← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 16976–17015 · переход к 16981.

стр. 16976

روى عن: سراج بن عبد الملك. وتفقّه عند: هشام بن أحمد الفقيه. قال ابن بَشْكُوال: عن جماعة معنا. وكان ﵀ من العلماء المتفنّنين. تُوُفّي في رجب. - حرف السين - ٤٨- سهل بْن إبراهيم بْن أَبِي القاسم [١] . أبو القاسم النَّيسابوريّ المسجديّ النَّسفيّ، خادم مسجد المطرّز. قال السّمعانيّ، وقد أجاز له: كان شيخا صالحا، كثير العبادة، معمّرا، متفرّدا بالرواية عن مثل أبي سعيد بن أبي الخير المِيهَنيّ، وأبي محمد الْجُوَيْنيّ، وأبي عبد الرحمن محمد بن أحمد بن مُحَمَّد الشاذياخي. وسمع من: عبد الغافر الفارسي، وابن مسرور. سمعني والدي منه أجزاء. وُلِد في حدود سنة ثلاثين، وحدَّث في آخر سنة ثلاث، ووفاته بعد ذلك. ٤٩- سهل بن محمود بن محمد بن إسماعيل [٢] . أبو المعالي البخاريّ البَرّاني [٣] . وبرّانية من قرى بُخارى. كان إماما، ذكيًا، واعظًا، صالحًا، عابدًا، حجّ على التّجريد [٤] ، وبقي مع وِفاقه حافيًا عُرْيَانًا، حتى توصلوا إلى مكَّة بعد الرّفقة. وجاوَرَ بمكَّة حتى حجّ. ودخل اليمن، وركب البحر إلى كَرمان [٥] . سمع: أباه، والمظفر بن إسماعيل الْجُرْجانيّ. روى عنه: ابنه حمزة. وتوفّي ببخارى.

стр. 16977

- حرف الطاء - ٥٠- طِراد بن علي بن عبد العزيز [١] . أبو فِراس السُّلَمي الدّمشقيّ الكاتب المعروف بالبديع. مات متوليًا بمصر. وكان مولده بدمشق في سنة أربع وخمسين. قال السَّلفيّ: علّقت عنه شِعرًا. وكان آيةً في النَّظْم والنَّثر. له مقامات ورسائل. قلت: ومن شِعره في تاج الدّولة تُتُش بن ألب رسلان: غزالٌ غزا قلبي بعين مريضةٍ ... لها ضعف أجفانٍ تهدّ قوى صبري [٢] له لِينُ أعْطافٍ أرقُّ من الهَوَى ... وقلبٌ على العُشّاق أقسى [٣] من الصَّخْرِ [٤] وهى طويلة. ومن شعره أيضًا قوله: قيل لي: لِمَ جلستَ في طَرَف [٥] القوم ... وأنتَ البديعُ ربُّ القوافي؟ قلت: آثرته [٦] لأنّ المناديل ... يُرى طَرْزُها على الأطرافِ [٧] وكفاني من الفخار بأنّي نازل ... في منازل الأشراف

стр. 16978

- حرف العين - ٥١- عَبْد الله بْن علي بْن عبد الملك [١] . أبو محمد الهلاليّ الغَرْناطيّ، يعرف بابن سَمَجُون [٢] . أحد جِلَّة العُلماء والفُقَهاء. ولي قضاء غَرْناطة. وأخذ عنه: أبو جعفر بن البادش، وعبد الحق بن بُونة. وعاش بِضْعًا وسبعين سنة. يروى عن: أبي علي الغسانيّ، وطبقته. ٥٢- عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن صَدَقة [٣] . أبو محمد المصريّ، المجاور بمكَّة. ويُعرف بابن الغَزال. شيخ كبير صالح. سمع: أبا عبد الله القُضاعيّ بمصر، وأبا القاسم الحِنّائيّ، والكتّانيّ بدمشق، وكريمة المَرْوزية. وطال عُمره وكفّ بصره. قال ابن عساكر: سمعت من لفظه حديثًا واحدًا لصممٍ شديد كان به. لقَّنَّاه الحديث. وذكر لي أن جدّه لُقِب بالغزال لسرعة عَدْوه. تُوُفّي أبو محمد في صفر. وقال السّلفيّ: أجاز لي، وقد أخبرني عنه بأصبهان إسماعيل بن محمد الحافظ سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة. وحججت سنة تسعٍ وتسعين، ولم أعلم به. سمع: عبد العزيز بن الضّرّاب، وأبا محمد المَحَامليّ، والمقرئ أبا الحسين الشيرازيّ. وكان مقرئًا صالحا. وسمعت من أخيه إبراهيم بمصر.

стр. 16979

٥٣- عَبْد الحق بْن أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن عبد الحقّ [١] . أبو محمد الخَزْرَجيّ القُرْطُبيّ. روى عن: الفقيه محمد بن فَرَج واختص به، وناظر عند: أبي جعفر بن رزق، وأبي الحسن بن حمدين. وأجاز له أبو العباس بن العُذْريّ. وكان فقيهًا إمامًا شُرُوطيًّا مدرسًا. تُوُفّي في صَفَر، وله اثنان وسبعون عامًا. ٥٤- عبد العزيز بن محمد بن معاوية [٢] . أبو محمد الأنصاريّ الدَّوْرقيّ الأطْرُوش. سكن قُرْطُبة. وحدث عن: أبي بكر محمد بن مفوّز، وأبي علي الصَّدفيّ، وأبي عبيد الله الخَوْلانيّ. وكان حافظًا، عارفًا بالعلل والصحيح والسقيم والرجال، مقدّمًا في جميع ذلك على أهل وقته، قاله ابن بَشْكُوال، وجمع كُتُبًا مفيدة. سمعنا منه، وكان حرجًا نكد الخلق. تُوُفّي فِي ربيع الآخر. ٥٥- عَبْد الملك بْن عبد العزيز بن فِيرَّة بن وهْب [٣] . أبو مروان المُرْسِيّ. سمع من: أبي علي الغسانيّ، وغيره. وحجّ، ودخل بغداد، ودمشق وروى هناك. ولم يذكره ابن عساكر. وكان حافظا للرأي، ذاكرا للمسائل، صالحًا خيّرًا. وعاش إحدى وسبعين سنة.

стр. 16980

٥٦- عبد المنعم بن مروان بن عبد الملك بن سَمَجون [١] . أبو محمد اللُّواتيّ الطَّنْجيّ. نشأ بغَرْناطَة وتفقه بها على: أبي محمد عبد الواحد بن عيسى. وسمع من: أبي علي الغسانيّ. وكان فقيهًا، جزْلًا، مهيبًا. ولي قضاء إشبيلية بعد عزل أبي مروان الباجيّ. ثمّ نُقِل إلى قضاء غَرْناطَة. وتُوُفّي في شعبان [٢] . ٥٧- عَبْد الواحد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد بن سيدة. أبو المظفّر الأصبهانيّ المقرئ. تُوُفّي في رمضان. ٥٨- عثمان بن منصور بن عبد الكريم. أبو عَمْرو الطّرازيّ النّظاميّ. سكن بلخ، وحدَّث عن: أبي الحسن محمد بن محمد الحسينيّ. روى عنه: عبد الله بن عمر الفقيه ببلْخ، ومحمد بن الفضل المارشكيّ بطُوس. وكان رجلًا جليل القدْر، واعظًا، محتشمًا. - حرف الفاء - ٥٩- فاطمة بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم بن عقيل [٣] .

стр. 16981

أمّ إبراهيم، وأمّ الغيث، وأمّ الخير الْجُوزْدانيَّة [١] . قال أبو موسى المَدِينيّ: قدِمت علينا من جُوزدان، وكان مولدها نحو الخمس والعشرين وأربعمائة. وسمعت من: أبي بكر بن رِيذة سنة خمسٍ وثلاثين. وهي آخر أصحابه. قلت: هي أسند أهل العصر مُطلقًا، وهي للأصبهانيّين كابن الحُصَيْن للبغداديّين. سمعَتْ من ابن رِيذَة «المعجم الكبير» و «المعجم الصّغير» للطَّبرانيّ، وكتاب «الفِتَن» لنُعَيم بن حمّاد. روى عنها: أبو العلاء الهَمَذانيّ، وأبو موسى المَدِينيّ، وَمَعْمَرُ بن الفاخر، وأبو جعفر الصَّيدلانيّ، وأبو الفخر أسعد بن سعيد، وعائشة بنت مَعْمَر، وعفيفة بنت أحمد، وأبو سعيد محمد الأَرَّجَانيّ الحلليّ، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الأُخوَّة، وداود بن سليمان بن نظام المُلك، وشعيب بن الحسن السَّمَرْقَنْديّ، وفاطمة بنت سعد الخير، لها عنها حضور، وجماعة كثيرة. أنبا أبو علي القلانِسِيّ: أنبأتْنا كريمة، عن أبي مسعود عبد الرحيم الحاجّيّ أنها تُوُفّيت في غُرَّة شعبان. وقال ابن نُقْطة [٢] : في رابع عشر رجب. ٦٠- فضل الله بن محمد بن وهْب الله بن محمد [٣] . أبو القاسم الأنصاريّ المقرئ. أقرأ بجامع قُرطُبة مدَّة، وأخذ القراءات عن: أبي محمد بن شعيب، وأبي عبد الله بن شريح.

