أبو الحَسَن الْأَنْصَارِيّ العَبّاديّ الطُّلَيْطُليّ، ويُعرف بابن اللّونقه [١] .
روى عَنْ: أَبِي المطرِّف بْن سَلَمَة، وأبي سَعِيد الورّاق، وابن عَبْد البَرّ النمري.
وكان فقيها ورعا، بصيرا بالطّبّ، أخذه عن أبي المطرف بن وافد [٢] .
توفي بقرطبة في هذه السنة أو في التي قبلها.
روى [عنه] : [٣] ابنه الحسن.
٣٤٣- عمر بن المبارك بن عمر بن عثمان بن الخرقيّ [٤] .
стр. 16382
أبو الفوارس المحتسب البغدادي.
قال السمعاني: شيخ صالح دين خير. سمع أبا القاسم بْن بِشْران. ثنا عَبْد الوهّاب الأَنْماطيّ، وعُمَر المَغَازليّ، ومحمد بن محمد السّنجيّ.
стр. 16383
قلت: وروى عَنْهُ السِّلَفيّ في «البشرانيات» .
تُوُفّي في نصف جُمَادَى الآخرة.
- حرف الميم -
٣٤٤- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَليّ بْن عَبْد الرّزّاق [١] .
الشَّيْخ أبو منصور الخياط البغداديّ المقرئ الزّاهد.
قَالَ السّمعانيّ: ثقة صالح عابد، يقرئ النّاس ويلقن.
قلت: سمع: أبا القاسم بْن بِشْران، وأبا بَكْر مُحَمَّد بْن عُمَر بْن الأخضر الفقيه، وعبد الغفار بْن مُحَمَّد المؤدِّب وحدَّثَ عَنْهُ ب «مُسْنِد الحُمَيْديّ» .
وقرأ القرآن عَلَى الشَّيْخ أَبِي نَصْر بْن مسرور المقرئ.
وكان قديم المولد، فلو أَنَّهُ سمع في حدود العشر وأربعمائة، فكان يمكن أنّ يقرأ عَلَى أَبِي الحَسَن الحمّاميّ ولكنّ هذه الأشياء قسمية.
روى عَنْهُ جماعة منهم: سِبْطاه أبو عَبْد اللَّه الحُسين، والمقرئ الكبير أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه شيخنا الكِنْديّ، وابن ناصر، وأبو طاهر السِّلَفيّ، وأبو الفضل خطيب المَوْصِل، وسعد اللَّه بْن الدّجاجي، وأحمد البَاجِسْرَائيّ.
قَالَ السّمعانيّ: كَانَ لَهُ ورد بين العشائين، يقرأ فيه سبعًا من القرآن قائمًا وقاعدًا، حتّى طعن في السّنّ وكان صاحب كرامات.
قَالَ ابن ناصر: كانت لَهُ كرامات.
وقال أبو منصور بْن خَيْرُون: ما رأيت مثل يوم صُلِّيَ عليّ أَبِي منصور
стр. 16384
الخيّاط من كثرة الخلْق والتبرك بالجنازة.
وقال السّمعانيّ: وقد رئي بعد موته في المنام، فَقِيل لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّه بِكَ؟ قَالَ: غُفِر لي بتعليمي الصبّيان فاتحة الكتاب.
وكان إمام مسجد ابن جَرْدَة بالحَرَم الشّريف، واعتكف فيه مدة يعلِّم العُمْيان القرآن للَّه، ويسأل لهم، وينفق عليهم.
قَالَ ابن النّجّار في «تاريخه» : إلى أنّ بلغ عدد من أقرأهم القرآن من العُميان سبعين ألفًا. قَالَ: هكذا رأيته بخط أَبِي نَصْر اليُونَارْتيّ.
قلت: هذا غلطٌ لا ريب فيه، لعلّه أراد أنّ يكتب سبعين نفسًا، فكتب سبعين ألفًا. ولا شك أنّ من ختم عليه القرآن سبعون أعمى يعزّ وقوع مثله [١] .
قَالَ السِّلَفيّ: ذكر لي المؤتمن السّاجيّ في ثاني جمعة من وفاة أَبِي منصور: اليوم ختموا عَلَى رأس قبره مائتين وإحدى وعشرين ختمة، يعني أنّهم كانوا قد قرءوا الختم قبل ذَلِكَ إلى سَورَة الإخلاص، فاجتمعوا هناك، ودعوا عقيب كل ختمة.
قَالَ السِّلَفيّ: وقال أَبِي عليّ بْن الأمير العُكْبَريّ، وكان رجلًا صالحًا:
حضرت جنازة أَبِي منصور، فلم أر أكثر خلقًا منها، فاستقبلنا يهودي، فرأى كثرة الزّحام والخلْق فقال: أشهد أنّ هذا هُوَ الحقّ، وأسلم.
تُوُفّي يوم الأربعاء سادس عشر محرَّم سنة تسعٍ [٢] ، ودفن بمقبرة باب حرب [٣] .
стр. 16385
٣٤٥- مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن خَلَف [١] .
أبو نعيم الواسطيّ ابن الْجُمَّاريّ [٢] .
روى «مُسْنِد مسدَّد» [٣] ، عَنْ أحمد بْن المظفّر [٤] العطّار.
روى عَنْهُ: عليّ بْن نغوبا، وهبة اللَّه بْن البوقي [٥] ، وهبة اللَّه بْن الحلخت، وأبو طَالِب مُحَمَّد بْن عليّ الكتّانيّ.
وثّقه الحافظ خميس الحَوْزيّ [٦] .
آخر ما حدَّثَ في هذه السنة. ولم تُؤرَّخ وفاته [٧] .
٣٤٦- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يحيى [٨] .
أبو البركات بْن الوكيل، الخباز [٩] ، المقرئ، الشِّيرَجيّ [١٠] . أحد الفُضَلاء بالكَرْخ [١١] .
قرأ القراءات عَلَى: أَبِي العلاء الواسطيّ، والحسن بْن الصَّقْر، وعليّ بْن طلحة الْبَصْرِيّ، ومحمد بن بكير النّجّار.
стр. 16386
وتفقّه عَلَى: أَبِي الطَّيِّب الطَّبَريّ [١] .
وسمع «ديوان المتنبيّ» من عليّ بْن أيّوب.
وسمع: أبا القاسم بْن بِشْران.
قرأ عَلَيْهِ: أبو الكرم الشَّهْرَزُوريّ، والسِّلَفيّ، والسبط الحنّاط.
وروى عَنْهُ: أبو بَكْر محمد بْن منصور السّمعانيّ، وابن ناصر، والسِّلَفيّ، وأبو بَكْر عَبْد اللَّه بْن النَّقُّور.
قَالَ ابن ناصر: كَانَ رجلًا صالحًا، اتُّهِمَ بالإعتزال، ولم يكن يذكره، ولا يدعو إِلَيْهِ.
وقال أبو المُعَمَّر المبارك بْن أحمد: دخلت عَلَيْهِ مَعَ المؤتَمَن السّاجيّ في مرضه، فقال لَهُ المؤتمن: يا شيخنا، بلغنا عنك أشياء. فقال: ذَلِكَ صحيح، وأنا قد رجعت إلى الله، وتبت عن ذَلِكَ الاعتقاد.
وُلِد في رمضان سنة ستٍّ وأربعمائة [٢] ، ومات في ربيع الأوَّل، وله ثلاثٌ وتسعون سنة.
٣٤٧- مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن الحَسَن بْن الحُسين بْن أَبِي البقاء [٣] .
أبو الفَرَج الْبَصْرِيّ، قاضي القضاة بالبصرة.
كَانَ عالمًا، فهمًأ، فصيحًا، كثير المحفوظ، مهيبًا، تام المروءة، متدينًا [٤] .
قدِم بغداد وسمع: الطَّبَريّ، والتنوخي، وأبا الحَسَن الماوَرْدِيّ.
