← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وَقَالَ البُخَارِيّ: إنّه قُتلِ في رجب [١] . وَقَالَ ابن عُيَيْنَة: جاء ابن جُرْمُوز إلى مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ، يعني أيّام ولي العراق لأخيه فَقَالَ: أقدني بالزُّبَيْر، فكتب في ذلك إلى عبد الله بن الزُّبَيْر، فكتب إليه: أنا أقتل ابن جرموز بالزبير؟ ولا بشسع نعله [٢] . وعن عبد الله بن عُرْوَة، أنّ ابن جُرْمُوز مضى من عند مُصْعَب، حتّى إذا كان ببعض السّواد، لحِق بقصرٍ هناك، عليه زَجٌّ [٣] ، ثمّ أمر إنسانًا أن يطرحه عليه، فطرحه عليه فقتله، وكان قد كرِه الحياة لما كان يُهَوَّل عليه، ويرى في منامه، وذلك دعاه إلى مَا فعل. [ (زيد بن صُوحان العَبْدِيّ) [٤] أخو صعصعة، يقال: له وفادة على النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَمِعَ مِنْ عمر، وعليّ.

стр. 1752

روى عنه أَبُو وائل، والعَيْزَار بن حُرَيْث. وكان صوَّامًا قوَّامًا، فَقَالَ له سَلْمان الفارِسيّ: إنّ لِبَدَنِك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، فأقلّ ممّا تصنع [١] . قتل يوم الجمل] [٢] .

стр. 1753

سلمان الفارسيّ [١]

стр. 1754

ع [٢] أَبُو عبد الله الرامَهُرْمُزِيّ [٣] ، وقيل الأصبهانيّ، سابقُ الفُرْس إلى الإسلام، خَدَمَ النّبيّ ﷺ وصَحِبَه. روى عنه ابن عباس، وأنس أبو الطّفيل، وأبو عثمان النّهديّ، وأبو عمر [٤] زاذان، وجماعة سواهم. ثُقْبان: ثنا يعقوب بن سُفْيَان الفَسَوِيّ، ثنا زكريا بن نافع [٥] الأرْسُوفيّ [٦] ، ثنا السَّرِيّ بن يحيى، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كان سَلْمان من أهل رامَهُرْمُز، فجاء راهبٌ إلى جبالها يتعبّد، فكان يأتيه ابن دِهْقان [٧] القرية، قَالَ: ففَطِنْت له، فَقُلْتُ: اذهب بي معك، فَقَالَ: لَا، حتّى أستأمِرُه، فاستأمره، فَقَالَ: جيء به معك، فكنّا نختلف إليه، حتّى فطِن لذلك أهل القرية، فقالوا: يا راهب، إنّك قد جاورْتَنا فأحْسَنّا جِوَارَك، وإنّا نراك تريد أن تُفْسِد علينا غِلماننا، فاخرُجْ عن أرضنا، قَالَ: فخرج، وخرجت معه، فجعل لَا يزداد ارتفاعًا في الأرض، إلّا ازداد معرفةً وكرامةً، حتّى أتى الموصل، فأتى جبلًا من جبالها، فإذا رُهْبانٌ سبعة، كلّ رجل في غارٍ يتعبد فيه، يصوم ستّة أيّام ولياليهنّ، حتّى إذا كان يوم السابع، اجتمعوا فأكلوا وتحدّثوا. فَقُلْتُ لصاحبي: اتركني عند هؤلاء [إن شئت، قَالَ: فمضى وَقَالَ: إنّك لَا تُطِيق مَا يُطيق هؤلاء، وكان ملك بالشّام يقتل] [٨] النّاس، فأبى عليّ

стр. 1755

إلّا أن ننطلق، فَقُلْتُ: فإنيّ اخرج معك، قَالَ: فانطلقت معه. فلمّا انتهينا إلى باب بيت المقدس، فإذا على باب المسجد رجلٌ مُقْعَد قَالَ: يا عبد الله تَصَدَّقْ عليّ، فلم يكن معه شيءٌ يُعْطِيه إيّاه، فدخل المسجد فصلّى ثلاثة أيام ولياليهن، ثُمَّ إنه انصرف، فخطَّ خطًّا وَقَالَ: إذا رأيت الظِّلَّ بلغ هذا الخطَّ فأيِقظْني، فنام، وَقَالَ: فرثيتُ له من طول مَا سهر، فلم أوقظْه حتّى جاوز الخطّ، فاستيقظ فَقَالَ: ألم أقُلْ لك! قلت: إنّي رَثَيْتُ لك من طول مَا سَهِرْتَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إنّي أستحي من الله أن تمضي ساعةٌ من لَيْلٍ أو نهارٍ لَا أذكُرُه فيها، ثُمَّ خرج، فَقَالَ له المُقْعَد: أنت رجلٌ صالحٌ دخلتَ وخرجت ولم تَصّدَّقْ عليّ، فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، قَالَ: أرني يَدَك، قم بإذْن الله، فقام ليس به علّة، فشغلني النَّظَرُ إليه، ومضى صاحبي في السَّكَك، فالتفَتُّ فلم أره، فانطلقتُ أطلبُهُ. قَالَ: وَمَرَّتْ رِفْقَةٌ من العراق، فاحتملوني، فجاءوا بي إلى المدينة، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَ: ذكرت قولهم: «إنّه لَا يأكل الصَّدَقَةَ وَيَقْبَلُ الهديّة» ، فجئت بطعامٍ إليه، فَقَالَ: «مَا هذا،؟ قلت: صَدَقَة، فَقَالَ لأصحابه: «كُلُوا» ولم يذُقْه، ثمّ إنّي رجعت وجمعت طُعَيْمًا، فَقَالَ: «مَا هذا يا سَلْمان» ؟ قلت: هدية، فأكل، قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أخبرني عن النَّصارى، قَالَ: «لَا خَيْرَ فيهم» ، فقمت وأنا مُثْقَلٌ، قَالَ: فرجعت إليه رجعة أخرى، فَقُلْتُ له: يا رسول الله أخبرني عن النصارى، قَالَ: «لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَلَا فِيمَنْ يُحِبُّهُمْ» ، فقمت وأنا مُثْقَلٌ، فأنزل الله تعالي لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ٥: ٨٢ [١] فأرسل إليّ فَقَالَ: «يا سلمان إنّ صاحبك أو أصحابك من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى» [٢] . إسناده جيّد، وزكريا

стр. 1756

الأرْسُوفيّ صَدُوقٌ إن شاء الله. وقد ذكرنا قصَّتَه وكيف [تنقّل في البُلْدان في طلب الْهُدَى، إلى أن وقع في الأسر بالمدينة، وكيف] [١] كاتَبَ مولاه. قَالَ أَبُو عبد الرحمن القاسم [٢] : إنّ سَلْمان زار الشّامَ، فصلّى الإمامُ الظُّهْرَ، ثمّ خرج، وخرج النّاس يَتَلَقَّوْنَهُ كما يُتَلَقَّى الخليفةُ، فلَقِيناه وقد صلّى بأصحابه العصْرَ وهو يمشي، فوقفنا نسلِّم عليه، فلم يبق فينا شريفٌ إلّا عَرَض عليه أن ينزل به، فَقَالَ: جعلتُ على نفسي مرَّتي هذه أنْ أنزِل على بشير بن سعد، وسأل عن أبي الدَّرْداء، فقالوا: هو مُرَابطٌ، قَالَ: أين مُرابطكم؟ قالوا: بيروت، فتوجَّه قِبَلَه [٣] . وَقَالَ أبو عُثْمَانُ النَّهْدِيُّ، عَنْ سَلْمَانَ، تداولني بضعة عشر من ربّ إلى ربّ. أخرجه البخاريّ [٤] .

