← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 16696–16735 · переход к 16701.

стр. 16696

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للحافظ المؤرّخ شمسُ الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عثمان الذهبيّ المتوفى سنة ٧٤٨ هـ حوادث ووفيات ٥١١- ٥٢٠ هـ تحقيق الدّكتور عمر عبد السّلام تدمري أستاذ التاريخ الإسلاميّ في الجامعة اللبنانية عضو الهيئة الاستشاريّة للمنشورات التاريخيّة في اتحاد المؤرخين العرب الناشر دار الكتاب العربيّ

стр. 16697

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبقة الثانية والخمسون حوادث سنة إحدى عشر وخمسمائة [الزلزلة بغداد] زُلْزِلَت بغداد يوم عَرَفَة، ووقعت دُورٌ، وحوانيت بالجانب الغربيّ [١] . [مهاجمة الفرنج حماه] وفيها هجمت الفرنج حماه في اللَّيلْ، وقتلوا بها مائةً وعشرين رجلًا [٢] . [رحيل العساكر عَنِ الألموت] وفيها ترحّلت العساكر، وتركت حصار الألموت عند ما بلغها موت السّلطان محمد، بعد أن كادوا يفتحونها [٣] . [غرق سنجار بالسيل] وفيها غرقت سنْجار. جاءها سيلٌ عرِم، وهدم سورها. وهلك خلْق كثير، حتّى أنّ السّيل أخذ باب المدينة وذهب بِهِ عدّة فراسخ، واختفى تحت التّراب الَّذِي جرّه السَّيل، ثمّ ظهر بعد سنوات.

стр. 16698

وسلم طفلٌ في سريرٍ لَهُ، حمله السَّيل، فتعلْق السّرير بثوبه، وعاش وكبر [١] . [مقتل لؤلؤ الخادم] وفيها قتل قوم من الأتراك لؤلؤا الخادم صاحب حلب وهو متوجّهٌ إلى قلعة جعبر [٢] . [وفاة السلطان محمد بن ملك شاه] والسّلطان محمد بن ملك شاه، فيها تُوُفّي أيضًا بإصبهان، وقام بالأمر بعده ابنه محمود، وله أربعَ عشرة سنة، وفرّق خزائنه في العسكر. وقيل كانت أحد عشر ألف ألف دينار عَيْنًا، وما يناسب ذَلِكَ مِن العُرُوض [٣] . [هلاك بغدوين] وفيها هلك بغدوين صاحب القدس [٤] .

стр. 16699

[هلاك ملك القسطنطينية] وفيها هلك ملك القُسْطنطينيّة [١] ، لعنهما الله.

стр. 16700

سنة اثنتي عشرة وخمسمائة [حريق محلّات ببغداد] فيها كَانَ حريقٌ كبيرٌ ببغداد، احترقت الرَّيْحَانيَّتَيْن ومسجد ابن عَبْدُون [١] . [إعدام ابن الْجَزَريّ] وفيها قُبض عَلَى صاحب المخزن أبي طاهر بن الْجَزَري [٢] وأُعدِم. وأُخِذ مِن داره أربعمائة ألف دينار مدفونة [٣] . [وفاة وَلَدي المسترشد باللَّه] وتُوُفّي وُلِد المسترشد باللَّه الكبير، ثمّ الصّغير بالْجُدَرِيّ، فبكى عَليْهِ المسترشد باللَّه حتّى أُغمي عَليْهِ [٤] . [مصادرة ابن كمّونة] وقُبض عَلَى ابن كَمُّونة وصُودر، وأُخِذ منه مالٌ كثير. [إمارة المَوْصِل] وفيها كَانَ عَلَى إمرة المَوْصِل مسعود بن السّلطان ملك شاه، وله أربع عشرة

стр. 16701

سنة، وأبو [١] بَكْر جيوش بك، ووزيره فخر المُلْك أبو عليّ بْن عمّار صاحب طرابُلُس [٢] . [الخِلْعة لابن مَزْيد] وفيها خُلِع عَلَى دُبَيْس بْن مَزْيَد جُبَّة، وفَرْجِيّة، وطَوْقٌ، وعِمامة، وفَرَس، وسيف، ومنطقة ولواء، وحمل إِليْهِ نقيب النُّقباء نجاح، وكان يومًا مشهودًا. [حجابة ابن طلحة] وصُرِف عَنِ الحجابة أبو جعفر بْن الدّامَغَانيّ، وولي أبو الفتوح بْن طلحة [٣] . [شِحنكيّة بغداد] وفيها وُلّي شِحنكيّة بغداد آق سنقر البُرْسُقيّ، وعُزِل مجاهد الدّين بهْرُوز الخادم، وتحوَّل بهروز إلى تِكْريت، وهي لَهُ. ثمّ وُلّي شِحنكيّة بغداد مَنْكُبرْس [٤] ، فحاربه البُرْسُقيّ [٥] . [وفاة الخليفة المستظهر] ومات الخليفة المستظهر بعد أيّام، وبُويع المسترشد ولدُه فنزل أبو الحَسَن عليّ بْن المستظهر في مركبٍ هُوَ وثلاثة نفر، وانحدروا إلى الحِلّة إلى عند دُبَيْس، فأكرمه وخدمه، وأهمّ ذَلِكَ المسترشد، وطلبه مِن دُبَيْس، فتلطَّف في المدافعة عنه [٦] .

стр. 16702

_________ [ () ] مختصر الدول ٢٠٠، والفخري ٣٠٠، ٣٠١، وكتاب الروضتين ٧١، ومرآة الزمان ج ٨ ق ١/ ٧٣، ونهاية الأرب ٢٣/ ٢٦٠، وخلاصة الذهب المسبوك ٢٧٠، ٢٧١، ومختصر التاريخ ٢١٥، والمختصر في أخبار البشر ٢/ ٢٣٠، ودول الإسلام ٢/ ٣٩، والعبر ٤/ ٢٦، وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٤، ٢٥، والدرّة المضيّة ٤٨٢، ومرآة الجنان ٣/ ٢٠٣، والبداية والنهاية ١٢/ ١٨٢، وتاريخ الخميس ٢/ ٤٠٣، وعيون التواريخ ١٢/ ٨٢، وتاريخ ابن خلدون ٣/ ٤٩٥ و ٥/ ٤٥، والكواكب الدرّية ٨٢، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢١٥، وشذرات الذهب ٤/ ٣٣، وتاريخ الخلفاء ٤٣٠، ٤٣١، والجوهر الثمين ٢٠٠، وأخبار الدول ٢/ ١٦٧، ومحاضرة الأبرار ١/ ٨٥، ٨٦، والنزهة السنية ١١١.

стр. 16703

سنة ثلاث عشرة وخمسمائة [انفصال ابن المستظهر باللَّه عَنِ الخليفة] وفيها انفصل عَنِ الحِلّة الأمير أبو الحَسَن بْن المستظهر باللَّه، فمضى إلى واسط، ودعى إلى نفسه، واجتمع معه جيشٌ، وملك واسط وأعمالها، وجبى الخراج. وشُقّ ذَلِكَ [عَلَى] الخليفة، فبعث ابن الأنباريّ كاتب الإنشاء إلى دُبَيْس، وعرّفه وقال: أمير المؤمنين يُعَوّل عليك. فأجاب، وجهّز صاحب جيشه عنانَ في جَمْعٍ كبير [١] ، فلمّا سَمِعَ أبو الحَسَن ترحّل مِن واسط في عسكره ليلًا، فأضلُّوا الطّريق، وساروا ليلهم أجمع حتّى وصلوا إلى عسكر دُبَيْس [٢] ، فلمّا لاح لهم العسكر انحرف أبو الحَسَن عَنِ الطّريق، فتاه مَعَ عددٍ مِن خواصّه، وذلك في تمّوز، ولم يكن معهم ماء، فأشرفوا عَلَى التلف، فأدركه نصر بْن سَعْد الكرديّ، فسقاه، وعادت نفسُه إِليْهِ، ونهب ما كَانَ معه مِن مال، وحمله إلى دُبَيْس إلى النعمانية، فأقدمه إلى بغداد وخيّم بالرَّقَّة، وبعث بِهِ إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار قُرّرت عَليْهِ. وكانت أيّامه أحَدَ عشر [٣] [شهرًا] [٤] وشُهّر وزيرُهُ ابن زَهْمُوَيْه [٥] عَلَى جَمَلٍ، ثمّ

