← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

خُمْس الخُمْسِ، فكان مائة ألف، وقد نَفَل [١] مثل ذلك أَبُو بكر وعمر، وزعم الجُنْد أنّهم يكرهون ذلك فردَدْتُهُ عليهم، وليس ذلك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إنّي أحبّ أهلي وأعطيهم، فأمّا حبّهم فلم يوجب جورا، وأمّا إعطاؤهم، فإنّما أُعطيهم من مالي. ولا أستحلُّ أموالَ المُسْلِمين لنفسي ولا لأحدٍ. وكان قد قسم ماله وأرضه في بني أُميَّة، وجعل ولده كبعض من يُعطَى [٢] . قَالَ: ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم، قَالَ: فتكاتبوا وتواعدوا إلى شوَّال، فلمّا كان شوَّال خرجوا كالحُجَّاج حتّى نزلوا بقرب المدينة، فخرج أهل مصر في أربعمائة، وأمراؤهم عبد الرحمن بْن عُدَيْس البَلَوِيّ، وكِنَانة بْن بِشْر اللَّيْثي، وسُودان بْن حُمْران السَّكُونيّ، [وقُتَيْرة السَّكُونيّ] [٣] ، ومقدّمهم الغافقيّ بْن حرب الْعَكْي، ومعهم ابن السَّوْداء. وخرج أهل الكوفة في نحو عدد أهل مصر، فيهم زيد بْن صُوحان العَبْدِيّ، والأشتر النَّخَعِيّ، وزياد بْن النَّضْر الحارثي، وعبد الله بْن الأصَمّ، ومقدّمهم عمرو بْن الأصم. وخرج أهل البصرة وفيهم حُكَيْم بْن جَبَلَة، وذريح بْن عبّاد العبديّان، وبِشْر بْن شُرَيْح القَيْسي، وابن مُحَرِّش الحنفيّ، وعليهم حرقوص بن زهير السّعديّ.

стр. 1682

فأمّا أهل مصر فكانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهل البصرة فكانوا يشتهون الزُّبَيْر، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون طَلْحَةَ، وخرجوا ولا تشكُّ كلُّ فِرْقةٍ أن أمرها سيتمّ دون الأخرى، حتّى كانوا من المدينة على ثلاثٍ، فتقدّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب. وتقدّم ناسٌ من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص [١] ، وجاءهم أُناسٌ من أهل مصر، ونزل عامَّتُهم بذي المَرْوَة، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهلِ مصر زياد بْن النّضْر، وعبد الله بْن الأصَمّ ليكشفوا خبرَ المدينة، فدخلا فلقيا أزواج النّبيّ ﷺ ، وطلحةً، والزُّبَيْر، وعليًّا، فَقَالَا: إنّما نَؤُمُّ هذا البيتَ، ونستعفي من بعض عمّالنا، واستأذنوهم للنّاس بالدخول، فكلُّهم أَبَى وَنَهَى. فرجعا، فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوا عليًّا، ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا الزُّبَيْر، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا طلحة [٢] ، وقال كلّ فريقٍ منهم: إنْ بايعنا صاحِبَنا وإلّا كِدْناهم وفرَّقْنا جماعتَهم، ثمّ كَرَرْنا حتَّى نَبْغَتَهُم. فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزَّيت، وقد سرَّح ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلّم على عليٍّ المصريون، وعرضوا له، فصاح بهم وطردهم وَقَالَ: لقد علم الصّالحون أنّكم ملعونون، فارجِعُوا لَا صَحِبَكُم الله، فانصرفوا، وفعل طلْحة والزُّبَيْر نحو ذلك. فذهب القوم وأظهروا أنهم راجعون إلى بلادهم، فذهب أهلُ المدينة إلى منازلهم، فلمّا ذهب القوم إلى عساكرهم كرّوا بهم، وبغتوا أهل المدينة

стр. 1683

ودخلوها، وضجُّوا بالتّكبير، ونزلوا في مواضع عساكرهم [١] ، وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كفَّ يدَه فهو آمن. ولزِمَ النَّاس بيوتهم، فأتى عليّ ﵁ فَقَالَ. مَا رَدَّكُم بعد ذَهَابِكم؟ قالوا: وجدنا مع بريدٍ كتابًا بقتْلِنا، وَقَالَ الكوفيّون والبصريّون: نحن نمنع إخواننا وننصرهم. فعلم النَّاس أنّ ذلك مكرٌ مِنهم. وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدُّهم، فساروا إليه على الصَّعْب والذّلُول، فبعث معاوية إليه حبيب بْن مسْلَمَة، وبعث ابنُ أبي سَرْح معاوية بْن حُدَيْج [٢] وسار إليه من الكوفة القعْقاع بْن عمرو. فلما كان يوم الجمعة صلّى عثمان بالنّاس وخطب فَقَالَ: يا هؤلاء الغُزَّاء [٣] الله الله، فو الله إنّ أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فامْحُوا الخطأ بالصواب، فإنّ الله لَا يمحو السّيّءَ إلّا بالحسن، فقام محمد بْن مسْلَمَة فَقَالَ: أنا أشهد بذلك، فأقعده حُكَيْم بْن جَبَلَة، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحيةٍ أخرى محمد بْن أبي قُتَيْرَة [٤] فأقعده وتكلّم فأفظَع، وثار القوم بأجمعهم. فحصبوا النّاس حتى أخرجوهم [٥] ، وحصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّا عليه، فاحتمل وأدخل الدّار.

стр. 1684

وكان المصريون لَا يطمعون في أحدٍ من أهل المدينة أن ينصرهم إلّا ثلاثة، فإنّهم كانوا يُراسلونهم، وهم: محمد بْن أبي بكر الصِّدِّيق، ومحمد بْن جعفر، وعمّار بْن ياسر. قَالَ واستقتل أُناس: منهم زيد بْن ثابت، وأبو هُرَيْرَةَ، وسعد بْن مالك، والحسن بْن عليّ، ونهضوا لنُصْرة عثمان، فبعث إليهم يعزم عليهم لمّا انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليّ حتّى دخل على عثمان هو وطلْحَة والزُّبَيْر يعودونه من صَرْعَتِه، ثُمَّ رجعوا إلى منازلهم [١] . وَقَالَ عمرو بْن دينار، عَنْ جابر قَالَ: بَعَثَنَا عثمان خمسين راكبًا، وعلينا محمد بْن مسْلَمَة حتى أتينا ذا خُشُب، فإذا رجلٌ مُعَلِّقٌ المُصْحَف في عُنُقه، وعيناه تَذْرِفان، والسيف بيده وهو يَقُولُ: ألا إنّ هذا- يعني المُصْحَف- يأمرنا أن نضرب بهذا، يعني السيف، على مَا في هذا، يعني المُصْحَف، فَقَالَ محمد بْن مسْلَمَة: اجلس فقد ضربنا بهذا على مَا في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكّلِمهم حتّى رجعوا [٢] . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الْمِصْرِييِّنَ لَمَّا أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ عُثْمَانَ دَعَا عُثْمَانُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَارْدُدْهُمْ وَأَعْطِهِمُ الرِّضَا، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ أَرْبَعَةً: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ، وَسُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الحمق الخزاعيّ، وابن النّباع [٣] ،

