قَالَ السّلَفيّ: علّقت عَنْهُ حكايات عَنْ شيوخه الّذين صحبهم، كعبد الحقّ ابن محمد السّبْتيّ، وعبد الجليل بْن مخلوف [١] .
- حرف الفاء -
١٨٦- فضل الله بْن عُمَر بْن أحمد بْن محمد [٢] .
أبو طاهر المعروف بليلى النَّسَويّ.
سَمِعَ بدمشق: أبا القاسم الحُسَيْن بْن محمد.
وبصور: أبا بَكْر الخطيب.
وبالقدس: عَبْد العزيز بن أحمد النَّصيبيّ.
روى عَنْهُ: أبو سَعْد السمعاني، وقال: كَانَ شيخًا مَعْمَرا مشهورًا، سَمِعَ منه الكبار في مجلس نظام المُلْك مثل جدّي أبي المظفَّر السّمعانيّ، ووالدي، وعمّي.
وتُوُفّي في رمضان ودُفن برباط بمرو، وله تسعون سنة.
- حرف الميم -
١٨٧- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن أحمد بن رُشْد [٣] .
أَبِي الوليد القُرْطُبيّ المالكيّ، قاضي الجماعة بقُرْطُبَة.
روى عَنْ: أَبِي جعفر أحمد بْن رزق الفقيه شيخه، وعن: أبي عليّ الغسّانيّ.
стр. 16872
وأجاز له أبو العباس العذري.
قال ابن بَشْكُوال: [١] وكان فقيهًا عالمًا، حافظًا للفِقْه، مقدَّمًا فيه عَلَى جميع أهل عصره، عارفًا بالفتوى عَلَى مذهب مالك وأصحابه، بصيرًا بأقوالهم [٢] ، نافذَا في علم الفرائض والأُصُول، مِن أهل الرئاسة في العِلْم والبراعة في [٣] الفهم، مَعَ الدّين والفضل والوقار والحلْم، والسَّمْت الحَسَن والهدْي الصّالح.
ومن تصانيفه: كتاب «المقدمات لأوائل كُتُب المدوَّنَة» [٤] ، وكتاب «البيان والتّحصيل لمّا في المستخْرَجَة مِن التّوجيه والتّعليل» [٥] ، و «اختصار المبسوطة» [٦] ، واختصار «مشكل الآثار» للطّحاويّ، إلى غير ذَلِكَ.
سمعنا عَلَيْهِ بعضها، وأجاز لنا سائرها. وسار في القضاء بأحسن سيرة وأقْوَم طريقة، ثمّ استعفى منه فأُعفي. ونشر كُتُبُه وتواليفه، وكان النّاس يعوّلون عَلَيْهِ ويلجئون [٧] إِليْهِ.
وكان حَسَن الخُلُق، سهل اللّقاء، كثير النَّفْع لخاصّته، وجميل العِشرة لهم، حافظًا لعهدهم، بارَّا بهم.
تُوُفّي في حادي عشر ذي القِعْدة.
وصلّى عَلَيْهِ ابنه أبو القاسم، وعاش سبعين سنة.
قلت: روى عَنْهُ: أبو الوليد ابن الدّبّاغ فقال: كَانَ أفقه أهل الأندلس في وقته، وقد صنَّف شرحًا للعتبية، وبلغ فيه الغاية.
قلت: وهو جدّ ابن رشد الفيلسوف.
стр. 16873
١٨٨- محمد بْن خَلَف بْن سليمان بْن فَتْحُون [١] .
أبو بَكْر الأندلسيّ الأُورِيُوليّ [٢] الحافظ.
روى عَنْ: أَبِيهِ، وأبي الحَسَن طاهر بْن مُفَوَّز. وأكثر عَنْ: أبي عليّ بْن سُكَّرَة، وغيره.
وكان معتنيًا بالحديث، عارفًا بالرجال، وله استدراك عَلَى ابن عَبْد البَرّ في كتاب «الصّحابة» في سِفْرَين، وكتاب، آخر في «أوهام الصّحابة» المذكور، وأصلح أيضًا أوهام «معجم ابن قانع» في جزء.
وأجاز لابن بَشْكُوال مِن مُرْسِيَة [٣] .
١٨٩- محمد بْن الربيع [٤] .
أَبُو سَعْد الهَرَويّ الجيلي.
يروى «صحيح الْبُخَارِيّ» عَنْ: أَبِي عمر المليحيّ.
ويروي «جامع التّرْمِذيّ» عَنْ جماعة.
تُوُفّي في حدود العشرين.
١٩٠- محمد بْن عَبْد الخالق بْن محمد [٥] .
القاضي أبو المؤيَّد ابن القاضي أبي بَكْر.
ولّي قضاء سَمَرْقَنْد، ثمّ قضاء كِسّ أكثر مِن ثلاثين سنة.
وكان مِن خِيار الحَنفِيَّة.
مات أبوه في سنة ثمانين وأربعمائة، وكان أَبُوهُ مستملي شمس الأئمَّة الحَلوانيّ بكِسّ.
стр. 16874
١٩١- مسعود بْن الحسين [١] .
أبو المعالي الكُشَانيَ [٢] السَّمَرْقَنْديّ.
نقله الخاقان مِن بُخارى إلى سَمَرْقَنْد للتّدريس بالمدرسة الخاقانيَّة وولّاه خَطَابة سَمَرْقَنْد، فبقي عَلَى ذَلِكَ مدَّة.
وتُوُفّي فِي ربيع الأوّل، وَلَهُ ثلاثٌ وسبعون سنة.
تفقَّه عَلَيْهِ غير واحد.
стр. 16875
ومن هذه الطبقة ممن لَا أعرف وفاته
- حرف الألف -
١٩٢- أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن الحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أحمد بْن سلمُوَيْه [١] .
أبو العبّاس النَّيْسابوريّ الصُّوفيّ، مِن أولاد المشايخ.
مرَّ أَبُوهُ سنة ثمانٍ وسبعين.
وهو: شيخ صالح، سَمِعَ مِن: عَبْد الغافر الفارسيّ، وابن مسرور، وغيرهما.
سَمِعَ منه: أبو سَعْد السّمعانيّ حضورًا، وذكره في «الأنساب» في السّلموييّ [٢] ، وقال: توفّي سنة عشرة وخمسمائة.
١٩٣- أسعد بْن أحمد بْن أَبِي رَوْح [٣] .
القاضي العالم أبو الفَضْلِ الطَّرَابُلُسي.
رأس الشّيعة بالشّام، وتلميذ القاضي ابن البرّاج [٤] .
