وَقَالَ سليمان بْن يسار: أخذ جَهْجاه الغفِاريّ عصا عثمان التي كان يتحصّر بها، فكسرها على رُكْبَتِه، فوقعت في رُكبته الأكِلَة [١] .
وَقَالَ ابن عُمَر: كنّا نقول عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. رواه جماعةٌ عَنِ ابن عُمَر [٢] .
وَقَالَ الشَّعْبِيّ: لم يجمع القرآن أحدٌ من الخلفاء من الصحابة غير عثمان، ولقد فارق عليٌّ الدنيا وما جمعه [٣] .
وَقَالَ ابن سِيرين: كان أعلمَهَم بالمناسك عثمانُ، وبعده ابن عُمَر [٤] .
وَقَالَ رِبْعِيّ، عَنْ [٥] حُذَيْفة: قَالَ لي عُمَر بِمنًى من ترى النّاس يولُّون بعدي؟ قلت: قد نظروا إلى عثمان [٦] .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ [٧] ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: حَجَجْتُ مع عُمَر، فكان الحادي يحدو.
إنّ الأمير بعده ابن عفان.
وحججت مع عثمان، فكان الحادي يحدو.
إنّ الأمير بعده عليّ [٨] .
стр. 1718
وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ الأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ دَعَا الأَسْقُفَ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَا فِي كُتُبِكُمْ؟ قَالَ: نَجِدُ صِفَتَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ، وَلا نَجِدُ أَسْمَاءَكُمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ: مَا قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: أَمِيرٌ شَدِيدٌ، قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَالَّذِي بَعْدِي؟ قَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ يُؤْثِرُ أَقْرِبَاءَهُ، قَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفَّانَ، قَالَ: فَالَّذِي مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: صَدَعٌ [١]- وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ يقول: صدأ- من حديد، فقال عمر: وا دفراه وا دفراه [٢] ، قَالَ مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَلَكِنْ تَكُونُ خِلافُتُه فِي هِرَاقَةٍ مِنَ الدِّمَاءِ [٣] .
وَقَالَ حمّاد بْن زيد: لئْن قلتُ إنّ عليًّا أفضل من عثمان، لقد قلت إنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خانوا [٤] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرو بن عثمان قَالَ: كان نَقْشُ خاتمِ عثمان «آمنت بالذي خلق فَسَوَّى» [٥] .
وَقَالَ ابن مسعود حين استُخْلِف عثمان: أَمَّرْنا خيرَ مَن بقي ولم نَأْلُ [٦] .
وَقَالَ مُبارك [٧] بن فَضَالَةَ، عن الحسن قَالَ: رأيت عثمانَ نائمًا في المسجد، ورداؤه تحت رأسه، فيجيء الرجلُ فيجِلس إليه، [ويجيء الرجل
стр. 1719
فيجِلس إليه] [١] ، كأنّه أحدُهم، وشهِدْتُهُ يأمر في خُطْبته بقتْل الكلاب، وذبْح الحَمَام [٢] .
وعن حكيم بن عبّاد قال: أوّلُ مُنْكَرٍ ظهر بالمدينة طَيَرانُ الحَمام، وَالرَّمْيُ، يعني بالبُنْدُق، فأمر عثمان رجلًا فقصَّها، وكسر الجُلاهِقات [٣] .
وصحّ من وجوهٍ، أنّ عثمان قرأ القرآنَ كلَّه في رَكْعَةٍ [٤] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ [٥] .
وَقَالَ أَنَس: إنّ حُذَيْفَة قدِم على عثمانَ، وكان يغزو مع أهل العراق قِبَل أرمينية، فاجتمع في ذلك الغزوِ أهلُ الشّام، وأهلُ العراق، فتنازعوا في القرآن حتّى سمع حُذَيْفَة من اختلافهم مَا يكْره، فركِب حتّى أتى عثمانَ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين أدرِكْ هذه الأمّةَ قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنَّصارَى في الكُتُب. ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفْصَة أمّ المؤمنين: أنْ أرسِلي إليّ بالصُّحُف التي جُمِع فيها القرآن، فأرسَلتْ إليه بها، فأمر زيدَ بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا
стр. 1720
اختلفتم أنتم وزيد في عربيّة فاكتبوها بلسان قريش، فإنّ القرآنَ إنّما نزل بلسانهم.
ففعلوا حتّى كُتِبَت المصاحف، ثمّ ردّ عثمان الصُّحف إلى حَفْصَة، وأرسل إلى كل جُنْد من أجناد المُسْلِمين بمُصْحَفٍ، وأمرهم أن يحرقوا كلّ مُصْحَفٍ يخالف المُصْحَف الَّذِي أرسل إليهم به، فذلك زمانٌ حُرِّقت فيه المَصَاحف بالنّار [١] .
وَقَالَ مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص: خطب عثمانُ النّاس فَقَالَ: أيّها النّاس، عَهْدكُمْ بنبيّكم بضع عشرة، وأنتم تميزّون في القرآن، وتقولون قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يَقُولُ الرجل: واللَّهِ مَا نُقِيم قراءتك، فأعْزِمُ على كلّ رجلٍ منكم كان معه من كتاب الله شيءٌ لما جاء به. فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتّى جمع من ذلك كثيرًا، ثُمَّ دخل عثمان، فدعاهم رجلًا رجلًا، فناشدهم: أسَمِعْتَهُ من رَسُول اللَّه ﷺ ، وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلمّا فرغ من ذلك قَالَ: من أكْتَبُ النّاس؟ قالوا: كَاتِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زيد بن ثابت، قَالَ: فأيّ النّاس أعْرَب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قَالَ عثمان: فَلْيُمْلِ سعيدٌ ولْيَكْتُب زيد، فكتب مَصَاحِفَ ففرَّقها في النّاس [٢] .
وَرَوَى رَجُلٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ عَلِيٌّ فِي الْمَصَاحِفِ: لَوْ لَمْ يَصْنَعْهُ عُثْمَانُ لَصَنَعْتُهُ [٣] . وَقَالَ أَبُو هلال: سمعت الحسن يقول: عمل عثمان اثنتي عشرة سنة،
سارَّ عثمان، أخبره أنّه مقتولٌ، وأمره أن يكفَّ يده [١] .
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَمْزَةَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قُتِلَ الله عُثْمَانُ وَأَنَا مَعَهُ، قَالَ أَبُو حمزة: فذكرته لابن عبّاس فَقَالَ:
صَدَقَ يَقُولُ: قتل الله عثمان ويقتلني معه، قلت: قد كان عليّ يَقُولُ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ لتخضبنّ هذه من هذه. وَقَد رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الشَّرُودِ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ١٥: ٤٧ [٢] .