стр. 1685

فَأَتَاهُمُ ابْنُ مَسْلَمَةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْبُوَيْبِ [١] رَأَوْا جَمَلًا عَلَيْهِ ميسم الصّدقة، فأخذوه، فإذا غلام لِعُثْمَانَ، فَفَتَّشُوا مَتَاعَهُ، فَوَجَدُوا قَصَبَةً مِنْ رَصَاصٍ، فِيهَا كَتَابٌ فِي جَوْفِ الإِدَاوَةِ [٢] فِي الْمَاءِ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنِ افْعَلْ بِفُلانٍ كَذَا، وَبِفُلانٍ كَذَا، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ شَرَعُوا فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، فَرَجَعَ الْقَوْمِ ثَانِيَةً وَنَازَلُوا عُثْمَانَ وَحَصَرُوهُ [٣] . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْكَرَ عُثْمَانُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ وَقَالَ: فُعِلَ ذَلِكَ بِلا أَمْرِي [٤] . وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد مولى أبي أُسَيْد، فذكر طَرَفًا من الحديث [٥] ، إلى أن قَالَ: ثُمَّ رجعوا راضين، فبينما هم بالطريق ظفروا برسولٍ إلى عامل مصر أن يُصَلِّبهم ويفعل [٦] ، فردّوا إلى المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدّو الله، فقُم معنا، قَالَ: واللَّهِ لَا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قَالَ: واللَّهِ مَا كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض. وخرج عليٌّ من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: أَكَتَبْتَ فينا بكذا؟ فَقَالَ: إنّما هما اثنان، تُقِيمون رجلين من المسلمين- يعني شاهدين-، أو

стр. 1686

يميني باللَّه الَّذِي لَا إله إلّا هو مَا كتبت ولا علِمْتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنْقَش الخاتم [١] ، فقالوا: قد أحَلَّ اللُه دَمَك، ونُقض [٢] العهد والميثاق، وحصروه في القصر [٣] . وَقَالَ ابن سيرين: إنّ عثمان بعث إليهم عليًّا فَقَالَ: تُعْطَوْن كتاب الله وتُعَتَّبُون من كلّ مَا سخِطْتُم، فأقبل معه ناسٌ من وجوههم، فاصطلحوا على خمسٍ: على أنّ المَنْفيَّ يُقْلب، والمحروم يُعْطَى، ويوفَّر الفَيْء، وَيُعْدَلُ في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوّة، كتبوا ذلك في كتاب، وأن يردّوا ابن عامر إلى البصرة وأبا موسى إلى الكوفة [٤] . وَقَالَ أَبُو الأشهب، عَنِ الحسن قَالَ: لقد رأيتهم تحاصبوا في المسجد حتّى مَا أبصر السماء، وإنّ رجلًا رفع مُصْحَفًا من حُجُرات النّبيّ ﷺ ثمّ نادى: ألم تعلموا أن محمدًا قد بريء ممّن فرَّقُوا دِينَهم وكانوا شيعًا [٥] . وَقَالَ سلّام: سمعت الحسن قَالَ: خرج عثمان يوم الجمعة، فقام إليه رجل فقال: أسألك كتاب الله، فقال: ويْحَك، أليس معك كتاب الله! قَالَ: ثمّ جاء رجلٌ آخر فنهاه، وقام آخر، وآخر، حتّى كَثُرُوا، ثمّ تحاصبوا حتّى لم أر أديمَ السماء [٦] . وروى بِشْر بْن شَغَاف [٧] ، عَنْ عبد الله بْن سلّام قَالَ: بينما عثمان

стр. 1687

يخطُب، فقام رجل فنال منه، فَوَذَأْتُه فاتَّذَأ [١] فَقَالَ رجل: لَا يمنعك مكان ابن سلام أن تسبّ نَعْثَلًا، فإنّه من شيعته، فَقُلْتُ له: لقد قلتَ القولَ العظيم في الخليفة من بعد نوح [٢] . وَذَأْتُه: زَجَرْتُه وقمعتُه. وقالوا لعثمان «نَعْثَلًا» تشبيهًا له برجلٍ مصريّ اسمه نَعْثَل [٣] كان طويل اللّحْية. والنَّعْثَل: الذَّكَر من الضِّباع، وكان عُمَر يُشَبَّه بنوحٍ في الشِّدَّة. وَقَالَ ابن عُمَر: بينما عثمان يخطب إذ قام إليه جَهْجاه الغفاريّ، فأخذ من يده العصا فكسرها على رُكْبَته، فدخلت منها شظِيَّةٌ في رُكِبْته، فوقعت فيها الأكِلَة [٤] . وَقَالَ غيره: ثمّ إنّهم أحاطوا بالدّار وحصروه، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنْ وَجَدْتُمْ فِي الْحَقِّ أَنْ تَضَعُوا رِجْلَيَّ فِي الْقَيْدِ فَضَعُوهُمَا [٥] . وَقَالَ ثُمَامة بْن حَزْن القُشَيْرِيّ: شهِدْتُ الدّار وأشرف عليهم عثمان فَقَالَ: ائتوني بصاحبيكم اللّذين ألَّباكم، فدعيا له كأنّهما جملان أو حماران، فَقَالَ: أنْشُدُكم الله أتعلمون أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قدِم المدينة وليس فيها ماء

стр. 1688

عَذْب غير بئر رومة، فَقَالَ: «من يشتريها فيكون دَلْوُه كدِلاء المُسْلِمين، وله في الجنة خيرٌ منها» فاشتريتُها، وأنتم اليوم تمنعوني أنْ أشرب منها حتّى أشرب من الماء [١] المالح؟ قالوا: اللَّهمّ نعم، قَالَ: أنْشُدُكم الله والإسلام، هل تعلمون أنّ المسجد ضاق بأهله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يشتري بُقْعَةً بخيرٍ له منها في الجنّة» ، فاشتريتُها وزِدْتُها في المسجد، وأنتم تمنعوني اليوم أن أصلي فيها؟ قالوا: اللَّهمّ نعم، قَالَ: أنْشُدُكم الله، هل تعلمون أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان على ثَبِير [٢] مكَة، فتحرك وعليه أَبُو بكر وعمر وأنا، فَقَالَ: «أسْكُنْ فليس عليك إلّا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان» . قالوا: اللَّهمّ نعم، فَقَالَ: الله أكبر شهِدُوا وربَّ الكعبة أنّي شهيد [٣] . ورواه أَبُو سلمة بْن عبد الرحمن بنحْوه، وزاد فيه أنّه جهّز جيش الْعُسْرَةِ [٤] . ثُمَّ قَالَ: ولكنْ طال عليكم أمري فاستعجلتم، وأردتم خلع سِرْبالٍ سَرْبَلَنِيه الله، وإنّي لَا أخلعه حتّى أموت أو أُقْتَلَ [٥] . وعن ابن عُمَر قَالَ: فأشرف عليهم وَقَالَ: عَلَام تقتلونني؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يحل دمُ امرئٍ مسلمٍ إلّا بإحدى ثلاث: كُفْرُ بعد إسلام، أو رجل زَنَى بعد إحصان، أو رجل قتل نفسا» ، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت رجلا ولا كفرت [٦] .

стр. 1689

قَالَ أَبُو أُمَامَة بْن سهل بْن حنيف: إنّي لمع عثمان وهو محصور، فكنّا ندخل إليه مدخلًا- أو أدْخَل إليه الرجل- نسمع كلام من على البلاط، فدخل يوما فيه وخرج إلينا وهو متغيّر اللون فَقَالَ: إنّهم يتوعّدوني بالقتل، فقلنا: يكْفِيكَهُمُ الله [١] . وَقَالَ سَهْلٌ السَّرَّاجُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ عُثْمَانُ: لَئِنْ قَتَلُونِي لَا يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلا يَقْتَسِمُونَ فَيْئًا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلا يُصَلُّونَ جَمِيعًا أَبَدًا [٢] : وَقَالَ مثله عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكنديّ، وزاد فيه: ثمّ أرسل إلى عبد الله بْن سلّام فَقَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: الكَفّ الكَفّ، فإنّه أبلغ لك في الحُجَّة، فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائم ﵁ وأرضاه [٣] . وَقَالَ الحسن: حدّثني وثّاب قَالَ: بعثني عثمان، فدعوت له الأشترَ فَقَالَ: مَا يريد النّاس؟ قَالَ: إحدى ثلاث: يخيِّرُونك بين الخلْع، وبين أن تقتص من نفسك، فإنْ أبيتَ فإنّهم قاتلوك، فَقَالَ: مَا كنت لأخلع سِرْبالًا سَرْبَلَنيِهُ الله، وبدني مَا يقوم لقَصاص [٤] . وَقَالَ حُمَيْد بْن هلال: ثنا عبد الله بْن مُغَفَّلٍ قَالَ: كان عبد الله بْن سلّام يجيء من أرضٍ له على حمارٍ يوم الجمعة، فلمّا حصر عثمان قال: يا أيّها النّاس لا تقتلوا عثمان، واستعتبوه، فو الّذي نفسي بيده ما قتلت أمّة نبيّها