وكان يقرئ كُتُب الأدب.
تُوُفّي في المحرّم بالبصرة.
стр. 16387
وقد سمع بالكوفة من: مُحَمَّد بْن علي بْن عَبْد الرَّحْمَن العَلَويّ.
وبالبصرة من: الفضل بْن مُحَمَّد القصباني [١] ، وعيسى بْن موسى الأندلسيّ، وبواسط من: أبي غالب مُحَمَّد بْن أحمد بْن بِشْران.
وأملى مجالس بجامع البصرة.
روى عَنْهُ: أبو القاسم بْن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو عليّ بْن سُكَّرَة الصَّدَفيّ وقال:
كَانَ من أعلم النّاس بالعربية واللّغة. وله تصانيف، ما رأيت مجلسًا أوقر من مجلسه.
وَقَالَ السِّلَفِيُّ: أَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، عَنِ ابْنِ رَوَاجٍ، عَنْهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ: أنبا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ، أَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا أَبُو خَلِيفَةَ، نا مُسَدَّدٌ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ» . قَالَ السِّلَفيّ: كَانَ من أجلّاء القُضاة، وبنى [٢] دارًا للعِلْم بالبصرة في غاية الحَسَن والزخرفة، ووقف بها اثني عشر ألف مجلَّدة، ثمّ ذهبت عند فتنة العرب والتُّرْك لمّا نُهْبت البصْرة [٣] .
٣٤٨- المُعَمَّر بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن إسماعيل [٤] .
أبو البقاء الكوفيّ، الحبّال، الخزّاز، المعروف في بلده. بخريبة.
стр. 16388
روى بالكوفة وبغداد عَن الكبار.
سمع: القاضي جناح بْن نذير المُحَارِبيّ، وزيد بْن أَبِي هاشم العَلَويّ، وأبا الطَّيِّب أحمد بْن عليّ الجعفريّ.
روى عنه: عَبْد الوهّاب الأنماطي، وكثير بْن سماليق، والمبارك بْن أحمد الْأَنْصَارِيّ، وعبد الخالق اليُوسُفيّ، وابن ناصر، والسِّلَفيّ.
قَالَ السّمعانيّ: شيخ ثقة، صحيح السّماع، انتشرت عَنْهُ الرّواية، وعُمّر حتّى روى كثيرًا.
وقال: قليل السّماع، إلّا أَنَّهُ بُورك لَهُ فيما سمع. روى لنا عَنْهُ: أبو طاهر السِّنْجيّ، وأبو المعالي الحُلْوانيّ بمَرْو، وأبو القاسم إسماعيل الحافظ بأصبهان.
وقد سأله هُزَارسْت بْن عوض عَنْ مولده، فقال: سنة عَشْر وأربعمائة.
وقال أبو بَكْر بْن طُرْخان، والحسين بْن خَسْرُو: وسألناه عَنْ مولده فقال:
سنة ثلاث عشرة.
تُوُفّي في جُمَادَى الآخرة بالكوفة.
٣٤٩- مكّيّ بْن بجير بْن عَبْد اللَّه بْن مكّيّ بْن أحمد [١] .
أبو مُحَمَّد الهَمَذانيّ الشّعّار.
سمع من: شيخه أَبِي القاسم نَصْر بْن عليّ، وابن حُمَيْد، وابن أَبِي اللَّيْث، وأبي سَعْد بن الصّفّار، وأبي سَعْد بْن ممسوس، وأبي طَالِب بْن الصّبّاح، وهارون بْن ماهلة، وابن مأمون، وعامّة مشايخ هَمَذَان.
ورحل إلى بغداد، فسمع من أَبِي مُحَمَّد الجوهريّ، وأبي جعفر بْن المسلمة. وجمع كُتُبًا كثيرة في العلوم.
قَالَ شِيرُوَيْه: كُنَّا نسمع بقراءته من مشايخ البلد ومن القادمين، وكان حسن السيرة، شديدًا في السُّنّة، متعصِّبًا لأهل الأثر، مؤمنًا، متواضعًا.
стр. 16389
قلت: روى عَنْه: أبو طاهر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد السِّنْجيّ: وأبو الفتوح مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الطّائيّ، وطائفة سواهم.
تُوُفّي في ثامن وعشرين جُمَادَى الآخرة.
٣٥٠- مُهَارِش بْن مجلي بْن عُكَيْث [١] .
أبو الحارث مجير الدين العقيلي أمير العرب بعانة والحُدَيْثَة.
كَانَ كثير الصلاة والخير والبِرّ [٢] ، يتصدّق كلّ يوم بثلاثمائة رطل خُبْز.
ولمّا خرج أرسلان البساسيريُ في سنة خمس وأربعمائة عَلَى الخليفة القائم، انحاز الخليفة، فآوى إلى مُهَارِش هذا كما تقدَّم، فكان يخدم الخليفة بنفسه تِلْكَ السّنة. ورد القائم شاكرًا لَهُ. وقد مدحه مُهَارِش بقصيدةٍ، وبعث بها إِلَيْهِ، أوّلها:
لولا الخليفة ذو الإفضال والمنن ... نجل الخلائف آل الفَرْضِ والسُّنَنِ
ما بِعْتُ قومي وهم خير الأنام ولا [٣] ... أصبحت أعرف بغدادَ أو تعرفني
حاربتُ فيه ذوي القُرْبَى، وبعت به ... ما كنت أهواه من دارٍ ومن سكن [٤]
ما استحق سواي مثل منزلتي ... ما دام عَدْلُكَ هذا اليوم يُنْصِفُني [٥]
تُوُفّي عَنْ سِنٍّ عالية [٦] .
٣٥١- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بن محمد بْن الطَّيِّب بْن سَعِيد بن الصّبّاغ [٧] .
стр. 16390
أبو الفضل البغداديّ البزّاز.
ولد الشَّيْخ أَبِي الحُسين.
سمع: عثمان بْن مُحَمَّد بن دوست العلاف، وعبد الملك بن بشران، وجماعة.
وعنه: ابن ناصر، وعبد الخالق اليُوسُفيّ، وأبو مُحَمَّد سِبْط الحناط، والسِّلَفيّ.
قَالَ شجاع [١] الذُّهْليّ: مات في أوّل ربيع الأوَّل سنة تسعٍ.
وأمّا أبو عامر العَبْدَريّ فقال: مات في صفر سنة ثمانٍ وتسعين كما ذكرناه.
وقال: في العشرين منه.
قلت: ومولده سنة عشرين [٢] أو إحدى وعشرين وأربعمائة.
نقله ابن النّجّار.
стр. 16391
سنة خمسمائة
- حرف الألف -
٣٥٢- أحمد بن الحسين بن علي بْن عَمْروَيْه [١] .
أبو منصور النَّيْسابوريّ [٢] .
سمع: أَبَاهُ، وأبا سَعِيد النَّصْرويّ، وعبد الغافر الفارسي، والكَنْجَرُوذيّ [٣] .
وتوفّي في سادس شعبان وله أربعٌ وثمانون سنة.
٣٥٣- أحمد بْن مُحَمَّد بْن أحمد بْن سَعِيد [٤] .
أبو الفتح الحدّاد المقرئ الأصبهاني التّاجر، سِبْط الحافظ أَبِي عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ.
كَانَ شيخًا جليل القدْر، ورعًا، خيِّرًا، كثير الصَّدقات. تفرّد بالإجازة من إسماعيل بْن يَنّال المحبوبيّ الّذي يروي عَن ابن محبوب «جامع التِّرْمِذيّ» .
وأجاز لَهُ أبو سَعِيد الصَّيْرفيّ، وعليّ بن مُحَمَّد الطّرَازِيّ.