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ [٣] . وَقَالَ مطرف بن الشَّخَّير: لَقِيتُ عليًّا فَقَالَ [٤] : يأبا عبد الله مَا بطَّأ بك، أَجِبْ عثمانَ، ثمّ قَالَ: لئن قلت ذاك، لَقَدْ كَانَ أوصَلَنَا لِلرَّحِمِ، وأتْقانا للرَّبّ [٥] . وَقَالَ سعيد بن عَمْرو بن نُفَيْلٍ: لو أنْقَضَّ أُحُد لِما [٦] صنعتم بابن عفان لكان حقيقًا [٧] .
وَقَالَ هِشَامٌ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عُقْبَةَ [٨] بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، منهم أبو بكر
стр. 1723
الصِّدِّيقُ، أَصَبْتُمُ اسْمَهُ، وَعُمَرُ الْفَارُوقُ قَرْنٌ مِنْ حديد، أصبتم اسمه، وعثمان ذو النّورين، وأوتي كِفْلَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ قُتِلَ مَظْلُومًا، أَصَبْتُمُ اسْمَهُ [١] رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ عبد الله بن شَوْذَب: حدّثني زَهْدَم [٢] الجَرْميّ قَالَ: كنت في سَمَرٍ عند ابن عباس فَقَالَ: لأحدِّثنّكم حديثًا: إنّه لما كان من أمر هذا الرجل مَا كان، قلت لعليّ: اعتزلْ هذا الأمر، فو الله لو كنتَ في جُحْرٍ لأتاك النّاسُ حتّى يبايعوك، فعصاني، وَايْمُ الله لَيَتأَمَّرَنّ عليه معاويةُ، ذلك بأنّ الله يَقُولُ: وَمن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ١٧: ٣٣ [٣] .
وَقَالَ أَبُو قِلابة الجَرْميّ: لمّا بلغ ثُمَامَة بنَ عَدِيّ قتْلُ عثمان- وكان أميرًا على صنعاء- بكى فأطال البكاء، ثمّ قَالَ: هذا حين انتُزعت خلافةُ النُّبوَّة من أُمَّة محمد، فصار مُلْكًا وجَبْرِيّة، مَن غلب على شيءٍ أكله [٤] .
وَقَالَ يحيى بن سعيد الأنصاري: قَالَ أَبُو حُميد السَّاعدي- وكان بدْريًا- لما قُتِل عثمان: اللَّهمّ إنّ لك عليّ أنْ لَا أضحك حتّى ألقاك [٥] .
قَالَ قتادة: ولي عثمان ثنتي عشرة سنة، غير اثني عشر يومًا [٦] . وكذا قال خليفة بن خيّاط [٧] وغيره [٨] .
стр. 1724
وَقَالَ أَبُو مَعْشر السِّنْديّ: قُتِلَ لثماني عشرة [١] خَلَتْ من ذي الحجّة، يوم الجمعة [٢] ، زاد غيرُه فَقَالَ: بعد العصر، وَدُفِنَ بالبَقِيع [٣] بين العِشاءين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وهو الصّحيح، وقيل عاش ستًا وثمانين سنة [٤] .
وعن عبد الله بن فَرُّوخ قَالَ: شهدْتُه وَدُفِنَ في ثيابه بدمائه، ولم يُغسل. رواه عبد الله بن أحمد في «زيادات المُسْنَد [٥] » وقيل: صلّى عليه مروان، ولم يُغَسّل.
وجاء من رواية الواقديّ: أنّ نائلة خرجت وقد شقَّتْ جيبها وهي تصرخ، ومعها سراج، فَقَالَ جُبَيْر بن مُطْعم: أطْفئي السِّراج لَا يُفْطَن بنا، فقد رأيت الغَوْغَاء [٦] ، ثمّ انتَهَوْا إلى البقيع، فصلّى عليه جُبَيْر بن مُطْعم، وخلفه أَبُو جَهْم بن حُذَيْفَة، ونيار بن مُكْرَم، وزوجتا عثمان نائلة، وأمُّ البَنين، وهمّا دلَّتاه في حُفْرته على الرجال الذين نزلوا في قبره. ولَحَدوا له وغيَّبوا قبره، وتفرَّقوا [٧] .
ويُرْوَى أنّ جُبَيْر بن مُطْعم صلّى عليه في ستّة عشر رجلا، والأوّل أثبت [٨] .
стр. 1725
وروي أنّ نائلة بنت الفرافصة كانت مليحة الثَّغْر، فكَسَرَتْ ثناياها بحجرٍ، وقالت: واللَّهِ لَا يجتليكُنّ أحدٌ بعد عثمان، فلمّا قدِمَتْ على معاوية الشّام، خَطَبَهَا، فأبَتْ [١] .
[وَقَالَ فيها حسّان بن ثابت:
قتلتم وَلِيَّ الله في جَوْفِ داره ... وجئتم بأمرٍ جائرٍ غير مهتدي
فلا ظفرتْ أيْمانُ قومٍ تعاونوا [٢] ... على قتْل عثمانَ الرّشيدِ الْمُسَدَّدِ [٣]
وَقَالَ كعب بن مالك:
يا للرِّجال لأمرٍ هاجَ لي حَزَنًا [٤] ... لقد عجِبْتُ لمن يبكي على الدِّمَنِ
إنّي رأيت قتيلَ الدّار مُضْطَهدًا [٥] ... عثمان يُهْدَى إلى الأجداث في كَفَنٍ [٦]
وَقَالَ بعضهم:
لَعَمْر أبيك فلا تكذِبَنْ ... لقد ذهب الخيرُ إلّا قليلا
لقد سفِه النّاسُ في دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا [٧]] [٨]
стр. 1726
سَنَة سِتّ وَثَلاثِين
وَقعَة الجَمل
لمّا قُتِلَ عثمان صبرًا، سُقِط في أيدي أصحاب النّبيّ ﷺ وبايعوا عليًّا، ثمّ إنّ طلحة بن عُبَيْد الله [١] ، والزُّبَيْر بن العوام، وأمّ المؤمنين عائشة، ومَن تبِعَهُم رأوا أنّهم لَا يخلِّصهم ممّا وقعوا فيه من تَوَانِيهم في نُصْرة عثمان، إلّا أن يقوموا في الطَّلب بدمه، والأخْذ بثأره من قَتَلَته، فساروا من المدينة بغير مشورةٍ من أمير المؤمنين عليّ، وطلبوا البصرة.