стр. 1690

فصلُح ذات بينهم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ سبعين ألفًا، وما قتلت أمَّةٌ خليفتها فيُصْلِحُ الله بينهم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ أربعين ألفًا، وما هلكت أمّةٌ حتّى يرفعوا القرآن على السلطان، قَالَ: فلم ينظروا فيما قَالَ: وقتلوه، فجلس على طريق عليّ بْن أبي طالب، فَقَالَ له: لَا تأتِ العراق وَالْزَمْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فو الّذي نفسي بيده لئن تركْتَهُ لَا تراه أبدًا، فَقَالَ من حول عليّ: دعنا نقتله، قَالَ: دعوا عبد الله بْن سلّام، فإنّه رجل صالح [١] . قَالَ عبد الله بْن مُغَفَّلٍ: كنت استأمرت عبد الله بْن سلّام في أرضٍ أشتريها. فَقَالَ بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صُلْح فاشْتَرِها. قيل لحُمَيْد بن هلال: كيف ترفعون القرآن على السُّلطان؟ قَالَ: ألم تر إلى الخوارج كيف يتأوَّلُون القرآن على السُّلطان [٢] ؟ ودخل ابن عُمَر على عثمان وهو محصور فَقَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: أرى أن تُعْطِيهم مَا سألوك من وراء عَتَبة بابِك غير أن لَا تَخْلَع نفسَك، فَقَالَ: دونك عَطاءك- وكان واجدًا عليه- فَقَالَ: ليس هذا يوم ذاك. ثمّ خرج ابن عُمَر إليهم فَقَالَ: إيّاكم وقُتِل هذا الشيخ، واللَّهِ لئن قتلتموه لم تحجّوا البيت جميعا أبدا، ولم تجاهدوا عدوّكم جميعا أبدا، ولم تقتسموا فيئكم جميعا أبدا إلّا أن تجتمع الأجسادُ والأهواءُ مختلفة، ولقد رأيتنا وأصحاب رسول الله ﷺ متوافِرون نقول: أَبُو بكر، ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ عثمان. رواه عاصم بْن محمد العُمَرِيّ، عَنْ أبيه، عَنِ ابن عُمَر [٣] . وعن أبي جعفر القاري قَالَ: كان المصريّون الذين حصروا عثمان

стр. 1691

ستمائة: رأسهم كِنَانة بْن بِشْر، وابن عُدَيْس البَلَوِيّ، وعَمْرو بْن الحَمِق، والذين قدموا من الكوفة مائتين، رأسهم الأشتر النَّخَعِيّ، والذين قدموا من البصرة مائة، رأسهم حُكَيْم بْن جَبَلة، وكانوا يدًا واحدة في الشّرّ، وكانت حُثَالةٌ من النَّاس قد ضَووا إليهم، وكان أصحاب النّبيّ ﷺ الذين خذلوه كرِهُوا الفتنة وظنّوا أنّ الأمر لَا يبلغ قتله، فلمّا قُتِل نِدموا على مَا ضيّعوا في أمره، ولَعَمْري لو قاموا أو قام بعضُهم فحثا في وجوه أولئك التّراب لا نصرفوا خاسئين [١] . وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بكّار: حدّثني محمد بْن الحسن قَالَ: لمّا كثُر الطَّعْن على عثمان تنحّى عليٌّ إلى ماله بيَنْبُع [٢] ، فكتب اليه عثمان: أمّا بعد فقد بلغ الحزامُ الطُّبْيَيْن، وبلغ [٣] السَّيْلُ الزُّبي، وبلغ الأمرُ فوق قدْره، وطمع في الأمر من لَا يدفع عَنْ نفسه: فإن كنت مأكولًا فكُنْ خير آكلٍ ... وإلّا فأدْرِكْني ولَمّا أُمَزَّقِ والبيت لشاعر من عبد القيس [٤] . الطّبي: موضع الثّدي من الخيل.

стр. 1692

وَقَالَ محمد بْن جُبَيْر بْن مُطْعم: لمّا حُصر عثمان أرسل إلى عليّ: إنّ ابن عمِّك مقتول، وإنّك لَمَسْلُوب [١] . وعن أبان بْن عثمان قَالَ: لمّا أَلَحُّوا على عثمان بالرَّمْي، خرجتُ حتّى أتيت عليًّا فَقُلْتُ: يا عمّ أهْلَكَتنا الحجارة، فقام معي، فلم يزل يرمي حتى فتر مَنْكِبُهُ، ثُمَّ قَالَ: يا بْن أخي، أجمع حَشَمَك، ثمّ يكون هذا شأنك [٢] . وقال حبيب بن أبي ثابت، عن أبي جعفر محمد بْن عليّ: إن عثمان بعث إلى عليّ يدعوه وهو محصور، فأراد أن يأتيه، فتعلّقوا به ومنعوه، فحسر عمامةً سوداء عَنْ رأسه وَقَالَ: اللَّهمّ لَا أرضى قتْلَه ولا آمُرُ به [٣] . وعن أبي إدريس الخوْلاني قَالَ: أرسل عثمان إلى سعد، فأتاه، فكلَّمه، فَقَالَ له سعد أرسِلْ إلى عليّ، فإنْ أتاك ورضي صَلُح الأمرُ، قَالَ: فأنت رسولي إليه، فأتاه، فقام معه عليّ، فمرّ بمالك الأشتر، فَقَالَ الأشتر لأصحابه: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان، فَقَالَ: واللَّهِ لَئِنْ دخل عليه لَتُقْتَلُنَّ عَنْ آخِرِكم، فقام إليه في أصحابه حتّى اختلجه [٤] عَنْ سعد وأجلسه في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إن كنتم تريدون قتْلَه فأسرِعوا. فدخلوا عليه فقتلوه [٥] . وعن أبي حبيبة قَالَ: لمّا اشتدّ الأمر، قالوا لعثمان- يعني الذين عنده

стр. 1693

في الدّار- أئذَنْ لنا في القتال، فَقَالَ: أعْزِمُ على من كانت لي عليه طاعةٌ أنْ لَا يقاتل [١] . أَبُو حبيبة هو مولى الزُّبَيْر، روى عنه موسى بْن عقبة [٢] . قَالَ محمد بن سعد: ثنا محمد بن عمر، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْوَرِ [٣] ابْنِ مَخْرَمَةَ. (ح) [٤] ، وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. (ح) ، وَثنا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: بَعَثَ عُثْمَانُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ مَحْصُورٌ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُجَهِّزَ إِلَيْهِ جَيْشًا سَرِيعًا. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، رَكِبَ مُعَاوِيَةُ لِوَقْتِهِ هُوَ وَمُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ حُدَيْجٍ، فَسَارُوا مِنْ دِمَشْقَ إِلَى عُثْمَانَ عَشْرًا. فَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقَبَّلَ رَأْسَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَيْنَ الْجَيْشُ؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إلّا في ثلاثة رهط، فقط عُثْمَانُ: لَا وَصَلَ اللَّهُ رَحِمَكَ، وَلا أَعَزَّ نصرك، ولا جزاك خيرا، فو الله لَا أُقْتَلُ إِلَّا فِيكَ، وَلا يُنْقَمُ عَلَيَّ إِلَّا مِنْ أَجْلِكَ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَوْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جَيْشًا فَسَمِعُوا بِهِ عَاجَلُوكَ فَقَتَلُوكَ، وَلَكِنَّ مَعِي نَجَائِبَ، فَاخْرُجْ مَعِي، فَمَا يشعر بي أحد، فو الله ما