стр. 1757

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَلْمَانُ سَابِقُ الْفُرْسِ» [١] . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا سَلْمَانُ الْخَنْدَقُ [٢] . وَقَالَ شَرِيكٌ: ثَنَا أَبُو رَبِيعَةَ [٣] ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ أَصْحَابِي أَرْبَعَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أُحِبَّهُمْ: عَلِيُّ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ» [٤] . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «الْجَنَّةُ تَشْتَاقُ إلى ثلاثة: عليّ، وعمّار، وسلمان» [٥] . رفعه.

стр. 1758

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْجَنَّةَ لَأَشْوَقُ إِلَى سَلْمَانَ مِنَ سَلْمَانَ إِلَيْهَا» [١] . وَقَالَ عَلِيٌّ: سَلْمَانُ أَدْرَكَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْعِلْمَ الْآخِرَ [٢] ، بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَهُوَ مِنَّا أَهْلِ الْبَيْتِ [٣] . وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ٤٧: ٣٨ [٤] . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنَ الْفُرْسِ» [٥] . وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلُ سَلْمَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقَالَ: «ثَكِلَتْ سَلْمَانَ أُمُّهُ لقد اتّسع من العلم» [٦] .

стр. 1759

وقال قتادة: (ومن عنده علم الكتاب) [١] هُوَ سَلْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ [٢] . وَعَنْ عَلِيٍّ، وَذُكِرَ سَلْمَانُ فَقَالَ: ذَاكَ مِثْلُ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ بَحْرٌ لَا يُنْزَفُ [٣] . وَقَالَ أَبُو إدريس الخَوْلانيّ، عن يزيد بن خُمَيْر [٤] قَالَ: قلنا لمُعَاذ: أوْصِنا، قَالَ: التمِسُوا الْعِلْمَ عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلّام [٥] . وَيُرْوَى أنّ سَلْمان قَالَ مرَّةً: لو حدّثتهم بكل مَا أعلم لقالوا رَحِمَ اللَّهُ قاتلَ سَلْمان. وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ فَرُّوخَ الواسطيّ- وقد ضعّفه النّسائيّ [٦]- ثنا ابن جريح، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ سلمان من غيبة، فتلقّاه عمر، فقال لسلمان: أرضاك للَّه عبدا، قال: فزوّجني، فسكت عنه، فَقَالَ: أَتَرْضَانِي للَّه عَبْدًا وَلا تَرْضَانِي لِنَفْسِكَ، فلمّا أصبح أتاه قوم عمر

стр. 1760

لِيُضْرِبَ عَنْ خِطْبَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِِ مَا حَمَلَنِي عَلَى هَذَا إِمْرَتُهُ وَلا سُلْطَانُهُ، وَلَكِنْ قُلْتُ: رَجُلٌ صَالِحٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ وَمِنِّي نَسْمَةً صَالِحَةً، قَالَ: فَتَزَوَّجَ فِي كِنْدَةَ، فَلَمَّا جَاءَ لِيَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ، إِذَا الْبَيْتُ مُنَجَّدٌ، وَإِذَا فِيهِ نِسْوَةٌ، فَقَالَ: أَتَحَوَّلَتِ الْكَعْبَةُ إِلَى كِنْدَةَ أَمْ حُمَّ، يَعْنِي: بَيْتَكُمْ! أمرني خليلي أبو الْقَاسِمِ ﷺ إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُنَا أَنْ لا يَتَّخِذَ مِنَ الْمَتَاعِ إِلا أَثَاثًا كَأَثَاثِ الْمُسَافِرِ، وَلا يَتَّخِذَ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا يَنْكِحُ [١] ، فَقَامَ النِّسْوَةُ وَخَرَجْنَ، وَهَتَكْنَ مَا فِي الْبَيْتِ، وَدَخَلَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ: أَتُطِيعِينِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي ﷺ أَمَرَنَا إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا عَلَى أَهْلِهِ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ، وَيَأْمُرَهَا فَتُصَلِّيَ خَلْفَهُ، وَيَدْعُوَ وَتُؤَمِّنَ، فَفَعَلَ وَفَعَلَتْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَسَ فِي كِنْدَةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، كَيْفَ رَأَيْتَ أَهْلَكَ؟ فَسَكَتَ، فَأَعَادَ الْقَوْلَ، فَسَكَتَ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ وَارَتْهُ الأَبْوَابُ وَالْحِيطَانُ، إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ، أُجِيبَ أَوْ سُكِتَ عَنْهُ [٢] . وَقَالَ عُقْبَةُ [٣] بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ: ثنا ابْنُ سِيرِينَ، ثنا عُبَيْدَةُ، أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ مَرَّ بِجِسْرِ الْمَدَائِنِ غَازِيًا، وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَهُوَ رِدْفُ رَجُلٍ مِنْ كِنْدَةَ، عَلَى بَغْلٍ مَوْكُوفٍ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: أَعْطِنَا اللِّوَاءَ أَيُّهَا الأَمِيرُ نَحْمِلُهُ، فَيَأْبَى وَيَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ حَمَلَهُ، حَتَّى قضى غزاته ورجع، وهو ردف ذلك

стр. 1761

الرَّجُلِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ [١] . وعن رجل قَالَ: رأيت سَلْمانَ على حمار عُرِيّ، وكان رجلًا طويل السَّاقين، وعليه قميص سُنْبُلانيّ [٢] ، فَقُلْتُ للصبيان: تَنَحُّوا عن الأمير، فَقَالَ: دعهم فإنّ الخير والشّرَّ فيما بعد اليوم [٣] . وَقَالَ عطاء بن السّائب، عن مَيْسَرَة، إنّ سَلْمان كان إذا سجدت له العجم طأطأ رأسه وَقَالَ: خشعت الله، خشعت للَّه [٤] . وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: سَمِعْتُ شَيْخًا مِنْ عَبْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ السُّوقَ، فَاشْتَرَيْتُ عَلَفًا بِدِرْهَمٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلا فَسَخَّرْتُهُ، فَحَمَّلْتُ عَلَيْهِ الْعَلْفَ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالُوا: نحمل عنك يأبا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَلْمَانُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَضَعْهُ عَافَاكَ اللَّهُ، فَأَبَى حَتَّى أَتَى مَنْزِلِي بِهِ [٥] . وَقَالَ الحسن البصريّ: كان عطاء سَلْمان خمسة آلاف، وكان أميرًا على ثلاثين ألفًا، يخطب في عباءة، يفترش نصفَها ويلبس نصفَها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف [٦] يده [٧] . وَقَالَ النُّعْمان بن حُمَيْد: رأيت سَلمانَ وهو يعمل الخوص، فسمعته