стр. 16982

وسمع من: محمد بن فَرَج الطّلاعيّ، وأبي محمد بن خزرج. روى عنه: ابن بَشْكُوال، وقال: تُوُفّي في رمضان، وله سبعون سنة. وقرأ عليه بالروايات: عليّ بن محمد بن خَلَف، شابّ قرْطُبيّ. - حرف الميم - ٦١- محمد بن سعدون بن مُرجيّ بن سعدون [١] . الإمام أبو عامر القُرَشيّ العَبْدَريّ المَيُورقيّ المغربيّ، نزيل بغداد. أحد الحُفاظ والعلماء المبرزين، ومن كبار الفُقهاء الظّاهرية. رحل إلى بغداد. وسمع: أبا عبد الله البانياسيّ، وأبا الفضل بن خَيْرُون، وطِراد بن محمد، ويحيى السّبْتيّ، والحُميديّ، وابن البَطر، وخلْقًا سواهم. قال القاضي أبو بكر محمد بن المغربيّ في «مُعجَمه» : أبو عامر العَبْدريّ هو أنبل من لقِيته. وقال ابن ناصر: كان فهْمًا، عالمًا، متعففًا، مع فقره، وكان يذهب إلى أنّ المناولة كالسّماع. وذكره السَّلفيّ في «مُعْجَمه» فقال: كان من أعيان علماء الإسلام بمدينة السّلام، متصرّفٌ في فنون من العلوم أدبًا ونحْوًا، ومعرفةً بالأنساب. وكان داوديّ المذهب، قُرَشِيّ النَّسَب. كتب عنّي وكتبت عنه. ومولده بقُرْطُبَة من مدن الأندلس. قال ابن نقطة: نبا أحمد بن أبي بكر البندنيجيّ أنّ الحافظ ابن ناصر قال

стр. 16983

لما دفنوا أبا [١] عامر العَبْدريّ: خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفِري [٢] مات أبو عامر حافظ أحاديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنْ شاء فلْيَقُلْ ما شاء. وقال ابن عساكر: كان فقيهًا على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته [٣] ذكر أنّه دخل الشّام في حياة أبي القاسم بن أبي العلاء، وسمعتُ أبا عامر وقد جرى ذِكر مالك، فقال: جِلْف جاف [٤] ، ضرب هشام بن عمّار بالدِّرَّة. وقرأتُ عليه «الأموال» لأبى عُبَيْد، فقال، وقد مرّ قول لأبي عُبَيْد: ما كان إلا حمارًا مغفلًا [٥] لَا يعرف الفِقْه. وقيل لي عنه إنّه قال في إبراهيم النَّخَعيّ: أعورُ سُوء. فاجتمعنا يومًا عند ابن السَّمَرْقَنْديّ في قراءة «الكامل» [٦] ، فنقل فيه قولًا عن السَّعْديّ، فقال: يكذب ابن عَدِيّ، إنما هو قول إبراهيم الْجَوْزَجانيّ. فقلت له: فهو السَّعْديّ، فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب. تقول في إبراهيم النَّخَعيّ كذا، وتقول في مالك كذا، وفي أبي عُبَيْد كذا؟! فغضب وأخذته الرِّعْدَة وقال: كان ابن الخاضبة والبَرَدانيّ وغيرهما يخافوني، فآل الأمر إلى أن تقول فيّ هذا. قال له ابن السّمرقنديّ: هذا بذاك. فقلت: إنما نحترمك ما احترمت الأئمَّة. فقال: والله قد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري ممّن تقدّم،

стр. 16984

وإنّي لأعلم من «صحيح البخاريّ» و «مسلم» ما لم يعلماه. فقلت مستهزئًا: فعِلْمُك إذا إلهام. وهجرته. قال: وكان سيّئ الاعتقاد، ويعتقد من أحاديث الصّفات ظاهرَهَا. بَلَغَني أنّه قال في سوق باب الأَزَج يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ٦٨: ٤٢ [١] فضرب على ساقه وقال: ساقٌ كساقي هذه [٢] . وبَلَغَني أنّه قال: أهل البِدَع يحتجّون بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٢: ١١ [٣] أي في الإلهيَّة، فأما في الصّورة فهو مثلي ومثلك [٤] . قال الله تعالى: يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ من النِّساءِ ٣٣: ٣٢ [٥] أي في الحُرْمة [٦] . وسألته يومًا عن أحاديث الصّفات، فقال: اختلف النّاس فيها، فمنهم مَن تأوَّلها، ومنهم من أمسك، ومنهم من اعتقد ظاهرها. ومذهبي آخر [٧] هذه الثلاثة مذاهب. وكان يُفْتي على مذهب داود بن علي، فبلغني أنّه سُئل عن وجوب الغُسْل على من جامَعَ ولم يُنْزِل، قال: لَا غُسْل عليه، الآن فعلتُ ذلك بأمّ أبي بكر، يعني ولده، وكان بَشِع الصّورة، زَرِيّ اللّباس. وقال ابن السّمعاني: حافظ مبرّز في صَنْعه الحديث، داوديّ المذهب، سمع الكثير، ونسخ بخطّه إلى آخر عُمره. وكان يسمع وينسخ. وقال ابن ناصر: فيه تساهُل في السَّماع، يتحدَّث ولا يصغي ويقول:

стр. 16985

يكفيني حضور المجلس. ومذهبه في القراءات مذهب سوء. مات في ربيع الآخر. قلت: روى عَنْهُ أَبُو القاسم بْن عساكر، ويحيى بن بوش، وأبو الفتح المندائيّ، وجماعة. وخمل ذِكره لبِدْعته [١] . ٦٢- محمد بن عبد الله بن تُومَرْت [٢] . أبو عبد الله الملَّقب نفسَه بالمهديّ المَصْمُودي [٣] ، الهَرْغيّ [٤] ، المغربيّ، صاحب دعوة السّلطان عبد المؤمن ملك المغرب. كان يدّعي أنّه حَسَنيّ عَلَويّ، وهو من جبل السَّوس في أقصي المغرب. نشأ هناك، ثمّ رحل إلى المشرق لطلب العِلْم، ولقي أبا حامد الغزّاليّ، وإلِكيا أبا الحسن الهرّاسيّ، وأبا بكر الطّرطوشيّ.

стр. 16986

وجاوَرَ بمكة، وحصّل طَرَفًا جيّدًا من العلم. وكان متورّعًا. متنسّكًا، مَهِيبًا، متقّشفًا، مخشَوْشِنًا، أمَّارًا بالمعروف، كثير الإطراق، متعبّدًا، يبتسم إلى من لقِيه، ولا يَصْحَبُه من الدّنيا إلّا عصاةٌ وركْوَة. وكان شجاعًا، جريئًا، عاقلًا، بعيد الغَوْر، فصيحًا في العربيّ، قد طُبع على النَّهْي عن المُنْكَر، متلذّذًا به، متحملًا المشقَّة والأذى فيه. أوذِي بمكة لذلك، فخرج إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أَذَاه وطُرِد. وكان إذا خاف من البْطش وإيقاع [١] الفعل به خلّط في كلامه ليظنّوه مجنونًا، فخرج إلى الإسكندرية، فأقام بها مُدَّة. ثمّ ركب البحر إلى بلاده. وكان قد رأى في منامه وهو بالمشرق كأنه قد شرب ماء البحر جميعه كرّتين، فلمّا ركب السّفينة شرع ينكر، وألْزمهم بالصّلاة والتّلاوة، فلما انتهى إلى المَهْديَّة، وصاحبها يومئذٍ يحيى بن تميم الصَّنْهاجيّ، وذلك في سنة خمس وخمسمائة، نزل بها في مسجد مُغْلَق على الطّريق. وكان يجلس في طاقته، فلا يرى مُنْكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخُمور إلا نزل وكسرها. فتسامَعَ به النّاس، وجاءوا إليه، وقرءوا عليه كُتُبًا في أصول الدّيانة، وبلغ خبرُه الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعةٍ من الفقهاء، فلّما رأى سَمْتَه وسمع كلامه أكرمه، وسأله الدّعاء، فقال له: أَصْلَحَك اللهُ لرعيّتك. ثمّ نزح عن البلد إلى بَجَّايَة، فأقام بها يُنْكر كدأبه، فأخرج منها إلى قرية ملالة، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القَيْسيّ، فيقال: إنّ ابن تُومَرْت كان قد وقع بكتاب فيه صفة عبد المؤمن، وصفة رجلٍ يظهر بالمغرب الأقصى مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضعٍ من المغرب، يُسَمّى ت ي ن م ل [٢] ، ويجاوز وقته المائة الخامسة. فوقع في ذهنه أنّه هو. وأخذ يتطلّب صفة عبد المؤمن، فبلغ إلى أن رأى في الطّريق شابّا قد بلغ أشدّه على الصّفة الّتي معه، فقال: يا شابّ ما أسمك؟ قال: عبد المؤمن. فقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فأين مقصدك؟