стр. 1694

هِيَ إِلَّا ثَلاثٌ حَتَّى نَرَى مَعَالِمَ الشَّامِ، فَقَالَ: بِئْسَ مَا أَشَرْتَ بِهِ، وَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ، فَأَسْرَعَ مُعَاوِيَةُ رَاجِعًا، وَوَرَدَ الْمِسْوَرُ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ بِذِي الْمَرْوَةِ رَاجِعًا. وَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ ذَامٌّ لِمُعَاوِيَةَ غَيْرُ عَاذِرٍ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي حَصْرِهِ الآخِرِ، بَعَثَ الْمِسْوَرَ [١] ثَانِيًا إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيُنْجِدَهُ فَقَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ أَحْسَنَ فَأَحْسَنَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ غَيَّرَ فَغَيَّرَ اللَّهُ بِهِ، فشددتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: تَرَكْتُمْ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ فِي حُنْجُرَته قُلْتُمُ: اذْهَبْ فَادْفَعْ عَنْهُ الْمَوْتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِي، ثُمَّ أَنْزلني فِي مَشْرَبَةٍ [١] عَلَى رَأْسِهِ، فَمَا دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ [٢] . وأمّا سَيْف بْن عُمَر، فروى عَنْ أبي حارثة، وأبي عثمان قالا: لمّا أتى معاوية الخبر أرسل إلى حبيب بْن مسْلَمَة الفِهْرِيّ فَقَالَ: أشِرْ عليَّ برجلٍ مُنَفِّذٍ لأمري، ولا يقصِّر، قَالَ: مَا أعرف لذاك غيري، قَالَ: أنت لها. وجعل على مقدّمته يزيد بْن شجعة [٣] الحِمْيَريّ في ألفٍ وَقَالَ: إنْ قدمت يا حبيب وقد قُتِلَ، فلا تَدَعَنّ أحدًا [٤] أشار إليه ولا أعان عليه إلّا قتلته، وإنْ أتاك الخبر قبل أن تصل، فأقمْ حتّى انظر، وبعث يزيد بْن شجعة في ألفٍ على البغال، يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الرَّوَايَا فأغذَّ السَّير، فأتاه قتْلُهُ بقُربْ خيْبَرَ. ثمَّ أتاه النُّعمان بْن بشير، معه القميص الَّذِي فيه الدّماء وأصابع امرأته نائلة، قد قطعوها بضربة سيف، فرجعوا، فنصب معاوية القميص

стр. 1695

على منبر دمشق، والأصابع معلّقة فيه، وآلى رجالٌ من أهل الشّام لَا يأتون النّساء ولا يمسُّون الْغُسْلَ إلّا من حُلُم، ولا ينامون على فراشٍ حتّى يقتلوا قَتَلَةَ عثمان، أو تَفْنَى أرواحهُم، وبَكَوْه سنةً [١] . وَقَالَ الأوزاعيّ: حدثني محمد بْن عبد الملك بْن مروان، أنّ المغيرة ابن شُعْبَة، دخل على عثمان وهو محصور فَقَالَ: إنّك إمام العامَّة، وقد نزل بك مَا نرى، وإني أعرض عليك خِصالًا: إمّا أنْ تخرج تقاتلهم، فإنّ معك عددًا وقوّة. وإمّا أنْ تَخْرق لك بابًا سوى الباب الَّذِي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتَلْحق بمكة، فإنَّهم لن يستحلُّوك وأنت بها، وإمّا أن تلحق بالشّام، فإنّهم أهل الشّام، وفيهم معاوية. فَقَالَ: إنّي لن أفارق دار هجرتي، ولن أكون أوّل من خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّته بسفْك الدِّماء [٢] . وَقَالَ نافع، عَنِ ابن عُمَر: أصبح عثمان يحدّث النَّاس قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ في المنام، فَقَالَ: «أفطِرْ عندنا غدًا» فأصبح صائمًا، وقُتِلَ من يومه [٣] . وَقَالَ محمد بْن سيرين: مَا أعلم أحدا يتَّهم عليًّا في قتْل عثمان، وقُتِلَ وإنّ الدَّارَ غاصَّة، فيهم ابن عُمَر، والحسن بْن عليّ، ولكنَّ عثمان عزم عليهم أن لَا يقاتلوا [٤] . ومن وجه آخر. عَنِ ابن سيرين قال: انطلق الحسن والحسين وابن عُمَر، ومروان، وابن الزبير، كلهم شاك السّلاح، حتّى دخلوا على عثمان،

стр. 1696

فقال: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فقال ابن الزبير، ومروان: نحن نعزم على أنفسنا أن لَا نبْرَح، وخرج الآخرون [١] . وَقَالَ ابن سيرين: كان مع عثمان يومئذ في الدّار سبعمائة، لو يَدَعُهُم لَضَرَبوهم حتّى يُخْرِجُوهم من أقطارها [٢] . وروي أنّ الحسن [٣] بْن عليّ مَا راح حتّى خرج [٤] . وقال عبد الله بْن الزُّبَيْر: قلت لعثمان: قاتلهم، فو الله لقد أحلّ الله لك قِتَالهم، فَقَالَ: لَا أقاتلهم أبدًا، فدخلوا عليه وهو صائم. وقد كان عثمان أمَّر ابن الزُّبَيْر على الدار، وَقَالَ: أطيعوا عبد الله بْن الزُّبَيْر [٥] . وَقَالَ ابن سيرين: جاء زيد بْن ثابت في ثلاثمائة مِنَ الأَنْصَار، فدخل على عثمان فَقَالَ: هذه الأنصار بالباب. فَقَالَ: أمّا القتال فلا [٦] . وَقَالَ أَبُو صالح، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: دخلت على عثمان يوم الدَّار فَقُلْتُ: طاب الضَّرْبُ، فَقَالَ: أيَسُرُّك أنْ يُقْتل النّاسُ جميعًا وأنا معهم؟ قلت: لَا، قَالَ [٧] فإنّك إنْ قتلت رجلا واحدا، فكأنّما قتلت النّاس جميعا،

стр. 1697

فانصرفت ولم أقاتل [١] . وعن أبي عَون مولى المِسْوَر قَالَ: مَا زال المصريّون كافّين عَنِ القتال، حتّى قدِمَتْ أمدادُ العراق من عند ابن عامر، وأمداد ابن أبي سَرْحٍ من مصر، فقالوا: نُعاجِلُهُ قبل أن تَقْدَم الأمداد [٢] . وعن مسلم أبي سعيد قَالَ: أعتق عثمان عشرين مملوكًا، ثمّ دعا بسراويل، فشدّها عليه [٣] . ولم يلْبَسْها في جاهلية ولا إسلام، وَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ البارحة، وأبا بكر، وعمر، فَقَالَ: «اصْبِرْ فإنّك تُفْطِر عندنا القابلة» ثمّ نشر الْمُصْحَفَ بين يديه، فقُتِلَ وهو بين يديه [٤] . وَقَالَ ابن عَوْن، عَنِ الحَسَن: أنبأني وثّاب مولى عثمان قَالَ: جاء رُوَيْجل كأنّه ذِئبٌ، فاطَّلع من بابٍ، ثمّ رجع، فجاء محمد بْن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلًا، فدخل حتّى انتهى إلى عثمان، فأخذ بلحيته، فَقَالَ بها حتى سمعتُ وقع أضْراسه، فَقَالَ: مَا أغنى عنك معاوية، مَا أغنى عنك ابن عامر، مَا أغْنتْ عنك كُتُبُك، فَقَالَ: أرسِلْ لِحْيَتي يا بْن أخي، قَالَ: فأنا رأيُتُه استعْدَى رجلًا من القوم عليه يُعِينُهُ، فقام إلى عثمان بمِشْقَصٍ، حتّى وجَأ به في رأسه [٥] ثُمَّ تَعَاوَرُوا عليه حتّى قتلوه [٦] . وعن ريطة مولاة أسامة قالت: كنت في الدّار، إذ دخلوا، فجاء محمد فأخذ بلحية عثمان فَهَزّها، فَقَالَ: يا بْن أخي دَعْ لِحْيَتي لَتَجْذُب مَا يعزُّ على أبيك أن تُؤْذِيها. فرأيته كأنّه استحى، فقام، فجعل بطرف ثوبه هكذا: ألا