قَالَ خليفة [٢] : قدِم طلْحة، والزُّبَيْر، وعائشة البصرة، وبها عثمان بن حُنَيْف الأنصاريّ وَالِيًا لعليّ، فخاف وخرج منها، ثمّ سار عليّ من المدينة، بعد أن استعمل عليها سهل بن حُنَيْف أخا عثمان، وبعث ابنه الحسن، وعمّار بن ياسر إلى الكوفة بين يديه يستنفران النّاس، ثمّ إنّه وصل إلى البصرة، وكان قد خرج منها قبل قدومه إليها حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدِيّ في سبعمائة، وهو أحد الرءوس الذين خرجوا على عثمان كما سلف، فالتقى هو وجيش طلْحة والزُّبَيْر، فقتل الله حُكَيْمًا في طائفة من قومه، وقتل مقدّم
стр. 1727
جيش الآخرين أيضًا مُجَاشع بن مسعود السُّلَميّ [١] .
ثمّ اصطلحت الفئتان، وكفُّوا عن القتال، على أن يكون لعثمان بن حُنَيْف دار الإمارة والصّلاة، وأن ينزل طلحة والزّبير حيث شاءا من البصْرة، حتّى يقدم عليّ ﵁.
وَقَالَ عمّار لأهل الكوفة: أما واللَّهِ إنّي لأعلم أنّها- يعني عائشة- زَوْجَة نبيكم في الدُّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم بها لينظُر أَتَّتبِعُونه أو إيّاها [٢] .
قَالَ سعد بن إبراهيم الزُّهْريّ: حدّثني رجلٌ من أسلم قَالَ: كنّا مع عليّ أربعة آلاف من أهل المدينة [٣] .
وَقَالَ سعيد بن جُبَيْر: كان مع عليّ يوم وقعة الجمل ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة [٤] ممّن شهِدَ بَيْعَةَ الرَّضْوان.
رواه جعفر بن أبي المُغْيرة عن سعيد.
وَقَالَ المطّلب بن زياد، عن السُّدِّيّ: شهِدَ مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدريا وسبعمائة مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقُتِلَ بينهما ثلاثون ألفًا، لم تكن مقتله أعظم منها.
وكان الشعبي يبالغ ويقول: لم يشهدها إلّا عليّ، وعمار، وطلحة، والزُّبَيْر من الصحابة.
وَقَالَ سَلَمة بن كُهَيْلٍ: فخرج من الكوفة ستّة آلاف، فقدموا على عليّ
стр. 1728
بذي قار، فسار في نحو عشرة آلافٍ، حتّى أتى البصرة [١] .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدة: كان على خيل عليّ يوم الجمل عمّار، وعلى الرَّجَّالَةِ محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وعلى الميمنة عِلْباء بن الهيثم السَّدُوسيّ، ويقال: عبد الله بن جعفر، ويقال: الحَسَن بن عليّ، وعلى الميسرة الحسين بن عليّ وعلى المقدّمة عبد الله بن عباس، ودفع اللّواء إلى ابنه محمد بن الحنفيّة [٢] وكان لواء طلحة والزُّبَيْر مع عبد الله بن حُكَيْم بن حزام [٣] ، وعلى الخيل طلحة، وعلى الرَّجَّالَةِ عبد الله بن الزُّبَيْر، وعلى الميمنة عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، وعلى الميسرة مروان بن الحكم [٤] .
وكانت الوقعة يوم الجمعة، خارج البصرة، عند قصر عُبَيْد الله بن زياد [٥] .
قَالَ اللَّيث بن سعد وغيره: كانت وقعة الجمل في جُمَادى الأولى.
وَقَالَ أَبُو اليَقْظان: خرج يومئذ كعب بن سُور الأزديّ في عُنُقه المُصْحَف، ومعه تِرْس، فأخذ بخطام جمل عائشة، فجاءه سهم غرب فقتله [٦] .
[قَالَ محمد بن سعد [٧] : وكان كعب قد طيّن عليه بيتًا، وجعل فيه كُوَّةً يتناول منها طعامه وشرابه اعتزالًا للفتنة، فقيل لعائشة: إنْ خرج معك لم يتخلف من الأزد أحدٌ، فركِبْتَ إليه فنادته وكلَّمَتْهُ فلَم يُجبْها، فقالت:
стр. 1729
ألست أمّك؟ ولي عليك حقّ، فكلَّمَهَا، فَقَالَتْ: إنّما أريد أنْ أصْلِحَ بين النّاس. فذلك حين خرج ونشر المُصْحف، ومشى بين الصَّفَّين يدعوهم إلى ما فيه، فجاءه سهم فقتله] [١] .
وَقَالَ حصين بن عبد الرحمن: قام كعب بن سور فنشر مصحا بين الفريقين، ونشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتّى قُتلَ [٢] .
وَقَالَ غيره: اصطفّ الفريقان، وليس لطلحة ولا لعليّ رأسي الفريقين قصد في القتال، بل ليتكلموا في اجتماع الكلمة، فترامى أوباش الطائفتين بالنَّبْل، وشبّت نارُ الحرب، وثارت النفوس، وبقي طلحة يَقُولُ: (أيها الّناس أنْصِتُوا) ، والفتنة تغلي، فَقَالَ: أُفّ فَرَاش النار، وذِئاب طمع، وَقَالَ: اللَّهمّ خذ لعثمان منّي اليوم حتّى ترضى، إنّا داهَنّا في أمر عثمان، كنّا أمس يدًا على من سوانا، وأصبحنا اليوم جَبَلَيْن من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان منّي في أمر عثمان ما لا أرى كفارته، إلّا بسفْك دمي، وبطلَب دمِه [٣] .
فروى قَتَادة، عن الجارود بن أبي سَبْرَة الهُذَليّ قَالَ: نظر مروان بن الحَكَم إلى طلحة يوم الجمل، فَقَالَ: لَا أطلب ثأري بعد اليوم، فرَمى طلحة بسهم فقتله [٤] .
وَقَالَ قيس بن أبي حازم: رأيت مَروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذٍ بسهمٍ، فوقع في رُكبته، فما زال يسحّ حتّى مات [٥] . وفي بعض
стр. 1730
طُرُقه: رماه بسهمٍ، وَقَالَ: هذا ممّن أعان على عثمان.
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمه، أنّ مروان رمى طلحة، والتفت إلى أبان بن عثمان وَقَالَ: قد كفيناك بعض قَتَلَة أبيك [١] .
وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ رَجُلٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: بَشِّرُوا قاتل طلحة بالنّار [٢] . وعن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: خرجنا مع عليّ إلى الجمل في ستمائة رجل، فسلكنا على طريق الرَّبَذَة، فقام إليه الحسن، فبكى بين يديه وَقَالَ: ائْذنْ لي فأتكلّم، فَقَالَ: تكلّم، ودعْ عنك أنْ تحن حنين الجارية، قَالَ: لقد كنت أشرتُ عليك بالمقام، وأنا أشير عليك الآن: إنّ للعرب جوْلة، ولو قد رجعَتْ إليها غواربُ أحلامها، لضربوا إليك آباط الإبل، حتّى يستخرجوك، ولو كنت في مثل حُجْر الضَّبّ [٣] .
فَقَالَ عليّ: أتراني لا أبا لك كنتُ منتظرًا كما تنتظر الضَّبُعُ اللَّدْمَ [٤] . وَرُوِيَ نحوه من وجهين آخرين [٥] .
وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمّ له قال: لمّا كان يوم الجمل نادى عليّ في النّاس: لَا ترموا أحدًا بسهم، وكلِّموا القوم، فإنّ هذا مقام من فَلَجَ فيه فُلِج [٦] يوم القيامة، قَالَ: فتوافقنا حتّى أتانا حَرُّ الحديد، ثمّ إنّ
стр. 1731
القوم نادوا بأجمعهم: (يا لثارات عثمان) ، قَالَ: وابن الحَنَفِيَّةِ أمامنا رتوة [١] معه اللّواء، فمدّ عليٌّ يديه وَقَالَ: اللَّهمّ أكِبَّ قتله عثمان على وُجُوههم، ثمّ إن الزُّبَيْر قَالَ لأساوِرَة معه: ارموهم ولا تبلغوا، وكأنّه إنّما أراد أن ينشب القتال. فلمّا نظر أصحابنا إلى النّشّاب لم ينتظروا أن يقع إلى الأرض، وحملوا عليهم فهزمهم الله. ورمى مروان طلحة بسهْمٍ فشكّ ساقه بجَنْب فَرَسه.
وعن أبي جرو [٢] المازِنّي قَالَ: شهِدْت عليًّا والزُّبَيْر حين تواقفا، فَقَالَ له عليّ: يا زُبير أنْشُدُك الله أسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنّك تقاتلُني وأنت ظالم لي» ؟ قَالَ: نعم ولم أَذْكُرُه إلّا في موقفي هذا، ثمّ انصرف [٣] . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ: يَا حَسَنُ، لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، قَالَ: يَا بُنَيَّ لَمْ أَرَ أَنَّ الأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا. [وَقَالَ ابن سعد [٤] : إنّ محمد بن طلحة [٥] تقدّم فأخذ بخطام الجمل [٦] ، فحمل عليه رجل، فقال محمد: أذكركم (حم) فطعنه فقتله، ثُمَّ قَالَ في محمد:
وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بآيات ربِّهِ ... قليلِ الَأذَى فيما ترى العينُ مسلمِ
هتكتُ له بالرّمح جيبَ قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
стр. 1732
يُذَكّرني [١] (حم) وَالرُّمْحُ شاجرٌ [٢] ... فهلّا تلا (حم) قبل التَّقدُّمِ
على غير شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعًا ... عليًّا ومَن لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يندَمِ
فسار عليّ ليلته في الْقَتْلَى، معه النيران، فمر بمحمد بن طلحة قتيلًا، فَقَالَ، يا حسن (محمّد السّجّاد وربّ الكعبة) ، ثمّ قَالَ: أبوه صَرَعَه هذا المصرع، ولولا برِّه بأبيه مَا خَرَج. فَقَالَ الحسن: ما كان أغناك عن هذا، فقال: ما لي وما لك يا حسن [٣]] [٤] . وَقَالَ شَرِيكٌ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وناداه عليّ يأبا عَبْدِ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى الْتَقَتْ أَعْنَاقُ دَوَابِّهِمَا، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ باللَّه، أَتَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أُنَاجِيكَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تناجيه فو الله لَيُقَاتِلَنَّكَ وَهُوَ لَكَ ظَالِمٌ» . قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، فَضَرَبَ وَجْهَ دَابَّتَهُ وَانْصَرَفَ [٥] . وَقَالَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ [٦] ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ لِلزُّبَيْرِ: يَا بْنَ صَفِيَّةَ، هَذِهِ عَائِشَةُ تملِكُ طَلْحَةَ، فَأَنْتَ عَلَى مَاذَا تُقَاتِلُ قَرِيبَكَ عَلِيًّا؟ فَرَجَعَ الزّبير،
стр. 1733
فَلَقِيَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ فَقَتَلَهُ [١] .
وَقَالَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: انصرف الزُّبَيْر يوم الجمل عن عليّ، وهم في المصافّ، فَقَالَ له ابنه عبد الله: جُبْنًا جُبْنًا، فَقَالَ: قد علم النّاس أنّي لست بجبانٍ، ولكن ذكَّرني عليّ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فحلفت أن لَا أقاتله، ثمّ قَالَ:
تَرْكُ الأمورِ التي أخشي عواقِبَها ... في الله أحْسَنُ في الدُّنيا وفي الدِّين [٢]
[وَكِيعٌ، عَنْ عِصَامِ بْنِ قُدَامَةَ- وَهُوَ ثِقَةٌ- عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الجمل الأديب، يُقْتَلُ حَوَالَيْهَا قَتْلَى كَثِيرُونَ، وَتَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ» [٣]] . وقيل: إنّ أوّل قتيلٍ كان يومئذٍ مسلم الجُهَنيّ، أمره عليّ فحمل مُصْحفًا، فطاف به على القوم يدعوهم إلى كتاب الله، فقُتِلَ. وَقُطِعَتْ يومئذ سبعون يدًا من بني ضبّة [٤] بالسيوف، صار كلَّما أخذ رجل بخطام الجمل الَّذِي لعائشة، قطِعَتْ يدُه، فيقوم آخرُ مكانه وَيَرْتَجِزُ، إلى أن صرخ صارخ اعقُروا الجمل، فعقره رجلٌ مُخْتَلَفٌ في اسمه، وبقي الجمل والهودج الَّذِي عليه، كأنّه قُنْفُذٌ من النَّبْلِ، وكان الهودج مُلَبَّسًا بالدُّروع، وداخله أمّ المؤمنين، وهي تشجّع الذين حول الجمل: (مَا شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) [٥] .
