← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَقَالَ يزيد بْن عُمَيْرة: لمّا احتضر مُعَاذ قالوا: أَوْصِنا، قَالَ: التمسوا العِلْم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بْن سلام [١] . وعن أبي ذر أنه قَالَ: مَا أظلت خضراءُ أعلم منك يا أبا الدَّرْدَاء [٢] . قَالَ أَبُو عمرو الدّاني: عَرَضَ على أبي الدَّرْدَاء القرآن: عبد الله بْن عامر، وخُلَيْد بْن سعد القارئ، وراشد بْن سعد، وخالد بْن مَعْدان [٣] . قلت: في عرض هؤلاء عليه نظر. قَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُقْرِئُ رجلا أعجميا فقرأ: (طعام الأثيم) [٤] طَعَامُ الْيَتِيمِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: (طَعَامُ الأَثِيمِ) ، فَلَمْ يَقْدِرْ يَقُولهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «طَعَامُ الفاجر» فأقرأه «طعام الفاجر» [٥] .

стр. 1647

وَقَالَ خالد بْن مَعدان: كان ابن عُمَر يَقُولُ: حدّثونا عَنِ العاقلين، فيقال: من العاقلان؟ فيقول: مُعاذ، وأبو الدَّرْدَاء [١] . رَوَى الأَعْمَشُ. عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُصْلِحُ قِدْرًا لَهُ، فَوَقَعَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ تَعَالَ إِلَى مَا لَمْ يَسْمَعْ أَبُوكَ مِثْلَهُ قَطُّ، فَجَاءَ سَلْمَانُ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ لَرَأَيْتَ أَوْ لَسَمِعْتَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْكُبْرَى [٢] . حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فَقَالَ: ارجعا إليَّ أعيدا عليّ قضيّتكما [٣] . وَقَالَ أَبُو وائل، عَنْ أبي الدَّرْدَاء قَالَ: إنّي لآمركم بالأمر وما أفعله ولكن لعلَّ الله أنْ يأجُرَني فيه. وَقَالَ ميمون بْن مهران: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: وَيْلٌ للذي لَا يعلم مرَّةً، وَوَيْلٌ للذي يعلَمُ ولا يعمل سبْع مرّات [٤] . وَقَالَ عَوْن بْن عبد الله قلت لأمّ الدَّرْدَاء: أيُّ عِبادة أبي الدَّرْدَاء كانت أكثر؟ قالت: التَّفكُّر والاعتبار [٥] . وعن أبي الدَّرْدَاء أنّه قيل له: كم تُسَبِّح في كلّ يوم، وكان لَا يَفْتُرُ من

стр. 1648

الذِّكر؟ قَالَ: مِائَةَ أَلْفٍ، إلَّا أنْ تُخْطئ الأَصَابِعُ [١] . وَقَالَ معاوية بْن قُرَّةَ: قَالَ أَبُو الدّرداء: ثلاثة أحبّهن ويكرهُهُنّ النّاس: الفقر والمرض والموت. وعنه قَالَ: أحبُّ الموت اشتياقًا لربي، وأحبّ الفقر تواضعًا لربيّ، وأحبّ المرض تكفيرًا لخطيئتي [٢] . وَقَالَ عِكْرَمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: كَانَ لأَبِي الدَّرْدَاءِ سِتُّونَ وَثَلاثُمِائَةِ خَلِيلٍ فِي اللَّهِ يَدْعُو لَهُمْ فِي الصَّلاةِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ يَدْعُو لأَخِيهِ فِي الْغَيْبِ إِلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَقُولانِ: وَلَكَ بِمِثْلٍ. [أَفَلَا أَرْغَبُ أَنْ تَدْعُوَ لِي الْمَلائِكَةُ [٣]] [٤] . قَالَ الواقِديّ وأبو مُسْهر: مات أبو الدّرداء سنة اثنتين وثلاثين.

стр. 1649

أَبُو ذَرّ الغِفَاريّ [١] ع [٢] اسمه جُنْدُب بْن جُنَادَةَ [على الصَّحيح، وقيل: جُنْدُب بْن سَكَن،

стр. 1650

وقيل: بُرَيْرُ بْن عبد الله، أو ابن جُنَادة] [١] . أحد السّابقين الأوّلين، يقال، كان خامسًا في الإسلام، ثمّ انصرف إلى بلاد قومه، وأقام بها بأمر النّبيّ ﷺ ، ثمّ لمّا هاجر النّبيّ ﷺ هاجر أَبُو ذر إلى المدينة. وروي أنه كان آدم جسيمًا، كثّ اللّحْية. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَشْهَدْ أَبُو ذَرٍّ بَدْرًا، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ عُمَرُ مَعَ الْقُرَّاءِ. وَكَانَ يُوَازِي ابْنَ مَسْعُودٍ فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَكَانَ زَاهِدًا أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» . حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ [٢] مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَسُئِلَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: وَعَى عِلْمًا عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ، ثُمَّ أَوْكَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ شَيْئًا [٣] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» [٤] . وَقَالَ أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ: ثنا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ، عن الحسن بن

стр. 1651

عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: لَمْ يَبْقَ الْيَوْمَ أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ [١] . وَقَالَ بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، جَعَلَ لَا يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُخْلِفْهُ اللَّهُ بِكُمْ» حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: مَا كَانَ يَقُولُهُ، فَتَلَوَّمَ عَلَيْهِ بَعِيره، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ أَبُو ذَرٍّ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاشِيًا، وَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُحْشَرُ وَحْدَهُ» فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبِهِ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ فَمَاتَ بِهَا. وَاتَّفَقَ مُرُورُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهِ مِنَ الْكُوفَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَشَهِدَهُ [٢] . وَمَنَاقِبُ أَبِي ذَرٍّ كَثِيرَةٌ. روى عنه أَنْس، وجُبَيْر بْن نُفَيْر، وزيد بْن وهب، وسعيد بْن المسيب، وأبو سالم الجَيْشاني سُفْيَان [٣] بْن هانئ، والأحنف بْن قيس، وعبد الرحمن بْن غَنْم الأشعريّ، وأبو مُراوِحْ، وقيس بْن عباد، وسويد بن

стр. 1652

غَفْلَة، وأبو إدريس الخَوْلاني، وعبد الله بْن الصّامت، والمعْرور بْن سُوَيْد وأبو عثمان النَّهْدِيُّ، وخلْق سواهم. وقد استوعب ابن عساكر في «تاريخ دمشق» [١] أخباره وأحواله. قَالَ حسين المُعَلّم، عَنِ ابن بُرَيْدة: كان أَبُو ذَرّ رجلًا أسودَ، كَثّ اللّحية، كان أَبُو موسى يُكْرِمه [٢] ويقول: مرحبًا بأخي. فيقول: لستُ بأخيك إنّما كنت أخاك قبل أن تُسْتَعْمَلَ [٣] . ومن أخبار أبي ذرّ أنّه كان شجاعا مقْدامًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٤] : أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، ثنا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءِ بن رحضة [٥] قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَجُلًا يُصِيبُ، وَكَانَ شُجَاعًا يَنْفَرِدُ وَحْدَهُ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيُغِيرُ عَلَى الصِّرْمِ كَأَنَّهُ السَّبُعُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ الإِسْلامَ [٦] . ثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حدّثتني جبلة بنت مصفحٍ [٧] ، عَنْ حَاطِبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ [مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِمَّا صَبَّهُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فِي صَدْرِهِ إِلا وَقَدْ صَبَّهُ فِي صَدْرِي، وَلا] [٨] تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا صَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِي إِلا وَقَدْ صببته في صدر مالك بن ضمرة [٩] .