стр. 16876
جلس بعد ابن البرّاج بطرابُلُس لتدريس الرَّفْض، وصنَّف التّصانيف.
وولّاه ابن عمّار [١] قضاء طرابُلُس بعد ابن البرّاج.
وله كتاب «عيون الأدلَّة في معرفة الله» ، وكتاب «التَّبصرة» في خلاف الشّافعيّ للإمامية، وكتاب «البيان عَنْ حقيقة الْإنْسَان» ، وكتاب «المقتبس في الخلاف بيننا وبين مالك بْن أنَس» ، وكتاب «التّبيان في الخلاف بيننا وبين النُّعْمان» ، «مسألة تحريم الفُقّاع» ، كتاب «الفرائض» ، كتاب «المناسك» ، كتاب «البراهين» ، وأشياء أخرى ذكرها ابن أبي طيِّئ في «تاريخه» ، وأنه انتقل مِن طرابُلُس إلى صيدا، وأقام بها، وكان مرجع الإماميَّة بها إِليْهِ. فلم يزل بها إلى أن ملكت الفرنج صيدا.
قال [ابن أبي طيّ،] [٢] . فأظنّه قتل بصيداء عند ما ملكت الفرنج البلاد.
ورأيت مِن يَقُولُ إنّه انتقل إلى دمشق [٣] .
قَالَ: وذكره ابن عساكر فقال: كَانَ جليل القدر، يرجع إليه أهل عقيدته.
قَالَ: وكَانَ عظيم الصّلاة والتّهجُّد، لَا ينام إلّا بعض اللّيل. وكان صمته أكثر من كلامه.
стр. 16877
قلت: لم أره في «تاريخ ابن عساكر» [١] .
وحكى أبو اللُّطْف [٢] الدّارانيّ، قَالَ: ما استيقظت مِن اللّيل قَطّ إلّا وسمعت حسّه بالصّلاة. وبالغ في وصفه، وحكى لَهُ كرامة.
وحكى الرّاشديّ [٣] تلميذه قَالَ: جمع ابن عمّار بين أبي الفَضْلِ وبين مالكيّ مناظرة في تحريم الفقّاع، وكان الشّيخ جريئا فصيحًا، فنطق بالحجَّة ووضح دليله، فانزعج المالكيّ وقال: كُلْني كُلْني.
فقال: ما أَنَا عَلَى مذهبك. أراد أن مذهبه جواز أكل الكلب.
وقال لَهُ ابن عمّار يومًا: ما الدّليل عَلَى حدَّث القرآن؟
قَالَ: النَّسخُ، والقديم لَا يتبدَّل ولا يدخله زيادة ولا نقص [٤] .
وقال له آخر: ما الدّليل على أنّا مخيَّرون في أفعالنا؟
قَالَ: بعْثةُ الرُّسُل.
وقال لَهُ أبو الشُّكر؟ بن عمّار: [٥] ما الدليل عَلَى المتْعة؟
قَالَ: قولُ عُمَر: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَا أنهى عَنْهُمَا.
فقبِلْنا روايته، ولم نقبل قوله في النَّهْي.
قلت: هلّا قبلتَ رواية إمامك عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ في النَّهْي عَنْ متعة النّساء [٦] ؟!
стр. 16878
- حرف العين -
١٩٤- عَلِيِّ بْن عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن الهيصم [١] .
стр. 16879
الإمام أبو الحسين النَّيْسابوريّ، أحد الوجوه.
مِن أئمَّة أصحاب أَبِي عَبْد الله، البارع في الفنون.
سَمِعَ الحديث في صباه، وسمع «صحيح مُسْلِم» مِن: أبي الحُسَيْن عَبْد الغافر.
وسمع مِن أَبِيهِ.
وله أولاد نُجَبَاء.
١٩٥- عيسى بْن شُعيب بْن إبراهيم [١] .
أبو عَبْد الله السّجْزيّ، شيخ صالح، خيّر.
سكن هَرَاة وولد سنة بها أبو الوقت.
سَمِعَ: عليّ بْن بشرى اللَّيْثي.
قَالَ أبو سَعْد السّمعانيّ: أجاز لي مسموعاته، ومات سنة نيّف عشرة وخمسمائة.
قلت: مرّ سنة اثنتي عشرة [٢] .
- حرف الميم -
١٩٦- مُحَمَّد بْن أحمد بْن الحُسَيْن [٣] .
أبو منصور الرّزّاز [٤] الخلّال. ويُعرف بالرّفّاء. أخو أَبِي ثعلب. شيخ بغداديّ عالي الإسناد.
حدَّث في سنة عشرة. وكان ذا دين وصلاح وتلاوة.
وُلِد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة في صفر.
стр. 16880
وسمع مِن: الحافظ أَبِي محمد الخلّال، وأبي طَالِب العُشَاريّ، والجوهريّ.
روى عَنْهُ: المبارك بْن أحمد الأنصاريّ، وصالح بْن زرعان التّاجر، ويحيى بْن بوش.
ذكره ابن النَّجَّار.
١٩٧- محمد بْن عَبْد الجبّار بْن محمد بْن الحَسَن [١] .
أبو سَعْد الجويميّ الفارسيّ، المقرئ الشّيرازيّ.
أحد مِن عُني بالقراءات، ورحل إلى الآفاق فيها. وصنف فيها التّصانيف.
قرأ عَلَى: أَبِي القاسم هبة اللَّه بْن عَلِيّ بْن عِراك المغربيّ التّاجر، تلميذ أَبِي عَمْرو الدّانيّ، وأبي عليّ الأهوازيّ.
وقرأ بالأهواز عَلَى: أَبِي بَكْر محمد بْن عَبْد الكريم الفَرغانيّ.
وببغداد عَلَى: أَبِي الْخَطَّاب بْن الجرّاح، وابن سوار.
وسمع مِن: طِراد، وجماعة.
وسكن بغداد [٢] .
قرأ عَلَيْهِ: المبارك بْن كامل الخفّاف، وهبة الله بْن بدران العجّان في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
وروى عَنْهُ: مَعْمَر بْن الفاخر.
١٩٨- مُحَمَّد بْن عَبْد المُلْك بْن مُحَمَّد [٣] .
أَبُو بَكْر الأُشْنانيّ [٤] ، المؤدّب، الأديب، المعروف بالباقلّانيّ.
وأُشْنان مِن قُرى بلد الخالص.
سكن بباب الأزج يؤدّب.
روى عنه من شعره: منوجهر بن تركانشاه، وأبو نصر الرسوليّ، وأبو
стр. 16881
المعمّر المبارك الأنصاريّ.