وسمع: أبا سَعِيد مُحَمَّد بْن عليّ النّقّاش، وعليّ بن عبد كويه، وأحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن يَزْداد غلام محسن، وأبا سهل عُمَر بْن أحمد بْن عُمَر الفقيه، وأبا بكر
стр. 16392
مُحَمَّد بْن الحُسين الدّشْتيّ، وأبا سَعِيد الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حسنويه، وعبد الواحد بْن أحمد الباطرقاني، وأبا الفَرَج مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن شَهْرَيار، وطائفة كبيرة.
روى عَنْهُ: أبو طاهر السِّلَفيّ، وأبو الفتح عَبْد اللَّه الخرقي، وجماعة.
بأصبهان، وعبد الوهّاب الأَنْماطيّ [١] ، وصدقة بْن مُحَمَّد ببغداد.
وقد قرأ القراءات عَلَى: أَبِي عُمَر الخرقي، وشاكر بْن عليّ الأسْواريّ.
وبمكّة عَلَى: أَبِي عَبْد اللَّه الكارَزِينيّ، وهو آخر أصحابه وفاة، وعبد الله السّلفيّ العاصميّ إلى حم عسق ٤٢: ١- ٢.
وكان مولده في سنة ثمان وأربعمائة [٢] .
وتُوُفّي فِي ذي القعدة.
٣٥٤- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مظفّر [٣] .
الإمام أبو المظفّر الخوافيّ [٤] الفيه الشّافعيّ، عالم أهل طُوس مَعَ الغزاليّ.
كَانَ من أنظر أهل زمانه، وهو رفيق الغزالي في الاشتغال عَلَى إمام الحَرَمين.
وخواف: قرية من أعمال نيسابور.
стр. 16393
وكما رُزِق الغزاليّ السّعادة في تصانيفه، رزق الخوافي السعادة في مناظرته [١] .
تُوُفّي بطُوس [٢] .
٣٥٥- أحمد بن مُحَمَّد بْن أحمد بْن زَنْجَوَيه [٣] .
الفقيه أبو بكر الزّنجانيّ [٤] .
ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وتُوُفّي في عشر المائة.
سمع ببغداد من: أَبِي عليّ بن شاذان، وغيره.
وسمع من: القاضي أَبِي عَبْد اللَّه الحَسَن بْن مُحَمَّد الفلاكي، وأبي طَالِب الدَّسْكَريّ [٥] ، وأبي طَالِب عَبْد الله بن عمر الشّاذني، وعبد القاهر بْن طاهر البغداديّ، والحَسَن بْن عليّ بن معروف الزّنجانيّ، وجماعة.
стр. 16394
قَالَ شِيرُوَيْه: كَانَ فقيهًا متقنًا، رحلتُ إِلَيْهِ مَعَ ابن شهردار، وسمعنا منه بزنجان.
قلت: وروي عَنْهُ: سَعِيد بْن أَبِي شكر بأصبهان، والحافظ مُحَمَّد بْن طاهر، وأبو طاهر السِّلَفيّ.
لا أعلم مَتَى تُوُفّي، لكنه حدَّثَ في العام. وكان شيخ ناحيته ومسندها ومفتيها. تفقّه بأبي الطَّيِّب الطَّبَريّ، وسمع «مُسْنِد الْإِمَام أحمد الفلاكيّ» سنة نيف وعشرين، بسماعه من القَطِيعيّ. وسمع «مُسْنِد أَبِي يَعْلَى» من أَبِي عليّ المعروفي صاحب ابن المقرئ، وسمع «غريب أَبِي عُبَيْد» ، من ابن هارون التَّغْلِبيّ، عَنْ عليّ بْن عَبْد العزيز، عَنْهُ.
وقرأ لأبي عَمْرو، عليّ ابن الصقر صاحب زيد بْن أَبِي بلال. وكان الرّحلة إِلَيْهِ، ومدار الفتيا عَلَيْهِ. ورأيت لَهُ ترجمة بخط الحافظ عَبْد الغنيّ سمعها من أَبِي طاهر السِّلَفيّ، فيها بعض ما قدَّمنا، وأنّه تلا بحرف أَبِي عَمْرو عليّ الحَسَن بْن عليّ بْن الصّقْر الكاتب. وقرأ كتاب «المرشد» عَلَى مؤلفه أَبِي يَعْلَى بْن السّرّاج.
وتلا عَلَيْهِ بما في «المرشد» من الرّوايات. وكتب بنَيْسابور «تفسير إسماعيل الضّرير» ، عَنْهُ.
وسمع من أَبِي عليّ بْن باكُوَيْه الشِّيرازيّ.
وكانت الرحلة إِلَيْهِ لفضله وعُلُوّ إسناده. سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَفْتَى من سنة تسعٍ وعشرين. وقيل لي عَنْهُ إنّه لم يفت خطأ قطّ، وأهل بلده يبالغون في الثناء عَلَيْهِ، الخواص والعوام، ويذكرون ورعه، وقلة طمعه.
٣٥٦- أحمد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد [١] .
الشَّيْخ أبو منصور بن الذنح [٢] ، الهاشميّ. الموسويّ، الكوفيّ، الخطيب.
ولد سنة ٢٢ وأربعمائة، وحدَّثَ ببغداد عَنْ: العَلَويّ، وابن فَدَويْه.
وعنه: أبو الوفاء أحمد بن محمد بن الحصين، والسّلفيّ.
لم أجد وفاته.
стр. 16395
٣٥٧- إسماعيل بْن أحمد بْن مُحَمَّد بْن حِبّان [١] .
أبو عَبْد اللَّه النَسَويّ الصُّوفيّ.
من خواص أَبِي القاسم القَسْريّ.
سمع: عَمْرو بْن مسرور، وغيره.
روى عَنْهُ: أبو طاهر السِّنْجيّ.
ومات في صَفَر.
- حرف الجيم -
٣٥٨- جعفر بْن أحمد [٢] .
أبو مُحَمَّد البغداديّ السّرّاج القارئ.
سمع: أبا عليّ بْن شاذان، وأبا مُحَمَّد الخلّال، وعُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن شاهين، ومُحَمَّد بْن إسماعيل بْن عُمَر بْن سُنْبُك، وأحمد بْن عليّ التّوّزيّ [٣] ،
стр. 16396
وعليّ بْن عُمَر القَزْوينيّ، وابن غَيْلان، والبَرْمكيّ، والتّنُوخيّ، وأبا الفتح عَبْد الواحد بْن شيطا، وغيرهم ببغداد، والحافظ أبا نَصْر عُبَيْد اللَّه السِّجْزيّ [١] ، وأبا بَكْر مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الأَرْدَسْتانيّ [٢] بمكة، وأبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا بَكْر الخطيب بدمشق، وعبد العزيز الضراب بْن الحُسين، وجماعة بمصر.
وخرج لَهُ الحافظ أبو بَكْر الخطيب خمسة أجزاء مشهورة مَرْوِيّة.
روى عَنْهُ: ابنه ثعلب، وإسماعيل بْن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوهّاب الأَنْماطيّ، ومُحَمَّد بْن ناصر، ومُحَمَّد بْن البطي، وأبو طاهر السِّلَفيّ، وسلمان بْن مسعود الشحام، وأبو الحَسَن بْن الخَلِيّ الفقيه، وعبد الحق بْن يوسف، وشُهْدَة الكاتبة، وأبو الفضل خطيب المَوْصِل، وخلق كثير.
وكتب بخطّه الكثير. وصنَّف كتاب «مصارع العشاق» ، وكتاب «حكم الصبيان» ، وكتاب «مناقب السودان» . ونظم الكثير في الفقه، واللّغة، والمواعظ وشعره حلو سهل في سائر فنون الشعر. وكان لَهُ اعتناء بالحديث.
انتخب السِّلَفيّ من كتبه أجزاء عديدة.
وحدَّثَ ببغداد، ودمشق، ومصر.
قَالَ شجاع الذُّهْليّ [٣] . كَانَ صدوقًا، ألّف في فنون شتى.
وقال أبو عليّ الصَّدَفيّ: هُوَ شيخ فاضل، جميل، وسيم، مشهور، يفهم.