ثمّ إنّها ندِمَتْ، وَنَدِمَ عليّ لأجل ما وقع.
стр. 1734
ذِكْرُ مَنْ توفي في هَذِهِ السَّنَةِ
[[١]
الأسود بن عوف الزُّهْريّ)
[٢] له صُحْبة وهجرة قبل الفتح. وهو أخو عبد الرحمن بن عوف.
قُتِل يوم الجمل. وقد ولي ابنُهُ جابر المدينة لعبد الله بن الزُّبَيْر.
(جُنْدب بن زُهَيْر الغامِديّ الأزْدِيّ)
كوفيّ، يُقال: له صحبة. يأتي في السنة الآتية] .
حُذَيْفَة بن اليَمَان [٣] (ع)
стр. 1735
واسم اليَمان حِسْلٌ [٤]- ويقال حُسَيْلٌ [٤] على التصغير- بن جابر بن
стр. 1736
أُسَيْد، وقيل ابن عَمْرو، أَبُو عبد الله العبسيّ، حليف الأنصار، وصاحب سرَّ رسول الله ﷺ وأحد المهاجرين.
وكان أبوه أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان لحِلْفه لليَمَانية، فاستشهد يوم أُحُد [١] . وشهِدَ حُذَيْفَة أحُدًا وما بعدها من المشاهد، واستعمله عمر على المدائن، فبقي عليها إلى حين وفاته. وتُوُفّي بعد عثمان بأربعين يومًا.
روى عنه زيد بن وهب، وزِرّ بن حُبَيْش، وأبو وائل، ورِبْعيّ بن حِراش، وجماعة.
قَالَ خيثمة بن عبد الرحمن: أتيت المدينة فسألت الله أن يُيَسِّر لي جليسًا صالحًا، فيسّر لي أبا هُرَيْرَةَ، فجلست إليه، فَقُلْتُ: جئت من الكوفة أَلْتَمِس الخير، فَقَالَ: أليس فيكم سعد بن مالك مُجاب الدعوة [وابن مسعود صاحبُ طُهورُ رسول الله ﷺ ونَعْلَيْه، وحُذَيْفة] [٢] صاحبُ سرّ رسول الله، وعمّار الَّذِي أجاره الله على لسان نبيه من الشيطان، وسَلْمان صاحبُ الكتابين، يعني الإنجيل والقرآن. صحّحه التِّرْمذِيّ [٣] .
وَقَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ، قَالَ: إِنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ، وَلَكِنْ مَا حَدَّثَكُمْ عبد الله فاقرءوه. حسّنه التّرمذيّ [٤] .
стр. 1737
أبو نعيم، عن مالك بن مغول [١] عَنْ طَلْحَةَ: قَدِمَ حُذَيْفَةُ الْمَدَائِنَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ إِكَافٌ سَادِلًا رِجْلَيْهِ، وَمَعَهُ عِرْقٌ [٢] وَرَغِيفٌ وَهُوَ يَأْكُلُ. وَأَخْبَارُهُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي «تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ» [٣] .
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي الْحُسَيْلُ، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا عَلَيْنَا عَهْدَ اللَّهِ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فأخبرناه فقال: «فوالهم بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ [٤] . وحُذيْفة أحدُ أصحاب النّبيّ ﷺ الأربعة عشر النُّجباء، كان النّبيّ ﷺ أسرّ إليه أسماء المنافقين، وحفِظ عَنْهُ الْفِتَنَ التي تكون بين يدي السّاعة، وناشده عُمَر باللَّه: (أَنَا من المنافقين؟) اللَّهُمَّ لَا، ولا أزكّي أحدًا بعدك [٥] .
وقد (ذكرنا مَا) [٦] أبلى حُذَيْفَة ليلةَ الأحزاب. وافتُتِحتِ الدِّينَوَرُ عَنْوَةً على يديه [٧] . وحديثه في الكُتُب السّتّة.
стр. 1738
[١] حُكَيْم بن جَبَلَة العَبْدِي [٢]
كان متديّنًا عابدًا شريفًا مُطاعًا، بعثه عثمان على السِّنْد، ثمّ إنّه ظنّ أنّ أهلها نقضوا فقدِم منها، فسأله عثمان عنها، فَقَالَ: ماؤها وشل، ولصّها بطل، وسهلها جبل، إنْ أثر الْجُنْدُ بها جاعوا، وإنْ قلُّوا بها ضاعوا. فلم يوجه عثمان عليها أحدًا بعده [٣] .
ثمّ إنّه نزل البصرة. وقد ذكرنا أنّه أحد مَن سار إلى الفِتْنَة، ثمّ قُتِلَ في فتنة الجمل، سامحه الله. قيل إنّه لم يزل يقاتل حتّى قُطِعتْ رِجْلُه. فأخذها وضرب بها الَّذِي قطعها فقتله بها، ثمّ أخذ يقاتل ويقول:
يا ساق لن تُرَاعي ... إن معي ذراعي
أحْمي بها كُرَاعِي
حتّى نَزَفه الدَّم، فاتّكأ على المقتول الَّذِي قطع رِجْلَه، فمرّ به رجل، فَقَالَ له: مَن قطع رِجْلَك؟ قَالَ: وسادتي، فما رئي أشجع منه [٤] ، ثمّ قتله سحيم الحدّاني [٥] .
стр. 1739
الزّبير بن العوّام [١] ع
стр. 1740
ابن خُوَيْلِدِ [٢] بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصيّ بن كلاب، أَبُو عبد الله القُرَشيّ الأزديّ المكّي، حواريّ رسول اللَّه ﷺ وابن عمِّته صفيّة، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السّتّة أهل الشُّورَى، شهِدَ بدْرًا والمشاهد كلَّها، أسلم وهو ابن ستّ عشرة سنة، وكان من السابقين إلى الإسلام. وهو أول من سلّ سيفه في سبيل الله.
له أحاديث يسيرة، روى عنه ابناه عبد الله، وعُرْوَة، ومالك بن أوس ابن الحَدَثَان، والأحنف بن قيس، وحُكَيْم مولى الزُّبَيْر وغيرهم.
قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ أَبِي وَلَهُ ثَمَانِي سِنِينَ. وَنَفَحَتْ نَفْحَةٌ [٣] مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخذ بأعلى مكّة،
стр. 1741
فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ غُلامٌ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَعَهُ السَّيْفُ، فَمَنْ رَآهُ عَجِبَ وَقَالَ: الْغُلامُ مَعَهُ سَيْفٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: «مالك» ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَتَيْتُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَنْ أَخَذَكَ» [١] . وقد روي أنه كان طويلًا إذا ركِب تخطُّ رجْلاه الأرض، وأنّه كان خفيف العارضين واللّحية [٢] .
وذكر يعقوب بن شيبة بإسناد ليّن، عن الزّهريّ قال: كان الزّبير طويلا أزرق أخضر الشّعر.
وَقَالَ أَبُو نعيم: كان رَبْعَةً. خفيف اللَّحْم والِّلحْيَة، أسمر أشعر لَا يَخْضِب.
وَقَالَ الواقديّ: ليس بالقصير ولا بالطويل خفيف اللّحية أسمر] [٣] [٤] .
وقد ذَكَرْنَا أنّه انصرف عن القتال يوم الجمل، فلحقه ابن جُرْمُوز فقتله غِيلةً.
وثبت في «الصحيح» أنّ الزُّبَيْر خلَّف أملاكًا بنحو أربعين ألف ألف درهم وأكثر، وما ولي إمارةً قطّ ولا خَرَاجًا، بل كان يتّجر ويأخذ عطاءه، وقيل: إنّه كان له ألف مملوك يؤدُّون إليه الخَرَاج، فربّما تصدّق بخراجهم
стр. 1742
كلّه في مجلسه قبل أن يقوم [١] .
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ أَخِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: حَارَبَنِي خَمْسَةٌ: حَارَبَنِي أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ عَائِشَةُ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ الزُّبَيْرُ، وَأَمْكَرُ النَّاسِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، لَمْ يُدْرِكْهُ مَاكِرٌ قَطُّ، وَحَارَبَنِي أَعْبَدُ النَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كَانَ مَحْمُودًا حَتَّى اسْتَزَلَّهُ [٢] أَبُوهُ، فَخَرَجَ بِهِ، وَحَارَبَنِي أَعْطَى النَّاسِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، كَانَ يُعْطِي الرَّجُلَ الْوَاحِدَ الثَّلاثِينَ دِينَارًا وَالسِّلاحَ وَالْفَرَسَ عَلَى أَنْ يُقَاتِلَنِي [٣] . وعن موسى بن طلحة بن عُبَيْد الله، أن عليًّا والزُّبَيْر، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص وُلِدوا في عام واحد [٤] .
وقال اللّيث، عن أبي الأسود، إنّ الزُّبَيْر أسلم وهو ابن ثماني سِنِين [٥] .
وقد ذكرنا أنّ الزُّبَيْر كان يوم بدْرٍ على فَرَس، وأنّه كان لابسًا، عمامةً صفراء، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر [٦] .
стр. 1743
وفيه يَقُولُ حسان بن ثابت:
أقام على عهد النّبيّ وهدْيهِ ... حَوَارِيُّهُ والقولُ بالفِعْلِ يكمل [١]
أقام على مِنْهاجِه وطريِقهِ ... يُوَالِي وَلِيَّ الْحَقِّ والحقُّ أعْدَلُ
هو الفارسُ المشهورُ والبطل الَّذِي ... يصولُ إذا مَا كان يَوْمٌ مُحَجَّلُ
إذا كَشَفَتْ عن ساقِها الحربُ حَشَّها [٢] ... بأبيضَ سَبّاقٍ إلى الموت يُرْقِلُ [٣]
فما مِثْلُه فيهم ولا كان قَبْلَهُ ... وليس يكون الدَّهْرُ مَا دام يَذْبُلُ [٤]
ثناؤك خيرٌ من فِعالِ معاشِرٍ ... وَفِعْلُكَ يا بن الهاشميَّة أفْضَلُ
فكم كُربةٍ ذبَّ الزُّبَيْر بسيْفِه ... عن المصطفى والله يعطي فيجزل [٥]
стр. 1744
وفيه يَقُولُ عامر بن عبد الله بن الزُّبَيْر:
جَدِّي ابنُ عَمِّهِ أحمدٍ ووزِيرُه ... عند البَلاء وفارِسُ الشَّقْراءِ [١]
وغداة بدْرٍ كان أوّلَ فارسٍ ... شهِدَ الْوَغَى في الّلأمَةِ الصَّفْراء
نَزَلَتْ بسِيماه الْمَلَائِكُ نُصْرَةً ... بالحوضِ يوم تألُّبِ الأعداءِ
وعن عُرْوَة- وهو في الصحيح- أنّ عائشة قالت: يا بن أختي كان أبي [٢] تعني أبا بكر الصِّدِّيق- والزُّبَيْر من الذين استجابوا للَّه وللرّسول من بعد مَا أصابهم القرح [٣] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم الخندق: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ» ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَذَهَبَ عَلَى فَرَسٍ فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ [٤] » . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وحواريي من أمّتي» [٥] .
стр. 1745
وَقَالَ عَاصِمٌ، عَنْ [١] زِرٍّ اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيّ [وَأَنَا عِنْدَهُ] [٢] ، فَقَالَ: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْن صَفيَّةَ بِالنَّارِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ [٣] » . الْحَوَارِيُّ: النَّاصِرُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْحَوَارِيُّ: الْخَلِيلُ، وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: الْحَوَارِيُّ: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ قَالَ: إِرْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» [٤] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ: ضرب الزُّبَيْر يوم الخَنْدَق عثمانَ بنَ عبد الله بن المُغِيرَة بالسيّف فَقَدَّه إلى القُرْبُوس [٥] ، فقالوا: مَا أجْوَدَ سيفك، فغضب، يعني أنّ العمل لِيَدِه لَا لسَيْفِهِ [٦] .
وعن الزُّبَيْر أنّه دخل يوم الفتح ومعه لواءان: لواؤه، ولواء سعد بن عبادة [٧] .
стр. 1746
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ يَلْمَقَ [١] حَرِيرٍ، مَحْشُوٍّ بِالْقَزِّ يُقَاتِلُ فِيهِ [٢] .
وَقَالَ سُفْيان الثَّوريّ: كان هؤلاء الثّلاثة نجدَة أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : حمزة وعليّ والزُّبَيْر.
وَقَالَ عروة: كان في الزُّبَيْر ثلاث ضربات بالسيف، إحداهُنَّ في عاتقه، إنْ كنت لأدْخِلُ أصابعي فيها، ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يوم بدْر، وواحدة يوم اليَرْمُوك. وَقَالَ عُرْوة: أخذ بعضُنا سيفَ الزُّبَيْر بثلاثة آلاف [٣] .