قَالَ أبو المُعَمَّر: أنْشَدَنا لنفسه:
قلْ للمليحة في الخمار المُذْهب ... ذهب الزَّمانُ وحبكّم لم يذهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما مِن مُذهب
نورُ الخمار ونورُ وجهكٍ نُزْهةً ... عَجبَا لخدّك. كيف لم يتلهَّب؟
وإذا رَنَتْ عيني لتسرق نظرةً ... قَالَ الجمال لها: اذهبي لَا تذهبِ
١٩٩- أبو عدنان.
محمد بْن أَبِي نزار. مرّ سنة ٤١٧.
٢٠٠- المؤمّل بْن الْجُنَيْد بْن محمد [١] .
أبو الفتوح الإسْفرائينيّ، الصُّوفيّ. شيخ الصُّوفيَّة.
قَالَ عَبْد: يختم في اليوم واللّيلة ويتهجد لصلاة اللّيل، ويقوم بحقوق الصُّوفيَّة.
سَمِعَ مِن: سَعِيد بْن أبي سَعِيد العَيَّار.
وتُوُفّي قبل العشرين وخمسمائة.
- حرف الهاء -
٢٠١- هبة اللَّه بْن عَليّ بْن العقّاد [٢] .
أبو الحَسَن العِجْليّ، المؤدّب.
مِن فُضَلاء بغداد.
روى عَنْ: أَبِي طَالِب بْن غَيْلان.
قَالَ ابن السّمعانيّ: كَانَ أديبًا لَسِنًا، له بلاغة وفصاحة وفيه دين وعفة.
سمع بإفادة أبيه.
نبا عنه: أبو المعمر الأزجي [٣] ، ومحمد بن عليّ بن عبد السّلّار الكاتب.
стр. 16882
- حرف الياء -
٢٠٢- يَحْيَى بْن عليّ بْن عَبْد اللطيف [١] .
أبو الحسن التنوخي المعري، الأديب.
ذكر أنّه سمع مِن أبي صالح محمد بْن المهذب بالمعَرَّة، وروى أناشيد عَنْ عَبْد الباقي بْن أَبِي حُصَين المَعَرّيّ، وغيره.
كتب عَنْهُ: السّلَفيّ، وقال: هُوَ حَفَظَه للتواريخ وأخبار العرب والملوك، وأشعار القُدَماء والمحدّثين.
قَالَ لي قاضي دمشق أبو المعالي: هذا تاريخ الشّام.
قَالَ السّلَفيّ: وكان يتحرّى الصّدْق، ويُذكر بالصّلاح.
وقال السّلَفيّ: أنْشَدَنا يحيى بْن عليّ قَالَ: حفّظني أبي هذين البيتين، ثمّ أمر غلامنا، فحملني إلى أبي العلاء المَعَرّيّ، فقرأتهما عَلَيْهِ، وهما:
إلى الله أشكو أنّني كلّ ليلةٍ ... إذا نمتُ لم أُعدَم طوارق أوهام
فإنْ كَانَ شرّا فهو لا بدّ واقعٌ ... وإنْ كَانَ خيرًا فهو أضغاثُ أحلام
٢٠٣- يوسف بْن أحمد بْن عبد الله [٢] .
أبو يعقوب اللّجاميّ [٣] الغَزْنَوِيّ، الواعظ الشّهير.
سار ذكره في الآفاق، وتخرَّج بِهِ العلماء. وله رحلة إلى العراق وغيرها.
وعمّر حتّى صار يحمل في محفَّة.
ذكره السّمعانيّ هكذا فيمن أجاز لَهُ، وقال: سَمِعَ: أبا بَكْر بْن ريذة الضّبّيّ، وخاله محمد بْن أحمد بْن حمدان الحدّاديّ، ويوسف بْن إسرائيل القاضي، وأبا محمد سَعِيد بْن إِسْحَاق المفسّر، وأبا عثمان العَيّار، وعليّ بْن نصر الدّيَنَوريّ اللّبان، وأبا جعفر محمد بن إسحاق البحّاثيّ الزّوزنيّ.
стр. 16883
تُوُفّي بغَزْنَة في السّنة الّتي تُوُفّي فيها القاضي الفخر.
كذا قَالَ، ولم أعرف وفاة الفخر [١] .
(بعون الله وتوفيقه، تم تحقيق هذه الطبقة الثانية والخمسين من «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرّخ الإسلام الحافظ شمسُ الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عثمان الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ-. وضبط نصّه، وتخريج أحاديثه وأشعاره، وتوثيق مادّته، والإحالة إلى مصادره، وصنعة فهارسه، على يد خادم العلم وطالبه الحاج الأستاذ الدكتور «أبي غازي عمر عبد السلام تدمري» الطرابلسي مولدا وموطنا، الحنفي مذهبا، وذلك بعد ظهر يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ١٤١٣ هـ-. الموافق للسابع عشر من آذار (مارس) ١٩٩٣ م. في منزله بساحة النجمة، بمدينة طرابلس الشام المحروسة، حفظها الله دار أمان، وجعلها سخاء رخاء بحفظة ورعايته. والحمد للَّه رب العالمين) .
стр. 16884
[المجلد السادس والثلاثون (سنة ٥٢١- ٥٤٠) ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[الطبقة الثالثة والخمسون]
[حَوَادِثُ]
سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
[حَرْبُ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ فِي بَغْدَادَ]
قد ذكرنا أنّ أهل بغداد كانوا بالجانب الغربي، وعسكر محمود في الجانب الشرقي، وتراموا بالنَّشّاب. ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدّخول إلى دار الخلافة من باب النّوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلي باب الغربة في رابع المحرَّم، ومعهم جمع من الساسة والرُّعاع، فأخذوا مطارق الحدّادين، وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلي التاج [١] فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشّطّ، فخرج الجواري حاسرات تلْطُمْن، ودخَلْنَ دار خاتون، وضجّ الخلْق، فبلغ الخليفة، فخرج من السّرداق، وابن صَدَقة بين يديه، وقدّموا السُّفن دفعةً واحدة [٢] ، ودخل عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السّلاح، وكشفوا عنهم ... [٣] . ورمى العيّارون أنفسهم في الماء وعبروا. وصاح المسترشد باللَّه بنفسه، يا آل بني هاشم. فصَدَق الناس معه القتالَ، وعسكرُ السلطان مشغولون بالنَّهْب، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلّوا وولوا الأدْبار، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل وراءهم البغداديون، وأسروا جماعة، وقتلوا جماعة من الأمراء [٤] . ونهب العامة دور أصحاب السلطان، ودار وزيره، ودار العزيز [٥] أبى نصر المستوفي، وأبي البركات الطبيب وأُخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف. وقُتِلَ من أصحاب السلطان عدةٌ وافرة في الدّروب والمضايق.