стр. 1762

يَقُولُ: أشتري خُوصًا بدِرْهَم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد دِرْهمًا فيه، وأُنْفق دِرْهَمًا على عيالي، وأتصدّق بدِرْهَم، ولو أنّ عمر نهاني عنه مَا انتهيتُ [١] ، رواها بعضُهم فزاد فيها: فَقُلْتُ له: فلِمَ تعمل؟ يعني: لِمَ وليت، قَالَ: إنّ عمر أكرهني، فكتبت إليه فأبى عليّ مرَّتين. وكتبت إليه فأوعدني. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَزَلْتُ بِالصِّفَاحِ [٢] فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَإِذَا رَجُلٌ نَائِمٌ مُسْتَظِلٌّ بِشَجَرَةٍ، مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ فِي مِزْوَدٍ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَقَدِ الْتَفَّ فِي عَبَاءَةٍ. فَأَمَرْتُ أَنْ يُظَلَّلَ عَلَيْهِ، وَنَزَلْنَا، فَانْتَبَهَ، فَإِذَا هُوَ سَلْمَانُ، فَقُلْتُ: مَا عَرَفْنَاكَ، فَقَالَ: يَا جَرِيرُ تَوَاضَعْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ فِي الدُّنْيَا يَرْفَعْهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَتَعَظَّمْ فِي الدُّنْيَا يَضَعْهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَا جَرِيرُ لَوْ حَرَصْتَ عَلَى أَنْ تَجِدَ عُودًا يَابِسًا فِي الْجَنَّةِ لَمْ تَجِدْهُ، لأَنَّ أُصُولَ الشَّجَرِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَأَعْلاهَا الثِّمَارُ، يَا جَرِيرُ تَدْرِي مَا ظُلْمَةُ النَّارِ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: ظُلْمُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [٣] . وَقَالَ عبد الله بن بُرَيْدَةَ: كان سَلْمان يعمل بيديه، فإذا أصاب شيئًا اشترى به لحمًا أو سَمَكًا، ثمّ يدعو المجذومين فيأكلون معه [٤] . وفي «الموَطَّأ» عن يحيى بن سعيد، أنّ أبا الدّرداء كتب إلى سلمان:

стр. 1763

أنْ هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه: إنّ الأرض لَا تُقدِّس أحَدًا، وإنّما يقدّس الإنسان عملُه، وقد بلغني أنّك جُعِلتْ طبيبًا، فإن كنت تبرئ فنِعِمًّا لك، وإنْ كنت متطبّبًا فاحْذَرْ أن تقتل إنسانًا فتدخل النّار، فكان أَبُو الدَّرْداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما وَقَالَ: متطبِّبٌ واللهِ، ارجِعا إليّ أَعِيدا عليَّ قصَّتَكما [١] . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي إِلَى سَلْمَانَ فَقَالَ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا عَنِ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ، ثُمَّ جَاءَنَا بِخُبْزٍ وَمِلْحٍ، فَقَالَ صَاحِبِي: لَوْ كَانَ فِي مِلْحِنَا صَعْتَرٌ، فَبَعَثَ سَلْمَانُ بِمِطْهَرَتِهِ فَرَهَنَهَا، وَجَاءَ بصعتر، فلمّا أَكَلْنَا قَالَ صَاحِبِي: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي قَنَّعَنَا بِمَا رَزَقَنَا، فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ قَنِعْتَ لَمْ تَكُنْ مِطْهَرَتِي مَرْهُونَةً [٢] . حبيب بن الشّهيد، عن ابن بُرَيْدَةَ قَالَ: كان سَلمان يصنع الطّعام للمجذومين، ثمّ يجلس فيأكل معهم [٣] . وَقَالَ أَبُو عثمان النَّهْدِيّ: كان سَلْمان لَا يفقه كلامه من شدّة عُجْمَته، وكان يسمّي الخشبَ خُشبان [٤] .

стр. 1764

وعن ثابت قَالَ: بلغني أنّ سلمان لم يخلّف إلّا بضعةً وعشرين درهمًا [١] . قَالَ أَبُو عُبَيْدة [٢] وابن زَنْجَوَيْه: تُوُفّي سلمان بالمدائن سنة ستٍ وثلاثين، زاد ابن زَنْجَوَيْه: قبل الْجَمَلِ. وَقَالَ الواقديّ: تُوُفّي في خلافة عثمان. ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ كَمَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ سَعْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى سَلْمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَبَكَى، فَقِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: عَهِدَ عَهْدَهُ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ نَحْفَظْهُ: قَالَ: «لِيَكُنْ بَلَاغُ أَحَدِكُمْ كَزَادِ الرَّاكِبِ [٣] » . وَقَالَ خليفة [٤] : تُوُفّي سنة سبعٍ وثلاثين. وقيل عاش مائتين وخمسين سنة، وأكثر مَا قيل: إنّه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، والأول أصحّ [٥] .

стр. 1765

طلْحة بن عُبَيْد الله [١] ع ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن

стр. 1766

سعد بن تَيْم [٢] بن مُرَّه التَّيْميّ، أَبُو محمد، أحد السابقين الأوّلين، وأحدُ العَشْرة المشهود لهم بالجنة. روى عنه بنوه يحيى، وموسى، وعيسى، وقيس بن أبي حازم، والأحنف بن قيس، والسّائب بن يزيد، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن. وغاب عن بدْر في تجارة بالشام، فضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بسهمه وأجْره، وخرج مع عمر إلى الجابية، وكان على المهاجرين. وكان رجلًا آدم، كثيرَ الشَّعْرِ، ليس بالجَعْد، ولا بالسَّبط، حَسَنَ الوجْه، إذا مشى أسرع، ولا يغيّر شيبة [٣] .

стр. 1767

رَوَى التِّرْمِذِيُّ [١] بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: «أوْجَبَ [٢] طَلْحَةُ» . وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ [٣] » . وَقَالَ عبد العزيز بن عمران: حدّثني إسحاق بن يحيى، حدّثني موسى ابن طلحة قَالَ: كان طلحة أبيض يضرب [٤] إلى حمرة، مرعوبا، إلى القِصَر أقرب، رَحْب الصَّدْر، بعيد مَا بين المِنْكَبين، ضخم القَدَمَيْن إذا التفت التفت جميعًا [٥] . وعن عائشة، وأمّ إسحاق ابنتي طلحة قالتا: جرح أبونا يوم أحد

стр. 1768

أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجّةٌ، وقُطِع نَساه [١] وشُلَّت أصابعُه. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» [٢] رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» [٣] . وَفِي «مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اثْبُتْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ [٤] » . وَعَنْ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [٥] . وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: ابْتَاعَ طَلْحَةُ بِئْرًا بِنَاحِيَةِ الْجَبَلِ، وَنَحَرَ جَزُورًا فَأَطْعَمَ النَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتَ طلحة الفيّاض» [٦] .