عنده لغة وقراءات. وكان الغالب عَلَيْهِ الشِّعْر. ونظم «التنبيه» لابن إِسْحَاق الشِّيرازيّ، ونظم «مناسك الحجّ» .
وذكره الفقيه أبو بَكْر بْن العربيّ، فقال: ثقة، عالم، مقريء، له أدب ظاهر، واختصاص بالخطب.
стр. 16397
وقال السِّلَفيّ: سألته عَنْ مولده، فقال: إمّا في آخر سنة سبْعٍ عشرة، وأمّا في أوّل سنة ثمان عشرة وأربعمائة ببغداد.
وقال السِّلَفيّ: وكان ممّن يفتخر برؤيته وروايته لديانته ودرايته، وله تواليف مفيدة. وفي شيوخه كثرة. وأعلاهم إسنادًا ابن شاذان.
وقال حمّاد الحرّانيّ: سُئل السِّلَفيّ عَنْ جعفر السّرّاج فقال: كَانَ عالمًا بالقراءات، والنحو، واللّغة، وله تصانيف وأشعار كثيرة. وكان ثقة، ثبتًا.
وقال ابن ناصر: كان ثقة، مأمونا، عالما، فهما، صالحًا، نَظَمَ كُتُبًا كثيرة، منها «المبتدأ» لوهب بْن منبه، وكان قديمًا يستملي عَلَى القَزْوينيّ، وأبي محمد الخلّال [١] .
стр. 16398
توفّي في صفر ﵀.
стр. 16399
- حرف الخاء -
٣٥٩- خلف بن محمد [١] .
стр. 16400
أبو القاسم الْأَنْصَارِيّ القُرْطُبيّ، المعروف بابن السّرّاج.
مُكْثِر عَنْ حاتم بْن مُحَمَّد. وكان رجلًا صالحًا ورعًا، يشار إِلَيْهِ بإجابة الدّعوة، وكان النّاس يقصدونه ويتبرّكون بلقائه ودُعائه، وسمعوا منه [١] .
تُوُفّي ليلة سبْعٍ وعشرين من رمضان.
- حرف العين -
٣٦٠- عَبَّاس بْن مُحَمَّد بْن أحمد البَرَدَانيّ [٢] .
أبو الفضل.
سمع: مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن غَيْلان، وغيره.
تُوُفّي فِي ربيع الأوَّل.
٣٦١- عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد بْن عَبْد اللَّه [٣] .
أبو الحَسَن التُّجَيْبيّ الطُّلَيْطُليّ ابن المشاط.
روى عَنْ: أحمد بْن مغيث، وجماهر بْن عَبْد الرَّحْمَن، وأبي مُحَمَّد الفارقيّ.
قَالَ ابن بَشْكُوَال: كَانَ من أهل العلم، مقدمًا في الفهم، حافظًا، ذكيا، لغويا، أديبًا، شاعرًا، متيقظًا. جمع كُتُبًا في غير ما فنّ.
أخبرني عَنْهُ أبو الحَسَن بْن مغيث، وقال: تردّد في الأحكام بناحية إشبيلية، ثمّ صُرف عَنْهَا، وقصد مالقة فسكنها، وبها تُوُفّي في سابع رمضان، وشهده جمعٌ عظيم.
٣٦٢- عَبْد الْوَهاب بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الوَهَّاب بن محمد [٤] .
стр. 16401
الفاميّ [١] الفارسيّ، أبو مُحَمَّد، الفقيه الشّافعيّ.
قدِم بغداد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة على تدريس النّظاميّة، وكان مدرّسها يومئذ الحُسين بْن مُحَمَّد الطَّبَريّ، فتقرر أنّ يدرس كل واحد منهما يومًا. فبقيا عَلَى ذَلِكَ سنة وعُزِلا. فأملى أبو مُحَمَّد بجامع القصر.
عَنْ: أَبِي بَكْر أحمد بْن الحَسَن بْن اللَّيْث، الشِّيرازيّ الحافظ، ومُحَمَّد بْن أحمد بْن حَمْدان بْن عبدك، وعليّ بْن بُنْدار الحنفي، وجماعة من شيراز.
قَالَ أبو عليّ بْن سُكَّرَة: قدِم عَبْد الوهّاب الفاميّ وأنا ببغداد، وخرج كافّة العلماء والقُضاة لتلقِّيه. وكان يوم قرئ منشورة يوما مشهودا. سَمِعْتُ عَلَيْهِ كثيرًا، وسمعته يَقُولُ: صنفت سبعين تأليفًا في ثمانية عشر عامًا. ولي كتاب في التفسير ضمّنْتُه مائة ألف بيت شاهدًا.
أملى بجامع القصر، وحُفِظ عَلَيْهِ تصحيفٌ شنيع. ثمّ أجْلِب عَلَيْهِ وطُولِب، ثمّ رمي بالإعتزال حتّى فر بنفسه.
وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ: نا أَبُو الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ ثَابِتٍ الطَّرْقِيَّ [٢] الْحَافِظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ، أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الشِّيرَازِيَّ أَمْلَى بِبَغْدَادَ حَدِيثًا مَتْنُهُ: «صَلَاةٌ فِي أَثَرِ صَلَاةٍ كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ» [٣] ، فَصَحَّفَ وَقَالَ: كَنَارٍ فِي عِلِّيِّينَ. وَكَانَ الْإِمَامُ محمد بن ثابت
стр. 16402
الْخُجَنْدِيُّ [١] حَاضِرًا فَقَالَ: مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: النَّارُ فِي الْغَلَسِ يَكُونُ أَضْوَأَ.
قَالَ الطرقي: وسأله بعض أصدقائي عَنْ «جامع» أَبِي عيسى التِّرْمِذيّ: هَلْ لك بِهِ سماع؟ فقال: ما «الجامع» ، ومن أبو عيسى؟ ما سَمِعْتُ بهذا قطّ. ثمّ رأيته بعد ذلك بعده في مسموعاته.
قَالَ الطرقي: ولما أراد أن يملي بجامع القصر قلت لَهُ: لو استعنت بحافظٍ ما، ينتقي الأحاديث، ويرتبها عَلَى ما جرت بِهِ عادتهم، فقال: إنّما يفعل ذَلِكَ من قلت معرفته بالحديث، أَنَا حفظي يغنيني، وامتحنت بالاستملاء. فأول ما حدَّثَ رأيته يسقط من الإسناد رجلًا، ويبدل رجلًا برجل، ويجعل الواحد رجلين، وفضائح أعجز عَنْ ذكرها. ففي غير موضع: نا الحَسَن بْن سُفْيَان، عَنْ يزيد بْن زريع، فأمسك أهل المجلس، وأشاروا إليّ، فقلت: سقط إمّا مُحَمَّد بْن منهال، أو أميّة بْن بِسْطام. فقال: اكتبوا كما في أصلي.
وأورد: أَنَا سهل بْن بحر أَنَا سألته، فقال: إننا سالبة [٢] ، وأما تبديل عَمْرو بعُمَر، وكذا جَميل بِجُمَيْل، وقال في سَعِيد بْن عَمْرو الأشعثي: سَعِيد بْن عُمَر، والأشعثيّ، فجعل واو عمرو واو العطف، فقلت: إنّما نسبه، فقال: لا. فقلت:
فمن الأشعثي؟ قَالَ: فضول منك.
وقال في الطور: الطَّوْد.
وقال السّمعانيّ: كانت لَهُ يد في المذهب. وحدَّثَ عَنْ عَبْد الواحد بْن يوسف الخرّاز، وأبي زُرْعة أحمد بْن يحيى الخطيب، والحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عثمان بْن كرامة، وجماعة من الفارسيين. روى لنا عَنْهُ: عَبْد الوهّاب الأَنْماطيّ، والحسين بْن عَبْد المُلْك الخلّال، ومحمود بْن ماشاذة.