стр. 16885
ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرَّم بالجيش، وهم ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البرّ، وحفروا باللّيل خنادق عند أبواب الدروب، ورتب على أبواب المحال من يحفظها. وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، وترددت الرسل، ومال الخليفة إلى الصُّلح والتحالف، فأذعن السلطان وأحب ذلك، وراجع الطاعة، وأطمأن الناس، وطُمَّت الخنادق. ودخل أصحاب السلطان يقولون: لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزا، ولولا الصّلح لمتنا جوعا. فكانوا يسلقون القمح ويأكلونه. فما رئي [١] سلطان حاصر فكان هو المحاصَر، إلا هذا. وظهر منه حلم وافر عن العوام [٢] .
[إرسال الخِلَع إلى ابن طراد]
وبعث الخليفة مع علّي بن طِراد إلى سَنْجر خِلعًا وسيفين، وطوقًا، ولواءين، ويأمره بإبعاد دُبَيْس من حضرته [٣] .
[مقتل وزير سَنجْر]
وجاء الخبر بأن سنجْر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا [٤] ، فقتلوا وزيره المعين [٥] ، لأنه كان يحرّض عليهم وعلى استئصالهم. فتجمل رجل منهم، وخدم سائسا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله، وقُتِلَ بعده، وكان هذا الوزير ذا دِين ومروءة، وحُسن سيرة [٦] .
стр. 16886
[مرض السلطان محمود]
ومرض السّلطان محمود في الميدان، وغُشى عليه، ووقع من فرسه، واشتد مرضه. ثم تماثل فركب، ثم انتكس، وأُرجِف بموته ثمّ خُلع عليه وهو مريض، وأشار عليه الطّبيب بالرواح من بغداد، فرحل يطلب هَمَذَان، وفوّض شِحْنكيَّة بغداد إلي عماد الدين زنكي [١] .
[القبض على المستوفي والوزير]
وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قَبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه، وعلى الوزير فصادره فحبسه وكان السبب أنّ الوزير تكلَّم على العزيز، وأن برتقش [٢] الزكوي تكلم على الوزير.
[وزاره أنوشروان]
ثمّ بعث السلطان إلي أنوشروان بن خالد الملقب بشرف الدين، فاستوزره، فلم يكن له ما يتجهَّز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخِيَم والخيل، فرحل إلي أصبهان في أول رمضان في السنة. أقام في الوزارة عشرة أشهر، واستعفى وعاد إلي بغداد [٣] .
[تفويض بهروز ببغداد والحلَّة]
وفي رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلي بغداد، وقد فوّض إليه السّلطان بغداد والحلّة [٤] .
стр. 16887
[تفويض زنكي الموصل]
وفوّض إلى زنكي الموصل، فسار إليها [١] .
[وفاة مسعود بن آقْسُنْقُر]
ومات عزّ الدّين مسعود بن آقْسُنْقُر البُرْسُقيّ في هذه السّنة. وكان قد وصل إلي الموصل بعد قتل والده، واتّفق موتُه بالرَّحْبَة [٢] ، فإنه سار إليها. وكان بطلًا شجاعًا، عالي الهمَّة. ردّ إليه السُلطان جميع إقطاع والده، وطمع في التّغلُّب على الشّام، فسار بعساكره، فبدأ بالرَّحْبَة، فحاصرها، ومرض مرضًا حادّا، فتسلّم القلعة، ومات بعد ساعة، وبقي مطروحا على بساط، وتفرّق جيشه، ونهب بعضُهم بعضًا، فأراد غلمانه أن يُقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج [٣] ، لعنهم الله.
[سؤال الإسفرائيني عن حديث]
وَفِيهَا سُئِلَ أبو الفتوح الأسفرائينيّ فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ عَنِ الْحَدِيثِ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ» . فَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ [٤] .
[خبر الإسفرائيني] أبو الفتوح الإسفرائيني، رضوان الله عليه من كبار أهل السُّنَّة ومن ذوي الكرامات الظاهرة. وما نسب إليه من الاستخفاف بالقرآن كذب وزور هو وغيره
стр. 16888
من الأشاعرة يصرحون بتكفير من استخفّ بالمصاحف وشيخنا الذّهبيّ غيرّ عادته بهم، وأذن برأيهم، والحديث في الصّحيح.
وقال يومًا على المنبر: قيل لرسول الله ﷺ كيف أصبحت؟ فقال: أعمى بين العُمْيان، ضالًّا بين الضّالّين. فاستحضره الوزير، فأقرّ، وأخذ يتأوّل تأويلات فاسدة، فقال الوزير للفُقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميَّة: لو قال هذا الشّافعي ما قبِلْنا منه، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته. فمُنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس، ويشدّ الزّنّار، ثم يقطعه ويتوب، ثم يرحل.
فنصره قومٍ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًا. فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلَّم بما يُسقِط حُرْمة المُصْحَف من قلوب العوامّ، فافتتن به خلْق، وزادت الفِتن بِبغداد. وتعرَّض أصحابه بمسجد ابن جردة [١] فرجموه، ورُجم معهم أبو الفتوح. وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مُسَلَّلَة، ثم اجتاز بسوق الثُّلاثاء، فرُجم ورُميت عليه الميتات، ومع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومَجَاز.
ولمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد، وغُلَّقت الأسواق [٢] ، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سُنّيّ حنبلي لَا أشعريّ ولا قُشيَريّ ويصرخون بأبي الفتوح هذا. فمنعه المسترشد باللَّه من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد.
وكان ابن صَدَقة يميل إلى السُّنَّة، فنصرهم.
ثم ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كُتِب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات. ففُتَّش على كاتبها، فإذا هو مؤدّب، فكُبس بيته، فإذا فيه كراريس كذلك، فحُمل إلى الديوان، وسُئل عن ذلك، فأقرّ، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فنُودي عليه على حمار، وشُهر، وهمّت العامَّة بإحراقه. ثم أذن لأبي الفتوح، فجلس [٣] .
стр. 16889
[ظهور الشيخ عبد القادر الحنبليّ]
وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الحنبليّ، فجلس في الحَلبة، فتشبَّث به أهل السُّنَّة، وانتصروا بحسن اعتقاد الناس فيه [١] .