стр. 1653

أبو إسحاق السّبيعيّ، عن هَانِئٍ، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: أَبُو ذَرٍّ وِعَاءٌ مليء عِلْمًا، ثُمَّ وُكِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ [١] . شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الْإِيَادِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْتُ بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ: عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، وَالْمِقْدَادِ» [٢] . أَبُو رَبِيعَةَ هَذَا خَرَّجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ: ثنا شَهْرٌ، حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ [٣] أنّ أبا ذرّ كان يخدم النّبيّ ﷺ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ أَوَى إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَ هُوَ بَيْتُهُ [يَضْطَجِعُ فِيهِ] [٤] ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ لَيْلَةً فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فنَكَتَهُ [٥] بِرِجْلِهِ، فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: «أَلا أَرَاكَ نَائِمًا» ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنَامُ؟ [هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرُهُ] [٦] فَجَلَسَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ» ؟ قَالَ: أَلْحَقُ بِالشَّامِ [فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ وَأَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الأَنْبِيَاءِ، فَأَكُونُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا] [٧] قَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهَا» ؟ قَالَ: إِذًا أَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَكُونُ بَيْتِي وَمَنْزِلِي، قَالَ: فَكَيْفَ أَنْتَ إذا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ؟ قَالَ: إِذًا آخُذُ سَيْفِي فَأُقَاتِلُ [عَنِّي] [٨] حَتَّى أَمُوتَ، قَالَ: فَكَشَّرَ إِلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أدلّك على خير من ذلك: تنقاد لهم حيث قادوك [وتنساق لهم حيث

стр. 1654

سَاقُوكَ] [١] حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» . أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ [٢] . الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى يَسْتَفْتُونَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَمْ يَنْهَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْفُتْيَا؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ! لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ [٣] ثُمَّ ظَنَنْتُ إِنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا [٤] عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا [٥] . رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. وَاسْمُ أَبِي كَثِيرٍ مَرْثَدٌ، صَدُوقٌ. عن ثعلبة بن الحكم [٦] عَنْ عليّ قَالَ: لم يبق أحدٌ لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي. ثم ضرب بيده على صدره [٧] . الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنِ الأَحْنَفِ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ قَامَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ [٨] يُحْمَى عَلَيْهِ فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ [٩] كَتِفِهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وذكر الحديث [١٠] وهو حديث صحيح.

стр. 1655

ابْنُ لَهِيعَةَ: ثنا أَبُو قَبِيلٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُثْمَانُ، يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَا تَرَى؟ قَالَ: إِنْ كَانَ- يَعْنِي زَكَّى- فَلَا بَأْسَ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ [١] مِنِّي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقٍ [٢] . أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ أَسَمِعْتَهُ مِرَارًا؟ قَالَ: نَعَمْ [٣] . جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ قَالَ: تَنَاجَى عُثْمَانُ وَأَبُو ذَرٍّ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو ذَرٍّ مُبْتَسِمًا وَقَالَ: سَامِعٌ مُطِيعٌ وَلَوْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ عَدْن [٤] . وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الرَّبَذَةِ [٥] . الأَعْمَشُ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: لَوْ أَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى رَأْسِي لَمَشَيْتُ [٦] . وَعَنْ أَبِي جُوَيْرِيَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِعُثْمَانَ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَحْبُوَ لحبوت ما استطعت.

стр. 1656

أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ: يَا أمير المؤمنين افتح الباب لا تحسبني مِنْ قَوْمٍ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمِ مِنَ الرِّمِيَّةِ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ. الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ شَيْخٍ وَامْرَأَتِهِ [١] مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ قَالا: نَزَلْنَا بِالرَّبَذَةِ، فَمَرَّ بِنَا شَيْخٌ أَشْعَثُ فَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَّاهُ أَنْ نَغْسِلَ رَأْسَهُ، فَأَذِنَ لَنَا وَاسْتَأْنَسَ بِنَا، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالُوا: يَا أَبَا ذَرٍّ فَعَلَ بِكَ هَذَا الرَّجُلُ وَفَعَلَ، فَهَلْ أَنْتَ نَاصِبٌ لَكَ رَايَةً، فَقَالَ: لَا تُذِلُّوا السُّلْطَانَ فَإِنَّهُ مَنْ أَذَلَّ السُّلْطَانَ فَلا تَوْبَةَ لَهُ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَبَنِي عَلَى أَطْوَلِ خَشَبَةٍ لَسَمِعْتُ وَصَبَرْتُ وَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِي [٢] . حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ أُمُّ ذَرٍّ: وَاللَّهِ مَا سَيَّرَ عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ- تَعْنِي إِلَى الرَّبَذَةِ- وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ له: «إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سلْعًا فَاخْرُجْ مِنْهَا» . ابن شَوْذَبٍ [٣] ، عَنْ غالب القطّان قَالَ: يا أبا سعيد أَعُثمان أخْرَجَ أبا ذَرّ؟ قَالَ: مَعَاذ الله. أَبُو سعيد هو الحسن. أَبُو هِلالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ عَطَاؤُهُ أَرْبَعَةَ آلافٍ، فَإِذَا أَخَذَهُ دَعَا خَادِمَهُ فَسَأَلَهُ مَا يَكْفِيهِ لِلسَّنَةِ فَاشْتَرَاهُ، ثُمَّ اشْتَرَى فُلُوسًا بِمَا بَقِيَ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ وِعَاءِ ذَهَبٍ وَلا فضّة يوكأ عليه إلّا

стр. 1657

وَهُوَ يَتَلَظَّى عَلَى صَاحِبِهِ [١] . الأوزاعي، عَنْ يحيى قَالَ: كان لأبي ذَرّ ثلاثون فَرَسًا يحمل عليها، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها ويُريح بقيتها، فإذا رجعت حمل على الخمسة عشر الأخرى. ثابت البُنَانيّ قَالَ: بنى أَبُو الدَّرْدَاء مسْكنًا فمرّ عليه أَبُو ذَرّ فَقَالَ: مَا هذا تعمُر دارًا أمر الله بخرابها [٢] !؟ حسين المُعَلّم، عَنِ ابن بُرَيْدة [٣] قَالَ: كان أَبُو موسى يُكْرِم أبا ذَرّ، وكان أَبُو موسى خفيف اللَّحْم، قصيرًا، وكان أَبُو ذَرّ رجلًا أسود، كثّ الشَّعر، فكان أَبُو موسى، يَقُولُ: مرحبًا بأخي، فيقول: لستُ بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل [٤] . قيل: لم يَعِشْ بعده ابنُ مسعود إلا نحو عشرة أيام. وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ: ثنا أَبُو الْعَلاءِ [٥] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ قَعْنَبٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ بِثَرِيدَةٍ، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ انْفَتَلَ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ: إِنَّا للَّه مَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تَكْذِبَنِي! قَالَ: مَا كَذَبْتُ، إِنِّي صُمْتُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَكُتِبَ لِي أَجْرُهُ وَحُلَّ لِي الطَّعَامُ.