стр. 16704

قُتل في الحبْس [١] . فقيل: إنّ الأمير أبا الحَسَن دخل عَلَى أخيه المسترشد، فقبَّل قدمه، فبكيا جميعًا، ثمّ قَالَ لَهُ: فَضَحْتَ نفسك، وباعوك مَعَ [٢] العبيد. وأسكنه في داره الّتي كَانَ فيها وهو وليّ عهد. وردّ جواريه وأولاده، وأحسن إِليْهِ [٣] . ثمّ شدّد عَليْهِ بعد ذَلِكَ. [الخطبة بولاية العهد] وفيها خُطِب بولاية العهد للأمير أبي جعفر منصور بْن المسترشد، وله اثنا عشر سنة [٤] [الوقعة بين السّلطان سنجر وابن أخيه] وفي جُمَادَى الأولى كانت الوقعة بين السُّلطانين سَنْجَر ومحمود ابن أخيه وزوج ابنته. وذلك أنّ سَنْجَر لما بلغه موت أخيه السّلطان محمد دخل عَليْهِ حزْنٌ مُفْرِط، وجلس [للعزاء] عَلَى الرَّماد وصاح، وأغلق البلد أيّامًا [٥] ، وعزم عَلَى قصْد العِراق ليملكه، وندِم عَلَى قتل وزيره أَبِي جعفر محمد بْن فخر المُلْك ابن نظام الملك لأمورٍ بَدتَ منه، وأخذ أمواله، وكان لَهُ مِن الجواهر والأموال ما لَا يوصف، فالذي وجدوا لَهُ مِن العَيْن ألف [٦] ألف دينار. فلمّا قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عَبْد الرّزّاق ابن أخي نظام المُلْك [٧] . ولما سَمِعَ محمود بحركة عمّه سَنْجَر نحوه راسله ولاطَفَه وقدَّم لَهُ تقادُم، فأبى إلّا القتال أو النّزول لَهُ عَنِ السَّلْطَنة. فتجهَّز محمود، وتقدّم عَلَى مقدّمة أمير

стр. 16705

حاجب في عشرة آلاف. ووصل محمود إلى الرَّيّ فدخلها، ثمّ ضجر منها وتقدَّم منها، وجاء إلى خدمته منصور أخو دُبَيْس، وجماعة أمراء، وأصبح معه ثلاثون ألفًا، وأقبل سَنْجَر في نحو مائة ألف، وكانت الوقعة بصحراء ساوَة، وكان مَعَ سَنْجَر خمسةُ ملوك عَلَى خمسة أَسِرَّةَ وأربعون فيلًا، عليها البُرْكُصْطُوَانات [١] والرّايات [٢] والزينة الباهرة، وأُلُوف مِن الباطنيّة، وأُلُوف مِن كُفّار التُّرْكَ، فلمّا التقوا هبّت ريح سوداء أظلمت الدّنيا، وأظهر في الجوّ حمرة منكرة، وآثار مزعجة، وخاف النّاس، ثمّ انكشفت الظّلمة واقتتلوا، فانكسرت ميمنة سَنْجَر، ثمّ ميسرته، وثبت هُوَ في القلب والفيل معه، وكذا بقي محمود في القلب وحده، وتفرَّق أكثر جيشه في النَّهب، فحمل سَنْجَر بالفِيلَة، فولَّت الخيل منها [٣] ، فتأخّر محمود ولم ينهزم، فلم يتْبعه سَنْجَر لأنّه رَأَى مجنَّبَتَيْه قد انهزموا، وثِقْلَه يُنْهب، وكثيرٌ مِن أُمرائه قد قُتِلوا، ووزيرُه قد أُسِر، ورأى ثبات ابن أخيه، فأخذ في المخادعة فأرسل إلى ابن أخيه محمود يقول: أنت [ابن] أخي وولدي، وما أؤاخذك، إنّك محمولٌ [٤] عَلَى ما صنعت، ولا أؤاخذ أصحابك، لأنّهم لم يطّلعوا عَلَى حُسْن نيتي لهم. فقال محمود: وأنا مملوكه. ثمّ جاء بنفسه، وسنجر قد جلس عَلَى سرير، فقبّل الأرض، فقام لَهُ سَنْجَر، واعتنقه وقبّله، وأجلسه معه، وخلع عَليْهِ خلعة عظيمة، كَانَ عَلَى سَرْج فَرَس الخِلْعَة جوهر بعشرين ألف دينار. وأكل معه، وخلع عَلَى أُمَرائه. وأفرد لَهُ إصبهان يكون حاكمًا عليها، وعلى مملكة فارس وخوزسْتان، وجعله وليّ عهده، وزوَّجه بابنته [٥] . ثمّ عاد إلى خُراسان. ثمّ جاءت رسُلُهُ بالتّقادم إلى الخليفة [٦] .

стр. 16706

[هزيمة صاحب أنطاكيّة بأرض حلب] وفيها اجتمع عسكر طغتكين وايلغازي، وخرج صاحب أنطاكيّة [١] في عشرين ألفًا، فالتقوا في أرض حلب، فانهزم الملعون، وقُتِل مِن أصحابه خلْق، وأُسِر خلْق. ولم ينجُ إلّا الأقلّ، وفرح المؤمنون بهذه الوقعة الهائلة [٢] . وقد ذكرها أبو يَعْلَى حمزة [٣] فقال: ولم يمض ساعةٌ إلّا والإفرنج عَلَى الأرض سطح واحد [٤] ، فارسهم وراجلهم، بحيث لم يفلت منهم شخصٌ يُخَبر خَبَرهم، وقُتِل طاغيتُهم صاحب أنطاكيّة. ولم يتّفق مثل هذا الفتح للمسلمين [٥] . [الفتنة بين الآمر والأفضل أمير الجيوش] وفيها وقعت الفتنة والمباينة بين الأفضل أمير الجيوش وبين الآمر، واحترز كلٌ منهما، وحرَّض الأفضل عَلَى اغتيال الآمر. ودسّ إِليْهِ السُّمَّ مِرارًا، فلم يقدر. وجَرَت لهما أمور طويلة [٦] . [الخِلعة لابن صَدَقة] وفيها خُلِع عَلَى أَبِي عليّ بْن صَدَقة، ولُقّب جلال الدّين [٧] .

стр. 16707

[هدايا السّلطان سَنْجَر للخليفة العباسي] ووردت كُتُب مِن السّلطان سَنْجَر، فيها أقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار وللوزير ببضعة آلاف دينار. ثمّ جاء مِن سَنْجَر هدايا، ثلاثين تختًا مِن الثّياب، وتُحَف وعشرة مماليك [١] . [التضييق عَلَى الأمير أَبِي الحَسَن] وفي آخر السّنة زاد التّضييق عَلَى الأمير أَبِي الحَسَن، وسُدّ عَليْهِ الباب، وكان يُنَزَّل إليه ما يصلحه مِن طاقة [٢] . [قتل منكبرس] وفيها وُلّي مَنْكبِرسْ شِحنكيّة بغداد، وظَلَم وعَسَف، وعتَّر الرّعيّة، وضجَّ النّاس وأغلقت الأسواق إلى [٣] أن قَلَعَه الله وطلبه السّلطان، وقتله صبْرًا [٤] . [شِحنكيّة بهروز] ثمّ أعيد الخادم بهروز إلى الشحنكية [٥] . [وفاة ربيب الدّولة] ومات فيها وزير السّلطان ربيب الدّولة [٦] . [وزارة السميرمي] ووزر بعده الكمال السّميرميّ [٧] .

стр. 16708

[ظهور قبور الخليل، وإسحاق، ويعقوب ﵈] وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبر إِسْحَاق، ويعقوب صلّى الله عليهم وسلامه، ورآهم كثير مِن النّاس لم تَبْلُ أجسادُهم. وعندهم في المغارة قناديل مِن ذَهَب وفِضّة. قاله حمزة بْن أسد التّميميّ في «تاريخه» [١] على ما حكاه ابن الأثير [٢] .