стр. 1698

ارجعوا. قالت: وجاء رجلٌ من خلف عثمان بسعفَة رَطْبة، فضرب بها جبهَتَه فرأيت الدم يسيل، وهو يمسحه ويقول: «اللَّهمّ لَا يطلب بدمي غيرك» [١] ، وجاء آخر فضربه بالسَّيف على صدره فأقْعَصَه [٢] ، وتَعَاوَرُوه بأسيافهم، فرأيتُهم ينْتَهِبُون بيته [٣] . وَقَالَ مجالد [٤] ، عَنِ الشَّعْبِيّ قَالَ: جاء رجل من تُجَيْب من المصريين، والنّاس حول عثمان، فاسْتَلَّ سيفه، ثمّ قَالَ: أفْرِجوا، ففرجوا له، فوضع ذباب سيفه في بطْن عثمان، فأمسكت نائلة بنتُ الفَرافصة زوجةُ عثمان السيف لتمنع عنه، فحزّ السيف أصابعها [٥] . وقيل: الَّذِي قتله رجلٌ يقال له حمار [٦] . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تَسَوَّرَ مِنْ دَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى عُثْمَانَ، وَمَعَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَسُودَانُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، فَوَجَدُوهُ عِنْدَ نَائِلَةَ يَقْرَأُ فِي المصحف، فتقدّمهم محمد، فأخذ بلحيته وقال:

стр. 1699

يَا نَعْثَلُ قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنَّنِي عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ، قال: يا بن أَخِي دَعْ لِحْيَتِي، فَمَا كَانَ أَبُوكَ لِيَقْبِضَ عَلَى مَا قَبَضْتَ، فَقَالَ: مَا يُرَادُ بِكَ أَشَدَّ مِنْ قَبْضَتِي، وَطَعَنَ جَنْبَهُ بِمِشْقَصٍ، وَرَفَعَ كِنَانَةُ مَشَاقِصَ فَوَجَأَ بِهَا فِي أُذُنِ عُثْمَانَ، فَمَضَتْ حَتَّى دَخَلَتْ فِي حَلْقِهِ، ثُمَّ عَلاهُ بِالسَّيْفِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَوْنٍ يَقُولُ: ضَرَبَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ جَبِينَهُ بِعَمُودِ حَدِيدٍ، وَضَرَبَهُ سُودَانُ الْمُرَادِيُّ فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، وَبِهِ رَمَقٌ، وَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ وَقَالَ: ثَلاثٌ للَّه، وَسِتٌّ لِمَا فِي نَفْسِي عَلَيْهِ [١] . وعن المُغِيرَة قَالَ: حصروه اثنين وعشرين يومًا، ثمّ احرقوا الباب، فخرج من في الدّار. وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: فَتَحَ عُثْمَانُ الْبَابَ وَوَضَعَ الْمُصْحَفَ [٢] بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَهَا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لأَوَّلُ كَفٍّ خَطَّتِ الْمُفَصَّلَ [٣] ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَوْتُ الأَسْوَدُ، فَخَنَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بالسّيف، قال: فو الله مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَلْيَنَ مِنْ حَلْقِهِ [٤] ، لَقَدْ خنقته حتّى رأيت نفسه مثل الجان [٥] تردّد في جسده [٦] .

стр. 1700

وعن الزُّهْرِيّ قَالَ: قُتِل عند صلاة العصر، وشدّ عبدٌ لعثمان على كِنانة ابن بِشْر فقتله، وشدّ سودان على العبد فقتله [١] . وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ضربوه فجرى الدَّمُ على المُصْحَف على: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٢: ١٣٧ [٢] . وَقَالَ عمران بْن حُدَيْر، إلّا يكن عبد الله بْن شقيق حدّثني: أنّ أوّل قطرةٍ قطرت [من دمه] [٣] على: فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ٢: ١٣٧ فإنّ أبا حُرَيْث ذكر أنّه ذهب هو وسُهَيْلٌ المُرِّيّ، فأخرجوا إليه الْمُصْحَفَ، فإذا قطرة الدّم على فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ٢: ١٣٧ قَالَ: فإنها في المُصْحَف مَا حُكَّتْ [٤] . وَقَالَ محمد بْن عيسى بْن سُمَيْع [٥] عَنِ ابن أبي ذئب، عَنِ الزُّهْرِيّ: قلت لسعيد بْن المسيب: هل أنت مُخْبري كيف كان قتل عثمان؟ قَالَ: قُتِلَ مظلومًا، ومن خذله كان معذورًا، ومن قتله كان ظالمًا، وإنّه لمّا استُخْلف كره ذلك نفرٌ من الصحابة، لأنه كان يحب قومه ويولّيهم، فكان يكون منهم مَا تُنْكره الصَّحابة فيُسْتَعْتَبُ [فيهم، فلا يعزِلُهُمّ، فلمّا كان في السّتّ الحِجَج الأواخر استأثر ببني عمّه فولّاهم] [٦] وما أشرك معهم، فولّى عبد الله بْن أبي سَرْحٍ مصر، فمكث عليها سنين [٧] ، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه. وقد كان قبل ذلك من عثمان هَنَاتٌ إلى ابن مسعود، وأبي ذرّ

стр. 1701

وعمّار فحنق عليه قومُهم، وجاء المصريون يشكون ابن أبي سَرْح، فكتب إليه يتهدّده فأبى أن يقبل، وضرب بعضَ من أتاه ممّن شكاه فقتله. فخرج من أهل مصر سبعمائة رجلٍ، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى الصَّحابة مَا صنع ابن أبي سَرْح بهم، فقام طلْحة فكلَّم عثمان بكلامٍ شديد، وأرسلت إليه عائشة تقول له: أنصِفهم من عاملك، ودخل عليه عليّ، وكان متكلّم القوم فَقَالَ: إنّما يسألونك رجلًا مكان رجلٍ، وقد ادّعوا قِبَلَه دمًا، فاعزله، واقض بينهم، فَقَالَ: اختاروا رجلًا أُوَلِّه، فأشاروا عليه بمحمد بْن أبي بكر، فكتب عهده، وخرج معهم عددٌ من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سَرْح، فلمّا كان محمد على مسيرة ثلاث من المدينة، إذا هم بغلامٍ أسودٍ على بعيرٍ مسرِعًا، فسألوه، فَقَالَ: وجَّهني أميرُ المؤمنين إلى عامل مصر، فقالوا له: هذا عامل أهلِ مصر، وجاءوا به إلى محمد، وفتَّشوه فوجدوا إداوته تَتَقَلْقَلَ، فشقّوها، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابْن أبي سَرْح، فجمع محمد، من عنده من الصَّحابة، ثمّ فكّ الكتاب، فإذا فيه: إذا أتاك محمد، وفلانٌ، وفلانٌ فاستحِلّ قتْلَهُم، وأبِطل كتابه، واثبتْ على عملك. فلمّا قرءوا الكتاب رجعوا إلى المدينة، وجمعوا طَلْحة، وعليًّا، والزّبير، وسعدًا، وفضُّوا الكتاب، فلم يبق أحدٌ إلّا حنِقَ على عثمان، وزاد ذلك غضبًا وحنقًا أعوانُ أبي ذَرّ، وابن مسعود، وعمّار. وحاصر أولئك عثمان وأجلب عليه محمد بْن أبي بكر ببني تَيْم، فلمّا رأى ذلك عليّ بعث إلى طلْحة، والزُّبَيْر، وعمّار، ثُمَّ دخل إلى عثمان، ومعه الكتاب والغلام والبعير فَقَالَ: هذا الغلام والبعيرُ لك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فهذا كتابك؟ فحلف أنّه مَا كتبه ولا أمر به، قَالَ: فالخاتم خاتمك؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: كيف يخرج غلامك ببعيرك بكتابٍ عليه خاتمك ولا تعلم به!.