стр. 1658

سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثيِن فيها كانت غزوة قُبْرس. قَالَ ابن إسحاق وغيرُه [١] . وغزوة إفريقية، وأمير النّاس عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. قاله اللَّيْث [٢] . وفيها قَالَ خليفة [٣] : جمع قارن جميعا عظيمًا بباذَغِيس وهُرَاة، وأقبل في أربعين ألفًا فترك قيسُ بْن الهَيْثم البلاد وهرب، فقام بأمر المُسْلِمين عبدُ الله بْن خازم [٤] السُّلَميّ، وجمع أربعة آلاف مقاتل، والتقى هو وقارن، ونصره الله وقُتِل وسَبَى، وكتب إلى ابن عامر بالفتح، فاستعمله ابن عامر على خراسان، ثمّ وجَّه ابن عامر عبد الرحمن بْن سَمُرَة على سجستان، فصالحه صاحب زَرَنْج [٥] وبقي بها حتّى حُوصِر عثمان. قَالَ خليفة [٦] : وفيها غزا معاوية مَلَطْية وحصن المَرَة من أرض الرّوم.

стр. 1659

قَالَ: وفيها غزا عبدُ الله بْن أبي سَرْح الحَبَشَة، فأصيبت فيها عينُ معاوية بنُ حديج [١] .

стр. 1660

الوَفيّاتْ وفيها تُوُفيّ عبد الله بْن كعب الأنصاري المازنيّ أحد البدريين، ورّخه المدائنّي، وقد تقدّم ذِكْره في سنة ثلاثين. وعبد الله بن مسعود في قولٍ، وقد تقدّم. المِقْداد بْن الأسود [١] ع [٢] الكِنْدي البَهْراني [٣] . كان في حَجْر الأسود بْن عبد يغوث الزّهري،

стр. 1661

فيقال تبناه، وقيل: كان عبدًا حبشيًّا له فتبنّاه، واسم أبيه عَمْرو بْن ثَعْلَبة بْن مالك من ولد الحاف بْن قضَاعة وقيل: إنّه أصاب دمًا في كِنْدة، فهرب إلى مكة، وحالف الأسود بْن عبد يغوث. كان من السّابقين الأوَّلين، شهِدَ بدْرًا، ولم يصحّ أنّه كان في المُسْلِمين فارس يَوْمَئِذٍ غيره، واختلفوا في الزُّبَيْر. روى عنه: عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْن مسعود، وابن عبّاس، وجُبَيْر بْن نُفَيْر، وعبد الرحمن بْن أبي ليلى، وهمّام بْن الحارث، وعبيد الله بن عديّ بن الخيار، وآخرون. عاش سبعين سنة، وصلّى عليه عثمان. وكان رجلا آدم طُوَالًا، ذا بطنٍ كبير، أشْعَر الرأس، أعْيَنَ، مقرون الحاجبين [١] . وكان يوم فتح مكة على مَيْمَنَة النَّبِيَّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمِقْدَادِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ مَبْعَثًا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: كَيْفَ وَجَدْتَ الْإِمَارَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ظَنَنْتُ إِلَّا أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لِي خَوَلٌ، وَاللَّهِ لَا أَلِي عَلَى عَمَلٍ ما عشت [٢] .

стр. 1662

وَقَالَ ثابت البناني: كان عبد الرحمن والمقداد يتحدثان، فَقَالَ له ابن عَوْف: مالك لَا تزوّج؟ قَالَ زوّجني بنتك، قَالَ: فأغلظ له وجَبَهَه، فشكا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فعرف الغمّ في وجهه فقال: «لكنّي أزوّجك ولا فَخْر» ، فزوّجه بابنة عمّه ضُباعة بنت الزُّبَيْر بْن عبد المطّلب [١] . وكان بها من الجمال والعقل التّام [٢] مع قَرَابتها من رَسُول اللَّه ﷺ . وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَرَنِي اللَّهُ بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ: عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، وَالْمِقْدَادِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» [٣] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الجنة تَشْتَاقُ إِلَى أَرْبَعَةٍ» فَذَكَرَهُمْ. إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وعن كريمة بنت المِقْداد أنّ المِقْداد وصّى للحَسَن والحُسَيْن لكلّ واحدٍ منهما بثمانية عشر ألف درهم، وأوصى لأمّهات المؤمنين لكلّ واحدةٍ بسبعة آلاف دِرْهم. وعن أبي فائد، أنّ المقداد بن عمرو شرب دهن الخروج فمات [٤] . وقيل: إنّه مات بالجُرْف على ثلاثة أميال من المدينة. ودفن بالبقيع.

стр. 1663

سَنَة أربَعٍ وَثلَاثِين فيها وثب أهل الكوفة على أميرهم سعيد بْن العاص فأخرجوه، ورضوا بأبي موسى الأشعريّ، وكتبوا فيه إلى عثمان فولّاه عليهم، ثمّ إنّه بعد قليل ردّ إليهم على الإمْرة سعيد بْن العاص فخرجوا ومنعوه [١] وفيها كانت غزوة ذات الصَّواري [٢] في البحر من ناحية الإسكندرية، وأميرُها ابن أبي سرح.

стр. 1664

الوَفيَّاتْ وفيها تُوُفيّ إياس بْن أبي الْبُكَيْرِ [١] بن عبد يا ليل الكِناني حليف بني عديّ، كان من المهاجرين. شهد بدرا هو وإخوته خالد، وعاقل، وعامر، ولم يشهد بدْرًا إخوةٌ أربعةٌ سواهم، وقد شهِدَ إياس فتْحَ مصر. وفيها تُوُفيّ أخوه عاقل بْن البُكَيْر [٢] ويقال: ابن أبي البُكَيْر، كأنّه كان يسّمى [٣] باسمه. قَالَ ابن سعد [٤] : كان اسم عاقل (غافلًا) فغيَّره النّبيّ

стр. 1665

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان أَبُو معشر والواقِديّ يقولان: ابن أبي البُكَيْر، وكان موسى بْن عقْبة، وابن إسحاق، وابن الكلبيّ يقولون: ابن البُكَيْر. وعن يزيد بْن رُومان أنّ الإخوة الأربعة أسلموا في دار الأرقم [١] . عبادة بْن الصَّامت [٢] ع [٣] ابن قيس بْن أصرم أَبُو الوليد الأنصاري الخَزْرَجيّ، أحد النُّقباء ليلة العَقَبة، شهِد بدْرًا والمشاهدَ، ووُلِّي قضاء فلسطين، وسكن الشام.