стр. 16987

قال: المشرق لطلب العِلم. قال: قد وجدتُ عِلْمًا وَشَرَفًا وصحِبني شلة. ثمّ نظر في حِلْيته فوافَقَتْ، وقال: ممّن أنت؟ قال: من كُومية [١] . فربط الشّابّ، وألقي إليه سرّه. وكان ابن تُومَرْت قد صحِبَه عبدُ الله الوَنْشَرِيسيّ [٢] ممّن تهذَّب وتفقّه، وكان جميلًا، فصيحًا في العربية، فتحدَّثا يومًا في كيفية الوصول [٣] إلى الأمر المطلوب، فقال لعبد الله: أرى أن تستر ما أنتَ عليه من العلم والفصاحة عن الناس، فتُظْهر من العيّ واللَّكَن والجهل ما تشتهر به، لتجد الخروج عن ذلك، وإظهار العلم دفعةً واحدة، فيكون ذلك معجزة. ففعل ذلك [٤] . ثمّ استدنى محمد أشخاصًا أجلادًا في القوى الجسْمانيَّة، أغمارًا، فاجتمع له ستَّة، فتوجهوا إلى مَراكُش، وملِكها علي بن يوسف بن تاشفين، وكان ملكًا حليمًا، عادلًا، متواضعًا، وكان بحضرته مالك بن وُهَيْب الأندلسيّ الفقيه، فأخذ ابن تُومَرْت في الإنكار، حتى أنكر على ابنه الملك، وذلك في قصَّة طويلة، فبلغ خبرُه الملك، وأنه يحدّث في تغيير الدّولة، فكلّم مالك بن وُهَيْب في أمره، وقال: نخاف من فَتح بابٍ يَعْسُرُ علينا سَدُّه. وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجدٍ خراب بظاهر البلد، فأحضرهم في محفلٍ من العلماء، فقال الملك: سَلُوَا هذا ما يبغي. فكلّموه، وقال: ما الّذي يُذكر عنك من القول في حقّ الملك العادل الحليم المُنْقاد إلى الحق؟ فقال: أما ما نُقِل عنّي، فقد قلتُهُ، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنّه يُؤْثِرَ طاعةَ الله على هواه، وينقاد إلى الحقّ، فقد حضر اعتبارُ هذا القول عليه، ليعلم بتعرّيه عن هذه الصِّفة. إنّه مغرورٌ بما تقولون له وتُطرونه به، مع عِلمكم أنّ الحُجَّة عليه متوجّهة. فهل بلغك يا قاضي أنّ الخمر تباع جهارا، وتمشي

стр. 16988

الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعدّد من ذلك أشياء، حتّى ذَرَفَتْ عينا الملك، وأطرق حياءً، ففهم الدُّهاة من كلامه طَمَعَه في المُلْك. ولّما رأوا سكوت الملك وانخداعه له لم يتكلّموا، فقال مالك بن وُهَيْب: إنّ عندي نصيحة، إنْ قبِلَها الملكُ حَمَدَ عاقبتها، وإنْ تَرَكَها لم آمَنْ عليه. قال: وما هي؟ قال: إنّي خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أن تسجنه وأصحابه، وتنفق عليهم كلّ يومٍ دينارًا، وإلّا أنفقْتَ عليه خزائنك. فوافقه الملك، فقال الوزير: أيُّها الملك، يقبح أن تبكي من موعظة هذا، ثمّ تُسيء إليه في مجلس واحد. وأن يظهر منك الخوف مع عِظَم ملْكك، وهو رجل فقير لَا يملك سدّ جوعه. فأخَذتَ المَلِكَ العِزَّةُ، واسْتَهْوَن أمره وصَرَفه، وسأله الدّعاء. وقيل إنّه لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه، إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدّبت مع الملك. فقال: أردت أن لَا يفارق وجهي الباطل حتى أغيّره ما استطعت. ولما خرج قال لأصحابه: لَا مُقام لنا بمراكُش مع وجود مالك بن وُهَيْب، فإنّا نخاف مَكْره، وإنّ لنا بأَغْمات أخًا في الله فنقصده، فلم نُعدم منه رأيًا ودُعاء. وهو الفقيه عبد الحقّ بن إبراهيم المصموديّ. فسافروا أليه فأنزلهم، وبثوا إليه سرّهم، وما جرى لهم، فقال: هذا الموضع لَا يحميكم، وإنّ أحصن الأماكن المجاورة لهذا البلد تين مل، وهي مسيرة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه بُرْهةً ريثما ينسى ذكركم. فلّما سمع ابن تُومَرْت بهذا الاسم تجدّد له ذكر اسم الموضع الّذي رآه في الكتاب فقصده مع أصحابه. فلما أتَوْه رآهم أهل ذلك المكان على تلك الصّورة فعلِموا أنّهم طلّاب علم. قال: فتلقّوهم وأكرموهم وأنزلوهم [١] .

стр. 16989

وبلغ الملكَ سفرُهُم، فَسُرَّ بذلك. وفشا مع أهل الجبل بوصول ابن تُومَرْت، فجاءوه من النّواحي يتبرَّكون به، وكان كلّ من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج، فإنْ أجابه أضافه إلى خواصّه، وإنْ خالَفَه أعرض عنه. وكان يستميل الشّباب والأغمار، وكان ذَوُو الحِلْم والعقل من أهاليهم يَنْهَوْنَهُم ويحذّرونهم من أتِّباعه خوفًا عليهم من المَلِك، فكان لَا يتمّ له مع ذلك حال. وطالت المدَّة، وكثُرَت أتباعُه من أهل جبال دَرَنْ، وهو جبل لَا يفارقه الثَّلْج، وطريقه ضيَّق وعسر. قال الْيَسَع بن حزْم: لَا أعلم مدينة أحصن من تينمل [١] ، لأنها بين جبلين، ولا يسع الطّريق إليها إلّا الفارس، وقد ينزل عن فرسه في أماكن صَعْبة، وفيها مواضع لَا يُعْبَر فيها إلّا علي خشب، فإذا أُزيلت خشبة لم يمرّ أحد. وهذه الطّريق مسافة يوم. فأخذ أصحابه يغيرون على النّواحي سبْيًا وقتْلًا، وتَقَوَّوْا وكثروا. ثمّ إنّه غدر بأهل تينَمَل الّذين آوَوْهُ ونصروه، وأمر أصحابه، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، قاتله الله. فقال له الفقيه الإفريقيّ، وهو أحد العشرة، عن ما فعل بأهل تينَمَل [١] : هؤلاء قوم أكرمونا وأنزلونا دُورهم قَتَلْتَهُم؟ فقال لأصحابه: هذا شَكَّ في عصْمتي، خُذُوه فاقتلوه. فقتلوه، وعلّقوه على جذع. قال: وكلّ ما أذكره من حال المَصَامِدة فمنه ما شاهدته، ومنه ما أخذته بنقل التّواتر. وَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ إِلَى قَوْمٍ إِذَا ظَفِرُوا بِمُرَابِطٍ أَوْ أَحَدٍ مِنْ تِلِمْسَانَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي عَامِ تِسْعَةَ عَشَرَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا، فَقَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَشِيرَ، الَّذِي هُوَ الْوَنْشَرِيسِيُّ، إِنَّهُ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى دَابَّةٍ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَشِّرًا لَكُمْ مُطَّلِعًا عَلَى أَسْرَارِكُمْ، وَهُوَ آيَةٌ لكم، فإنّه حفظ القرآن، وتعلّم الركوب.

стр. 16990

ثُمَّ اسْتَعْرَضَهُ الْقُرْآنُ، فَقَرَأَهُ لَهُمْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَرَكِبَ حِصَانًا وَسَاقَهُ، فَتَعَجَّبُوا وَعَدُّوا ذَلِكَ آيَةً، وَصَحَّ لابْنِ تُومَرْتَ بِذَلِكَ مَا أَطْوَاهُ عَلَى نُفُوسٍ سَلِيمَةٍ لَا يَعْرِفُونَ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ، فَتَحَقَّقَ تَصْدِيقُهُمْ إِيَّاهُ. فَقَامَ خَطِيبًا وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ٨: ٣٧ [١] فقال: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ٣: ١١٠ [٢] . وَهَذَا الْبَشِيرُ مُطَّلِعٌ عَلَى الأَنْفُسِ مُحَدَّثٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثِينَ. وَإِنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ» [٣] . وَقَدْ صَحِبَنَا أَقْوَامٌ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِمْ، وَيُتَمِّمُّ الْعَدْلَ فِيهِمْ. ثُمَّ نُودِيَ فِي جِبَالِ المصامدة: من كان مطيعا للإمام فليقبل. فكانوا يأتون قبائل قبائل، فيُعرضون عليه، فيخرجون قومًا على يمينه، ويعدّهم من أهل الجنَّة، وقومًا على يساره، ويقول: هؤلاء شاكّون في الأمر. حتّى كان يؤتى بالرجل فيقول: رُدّوا هذا على اليمين، فإنّه تائب، وقد كان قبل كافرًا، ثمّ أحدَث البارحة توبة، فيَعترف بما أخبر به. واتّفقت له فيهم عجائب. وكان يطلق أهل اليَسَار وهم يعلمون أنّ مآلهم إلى القتْل، فلا يفرّ منهم أحد. وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتُهُم، يقتل الأب ابنه، والأخُ أخاه، وابن العمّ ابن العَمّ. فالّذي صحّ عندي إنّه قُتِلَ منهم سبعون ألفًا على هذه الصّفة، ويسمُّونها التّمييز. ولما كمل التّمييز وجّه جُمُوعه مع البشير نحو أَغْمات، فالتقوا المرابطين فهزموهم، وَقُتِلَ خلْقٌ من المَصَامِدة لكونهم ثبتوا، وَجُرِحَ عمر الهِنْتانيّ جراحات، فحملوه على أعناقهم وهو كالميت، لَا يَنْبض له عِرْق. فقال لهم البشير: إنّه لَا يموت حتّى يفتح البلاد، ويغزو في الأندلس. وبعد مدَّة من استماتته فتح عينيه، فزادهم ذلك إيمانًا بأمرهم. ولّما أَتَوْا عزّاهم ابن تُومَرْت وقال: يَوْمٌ بيوم، وكذلك حرب الرّسل.