стр. 1769

وقال مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جَابِرٍ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ، فَمَا رَأَيْتُ أَعْطَى لِجَزِيلِ مَالٍ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ [١] . وَقَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَاهُ مَالٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ يَتَمَلْمَلُ، فَقَالَتْ له زوجته: مالك؟ فَقَالَ: تَفَكَّرْتُ فَقُلْتُ: مَا ظَنُّ رُجلٍ بِرَبِّهِ يَبِيتُ وَهَذَا الْمَالُ فِي بَيْتِهِ، قَالَتْ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ بَعْضِ أَخِلائِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاقْسِمْهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ مُوَفَّقَةٌ [٢]- وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ الصِّدِّيقِ- فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَبَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ مِنْهَا، وَأَعْطَى زَوْجَتَهُ مَا فَضِلَ، فَكَانَ نَحْوَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو [٣] وَجَمَاعَةٌ كِتَابَةً، أَنَّ عُمَرَ بْنَ طَبَرْزَدَ [٤] [أَخْبَرَهُمْ: نا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ، أنا ابْنُ غَيْلانَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ] [٥] قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى، ثنا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى طَلْحَةَ، فَسَأَلَهُ وَتَقَرَّبَ إليه برحم، فقال: إنّ هذه لَرَحِمٌ مَا سَأَلَنِي بِهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّ لِي أَرْضًا قَدْ أَعْطَانِي بِهَا عُثْمَانُ ثَلاثَمِائَةِ أَلْفٍ، فَإِنْ شِئْتَ الأَرْضَ، وَإِنْ شِئْتَ ثَمَنَهَا، قَالَ: لا بَلِ الثَّمَنَ، فَأَعْطَاهُ. وَرُوِيَ أنّه فدى عشرة من أسارى بدر بماله [٦] .

стр. 1770

ولطلحة حكايات سِوَى هذه في السّخاء. وعن محمد بن إبراهيم التَّيْميّ قَالَ: كان يغلّ طلحة بالعراق أربعمائة ألف، ويغلّ بالسَّراة عشرة آلاف دينار، وكان يكفي ضعفاء بني تَيْمٍ، ويقضي ديونهم، ويُرسل إلى عائشة كلّ سنةٍ بعشرة آلاف [١] . وَقَالَ عمرو بن دينار: حدّثني مولى لطلحة أنّ غلّته كانت كلّ يومٍ ألف درْهم [٢] . وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، أنّ معاوية سأله: كم ترك أَبُو محمد من العَيْن؟ قَالَ: ترك ألف ألف ومائتي دِرْهم، ومائتي ألف دينار، فَقَالَ: عاش سخيًّا حميدًا، وقُتِلَ فقيدًا [٣] . قد ذَكَرْنا أنّ مروان كان في جيش طلحة والزُّبَيْر يوم الجمل وأنّه رمى بسهمٍ على طلحة فقتله [٤] ، فَقَالَ مُجالد، عن الشَّعْبيَّ قَالَ: رأى عليّ طلحة في بعض الأودية مُلْقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثمّ قَالَ: عزيزٌ عليّ أبا محمد أنّ أراك مُجدَّلًا في الأودية، ثمّ قَالَ: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري. قَالَ الأصمعيّ: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جَوْفي [٥] . وَقَالَ ليث، عن طلحة بن مُصَرِّف، إنّ عليًّا انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل وأجلسه، ومسح الغُبار، عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه

стр. 1771

ويقول: ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة [١] . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، ثنا قَيْسٌ قَالَ: رَمَى مَرْوَانُ يَوْمَ الْجَمَلِ طَلْحَةَ بِسَهْمٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ، فَإِذَا أَمْسَكُوهُ اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا تَرَكُوهُ سَالَ، فَقَالَ دَعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ سَهْمٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، قَالَ: فَمَاتَ، فَدَفَنَّاهُ عَلَى شَاطِئِ الْكَلإِ، فَرَأى بَعْضُ أَهْلِهِ أَنَّهُ أَتَاهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: أَلا تُرِيحُونِي مِنْ هَذَا الْمَاءِ، فَإِنِّي قَدْ غَرِقْتُ- ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُهَا- قَالَ: فَنَبَشُوهُ، فَإِذَا هُوَ أَخْضَرُ كَأَنَّهُ السَّلْقُ، فَنَزَعُوا عَنْهُ الْمَاءَ فَاسْتَخْرَجُوهُ، فَإِذَا مَا يَلِي الأَرْضَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَوَجْهِهِ قَدْ أَكَلَتْهُ الأَرْضُ. فَاشْتَرَوْا لَهُ دَارًا مِنْ دُورِ آلِ أَبِي بَكْرَةَ، بِعَشَرَةِ آلاف فدفنوه فيها [٢] . الكلّاء بالمدّ والتّشديد: مرسى المراكب، ويُسمَّى الميناء. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى طَلْحَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ مَعَ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ بَعْدَ (الْجَمَلِ) ، فَرَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَاهُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي وَأَبَاكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً ١٥: ٤٧ الآيَةَ [٣] . فَقَالَ رَجُلانِ [٤] عِنْدَهُ: اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: قُومَا أَبْعَدَ أَرْضٍ وَأَسْحَقَهَا، فَمَنْ هو إذا لم أن أنا وطلحة، يا بن أَخِي إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَأْتِنَا [٥] . وعن أمّ يحيى قالت: قُتِلَ طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم، ومائتا

стр. 1772

ألف دِرْهم، وَقُوِّمَتْ أصولُه وعِقارُه بثلاثين ألف ألف دِرْهم [١] . وقد مضى من أخباره في وقعة الجمل، حَشَرنا الله معه. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ [٢] القُرَشيّ العامريّ، أَبُو يحيى، أخو عثمان من الرّضاعة. له صُحْبة. ولّاه عثمانُ مصر، ولمّا مات عثمان اعتزل الفتنة. وجاء من مصر إلى الرَّمْلَةِ، فتُوُفّي بها. وكان صاحب مَيْمَنة عَمْرو بن العاص في حروبه.

стр. 1773

وكان بطلًا شجاعًا مذكورًا. غزا بالجيش غير مرّة المغرب [١] . وكان أميرَ غزوة ذات الصَّوَارِي من أرض الروم، غزاها في البحر [٢] . وكان قد أسلم وكتب للنّبيّ ﷺ ، ثمّ ارتدّ ولحق بالمشركين. فلما كان يوم الفتح أُهْدِر دمُه، فأجاره عثمان. ثُمَّ حسُن إسلامُه وبلاؤه. وَقَالَ اللَّيث بن سعد: إنّه كان محمود السيرة، وإنه غزا إفريقية، وقُتِل جرجير صاحبها، وغزا ذات الصَّواري، فالتقى الرّوم وكانوا في ألف مركب، فقتلهم مقتلةً عظيمةً لم يُقْتلوا مثلها [٣] . ولمّا احتضر قَالَ: اللَّهمّ اجعلْ آخر عملي صلاة الصُّبحْ، فلمّا طلع الفجرُ توضّأ وصلّى فلمّا ذهب يسلِّم عن يساره فاضت [٤] نفسه. وقيل: شهد صِفِّين مع معاوية. وَقَالَ أَبُو سعيد بن يونس المصريّ: تُوُفّي بعَسْقلان [٥] . (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ) [٦] بْنِ أُسيد بْنِ أبي العيص الأمويّ. ولد