стр. 1702

وعرفوا أنّه خطّ مَرْوان. وسألوه أن يدفع إليهم مَرْوان، فأبَى وكان عنده في الدّار، فخرجوا من عنده غِضابًا، وشكّوا في أمره، وعلِمُوا أنّه لَا يحلف بباطلٍ ولزموا بيوتهم. وحاصره أولئك حتّى منعوه الماء، فأشرف يومًا فَقَالَ: أفيكُمٍ عليّ؟ قالوا: لَا، قَالَ: أفيكم سعد؟ قالوا: لَا، فسكت، ثُمَّ قَالَ: ألا أحدٌ يَسْقينا ماء. فبلغ ذلك عليًّا، فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ فجُرح في سببها جماعةٌ حتّى وصلت إليه، وبلغ عليًّا أنّ عثمان يراد قتْلُهُ فَقَالَ: إنّما أردنا منه مروان، فأمّا عثمان، فلا ندع أحدًا يصل إليه. وبعث إليه الزُّبَيْر ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدّةٌ من الصحابة أبناءهم، يمنعون النَّاس منه، ويسألونه إخراج مروان، فلمّا رأى ذلك محمد بْن أبي بكر، ورمى النّاسُ عثمان بالسهام، حتى خُضِب [الحسن] [١] بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم، وخُضِب محمد بْن طلحة، وشُجَّ قَنْبر مولى عليّ. فخشي محمد أن يغضب بنو هاشم خالُ الحسن، فاتّفق هو وصاحباه، وتسوُّروا من دارٍ، حتّى دخلوا عليه، ولا يعلم أحدٌ من أهل الدّار، لأنهم كانوا فوق البيوت، ولم يكن مع عثمان إلّا امرأته. فدخل محمد فأخذ بلِحْيَتِه، فَقَالَ: والله لو رآك أبوك لَساءه مكانُك منّي، فتراخت يدُه، ووثب الرجلان عليه فقتلاه، وهربوا من حيث دخلوا، ثمّ صرخت المرأة، فلم يُسمع صُراخُها لما في الدار من الجلبة. فصعدت إلى النَّاس وأخبرتهم، فدخل الحسن والحسين وغيرهما، فوجدوه مذبوحًا. وبلغ عليًّا وطلحة والزُّبَيْر الخبر، فخرجوا- وقد ذهبت عقولهم- ودخلوا

стр. 1703

فرأوه مذبوحًا، وَقَالَ عليّ: كيف قُتِلَ وأنتم على الباب؟ ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم ابن الزُّبَيْر، وابن طلحة، وخرج غضْبان إلى منزله، فجاء النّاس يُهْرعُون إليه ليُبايعوه، قال: ليس ذاك إليكم، إنما ذاك إلى أهل بدر، فمن رضوه فهو خليفة، فلم يبق أحدٌ من البدريّين إلّا أتى عليًّا، فكان أوّل من بايعه طلحة بلسانه، وسعدٌ بيده، ثُمَّ خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فكان أول من صعد طلحة، فبايعه بيده، ثمّ بايعه الزُّبَيْر وسعد والصّحابة جميعا، ثمّ نزل فدعا النّاسَ، وطلب مروان، فهرب منه هو وأقاربه. وخرجت عائشة باكيةً تقول: قُتِل عثمان، وجاء عليٌّ إلى امرأة عثمان فَقَالَ: مَن قتله؟ قالت: لَا أدري، وأخبرتْهُ بما صنع محمد بن أبي بكر. فسأله عليّ، فقال: تكذِب، قد واللهِ دخلتُ عليه، وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمتُ وأنا تائبٌ إلى الله، واللِه مَا قتلتُهُ ولا أمسكتُهُ، فَقَالَتْ: صَدَق، ولكنّه أدخل اللَّذَيْن قتلاه [١] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [٢] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اجْتَمَعْنَا فِي دَارِ مَخْرَمَةَ لِلْبَيْعَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ: أَمَّا مَنْ بَايَعْنَا مِنْكُمْ فَلا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قِصَاصٍ، فَقَالَ عمّار: أمّا دم عثمان فلا، فقال: يا بن سُمَيَّةَ، أَتَقْتَصُّ مِنْ جَلَدَاتٍ جُلِدْتَهُنَّ، وَلا تَقْتَصُّ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ! فَتَفَرَّقُوا يَوْمَئِذٍ عَنْ غَيْرِ بَيْعَةٍ. وروي عُمَر بْن عَلِيِّ بْن الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مروان: مَا كان في القوم أدفع عَنْ صاحبنا من صاحبكم- يعني عليّا- عن عثمان، قال:

стр. 1704

فَقُلْتُ: مَا بالُكُم تسُبُّونه على المنابر! قَالَ: لَا يستقيم الأمر إلّا بذلك. رواه ابن أبي خَيْثَمَة. بإسناد قويٍّ، عَنْ عُمَر [١] . وَقَالَ الواقِديّ، عَنِ ابن أبي سَبْرَة، عَنْ سعيد بْن أبي زيد، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: كان لعثمان عند خازنه يوم قُتِل ثلاثون ألف ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعيرٍ بالرَّبذَة، وترك صدقاتٍ بقيمة مائتي ألف دينار [٢] . وَقَالَ ابن لهيعة، عَنْ يزيد بْن أبي حبيب قَالَ: بلغني أنّ الركب الذين ساروا إلى عثمان عامَّتُهُم جُنُّوا [٣] . وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ- يَعْنِي عُثْمَانَ- وَلا أَمَرْتُ، وَلَكِنْ غُلِبْتُ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثًا [٤] . وَجَاءَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ [٥] . وَجَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ لَعَنَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ [٦] . وعن الشَّعْبِيّ قَالَ: مَا سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك [٧] :

стр. 1705

فكَفَّ يديه ثُمَّ أغلق بابه ... وأيقن أنّ الله ليس بغافل وَقَالَ لأهل الدّار: لَا تقتلوهم [١] ... عفا الله عَنْ كل [٢] امرئٍ لم يُقاتل فكيف رأيتَ الله صبَّ عليهمُ- ... العداوة والبغضاء بعد التوَّاصُلِ وكيف رأيت الخير أدبر بعده [٣] ... عَنِ النّاس إدبار [٤] النَّعامٍ الْجَوَافِلِ ورثاه حسّانُ بْن ثابت بقوله: مَنْ سَرَّه الموتُ صِرْفًا لَا مِزاجَ له ... فلْيأتِ مأدُبةً [٥] في دار عُثمانا ضحُّوا بأشْمَطَ [٦] عُنْوانُ السُّجُود به ... يقطّع اللّيل تسبيحا وقُرآنا [٧] صبْرًا فِدًى لكم أمّي وما وَلَدَتْ ... قد ينفع الصَّبْرُ في المكروه أحيانا لَتَسْمَعَنَّ وَشِيكًا في ديارهُم: ... الله أكبر يا ثاراتِ عثمانا

стр. 1706

الوفيَّات وممّن [١] تُوُفّي في هذه السنة: س- (الْحَارِثِ بْن نَوْفَلِ) [٢] بْن الْحَارِثِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْن هاشم الهاشميّ. له صُحبة. واستعمله النّبيّ ﷺ على بعض صَدَقات مكّة، وبعض أعمال مكة. ثُمَّ استعمله أَبُو بكر، وعمر، وعثمان، على مكة. ثُمَّ انتقل إلى البصرة، وَبَنَى بها دارًا. وتُوُفّي في هذه السّنة. وإنّما للحارث حديثٌ واحدٌ عند النّسائيّ، عن عائشة.

стр. 1707

عامر بْن ربيعة [١] ع [٢] ابن كعب بْن مالك العنزي، عَنَزُ بْن وائل. كان حليف آل الخطاب العدَوِيّ. أسلم قبل عُمَر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا. وله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُبَيِّ بَكْرٍ، وعمر. وعنه ابنه عبد الله، وابن الزُّبَيْر، وابن عُمَر، وأبو أمامة بْن سهْل. وكان الخطّاب قد تبنّاه. وكان معه لواء عُمَر لما قدِم الجابية. وَقَالَ ابن إسحاق: أوّل من قدم المدينة مُهاجرًا أَبُو سلمة [٣] بْن عبد الأسد، وبعده عامر بن ربيعة [٤] .

