفضل، وأَبُو جعْفَر مُحَمَّد بن الْحَسَن الصَّيْدلانيّ، وأَبُو رشيد محمد بن عليّ بن محمد البَاغْبَان [٣] ، وأبو عبد الله الحسن بن العبّاس الرُّسْتُميّ، وحفيده مسعود بن القاسم الثّقفيّ، والحافظ أبو طاهر السِّلَفيّ، وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني، وخلْق سواهم.
قال السّمعانيّ: كان ذا رأيٍ وكفاءةٍ وشهامة. وكان أيسر أهل عصره ثروةً ونعمةً وبضاعةً ونقْدًا [٤] .
وكان منفقًا كثير الصَّدَقة، دائم الإحسان إلى الطّارئين والمقيمين وأهل الحديث عمومًا، وإلى العَلَويّة خصوصًا، كثير الإنفاق عليهم. وصُرِف في آخر عمره، يعني عن رئاسة البلد، وصودر، فدفع مائة ألف دينار حُمْر في مدّةٍ يسيرة، لم يَبع في أدائها ضياعًا ولا عقارًا، ولا أظهر من نفسه انكسارًا إلى أن خرج من عُهْدة ذلك. وكان رجلًا من رجال الدّنيا. وعُمّر حتّى سُمع منه، الكثير، وانتشرت عنه الرّواية في الأقطار، ورحلت الطَّلَبة من الأمصار. وكان صحيح السّماع، غير أنّه كان يميل إلى التَّشيُّع على ما سمعتُ جماعةً من أهل أصبهان.