стр. 1666

رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمامة، وأنس بْن مالك، وجُبَير بْن نُفَيْر، وحطّان بن عبد الله الرّقاشيّ، وأبو الأشعث شُرَاحِيلَ الصَّنْعانيّ، وأبو إدريس عائذ الله الخَوْلانيّ، وخلْق سواهم. وكان فيما بلغنا رجلًا طوالا جسيمًا جميلا، تُوُفيّ بالرَّمْلة، ويقال: تُوُفيّ ببيت المَقْدِس. وَقَالَ محمد بْن كعب القُرَظيُ: جمع القرآن في زمن النّبيّ ﷺ خمسةٌ مِنَ الأَنْصَار: مُعَاذ، وأُبَيّ، وأبو أيوب، وأبو الدَّرْدَاء، وعُبادة، فلمّا استُخْلِف عُمَر، كتب يزيد بْن أبي سُفْيَان إليه: إنّ أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يُعَلِّمهم القرآن ويُفَقِّههم، فَقَالَ: أعينوني بثلاثة، فخرج مُعاذ، وأبو الدَّرْدَاء، وعُبَادة [١] . وروى إسحاق بْن قُبَيْصة بْن ذُؤَيْب، عَنْ أبيه، أنّ عبادة بْن الصامت أنكر على معاوية شيئًا، فَقَالَ: لَا أُساكِنك بأرضٍ، ورحل إلى المدينة، فَقَالَ له عُمَر: مَا أَقْدَمَك؟ فأخبره بِفعْل معاوية، فَقَالَ له: ارْحَلْ إلى مكانك فقبَّح الله أرضًا لستَ فيها وأمثالك، فلا إمرةَ له عليك [٢] . وَقَالَ عُبَادة: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْع والطّاعة، وأن نقوم بالحّق حيثُما كنّا لَا نخاف في الله لومة لائم [٣] . وفي «مسند أحمد» من حديث إسماعيل بْن عُبَيْد بْن رفاعة قال: كتب

стр. 1667

معاوية إلى عثمان: إنّ عُبَادة قد أفسد عليَّ الشّامَ وأهله، فإما أن يكف، وإما أن أخلي بينه وبين الشَّام، فكتب إليه أنْ رَحِّلْ عُبَادة حتّى تَرُدَّه إلينا، قَالَ: فدخل على عثمان فلم يَفْجَأْه إلا وهو معه في الدّار، فالتفت إليه فَقَالَ: يا عبادة ما لنا ولك؟ فقام عُبَادة بين ظَهْرَيِ النّاس فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَلِي أمورَكم بعدي رجالٌ يُعِّرفونكم مَا تُنْكِرُون، ويُنْكِرُون عليكم مَا تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، ولا تضلُّوا بربّكم» [١] . وَقَالَ الهيْثَم بْن عَدِيّ وحده: إنّ عُبَادة تُوُفيّ سنة خمسٍ وأربعين، ولا مُتابع له، وَقَالَ جماعةٌ إنّه تُوُفيّ سنة أربعٍ وثلاثين. (كعب الأحبار) تُوُفيّ فيها، قاله شُرَيْح بْن عُبَيْد، وقد تقدم. (مِسْطَح بْن أُثَاثَة) [٢] بْن عَبَّاد بْن المطّلب [٣] بن عبد مناف المطّلبيّ،

стр. 1668

المذكور في حديث الإفك، شهِد بدرًا والمشاهدَ بعدَها، وكان فقيرًا يُنْفِقُ عليه أَبُو بكر الصِّدِّيق. قَالَ ابن سعد [١] : كان قصيرًا شثن الأصابع، غائر العينين، عاش ستًّا وخمسين سنة. (أَبُو سُفيان بْن حَرْب) فيما قَالَ المدائنيّ، وقد تقدم. أَبُو طَلْحة الأنصاريّ [٢] ع [٣] واسمه زيد بْن سهل بْن الأسود، أحد بني مالك بْن النّجّار، كان من النُّقَباء ليلةَ العقبة، شهد بدرا والمشاهد بعدها.

стр. 1669

روى عنه ابن زوجته أَنَس بْن مالك، وزيد بْن خالد الجُهَنّي، وابنه عبد الله بن أبي طلْحة، وابن عبّاس، وغيرهم. وسرد الصَّوم بعد النّبيّ ﷺ ، وغزا بحرَ الشام فمات فيه في السّفينة، وقيل: تُوُفيّ بالمدينة، وصلّى عليه عثمان. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صوت أبي طلْحة في الجيش خير من مائة» [١] . وقال أَنْس: قتل أَبُو طلحة يوم حُنَيْن عشرين رجلًا وأخذ أسلابَهُم [٢] ، وكان أكثرَ الأنصار مالًا. وَقَالَ عليّ بْن زيد: سمعت أنسًا يَقُولُ: كان أَبُو طلحة يجثو بين يديْ رسول الله ﷺ وينثر كِنَانَتَه ويقول: وجهي لوجهك الوقاء [٣] ، ونفسي لنفسك الفِداء [٤] . قَالَ ابن سعد: كان آدم مربوعًا يغيّر شَيْبَه [٥] . وعن أَنْس قَالَ: كان أَبُو طلحة يأكل البرد وهو صائم ويقول: ليس

стр. 1670

بطعامٍ ولا شراب. إسناده صحيح [١] . وَقَالَ عليّ بن زيد بن جدعان، عن أنس قال: قرأ أبو طلحة: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ٩: ٤١ [٢] فَقَالَ: مَا استمع الله عُذْرَ أحد، فخرج إلى الْغَزْوِ وهو شيخ كبير [٣] . وصحّ عَنْ أَنْس أنّه غزا البحر فمات، فلم يجدوا جزيرةً إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه ولم يتغيّر [٤] . وَقَالَ أَنْس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حلق رأسه وأعطى شقّ رأسه أبا طلحة [٥] . وقد أبلى أَبُو طلحة بلاءً عظيمًا يوم أُحُد كما تقدّم. قَالَ الواقِديّ [والمدائني] [٦] وجماعة: تُوُفيّ سنة أربعٍ وثلاثين. وَقَالَ خليفة [٧] : سنة اثنتين وثلاثين.

стр. 1671

(أبو عبس) [١]- خ ت ن- بن جبر [٢] بْن عَمْرو الأنصاريّ الَأوْسيّ. اسمه على الأصحّ عبد الرحمن، وكان اسمه عبد العُزَّى فغيَّره رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ من قَتَلَةِ كعب بْن الأشرف اليهوديّ. شهِد بدْرًا وغيرها [٣] . روى عنه ابنه زيد، وحفيده أَبُو عبس بْن محمد، وعَبَاية بْن رِفاعة، وغيرهم. وتُوُفيّ بالمدينة، وصلّى عليه عثمان. وفيها وُلد (زين العابدين) [٤] عليّ بْن الحُسَيْن [٥] .