стр. 1708

وَقَالَ الواقِديّ: كان موت عامر بْن ربيعة بعد قتل عثمان بأيّام. وكان لزِم بيته، ولم يشعر النّاس إلّا بجنازته قد أُخْرِجَتْ [١] . وَقَالَ يحيى بْن سعيد الأنصاري، عَنْ عبد الله بْن عامر بْن ربيعة، أنّ أباه أتي في المنام، حين طعنوا على عثمان، فقيل له: «قُم فَسَلِ الله أن يُعيذَك من الفتنة» [٢] . قيل: تُوُفّي قبل مقْتل عثمان بيسير. (عَبْدُ اللَّهِ بْن وهْب) [٣] بْن زَمْعَةَ بْنِ الأسود بْن المطَّلب بْن أسد القُرَشيّ الأسديّ. وأُمُّه قريبة أخت أمّ سلمة أمّ المؤمنين. قيل له صُحبة. والأصحّ أنّه لَا صُحْبة له. روى عنه عُرْوة، وغيره. وقُتِل يوم الدّار مع عثمان. عبد الله بن أبي ربيعة [٤] س ق ابن المُغِيرَة بْن عبد الله المخزومي. والد الشّاعر المشهور عمر، وأخو

стр. 1709

عيّاش. كان اسمه بَحِير [١] ، فسمّاه النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ. وكان أحدَ الأشراف، ومن أحسن النّاس صورةً. وهو الَّذِي بَعَثَتْه قريشٌ مع عمرو بْن العاص إلى النَّجاشيّ لأذِّية مُهَاجِرة الحَبَشة. ثمّ أسلم وحسُن إسلامُه. ولّاه رسول الله ﷺ الجَنَد [٢] ومَخَاليفَها، فبقي فيها إلى أيّام فتنة عثمان، فجاء لينصُرَه، فوقع عَنْ راحلته فمات بقرب مكة [٣] . وقد استقرض منه النّبيّ ﷺ أربعين ألفًا، فأقرضه [٤] . له حديث عند حفيده إِبْرَاهِيمُ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبيه. الْوَاقِدِيُّ: ثنا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ قَالَ: قَالَ لَهُمْ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَصْلُحُ لِلطُّلَقَاءِ، فَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ فَلا تَظُنُّوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْكُمْ غَافِلًا. الواقِديّ عَنْ رجل: إنّ عبد الله بْن أبي ربيعة قَالَ: أدْخِلُوني معكم في الشورى فلا يعدمكم منّي رأيٌ. قالوا: لَا تدخل معنا. فقال: إن بايعتم

стр. 1710

لعليٍّ سمِعْنا وعصَيْنا، وإنْ بايعتم [لعثمان] [١] سمِعْنا وأطعنا [٢] . ولمّا حُصِر عثمان، أقبل عبد الله مسرِعًا ينصره من صنعاء. فلقيه صفوان بْن أمية على فَرَسٍ وهو على بغلة فجفلت من الفَرَس، فطرحت عبد الله فكسرت فخذه، فوُضِع في سرير، ثمّ جهّز ناسًا كثيرة في الطّلب بدم عثمان [٣] . عثمان بْن عفان ﵁ ابن أَبِي الْعَاصِ بْن أُميَّة بْن عَبْدِ شَمْسِ، أمير المؤمنين، أَبُو عمرو، وأبو عبد الله، القُرَشيّ الأمويّ. رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وعن الشِّيخَيْن. قَالَ الدّاني: عرض القرآن على النبي ﷺ ، وعُرِض عليه أَبُو عبد الرحمن السُّلَمِيّ، والمُغِيرَة بْن أبي شهاب، وأبو الأسود، وزرّ بن حبيش. روى عنه بنوه: أبان، وسعيد، وعمرو، ومولاه حُمران، وأنس، وأبو أمامة بْن سهل، والأحنف بْن قيس، وسعيد بْن المسيب، وأبو وائل، وطارق بْن شهاب، وعلقمة، وأبو عبد الرحمن السُّلمي، ومالك بْن أوس بْن الحَدَثان، وخلق سواهم. أحد السابقين الأوَّلين، وذو النُّورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. قدِم الجابية مع عُمَر. وتزوج رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ

стр. 1711

المبعث، فولدت له عبد الله، وبه كان يُكنى، وبابنه عمرو. وأُمّه أروى بنت كُرَيْز بْن حبيب [١] بْن عبد شمس، وأُمُّها البيضاء [٢] بنت عبد المطلب بْن هاشم، فهاجر برُقية إلى الحبشة، وخَلّفه النّبيّ ﷺ عليها في غزوة بدْر ليداويها [٣] في مرضها، فَتُوُفِّيَتْ بعد بدْرٍ بليالٍ [٤] ، وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بسهمه من بدْر وأجْره، ثمّ زوَّجه بالبنت الأخرى أمّ كلثوم. ومات ابنه عبد الله، وله ستُّ سنين سنة أربع من الهجرة. وكان عثمان فيما بلغنا لَا بالطويل ولا بالقصير، حَسَنَ الوجه، كبير اللحية، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد مَا بين المَنْكِبَيْن يخْضِب بالصُّفْرَة، وكان قد شدّ أسنانه بالذَّهَب [٥] . وعن أبي عبد الله مولى شدّاد قَالَ: رأيت عثمان يخطب، وعليه إزارٌ غليظ ثَمَنُهُ أربعة دراهم، وريطة كوفيّة مُمَشَّقة، ضَرِب اللّحمْ- أي خفيفة-، طويل اللحية، حسن الوجه [٦] . وعن عبد الله بْن حَزْم قَالَ: رأيت عثمان، فما رأيت ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه [٧] .

стр. 1712

وعن الحسن قال: رأيته وبوجهه نَكَتات جُدَريّ، وإذا شعره قد كسا ذِرَاعَيْه [١] . وعن السائب قَالَ: رأيته يصفِّر لحيَتَه، فما رأيت شيخًا أجملَ منه [٢] . وعن أبي ثَوْر الفَهْمِيّ قَالَ: قدِمْتُ على عثمان فَقَالَ: لقد أختبأت عند ربّي عشْرًا: إنّي لرابع أربعةٍ في الإسلام، وما تعنَّيْتُ ولا تمنَّيْتُ [٣] ، ولا وضعت يميني على فَرْجي منذ بايعت بها رَسُول الله ﷺ ، ولا مرَّت بي جُمُعَةٌ منذ أسلمتُ إلّا وأنا أُعْتِقُ فيها رقبةً، إلّا أنْ لَا يكون عندي فأُعْتِقُها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهليّة ولا إسلام قطّ، [وجهَّزْت جيش الْعُسْرَةِ، وأنكحني النّبيّ ابنته، ثمّ ماتت، فأنكحني الأخرى، وما سرقت في جاهلية ولا إسلام] [٤] . وعن ابْنِ عُمَر، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنّا نُشَبِّه عثمان بأبينا إبراهيم ﷺ » [٥] . وعن عائشة نحوه إنْ صحّا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عُثْمَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صداق

стр. 1713

رُقَيَّةَ، وَعَلَى مِثْلِ صُحْبَتِهَا» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه [١] . ويروى عن أنس أو غيره قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أَبُو أَيِّمٍ، أَلَا أَخُو أَيِّمٍ يُزَوِّجُ عُثْمَانَ، فَإِنِّي قَدْ زَوَّجْتُهُ ابْنَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ» [٢] . وعن الحسن قَالَ: إنّما سُمِّي عثمانُ «ذا النُّورين» لأَنّا لَا نعلم أحدًا أغلق بابه على ابنتي نبيٍّ غيره [٣] . وروى عطيّة، عَنْ أبي سعيد قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان [٤] . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ، حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» [٥] ، وَفِي «مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى» ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِسَبْعِمِائَةٍ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ [٦] . وَقَالَ خليد، عَنِ الحسن قال: جهّز عثمان بسبعمائة وخمسين ناقة، وخمسين فرسًا، يعني في غزوة تبوك [٧] .