وقال يحيى بْن مَنْدَهْ: أبو مُحَمَّد الفاميّ أحفظ من رأيناه لمذهب الشّافعيّ.
صنف كتاب «تاريخ الفُقَهاء» ، وقال فيه: مات جدي أبو الفَرَج عَبْد الوهّاب سنة
стр. 16403
أربع عشرة وأربعمائة، وفيها وُلِدتُ.
وقال غيره: تُوُفّي في الرابع والعشرين من رمضان بشيراز.
٣٦٣- عليّ بْن طاهر بْن جعفر [١] .
أبو الحَسَن الدّمشقيّ، النَّحْويّ.
سمع: أبا عَبْد اللَّه بْن سلوان، وأبا نَصْر الكَفَرْطابيّ، وعليّ بْن الخضر السُّلَميّ، وأبا القاسم الحِنّائيّ، وأبا القاسم السُّمَيْساطيّ.
روى عَنْهُ: جمال الإسلام أبو الحسن، وأبو المعالي محمد بن يحيى الْقُرَشِيّ، وجميل بْن تمام، وحفاظ [٢] بْن الحَسَن، والخضر بْن هبة اللَّه بْن طاوس، وأبو المعالي بْن صابر.
قَالَ ابن عساكر: كَانَ ثقة. وكان لَهُ حلقة في الجامع وقف عندها كُتُبَه.
تُوُفّي فِي ربيع [الأوَّل] [٣] .
- حرف الميم -
٣٦٤-[مُحَمَّد [٤] بْن الحَسَن بْن أحمد بْن الحَسَن بْن خُذَاداذا] [٥] .
أبو غالب الباقلّاني [٦] ، البقال، الفاميّ، البغداديّ، الشيخ الصالح المحدّث.
стр. 16404
سمع من أَبِي عليّ بْن شاذان، وأبي بَكْر البَرْقانيّ، وأحمد بْن عَبْد اللَّه بْن المَحَامليّ، وطائفة.
روى عَنْهُ أبو بَكْر السّمعانيّ، وإسماعيل بْن مُحَمَّد التَّيْميّ، وابن ناصر، والسلفي، وخطيب المَوْصِل، وشُهْدَة، وخلق. أثنى عَلَيْهِ عَبْد الوهّاب الأَنْماطيّ.
وقال ابن ناصر: كَانَ كثير البكاء من خشية اللَّه.
قلت: عاش ثمانين سنة أو أزيد، وتُوُفّي في شهر ربيع الآخر سنة خمس مائة [١] .
وهو أخو الشَّيْخ أبي طاهر أحمد بن الحسن الكَرْخيّ المذكور] .
٣٦٥-[المبارك [٢] بْن عَبْد الجبّار بْن أحمد بْن القاسم بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه [٣] .
الشَّيْخ الأمام، المحدث، العالم المفيد، بقية النقلة المكثرين، أبو الحُسين البغداديّ، الصَّيْرفيّ ابن الطّيوريّ.
ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
سمع: أبا القاسم الحرفيّ، وأبا عليّ بن شاذان، ثم أبا الفرج
стр. 16405
الطّناجيريّ، وأبا محمد الخلّال، وابن غيلان، وأبا الحَسَن العَتِيقيّ، ومُحَمَّد بْن عَلَى الصُّوريّ، وعليّ بْن أحمد الغاليّ، وأبا طَالِب العُشاريّ، وعددًا كثيرًا.
وارتحل فسمع] [١] بالبصرة أبا عليّ بْن الشّاموخيّ [٢] ، وغيره.
قَالَ السّمعانيّ: أكثر عَنْهُ والدي، وثنا عَنْهُ أبو طاهر السِّنْجيّ، وأبو المعالي الحَلْوانيّ بمَرْو، وإسماعيل بْن مُحَمَّد بأصبهان، وخلق يطول ذكرهم.
وكان المؤتمن السّاجيّ سيّئ الرأي فيه، وكان يرميه بالكذب ويصرح بذلك. وما رأيت أحدًا من مشايخنا الثّقات يوافقه، فإني سألت جماعة مثل عَبْد الوهّاب الأنماطي، وابن ناصر، وغيرهما، فأثنوا عَلَيْهِ ثناء حسنًا، وشهدوا لَهُ بالطلب والصدق والأمانة، وكثرة السماع.
وسمعت سلمان بْن مسعود الشحام يَقُولُ: قدِم علينا أبو الغنائم بْن النَّرْسيّ، فانقطعنا عَنْ مجلس ابن الطُّيُوريّ أيامًا، واشتغلنا بالسماع منه. فلمّا مضينا إلى ابن الطُّيُوريّ قَالَ لنا: لم انقطعتم عني هذه الأيام؟ قُلْنَا: قدِم شيخ من الكوفة كُنَّا نسمع منه. قَالَ: فانشرا عليَّ ما عنده. قُلْنَا: حدَّثَ عليّ بْن عَبْد الرَّحْمَن البكائي. فقال الشَّيْخ أبو الحُسين، وأخرج لنا شدة من حديث البكائي، وقال: هذا من حديثه، سماعي من أَبِي الفَرَج بْن الطَّنَاجِيريّ.
قَالَ السّمعانيّ: وأظن أنّ هذه الحكاية سمعها من الحافظ ابن ناصر.
وُلِد ابن الطّيوريّ في سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وقد روى عَنْهُ:
السِّلَفيّ، وشُهْدَة، وعبد الحق اليُوسُفيّ، وخطيب المَوْصِل، وأبو السّعادات.
وذكره أبو عليّ بْن سُكَّرَة فقال: الشَّيْخ الصالح الثقة. كَانَ ثبتًا فهمًا، عفيفًا، متفننًا، صحب الحفاظ ودرّب معهم.
وسمعت أبا بكر ابن الخاضبة يَقُولُ: شيخنا أبو الحُسين ممّن يستشفى بحديثه.
стр. 16406
وقال ابن ناصر في أماليه: ثنا الثبت الصدوق أبو الحُسين.
وقال السِّلَفيّ: ابن الطُّيُوريّ محدث كبير، مفيد، ورع، لم يشتغل قطّ بغير الحديث، وحصّل ما لم يحصّله أحد من التفاسير، والقراءات، وعلوم القرآن، والمسانيد، والتواريخ، والعلل، والكُتُب المصنفة، والأدبيات في الشعر.
رافق الصُّوريّ، واستفاد منه، والنخشبيّ، وطاهر النَّيْسابوريّ. وكتب عَنْهُ مسعود السِّجْزيّ، والحُمَيْديّ، وجعفر بْن الحكاك، فأكثروا عَنْهُ.
ثمّ طوّل السِّلَفيّ الثناء عَلَيْهِ.
وذكره أبو نَصْر بْن ماكولا [١] فقال: صديقنا أبو الحسين ابن الحمّاميّ مخففًا، سمع: أبا عليّ بْن شاذان، وخلْقًا كثيرًا بعده، وهو من أهل الخير والعفاف والصّلاح.
قَالَ ابن سُكَّرَة: ذكر لي شيخنا أبو الحُسين أنّ عنده نحو ألف جزءٍ بخطّ الدَّارَقُطْنيّ، أو أخبرت عَنْهُ بمثل ذَلِكَ. وأخبرني أنّ عنده لابن أَبِي الدّنيا أربعة وثمانين مصنفًا.
وقال عليّ بْن أحمد النّهروانيّ [٢] : توفّي في نصف ذي القعدة [٣] .
стр. 16407
٣٦٦- المبارك [١] بن فاخر بن محمد بن يعقوب بْن فاخر بْن مُحَمَّد بْن يعقوب [٢] .
أبو الكرم ابن الدّبّاس، النَّحْويّ.
من كبار أئمة العربية واللُّغة، لَهُ فيهما باعٌ طويل.
وُلِد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وقيل: سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة [٣] ، وهو أصح، والأوّل غلط.