стр. 16709

سنة أربع عشرة وخمسمائة [الخطبة واللّقَب للسلطان سَنْجَر وابن أخيه] فيها خُطب للسُّلطان سَنْجَر ولابن أخيه السّلطان محمود معًا في موضعٍ واحد، وسُميّ كلُّ واحدٍ شاهنشاه [١] . ولُقّب سَنْجَر: «عضُد الدّولة» ولُقّب محمود: «جلال الدّولة» . [نقْل أَبِي الفتوح مِن الحجابة] وفي صَفَر نُقل أبو الفتوح حمزة بْن عليّ مِن الحجابة إلى وكالة الخليفة. وإلى نظر المخزن [٢] . [تمرُّد العيّارين ببغداد] وتمرّد العيّارون، وأخذوا زوارق منحدِرَة إلى بغداد، وفتكوا بأهل السّواد وأسرفوا، وهجموا عَلَى محلّه العتّابين، فحفظوا أبواب المحلّة ونهبوها عَنْوة، فأمر الخليفة بإخراج أتراك داريّة لقتالهم، فخرجوا وحاصروهم في الأجمة خمسة عشر يومًا. ثمّ أنّ العيّارين نزلوا في السُّفّن، وانحدروا إلى شارع دار الرّقيق ودخلوا المحلّة، وأفلتوا منها إلى الصَّحارى. وقصد أعيانُهم دار الوزير أبي عليّ بْن صَدَقة بباب العامّة في ربيع الأوّل، وأظهروا التّوبة. وخرج فريق منهم لقطع

стр. 16710

الطريق، فقتلهم أهل السّواد بأوَانا [١] ، وبعثوا برءوسهم إلى بغداد [٢] . [زواج دُبَيْس بْن صَدَقة] وفيها ورد قاضي الكوفة أبو جعفر عَبْد الواحد بْن أحمد الثَّقَفيّ مِن جهة سيف الدّولة دُبَيْس إلى الأمير إيلغاز بْن أُرْتُق خطب منه ابنته لدُبَيْس، فزوَّجه بها، ونفَّذها في صُحْبته [٣] . [الخُلْف بين السّلطان محمود وأخيه] وفيها وقع الخُلْفُ بين السّلطان محمود وأخيه مسعود [٤] ، فتلطَّفه محمود، فلم يصلح، فانحاز البُرْسُقيّ [إلى محمود، وانهزم مسعود وعسكره] [٥] ، واستولى عَلَى أموالهم. وقصد مسعود جبلًا، فأخفى نفسه، ثمّ أحضروه إلى السّلطان محمود بالأمان، واعتنقا، وبكيا طويلًا [٦] . ولمّا بلغ دُبَيْس اشتغالُ محمود أخذ في أَذية السّواد، وانجفل أهل نهر عيسى، ونهر المُلْك، وأتى غسّان صاحب جيشه، فحاصر بَعْقُوبا [٧] ، وأخذها، وسبى الحُرَم والأولاد. وكان دُبَيْس يعجبه اختلاف السّلاطين فلمّا خاف مِن مجيء محمود أمر بإحراق الغلّات والأتْبان، وبعث إِليْهِ الخليفة يُنْذره، فلم ينفع. وبعث إِليْهِ السّلطان محمود يتألّفه، فلم يهتزّ لذلك، وقدم بغداد ونازلها بإزاء دار الخليفة، فوجل منه النّاس، وأخرج نقيب الطّالبيّين، وتهدّد دار

стр. 16711

الخلافة، وقال: إنكّم استدعيتم السّلطان، فإنْ أنتم صرفتموه، وإلّا فعلت وفعلت. فأنفذ إليه أنّه لَا يمكن ردّ السّلطان، بل نسعى في الصُّلْح. فانصرف دُبَيْس، فسمع أصوات أهل باب الأزج يَسُبَّونه، فعاد وتقدّم بالقبض عليهم، وضرب جماعة منهم بباب النّوبيّ [١] . [خروج الخَزَر إلى بلاد الإسلام] وفيها، قَالَ ابن الأثير: [٢] خرج الكُرْج، وهم الخَزَر، إلى بلاد الإسلام. وكانوا قديما يغيرون، فامتنعوا أيّام ملك شاه. فلمّا كَانَ في هذه السّنة خرجوا ومعهم القُفْجاق وغيرهم. فسار لحربهم دُبَيْس وإيلْغازي وجماعة في ثلاثين ألف فارس، فالتقى الْجَمْعان، فانكسر المسلمون، واصطدم المنهزمون، وتبعهم الكُفّار يقتلون ويأسرون، فقتلوا أكثرهم، وأسروا أربعة آلاف رَجُل [٣] ، ونجا طُغْرُل أخو السّلطان دُبَيْس. ونازلت الكرج تفْلِيس، وحصروها مدّة إلى سنة خمس عشرة، وأخذوها بالسَّيف [٤] . [المصافّ بين السّلطان محمود وأخيه] وفيها في ربيع الأوّل كَانَ المَصافّ بين السّلطان محمود وأخيه المُلْك مسعود، وكان بيد مسعود أذَرْبَيْجان والموصل، وعُمره إحدى عشرة سنة. وسبب الحرب أن دُبَيْس بْن صَدَقة كَانَ يكاتب أتابك المُلْك مسعود، ويحثّه عَلَى طلب السَّلْطَنة لمسعود، وكان مَعَ مسعود قسيم الدّولة، أقسُنْقُر البرسقيّ الّذي كان

стр. 16712

شِحْنة بغداد قد أقطعه مَرَاغَة والرَّحْبَة، وكان معاديا لدُبَيْس، فكاتب دُبَيْس للأتابك جيوش بك يحرّضه عَلَى القبض عَلَى البُرْسُقيّ، فعرف البُرْسُقيّ، ففارقهم إلى محمود، فأكرمه ورفع محلَّه. واتّصل أبو إسماعيل الحُسَيْن بْن عليّ الإصبهانيّ الطُّغْرائيّ مصنَّف [١] «لاميّه العَجَم» بمسعود. وكان وُلِد الطُّغْرائيّ يكتب لمسعود، فَلَمَّا وصل الطُّغْرَائِي استوزره مَسْعُود قبل أن يعزل أبا عليّ بْن عمّار الَّذِي كَانَ صاحب طرابُلُس [٢] ، فحسّن أيضًا لمسعود الخروج عَلَى أخيه محمود، وخطب لمسعود بالسلطنة، ودقت لَهُ النوبة في الأوقات الخمس. فأقبل محمود، والتقوا عند عَقَبَة أَسَدَاباذ، ودام القتال طوال النّهار، وانهزم جيش مسعود، وأُسِر منهم خلْق، منهم الطُّغْرائيّ، ثمّ قُتِل بحضرة السّلطان محمود [٣] ، وهرب خواصّ مسعود بِهِ إلى جبلٍ، فاختفى بِهِ وبعث يطلب الأمان، فرقّ لَهُ السّلطان محمود وأَمَّنَه. ثمّ قوّوا نفس مسعود، وساروا بِهِ إلى المَوْصِل، فلحِق البُرْسُقيّ، وردّ به، واعتنقه أخوه وبكيا، وعدّ ذلك مِن مكارم محمود. ثمّ جاء جيوش بك وخاطر، فعفا عَنْهُ أيضًا السّلطان [٤] . [ظهور ابن تومرت بالمغرب] وفي هذا الوقت كَانَ ظهور ابن تُومَرْت بالمغرب، كما هُوَ مذكور في ترجمته وانتشرت دعوته في جبال البربر، إلى أن صار من أمره ما صار [٥] .