стр. 1672

سَنَة خَمسْ وَثَلَاثيْن فيها غزوة ذي خُشُب [١] وأمير المُسْلِمين عليها معاوية [٢] . وفيها حجّ بالنّاس وأقام الموسمَ عبدُ الله بْن عباس [٣] . وفيها مَقْتَلُ عثمان ﵁: خرج المصرّيون وغيرهم على عثمان وصاروا إليه ليخلعوه من الخلافة. قَالَ إسماعيل بْن أبي خالد: لمّا نزل أهل مصر الجُحْفَة، وَأَتَوْا يعاتبون عثمانَ صعِد عثمانُ المِنْبَر فَقَالَ: جزاكم اللَّهُ يا أصحاب محمد عنّي شرًّا: أَذَعْتُمُ السَّيِّئةَ وكتمتم الْحَسَنَةَ، وأغريتم بي سُفَهاءَ النّاس، أيُّكُم يذهب إلى هؤلاء القوم فيسألهم مَا نقموا وما يريدون؟ قَالَ ذلك ثلاثًا ولا يُجيبه أحد. فقام عليٌّ فَقَالَ: أنا، فَقَالَ عثمان: أنت أقربهم رَحِمًا، فأتاهم فرحّبوا به، فَقَالَ: مَا الَّذِي نَقَمْتُم عليه؟ قالوا: نَقَمْنا أنّه محا كتاب الله-

стр. 1673

يعني كونه جمع الأمَّة على مُصْحَفٍ [١]-، وحمى الْحِمَى [٢] ، واستعمل أقرباءه، وأعطى مروان مائة ألف [٣] ، وتناول أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فردّ عليهم عثمان: أمّا القرآن فمن عند الله، إنّما نهيتُكم عَنِ الاختلاف فاقرءوا عليَّ أيَّ حرفٍ شئتم، وأمّا الْحِمَى فو الله مَا حميته لإبلي ولا لغنمي، وإنما حميْتُه لإِبل الصَّدَقَةِ. وأمّا قولُكم: إنّي أعطيت مروان مائة ألف. فهذا بيت ما لهم فلْيستعملوا عليه من أحبَّوا، وأمّا قولُكم: تناول أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فإنّما أنا بشر أغضب وأرضى، فمن ادَّعَى قبلي حقّا أو مظلمة فها أنا ذا، فإنْ شاء قَوَدًا وإنْ شاء عَفْوًا. فرضي النّاس واصطلحوا ودخلوا المدينة. وَقَالَ محمد بْن سعد: قالوا رحل من الكوفة إلى المدينة: الأشتر النَّخَعِيّ- واسمه مالك بْن الحارث-، ويزيد بْن مكفّف [٤] ، وثابت بْن قيس، وَكُمَيْلُ بْن زياد، وزيد، وصعصعة ابنا صُوحان، والحارث الأعور،

стр. 1674

وجُنْدُب بْن زُهَير، وأصفر بْن قيس، يسألون عثمان عزْلَ سعيد بْن العاص عنهم. فرحل سعيد أيضًا إلى عثمان فوافقهم عنده، فأبى عثمان أن يعزله، فخرج الأشتر من ليلته في نفرٍ، فسار عشرًا إلى الكوفة واستولى عليها وصعد المنبر عليها فَقَالَ: هذا سعيد بْن العاص قد أتاكم يزعم أنّ السَّواد بستان لأغيلمة من قريش، والسّواد مساقط رءوسكم ومراكزُ رِماحِكم، فمن كان يرى للَّه عليه حقًّا فلْينهض إلى الجَرَعة [١] ، فخرج النّاس فعسكروا بالجَرَعَة، فأقبل سعيد حتى نزل العّذَيب [٢] ، فجهّز الأشتر إليه ألفَ فارسٍ مع يزيد بْن قيس الأرحبيّ، وعبد الله بْن كِنَانَة العبْدِيّ، فَقَالَ: سيروا وأزعِجاه وألْحِقاه بصاحبه، فإنْ أَبَى فاضْرِبا عُنُقَه، فَاتَيَاهُ، فلمّا رأى منهما الجدّ رجع. وصعد الأشترُ منبرَ الكوفة وَقَالَ: يا أهل الكوفة مَا غضبت إلّا للَّه ولكم، وقد ولَّيت أبا موسى الأشعريّ صلاتَكم، وحُذَيْفَة بْن اليَمَان فَيْئَكُم، ثمّ نزل وَقَالَ: يا أبا موسى اصعَدْ، فَقَالَ: مَا كنت لأفعل، ولكنْ هَلُمُّوا فبايعوا لأمير المؤمنين وجدّدوا البيعة في رِقابكم، فأجابه النّاس. وكتب إلى عثمان بما صنع، فأعجب عثمان، فَقَالَ عُتْبَة بْن الوعل شاعر الكوفة: تصدَّقْ علينا يا بنَ عفّان واحتسِبْ ... وَأْمُرْ علينا الأشْعَريَّ لَيالِيا فَقَالَ عثمان: نعم وشهورا وسنين إنْ عِشْتُ، وكان الَّذِي صنع أهل الكوفة بسعيد أول وَهْنٍ دخل على عثمان حين اجترئ عليه. وعن الزُّهْرِيّ قَالَ: وُلِّيَ عثمان، فعمل ستّ سِنين لَا ينقم عليه النّاس شيئًا، وإنّه لأحبّ إليهم من عُمَر، لأنّ عُمَر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم

стр. 1675

عثمان لان لهم ووَصَلَهم، ثمّ إنّه توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّتَ الأواخر، وكتب لمروان بخُمْس مصر أو بخُمْس إفريقية، وآثر أقرباءه بالمال، وتأوّل في ذلك الصِّلة التي أمر الله بها. واتّخذ الأموال، واستسلف من بيت المال، وَقَالَ: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك مَا هو لهما، وإنّي أخذته فقسَّمته في أقربائي، فأنكر النّاس عليه ذلك [١] . قلت: وممّا نقموا عليه أنّه عزل عُمَيْر بْن سعد عَنْ حمص، وكان صالحًا زاهدًا، وجمع الشام لمعاوية، ونزع عَمْرو بْن العاص عَنْ مصر، وأمَّر ابن أبي سَرْحٍ عليها، ونزع أبا موسى الأشعريّ عَنِ البصرة، وأمرّ عليها عبد الله بْن عامر، ونزع المُغِيرَة بْن شُعْبة عَنِ الكوفة وأمّر عليها سعيد بْن العاص. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الفضل: ثنا عمرو بن مرة، عن سالم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: دَعَا عُثْمَانُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ وَأُحِبُّ أَنْ تَصْدُقُونِي: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَيُؤْثِرُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ؟ فَسَكَتُوا، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ بِيَدِي مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ لأَعْطَيْتُهَا بَنِي أُمَيَّةَ حَتّى يَدْخُلُوهَا. وعن أبي وائل أنّ عبد الرحمن بْن عَوْف كان بينه وبين عثمان كلّام فأرسل إليه: لِمَ فَرَرْتَ يوم أُحُد وتخلَّفْت عَنْ بدْر وخالفت سنة عمر؟ فأرسل إليه: تخلفت عن بدر لأنّ بنتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ شغلتني بمرضها، وأمّا يوم أُحُد فقد عفا الله عنّي، وأمّا سنّة عمر فو الله مَا استطعتها أنا ولا أنت. وقد كان بين عليّ وعثمان شيءٌ فمشى بينهما العباس فقال عليّ: والله لو أمرني