أخذ عَنْ: أَبِي القاسم عبد الواحد بن برهان الأسديّ [٤] .
стр. 16408
وسمع الحديث من: أَبِي الطَّيِّب الطَّبَريّ، وأبي مُحَمَّد الجوهريّ.
أخذ عَنْهُ: الشَّيْخ أبو مُحَمَّد سِبْط الحنّاط.
وروى عَنْهُ: أبو المُعَمَّر الْأَنْصَارِيّ، وجماعة.
وله كتاب «المعلّم» في النَّحْو، وكتاب «نحو العرف» ، وكتاب «شرح خطبة أدب الكاتب» .
وكان ابن ناصر يرميه بالكذب، ويقول: كَانَ يدَّعي سماع ما لم يسمعه [١] .
وقال أبو منصور بْن خَيْرُون: كانوا يقولون إنّه كذاب.
تُوُفّي في ذي القعدة [٢] .
٣٦٧- مطهر بن أحمد بن عمر بن صالح [٣] .
стр. 16409
أبو الفَرَج الهَمَذانيّ.
روى عَنْ: أَبِي طَالِب بْن الصّبّاح، وهارون بْن طاهر، وأبي الفتح بْن الضّرّاب، وابن غزْو، وعامّة مشايخ هَمَذَان الّذين أدركهم.
قَالَ شِيرُوَيْه: كَانَ صدوقًا، حَسَن السيرة، لين الجانب، فاضلًا.
مات فِي جُمَادَى الآخرة.
- حرف الْيَاءِ -
٣٦٨- يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حبيب [١] .
أبو زكريّا المُحَارِبيّ الْجَيَّانيّ.
قرأ بالسبع عَلَى: أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفرّاء الزّاهد.
وسمع من: مُحَمَّد بْن عتّاب الفقيه، وسراج القاضي.
وأقرأ النّاس بُقْرطُبة، ثمّ استقضي بجَيّان، وخطب بها [٢] .
[قَالَ عِيَاض: شيخ صالح مسن، أندلسي، سكن فاس، وقدم سَبْتَةَ مِرارًا، وحجّ. وكان مباركًا في الأصول، مائلًا إلى النَّظَر، لكنْ لم يكن يستعمل] [٣] ( ... ) [٤] .
٣٦٩- يوسف بن تاشفين [٥] .
стр. 16410
السّلطان أبو يعقوب اللُّمْتُونيّ المغربيّ البربريّ، الملقَّب بأمير المسلمين، وبأمير المرابطين، وبأمير الملثَّمين. والأوّل هُوَ الّذي استقرّ.
كَانَ أحد من ملك البلاد، ودانت بطاعته العباد، واتسعت ممالكه، وطال عُمره. وقلَّ أنّ عُمِّرَ أحدٌ من ملوك الإسلام ما عُمِّر.
هُوَ الّذي بنى مدينة مراكش [١] ، وهو الّذي أخذ الأندلس من المعتمد بْن عَبّاد وأسره.
فمن أخباره أنّ بَرّ البربر الجنوبيّ كَانَ لزَنَاتَة، فخرج عليهم من جنوبيّ المغرب من البلاد التي تتاخم أرض السودان الملثَّمون عليهم أبو بَكْر بْن عُمَر، وكان رجلًا خيِّرًا ساذجًا، فأخذت الملثَّمة البلادَ من زنَاتَة من تِلمْسان إلى البحر الأكبر. فسمع أبو بَكْر أنّ امرأةً ذهبت ناقتها في غارةٍ، فبكت وقالت: ضيَّعَنَا أبو بَكْر بدخوله إلى المغرب. فتألم واستعمل عَلَى المغرب يوسف بْن تاشَفِين هذا، ورجع أبو بَكْر إلى بلاد الجنوب [٢] .
وكان ابن تاشَفِين بطلًا شجاعًا، عادلًا، اختطّ مراكش، وكان مكمنًا للّصوص مأوى الحَرَاميّة، فكان المارَون بِهِ يقول بعضُهم لبعض: مُرّاكش.
وكان بناء مدينة مُرّاكش في سنة خمس وستّين وأربعمائة، اشتراها يوسف بماله الّذي خرج بِهِ من الصحراء. وكان في موضعها غابة من الشَّجَر وقرية، فيها جماعة من البربر، فاختطهّا، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة. وهي في مرجٍ
стр. 16411
فسيح، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقرب منها جبل عَلَيْهِ الثلج [١] ، وهو الّذي يعدّل مِزَاجَها [٢] .
وقيل: كانت لعجوز مَصْمُوديّة [٣] . فأسكن مُرّاكش الخَلْق، وكثرت جيوشه وبعد صِيتُه، وخافتْه ملوك الأندلس، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنّها علمت أَنَّهُ ينجد الأندلسيّين عليهم.
وكان قد ظهر للملثَّمين في الحروب ضَرَبات بالسّيوف تقدّ الفارس، وطعنات تنظم الكُلَى [٤] ، فكتب إِلَيْهِ المعتمد يتلطّف بِهِ، ويسأله أنّ يعرض عَنْ بلاده لمّا رأى هِمَّتَه عَلَى قصْد الأندلس، وأنّه تحت طاعته. فيقال كَانَ في الكتاب: «فإنك إنّ أعرضت عنّا نُسِبْتَ إلى كَرَمٍ، ولم تُنْسَب إلى عَجْز، وإنْ أَجَبْنا داعيك نُسِبنا إلى عقلٍ، ولم نُنْسَب إلى وهْن، وقد اخترنا لأَنْفُسِنا أجمل نسبتَيْنا [٥] . وإنّ في استبقائك ذوي البيوت دوامًا [٦] لأمرك وثبوت» [٧] .
وأرسل لَهُ تُحَفًا وهدايا.
وكان بربريًّا لا يكاد يفهم، ففسَّرَ لَهُ كاتبه تِلْكَ الكلمات، وأحسن في المشورة عَلَيْهِ [٨] ، فأجاب إلى السلم. وكتب كاتبه، عَلَى لسانه: «من يوسف بْن تاشَفِين، سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته تحيّة من سالمكم، وسلّم إليكم، حكَّمَهُ [٩] التّأييد والنَّصْر فيما حكم عليكم، وإنّكم في أوسع إباحة ممّا بأيديكم
стр. 16412
من المُلْك، وأنتم مخصوصون منّا بأكرم إيثار [١] ، فاسْتَدِيموا وفاءنا بوفائكم [٢] ، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، واللَّه [وليُّ] [٣] التّوفيق لنا ولكم، والسلام» [٤] .
ففرح بكتابه ابن عَبّاد وملوك الأندلس، وقويت نفوسهم عَلَى دفع الفرنج، ونَوَوْا إنْ رأوا من ملك الفرنج ما يرِيُبهُم أن يستنجدوا بابن تاشَفِين. وصارت لابن تاشَفِين بفعله محبّةٌ في نفوس أهل الأندلس [٥] .
ثمّ إنّ الأذفُونْش أَلحَّ عَلَى بلاد ابن عَبّاد، فقال ابن عَبّاد في نفسه: إنْ دُهِينا من مُداخله الأضداد، فأَهْوَن الأمرَيْن أمر الملثَّمين، ورعاية أولادنا جمالهم أهون من أن يَرْعَوْا خنازير الفرنج. وبقي هذا الرّأي نُصْب عينيه [٦] ، فقصده الأذفونش في جيشٍ عَرَمْرَمٍ، وجفل النّاس، فطلب من ابن تاشَفِين النجدة، والجهاد. وكان ابن تاشَفِين عَلَى أتم أُهْبةٍ، فشرع في عُبور جيشه. فلمّا رأى ملوك الأندلس عبور البربر للجهاد، استعدوا أيضًا للنجدّة، وبلغ ذَلِكَ الأذفونش، فاستنفر دِينَ النَّصرانيّة، واجتمع لَهُ جنودٌ لا يُحْصِيهم إلّا الله.