وَقَالَ سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ، وَكَانَ عَلَيْهِ هُوَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ [٤] .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعَشْرَةِ إِنَّهُمْ في الجنّة فذكر منهم الزّبير [٥] .
стр. 1747
وَقَالَ عُرْوَة: قَالَ عمر بن الخطّاب: لو عهِدْت أو تركتُ ترِكَةً، كان أحبّهم إليّ الزُّبَيْر، [إنّه رُكْنٌ من أركان الدين [١] .
وَقَالَ عُرْوَة: أوصى سبعةٌ من الصحابة إلى الزُّبَيْر] [٢] منهم عثمان وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوْف، فكان يُنْفِقُ على الوَرَثة من ماله، ويحفظ عليهم أموالهم [٣] .
وَقَالَ هشام بن عُرْوَة: لمّا قُتِلَ عمرُ محا الزُّبَيْر بن العوّام نَفْسَه من الدّيوان [٤] .
وروى أحمد في «مسنده» [٥] من حديث مُطَرِّف قَالَ: قلت للزُّبَيْر: يا أبا عبد الله مَا شأنكم ضيَّعتُم عثمان حتّى قُتِلَ، ثمّ جئتم تطلبون بدمه؟! فَقَالَ الزُّبَيْر: إنّا قرأناها عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ٨: ٢٥ [٦] ، لم نكن نحسب أنّا أهلُها، حتّى وقعت منّا حيثُ وَقَعَتْ.
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ قال: كانت
стр. 1748
أُمُّ كُلْثُومَ بِنْت عُقْبة [١] بْن أَبِي مُعَيْط تَحْتَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَتْ فِيهِ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ، وَكَانَتْ لَهُ كَارِهَةً، تَسْأَلُهُ الطَّلاقَ، فَيَأْبَى حَتَّى ضَرَبَهَا الطَّلْقُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ خَرَجَ، فَوَضَعَتْ، فَأَدْرَكَهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا اللَّهُ. وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «سَبَقَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْطُبْهَا» قَالَ: لا تَرْجِعُ إِلَيَّ أَبَدًا. قَالَ الواقديّ: ثمّ تزوّجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له إبراهيم وحُميدًا. قاله يعقوب بن شيْبة [٢] .
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّ طَلْحَةَ يُسَمِّي بَنِيهِ بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِنِّي أُسَمِّي بِأَسْمَاءِ الشُّهَدَاءِ لَعَلَّهُمْ يَسْتَشْهِدُونَ: عَبْدِ اللَّهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَالْمُنْذِرِ بِالْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو، وَعُرْوَةَ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَمْزَةَ بِحَمْزَةَ، وَجَعْفَرٍ بِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُصْعَبٍ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعُبَيْدَةَ بِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ بِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَمْرٍو بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ [٣] .
وَقَالَ فُضَيْل بن مرزوق: حدّثني شقيق بن عقبة، عن قُرَّةَ بن الحارث، عن جون [٤] بن قَتَادة قَالَ: كنت مع الزُّبَيْر يوم الجمل، فكانوا يسلمون عليه بالإمرة.
وَقَالَ حُصَيْن بن عبد الرحمن، عن عَمْرو بن جاوان قَالَ: كان أوّل قتيل
стр. 1749
طلْحة، وانهزموا، فانطلق الزُّبَيْر فلقِيَه النّعِرُ [١] المُجَاشِعِيّ فَقَالَ: تعال يا حَوَارِيَّ رسول الله فأنت في ذمّتي، فسار معه، وجاء رجلٌ إلى الأحنف بن قيس، فذكَر أنّه رأى الزُّبَيْر بسَفَوَان [٢] فَقَالَ: حمل بين المُسْلِمين، حتّى إذا ضرب بعضُهم حواجِبَ بعضٍ بالسيف، أراد أن يلحق ببنيه، قَالَ: فسمعها عُمَيْر بن جُرْمُوز المُجَاشِعِيّ، وفَضَالةُ بن حابسٍ، ورجل [٣] ، فانطلقوا حتّى لقوه مع النَّعِر، فأتاه ابن جُرْمُوز من خلفه، فطعنه طعنةً ضعيفة. فحمل عليه الزُّبَيْر، فلمّا استلْحمه وظنّ أنّه قاتله، قَالَ: يا فضّالة يا فلان [٤] ، فحملوا على الزُّبَيْر فقتلوه، وقيل: طعنه ابن جُرْمُوز ثانيةً فوقع [٥] .
وَقَالَ ابن عَوْن: رأيت قاتل الزُّبَيْر، وقد أقبل على الزُّبَيْر، فأقبل عليه الزُّبَيْر، فَقَالَ الزُّبَيْر: أُذَكِّرُكَ الله، فكفَّ عنه الزُّبَيْر حتّى صنع ذلك غير مرّة، فَقَالَ الزُّبَيْر: مَا له- قاتَلَهُ اللَّهُ- يُذَكِّرُنا باللَّه وينساه.
وعن أبي نَضْرَةَ قَالَ: جاء أعرابيُّ برأس الزُّبَيْر إلى علي، فَقَالَ: يا أعرابيُّ تَبَوَّأْ مَقْعَدَكَ من النّار [٦] . وَقَالَ أَبُو جعفر محمد بن عليّ الباقر: قَالَ عليّ: إنّي لأرجو أنْ أكون أنا، وطلحة، والزُّبَيْر من الذين قَالَ الله: وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ ٧: ٤٣
стр. 1750
إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [١] ١٥: ٤٧ [٢] . وَقَالَ منصور بن عبد الرحمن الغُدّانيّ: سمعت الشّعبيّ يقول. أدركت خمسمائة أو أكثر مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقولون: عليّ، وعثمان، وطلحة، والزُّبَيْر في الجنة [٣] .
وفيه يَقُولُ جرير:
إنّ الرَّزِيةَ مَن تَضَمَّنَ قبرَه ... وادي السِّباع لِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
لمّا أتى خبرُ الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ ... سور المدينة والجبال الخشّع [٤]
وقال عُرْوَة: ترك أبي من العُرُوض خمسين ألف ألف دِرْهم، ومن العين خمسين ألف ألف دِرْهم. هذه رواية أبي أُسامة، عن هشام، عن أبيه، وروى ابن عُيَيْنَة عنه، عن أبيه قَالَ: اقتُسِم مالُ الزُّبَيْر على أربعين ألف ألف [٥] .