[وقعة مرج الصُّفَّر]
قال ابن الأثير [٢] : كانت وقعة مرج الصُّفَّر بين المسلمين، أنهم التقوا في أواخر ذي الحّجة، واشتد القتال، فسقط طُغتكين، فظن الْجُنْد أنه قُتِلَ فانهزموا إلى دمشق، وركب فرَسَه ولحقهم، فساقت الفرنج وراءهم، وبقيت رجّالة التّركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجَّالة الفرنج، فقتلوا عامّتهم، ونهبوا عسكر الفرنج وخيامهم، ثم عادوا سالمين غانمين إلى دمشق.
ولما ردّت خيالة الفرنج من وراء طُغتِكين، رأوا رجالتهم صَرْعى، وأموالهم قد راحت، فتمّوا منهزمين.
قال: وهذا من الغريب أنّ طائفتين تنهزمان [٣] .
стр. 16890
سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
[وفاة ابن صدقة]
فيها تُوُفّي ابن صَدَقة الوزير، وناب في الوزارة عليّ بن طِراد [١] .
[مصالحة السلطان محمود وسنجر]
وفيها ذهب السّلطان محمود إلي السّلطان سَنْجر، فاصطلحا بعد خشونة، ثم سلّم سنجر إليه دُبَيْسا وقال: تعزل زنكي ابن آقْسُنْقُر عن الموصل والشّام.
وتسلّم البلاد إلى دُبَيْس، وتسأل الخليفة أن يرضى عنه. فأخذه ورحل [٢] .
وقال أبو الحسن الزّاغونيّ: تقدم إلى نقيب النُّقباء ليخرج إلى سَنْجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، وتقدم إلى شيخ الشّيوخ ليخرج، فرفع إلى الخزانة خمس عشر ألف دينار ليُعْفَى [٣] .
[الطموح للوزارة]
وتطاول للوزارة عزّ الدّولة بن المطّلب، وابن الأنباريّ، وناصح الدّولة ابن المسلمة، وأحمد بن نظام المُلْك، فمُنِعوا من الكلام في ذلك [٤] .
стр. 16891
[مَلْك زنكيّ حلب]
وفي أول السّنة سار عماد الدّين زنكي فملك حلب، وعظُم شأنه، واتّسعت دولته [١] .
стр. 16892
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
[الختم عَلَى وقف مدرسة أَبِي حنيفة]
في المحرَّم دخل السلّطان محمود بغداد، وأقام دُبَيْس في بعض الطّريق، واجتهد في أن يُمكن دبيس فامتنع. وأمر السّلطان بالختم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة ومطالبة العمّال بالحساب، ووكّل بقاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ كذلك. وكان قد قيل للسّلطان إن دَخْلَ المكان ثمانين ألفًا، ما يُنفق عليه عُشْره [١] .
[وزارة عليّ بن طِراد]
وفي ربيع الآخر خلع المسترشد على أبي القاسم عليّ بن طِراد واستوزره [٢] .
[إقرار زنكيّ في مكانه]
وضمن زنكيّ أن ينفّذ للسّلطان مائة ألف دينار، وخيلًا، وثيابًا، على أن يقر في مكانه. واستقر الخليفة على مثل ذلك، على أن لَا يولّي دبيس شيئا [٣] .
стр. 16893
[بيع عقار للخليفة]
وباع الخليفة عقارًا بالحرم، وقُرئ لذلك، وما زال يصحح [١] .
[دخول دُبَيْس بغداد]
ثم إن دُبَيْسًا دخل إلى بغداد بعد جلوس الوزير ابن طِراد، ودخل دار السلطان، وركب في الميدان ورآه الناس.
[تسليم الحلَّة بهروز]
وجاء زنكيّ فخدم [٢] .
وسلَّمت الحِلَّة والشَّحْنكيَّة إلى بهروز [٣] .
[خطْف دُبَيس ولدًا للسلطان]
وكانت بنت سنْجر التي عند ابن عمّها السّلطان محمود قد تسلّمت دُبَيْسًا من أبيها، فكانت تشدّ منه وتمانع عنه، فماتت، ومرض السّلطان محمود، فأخذ دُبَيْس ولدًا صغيرًا لمحمود، فلم يعلم به حتّى قُرب من بغداد، فهرب بهروز من الحِلة، فقصدها دُبَيْس ودخلها في رمضان وبعث بهروز عرَّف السّلطان، فطلب قزل والأجهيليّ [٤] وقال: أنتما ضمنتما دُبَيْسًا، فلا أعرفه إلا منكما [٥] .
[أخْذُ دُبَيْس الأموال من القرى]
وساق الأجهيليّ يطلب العراق، فبعث دُبَيْس إلى المسترشد: إن رضِيتَ عنّي ردْدتُ أضعاف ما نفذ من الأموال. فقال الناس: هذا لَا يؤمن. وباتوا تحت السلاح طول رمضان، ودُبَيْس يجمع الأموال، ويأخذ من القرى، حتّى قيل إنّه
стр. 16894
حصّل خمسمائة ألف دينار [١] ، وإنه قد دوَّن عشرة آلاف، بعد أن كان قد وصل في ثلاثمائة فارس.
[مساومة دُبَيْس للسلطان]
ثمّ قدِم الأجهيليّ بغداد، وقبَّل يد الخليفة، وقصد الحِلَّة.
وجاء السّلطان إلى حُلْوان، فبعث دُبَيْس إلى السّلطان رسالة [وخمسة و] [٢] خمسين مهْرًا عربيَّة، وثلاثة أحمال صناديق ذَهب، وذكر أنْه قد أعدَّ إن رضي عنه الخليفة ثلاثمائة حصان، ومائتين ألف دينار، وإنْ لم يرض عنه دخل البّريَّة.
فبلغه أنّ السّلطان حنق عليه، فأخذ الصّبيّ وخرج من الحِلة، وسار إلى البصرة، وأخذ منها أموالا كثيرة. وقدم السّلطان بغداد، فبعث لحربه قزل في عشرة آلاف فارس، فسار دُبَيْس ودخل البرّيَّة [٣] .
[غدْرُ زنكيّ بسونج بن بُوري]
وفي سنة ثلاث أظهر عماد الدّين زنكيّ بن آقْسُنْقُر أنّه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إلى تاج المُلُوك بوريّ يستنجده، فبعث له عسكرًا بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق، وأمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة. ففعل فأكرمهم زنكيّ، وطمّنهم أيّامًا، وغدر بهم، وقبض على سونج، وعلى أمراء أبيه، ونهب خيامهم، وحبسهم بحلب، وهرب جُنْدهم.
ثمّ سار ليومه إلى حماة، فاستولى عليها، ونازل حمص ومعه صاحبها خرخان فأمسكه، فحاصرها مدَّة، ولم يقدر عليها ورجع إلى الموصل. ولم يُطْلق سونج ومن معه حتّى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار.