стр. 1714

وَعَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ» [١] . وَقَالَ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا رُومَةُ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ بِمُدٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَبِيعُهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ» ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ عَيْنٌ غَيْرهَا، لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ لِي مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَ لَهُ عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ إِنِ اشْتَرَيْتُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهَا وَجَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ [٢] . وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اشترى عثمان من رَسُول اللَّه ﷺ الجنّة مرتين: يوم رومة، ويوم جيش الْعُسْرَةِ [٣] . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ سَاقِيهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَجْلِسْ لَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهِشْ لَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، قَالَ: «أَلَا اسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٤] . وَرُوِيَ نَحُوُه مِنْ حديث عليّ، وأبي هريرة، وابن عبّاس.

стр. 1715

وَقَالَ أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِيِن اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ» [١] . وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي عُثْمَانُ» [٢] . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ [٣] . وَفِي حَدِيثِ الْقُفِّ [٤] : ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ائْذَنْ لَهُ وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» [٥] .

стр. 1716

وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو ذَرٍّ، وَأَنَا أَظُنُّ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ مَعْتَبَة لإِنْزَالِهِ إِيَّاهُ بِالرَّبَذَةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ عُثْمَانُ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَا تَقُلْ فِي عُثْمَانَ إِلا خَيْرًا، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنْظَرًا، وَشَهِدْتُ مَشْهَدًا لَا أَنْسَاهُ، كُنْتُ الْتَمَسْتُ خَلَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لأَسْمَعَ مِنْهُ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، قَالَ: فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصَيَاتٍ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سُمِعَ لَهُنَّ حَنِينٌ كَحَنِينِ النَّحْلِ [١] ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ أَبَا بَكْرٍ، فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ أخذهنّ منه، فوضعهنّ فخرسن [٢] .

стр. 1717

وَقَالَ سليمان بْن يسار: أخذ جَهْجاه الغفِاريّ عصا عثمان التي كان يتحصّر بها، فكسرها على رُكْبَتِه، فوقعت في رُكبته الأكِلَة [١] . وَقَالَ ابن عُمَر: كنّا نقول عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. رواه جماعةٌ عَنِ ابن عُمَر [٢] . وَقَالَ الشَّعْبِيّ: لم يجمع القرآن أحدٌ من الخلفاء من الصحابة غير عثمان، ولقد فارق عليٌّ الدنيا وما جمعه [٣] . وَقَالَ ابن سِيرين: كان أعلمَهَم بالمناسك عثمانُ، وبعده ابن عُمَر [٤] . وَقَالَ رِبْعِيّ، عَنْ [٥] حُذَيْفة: قَالَ لي عُمَر بِمنًى من ترى النّاس يولُّون بعدي؟ قلت: قد نظروا إلى عثمان [٦] . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ [٧] ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: حَجَجْتُ مع عُمَر، فكان الحادي يحدو. إنّ الأمير بعده ابن عفان. وحججت مع عثمان، فكان الحادي يحدو. إنّ الأمير بعده عليّ [٨] .

стр. 1718

وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ الأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ دَعَا الأَسْقُفَ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَا فِي كُتُبِكُمْ؟ قَالَ: نَجِدُ صِفَتَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ، وَلا نَجِدُ أَسْمَاءَكُمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ: مَا قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: أَمِيرٌ شَدِيدٌ، قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَالَّذِي بَعْدِي؟ قَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ يُؤْثِرُ أَقْرِبَاءَهُ، قَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفَّانَ، قَالَ: فَالَّذِي مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: صَدَعٌ [١]- وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ يقول: صدأ- من حديد، فقال عمر: وا دفراه وا دفراه [٢] ، قَالَ مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَلَكِنْ تَكُونُ خِلافُتُه فِي هِرَاقَةٍ مِنَ الدِّمَاءِ [٣] . وَقَالَ حمّاد بْن زيد: لئْن قلتُ إنّ عليًّا أفضل من عثمان، لقد قلت إنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خانوا [٤] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرو بن عثمان قَالَ: كان نَقْشُ خاتمِ عثمان «آمنت بالذي خلق فَسَوَّى» [٥] . وَقَالَ ابن مسعود حين استُخْلِف عثمان: أَمَّرْنا خيرَ مَن بقي ولم نَأْلُ [٦] . وَقَالَ مُبارك [٧] بن فَضَالَةَ، عن الحسن قَالَ: رأيت عثمانَ نائمًا في المسجد، ورداؤه تحت رأسه، فيجيء الرجلُ فيجِلس إليه، [ويجيء الرجل

стр. 1719

فيجِلس إليه] [١] ، كأنّه أحدُهم، وشهِدْتُهُ يأمر في خُطْبته بقتْل الكلاب، وذبْح الحَمَام [٢] . وعن حكيم بن عبّاد قال: أوّلُ مُنْكَرٍ ظهر بالمدينة طَيَرانُ الحَمام، وَالرَّمْيُ، يعني بالبُنْدُق، فأمر عثمان رجلًا فقصَّها، وكسر الجُلاهِقات [٣] . وصحّ من وجوهٍ، أنّ عثمان قرأ القرآنَ كلَّه في رَكْعَةٍ [٤] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ [٥] . وَقَالَ أَنَس: إنّ حُذَيْفَة قدِم على عثمانَ، وكان يغزو مع أهل العراق قِبَل أرمينية، فاجتمع في ذلك الغزوِ أهلُ الشّام، وأهلُ العراق، فتنازعوا في القرآن حتّى سمع حُذَيْفَة من اختلافهم مَا يكْره، فركِب حتّى أتى عثمانَ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين أدرِكْ هذه الأمّةَ قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنَّصارَى في الكُتُب. ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفْصَة أمّ المؤمنين: أنْ أرسِلي إليّ بالصُّحُف التي جُمِع فيها القرآن، فأرسَلتْ إليه بها، فأمر زيدَ بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا

стр. 1720

اختلفتم أنتم وزيد في عربيّة فاكتبوها بلسان قريش، فإنّ القرآنَ إنّما نزل بلسانهم. ففعلوا حتّى كُتِبَت المصاحف، ثمّ ردّ عثمان الصُّحف إلى حَفْصَة، وأرسل إلى كل جُنْد من أجناد المُسْلِمين بمُصْحَفٍ، وأمرهم أن يحرقوا كلّ مُصْحَفٍ يخالف المُصْحَف الَّذِي أرسل إليهم به، فذلك زمانٌ حُرِّقت فيه المَصَاحف بالنّار [١] . وَقَالَ مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص: خطب عثمانُ النّاس فَقَالَ: أيّها النّاس، عَهْدكُمْ بنبيّكم بضع عشرة، وأنتم تميزّون في القرآن، وتقولون قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يَقُولُ الرجل: واللَّهِ مَا نُقِيم قراءتك، فأعْزِمُ على كلّ رجلٍ منكم كان معه من كتاب الله شيءٌ لما جاء به. فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتّى جمع من ذلك كثيرًا، ثُمَّ دخل عثمان، فدعاهم رجلًا رجلًا، فناشدهم: أسَمِعْتَهُ من رَسُول اللَّه ﷺ ، وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلمّا فرغ من ذلك قَالَ: من أكْتَبُ النّاس؟ قالوا: كَاتِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زيد بن ثابت، قَالَ: فأيّ النّاس أعْرَب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قَالَ عثمان: فَلْيُمْلِ سعيدٌ ولْيَكْتُب زيد، فكتب مَصَاحِفَ ففرَّقها في النّاس [٢] . وَرَوَى رَجُلٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ عَلِيٌّ فِي الْمَصَاحِفِ: لَوْ لَمْ يَصْنَعْهُ عُثْمَانُ لَصَنَعْتُهُ [٣] . وَقَالَ أَبُو هلال: سمعت الحسن يقول: عمل عثمان اثنتي عشرة سنة،
следующие страницы →