стр. 1676

أن أخرج [من داري] [١] لفعلت، فأمّا أُدَاهِن أنْ لَا يُقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقْعَسِيِّ [٢] قَالَ: لَمَّا خَرَجَ ابْنُ السَّوْدَاءِ إِلَى مِصْرَ نَزَلَ عَلَى كِنَانَةَ بْنِ بِشْرٍ مَرَّةً، وَعَلَى سودانَ بْنِ حُمْرَانَ مَرَّةً، وانقطع إلى الغافقيّ فشجّه الْغَافِقِيِّ فَكَلَّمَهُ، وَأَطَافَ بِهِ خَالِدُ بْنُ مُلْجِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَزِينٍ [٣] ، وَأَشْبَاهٌ لَهُمْ، فَصَرَفَ لَهُمُ الْقَوْلَ، فَلَمْ يَجِدْهُمْ يُجِيبُونَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِنَابِ الْعَرَبِ وَحِجْرِهِمْ، وَلَسْنَا مِنْ رِجَالِهِ، فَأَرُوهُ أَنَّكُمْ تَزْرَعُونَ، وَلا تَزْرَعُوا الْعَامَ شَيْئًا حَتَّى تَنْكَسِرَ مِصْرُ، فَتَشْكُوهُ إِلَى عُثْمَانَ فَيَعْزِلُهُ عَنْكُمْ، وَنَسْأَلُ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ونخلو بِمَا نُرِيدُ، وَنُظْهِرُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ أَسْرَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يتيما في حجر عثمان، فكبر، وَسَأَلَ عُثْمَانَ الْهِجْرَةَ إِلَى بَعْضِ الأَمْصَارِ، فَخَرَجَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ الْعَمَلَ فَقَالَ: لَسْتَ هُنَاكَ. قَالَ: فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ابْنُ السَّوْدَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُم، وَشَكَوْا عَمْرًا وَاسْتَعْفَوْا مِنْهُ، وَكُلَّمَا نَهْنَهَ [٤] عُثْمَانُ عَنْ عَمْرٍو قَوْمًا وَسَكَّتَهُمُ انْبَعَثَ آخَرُونَ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَكُلُّهُمْ يَطْلُبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: أَمَّا عَمْرٌو فَسَنَنْزِعُهُ عَنْكُمْ وَنُقِرُّهُ عَلَى الْحَرْبِ، ثُمَّ وُلِّيَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ خَرَاجَهُمْ، وَتَرَكَ عَمْرًا عَلَى الصَّلاةِ فَمَشَى فِي ذَلِكَ سودَانُ، وَكِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَخَارِجَةُ، فِيمَا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن سعد، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَغْرَوْا بَيْنَهُمَا حَتَّى تَكَاتَبَا عَلَى قَدْرِ مَا أَبْلَغُوا كُلَّ وَاحِدٍ. وَكَتَبَا إلى

стр. 1677

عُثْمَانَ، فَكَتَبَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إِنَّ خَرَاجِي لا يَسْتَقِيمُ مَا دَامَ عَمْرٌو عَلَى الصَّلاةِ. وَخَرَجُوا فَصَدَّقُوهُ وَاسْتَعْفَوْا مِنْ عَمْرٍو، وَسَأَلُوا ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى عَمْرٍو: أَنَّهُ لا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ يَكْرَهُكَ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ جَمَعَ مِصْرَ لابْنِ أَبِي سَرْحٍ. وقد رُوِيَ أنّه كان بين عمّار بْن ياسر، وبين عبّاس بْن عُتْبَة بْن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان. وَقَالَ سَيْفٌ، عَنْ مُبَشِّرٍ، وَسَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَدِمَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ مِصْرَ وَأَبِي شَاكٍ، فَبَلَغَهُ، فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ أَدْعُوهُ، فَقَامَ مَعِي وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَسِخَةٌ وَجُبَّةُ فِرَاءَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ إِنْ كُنْتَ فِينَا لَمِنْ أهل الخير، فما الّذي بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ سَعْيِكَ فِي فَسَادٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّأْلِيبِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَعَكَ عَقْلُكَ أَمْ لا: فَأَهْوَى عَمَّارٌ إِلَى عِمَامَتِهِ وَغَضِبَ فَنَزَعَهَا وَقَالَ: خَلَعْتُ عُثْمَانَ كَمَا خَلَعْتُ عِمَامَتِي هَذِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) ٢: ١٥٦ وَيْحَكَ حِينَ كَبِرَتْ سِنُّكَ وَرَقَّ عَظْمُكَ وَنَفِدَ عُمْرُكَ خَلَعْتَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِكَ وَخَرَجْتَ من الدّين عريانا، فَقَامَ عَمَّارٌ مُغْضَبًا مُوَلِيًّا وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرَبِّي مِنْ فِتْنَةِ سَعْدٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَلا في الفتنة سقطوا، اللَّهمّ زد عُثْمَانَ بِعَفْوِهِ وَحِلْمِهِ عِنْدَكَ دَرَجَاتٍ، حَتَّى خَرَجَ عَمَّارٌ مِنَ الْبَابِ، فَأَقْبَلَ عَلَى سَعْدٍ يَبْكِي حَتَّى اخْضَلَّ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: مَنْ يَأْمَنِ الْفِتْنَةَ يَا بُنَّيَّ لا يَخْرُجَنَّ مِنْكَ مَا سَمِعْتَ منه، فإنّه مِنَ الأَمَانَةِ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ النَّاسُ عَلَيْهِ يَتَنَاوَلُونَهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ مَا لَمْ تَغَلَّبْ عَلَيْهِ دَلْهَةُ [١] الْكِبَرِ» [٢] ، فَقَدْ دله [٣] وخرف.