ثم لم يتم ذلك. ومقت النّاس زنكيّ على قبيح فعله.
стр. 16895
[مقتل ابن الخُجَنْدي]
وفيها وثبت الباطنّية على عبد اللطيف بن الخُجَنْدي رئيس الشَافعية بأصبهان، ففتكوا به [١] .
[الفتنة في وادي التّيم]
وأما بهرام، فإنه عتى وتمرد على الله، وحدثته نفسه بقتل برق بن جنْدل من مقدّمي وادي التَّيْم لَا لسبب، فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه. وتألّم النّاس لذلك لشهامته وحُسْنه وحداثة سِنّه، ولعنوا من قتله علانية، فحملت الحميَّة أخاه الضّحّاك [٢] وقومه على الأخذ بثأره، فتجمّعوا وتحالفوا على بذل المهج في طلب الثّأر. فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التّيم، وقد استعدوا لحربه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، وبيَّتوه وبذلوا السّيوف في البهراميَّة، وبهرام في مخيَّمه، فثار هو وأعوانه إلى السّلاح، فأزهقتهم سيوف القوم وخناجرهم وسهامهم، وقطع رأسُ بهرام لعنه الله [٣] .
[الانتقام من الباطنية في وادي التّيم]
ثمّ قام بعده صاحبه إسماعيل العَجميّ، فجدُّوا في الإضلال والاستغواء، وعامله الوزير المَزْدقانيّ بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يُمْهله الله، وأمر الملك بوري بضرب عُنقه في سابع عشر رمضان، وأحرق بدنه، وعلّق رأسه، وانقلب البلد بالسّرور وحُمِد الله وثارت الأحداث والشُّطّار في الحال بالسّيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنيّة وأعوانهم، ومن يتّهم بمذهبهم [٤] ، وتتبّعوهم حتّى
стр. 16896
أَفْنَوْهم، وامتلأت الطُرُق والأسواق بجِيَفهم. وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله. وأُخِذ جماعةٌ أعيان منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصَائغ الباطنيّ الحلبيّ، وكان هذا الخادم رأس البلاء، فعوقب عقوبة شَفَت القلوب، ثمّ صُلِب هو وجماعة على السُّور [١] .
[الحذر من الباطنيَّة]
وبقي صاحب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذّواد مفرّج بن الحسن بن الصّوفيّ يلبسان الدّروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسّيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنيَّة [٢] .
[تسليم بانياس للفرنج]
ولمّا سمع إسماعيل الدّاعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُّوا، وسلَّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج، وتسلّل هو وطائفة إلى البلاد الإفرنجيَّة في الذَّلَة والقِلَّة [٣] .
[هلاك داعية الباطنية]
ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك وفي أوائل سنة أربعٍ وعشرين [٤] .
[موقعة جسر الخشب]
فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنيَّة، وانتقلت إليهم بانياس، قويت نفوسهم،
стр. 16897
وطمعوا في دمشق، وحشدوا وتألّبوا، وتجمّعوا من الرُّها، وأنطاكّية، وطرابُلُس، والسّواحل، والقدس، ومن البحر، وعليهم كُنْدهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين، فكانوا نحوًا من ستّين ألفًا، ما بين فارس وراجل، فتأهّب تاج الملوك بوري، وطلب التُّرْكُمان والعرب، وأنفق الخزائن. وأقبل الملاعين قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السّنة، وبرز عسكر دمشق، وجاءت التُّركمان والعرب، وعليهم الأمير مُرَّة [١] بن ربيعة، وتعبّوا [٢] كراديس في عدَّة جهات، فلم يبرز أحد من الفرنج، بل لزِموا خيامهم، فأقام الناس أيّامًا هكذا، ثمّ وقع المَصَافّ، فحمل المسلمون، وثبت الفرنج، فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا. ثمّ ولّى كليام مقدَّم شجعانهم في فريقٍ من الخّيالة، ووضع المسلمون فيهم السّيف، وغُودروا صَرْعَى، وغنم المسلمون غنيمة لَا تُحَدّ ولا توصف، وهرب جيش الفرنج في اللّيل، وابتهج الخلْق بهذا الفتح المبين [٣] .
ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربعٍ كما يأتي، وانفرجت الكُرْبة من نصر الله تعالي ما لم يخطر ببال. وأمن النّاس، وخرجوا إلى ضياعهم، وتبدّلوا بالأمن بعد الخوف.
[قتْل الباطنيَّة بدمشق]
وفيها قُتِلَ مَن كان يُرمى بمذهب الباطنيَّة بدمشق، وكان عددهم ستَّة آلاف [٤]
стр. 16898
[قتل الأسداباذي ببغداد]
وكان قد قِتل ببغداد من مُدَيْدَة إبراهيم الأَسَدَاباذيّ، وهرب ابن أخيه بهرام إلى الشّام وأضَلّ خلفاءَه [١] واسْتَغْواهم، ثمّ إنّ طُغتكين ولّاه بانياس، فكانت هذه من سيّئات طُغتكين، عفا الله عنه [٢] .
[قتال الباطنيّه في وادي التّيم]
وأقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو [٣] إلى مذهبه، فكُثر بدمشق أتباعه. وملك بهرام عدَّة حصون من الجبال منها القدموس. وكان بوادي التّيم طوائف من الدّريّة والنُصَيْريَّة والمجوس، واسم كبيرهم الضَحّاك، فسار إليهم بهرام وحاربهم، فكبس الضّحّاك عسكر بهرام، وقتل طائفة منهم، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال [٤] .
[خيانة المزدقاني وقتله]
وكان المَزْدقانيّ [٥] وزير دمشق يُعينهم ويُقوّيهم. وأقام بدمشق أبا الوفاء، فكثُر أتباعه وقويت شوكته، وصار حكمه في دمشق مثل حكم طُغتِكين. ثمّ إنّ المَزْدقاني راسلَ الفرنج، لعنهم الله، ليُسلِّم إليهم دمشق، ويُسلَّموا إليه صور.
وتواعدوا إلى يوم جمعة، وقررّ المَزْدقاني مع الباطنيَّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لا يمكّنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفرنج ويملك دمشق.
فبلغ ذلك تاج المُلوك بوري، فطلب المَزْدقاني وطمّنه، وقتله وعلَّق رأسه على باب القلعة، وبذل السّيف في الباطنيَّة، فقتل منهم ستة آلاف. وكان ذلك فتحا عظيمًا في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان. فخاف الّذين ببانياس وذلّوا،
стр. 16899
وسلّموا بانياس إلى الفرنج، وصاروا معهم، وقاسوا ذلًّا وهوانًا [١] .