وادي السِّباع على سبعة فَرَاسخ من البصرة.
стр. 1751
وَقَالَ البُخَارِيّ: إنّه قُتلِ في رجب [١] .
وَقَالَ ابن عُيَيْنَة: جاء ابن جُرْمُوز إلى مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، يعني أيّام ولي العراق لأخيه فَقَالَ: أقدني بالزُّبَيْر، فكتب في ذلك إلى عبد الله بن الزُّبَيْر، فكتب إليه: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير؟ ولا بشسع نعله [٢] .
وعن عبد الله بن عُرْوَة، أنّ ابن جُرْمُوز مضى من عند مُصْعَب، حتّى إذا كان ببعض السّواد، لحِق بقصرٍ هناك، عليه زَجٌّ [٣] ، ثمّ أمر إنسانًا أن يطرحه عليه، فطرحه عليه فقتله، وكان قد كرِه الحياة لما كان يُهَوَّل عليه، ويرى في منامه، وذلك دعاه إلى مَا فعل.
[ (زيد بن صُوحان العَبْدِيّ)
[٤] أخو صعصعة، يقال: له وفادة على النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَمِعَ مِنْ عمر، وعليّ.
стр. 1752
روى عنه أَبُو وائل، والعَيْزَار بن حُرَيْث.
وكان صوَّامًا قوَّامًا، فَقَالَ له سَلْمان الفارِسيّ: إنّ لِبَدَنِك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، فأقلّ ممّا تصنع [١] .
قتل يوم الجمل] [٢] .
стр. 1753
سلمان الفارسيّ [١]
стр. 1754
ع [٢] أَبُو عبد الله الرامَهُرْمُزِيّ [٣] ، وقيل الأصبهانيّ، سابقُ الفُرْس إلى الإسلام، خَدَمَ النّبيّ ﷺ وصَحِبَه.
روى عنه ابن عباس، وأنس أبو الطّفيل، وأبو عثمان النّهديّ، وأبو عمر [٤] زاذان، وجماعة سواهم.
ثُقْبان: ثنا يعقوب بن سُفْيَان الفَسَوِيّ، ثنا زكريا بن نافع [٥] الأرْسُوفيّ [٦] ، ثنا السَّرِيّ بن يحيى، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كان سَلْمان من أهل رامَهُرْمُز، فجاء راهبٌ إلى جبالها يتعبّد، فكان يأتيه ابن دِهْقان [٧] القرية، قَالَ: ففَطِنْت له، فَقُلْتُ: اذهب بي معك، فَقَالَ: لَا، حتّى أستأمِرُه، فاستأمره، فَقَالَ: جيء به معك، فكنّا نختلف إليه، حتّى فطِن لذلك أهل القرية، فقالوا: يا راهب، إنّك قد جاورْتَنا فأحْسَنّا جِوَارَك، وإنّا نراك تريد أن تُفْسِد علينا غِلماننا، فاخرُجْ عن أرضنا، قَالَ: فخرج، وخرجت معه، فجعل لَا يزداد ارتفاعًا في الأرض، إلّا ازداد معرفةً وكرامةً، حتّى أتى الموصل، فأتى جبلًا من جبالها، فإذا رُهْبانٌ سبعة، كلّ رجل في غارٍ يتعبد فيه، يصوم ستّة أيّام ولياليهنّ، حتّى إذا كان يوم السابع، اجتمعوا فأكلوا وتحدّثوا.
فَقُلْتُ لصاحبي: اتركني عند هؤلاء [إن شئت، قَالَ: فمضى وَقَالَ:
إنّك لَا تُطِيق مَا يُطيق هؤلاء، وكان ملك بالشّام يقتل] [٨] النّاس، فأبى عليّ
стр. 1755
إلّا أن ننطلق، فَقُلْتُ: فإنيّ اخرج معك، قَالَ: فانطلقت معه. فلمّا انتهينا إلى باب بيت المقدس، فإذا على باب المسجد رجلٌ مُقْعَد قَالَ: يا عبد الله تَصَدَّقْ عليّ، فلم يكن معه شيءٌ يُعْطِيه إيّاه، فدخل المسجد فصلّى ثلاثة أيام ولياليهن، ثُمَّ إنه انصرف، فخطَّ خطًّا وَقَالَ: إذا رأيت الظِّلَّ بلغ هذا الخطَّ فأيِقظْني، فنام، وَقَالَ: فرثيتُ له من طول مَا سهر، فلم أوقظْه حتّى جاوز الخطّ، فاستيقظ فَقَالَ: ألم أقُلْ لك! قلت: إنّي رَثَيْتُ لك من طول مَا سَهِرْتَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إنّي أستحي من الله أن تمضي ساعةٌ من لَيْلٍ أو نهارٍ لَا أذكُرُه فيها، ثُمَّ خرج، فَقَالَ له المُقْعَد: أنت رجلٌ صالحٌ دخلتَ وخرجت ولم تَصّدَّقْ عليّ، فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، قَالَ: أرني يَدَك، قم بإذْن الله، فقام ليس به علّة، فشغلني النَّظَرُ إليه، ومضى صاحبي في السَّكَك، فالتفَتُّ فلم أره، فانطلقتُ أطلبُهُ.
قَالَ: وَمَرَّتْ رِفْقَةٌ من العراق، فاحتملوني، فجاءوا بي إلى المدينة، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَ: ذكرت قولهم: «إنّه لَا يأكل الصَّدَقَةَ وَيَقْبَلُ الهديّة» ، فجئت بطعامٍ إليه، فَقَالَ: «مَا هذا،؟ قلت: صَدَقَة، فَقَالَ لأصحابه: «كُلُوا» ولم يذُقْه، ثمّ إنّي رجعت وجمعت طُعَيْمًا، فَقَالَ: «مَا هذا يا سَلْمان» ؟ قلت: هدية، فأكل، قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أخبرني عن النَّصارى، قَالَ: «لَا خَيْرَ فيهم» ، فقمت وأنا مُثْقَلٌ، قَالَ: فرجعت إليه رجعة أخرى، فَقُلْتُ له: يا رسول الله أخبرني عن النصارى، قَالَ: «لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَلَا فِيمَنْ يُحِبُّهُمْ» ، فقمت وأنا مُثْقَلٌ، فأنزل الله تعالي لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ٥: ٨٢ [١] فأرسل إليّ فَقَالَ: «يا سلمان إنّ صاحبك أو أصحابك من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى» [٢] . إسناده جيّد، وزكريا