стр. 1774

قديمًا. وأمُّه جُوَيْرية بنت أبي جهل بن هشام التّي كان قد خطبها عليّ، ثمّ تزوّجها عتّاب بن أُسّيْد أمير مكة. كان عبد الرحمن يوم الجمل مع عائشة، فكان يصلِّي بهم، وقُتِلَ يومئذٍ. وقيل لمّا رآه عليّ قتيلًا قَالَ: هذا يعسوب [١] القوم. [٢] . وقيل إنّ يده قُطِعَت فحمَلَها الطَّيْر حتّى ألْقَتها بالمدينة، فعرفوا أنها يده بخاتمه، فصلُّوا عليه [٣] . (عبد الرحمن بن عُدَيْسٍ) [٤] أَبُو محمد البَلَويّ. له صُحْبة. وبايع تحت الشجرة. وله رواية. سكن مصر. وكان ممن خرج على عثمان وسار إلى قتاله. نسأل الله العافية. ثمّ ظفر به معاوية فسجنه بفلسطين في جماعة، ثمّ هرب من السّجن، فأدركوه بجبل لبنان فقُتِلَ. ولمّا أدركوه قَالَ لمن قتله: وَيْحَكَ اتّقِ الله في دمي، فإنّي من أصحاب الشَّجرة، فَقَالَ: الشَّجَرُ بالجبل كثير، وقتله [٥] . قَالَ ابن يونس: كان رئيس الخيل التي سارت من مصر الى عثمان [٦] .

стр. 1775

وعن محمد بن يحيى الذُّهْلي قَالَ: لَا يحلّ أن يُحدّث عنه بشيء، هو رأس الفتنة. (عَمْرو بن أبي عَمْرو) [١] الحارث بن شدّاد. وقيل: الحارث بن زهير ابن شدّاد القُرَشيّ الفِهْريّ. أحد من شهِدَ بدْرًا في قول الواقديّ وابن عُقْبة. (قُدامة بن مظعون) [٢] أَبُو عمر الجُمَحِيّ، تُوُفّي فيها عن عثمان وستّين سنة. شهِدَ بدْرًا. واستعمله عمر على البحْرَيْن. وهو خالِ عبد الله وحفصة ابني عمر، وزوْج عمّتهما صفيّة بنت الخطّاب. وله هجرة إلى الحبشة. ثمّ إنّ عمر عزله عن البحرين لمّا شرب الخَمر، وتأوَّل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ٥: ٩٣ [٣] وحدّه عمر [٤] .

стр. 1776

(كَعْب بن سُور الأزديّ) [١] قاضي البصرة لعمر بن الخطّاب. أتاه وهو يذكّر النّاس يوم الجمل سهمٌ فقتله. (كِنانة بن بِشْر التُجَيْبيّ) [٢] أحد رءوس المصريّين الذين ساروا إلى

стр. 1777

حصار عُثْمَان، ثمّ إنّه هرب وقُتل فِي هَذِهِ المدّة. (مُجَاشع بْن مَسْعُود) [١] خ م د ق [٢]- بن ثَعْلَبَة السُّلَميّ. له صُحْبة. روى عَنْهُ أَبُو عُثْمَان النَّهْديّ. وكُلَيْب بْن وائل، وغيرهما. قُتِلَ في هذه السنة كما ذكرنا. (مجالد بن مسعود) [٣] خ م [٤] أخو مجاشع المذكور. لَهُ رواية عن أخيه. رَوَى عَنْهُ أَبُو عُثْمَان النهدي. وقتل مَعَ أخيه. (مُحَمَّد بْن طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ التَّيْميّ) [٥] ولد فِي حياة رسول الله

стр. 1778

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسمّاه محمّدًا، وكناه أَبَا سُلَيْمَان. وكان يلقّب (السَّجَّاد) لكثرة صلاته وعبادته. لم يزل به أَبُوهُ حتّى وافقه وخرج معه على عليّ. وأمُّهُ حمْنَة بنتُ جَحْش. قُتِلَ يوم الجمل. (مُسلم الجُهَنيّ) [١] أمره عليٌّ يوم الجمل بحمْل مُصْحَفٍ، فطاف به على القوم يدعوهم إِلَى الطاعة، فقُتِلَ. هند بْن أبي هالة التَّميمي [٢] ربيب رسول الله ﷺ وأخو أولاده من أمَّهم خديجة. اختُلِف فِي اسم أَبِيهِ فَقِيلَ: نبَّاش بْن زُرَارة، وقيل مالك بْن زُرَارة، وقيل مالك بن النّبّاش

стр. 1779

ابن زُرَارة. والأوّل أكثر. شهِدَ هند أحُدًا ويقال: وبدْرًا. وكان وصّافًا لِحلْية رسول الله ﷺ ولشمائله. روى عَنْهُ ابن أخته الْحَسَن بْن عليّ. وقُتِلَ يوم الجمل مع عليّ. وقُتِل ابنه هند بْن هند مع مصعب بْن الزُّبَيْر. يُقال انفرجت (وقعة الجمل) عن ثلاثة عشر ألف قتيل. وعن قتَادَة قَالَ: قُتِلَ يوم الجمل عشرون ألفًا [١] . وممّن قُتِلَ يومئذٍ: عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الله بْن عامر بْن كُرَيْزٍ، وعبد الله بْن مُسافع بْن طَلْحَةَ العَبْدَريّ، وعبد الله بْن حُكَيْم بْن حِزام [٢] الأسديّ، ومَعْبَد بْن مقداد بن الأسود الكندي. والله أعلم [٣] .

стр. 1780

سَنَة سَبْع وَثَلاثِين وقعة صفين [١] قَالَ مُحَمَّد بْن سعد: أنبأ مُحَمَّد بْن عُمَر قَالَ: لما قُتِلَ عُثْمَان، كتبت نائلة زوجته إِلَى الشام إِلَى مُعَاوِيَة كتابًا تصف فِيهِ كيف دُخِلَ على عُثْمَان وقُتِلَ، وبعثت إليه بقميصه بالدِّماء، فقرأ مُعَاوِيَة الكتاب على أَهْل الشام، وَطَيَّفَ بالقميص فِي أجناد الشام، وحرَّضهم على الطَّلب بدمه، فبايعوا مُعَاوِيَة على الطَّلب بدمه. ولمّا بوُيع عليّ بالخلافة قال له ابنه الحَسَن وابن عبّاس: اكتب إلى مُعَاوِيَة فأقرَّه على الشَّام، وأَطْمِعْهُ فإنّه سيطمع ويكفيك نفسَه وناحيته، فإذا بايع لك النّاس أَقْرَرْته أو عَزَلْته، قَالَ: فإنّه لَا يرضى حَتَّى أعطيه عهد الله تعالى وميثاقه أنْ لَا أعزله، قَالا: لَا تُعْطه ذلك. وبلغ ذلك مُعَاوِيَة فقال: والله لَا ألي له شيئًا ولا أبايعه، وأظهر بالشام أنّ الزُّبَيْر بْن العوّام قادم عليهم، وأنّه مُبَايع له، فلمّا بلغه (أمر الجمل) أمسك، فلمّا بلغه قتْلُ الزُّبير [٢] ترحَّم عليه وقال: لو قدِم علينا لبَايَعْناه وكان أهلا.