стр. 16991

ونقل عبد الواحد بن عليّ بن التّميميّ المرّاكشيّ في كتاب «المعجب» [١] الّذي اختصرته، أنّ ابن تُومَرْت رحل إلى بغداد، فأخذ الأصول عن أبي بكر الأصوليّ الشّاشيّ، وسمع من المبارك بن عبد الجّبار ابن الطُّيُوريّ. وقال: إنّ أمير الإسكندرية نفاه منها، فبَلَغَني أنّه استمر يُنكر في المركب إلى أنّ أَلْقوْه في البحر. فأقام نصفَ يَوْمٍ يجري في ماء السّفينة ولم يغرق، فأنزلوا إليه من أطلعه وعظَّموه، إلى أن نزل بَجَّايَة، ووعظ بها، ودرَّس، وحصل له القبول، فأمره صاحبها بالخروج منها خوفًا منه، فخرج، ووقع بعبد المؤمن، وكان بارعًا في خطّ الرمْل. ووقع بجفرٍ فيما قيل، وصحِبَهما من ملالة عبدُ الواحد الشّرقيّ، فتوجّه الثّلاثة إلى أقصى المغرب. وقيل إنّه لقي عبد المؤمن ببلاد متيجة، فرآه يعلّم الصّبيان، فأسرّ إليه، وعرّفه بالعلامات. وكان عبد المؤمن قد رأى رؤيا، وهي أنّه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صَحْفَةٍ، قال: ثمّ زاد أكلي على أكله، ثمّ اختطفت الصَّحْفَة منه. فقصها على عابرٍ فقال: هذه لَا ينبغي أن تكون لك، إنما هي لرجلٍ ثائر يثور على أمير المسلمين، إلى أن يغلب على بلاده. وسار ابن تُومَرْت إلى أن نزل في مسجد بظاهر تِلِمْسان، وكان قد وضع له هيبةً في النُّفُوس. وكان طويل الصَّمت، كثير الانقباض، إذا انفصل عن مجلس العلم لَا يكاد يتكلم. أخبرني شيخٌ عن رجلٍ من الصالحين كان معتكفًا في ذلك المسجد أنّ ابن تُومَرْت خرج ليلةً فقال: أين فلان؟ قالوا: سمجون. فمضى من وقته ومعه رجلٌ، حتى أتى إلى باب المدينة، فدقّ على البوّاب دقًا عنيفًا. ففتح له بسرعة، فدخل حتّى أتى الحْبس، فابتدر إليه السّجّانون يتمسّحون به. ونادى: يا فُلان. فأجابه، فقال: أخرج، فخرج والسّجّانون باهتون لَا يمانعونه، وخرج به حتّى أتى المسجد. وكانت هذه عادته في كلّ ما يريد، لَا يتعذّر عليه. قد سُخِّرت له الرّجال. وعظُم شانه بتِلَمْسان إلى أن انفصل عنها، وقد استحوذ على قلوب

стр. 16992

كُبَرائها. فأتى فاسَ، وأظهر الأمر بالمعروف، وكان جلّ ما يدعو إليه عِلم الاعتقاد على طريقة الأشعرية. وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه. فجمع والي فاس الفُقَهاء له، فناظرهم، فظهر عليهم لأنه وجد جوّا خاليًا وناسًا لَا عِلْمَ لهم بالكلام، فأشاروا على المتوليّ بإخراجه. فسار إلى مَراكُش، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفُقهاء، فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلّا مالك بن وُهَيْب، وكان متفنّنًا قد نظر في الفلسفة. فلّما سمع كلامه استشعر حِدَّته وذكاءه [١] فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتْله، وقال: هذا لَا تُؤمن عائلتُه، وإنْ وقع في بلاد المصامدة قَوِيُّ شرُّه، فتوقّف عن قتْله دِينًا، فأشار عليه بحبْسه، فقال: عَلَامَ أسجن مسلمًا لم يتعيَّن لنا عليه حقّ. ولكنْ يخرج عنّا. فذهب هو وأصحابه إلى السُّوس، ونزل تينمل. ومن هذا الموضع قام أمرُه، وبه قبره، فلّما نزله اجتمع إليه المَصَامِدة، فشرع في بثّ العلم والدّعاء إلى الخير. وكتم أمره، وصنَّف لهم عقيدةً بلسانهم، وعظُم في أعيُنهم، وأحبته قلوبُهُم. فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكَر، ونهاهم عن سفْك الدّماء، فأقاموا على ذلك مدَّة، وأمر رجالًا منهم ممّن استصلح عقولهم بنصب الدَّعوة. واستمال رؤساء القبائل، وأخذ يذكّر المَهْديّ ويشوّق إليه، وجمع الأحاديث الّتي جاءت في فضله، فلّما قرّر عندهم عَظَمة المهديّ ونَسَبه ونعته، ادّعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، وسرد له نَسَبًا إلى علي ﵇، وصرَّح بدعوى العِصْمة لنفسه، وأنّه المهديّ المعصوم، وبسط يده للمبايعة فبايعوه، فقال: أبايعكم على ما أبايع عليه أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورسول الله ﷺ ، وصنَّف لهم تصانيف في العِلم، منها [٢] كتاب سماه «أعزّ ما يطلب» ، وعقائد على مذهب الأشعريّ في أكثر المسائل إلّا في إثبات الصّفات، فإنّه وافق المعتزلةِ في نفْيها، وفي مسائل غيرها قليلة. وكان يُبْطن شيئًا من التَّشَيُّع. ورتَّب أصحابه طبقات، فجعل منهم العشّرة، وهم الأوّلُون السّابقون إلى إجابته. وهم الملقّبون بالجماعة.

стр. 16993

وجعل منهم الخمسين، وهم الطّبقة الثّانية. وهذه الطّبقات لَا تجمعها قبيلة، بل هم من قبائل متفرقة. وكان يسمّيهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة المَعْنيُّون بقوله ﷺ : «لَا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحقّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله» [١] . وأنتم الّذين يفتح الله بكم الرّوم، ويقتل بكم الدّجّال، ومنكم الأمير الّذي يُصلّي بعيسي بن مريم. هذا مع جُزْئيّات كان يخبرهم بها وقع أكثرها. وكان يقول: لو شئتُ أن أَعُدَّ خُلفاءكم خليفةً خليفةً لَعَدَدْتُ. فعظُمَت فتنةُ العوام به، وبالغوا في طاعته، إلى أن بلغوا حدًّا لو أمر أحدهم بقتْل أبيه أو أخيه أو أبنه لقتله. وسهّل ذلك عليهم ما في طباعهم من القسوة المعهودة في أهل الجبال، لا سيما الخاربة البربر، فإنّهم جُبلوا على الإقدام على الدّماء، واقتضاه إقليمهم. حتّى قيل إنّ الإسكندر أُهديت له فَرَسٌ لَا تُسبق، لكنها لَا تصهل، فلّما حلّ بجبال دَرَنْ، وهي بلاد المَصَامدة هذه، وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت. فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره، فكتب إليه: هذه بلاد سرّ وقسوة، فعجِّل بالخروج منها. وأنا فقد شاهدت من إقدامهم على القتْل لمّا كنت بالسُّوس ما قضيت منه العجب. قال: وقوي أمر ابن تومرت في سنة خمس عشرة وخمسمائة، فلما كان في سنة سبْع عشرة جهّز جيشًا من المَصَامِدة، جُلُّهم من أهل تينمل والسُّوس، وقال لهم: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدّلين الّذين تسمَّوا بالمرابطين، فادْعُوهم إلى إماتة المُنْكَر، وإزالة البِدَع، والإقرار بالإمام المهديّ المعصوم، فإنْ أجابوكم فهُمْ إخوانكم، وإلّا فقاتِلُوهم، وقد أباحت لكم السُّنَّةُ قتالَهم. وقدم عليهم عبد المؤمن، فسار بهم قاصدًا مَرّاكُش، فخرج لقتالهم الزُّبَير

стр. 16994

ابن أمير المسلمين علي بْن يُوسُف بْن تاشفين، فلّما تراءى الْجَمْعان كلموا المرابطين بما أمرهم به ابن تُومَرْت، فردَوا عليهم أسوأ ردّ، ووقع القتال، فانهزم المَصَامِدة، وَقُتِلَ منهم مقتلة، ونجا عبد المؤمن. فلمّا بلغ الخبرُ ابن تُومَرْت قال: أَلَيْس قد نجا عبد المؤمن؟ قيل: نعم. قال: لم يُفْقَد أحد. ثمّ أخذ يهوّن عليهم، ويقرر عندهم أنّ قتلاهم شُهداء، فزادهم حِرْصًا على الحرب. وقال الأمير عزيز في كتاب «الجمع والبيان في أخبار القيروان» إنّ ابن تُومَرْت أقام بتينمل، وسمّى أصحابه وأتباعه بالموحدين، والمخالفين أمره: مجسّمين. وأقام على ذلك نحو العام، فاشتهر أمره سنة خمس عشرة، وبايعته هَرْغَة على أنّه المهديّ، فجهّز له علي بن يوسف جيشًا من الملثّمين، فقال ابن تومرت لأصحابه الّذين بايعوه: إنّ هؤلاء قد جاءوا في طلبي، وأخاف عليكم منهم، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم. فقام بين يده ابن توفيان، من مشايخ هَرْغَة، وقال له: تخاف شيئا من السّماء؟ قال: لَا، بل من السّماء تُنصر. فقال ابن توفيان: فدع كل من في الأرض يأتينا. ووافقه جميع قبيلته على ذَلِكَ القول. فقال: إنما أردت أن أختبر صبرَكم وثَبَاتَكم وأمّا الآن، فأبشروا بالنَّصْر، وأنكم تغلبون هؤلاء الشِّرْذمة، بعد قليل تستأصِلون دولتهم، وترثون أرضهم. فالتقوا جيش الملثمين فهزموهم، وأخذوا الغنيمة، ووثقت نفوسُهم بالمهديّ، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النّواحي ووحَّدَتْ قبيلة هنتاتة، وهي من أقوى القبائل، إلى أن قال: ثمّ نَهَجَ لهم طريقَ التَّودُّد والآداب، فلا يخاطبون الواحد منهم إلّا بضمير الجْمع في وقَار وبشاشة، ولا يلبسون إلّا الثّياب القصيرة الرخيصة، ولا يخلون يومًا من طِراد ومناصفة ونضارة [١] . وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مفسدون، فنظر