стр. 16713

[انهزام دُبَيْس مِن بغداد] وفي رجب قِدم السّلطان محمود، فتلقّاه الوزير، ونثر عَليْهِ أهل باب الأزَج الدّنانير، فبعث دُبَيْس زوجته بِنْت عميد الدّولة بْن جَهير إلى السّلطان، فقدم عشرين ألف دينار، وثلاثة عشر فرسًا، فما وقع الرَّضا عَنْهُ، وطُولب بأكثر مِن هذا، فأصرّ عَلَى اللَّجاج، ولم يبذل شيئًا آخر، فمضى السّلطان إلى ناحيته، فبعث يطلب الأمان، وغالَطَ لينهزم، فلمّا بعث إِليْهِ خاتم الأمير دخل البرّيّة [١] . [الأمر بإراقة الخمور] وفيها أمر الخليفة بإراقة الخمور إلى سوق السّلطان، ونقْض بيوتهم [٢] . [ردّ الوزير السميرمي] وفيها ردَّ وزير السّلطان الوزير المعروف بالسّمْيرميّ المُكُوس والضّرائب. وكان السّلطان محمد قد أسقطها سنة إحدى وخمسمائة، ورجع السّلطان، فتلقّاه الوزير والموكب، فطلب الإفراج عَنِ الأمير أبي الحَسَن أخي المسترشد باللَّه، فبذل له ثلاثمائة ألف دينار ليسكت عَنْ هذا [٣] . [انهزام المسلمين أمام ابن رُدْمير ملك الإفرنج] وفيها نازل ملك الفرنج ابن رُدمير مدينة قُتُنْدَة [٤] فحاصرها، وهي قريبة مِن مَرْسيّة، فجاء عسكر المسلمين، فطلب المَصافّ، فانهزم المسلمون، وقُتل خلْق، منهم ابن الفّراء، وابن سُكَّرَة، واستطال ابن ردمير لعنه الله [٥] .

стр. 16714

سنة خمس عشرة وخمسمائة [وفاة جدّة السّلطان محمود] فيها بلغ السّلطان محمود وفاةُ جدّته، فردّ مِن الصَّيد، وعمل عزاءها ببغداد، وتكلّم أبو سَعْد إسماعيل بْن أحمد، وأبو الفتوح أحمد الغزّاليّ الطُّوسيّان [١] . [عُزِل ابن طراد عَنِ النقابة وإعادته] وفيها استُدْعي عليّ بْن طِراد النّقيب الحاجب مِن الدّيوان، وقرأ عَليْهِ الوزير توقيعًا بأنْ قد استُغْني عَنْ خدمتك. فمضى ولزِم بيته. وكانت بنته متّصلة بالأمير أبي عَبْد الله بْن المستظهر، وهو المقتفي. وفي ربيع الأوّل انحدر أبو طَالِب عليّ بْن أحمد السميرميّ وزير السّلطان متفرّجًا، فلمّا حاذى باب الأزج عبر إليه عليّ بْن طِراد وحدَّثه، فوعده، ثمّ تكلّم في حقّه، فأُعيد إلى النّقابة [٢] . [انقضاض كوكب] وفيه انقض كوكب صارت مِن ضوئه أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذَلِكَ هدّة كالزّلزلة [٣] . [خِلعَة القضاء للهروي] وفيه خُلِع عَلَى القاضي أبي سَعْد الهَرَويّ خِلْعةُ القضاء، قلّده السّلطان

стр. 16715

محمود القضاء بجميع الممالك سوى العراق مُرَاعاةً لقاضي القُضاة أبي القاسم الزَّيْنَبيّ، وركب إلى داره ومعه كافّة الأمراء [١] . [احتراق دار المملكة] وفي جُمَادَى الآخرة احترقت دار المملكة الّتي استجدّها بهروز الخادم، وكان بها السّلطان نائمًا عَلَى سطح، فنزل وهرب في سفينة، وذهب مِن الفَرْش والآلات والجواهر ما يزيد ثمنه عَلَى ألف ألف دينار، وغسّل الغسّالون التّراب، وظفروا بالذّهب والحُليّ قد تسبَّك [٢] ، ولم يَسْلَم مِن الدّار ولا خَشَبَة، وأمر السّلطان ببناء دارٍ عَلَى المُسَنّاة المستحدثة [٣] ، وأعرض عَنِ الدار الّتي احترقت، وقال: إنّ أَبِي لم يُمَتّع بها ولا امتدّ بقاؤه بعد انتقاله إليها. وقد ذهبت أموالنا فيها [٤] . [احتراق جامع بإصبهان] واحترق بإصبهان جامعٌ كبير أنفِقَت عَليْهِ أموال، يقال إنّه غرم على أخشابه ألف ألف دينار [٥] . [انعقاد مجلس السّلطان] وفي شعبان عقد مجلس، وحلف السّلطان للخليفة عَلَى المناصحة والطّاعة. ثمّ نفَّذ هديةً إلى الخليفة. وجلس الخليفة في الدّار الشّاطئيّة، وهي مِن الدُّور البديعة الّتي أنشأها المقتدي، وتمَّمها المسترشد، فجلس في قُبَّته، وعليه ثوب مُصْمت وعِمامة رصافية [٦] ، وعلى كتفه البردة [٧] ، وبين يديه القضيب.

стр. 16716

ورتَّب وزيره ابن صَدَقة الأمور. وأتى وزير السّلطان أبو طالب [١] السّميرميّ [و] [٢] المستوفي وخواصّ دولتهم، ثمّ وقف ابن صَدَقة عَنْ ياسر السُّدَّة، وأبو طَالِب السُّمَيْرميّ عَنْ يمينها. وأقبل السّلطان محمود ويده في يد أخيه مسعود، فلمّا قرُب استقبله الوزيران والكبار، وحجبوه إلى بين يدي الخليفة، فلمّا قاربوا كُشِفت السّتارة لهما، ووقف السّلطان في الموضع الَّذِي كَانَ وزيره واقفًا فيه، وأخوه إلى جانبه، فخذ ما ثلاث مرّات ووقفا، والوزير ابن صَدَقة يذكر لَهُ عَنِ الخليفة أُنْسَه بِهِ وتقرُّبه وحُسْن اعتقاده فيه. ثمّ أمر الخليفة بإفاضة الخِلَع عَليْهِ، فحمُل إلى مجلسٍ لذلك، ثمّ وقف الوزيران بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرًا أميرًا، فيخدم ويعرّف خدمته، فيقبّل الأرض وينصرف. ثمّ عاد السّلطان وأخوه، فمثّلًا بين يدي الخليفة، وعلى محمود الخِلَع السَّبْع [٣] والطَّواق، والسّواران، والتّاج، فخدما. وأمر الخليفة بكُرْسيّ، فجلس عَليْهِ السّلطان، ووعظه الخليفة وتلى عَليْهِ قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٩٩: ٧- ٨ [٤] وأمره بالإحسان إلى الرّعيّة، ثمّ أذن للوزير أَبِي طَالِب في تفسير ذَلِكَ عَليْهِ، ففسّره، وأعاد عَنْهُ أنّه قَالَ: وفّقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين، وارتسامها بالسّعادات. فلمّا فعلا قال: اقمع بهما الكُفّار والمُلْحِدين. وعَقَد لَهُ بيده لواءين حُمِلا معه، وخرج، فقُدَّم لَهُ في صحن الدّار فَرَسٌ مِن مراكب الخليفة، بمركبٍ جديد صينيّ، وقيد بين يديه أربعةُ أفراس بمراكب الذَّهَب [٥] .

стр. 16717

[الأمطار ببغداد] وفيها كان ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثمّ وقع ثلْجٌ، عظيم وكبرُ حتى كَانَ عُلُوَّ ذِراع [١] . [الثلج بالبصرة] قال ابن الجوزيّ: [٢] وقد ذكرنا في كتابنا هذا، يعني «المنتظم» ، أنّ الثّلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرّشيد، وفي أيّام المقتدر، [والمعتمد] [٣] ، وفي أيّام المطيع، والطّائع، والقادر، والقائم، وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السّنة، فإنّه بقي خمسة عشر يومًا ما ذاب، وهلك شجر الأتْرُجّ، [والنارنج] [٤] واللّيمون، ولم يُعْهَد سقوط ثلجٍ بالبصرة إلّا في هذه السّنة [٥] . [خروج دُبَيْس إلى الحلّة ومصالحته] ودخل دبيس الحِلّة، فأخرج أهلها، فازدحموا على المعابر، فغرق منهم نحو الخمسمائة، ودخل أخوه النّيل، فأخرج شِحْنة السّلطان منها، وأخذ ما فيها مِن الميرة، فحثّ الخليفةُ السّلطان عَلَى دُبَيْس، فندب السّلطان الأمراء لقصد دُبَيْس، فلمّا قصدوه أحرق دار أَبِيهِ، وذهب إلى النّيل، فأتى العسكر الحِلّة، فوجدوها فارغة، فقصدوه وهو بنواحي النّيل، ثمّ صالحوه. وخَلَف السّلطان [٦] . [إقطاع المَوْصِل لأقسنقر] وفي صَفَر أقطع السّلطان أقسُنْقُر البُرْسُقيّ المَوْصِل وأعمالها، وبعثه إليها،