стр. 1678

وممّن قام على عثمان محمد بْن أبي بكر الصِّدِّيق، فسئل سالم بْن عبد الله فيما قيل عَنْ سبب خروج محمد، قَالَ: الغضب والطَّمَع، وكان من الإسلام بمكان، وغرَّه أقوامٌ فطمِع، وكانت له دالَّة [١] ، ولزِمَهُ حقٌّ، فأخذه عثمان من ظهره. وحجّ معاوية، فقيل إنّه لمّا رأى لِينَ عثمانَ واضطّراب أمرِه قَالَ: انطلِقْ معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لَا قِبَل لك به، فإنّ أهل الشام على الطّاعة، فَقَالَ: إنا لَا أبيع جوارَ رسول الله ﷺ بشيءٍ وإنْ كان فيه قطْعُ خَيْطِ عُنُقي، قَالَ: فأبعثُ إليك جُنْدًا، قَالَ: أنا أقُتِّر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاقَ بجُنْدٍ تُساكِنُهُم! قَالَ: يا أمير المؤمنين واللَّهِ لَتُغْتَالَنَّ ولَتُغْزَيَنَّ، قَالَ: (حَسْبيَ اللَّهُ ونِعْم الوكيل) [١] . وقد كان أهل مصر بايعوا أشياعهم من أهل الكوفة والبصْرة وجميع من أجابهم، واتَّعَدُوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم لهم ذلك، لكنّ أهل الكوفة ثار فيهم يزيد بْن قيس الأرحبيّ واجتمع عليه ناس، وعلى الحرب يَوْمَئِذٍ القَعْقَاع بن عمرو، فأتاه وأحاط الناس بهم فناشدوهم، وقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء، فو الله إنّي لَسَامعٌ مُطيعٌ، وإنّي لازمٌ لجماعتي إلّا أني أستعفي من إمارة سعيد، ولم يُظْهِرُوا سوى ذلك، واستقبلوا سعيدًا فردّوه من الجَرعَة، واجتمع النّاس على أبي موسى فأقرّه عثمان.

стр. 1679

ولمّا رجع الأمراء لم يكن للسّبائّية [١] سبيل إلى الخروج من الأمصار، فكاتبوا أشياعهم أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنّهم يأمرون بالمعروف، وأنّهم يسألون عثمان عَنْ أشياء لتطِيرَ في النَّاس ولتُحَقَّقَ عليه، فَتَوافوا بالمدينة، فأرسل عثمان رجلين من بني مخزوم ومن بني زهرة فقال: انظرا مَا يريدون، وكانا ممّن ناله من عثمان أدبٌ، فاصطبرا للحقّ ولم يَضْطَغِنا، فلمّا رأوهما أتوهما [٢] وأخبروهما، فَقَالَا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة، قالا: فكيف تصنعون؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب النَّاس، ثمّ نرجع إليهم ونزعم لهم أنّا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتُبْ، ثمّ نخرج كأنّنا حُجَّاج حتّى نقدِمَ فنحيط به فنخلَعَهُ، فإنْ أبى قتلناه. فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وَقَالَ: اللَّهمّ سلِّم هؤلاء فإنَّك إنْ لم تسلّمهم شَقُّوا [٣] . فامّا عمّار فحمل عليّ عباس بْن أبي لهب [٤] وعَرَكه [٥] ، وأمّا محمد بْن أبي بكر فإنّه أُعْجِب حتّى رأى أنّ الحقوق لَا تلزمه، وأما ابن سارة [٦] فإنّه يتعرّض للبلاء [٧] . وأرسل إلى المصْريّين [٨] والكوفيّين، ونادى: الصّلاة جامِعَة- وهم عنده في أصل المنبر- فأقبل أصحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم بالأمر، وقام الرجلان، فَقَالَ النّاس: اقتل هؤلاء فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1680

قَالَ: «من دعا إلى نفسه أو إلى أحدٍ، وعلى النَّاس إمامٌ فعليه لعنةُ الله، فاقتلوه» [١] . وَقَالَ عثمان: بل نعفو ونقبل، ونبصِّرُهم بجهدنا، إنّ هؤلاء قالوا: أتمّ الصلاة في السّفر، وكانت لَا تُتَمّ، ألا وإني قدِمتُ بلدًا فيه أهلي فأتممت لهذا. قالوا: وحميت الحِمَى، وإنّي واللَّهِ مَا حَمَيْتُ إلّا مَا حُمِيَ قبلي، وإني قد وُلِّيتُ وإنّي لَأكْثَرُ العرب بعيرا وشاء، فما لي اليوم غيرُ بعيرَيْن لحَجَّتي، أكذلك؟ قالوا: نعم. قَالَ: وقالوا: كان القرآن كُتُبًا فتركها إلّا واحدًا، ألا وإنّ القرآنَ واحدٌ جاء من عند واحدٍ، وإنّما أنا في ذلك تابعٌ هؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنّي رددت الحَكَمَ [٢] وقد سيّره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطّائف ثمّ ردّه، فرسول الله ﷺ سيّره وهو ردَّه، أفَكَذاك؟ قالوا: نعم. وقالوا: استعملت الأحداثَ. ولم أستعمِل إلّا مُجْتَمَعًا مَرْضِيًّا [٣] ، وهؤلاء أهل عملي [٤] فسلوهم، وقد ولّي من قبلي أحدثَ منه، وقيل في ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشد ممّا قيل لي في استعماله أُسامة، أكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنّي أعطيت ابنَ أبي سَرْح مَا أفاء الله عليه، وإنّي إنّما نفلته

стр. 1681

خُمْس الخُمْسِ، فكان مائة ألف، وقد نَفَل [١] مثل ذلك أَبُو بكر وعمر، وزعم الجُنْد أنّهم يكرهون ذلك فردَدْتُهُ عليهم، وليس ذلك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنّي أحبّ أهلي وأعطيهم، فأمّا حبّهم فلم يوجب جورا، وأمّا إعطاؤهم، فإنّما أُعطيهم من مالي. ولا أستحلُّ أموالَ المُسْلِمين لنفسي ولا لأحدٍ. وكان قد قسم ماله وأرضه في بني أُميَّة، وجعل ولده كبعض من يُعطَى [٢] . قَالَ: ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم، قَالَ: فتكاتبوا وتواعدوا إلى شوَّال، فلمّا كان شوَّال خرجوا كالحُجَّاج حتّى نزلوا بقرب المدينة، فخرج أهل مصر في أربعمائة، وأمراؤهم عبد الرحمن بْن عُدَيْس البَلَوِيّ، وكِنَانة بْن بِشْر اللَّيْثي، وسُودان بْن حُمْران السَّكُونيّ، [وقُتَيْرة السَّكُونيّ] [٣] ، ومقدّمهم الغافقيّ بْن حرب الْعَكْي، ومعهم ابن السَّوْداء. وخرج أهل الكوفة في نحو عدد أهل مصر، فيهم زيد بْن صُوحان العَبْدِيّ، والأشتر النَّخَعِيّ، وزياد بْن النَّضْر الحارثي، وعبد الله بْن الأصَمّ، ومقدّمهم عمرو بْن الأصم. وخرج أهل البصرة وفيهم حُكَيْم بْن جَبَلَة، وذريح بْن عبّاد العبديّان، وبِشْر بْن شُرَيْح القَيْسي، وابن مُحَرِّش الحنفيّ، وعليهم حرقوص بن زهير السّعديّ.