стр. 16995

ابن تُومَرْت في ذلك، فطلب مشايخ القبائل ووعظهم، وقال: لَا يصحّ دِينكم إلّا بالنَّهي عن المُنْكَر، فابحثوا عن كلّ مفسد وانهوه، فإنْ لم ينْتَه فاكتبوا أسماءهم، وارفعوها إليَّ. ففعلوا ذلك ثمّ أمرهم بذلك ثانيًا وثالثًا. ثمّ جمع الأوراق، فأخذ ما تكرّر من الأسماء، فأفردها عنده. ثمّ جمع القبائل كلّها وحضّهم على أن لا يغيب منهم أحد. ودفع الأسماء الّتي أفردها إلى عبد الله الوَنْشَرِيسيّ، الملقَّب بالبشير، ثمّ جعل يعرضهم رجلًا رجلًا، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشّمال، ومن لم يجده جعله في جهة اليمين. إلى أن عرض القبائل جميعها. ثمّ أمر بتكتيف جهة الشّمال، وقال لقبائلهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار قد وَجَب قتلُهم. ثمّ أمر كلّ قبيلة أنّ تقتل أشقياءها، فقُتِلوا كلّهم. وكانت واقعة عجيبة. وقال: بهذا الفِعل يصحّ لكم دِينكم ويقوى أمركم. وعلى ذلك استمرّت الحالة في جميع بلادهم. ويسمّونه: التّمييز. وكان له أصحاب عشرة يُسمَّون أهل عشرة. وأصحاب من رءوس القبائل سمّاهم أهل خمسين، كانوا ملازمين مجلسَه. فأما العشرة: فعبد المؤمن، والشَيخ أبو إبراهيم الهَزْرَجيّ، والشَيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهِنْتَانيّ المعروف بعمرانينيّ، والشَيخ أبو محمد عبد الله البشير، والشَيخ أبو محمد عبد الواحد الزّواويّ، وكن يُعرف بطير الجنَّة، والشَيخ أبو محمد عبد الله بن أبي بكر، والشَيخ أبو حفص عمر بن أَرْناق، والشَيخ أبو محمد وإسناد الأَغْماتيّ، والشَيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع، وآخر. فهؤلاء الّذين سبقوا وتعرَّفوا به لأخذ العِلْم عنه. وكان اجتماعهم به أفرادًا في حال تَطْوافه في البلاد، فآثرهم واختصّهم. وفي أوّل سنة أربعٍ وعشرين جهّز جيشًا زُهاء عشرين ألف مقاتل، قدم عليهم البشير، ثمّ دونه عبد المؤمن، بعد أمورٍ وحروب. فساروا إلى مَرّاكُش، وحاصروها عشرين يومًا. فأرسل عليّ بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سجلْماسَة، فجمع جيشًا وجاء من جهة، وخرج ابن تاشفين من البلد من جهة، ووقع الحرب، واستَحَرَّ يومئذٍ القتل بجيش المَصَامِدة، فقتل أميرهم عبد الله

стр. 16996

البشير، فالتفُّوا على عبد المؤمن، ودام القتال إلى اللّيل. وصلّى بهم عبد المؤمن يومئذٍ صلاة الخوف والحرب قائمة. وتكاثر الملثّمون، وتحيّز المصامدة إلى بستان هناك مُلْتَفٍّ بالشجر يُعرف بالبحيرة، فلذا قيل وقعة البحيرة. وبلغت قتلاهُم ثلاثة عشر ألفًا. وأُنهي الخبر إلى المهديّ فقال: عبد المؤمن سالم؟ قيل: نعم. قال: ما مات أحد، الأمر قائم. وكان مريضًا، فأمر بأتّباع عبد المؤمن، وعقد له من بعده، وسمّاه أمير المؤمنين، وقال لهم: هذا الّذي يفتح الله البلاد على يده، فلا تشُكّوا فيه وأعْضدوه بأموالكم وأنفسكم. ثمّ مات في آخر سنة أربعٍ وعشرين. قال اليَسَع بن حزْم: سَمَّى ابن تُومَرْت أتباع المرابطين مجسّمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه الله تعالى عمّا لَا يجب له، وصفته بما يجب له، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه. وكان علماء المغرب يعلّمون العامَّة أنّ اللّازم لهم أنّ الله ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير، إلى أن قال: فكفّرهم ابن تُومَرْت بوجهين، بجهل العرض والجوهر. وأنّ من لَا يعرف ذلك لَا يعرف المخلوق، ولم يعرف الخالق. الوجه الثّاني إنّ من لم يهاجر إليه، ولم يقاتل المرابطين معه، فهو كافر، حلال الدّم والحريم. وذكر أنّ غضبه للَّه، وإنّما قام حِسْبةً على قومٍ أغرموا النّاس ما لَا يجب عليهم. وهذا تناقض، لأنّه كفّرهم، وإنّ كانوا مسلمين. فأخذ المرابطين منهم النَّزْر اليسير أشبه من قتْلهم ونهبهم. وحصل له في نفوس أتباعه من التّصديق له والبركة ما لا يجوزه الوصف. وقال القاضي شمس الدّين [١] : طالت المدَّة على ابن تُومَرْت، فشرع في حيلة، وذلك أنّه رأى أولاد المصامدة شُقْرًا زُرْقًا، ولون الآباء سُمْر، قال لهم عن ذلك، فلم يجيبوه، فلمّا ألحّ عليهم فقالوا: نحن من رعيَّة أمير المسلمين عليّ، وله علينا خَراج. وفي كلّ سنة تصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجونا

стр. 16997

عنها، ويخلُون بنسائنا، وما لنا قُدرة على دفع ذلك. فقال ابن تُومَرْت: والله، الموتُ خيرٌ من هذه الحياة. كيف رضيتم بهذا، وأنتم أضربُ خلْق الله بالسّيف وأطعنهم بالرُّمح؟ قالوا: بالرّغم منّا. قال: أرأيتم لو أنّ ناصرًا نصركم على هؤلاء، ما كنتم تصنعون؟ قالوا: كنّا نقدَّم أنفسنا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم. فقالوا: السّمع والطّاعة. فبايعهم، ثمّ قال: استعدوا لحضور هؤلاء بالسّلاح. فإذا جاءوكم فأجْرُوهم على عادتهم، ثمّ مِيلُوا عليهم بالخُمُور، فإذا سكروا فآذنوني بهم. فلمّا جاءوهم ففعلوا ذلك بهم وأعلموه، فأمر بقتالهم، فلم تمض ساعة من اللّيل حتّى أتوا على آخرهم، وأفلت منهم واحد، فلحِق بمَرّاكُش، فأخبر الملك، فندِم على فوات محمد من يده حيث لَا ينفعه النّدم. وجهّز جيشًا. وعرف ابن تُومَرْت أنه لَا بد من عسكر يغشاهم. فأمر أهل الجبل بالعقود على أنقاب الوادي، فلّما وصلت إليهم الخيل نزلت عليهم الحجارة من جانبني الوادي كالمطر، ودام القتال إلى اللّيل، فرجع العسكر، وأخبروا الملك، فعلم أنّه لَا طاقة لنا بأهل الجبل لتحصُّنهم، فأعرض عنهم. ثمّ قال ابن تُومَرْت لعبد الله الوَنْشَريسيّ: هذا أوان إظهار فضائلك وفصاحتك دفعةً واحدة. ثمّ اتّفقا على أن يُصلّي الصُّبح، ويقول بلسان فصيح: إني رأيت في النّوم أنّه نزل بي مَلَكان من السماء، وشقّا فؤادي، وغسّلاه، وحَشَياه عِلْمًا وحكمة. فلّما أصبح فعل ذلك، فدُهشوا وعجبوا منه، وانقادوا إليه كلّ الانقياد. فقال له ابن تُومَرْت: فعجِّل لنا الْبُشْرَى في نفسنا، وعرّفنا أَسُعَداءُ نحن أمْ أشقياء. فقال له: أمّا أنت فإنّك المهديّ القائم بأمر الله، مَن تبعك سَعد، ومَن خالفك شقي.

стр. 16998

ثمّ قال: أعرضْ أصحابك حتّى أميّز أهل الجنَّة من أهل النّار. وعمل ذلك حيلةً، قتل فيها من خالف أمر ابن تُومَرْت، ثمّ لم يزل إلى أن جهّز، بعد فصولٍ طويلة، عشرة آلاف مقاتل. وأقام هو في الجبل، فنزلوا لحصار مَرّاكُش، فأقاموا عليها شهرًا، ثمّ كُسِروا كسرة شنيعة وهرب من سَلِم من القتْل، وَقُتِلَ الوَنْشَرُيسيّ المذكور. وقال عبد الواحد بن عليّ المَرّاكُشيّ: ثمّ جعلوا يشنون الغارات على قرى مَرّاكُش، ويقطعون عنها الْجَلَب، ويقتلون ويَسْبون الحريم. وكثر الدّاخلون في دعوتهم المنحاشون إليهم، وابن تُومَرْت في ذلك كلّه يُكثِر الزُّهد والتَّقَلُّل والعبادة. أخبرني من رآه يضرب على الخمر بالأكمام والنعال وعُشْب النَّخْلِ كفعل الصّحابة. وأخبرني من شهده وقد أُتيَ برجلٍ سَكْران فحدّه، فقال يوسف بن سليمان، أحد الأعيان: لو شَدَدْنا عليه حتى يخبرنا من أين شرِبَها. فأعرض عنه، فأعاد قوله، فقال: أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سليمان ما كنّا نصنع؟ فاستحى وسكت. ثمّ ظهر أنّ عبيد يوسف بن سليمان سقَوْه، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تُومَرْت. قال اليَسَع بن حزْم: ألّف ابن تُومَرْت كتاب «القواعد» ، وممّا فيه: أن التّمادي على ذَرَّةٍ من الباطل كالتمادي على الباطل كله. وألّف لهم كتاب «الإمامة» ، يقول فيه: حتّى جاء الله بالمهديّ، يعني نفسه، وطاعته صافية نقيَّة، لَا ضدّ له ولا مثل له، ولا ندّ في الورى. وإنّ به قامت السّماوات والأرض. قال اليَسَع: هذا نصّ قوله في الإمامة، وهذا نصّ تلقّيته من قراءة عبد المؤمن بن عليّ. دوّن لهم هذا بالعربيّ وبالبربريّ. فلمّا قرءوا هذين الكتابين زادهم ذلك شدَّةً في مذهبهم من تكفير النّاس بالذّنوب، وتكفيرهم بالذّنوب، وتكفيرهم بالتّأخُّر عن طاعة المهديّ الّذي قامت به السّماوات والأرض.