ودخل مع ابن تاشفين شيء عظيمٌ من الجمال، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجمال، ولا تعوَّدتها خيلُهُم، فتجافلت منها ومن رُغائها وأصواتها.
وكان ابن تاشفين يحدق بها عسكره، ويحضرها الحروب، فتنفر خيل الفرنج عنها.
وكان الأذفونش نازلًا بالزّلّاقة [٧] بالقرب من بَطَلْيُوس، فقصده حزب الله،
стр. 16413
وقدم ابن تاشَفِين بين يديه كتابًا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام، أو الحرب، أو الجزية.
ثمّ أقبلت الجيوش، ونزلت تجاه الفرنج، فاختار ابن عَبّاد أنْ يكون هُوَ المصادم للفرنج أوّلًا، وأن يكون ابن تاشَفِين ردفًا له. ففعلوا ذلك، فخذل الفرنج، استمرّ القتل فيهم، فقيل: إنّه لم يفلت منهم إلّا الأذفونش في أقلّ من ثلاثين. وغنم المسلمون غنيمة عظيمة. وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
وعفّ يوسف عَن الغنائم، وآثر بها ملوك الأندلس ليتمّ لَهُ الأجر، فأحبوه وشكروا لَهُ. وكانت ملحمةً عظيمةً قَلَّ أنْ وقع في الإسلام مثلها [١] .
وجرح فيها ملك الفرنج، وجُمِعت رءوس الفرنج، فكانت كالتّلّ العظيم [٢] .
стр. 16414
ثمّ عزم ابن عَبّاد عَلَى أمير المسلمين يوسف، ورام أنّ ينزل في ضيافته، فأجابه، فأنزله في قصوره عَلَى نهر إشبيلية. فرأى أماكن نزهة، كثيرة الخير والحُسْن والرّزْق. وبالغ المعتمد بْن عَبّاد وأولاده في خدمة أمير المسلمين، وكان رجلًا بربريا، قليل التّنعُّم والتّلذُّذ والرّفاهية، فرأى ما هاله من الحشمة والعرش والأطعمة الفاخرة، فأقبل خواصّه عَلَيْهِ ينبهونه عَلَى تِلْكَ الهيئة ويحسنونها، ويقولون: ينبغي أنّ تتخذ ببلادك نحو هذا. فأنكر عليهم، وكان قد دخل في الشيخوخة، وفنيت إرادته، وأدمن عَلَى عيش بلاده. ثمّ أخذ يعيب طريقة المعتمد وتنعمه المُفْرِط، وقال: مَن يتعانى هذه اللّذات لا يمكن أنّ يعدل كما ينبغي أبدًا. ومن كَانَ هذا همته في حفظ بلاده ورعيته.
ثمّ سأل يوسف: هَلْ يفعل المعتمد هذا التنعم في كلّ أوقاته؟ فقيل لَهُ:
بل كلّ زمانه عَلَى هذا.
فسكت، وأقام عنده أيّامًا، فأتى المعتمد رجلٌ عاقل ناصح، فخوّفه من غائلة ابن تاشَفِين، وأشار عَلَيْهِ بأن يقبض عَلَيْهِ، وأن لا يُطْلقه حتّى يأمر كلَّ من بالأندلس من عسكره أنّ يرجع من حيث جاء: ثمّ تتّفق أنت وملوك الأندلس عَلَى حراسة البحر من سفينة تجري لَهُ، ثمّ تتوثق منه بالأَيْمان أن لا يغدر، ثمّ تُطْلِقه، وتأخذ منه عَلَى ذَلِكَ رهائن.
فأصغى المعتمد إلى مَقَالته واستصوبها، وبقي يفكّر في انتهاز الفرصة، وكان لَهُ نُدَماء قد انهمكوا معه في الّلذّات، فقال أحدهم لهذا الرجل: ما كَانَ أمير المؤمنين، وهو إمامُ أهل المَكْرُمات ممّن يُعامل بالحَيْف ويغدر بالضَّيْف.
قَالَ: إنّما الغَدْر أَخْذُ الحقّ ممّن هُوَ لَهُ، لا دفْع المرء عَنْ نفسه.
قَالَ النّديم: بل كَظْمٌ مَعَ وفاءٍ، خيرٌ من حزْمٍ مَعَ جفاء.
ثمّ إنّ ذَلِكَ النّْاصح استدرك الأمر وتلافاه، وشكر لَهُ المعتمد، وأجازه، فبلغ الخبرُ ابن تاشَفِين، فأصبح غاديا. فقدَّم لَهُ المعتمد هدايا عظيمة، فقبِلَها وعبر إلى سَبْتَة. وبقي جُلُّ عسكره بالجزيرة يستريحون [١] .
стр. 16415
وأمّا الأذفونش، فقدم إلى بلده بأسوأ حال، فسأل عَنْ أبطاله وبَطَاركته، فوجد أكثرهم قد قتلوا، وسمع نَوْح الثُّكَالَى عليهم، فلم يأكل ولا الْتَذّ بعَيْشٍ حتّى مات غَمًّا، وخلَّف بنتًا، فتحصَّنت بطُلَيْطُلَة [١] .
ثمّ أخذ عسكرُ ابن تاشَفِين يغيرون، حتّى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحدّ، وبعثوا بالمغانم إلى مُرّاكش. واستأذن مقدّمهم سِير بْن أَبِي بَكْر لابن تاشَفِين في المقام بالأندلس، وأعلمه أَنَّهُ قد افتتح حصونًا، ورتّب فيها، وأنّه لا يستقيم الأمر إلّا بإقامته. فكتب إِلَيْهِ ابن تاشَفِين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإيجافهم في العدْوَة، فإن أَبَوْا عَلَيْهِ حاربهم. وليبدأ بالثغور: ولا تتعرّض للمعتمد.
فابتدأ سير بملوك بُنيّ هود يستنزلهم من قلعة روطة، وهي منيعة إلى الغاية، وماؤها [٢] يُنْبُوعٌ في أعلاها، وبها من الذخائر المختلفة ما لا يوصف. فلم يقدر عليها، فرحل عَنْهَا. ثمّ جَنَّد أجنادًا عَلَى زِيّ الفرنج، وأمرهم أنّ يقصدوها كالمُغِيرين، وكمن هُوَ والعسكر، ففعلوا ذَلِكَ.
فرآهم ابن هود، فاستضعفهم، ونزل في طلبهم، فخرج عَلَيْهِ سير، فأسره وتسلَّم القلعة [٣] .
ثمّ نازل بُنيّ ظاهر بشرق الأندلس، فسلموا إِلَيْهِ، ولحِقُوا بالعدْوَة.
ثمّ نازل بني صُمَادِح بالمَرِيّة، فمات ملكهم في الحصار، فسلّموا المدينة.
ثمّ نازلوا المتوكلّ عُمَر بْن الأفطس ببَطَلْيُوس، فخامر عَلَيْهِ أصحابه، فقبضوا عَلَيْهِ، ثمّ قتل صبرًا [٤] .
ثمّ إنّ سير كُتُب إلى ابن تاشَفِين أَنَّهُ لم يبق بالجزيرة غير المعتمد فأمره أن
стр. 16416
يعرض عَلَيْهِ التّحوّل إلى العدْوَة بأهله وماله، فإن أبى فنازله. فلمّا عرض عَلَيْهِ سير ذَلِكَ لم يُجِبْ، فسَار وحاصره أشْهُرًا، ثمّ دخل عَلَيْهِ البلد قهرًا، وظفر بِهِ، وبعثه إلى العدْوَة مقيَّدًا، فحُبِس بأَغْمات إلى أن مات. وتسلّم سير الجزيرة كلَّها [١] .