стр. 1682

فأمّا أهل مصر فكانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهل البصرة فكانوا يشتهون الزُّبَيْر، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون طَلْحَةَ، وخرجوا ولا تشكُّ كلُّ فِرْقةٍ أن أمرها سيتمّ دون الأخرى، حتّى كانوا من المدينة على ثلاثٍ، فتقدّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب. وتقدّم ناسٌ من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص [١] ، وجاءهم أُناسٌ من أهل مصر، ونزل عامَّتُهم بذي المَرْوَة، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهلِ مصر زياد بْن النّضْر، وعبد الله بْن الأصَمّ ليكشفوا خبرَ المدينة، فدخلا فلقيا أزواج النّبيّ ﷺ ، وطلحةً، والزُّبَيْر، وعليًّا، فَقَالَا: إنّما نَؤُمُّ هذا البيتَ، ونستعفي من بعض عمّالنا، واستأذنوهم للنّاس بالدخول، فكلُّهم أَبَى وَنَهَى. فرجعا، فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوا عليًّا، ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا الزُّبَيْر، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا طلحة [٢] ، وقال كلّ فريقٍ منهم: إنْ بايعنا صاحِبَنا وإلّا كِدْناهم وفرَّقْنا جماعتَهم، ثمّ كَرَرْنا حتَّى نَبْغَتَهُم. فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزَّيت، وقد سرَّح ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلّم على عليٍّ المصريون، وعرضوا له، فصاح بهم وطردهم وَقَالَ: لقد علم الصّالحون أنّكم ملعونون، فارجِعُوا لَا صَحِبَكُم الله، فانصرفوا، وفعل طلْحة والزُّبَيْر نحو ذلك. فذهب القوم وأظهروا أنهم راجعون إلى بلادهم، فذهب أهلُ المدينة إلى منازلهم، فلمّا ذهب القوم إلى عساكرهم كرّوا بهم، وبغتوا أهل المدينة

стр. 1683

ودخلوها، وضجُّوا بالتّكبير، ونزلوا في مواضع عساكرهم [١] ، وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كفَّ يدَه فهو آمن. ولزِمَ النَّاس بيوتهم، فأتى عليّ ﵁ فَقَالَ. مَا رَدَّكُم بعد ذَهَابِكم؟ قالوا: وجدنا مع بريدٍ كتابًا بقتْلِنا، وَقَالَ الكوفيّون والبصريّون: نحن نمنع إخواننا وننصرهم. فعلم النَّاس أنّ ذلك مكرٌ مِنهم. وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدُّهم، فساروا إليه على الصَّعْب والذّلُول، فبعث معاوية إليه حبيب بْن مسْلَمَة، وبعث ابنُ أبي سَرْح معاوية بْن حُدَيْج [٢] وسار إليه من الكوفة القعْقاع بْن عمرو. فلما كان يوم الجمعة صلّى عثمان بالنّاس وخطب فَقَالَ: يا هؤلاء الغُزَّاء [٣] الله الله، فو الله إنّ أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فامْحُوا الخطأ بالصواب، فإنّ الله لَا يمحو السّيّءَ إلّا بالحسن، فقام محمد بْن مسْلَمَة فَقَالَ: أنا أشهد بذلك، فأقعده حُكَيْم بْن جَبَلَة، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحيةٍ أخرى محمد بْن أبي قُتَيْرَة [٤] فأقعده وتكلّم فأفظَع، وثار القوم بأجمعهم. فحصبوا النّاس حتى أخرجوهم [٥] ، وحصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّا عليه، فاحتمل وأدخل الدّار.

стр. 1684

وكان المصريون لَا يطمعون في أحدٍ من أهل المدينة أن ينصرهم إلّا ثلاثة، فإنّهم كانوا يُراسلونهم، وهم: محمد بْن أبي بكر الصِّدِّيق، ومحمد بْن جعفر، وعمّار بْن ياسر. قَالَ واستقتل أُناس: منهم زيد بْن ثابت، وأبو هُرَيْرَةَ، وسعد بْن مالك، والحسن بْن عليّ، ونهضوا لنُصْرة عثمان، فبعث إليهم يعزم عليهم لمّا انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليّ حتّى دخل على عثمان هو وطلْحَة والزُّبَيْر يعودونه من صَرْعَتِه، ثُمَّ رجعوا إلى منازلهم [١] . وَقَالَ عمرو بْن دينار، عَنْ جابر قَالَ: بَعَثَنَا عثمان خمسين راكبًا، وعلينا محمد بْن مسْلَمَة حتى أتينا ذا خُشُب، فإذا رجلٌ مُعَلِّقٌ المُصْحَف في عُنُقه، وعيناه تَذْرِفان، والسيف بيده وهو يَقُولُ: ألا إنّ هذا- يعني المُصْحَف- يأمرنا أن نضرب بهذا، يعني السيف، على مَا في هذا، يعني المُصْحَف، فَقَالَ محمد بْن مسْلَمَة: اجلس فقد ضربنا بهذا على مَا في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكّلِمهم حتّى رجعوا [٢] . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الْمِصْرِييِّنَ لَمَّا أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ عُثْمَانَ دَعَا عُثْمَانُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَارْدُدْهُمْ وَأَعْطِهِمُ الرِّضَا، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ أَرْبَعَةً: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ، وَسُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الحمق الخزاعيّ، وابن النّباع [٣] ،

стр. 1685

فَأَتَاهُمُ ابْنُ مَسْلَمَةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْبُوَيْبِ [١] رَأَوْا جَمَلًا عَلَيْهِ ميسم الصّدقة، فأخذوه، فإذا غلام لِعُثْمَانَ، فَفَتَّشُوا مَتَاعَهُ، فَوَجَدُوا قَصَبَةً مِنْ رَصَاصٍ، فِيهَا كَتَابٌ فِي جَوْفِ الإِدَاوَةِ [٢] فِي الْمَاءِ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنِ افْعَلْ بِفُلانٍ كَذَا، وَبِفُلانٍ كَذَا، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ شَرَعُوا فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، فَرَجَعَ الْقَوْمِ ثَانِيَةً وَنَازَلُوا عُثْمَانَ وَحَصَرُوهُ [٣] . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْكَرَ عُثْمَانُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ وَقَالَ: فُعِلَ ذَلِكَ بِلا أَمْرِي [٤] . وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد مولى أبي أُسَيْد، فذكر طَرَفًا من الحديث [٥] ، إلى أن قَالَ: ثُمَّ رجعوا راضين، فبينما هم بالطريق ظفروا برسولٍ إلى عامل مصر أن يُصَلِّبهم ويفعل [٦] ، فردّوا إلى المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدّو الله، فقُم معنا، قَالَ: واللَّهِ لَا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قَالَ: واللَّهِ مَا كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض. وخرج عليٌّ من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: أَكَتَبْتَ فينا بكذا؟ فَقَالَ: إنّما هما اثنان، تُقِيمون رجلين من المسلمين- يعني شاهدين-، أو
следующие страницы →