[انكسار الفرنج]
وجاءت الفرنج ونازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النّفير عبد الوهّاب الواعظ الحنبليّ، ومعه جماعة من التّجّار، وَهَمُّوا بكسر المنبر، فوُعِدوا بأن ينفّذ إلى السّلطان في ذلك. وتناخى عسكر دمشق والعرب والتُّركُمان، فكبسوا الفرنج، وثبت الفريقان، ونصر الله دينه فقُتل من الفرنج خلْق، وأُسِر منهم ثلاثمائة [٢] ، وراحوا بشرّ خيبة، وللَّه الحمد.
стр. 16900
سنة أربع وعشرين وخمسمائة
[المطر والحريق بالموصل]
وردت أخبار بأنّ في جُمَادى الأولى ارتفع سحاب أمطر بلدَ الموصل مطرًا عظيمًا، وأمطر عليهم نارًا أحرقت من البلد مواضع ودُورًا كثيرة، وهرب النّاس [١] .
[كسرة الإفرنج عند دمشق]
وفيها كُسِرت الإفرنج على دمشق، وقُتِلَ منهم نحو عشرة آلاف، ولم يفلت منهم سوى أربعين. وَصَل الخبر إلى بغداد بذلك، وكانت ملْحمة عظيمة [٢] .
[الملحمة بين ابن تاشفين وابن تومرت]
وفيها كانت ملحمة كبرى بين ابن تاشَفين، وبين جيش ابن تومرت، فقُتل من الموحّدين ثلاثة عشر ألفًا، وقُتِلَ قائدهم عبد الله الوَنْشريسيّ، ثم تحيّز عبد المؤمن بباقي الموحّدين. وجاء خبر الهزيمة إلى ابن تومرت وهو مريض، ثمّ مات في آخر السّنة [٣] .
стр. 16901
[غدْر زنكي بسونج مرة أخرى]
وفيها راسل زنكيّ بن آقْسُنْقُر صاحب حلب تاج الملوك بوري يلتمس منه إنفاذ عسكره ليحارب الفرنج، فتوثّق منه بأيْمانٍ وعُهُود، ونفّذ إلى زنكيّ خمسمائة فارس، وأرسل إلى ولده سونج وهو على حماة أن يسير إلى زنكيّ، فأحسن ملتقاهم وأكرمهم، ثمّ عمل عليهم، وغدر بهم، وقبض على سونج وجماعة أمراء، ونهب خيامهم، وهرب الباقون [١] .
[تملُّك زنكي حماة]
ثمّ زحف إلى حماة فتملّكها [٢] ، ثمّ ساق إلى حمص، وغدر بصاحبها خرخان [٣] بن قُراجا واعتقله، ونهب أمواله، وتحلّف منه أن يسلّم حمص، ففعل، فأبى عليه بوّابه بها، فحاصرها زنكيّ مدَّة، ورجع إلى الموصل [٤] ومعه سونج، ثمّ أطلقه بمالٍ كثير [٥] .
[مقتل الخليفة الآمر]
وفيها قُتِلَ صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام الله [٦] .
стр. 16902
[استيلاء سنجر على سمرقند]
وفي سنة أربعٍ قُتِلَ أمير سمرقند، فسار السّلطان سنجر فاستولى عليها، ونزل محمد خان من قلعتها بالأمان، وهو زوج بنت سنجر، وأقام سنجر بسمرقند مدَّة [١] .
[انكسار الإفرنج أمام زنكيّ عند الأثارب]
وأمّا أهل حلب فكانوا مع الفرنج الّذين استولوا على حصن الأثارب في ضُرٍّ شديد لقربهم منهم. والأثارب على ثلاثة فراسخ من غربيّ حلب، فجاء عماد الدّين زنكيّ في هذا العام وحاصره، فسارت ملوك الفرنج لنجدته وللكشف عنه، فالتقاهم زنكيّ، واشتدّ الحرب، وثبت الفريقان ثباتًا كُلّيًا ثمّ وقعت الكسرة على الملاعين، ووُضع السّيف فيهم، وأُسِر فيهم خلْق. وكان يومًا عظيمًا.
وافتتح زنكيّ الحصن عَنْوةً، وجعله دكًّا [٢] .
[محاصرة زنكيّ حارم]
ثمّ نزل على حارِم، وهي بالقرب من أنطاكيَّة، فحاصرها، وصالحهم على نصف دَخْلها. ومنها ذلَّت الفرنج، وعلموا عجزهم عن زنكيّ، واشتدّ أزْر المسلمين [٣] .
стр. 16903
[انهزام صاحب ماردين أمام زنكيّ]
وعدّى زنكيّ الفُرات [١] ، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين لقتاله، ونَجَده ابن عمُّه داود بن سُقْمان من حصن كَيْفا [٢] ، وصاحب آمِد، حتى صاروا في عشرين ألفًا، فهزمهم زنكيّ، وأخذ بعض بلادهم [٣] .
[خلافة الحافظ بمصر]
وفيها مات الآمر بأحكام الله صاحب مصر، وولي بعده الحافظ [٤] .
[وفاة زوجة السلطان]
وفيها ماتت زوجة السّلطان محمود خاتون بنت السّلطان سنجر [٥] .
[مقتل صاحب أنطاكية]
وفيها قُتِلَ بيمُنْد صاحب أنطاكية [٦] .
[وزارة ابن الصوفي بدمشق]
وفيها وَزَر بدمشق الرّئيس مفرّج ابن الصّوفيّ [٧] .
стр. 16904
[ظهور عقارب طيّارة]
وفيها ظهر عقارب طيارة، لها شوكتان، وخاف النّاس منها وقد قتلت جماعة أطفال [١] .
[ملْك السّلطان قلعة ألَموت]
وفيها ملك السّلطان محمود قلعة ألموت [٢] .