стр. 16718

وأمره بجهاد الفرنج، فسار إليها في عسكر كبير، واستقرّ بها [١] . [حُكم إيلغازي بماردين] وكان الأمير إيلغازي بْن ارْتُق في هذه المدّة حاكمًا عَلَى ماردين وحلب، وابنه سليمان بحلب، فعزل سليمان منها لكونه أراد أن يعصي عَلَى أَبِيهِ [٢] . [إلزام الباعَةَ المكوس] وفيها أُعيدت المُكُوس، وأُلْزمت الباعة أن يدفعوا إلى السّلطان ثُلُثي ما يأخذونه مِن الدّلالة، وفُرِض عَلَى كلّ ثوبٍ مِن السّقْلاطونيّ ثمانية قراريط. ثمّ قِيلَ للباعة: زِنوا خمسة آلاف شكرًا للسلطان، فقد أمر بإزالة المُكُوس [٣] . [مرض الوزير وشفاؤه] ومرض وزير السّلطان، فعاده السّلطان وهنّأه بالعافية، فاحتمل واحتفل وعمل، أعني الوزير، وليمة عظيمة إلى الغاية، فيها الملاهي والأغاني، نابه عليها خمسون ألف دينار [٤] . [وفاة ابن يلدرك] وفيها تُوُفّي عليّ بْن يلدرك التُّرْكيّ، وكان شاعرًا مترسّلًا ظريفًا، تُوُفّي في صَفَر ببغداد. قَالَ أبو الفَرَج بْن الْجَوْزيّ [٥] : نقلت مِن خطّ ابن عقيل قَالَ: حدَّثني الرئيس أبو الثّناء عليّ بْن يلدرك، وهو مِن خَبرته بالصّدْق، أنّه كان في سوق نهر

стр. 16719

المُعَلَّى، وبين يديه رَجُل عَلَى رأسه قفص زجاج، وهو مضطّرب المشْي، يظهر منه عدم المعرفة بالحَمْل، فما زلت أترقَّب سقوطه. قَالَ: فسقط، فتكسّر الزّجّاج، فبُهت الرجل، ثمّ أخذ عند الإفاقة مِن البكاء يَقُولُ: هذا والله جميعُ بضاعتي، والله لقد أصابني بمكّة مصيبة عظيمة تُوُفّي عَلَى هذه، ما دخل عَلَى قلبي مثل هذه. واجتمع حوله جماعة يَرْثُون لَهُ، ويبكون عَليْهِ، وقالوا: ما الَّذِي أصابك بمكّة؟ قَالَ: دخلت قُبَّة زمزم، وتجرَّدت للاغتسال، وكان في يدي دُمْلُج ثمانون مثقلًا، فخلعته واغتسلت، وأُنْسيتُه، وخرجت. فقال رَجُل مِن الجماعة: خُذْه، لَهُ معي سنين. فدُهش النّاس مِن إسراع جَبْر مصيبته. [منازلة ابن تاشفين قُرْطُبَة] وفيها نازل المُلْك عليّ بْن يوسف بْن تاشفين البربريّ مدينة قُرْطُبَة وحاصرها، وأذلّ النّاس، فتذلَّلوا لَهُ، وبذلوا لَهُ أموالًا عظيمة، حتّى ترحّل عَنْهُم. وكانوا قد خرجوا عَليْهِ لكونه بعث عَلَى نيابه قُرْطُبَة قائدًا ظالمًا، فأراد عبدٌ مِن عُبَيْده أن يُكره امرَأَة ويضطهدها علانية، فضربه النّاس، فآل الأمر إلى قتال، حتّى تسوّروا عَلَى القائد وأخرجوه، بعد أن كادوا يقتلوه. وجَرَت فتنة عظيمة. وكان البربر في هذه السّنين غالبين عَلَى الأندلس، وفيهم قِلّة دِين. وقبل سفر ابن تاشّفين وقف لَهُ بجامع مُرّاكُش محمد بْن تُومَرْت الفقيه، وكلّمه بكلام فجّ، فقال: أيّها الأمير، إنّك حِلْت بين بصرك وبين الحقّ، فظلمت التّقليد، وقلّدت قومًا أكلوا الدّنيا بالآخرة، وأنا أُناظرهم بين يديك، وأصقل مرآتك، حتّى تأمر بالاحتياط عَليْهِ. وأحضر لَهُ جماعة مِن أهل الأُصول والفروع.

стр. 16720

سنة ست عشرة وخمسمائة [مصالحة البرسقيّ ودبيس بن صَدَقة] فيها كلّم الخليفة الوزير أبا طَالِب السّميرميّ في أمر دُبَيْس، وأنّ في قريةٍ من بغداد خطرا، فنؤثر مقام آق سنقر البُرْسُقيّ عندنا لنُصْحه، فوافق السّلطان محمود عَلَى ذَلِكَ [١] . ثمّ خرج في ربيع الأوّل مِن بغداد، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهُرٍ ونصف. وخلع عَلَى البُرْسُقيّ، وكُلّم في شأن دُبَيْس، فتوجّه إلى صَرْصر، وتصافّ [٢] العسكران، وانْجَلَت الوقعة عَنْ هزيمة البُرْسُقيّ، وكان في خمسة آلاف فارس، ودبيس في أربعة آلاف [٣] ، وبأسلحة ناقصة، إلّا أنّ رَجّالته كانت كثيرة. ورأى البُرْسُقيّ في الميسرة خَلَلًا، فأمر بحطّ خيمته لتُنْصب عندهم ليشجعهم بذلك، وكان ذَلِكَ ضلّة من الرّأي، لأنهم لمّا رأوْها حُطَّت أشفقوا فانهزموا، وكان الحَرّ شديدًا، فهلكت البراذين والهمالج عطشًا، وترقّب النّاس مِن دُبَيْس الشّرَّ، فلم يفعل، وأحسن السّيرة، وراسل الخليفة وتلطّف، وتقرَّرت قواعد الصُّلح [٤] . [وزارة الزَّيْنَبيّ] ثمّ جرت أمور، وولي عليّ بْن طِراد الزَّيْنَبيّ نيابة الوزارة، وعزل ابن صدقة، ولم يؤذ [٥] .

стр. 16721

[وزارة عثمان بْن نظام المُلْك] ثمّ قِدم قاضي القضاة أبو سعيد الهَرَويّ مِن العسكر بتُحَفٍ مِن سَنْجَر، وأنّ السّلطان محمود قد استوزر عثمان بْن نظام المُلْك [١] ، وعوَّل عثمان عَلَى أَبِي سَعْد بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد بْن نظام المُلْك، وأنّه لَا يستقيم لَهُ وزارة بدار الخلافة. [نزول ابن صَدَقة حُديثة الفرات] فتخيّر ابن صَدَقة حُدَيْثة الفرات ليكون عند سليمان بْن مُهارش. فأُخرج وخُفِر [٢] ، فوقع عَليْهِ يوسف الحراميّ [٣] ، وجَرَت لَهُ معه قصص [٤] . [وزارة أحمد بن النظام] واستدعى أبو نصر أحمد بن النّظام مِن داره نقيب النُّقباء عليّ بْن طِراد، وابن طلحة، ودخل الخليفة وحده وخرج مسرورًا، وخلع عَليْهِ للوزارة [٥] . [تألُّم دُبَيْس مِن معاملة الخليفة لَهُ] وفي رمضان بعث دُبَيْس طائفة، فنهبوا أكثر مِن [مائة] [٦] ألف رأس، فأرسل إليه الخليفة يُقَبّح ما فعل، فبثّ ما في نفسه، وما يعامَل بِهِ مِن الأمور المُمضّة [٧] ، منها أنّهم [ضمنوا] [٨] لَهُ إهلاك عدوّه ابن صَدَقة الوزير، فأخرجوه مِن الضّيق إلى السَّعة، ومنها أنّه طلب إخراج البُرْسُقيّ مِن بغداد، فلم يفعلوا. ومنها أنّهم وعدوه في حقّ أخيه منصور أن يُطْلقُوه [٩] . وكان قد عصى عَلَى السّلطان بَركْيَارُوق وخطب لمحمد، فلمّا ولي محمد