стр. 1781

فلمّا انصرف عليّ من البصرة، أرسل جرير بْن عَبْد الله البَجليّ إِلَى مُعَاوِيَة، فكلَّم مُعَاوِيَة، وعظَّم أمرَ عليٍّ ومُبَايعته [١] واجتماع النّاس عليه، فأبى أنْ يبايعه، وجرى بينه وبين جرير كلامٌ كثير، فانصرف جريرُ إِلَى عليّ فَأَخْبَرَه، فأجمع على المسير إِلَى الشام، وبعث معاويةُ أَبَا مسلم الخَوْلاني إِلَى عليّ بأشياء يطلبها منه، منها أن يدفع إليه قَتَلَة عثمان، فأبى عليّ، وجرت بينهما رسائل. ثمّ سار كلٌّ منهما يريد الآخر، فالتقوا بصفِّين لسبْعٍ بقين من المحرّم، وشبَّت الحربُ بينهم فِي أوّل صفر، فاقتتلوا أيّامًا. فَحَدَّثَنِي ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُثْمَانُ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقَمْتُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، ثُمَّ قَدِمْتُ وَقَدْ قُتِلَ وَبُويِعَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: سِرْ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا، قُلْتُ: مَا هَذَا بِرَأْيِ، مُعَاوِيَةَ ابْنِ عَمِّ عُثْمَانَ وَعَامِلِهِ عَلَى الشَّامِ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقِي بِعُثْمَانَ، وَأَدْنَى مَا هُوَ صَانِعٌ أَنْ يَحْبِسَنِي، قَالَ عَلِيٌّ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: لِقَرَابَتِي مِنْكَ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ حَمَلَ عَلَيْكَ حَمَلَ عَلَيَّ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمُنَّهُ وَعِدْهُ. فَأَبَى عَلِيٌّ وَقَالَ: وَاللَّهِ لا كَانَ هَذَا أَبَدًا. رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لعليّ: ابعثني إلى معاوية، فو الله لأَفْتِلَنَّ لَهُ حَبْلا لا يَنْقَطِعُ وَسَطُهُ، قَالَ: لَسْتُ مِنْ مَكْرِكَ وَمَكْرِهِ فِي شَيْءٍ، وَلا أَعْطِيهِ إِلا السَّيْفَ، حَتَّى يَغْلِبَ الْحَقُّ الْبَاطِلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ يُطَاعُ وَلا يُعْصَى، وَأَنْتَ عَنْ قَلِيلٍ تُعْصَى وَلا تُطَاعُ، قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَخْتَلِفُونَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ قال: للَّه درّ [٢]

стр. 1782

ابْنِ عَبَّاسٍ، إِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ سِتْرٍ رَقِيقٍ. وقال مجالد، عن الشَّعْبِيّ قَالَ: لمّا قُتِلَ عُثْمَان، أرسلتْ أمُّ المؤمنين [١] أمّ حبيبة بنت أَبِي سُفيان إِلَى أَهْل عُثْمَان: أرسِلُوا إليّ بثياب عُثْمَان التي قُتِلَ فيها، فبعثوا إليها بقميصه مضَرَّجًا بالدَّم، وبُخصْلة الشَّعْر التي نُتِفَتْ من لِحْيَتِهِ، ثمّ دعتِ النُّعمان بْن بشير، فبعثته إِلَى مُعَاوِيَة، فمضى بِذَلِك وبكتابها، فصعد مُعَاوِيَة المنبر، وجمع النّاس، ونشر القميص عليهم، وذكر مَا صُنِعَ بعثمان، ودعا إِلَى الطَّلب بدمه. فقام أَهْل الشام فقالوا: هُوَ ابن عمّك وأنت وليّه، ونحن الطّالبون معك بدمه، وبايعوا له. وقال يُونُس، عن الزُّهْرِيّ قَالَ [٢] : لمّا بلغ مُعَاوِيَة قتْلَ طَلْحَةَ والزُّبَيْر، وظهور عليّ، دعا أَهْل الشام للقتال معه على الشُّورى والطَّلب بدم عُثْمَان، فبايعوه على ذلك أميرًا غير خليفة. وذكر يحيى الجُعْفيّ فِي (كتاب صِفِّين) بإسناده أنّ مُعَاوِيَة قال لجرير ابن عَبْد الله: اكتب إِلَى عليّ أن يجعل لي الشام، وأنا أبايع له، قَالَ: وبعث الْوَلِيد بْن عَبْد الله: اكتب إِلَى عليّ أن يجعل لي الشام، وأنا أبايع له، قَالَ: وبعث الْوَلِيد بْن عقبة إليه يقول: مُعَاوِيّ إنّ الشام شامُك فاعتصمْ ... بشامِكَ لَا تُدْخِلْ عليك الأفاعيا وحامٍ عليها بالقبائل والقِنا ... ولا تك محشوش الذّراعين وانيا فإنّ عليًّا ناظرٌ مَا تُجِيبُه ... فَاهْدِ له حربا تشيب النّواصيا [٣]

стр. 1783

وحدّثني يَعْلَى بْن عُبَيْد: ثنا أبي قَالَ: قال أَبُو مُسْلِم الخَوْلاني وجماعة لمعاوية: أنت تُنازع عليًّا! هَلْ أنت مثله؟ فقال: لَا والله إنّي لأعلم أنّ عليًّا أفضل منّي وأحقّ بالأمر، ولكن ألَسْتُمْ تعلمون أنّ عُثْمَان قُتِلَ مظلومًا، وأنا ابن عمّه، وإنّما أطلب بدمه، فأتُوا عليًّا فقولوا له: فلْيَدْفَعْ إليّ قَتَلَة عُثْمَان وأسلم له، فأتّوْا عليًّا فكلَّموه بِذَلِك، فلم يدفعهم إليه. وَحَدَّثَنِي خَلادُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- أَوْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ شَكَّ خَلادٌ- قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ دَعَا عَلِيٌّ ﵁ رَجُلا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ، فَيَعْتَقِلَ رَاحِلَتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَيَدْخُلَ بِهَيْئَةِ السَّفَرِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وَكَانَ قَدْ وَصَّاهُ بِمَا يَقُولُ [١] ، فَسَأَلُوهُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْعِرَاقِ: قَالُوا: ما وَرَاءَكَ؟ قَالَ: تَرَكْتُ عَلِيًّا قَدْ حَشَدَ إِلَيْكُمْ وَنَهَدَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ. فبلغ مُعَاوِيَة، فأرسل أَبَا الأعور السُّلَمِيّ يحقّق أمره، فأتاه فسأله، فَأَخْبَرَه بالأمر الَّذِي شاع، فنودي: الصّلاة جامعة، وامتلأ النّاس فِي المسجد، فصعد معاوية المِنْبَر وتشهّدّ ثمّ قَالَ: إنّ عليًّا قد نَهَدَ إليكم فِي أَهْل العراق، فَمَا الرّأي؟ فضرب النّاس بأذقانهم على صدورهم، ولم يرفعْ إليه أحدٌ طَرْفَه، فقام ذو الكلاع الحِمْيرِيّ فقال: عليك الرأيّ وعلينا أمّ فعال- يعني الفِعال [٢]- فنزل مُعَاوِيَة وَنُودِيَ فِي النّاس: اخرجوا إِلَى مُعَسْكَركم، ومن تخلَّف بعد ثلاثٍ أحلّ بنفسه [٣] . فخرج رسول عليّ حتّى وافاه، فَأَخْبَرَه بِذَلِك، فأمر عليٌّ فنوديّ: الصّلاة جامعة، فاجتمع النّاس، وصعِدَ المِنْبَر فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثمّ

стр. 1784

قَالَ: إنّ رسولي الَّذِي أرسلته إِلَى الشام قد قَدِمَ عليّ، وأخبرني أنّ مُعَاوِيَة قد نَهَدَ إليكم فِي أَهْل الشام فَمَا الرأي؟ قَالَ: فأضبَّ [١] أهلُ المسجد يقولون: يا أمير المؤمنين الرأي كذا، الرأي كذا، فلم يفهم على كلامهم من كثرة من تكلّم، وكثُر اللَّغَط، فنزل وهو يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ٢: ١٥٦ ذهب بها ابن آكلة الأكباد، يعني مُعَاوِيَة. وقال الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي من رَأَى عليًّا يوم صِفِّين يصفِّق بيديه ويعضّ عليهما ويقول: وا عجبا أُعْصَى ويُطاع مُعَاوِيَة. وقال الواقديّ اقتتلوا أيّامًا حتّى قُتِلَ خلْقٌ وضجروا، فرفع أهلُ الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فِيهِ، وكان ذلك مكيدةً من عمرو بْن العاص، يعني لمّا رَأَى ظهورَ جيش عليّ. فاصطلحوا كما يأتي. وقال الزُّهْرِيّ: اقتتلوا قتالًا لَم تَقْتَتِلْ هَذِهِ الأمةُ مثله قطّ، وغلب أَهْل العراق على قتلى أَهْل حمص، وغلب أَهْلُ الشام على قتلى أَهْل العالية، وكان على ميمنة عليّ الأشعث بْن قَيْس الكِنْدي، وعلى المَيْسَرة عَبْد الله بْن عبّاس، وعلى الرَّجَّالَةِ عَبْد الله بْن بُدَيْل بْن وَرْقَاء [٢] الخُزَاعيّ، فقُتِلَ يومئذٍ. ومن أمراء عليّ يومئذٍ الأحنف بْن قَيْس التَّيْميّ، وعمّار بْن ياسر العَنْسِيّ [٣] وسليمان بْن صُرد الخُزاعيّ، وعَديّ بْن حاتم الطّائيّ، والأشتر النَّخْعي، وعمرو بْن الحَمِق الخُزَاعيّ، وشبَث [٤] بْن رِبعيّ الرِّياحيّ، وسعيد بن قيس

стр. 1785

الهمداني، وكان رئيس هَمدَان المهاجر بْن خَالِد [١] بْن الْوَلِيد المخزوميّ، وقيس بْن مكشوح المُراديّ، وخُزَيْمة بْن ثابت الْأَنْصَارِيّ، وغيرهم. وكان عليّ فِي خمسين ألفًا، وقيل: فِي تسعين ألفًا، وقيل: كانوا مائة ألف [٢] . وكان مُعَاوِيَة فِي سبعين ألفًا، وكان لواؤه مع عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن خَالِد بْن الْوَلِيد المخزوميّ، وعلى مَيْمَنَته عمرو بْن العاص، وقيل ابنه عُبَيْد الله بْن عمرو، وعلى الميسرة حبيب بْن مَسْلَمَة الفِهْريّ، وعلى الخيل عُبَيْد الله بْن عُمَر بْن الخطاب، ومن أمرائه يومئذ أَبُو الأعور السُّلميّ، وزُفَر بْن الْحَارِث، وذو الكلاعِ الحِميرِيّ، ومَسْلَمَة بْن مَخْلَد، وبُسْر بْن أرطاة العامريّ، وحابس بْن سعد الطّائي، ويزيد بْن هُبَيْرة السَّكونيّ، وغيرهم [٣] . قال عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَة [٤] قَالَ: رَأَيْت عمار بْن ياسر بصِفّين، ورأى راية مُعَاوِيَة فقال: إنّ هَذِهِ قاتلْتُ بها مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أربع مرّات. ثمّ قاتل حَتَّى قُتِلَ [٥] . وقال غيره: برز الأشعث بن قيس في ألفين، فبرز لهم أَبُو الأعور فِي خمسة آلاف، فاقتتلوا: ثمّ غلب الأشعث على الماء وأزالهم عنه [٦] .

стр. 1786

ثُمَّ التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ثُمَّ يوم الخميس والجمعة وليلة السَّبْت، ثُمَّ رفع أَهْل الشام لمّا رأوا الكَسْرَة الْمَصَاحِفَ بإشارة عمرو، ودعوا إِلَى الصُّلح والتّحكيم [١] ، فأجاب عليّ إلى تحكيم الحَكَمين، فاختلف عليه حينئذ جيشه وقالت طائفة: لَا حُكم إلّا للَّه. وخرجوا عليه فهُمُ (الخوارج) وقال ثُوَيْر بْن أبي فاختة، عن أَبِيهِ قَالَ: قُتِلَ مع عليّ بصفين خمسة وعشرون بدْريًا. ثُوَيْر متروك. قَالَ الشَّعْبِيّ: كان عَبْد الله بْن بُدَيْل يوم صفين عليه دِرْعان ومعه سيفان، فكان يضرب أهلَ الشام ويقول: لم يبق إلّا الصَّبْر وَالتَّوَكُّلْ ... ثُمَّ [٢] التمشّي فِي الرعيل الأوّلْ مَشْيَ الْجِمَالِ فِي حياض الْمَنْهَلْ ... والله يقضي مَا يشا ويفعلْ [٣] فلم يَزَلْ يضرب بسيفه حَتَّى انتهى إِلَى مُعَاوِيَة فأزاله عن موقفه، وأقبل أصحابُ مُعَاوِيَة يرمونه بالحجارة حَتَّى أثخنوه وقُتِلَ، فَأَقْبَلَ إليه مُعَاوِيَة، وألقى عَبْد الله بْن عامر عليه، عمامته غطّاه بها وترحَّم عليه، فقال مُعَاوِيَة لعبد الله [٤] : قد وَهَبْنَاه لك، هَذَا كَبْشُ [٥] القومِ وربّ الكعبة، اللَّهمّ أظفر

стр. 1787

بالأشتر والأشعث، والله مَا مثل هَذَا إلّا كما قال الشاعر: أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحرب عضَّها ... وإنْ شَمَّرتْ يومًا به الحربُ شَمّرا كلَيْث هزَبرٍ كان يحمي ذِمارَهُ ... رَمَتْهُ المَنايا قَصْدَهَا فتقصَّرا [١] ثُمَّ قَالَ: لو قدِرَت نساءُ خُزاعةَ أنْ تُقاتلني فضلًا عن رجالها لَفَعَلَتْ [٢] . وَفِي الطبقات لابن سعد، من حديث عمرو بْن شَرَاحيل، عن حَنَش [٣] بْن عَبْد الله الصَّنْعاني [٤] عن عَبْد الله بْن زُرَيْر [٥] الغافقي قَالَ: لقد رأيتنا يوم صفِّين، فاقتتلنا نحن وأهل الشّام، حتّى ظننت أنّه لَا يبقى أحدٌ، فأسمع صائحًا يصيح: مَعْشَرَ النّاس، اللَّه اللَّه فِي النساء والوِلدان من الروم ومن الترك، الله الله [٦] . والتقينا، فأسمع حركةً من خلفي، فإذا عليٌّ يَعْدُو بالرّاية حَتَّى أقامها، ولحِقَه ابنه مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة [٧] ، فسمعته يقول: يا بُنَيّ الْزَمْ رايَتَكَ، فإنّي متقدِّمٌ فِي القوم، فأنظرُ إليه يضرب بالسّيف حتّى يفرج له، ثمّ يرجع فيهم.