стр. 16905
ومن سنة خمس وعشرين وخمسمائة
[رواية ابن الأثير عن دُبَيْس]
وقد ساق «ابن الأثير» [١] قصَّة دُبَيْس فقال: لمّا فارق البصرة قصد الشّام، لأنه جاءه مَن طلبه إلى صَرْخَد، وقد كان مات صاحبها، وغلبت سريّتُه على القلعة، وحدّثوها بما جرى على دُبَيْس، فطلبته لتتزوّج به، وتُسلَّم إليه صَرْخَد بما فيها [٢] . فجاء إلى الشّام في البرّيَّة، فضلّ ونزل بأُناس من كلْب بالمرج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحبسه، وعرف زنكيّ صاحب الموصل، فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يُطْلق ولده سونج ومَن معه مِن الأمراء، وإن لم يفعل جاء وحاصره بدمشق، وفعل وفعل، فأجاب تاج الملوك، وسلّم إليه دُبَيْسًا، وجاءه ولده والأمراء. وأيقن دُبَيْس بالهلاك للعداوة البليغة الّتي بينه وبين زنكيّ، ففعل معه خلاف ما ظنّ، وبالغ في إكرامه، وغرِم عليه أموالًا كثيرة، وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك [٣] .
ولمّا جرى على الباطنيّة ما ذكرناه عام ثلاثةٍ وعشرين تحّرقوا على تاج الملوك، وندبوا لقتله رجلين، فتوصلا حتّى خدما في ركابه، ثمّ وثبا عليه في جُمادَى الآخرة سنة خمسٍ، فجرحاه، فلم يصنعا شيئًا، وهبروهما بالسّيوف، وخيط جرح بعُنقه فبرأ، والآخر بخاصرته، فتنسّر، وكان سببا لهلاكه [٤] .
стр. 16906
[وفاة الدبّاس]
وفيها تُوُفّي الشَيخ حمّاد الدّبّاس الزّاهد ببغداد [١] .
[عودة زنكيّ إلى الموصل]
قال ابن واصل [٢] : وفى المحرَّم سنة خمسٍ وعشرين توجّه زنكيّ راجعًا من الشّام إلى الموصل [٣] .
[ردّ العراق إلى زنكيّ]
وفي ربيع الآخر من السّنة ردّ السّلطان محمود أمر العراق إلى زنكيّ، مُضافًا إلى ما بيده من الشّام والجزيرتين [٤] .
стр. 16907
سنة خمس وعشرين وخمسمائة
[القبض على دُبَيْس وبيعه]
فمن الحوادث أنّ دُبَيْسًا ضلّ في البرّيَّة، فقبض عليه مَخْلَد بن حسّان بن مكتوم الكلْبيّ بأعمال دمشق، وتمزّق أصحابه وتقطّعوا، فلم يكن له منجى [١] من العرب، فحُمل إلى دمشق، فباعه أميرها ابن طُغتكِين مِن زنكيّ بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار. وكان زنكي عدوّه، لكنّه أكرمه وخوّله المال والسّلاح، وقدّمه على نفسه [٢] .
[وفاة المسترشد]
وتُوُفّي للمسترشد ابنٌ بالْجُدَريّ، وعُمره إحدى وعشرين [٣]
[الحرب بين السلطان داود وعمّه مسعود]
وتُوُفي السلطان محمود، فأقاموا ابنه داود مكانه، وأقيمت له الخطبة ببلاد
стр. 16908
الجبل وأَذَرْبَيْجان [١] ، وكُثرت الأراجيف. وأراد داود قتال عمّه مسعود بقيام عمّه سَنْجَر.
وكان طُغْرُل يوم المصافّ على ميمنة عمّه، وكان على الميسرة خُوارَزْم بن أتسِز بن محمد، فبدأهم قُراجا بالحملة، فحمل على القلب بعشرة آلاف، فعطف على حنيتي العشرة آلاف ميمنة سنجر وميسرته، فصار في الوسط، وقاتلوا قتال الموت وأثخن قراجا بالجراحات، ثمّ أسروه، فانهزم الملك مسعود، وذلك في ثامن رجب.
وقيل: وجاء مسعود مستأنسًا إلى السّلطان سنجر، فأكرمه وأعاده إلى كنجة وصفح عنه [٢] .
стр. 16909
سنة ست وعشرين وخمسمائة
[الحرب على السلطنة في بغداد]
فيها سار الملك مسعود بن محمدٍ إلى بغداد في عشرة آلاف فارس، وورد قُراجا [١] السّاقي معه سلْجُوق شاه بن محمد أخو مسعود، وكلاهما يطلب السّلطنة. وانحدر زنكيّ من الموصل لينضم إلى مسعود أو سلْجوق، فأرجف الناس بمجيء عمهما سَنْجر، فعملت [٢] السُّتُور [٣] وجنى [٤] العقار، وخرجوا جريدة بأجمعهم مُتَوَجهين لحرب سَنْجَر، وألزم المسترشد قُراجا بالمسير، فكرهه ولم يجد بُدًّا من ذلك، وبعث سَنْجَر يقول: أنا العبد، ومهما أُريدَ مني فعلت. فلم يقبل منه.
ثمّ خرج المسترشد بعد الجماعة، وقُطعت خطبة سَنْجَر، فقدِم سَنْجَر هَمَذَان، فكانت الوقعة قريبًا من الدَّينَوَر [٥] .
[رواية ابن الجوزي]
قال ابن الْجَوْزيّ [٦] : وكان مع سَنْجَر مائة ألف وستّون ألفًا. وكان مع قراجا
стр. 16910
ومسعود ثلاثون ألفًا. وكانت ملحمة كبيرة، أُحصِي القتلى فكانوا أربعين ألفًا، وقُتِلَ قُراجا، وأُجلس طُغْرُل على سرير المُلْك، وعاد سَنْجَر إلى بلاده [١] .
[هزيمة زنكيّ ودُبَيْس]
وجاء زنكيّ ودُبَيْس في سبعة آلاف [٢] ليأخذ بغداد، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد، وكسْرة عسكره، فخرج من السّرداق بيده السّيف مجذوب، وسكن الأمر.
وخاف هو، وعاد من خانقين، وإذا بزنكيّ ودُبَيْس قد قاربا بغداد من غربيّها، فعبر الخليفة إليهم في ألفَين، وطلب المهادنة، فاشتطا عليه، فحاربهما بنفسه وعسكره، فانكسرت ميسرته، فكشف الطّرحة ولبس البُرْدة، وجذب السّيف، وحمل، فحمل العسكر، فانهزم زنكيّ ودُبَيْس، وقتل من جيشهما مقتلة عظيمة، وطلب زنكيّ تكريت، ودُبَيْس الفرات [٣] منهزمَيْن [٤] .
[هلاك بغدوين]
وفيها هلك بغدوين الرويس [٥] ملك الفرنج بعكّا، وكان شيخًا مُسِنًّا، داهية، ووقع في أسْر المسلمين غير مرَّة في الحروب ويتخلّص بمكرْه وحِيَله، وتملّك بعده القُومْص كُنْدانحور، فلم يكن له رأس، فاضطربوا واختلفوا وللَّه الحمد [٦] .