стр. 16999

هذا نص ما قاله اليَسَع. قال: وأمرهم بجمع العساكر، فخرجوا إلى ناحية مَرّاكُش، فوجدوا جيشًا للمرابطين، فالتقوا، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهِدَها، وصَبَر فيها الموحِّدون. فلّما كان في سنة إحدى وعشرين تألّفوا في أربعين ألف راجل وأربعمائة فارس، ونزلوا يريدون حضرة مَرّاكُش، فحدَّثني جماعة أنّهم نزلوا على باب أَغْمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف، بين فارسٍ وراجل، فخُذِلوا ودخلوا المدينة في أسوأ حالة. فجاء من الأندلس ابن همبك في مائة فارس، فشجّع أمير المسلمين، وخرج فقاتل، فانتصر المرابطون، وَقُتِلَ من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا، فما سلِم منهم إلّا نحو أربعمائة نفس. كذا قال اليَسَع. وقال ابن خلِّكان [١] : حَضَرت ابن تُومَرْت الوفاةُ، فأوصى أصحابه وشجّعهم، وقال: العاقبة لكم. ومات في سنة اربعٍ وعشرين إثر الوقعة الّتي قُتِلَ فيها الوَنْشَرِيسيّ، ودُفِن بالجبل، وقبرُه مشهورٌ معظّم. ومات كهلًا. وكان رَبْعةً، أسمر، عظيم الهامة، حديد النّظر، مَهِيبًا. وقيل فيه: آثاره تُغنيك عن أخباره حتّى كأنّك بالعَيَان تراه، قدمٌ في الثَّرَى وهامة في الثُّرَيّا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المُحيّا. أغفل المرابطون ربطْه حتّى دبّ دبيب الفَلَق في الغَسَق، وترك في الدّنيا دَوِيًّا. وكان قُوتُه من غزْل أخته رغيفًا في كلّ يَوْمٍ، بقليل سمنٍ أو زيت. فلم ينتقل عن ذلك حين كثُرت عليه الدّنيا. ورأى أصحابه يومًا وقد مالت نفوسُهم إلى كثْرة ما غنموه، فأمر بإحراق جميعه، وقال: من كان يبتغي الدّنيا فما له عندي إلّا [هذا] [٢] ، ومن كان يبتغي الآخرة فجزاؤه [٣] عند الله.

стр. 17000

ومن شعره: أخذت بأعضادهم إذْ نأوا ... وخَلْفك القوم إذْ ودّعوا فكم أنت تُنْهَى ولا تنتهي ... وتُسْمع وعظًا ولا تَسْمعُ فيا حجر الشَّحْذ حتّى متى ... تسنّ الحديد ولا تقطعُ؟ [١] وكان يتمثّل كثيرًا من قول: تجرّد من الدّنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدُّنيا وأنت مجرّد [٢] ولم يتملّك شيئا من البلاد، وإنّما قرّر القواعد ومهّدها، وبَغَتَه الموت. وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن. وقد كان الملك أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن في أيّامه، وقد زار قبر ابن تُومَرْت بمحضرٍ من الموحّدين، فقام شاعر وانشد هذه القصيدة، وفيها جُمل ممّا كان يعتقده ابن تُومَرْت يخبر به: سلامٌ على قبر الإمام الممجَّدِ ... سلالةِ خير العالِمين محمد وشبهه في خلْقه ثمّ في اسْمِه ... وفي اسم أبيه والقَضاء المسدّد أتتنا به البُشْرى بأنْ يملا الدّنا ... بقسطٍ وعدْلٍ في الأنام مخلّد ويفتتح الأمصار شرقًا ومغربًا ... ويملك عربًا من ثعير ومنجد فمن وصفه أثني واجلي وأن ... علاماته خمس تبين لمهتدي زمان واسم والمكان ونسبه ... وفعل له في عصمة وتأبُّد ويلبث سبْعًا أو فتِسْعًا يعيشها ... كذا جاء في نصٍّ من النَّقْلِ مُسْندِ فقد عاش تسعًا مثل قَوْل نبيّنا ... فذلكُمُ المهديُّ باللَّه يهتدي وخرج إلى مدْح عبد المؤمن وبنيه. ولابن تُومَرْت أخبار طويلة عجيبة. ٦٣- مُحَمَّد بْن عليْ بْن أَبِي الغنائم عَبْد الصمد بن عليّ بن المأمون [٣] .

стр. 17001

أبو غانم الهاشميّ. يروى عن: جدّه. وعنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو طاهر السِّلَفيّ. ٦٤- محمد بن عليّ بن محمود [١] . المعمّر أبو منصور الزُّولَهيّ [٢] التاجر، المعروف بالكُرَاعيّ، ويقال إنّ اسمه أحمد. وكتب له محمد وأحمد من قرية زولاه، إحدى قرى مرْو. شيخ صالح صائن، رحلَ إليه النّاس، وصارت زولاه مقصد الطّلبة والفُقهاء بسببه. وكان آخر من روى عن جده لأمّه أبي غانم الكُرَاعيّ. وكان قدّر مسموعاته قريبًا من عشرين جزءًا. سمعت منه. قاله أبو سعد السّمعانيّ [٣] . وقال: سمعت منه بقراءة السّنجيّ اثني عشر جزءًا. ثمّ أحضره شيخنا الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن المَرْوَزِيّ في الخانقاه، وقرأ عليه الأجزاء المسموعة له، فسمعتها منه [٤] . وُلِد في العشرين من شوّال سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ومات في أواخر سنة أربعٍ وعشرين أو في أوائل سنة خمسٍ بقريته [٥] . قلت: هو في زمانه لأهل خراسان كفاطمة الْجُوزدَانيَّة لأهل أصبهان، وكابن الحُصَيْن لأهل بغداد، وكالرّازيّ لأهل مصر. وقد حدَّث عنه بالشّام محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن المروزيّ، وبقي إلى سنة ثمانين وخمسمائة.

стр. 17002

٦٥- منصور [١] . أبو عليّ. الآمر بأحكام الله ابن المستعليّ باللَّه أبي القاسم أحمد بن المستنصر باللَّه أبي تميم مَعَدّ بن الظّاهر باللَّه عليّ بن الحاكم بن العزيز بن المُعِزّ العُبَيْديّ المصريّ، صاحب مصر. كان رافضيًا كآبائه. فاسقًا، ظالمًا، جائرًا، مستهزئًا لعّابًا، متظاهرًا باللَّهْو والمُنْكَر، ذا كِبْرٍ وجَبَرُوت. وكان مدبّر سلطانه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش. ولي الأمر وهو صبيّ، فلمّا كبر قتل الأفضل وأقام في الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحيّ، فظلم وأساء السّيرة إلى أن قبض عليه الآمر سنة تسع عشرة وخمسمائة، وصادره ثمّ قتله في سنة اثنتين وعشرين وصَلَبه، وقتل معه خمسةً من إخوته. وفى أيّام الآمر أخذت الفرنج عكّا سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس الشّام في سنة اثنتين وخمسمائة فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجدة المصريّين بعد فوات المصلحة، وأخذوا عِرْفَة، وبانياس، وجُبَيْل. وتسلموا سنة إحدى عشرة وخمسمائة قلعة تبنين، وتسلّموا صور سنة ثمان عشرة، وأخذوا بيروت بالسّيف في سنة ثلاث وخمسمائة، وأخذوا صيدا سنة أربع.

стр. 17003

ثمّ قصد الملك بردويل الإفرنجيّ مصرَ ليأخذها ودخل الفَرَما، وحرق جامعها، والفَرَما قريبة من قطْيا من ناحية البحر، خربت وأحرق مساجدها، فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش، فشقّ أصحابه بطنه وصبَّروه، ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم بالسّبخة، ودفنوه بمقامة. وكان هو الّذي أخذ بيت المقدس، وعكّا، وعدَّة حصونٍ من السّواحل. وذلك كلّه بتخلُّف هذا المشئوم الطَّلْعة. وفي أيّامه ظهر ابن تُومَرْت، وفي أيّام أبيه أخذت الفرنج أنطاكّية، والمَعَرَّة، والقدس. وجرى على الشّام أمرٌ مَهُول من ظهور الرَّفْض والسّبّ، ومن استيلاء الفرنج وَالسَّبْيِ والأسْر، نسأل الله العفو والأمن. ووُلِد الآمر في أوّل سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمسُ سِنين، وبقي في المُلْك تسعًا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يومًا في ذي القعدة، وعدَى على الجسر إلى الجيزة، فكمن له قومٌ بالسّلاح، فلمّا عبر نزلوا عليه بأسيافهم، وكان في طائفةٍ يسيرة، فردّوه إلى القصر مُثْخَنًا بالجراح، فهلك من غير عقب، وهو العاشر من أولاد المهديّ عُبَيْد الله الخارج بسجلْمَاسَة، وبايعوا بالأمر ابن عمّه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر باللَّه، فعاش إلى سنة أربعٍ وأربعين. وكان الآمر رَبْعةً، شديد الأُدْمَةِ، جاحظَ العينين، حَسَن الخطّ، جيّد العقل والمعرفة. وقد ابتهج النّاس بقتله لعسَفه وسفْكه الدّماء، وكثرة مطاردته، واستحسانه الفواحش. وعاش خمسًا وثلاثين سنة. وبنى وزيره المأمون بالقاهرة الجامع الأقمر. - حرف الهاء - ٦٦- هبة اللَّه بْن القاسم بْن عطاء بن محمد [١] .