стр. 16722

صار لَهُ بالخطبة، جاءه عند محمد، وقرّر مَعَ أخيه أن لَا يتعرَّض لصَدَقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودممًا، والفَلُّوجة، وأعطاه واسط، وأذن لَهُ في أخْذ البصرة، فصار يدلّ عَلَى السّلطان الإدلال الَّذِي لَا يحتمله، وإذا وقّع إليه زاد [١] التوقيع، وطال مُقام الرَّسُول عَلَى مواعيد لَا يُنْجزها، وأوحش أصحاب السّلطان، وعادى البُرْسُقيّ. وكان أيضًا قد أظهر سبّ الصّحابة بالحِلّة، فأخذ العميد أبو جعفر ثقة الملك فتاوى فيما [٢] يجب عَلَى من سبّ، وكتب المَحَاضِر فيما يتمّ في بلاد ابن مَزْيَد مِن تَرْك الصَّلَوات، وأنّهم لَا يعتقدون الجمعة ولا الجماعات، ويتظاهرون بالمحرَّمات. فكتب الفُقهاء بأنّه يتعيَّن قتالهم. ثمّ قصد العميد باب السّلطان وقال: إنّ حال ابن مَزْيَد قد عظُمَت، وقد قلّت فكرته في أصحابك، واستبدّ بالأموال، وأراه الفَتْوَى وقال: هذا سُرْخاب قد لجأ إِليْهِ، وهو عَلَى غاية مِن بِدْعته الّتي هِيَ مذهب الباطنيّة. وكانا قد اتّفقا عَلَى قلب الدّولة، وإظهار مذهب الباطنيّة. [احتماء سُرْخاب بابن مَزْيَد] وكان السّلطان قد تغيّر عَلَى سُرخاب، فهرب منه إلى الحِلّة، فتلقّاه [دُبَيْس] [٣] بالإكرام، فراسله السّلطان، وطالبه بتسليم سُرخاب، فقال: لَا أسلَّم من لجأ إليَّ [٤] ، وإنّ السّلطان قَصَده. فاستشار أولاده، فقال ابنه دُبَيْس: تُسلّم إليَّ مائة ألف دينار، وتأذن لي أن أنتقي ثلاثمائة فرس من الإصطبلات، وتجرّد معي ثلاثمائة فارس، فإنّي أقصد باب السّلطان، وأعتذر عنك، وأخدمه بالمال والخيل، ويقرّر معه أن لَا يتعرَّض لأرضك. فقال غيره: الصّواب أن لَا تُصانع مِن تغيَّرت [٥] فيك نيتّه. فقال: هذا الرأي. وجمع عشرين ألف فارس، وثلاثين ألف راجل، وتمّت وقعة هائلة، ثمّ قُتِل صدقة. وقد مرّ ذلك [٦] .

стр. 16723

[خروج الخليفة لقتال دُبَيْس] ونشأ دُبَيْس، ففعل القبائح، ولقي النّاس منه فنون الأذى، وطغى وبغى، فنفذّ إليه المسترشد يهدّده، فتواعد وأوعد، وأرسل، وبعث طلائعه، فانزعج أهل بغداد. فلمّا كَانَ ثالث شوّال صلب البُرْسُقيّ تسعةً، قِيلَ: إنّهم مجهّزون مِن دُبَيْس لقتْل البُرْسُقيّ، وعبر البُرْسُقيّ في ذي القِعْدة. ونصب [١] الخليفة سُرَادقة عند رقة ابن دحروج، ونصب هناك الجسر. وبعث القاضي أبا بَكْر الشّهْرَزُورِيّ إلى دُبَيْس يُنْذره. وفي الكلام: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ١٧: ١٥ [٢] . فاحْتدّ وغضب وجمع، فكانت فرسانه تزيد عَلَى ثمانية آلاف، ورجّالته عشرة آلاف. ونزل المسترشد باللَّه راكبًا مِن باب الغربة، ثمّ عبر في الزّبزب، وعليه القباء والعمامة، وبيده القضيب، وعلى كتفه البُرْدَة النّبويّة، وعلى رأسه طَرْحة، ومعه وزيره أحمد بْن نظام المُلْك، وقاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ، والنّقيبان، والهاشميّون، والقُضاة، فنزل بالمخيم، وأقام بِهِ أيّامًا [٣] . [مقتل الوزير السُّمَيْرميّ] وفيها قُتِل الوزير أبو طَالِب السُّمَيْرميّ ببغداد [٤] . [وزارة شمس المُلْك] وولي وزارة السّلطان محمود بعده شمس المُلْك عثمان بْن نظام المُلْك، فأبطل ما جدّده السُّمَيْرميّ مِن المُكُوس [٥] . [مقتل الأمير جيوش بك] وفي رمضان قتل السّلطان محمود الأمير جيوش بك. وكان تُركيّا مِن

стр. 16724

مماليك السّلطان محمد، وكان مَهِيبًا شجاعًا. قتله محمود خوفًا، فأمِن غائلته [١] . [وفاة إيلغازي] وفيها مات إيلغازي صاحب ماردين، وحلب، وميّافارقين [٢] . [إقطاع البُرْسُقيّ واسط وأعمالها] وفيها أقطع السّلطان محمود قسيم الدّولة البرسقيّ واسطا وأعمالها، مُضافًا إلى ولاية المَوْصِل، وشِحنكيّة العراق. فسيّر إلى واسط عماد الدّين زنْكيّ بْن أقسُنْقُر [٣] . [الغزنوي الواعظ ببغداد] وفيها وصل إلى بغداد أبو الحَسَن الغَزْنَويّ، فوعظ، وأقبلوا عَليْهِ [٤] ، [ورُود أَبِي الفتوح الإسْفرائينيّ بغداد] ثمّ ورد بعدُ أبو الفتوح الإسْفرائينيّ، ونزل برباط أبي سَعْد، وتكلَّم بمذهب الأشْعَريّ، ثمّ سلّم إِليْهِ رباط الأرجوانيّة [٥] .

стр. 16725

سنة سبع عشرة وخمسمائة [الحرب بين المسترشد ودُبَيْس] في أوّلها رحل المسترشد باللَّه، ثمّ نزل بقرية تعرف بالحُدَيْثة مِن نهر المُلْك، وأتاه البُرْسُقيّ وجماعة مِن الأمراء، وحلفوا عَلَى المناصحة والمبالغة في الحرب. وقرأ محمد بْن عُمَر الأهوازيّ عَلَى المسترشد «جُزْء ابن عَرَفَة» وهو سائر [١] . ثمّ سار إلى النّيل. ورتّب البُرْسُقيّ بنفسه الجيش صفوفًا، فكانوا نحو الفرسخ عَرْضًا، وجعل بين كلّ صفين مجالًا للخيل، ووقف الخليفة في موكبه مِن ورائهم، بحيث يراهم: فرتَّب دُبَيْس عسكره صَفًا واحدًا، والرّجالة بين يدي الفُرْسان بالتّراس الكبار، ووقف في القلب، ومنّى عسكره، ووعدهم نهْبَ بغداد. فلمّا تراءى الْجِمْعان حملت رجّالة دُبَيْس، وكان قد استصحب معه القِيان والمخانيث بالدُّفوف والزَّمْر يحرّضون عسكره، ولم يُسمع في عسكر الخليفة إلّا القرآن والذَّكر والدّعاء، فحمل عنبر الكرديّ عَلَى صفّ الخليفة، فتراجعوا وتأخّروا، ثمّ جرّد الخليفة سيفه وصعد على تلّ، فقال عسكر دُبَيْس إنْ عنبرًا [٢] خامر، فلم يصدَّق. فلمّا رَأَى المهد والعَلَم والموكب قد صعدوا أيقن غدر عنبر [٢] بْن أَبِي العسكر، فهرب ووقعت الهزيمة. وعَبَر دبيس الفُرات بفرسه،