وقال ابن دحية أو غيره: نزل يوسف عَلَى مدينة فاس في سنة أربع وستّين وأربعمائة وحاصرها. ثمّ أخذها، فأقرّ العامّة، ونفى البربر والْجُنْد عَنْهَا، بعد أنّ حبس رءوسهم، وقتل منهم، وكان مؤثرًا لأهل العلم والدّين، كثير المَشُورَة لهم [٢] .
وكان معتدل القامة، أسمر، نحيفًا، خفيف العارضيْن، دقيق الصوت، حازمًا، سائسًا. وكان يخطب لبني العبّاس. وهو أوّل من سُمّي بأمير المسلمين [٣] .
وكان يحبّ العفْو والصَّفْح، وفيه خيرٌ وعدل [٤] .
وقال أبو الحَجّاج يوسف البيّاسيّ في كتاب «تذكير الغافل» [٥] : إنّ يوسف بْن تاشَفِين جاز البحر مرة ثالثة، وقصد قُرْطُبَة، وهي لابن عَبّاد، فوصلها سنة ثلاث وثمانين، فخرج إِلَيْهِ المعتمد بالضيافة، وجري معه عَلَى عادته [٦] .
ثمّ إنّ ابن تاشَفِين أخذ غرناطة من عَبْد اللَّه بْن بلقين [٧] بْن باديس، وحبسه،
стр. 16417
فطمع ابن عَبّاد في غَرْناطة، وأن يُعطِيَه ابن تاشَفِين إيّاها، فعرض لَهُ بذلك، فأعرض عَنْهُ ابن تاشَفِين إلى مُرّاكش في رمضان من السّنة. فلمّا دخلت سنة أربع عزم عَلَى العبور إلى الأندلس لمنازلة المعتمد بْن عَبّاد، فاستعدّ لَهُ ابن عَبّاد [١] ، ونازلته البربر، فاستغاث بالأذفونش، فلم يلتفت إِلَيْهِ.
وكانت إمرة يوسف بْن تاشَفِين عند موت أَبِي بَكْر بْن عُمَر أمير المسلمين سنة اثنتين وستّين وأربعمائة. وكانت الدّولة قبلهما لزَنَاتَة، وكانت دولة «ظالمة» فاجرة.
وكان ابن تاشَفِين وعسكره فيهم يبس وديانة وجهاد، فافتتح البلاد، وأحبَّته الرّعيّة. وضيّق لِثامَه هُوَ وجماعته. فقيل: إنهم كانوا يتلثّمون في الصّحراء كعادة العرب، فلمّا تملّك ضيّق ذَلِكَ اللّثام [٢] .
قَالَ عُزَيز: وممّا رأيته عيانًا أَنَّهُ كَانَ لي صديقٌ منهم بدمشق، وبيننا مودة.
فأتيتُه، فدخلت وقد غسَل عمامته، وشدّ سِرواله عَلَى رأسه، وتلثَّم بِهِ. هذا بعد أن انقضت دولتهم، وتفرّقوا في البلاد.
стр. 16418
وحكى لي ثقة أَنَّهُ رأى شيخًا من الملثَّمين بالمغرب مترديا في نهر يغسل ثيابه وهو عريان، وعورته بادية، ويده اليُمْنى يغسل بها، ويده اليُسْرى يَسْتر بها وجهه.
وقد جعل هَؤُلَاءِ اللّثام جُنَّةً، فلا يُعرف الشَّيْخ منهم من الشّاب، فلا يزيلونه ليلًا ولا نهارًا، حتّى أنّ المقتول منهم في المعركة لا يكاد يعرفه أهله، حتّى يجعلوا عَلَى وجهه لثامًا.
ولبعضهم:
قومٌ لهم دَرْكُ العلى [١] في حمير ... وإن انتموا صنهاجة فهم هموا
لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم، فتلثموا [٢]
وتزوج ابن تاشَفِين بزينب زوجة أَبِي بَكْر بْن عُمَر، وكانت حاكمة عَلَيْهِ، وكذلك جُمَيْع الملثمين يكبرون نساءهم، وينقادون لأمرهم، وما يسمّون الرَجل منهم إلّا بأمّه.
وهنا حكاية، وهي أنّ ابن خلوف القاضي الأديب كَانَ لَهُ شِعْرٌ، فبلغ زينبَ هذه أَنَّهُ مدح حوّاء امرأة سير بْن أَبِي بَكْر، وفضَّلها عَلَى جُمَيْع النّساء بالجمال، فأمرت بعزْله عَن القضاء. فسار إلى أَغْمات، واستأذن عليها، فدخل البوّاب فأعلمها بِهِ، فقالت: يمضي إلى الّتي مَدَحها تردّه إلى القضاء.
فأبلغه، فَعَزَّ عَلَيْهِ، وبقي بالحضرة أيّامًا حتّى فنيت نَفَقَتُه، فأتى خادمها فقال: قد أردت بيع هذا المهر، فأعطني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي، وخذه فأنت أولى.
فسرَّ الخادم وأعطاه، ودخل مسرورًا بالمهر، وأخبر السّتّ، فرقَّت لَهُ، وقالت: ائتني بِهِ. فأسرع وأدخله عليها، فقالت: تمدح حوّاء وتسرف، وزعمت أَنَّهُ لَيْسَ في النّساء أحسن منها، وما هذه منزلة القضاة. فقال في الحال:
стр. 16419
أنت بالشمس لاحِقَهْ ... وهي بالأرض لاصقهْ
فمتى ما مَدَحْتُها ... فهي من سيرَ طالقهْ
فقالت: يا قاضي طَلّقْتَها؟!.
قَالَ: نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة.
فضحكت حتّى افتضحت، وكتبت إلى يوسف يردّه إلى القضاء.
قلت: ولا رَيْب أنّ يوسف ملكٌ من الملوك، بَدَت منه هنّات وزلّات، ودخل في دهاء الملوك وغدرهم. ولمّا أخذ إشبيلية من المعتمد شنّ عسكر ابن تاشَفِين الغارة بإشبيلية، وخلّوا أهلها عَلَى برْد الدّيار، وخرج النّاس من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وافتُضَّت الأبكار.
وتتابعت الفتوحات لابن تاشَفِين. وكانت فُقهاء الأندلس قَالُوا لَهُ: لا تَجِبْ طاعتُك حتّى يكون لك عهد من الخليفة.
فأرسل إلى العراق قومًا من أهله بهدايا. وكتابًا، يذكر فيه ما فعل بالفرنج.
فجاءه أمر المستظهر باللَّه أحمد رسول بهديّة، وتقليد وخِلْعة، وراية.
وكان يقتدي بآراء العلماء، ويعظّم أهل الدين. ونشأ ولده عليّ في العفاف والدّين والعِلْم، فولّاه العهدَ في سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة.
وتُوُفّي يوسف في يوم الإثنين ثالث المحرَّم سنة خمسمائة، ورّخه ابن خلكان، وقبله عزّ الدين ابن الأثير، وغيرهما.
وعاش تسعين سنة.
قَالَ الْيَسَعُ بْن حَزْم: فمِن فضله أَنَّهُ لما أراد بناء مُرّاكش ادّعى قومٌ مَصَامِدَةٌ فيها أرضًا، فأرضاهم بمالٍ عظيم. وكان يلبس العباء، ويُؤثر الحياء، ويقصد مقاصد العز في طُرُق المعالي، ويكره السَّفساف، ويحبّ الأشرف المتعالي، ويقلّد العلماء، ويؤثر الحُكَماء، يتدبّر مَرْضَاتهم. وإذا دخل عَلَيْهِ من طَوْل ثيابه وجرّها ... [١] إِلَيْهِ وجهه، وأعرض عَنْهُ، فإن كَانَ ذا ولاية عزله. وكان كثير الصدقة عظيم البِرّ والصّلة للمساكين، ﵀.
стр. 16420
٣٧٠- يوسف بْن عليّ الزّنْجانيّ [١] .
أبو القاسم الشّافعيّ من كبار أصحاب أَبِي إِسْحَاق الشِّيرازيّ.
مات في صفر [٢] .