стр. 17004

أبو سعيد المِهْرانيّ [١] النَّيْسابوريّ. قدِم بغداد، وسمع: أبا محمد الصَّرِيفِينيّ. وكان قد سمع من عبد الغافر الفارسيّ «صحيح مسلم» . وسمع من: أبي عثمان الصّابونيّ، وأبي سعد الكَنْجَرُوذيّ، وأبي نُعَيْم بسرويه بن محمد. وولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. قال أبو سعد السّمعانيّ [٢] : كان شيخًا أصيلًا نبيلًا، نظيفًا، من بيت العِلم والزُّهد والورع، حافظًا للقرآن، قانعًا بالكفاف. انزوى في آخر عمره، وترك النّاس، وأقبل على العبادة. أجاز لي، وحدَّثني عنه جماعة، منهم: سعيد بن محمد الطُّيُوريّ، وأبو منصور عليّ بن محمد الغيد الطُّرَيْثيثي. وتُوُفّي في العشرين من جُمَادَى الأولى بنَيْسابور، وعمره ثلاث وتسعون سنة. قلت: وروى عنه: أبو بكر محمد بن عليّ بن ياسر الحيّانيّ. - حرف الواو - ٦٧- وَهْبُ الله ابن الحافظ الكبير أبي القاسم عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أحمد بن محمد بن حشكان بن حسين بن عبد الله بن الحَكَم بن الوليد بن عُقْبة بن عامر بن عبد المجيد بن الأمير عبد الله بن عامر بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عَبْد شمس بن عبد مناف [٣] .

стр. 17005

العبْشَميّ، الكُرَيْزيّ، النَّيْسابوريّ، ابن الحذّاء. سمع: أباه، وأحمد بن محمد بن مُكْرَم الصَّيْدلانيّ، وأبا يعلى بن الصّابونيّ. مات في سابع شوّال عن أربعٍ وسبعين سنة. كنيته أبو الفضل [١] .

стр. 17006

سنة خمس وعشرين وخمسمائة - حرف الألف - ٦٨- أحمد بن حامد بن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن عليّ بْن محمود بْن هبة اللَّه بن آله [١] . وآله هو العقاب بالعجميّ. عزيز الدّين أبو نصر الأصبهانيّ المستوفيّ، عمّ العماد الكاتب. كان رئيسًا نبيلًا، وكاتبا بليغا، كثير البرّ والصّلات. روى الحديث عن: أبي مطيع محمد بن عبد الواحد المَدِينيّ. روى عنه: سعد الله بن الدّجاجيّ، وغيره. وقد ولي مناصب في الدّولة السّلجوقيّة، ومدحه الشّعراء. وفيه يقول الحسن بن أحمد بن حكينا: فميلوا [٢] بنا نحو العراق رِكابَكُمْ ... لِنَكْتَال من مالِ العزيز بصاعِهِ وكان في الآخر متولّي خزانة السّلطان محمود بن محمد السَّلْجُوقيّ، فتزوّج محمود ببنت عمّه سَنْجَر، فماتت عنده، فطالبه عمّه بما كان خرج معها، فجحده محمود، وخاف من العزيز أن يشهد عليه بما وصل صُحبتها لأنّه كان مطّلعًا على ذلك، فقبض عليه، وسَيَّره إلى قلعةِ تِكْريت، وكانت له، فحبسه بها. ثمّ قتله على يد متولّيها في أوائل سنة خمسٍ وعشرين، وله ثلاثٌ وخمسون سنة.

стр. 17007

٦٩- أحمد بن عليّ بن محمد [١] . أبو السّعود بن المُجَلّيّ [٢] البغداديّ البزّاز. شيخ، صالح، صَبور على القراءة، ولم يكن يعرف شيئًا من الحديث. وكان يعِظ ويذكّر بجامع المنصور [٣] . سمّعه أبوه هبة الله من: القاضي أبي يَعْلَى بن الفرّاء، وعبد الصّمد بن المأمون، وأبي جعفر ابن المسلمة، وابن المهتدي باللَّه، وأبي بكر الخطيب، وجماعة. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وابن الْجَوزيّ، وأبو الفتوح بن غَيْث، والحسن بن عبد الرحمن الفارسيّ، وأبو الفتح المندائيّ، وجماعة. وُلِد سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة [٤] ، وتُوُفّي في ثامن ربيع الأوّل ﵀. - حرف الحاء - ٧٠- حمّاد بن مسلم بن ددّوة [٥] . أبو عبد الله الدبّاس الرّحبيّ، رحبة مالك بن طوق.

стр. 17008

الزّاهد العارف، وُلِد بالرحْبَة، ونشأ ببغداد. وكان له كاركة للدبْس، يجلس في غرفتها. وكان من الأولياء أولي الكرامات. صحِبَه خلْق، فأرشدهم إلى الله تعالى، وظهرت بركته عليهم، وكان يتكلم على الأحوال. وقد كتبوا من كلامه نحوا من مائة جزء. وكان أمّيّا لا يكتب. قال عبد الرحمن بن محمد بن حمزة الشّاهد: رأيت في المنام كأنّ قائلًا يقول لي: حمّاد شيخ العارفين والأبدال. وعن حمّاد قال: مات أبوايَ في يَوْمٍ واحد، ولي نحو ثلاثين سنة. وكانا من أهل الرحْبَة. وقال أحمد بن صالح الجيليّ: سمع من أبي الفضل بن خَيْرُون، وكان يتكلَّم على آفات الأعمال في المعاملات، والرياضيات، والورع، والإخلاص. وقد جاهد نفسه بأنواع المجاهدات، وزوال أكثر المِهَن والصّنائع في طلب الحلال. وكان كأنه مسلوب الاختيار، مكاشفًا بأكثر الأحوال. ومن كلام الشَيخ حمّاد: إذا أحبّ الله عبدًا أكثر همّه فيما فَرَّط، وإذا أبغض عبدًا أكثر همّه فيما قَسَمه له ووعده به. العلم مَحَجَّةٌ، فإذا طلبته [١] لغير الله صار حُجَّة. وقال أبو سعد السّمعانيّ: سمعت أبا نصر عبد الواحد بن عبد الملك يقول: كان الشَيخ حمّاد يأكل من النَّذْر، ثمّ تركه لمّا بلغه قوله ﵇ «إنّه يستخرجه به من البخيل» [٢] ، فكره أكْلَ مال البخيل. وصار يأكل بالمنام. كان الإنسان يرى في النّوم أنّ قائلًا يقول له: أعط حمّادًا كذا فيصبح ويحمل ذلك إلى الشَيخ.

стр. 17009

وقال الشَيخ أبو النّجيب عبد القاهر: مرض الشَيخ حمّاد، فاحتاج إلى التَّنَشُّق بماء ورد، فحمل إليه أبو المظفر محمد بن عليّ الشّهْرُزُورِيّ الفَرَضيّ منه شيئًا، فلما وضع بين يديه قال: رُدّوه فإنه نجِس. فردّوه إلى أبي المُظَفَّر فقال: صَدَق الشَيخ، كان قد وقع في طرفه نجاسة وتركته وحده لأريقه، فنسيت. وقال المبارك بن كامل: مات الشَيخ العارف الورع الناطق بالحكمة حمّاد الدّبّاس في سنة خمس، ولم أرَ في زماني مثله صحِبْتُه سنين وسمعت كلامه. وكان مكاشَفًا يتكلَّم على الخواطر، مسلوب الاختيار، زِيّه زي الأغنياء، وتارة زَيّه زِيّ الفقراء متلوّن، كيف أُدير دار. وكان شيخ وقته، يشبه كلامه كلام الحصريّ. كانت المشايخ إذا جاءت إليه كالميت بين يدي الغاسل، لَا يتجاسر الشّخص أن يختلج. وقال ابن الْجَوزي [١] قاتَلَه الله: كان حمّاد الدّبَاس على طريقة التّصوّف، يدّعي المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، وكان عاريًا عن علم الشَّرْع، فلم ينفق إلّا على الْجُهّال. وكان ابن عَقِيل ينفّر النّاس عنه، حتّى بلغه أنّه يعطي كلّ من يشكو الْحُمَّى لوزةً وزبيبة ليأكلها فيبرأ، فبعث إليه ابن عَقِيل: إنْ عُدْت إلى مثل هذا ضربتُ عُنقَك. فكان يقول: ابن عَقِيل عدوّي. وصار النّاس يَنْذُرُون له النُّذُور. ثمّ تركه، وصار يأخذ بالمنامات، ويُنْفق على أصحابه ما يُفْتَح له، ومات في رمضان. قلت: وقد نقم «ابن الأثير» [٢] و «أبو المظفَّر بن قزغليّ» [٣] في تاريخيهما على ابن الجوزيّ، حيث حطّ على الشَيخ حمّاد، فقال أبو المظفَّر: ولو لم يكن لحمّاد من الفضائل الّتي اتّصف بها في زهادته وطريقته، إلّا أنّ الشَيخ عبد القادر أحد تلامذته.