стр. 1788

وقال [١] خليفة [٢] : شهِدَ مع عليّ من البدْريين: عمار بْن ياسر، وسهل بْن حُنَيْف، وخَوّات بن جبير، وأبو سعد السّاعديّ، وأبو اليُسْر، ورِفَاعة بْن رافع الْأَنْصَارِيّ، وأبو أيّوب الأنصاريّ بخُلْفٍ فِيهِ، قَالَ: وشهد معه من الصحابة ممّن لم يشهد بدْرًا: خُزَيْمة بْن ثابت ذو الشهَّادتين، وقيس بْن سعد بْن عُبَادة، وأبو قَتَادَةَ، وسهل بْن سعد السّاعدي، وقَرَظَة [٣] بْن كعب، وجابر بْن عَبْد الله، وابن عَبَّاس، والحسن، والحسين، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن أبي طَالِب، وأبو مَسْعُود عقبة بْن عمرو، وأبو عيّاش الزُّرَقي، وعديّ بْن حاتم، والأشعث بن قَيْس، وسليمان بْن صُرَد، وجُنْدُب بْن عَبْد الله، وجارية [٤] بْن قُدامة السَّعْدِيّ. وعن ابن سِيرِينَ قَالَ: قُتِلَ يوم صفين سبعون ألفًا يُعَدُّون بالقَصَب [٥] . وقال خليفة وغيره: افترقوا عن ستّين ألف قتيل، وقيل، عن سبعين ألفًا، منهم خمسة وأربعون ألفًا من أَهْل الشام [٦] . وقال عَبْد السلام بْن حرب، عن يزيد بْن عَبْد الرَّحْمَن، عن جَعْفَر- أظنّه ابن أبي المُغْيَرة- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، عن أَبِيهِ قَالَ: شهدْنا مع عليّ ثمانمائة ممّن بايع بيعة الرّضوان، قُتِلَ منهم ثلاثةٌ وستون رجلًا، منهم عمّار [٧] . وقال أَبُو عبيدة وغيره: كانت راية عليّ مع هاشم بن عتبة بن أبي

стр. 1789

وقاص، وكان على الخيل عمّار بْن ياسر [١] . وقال غيره: حيل بين عليّ وبين الفرات، لأن مُعَاوِيَة سَبَقَ إِلَى الماء، فأزالهم الأشعثُ عن الماء [٢] . قلت: ثُمَّ افترقوا وتواعدوا ليوم الحَكَمَيْن. وقُتِلَ مع عليّ: خُزَيْمة بْن ثابت، وعمار بْن ياسر، وهاشم بْن عُتْبَة، وعبد الله بْن بُدَيْل، وعبد الله بْن كعب المُراديّ، وَعَبْد الرَّحْمَن بن كلدة الجمحي [٣] ، وقيس بن مكشوح المرادي، وأُبيّ بْن قَيْس النخعي أخو عَلْقَمة، وسعد بْن الْحَارِث بْن الصِّمَّة الأنصاريّ، وجُنْدُب بْن زُهَير الغامِديّ، وأبو ليلى الْأَنْصَارِيّ [٤] . وقُتِلَ مع مُعَاوِيَة: ذو الكَلاع، وحَوْشَب ذو ظُلَيْم [٥] ، وحابس بْن سعد الطّائي قاضي حمص، وعَمْرو بْن الحَضْرَميّ، وعُبَيْد الله بْن عُمَر بْن الخطاب العدويّ، وعُرْوة بْن دَاوُد [٦] ، وكُرَيْب بن الصَّبَّاح الحِمْيَريّ أحد الأبطال، قتلَ يومئذٍ جماعةً، ثُمَّ بارَزَه عليّ فقتله [٧] . قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْكُوفِيُّ الرَّافِضِيُّ: ثنا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عن الحارث بن حصيرة [٨] ، وإنّ وَلَدَ ذِي الْكَلاعِ أَرْسَلَ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قيس

стр. 1790

يَقُولُ: إِنَّ ذَا الْكَلاعِ قَدْ أُصِيبَ، وَهُوَ فِي الْمَيْسَرَةِ، أَفَتَأْذَنُ لَنَا فِي دَفْنِهِ؟ فَقَالَ الأَشْعَثُ لِرَسُولِهِ أَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَقُلْ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّهِمَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَاطْلُبُوا ذَلِكَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ فَإِنَّهُ فِي الْمَيْمَنَةِ، فَذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا عَسَيْتُ أَنْ أَصْنَعَ، وَقَدْ كَانُوا مَنَعُوا أَهْلَ الشَّامِ أن يدخلوا عَسْكَرَ عَلِيٍّ، خَافُوا أَنْ يُفْسِدُوا أَهْلَ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ: مُعَاوِيَةُ لأَصْحَابِهِ: لأَنَا أَشَدُّ فَرَحًا بِقَتْلِ ذِي الْكَلاعِ مِنِّي بِفَتْحِ مِصْرَ لَوِ افْتَتَحْتُهَا [١] ، لأَنَّ ذَا الْكَلاعِ كَانَ يَعْرِضُ لِمُعَاوِيَةَ فِي أَشْيَاءَ كَانَ يَأْمُرُ بِهَا، فَخَرَجَ ابْنُ ذِي الكلاع الى سعيد ابن قَيْسٍ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَبِيهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَغْلٍ وَقَدِ انْتَفَخَ. وشهد صِفِّين مع مُعَاوِيَة من الصحابة: عمرو بْن العاص السَّهْميّ، وابنُهُ عَبْد الله، وفضالة بْن عُبَيْد الْأَنْصَارِيّ، ومَسْلَمة بْن مَخْلَد، والنُّعمان بْن بشير، ومعاوية بْن حُدَيْج الكِنْدي، وأبو غادية الجُهَني قاتل عمّار، وحبيب ابن مَسْلَمة الفِهْري، وأبو الأعور السُّلَمِيّ، وبُسْر بْن أرطاة [٢] العامريّ [٣] . تحكيم الحَكَمين [٤] عن عِكْرِمة قَالَ: حَكَّم مُعَاوِيَة عمرو بْن العاص، فقال الأحنف بْن قَيْس لعليّ: حَكِّمْ أنت وابن عَبَّاس، فإنّه رجلٌ مُجَربّ، قَالَ: أفعل، فأبت الْيَمَانِيَةُ وقالوا: لَا، حتّى يكون منّا رَجُل، فجاء ابن عَبَّاس إِلَى عليّ لمّا رآه قد همّ أنْ يُحَكّم أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فقال له: عَلَام تُحَكّم أَبَا موسى، فو الله لقد عرفت رأيه فينا، فو الله مَا نَصَرنا، وهو يرجو مَا نَحْنُ فِيهِ، فتدخله
следующие страницы →