стр. 16726

وأدركته الخيل، ففاتهم [١] ، فقيل: إنّ عجوزًا هناك قَالَتْ: دُبَيْس دُبَيْر خبيث [٢] . فقال: دُبير مِن لم يجيء. وقُتِل خلْقٌ مِن رَجّالته، وأُسِر خلْق كبير. وقُتل مِن عسكر الخليفة عشرون فارسًا، وعاد منصورًا [٣] . [بناء سور بغداد] ودخل بغداد يوم عاشوراء. وأمر بجباية الأموال ليعمل سورًا عَلَى بغداد، فجبي شيء كثير، ثمّ أعيد إليهم، فعظُم دعاؤهم لَهُ، وشرعوا في عمل السُّور في صَفَر. وكان كلّ جمعة يعمل أهله محلّةً يخرجون بالطّبول والخيالات [٤] . [ختان أولاد الخليفة] وعزم الخليفة عَلَى ختان [٥] أولاده وأولاد إخوته، فكانوا اثنا عشر صبيا، فغلّقت بغداد، وعمل النّاس القباب، عملت خاتون قبّة باب النّوبيّ، وعلَّقت عليها مِن الدّيباج والجواهر ما أدهش الأبصار، وعملت قبّة عَلَى باب السّيّد العلويّ، عليها غرائب الحليّ والحلل، من ذَلِكَ ستران [٦] مِن الدّيباج الرُّوميّ، طُول الستْر نحو عشرين ذراعًا، عَلَى الواحد اسم المتّقي للَّه، وعلى الآخر اسم المعتزّ باللَّه، وبقوا أسبوعا [٧] .

стр. 16727

[أعمال دُبَيْس المنكَرَة] وجاء الخبر أنّ دُبَيْس ذهب إلى غَزَيَّة [١] ، فدعاهم إلى الشّقاق، فقالوا: ما عَادتُنا معاداةُ الملوك، فذهب إلى بني المنتفق [٢] ، فخالفوه، وقصد البصرة، وكبس مشهد طلْحة والزُّبَيْر، فنهب ما هناك، وقتل خلقًا كثيرًا، وعزم عَلَى قطْع النَّخْل، فصالحوه عَلَى مال، وجعلوا عَلَى كلّ رأس شيئًا [٣] . [القبض عَلَى الوزير شمس المُلْك] وفيها قبض السّلطان محمود عَلَى وزيره شمس المُلْك عثمان بْن نظام المُلْك، لأنّ سَنْجَر طلبه منه، فقال أبو نصر المستوفي لَهُ: مَتَى ذهب إلى سَنْجَر لم تأمَنْه، فاقتله وابعث برأسه. فقتله وبعث إلى الخليفة ليعزل أخاه، فانقطع في منزله، وناب في الوزارة عليّ بْن طِرَاد [٤] . [وزارة ابن صَدَقة] ثمّ طلب الوزير ابن صَدَقة مِن الحُدَيْثَة، فأُحضر، واستوزر في ربيع الآخر [٥] . [استيلاء الأمير بَلْك عَلَى حرّان وحلب] وفيها استولى الأمير بَلْك بْن بهرام بْن أُرْتُق عَلَى حَرّان، وسار منها فنزل عَلَى حلب، وضيّق عليها، وبها ابن عمّه بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار،

стр. 16728

فسلمها إِليْهِ بالأمان، فدخلها وتزوَّج بِنْت المُلْك رضوان [١] . [التدريس في نظاميّة بغداد] وقدم ابن الباقَرْحِيّ ومعه كُتُب محمود وسَنْجَر بتدريس نظامية بغداد. ثمّ وصل في شَعْبان أسعد المِيهَنيّ بتدريسها، وصرف ابن الباقر حيّ [٢] . [موت ابن قُراجا صاحب حماه] وفيها سار محمود بْن قُراجا صاحب حماه إلى حصن فامية، ونهبَ ودخلها، فأصابه سَهْم، وعاد فمرض ومات، وكان ظالمًا جائرًا، فاستولى طُغتِكين صاحب دمشق عَلَى حماه، ورتّب بها واليا وعسكرًا [٣] . [مقتل بَلْك صاحب حلب] وفيها التقى بَلْك صاحب حلب بالفرنج، فهَزمهم وقتل منهم خلقًا، وعاد إلى مَنْبج فحاصرها وبها الأمير حسّان، فأتاه سهْمٌ غَرْب قتله [٤] . [تحوّل تمرتاش عَنْ حلب] وتسلَّم حسام الدّين تمرتاش حلب فسكنها [٥] ، رتَّب بها نوّابه، ثمّ سار إلى ماردين لأنّه رَأَى الشّام في بلاء وحروب مَعَ الفرنج مستمرّة، وكان يحبّ الرَّفاهيّة والرّاحة، فأُخذِت حلب منه [٦] .

стр. 16729

سنة ثمان عشرة وخمسمائة [ظهور الباطنيّة بآمد] وردت الأخبار بأنّ الباطنيّة ظهروا بآمد وكثروا، فنفر إليهم أهل آمد، فقتلوا منهم سبعمائة رَجُل [١] . [ردّ شِحنكيّة بغداد إلى برتقش] ورُدَّت شِحنكيّة بغداد إلى سَعْد الدّولة برتقش [٢] الزَّكَويّ، وأُمِر البُرْسُقيّ بالعَوْد إلى المَوْصِل [٣] . [تأهّب الخليفة لمواجهة ابن صدقة] وورد الخبر بأنّ دُبَيْس بْن صَدَقة التجأ إلى المُلْك طُغْرُلْبَك أخي السّلطان محمود بعد عوده مِن الشّام، وأنّهما عَلَى قصْد بغداد، فتأهَّب الخليفة، وجمع الجيوش من كلّ ناحية [٤] .

стр. 16730

[الوباء ببغداد والبصرة] وجاء الوباء ببغداد وإلى البصرة في ربيع الأوّل [١] . [زواج الخليفة] وتزوَّج الخليفة ببنت السّلطان سَنْجَر [٢] . [قتل جماعة مِن الباطنية] وفيها أُخِذَ جماعة مِن الباطنيّة كانوا قد قدموا في قافلة، فقَتلوا في بغداد. قِيلَ: جاءوا لقتل الوزير ابن صَدَقة والأمير نظر. وأُخذ في الجملة ابن أيّوب قاضي عُكْبَرا ونُهِب، فقيل: كانت عنده مدارج مِن كُتُب الباطنيّة، وأُخذ آخر كَانَ يُعينهم [٣] . [القبض عَلَى أستاذ الدار] وفيها قُبِض عَلَى ناصح الدّولة أستاذ الدّار وصودر، وقُرّرَ عَليْهِ أربعون ألف دينار [٤] . [مقتل بَلْك صاحب حلب] وفيها التقى صاحب حلب بَلْك بن بهرام هُوَ والفرنج، فهزمهم وقتل منهم خلقًا، وعاد فحاصر مَنْبج، وهي لحسّان البَعْلَبَكّيّ، فجاءه سهمٌ غَرْبٌ قتله، وكان معه ابن عمّته تمرتاش بْن إيلغازيّ، فحمله قتيلًا إلى ظاهر حلب، وتسلّمها في ربيع الأوّل مِن السّنة، واستقرّ بها. ثمّ رتَّب بها نائبًا لَهُ، وردّ إلى ماردين لأنّه رَأَى الشّام كثيرة الحروب مَعَ الفرنج، وكان يحبّ الرّاحة، فلمّا ردّ أُخذت حلب منه [٥] .