стр. 17010

- حرف الخاء - ٧١- خَلَف بن مُفَرِّج بن سعيد. أبو القاسم بن الحبان الشّاطبيّ الكِنانيّ. عاش تسعين سنة إلّا أشْهُرًا. وروى عن: أبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله بن سعدون، وطاهر بن مُفَوَّز. وكان فقيهًا، مشاوَرًا، مدرّسًا. روى عنه: أبو عبد الله بن مفاوز، وعبد الغنيّ بن مكّيّ، وأبو عبد الله المِكْناسيّ. - حرف الزاي - ٧٢- زُهر بْن عَبْد الملك بْن مُحَمَّد بْن مروان بن زهر [١] . أبو العلاء الإياديّ الإشبيليّ الطّبيب. رحل إلى قرطبة فأخذ عن: أبي عليّ الغسّانيّ، وعبد الله بن أيّوب، وأبي بكر بن مفوّز. وأخذ الطَّبّ عن والده فمهَر فيه، وصنَّف فيه حتّى إنّ الأندلسيين ليفخرون به، وحلَّ من السّلطان محلًا عظيمًا. وكانت إليه رئاسة إشبيلية. وكان بارعًا في الأدب، شاعرًا، محسنًا. روى عنه: ابنه أبو مروان، وأبو بكر بن أبي مروان، وأبو عامر بن يبق، وغيرهم.

стр. 17011

وكان محتشما جوادا، لكن فيه بذاءة لسان. وله كتاب «الخواصّ» ، وكتاب «الأدوية المُفْرَدَة» ، وكتاب «الإيضاح في الطّب» ، وكتاب «حلّ سلوك الرّازيّ على الكتب» ، وكتاب «النّكت الطّبّيّة» ، وغير ذلك. وكان أبوه أبو مروان من رءوس الأطبّاء، وكان جدّه محدَثًا، فقيهًا، مشهورًا. وتُوُفّي بقُرْطُبة منكوبًا. ومن شِعره: يا راشقي بسهامٍ ما لها غَرَضُ ... إلّا الفؤاد وما منها لنا عوضُ ومُمْرِضي بجُفُونٍ كلّها غَنَجٌ ... صحّت وفي طبعها التّحريض والمرض جد لي ولو بخيالٍ منك يَطْرُقُني ... وقد يَسُدّ مَسَدَّ الجوهرِ الْعَرَضُ - حرف العين - ٧٣- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن نجا بن عليّ بن محمد بن شاتيل. أبو محمد المراتبيّ الدّباس. شيخ صحيح السّماع، أضرّ في آخر عمره. وسمع: أبا محمد الجوهريّ، وأبا محمد الصَّرِيفِينيّ. وعنه: أبو المُعَمَّر، وأبو القاسم الحافظ. وكان لَا يعرف شيئًا. وهو والد أبي الفتح عُبَيْد الله. تُوُفّي في نصف المحرَّم. ٧٤- عبد الباقيّ بن الحسين بن إبراهيم. أبو الحسين النّجّاد، كشلة. بغداديّ لهُ دكّان بسوق الثُّلاثاء. سمع: أبا جعفر ابن المسلمة، والصَّرِيفينيّ. وقرأ القراءات على: أبي عليّ بن البنّاء.

стр. 17012

قال ابن السّمعانيّ: حدَّثني عنه جماعة، وسمعت أنّه ما كانت له سيرة حسنة. تُوُفّي في نصف المحرَّم أيضًا. ٧٥- عبد الباقيّ بن عامر بن زيد [١] . أبو المجد الأنصاريّ الهَرَويّ، سِبْط أبي إسماعيل، شيخ الإسلام. واعظ حَسَن الإيراد، بارز العدالة، نبيل، عالم. سمع: جدّه، ومحمد بن عبد العزيز الفارسيّ، وأبا عطاء الجوهري. وأملى مجلسًا بجامع المنصور. وتُوُفّي في رجب [٢] . ٧٦- عليّ بن طاهر البغداديّ [٣] . المغازليّ. قال المبارك بن كامل: هو عمّ والدتي. عاش مائة وعشرين سنة. ورأى: أبا الحسن القَزْوينيّ. وسمع قليلًا. ٧٧- عيسى بْن حزْم بْن عَبْد اللَّه بْن اليَسَع [٤] . أبو الأصبَغ الغافقيّ، نزيل المَرِيَّة. أخذ القراءات عن: أبيه. وروى عن: أبى داود، وابن الدّوش، وجماعة.

стр. 17013

وتصدّر للإقراء. وكان محمودًا، محققًا، صالحًا. ولي خطَّة الشُّورى والخَطابة بالمَرِيَّة. وحدَّث عن: ابن الطّلّاع، وأبي عليّ الغسّانيّ. أخذ عنه: أبو القاسم بن حُبَيْش، وأبو العبّاس البَرَاذِعيّ، وأبو عبد الله بن عبّاد الحِنّائيّ. ولا يعلم وفاته، لكنه حدَّث في هذا العام. وأكثر عنه ولده أبو يحيى اليَسَع صاحب المغرب. - حرف الميم - ٧٨- مالك بن يحيى بن أحمد بن عامر [١] . أبو عبد الله الإشبيليّ، أحد رجال الكمال والارتسام بمعرفة العلوم على تفارقها. سمع من: أحمد بن محمد الخَوْلانيّ، وغيره. ومات رحمه الله تعالى بمَرّاكُش عن اثنتين وسبعين سنة. ورّخه ابن بَشْكُوال. ٧٩- محمد بن أحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد [٢] . أَبُو عَبْد اللَّه الرّازيّ، ثمّ المصريّ. المعدّل الشّاهد، ويُعرف بابن الخطّاب. مُسْنِد الدّيار المصرية وشيخ الإسكندريَّة. وُلِد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وعُني به أبوه وأسمعه الكثير في سنة أربعين.

стр. 17014

سمع: أباه، وأبا الحسن بن حِمّصة الحَرّانيّ، وعلي بن ربيعة، ومحمد بن الحسين الطفال، وعلي بن محمد الفارسيّ، وأحمد بن محمد بن الفتح الحكيميّ، وأبا الفضل أحمد بن محمد السَّعْديّ، وأحمد بن عليّ بن هاشم تاج الأئمة، وأبا الفتح أحمد بن بابشاذ والد طاهر، وعبد الملك بن مسكين، ومحمد بن الحسين بن سعدون المَوْصِليّ، ومحمد بن الحسين بن التَّرْجُمان، وتتمة سبعة وأربعين شيخًا، تخرّج عنهم في مشيخته، وتفرّد بالرّواية عن كثيرٍ منهم، فانقطع إسنادٌ عالٍ بموته، ﵀. روى عنه: أبو طاهر السَّلَفيّ، ويحيى بن سعدون القُرْطُبيّ، وأبو محمد العثمانيّ، وعبد الواحد بن عسكر المخزوميّ، وأبو القاسم عليّ بن مهديّ الفقيه ابن قليتا، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضْرميّ، وبدر الحذّاء داوبي، وأبو طالب أحمد بن المسلم التّنوخيّ، والفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن عوف، وإسماعيل بن صالح بن ياسين، وخلْق آخرهم موتًا عبد الرحمن بن موقا. وتُوُفّي في سادس جُمَادى الأولى، وله إحدى وتسعون سنة. ولو عاش أصحابه بعده كما عاش هو بعد شيوخه لتأخّروا إلى سنة عشر وستّمائة. والسّماع قسميَّة. ٨٠- محمد بن الحَسَن بن عليّ بن الحسن [١] . الشّيخ أبو غالب الماورديّ الصّادق. ولد بالبصرة سنة خمسين وأربعمائة [٢] . وسمع: أبا عليّ التُّسْتَرِيّ، وعبد الملك بن شُعْبة، وجماعة بالبصرة. وأبا الحسين بن النَّقُّور، وعبد العزيز الأنْماطيّ، وعبد الله بن الحسن الخلّال ببغداد. وأبا عمر بن مَنْدَهْ، ومحمود بن جعفر الكوسج، والبرانيّ بأصبهان.

стр. 17015

ومحمد بن أحمد بن علّان أبا الفرج، وأبا الحسن محمد بن الحسن بن المنوّر الْجُهنَيّ بالكوفة. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو الفَرَج بن الجوزيّ، وأبو أحمد بن سُكَيْنَة، وابن بُوش، وجماعة. قال ابن الجوزيّ [١] : كتب بخطّه الكثير، وكان يورّق للنّاس. وكان صالحا. توفّي في رمضان ببغداد. قال: ورئي في المنام فقال: غفر الله لي ببركات الحديث، وأعطاني جميع ما أَمَّلْتُه. ٨١- محمد بن داود بن عطيَّة. أبو عبد الله العكّيّ القلْعيّ القيروانيّ الأصل. روى بالأندلس عن: عبد الجليل الرَّبَعيّ، وأكثر عن أبي عليّ الغسّانيّ. واستقضى بتِلِمْسَان وبعدها بإشبيلية، ثمّ بفاس. وكان من جِلَّة العلماء. وقد حدَّث. تُوُفّي في عاشر ذي القعدة في عَشْر الثّمانين. ٨٢- محمد بن عمر بن عبد العزيز [٢] . أبو بكر البخاريّ الحنفيّ المقرئ المعروف بكاك. إمام أصحاب أبي حنيفة بمكَّة. كان فقيهًا، صالحًا، محدثًا [٣] . سمع: عبد الباقيّ بن يوسف المراغيّ، وأبا بكر أحمد بن سهل السّرّاج، وجماعة.
следующие страницы →