стр. 16731

[محاصرة الإفرنج صور] وفيها أخذت الفرنج صور، وكان بها عسكر للعُبَيْدييّن ونائبٌ إلى سنة ستّ وخمسمائة، فحاصرتها الفرنج، وخرَّبوا ضِياعها، ثمّ نَجَدَهُم صاحب دمشق طُغتِكين، وأمدَّهم بما يُصلحهم، ولم يقطع منها خطبة المصرييّن، فبعث إليه صاحب مصر يشكره ويُثْني عَليْهِ، وجهَّز لها أسطولًا [١] . [القبض عَلَى والي صور] واستقام أمرها عشر سنين لأمر مسعود الطّغْتكِينيّ، لكنّه كثرت الشّكاية منه، فجاء أصطول مِن مصر، ومعهم أمرٌ أن يقبضوا عَلَى مسعود، فخرج مسعود للسّلام عَلَى مقدَّم الأصطول، وطلع إلى المركب، فقبض عَليْهِ المقدّم، ونزل إلى البلد، فاستولى عَليْهِ، وبعث مسعودا إلى مصر، فأكرموه وردّوه إلى دمشق، فرضي طُغتِكين بذلك [٢] . [عودة الفرنج لمحاصرة صور وسقوطها] وتحرّكت الفرنج، وقويت أطماعهم، فرأى المصريّون أن يردّوا أمرها إلى طُغتِكين، وراسلوه بذلك، فملكها، ورتّب بها الْجُنْد، فنازلها الفرنج، وجَدُّوا في الحصار، وقلَّت بها الأقوات. وسار طُغتِكين إلى بانياس ليرهب الفرنج، فما فكّروا فيه، واستنجد بالمصرييّن، فما نجدوه، وتمادت الأيّام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل طغتكين ملك الفرنج، على أن يسلّمها إليه، ويمكّن أهلها مِن حمل ما يقدرون عَليْهِ مِن الأمتعة، فأجابه إلى ذَلِكَ، ووفى بالعهد، وتفرَّقت أهلوها في البلاد، ودخلها الفرنج في الثّالث والعشرين مِن جُمَادَى الأولى. وكانت مِن أمنع حصون الإسلام، فإنا للَّه وإنّا إِليْهِ راجعون. ودامت في يد الفرنج إلى سنة تسعين وستّمائة [٣] .

стр. 16732

[عزل البرسقي عن بغداد] وفيها عزل عن بغداد البرسقيّ، وولي سعد الدّولة برتقش الزّكويّ، ولأنّ المسترشد نفر عَنِ البُرْسُقيّ، وطلب مِن السّلطان أن يصرفه، فأجابه [١] . [إكرام السّلطان لعماد الدين زنكي] وسار عماد الدّين زنكي مِن البصرة، وكانت إقطاعه، إلى خدمة السّلطان محمود، فأكرمه وردّه عَلَى إمرة البصرة [٢] . [ملك البُرْسُقيّ حلب] وفي ذي الحجّة ملك البُرْسُقيّ مدينة حلب، وكانت الفرنج لمّا ملكوا صور طمِعوا، وقويت نُفُوسهم، ثمّ وصل إليهم دُبَيْس بْن صَدَقة، قبّحه الله، فطمَّعهم أيضًا في المسلمين، وقال: إنّ أهل حلب شيعة، ويميلون إلى، ومتى رأوْني سلّموها إلى، فأكون نائبًا لكم. فساروا معه، وحاصروا حصارًا شديدًا، فاستنجد أهلها بالبُرْسُقيّ، فسار إليها بجيوشه، فترحّل الفرنج عنها وهو يراهم، فلم يهجمهم، ودخل حلب ورتّب أمرها [٣] .

стр. 16733

سنة تسع عشرة وخمسمائة [القبض عَلَى دُبَيْس] في صِفْر برز الخليفة إلى صحراء الشّمّاسيّة بجيوشه، ثمّ رحل فنزل الدَّسْكَرَة. وجاء دُبَيْس وطُغْرُلْبَك فدبّروا أن يكبسوا بغداد ليلا، ويحفظ دبيس المخائض، ويَنْهب طُغْرُلْبَك بغداد، فمرض طُغْرُلْبَك تِلْكَ الليلة، وجاء المطر [١] ، وزاد الماء، وضجّ النّاس بالابتهال إلى الله تعالى، وأُرْجِف عند الخليفة بأنّ دُبَيْسا دخل بغداد، فرحل مُجدّا إلى النّهروان، فلم يشعر دُبَيْس إلّا برايات الخليفة، فلمّا رآها دُهش، وقبّل الأرض، وقال: أَنَا العبد المطرود، أمّا أن يُعْفى عَنِ العبد المذنب، فلم يُجِبْه أحد، فأعاد القول والتضرُّع، فرقَ لَهُ الخليفة، وهم بالعفو عَنْهُ، فصرفه عن ذَلِكَ الوزير أَبُو علي بن صدقة، وبعث الخليفة نظر الخادم إلى بغداد بالبشارة، ونودي في البلد بأن يخرج العسكر لطلب دُبَيْس، والإسراع مَعَ الوزير ابن صَدَقة. ودخل الخليفة. وسار دُبَيْس وطُغْرُلْبَك إلى سَنْجَر مستجيرين بِهِ، هذا مِن أخيه، وهذا مِن الخليفة، فأجارهما، وليّسا [٢] عَليْهِ فقالا: قد طَرَدنا الخليفة وقال: هذه البلاد لي. فقبض سنجر على دبيس وسجنه خدمة للخليفة [٣] . [شكوى برتقش مِن الخليفة] وفي رجب راح سَعْد الدّولة برتقش، فاجتمع بالسّلطان خاليا وأكثر

стр. 16734

الشّكوى مِن الخليفة، وحقّق عنده أنّه يطلب المُلْك، وأنّه خرج مِن بيته نَوْبَتَين وكَسَر مِن قَصَده، وإن لم يفكّر في حسْم ذَلِكَ اتسع الخَرْق. وسترى حقيقة ذَلِكَ إذا دخلت بغداد. والّذي يحمله عَلَى ذَلِكَ وزيره. وقد كاتب أمراء الأطراف، وجمع الأكراد والعرب. فحصل في نفس محمود ما دعاه إلى المجيء إلى بغداد [١] . [رواية ابن الجوزي عَنْ قتل أقسُنْقُر] وفيها قتلت الباطنيّة بالموصل أقسُنْقُر البُرْسُقيّ في مقصوره الجامع، فيما ذكر ابن الجوزي [٢] . والصّحيح سنة عشرين. [كسرة الفرنج للبُرْسُقيّ] وفيها قِدم البُرْسُقيّ فنازل كَفَرْطاب، وأخذها مِن الفرنج، ثمّ عمل مَصَافًا مَعَ الفرنج، وكانوا خلقا، فكسروه، وقتلوا نحوا الألف مِن المسلمين، وأسروا خلقًا [٣] . [هزيمة المسلمين أمام بغدوين] وفيها جمع بغدوين الصّغير صاحب القدس وحشد، وأغار عَلَى حَوْران، فخرج لحربه طُغتِكين في خلْق كثير وتُرْكُمانٌ قدموا للجهاد، وخلْقٌ مِن أحداث دمشق، ومن المرج، والغُوطةً بالعُدَد التّامّة، فالتقوا بمرج الصُّفَّر، فحملت الملاعين عَلَى المسلمين، فهزموهم إلى عَقَبَة سحوراء، وقتلوا أكثر الرّجّالة، وما نجا إلّا مِن لَهُ فرس جواد. ورجاء طُغتِكين وقد أُسِرت أبطالُه، وما شكّ النّاس أنّ الفرنج يصبّحون البلد، فحازوا الغنائم والأسْرى ورجعوا، [٤] فلا قوّة إلّا باللَّه.

стр. 16735

[منازلة ابن رُدْمير بلاد الأندلس] وفيها عَسْكَر اللّعين ابن رُدْمير الَّذِي استولى عَلَى شرق الأندلس في جيشٍ بأربعة آلاف فارس بفاوة مِن سَرَقُسْطَة، ثمّ عَلَى بلنسية، ثمّ مُرْسِيّة، ومرّ عَلَى جزيرة شُقَير، فنازلهم أيّامًا. وكان عَلَى الأندلس تميم بْن يوسف بْن تاشَفين، ومُقامه بغُرْناطة، فجمع الجيوش. والتفّ عَلَى ابن أردمير سوادٌ عظيمٌ مِن نصارى البلاد، فوطئ بلاد الإسلام يغِير ويَنْهَب. وقصده المسلمون، فالتقوا، فأصيب خلْقٌ مِن المسلمين. وغاب ابن أردمير في بلاد الإسلام أكثر مِن سنة، ورجع بغنائم لا تحصى [١] .
следующие страницы →