المتوفون في عشر الأربعين وخمسمائة ظنا ويقينا
- حرف الألف -
٥٠٩- أحمد بن سعيد بن الإمام أبي محمد بن حزْم [١] .
اليزيديّ، مولاهم القُرطُبيّ أبو عمر، نزيل شِلْب [٢] .
كان فقيها ظاهريّا كجدّه، عارفا بأصولهم، داعيا إليه، صليبا فيه، مع معرفةٍ بالنَّحْو والشِّعْر.
تُوُفّي ﵀ بعد محنةٍ عظيمة من ضرْبه وحبْسه وأخْذ أمواله، ممّا نُسِب إليه من الثّورة على السّلطان، في حدود الأربعين.
٥١٠- أحمد بن عبد الله بن بركة بن الحسين [٣] .
стр. 17432
أبو القاسم بن ناجية [١] ، الحربيّ، الفقيه، الوسيط.
أحد الأئمَّة ببغداد.
تفقّه على أبي الخطّاب، وبرع في الفقه وناظَر، ثمّ صار حنفيا، ثمّ تحوّل شافعيّا. ثمّ ترك التّقليد وتبع الدّليل [٢] .
وحدَّث عَنْ: ثابت بن بُنْدار.
روى عنه: ابن السَّمْعانيّ.
٥١١- أحمد بن محمد بن أبي سعيد [٣] .
أبو العبّاس الطّحّان، البغداديّ، المتّقي.
رجل خيّر يأكل من كسبه.
سمع: أبا الحسين بن المهتدي باللَّه.
تُوُفّي بعد الثّلاثين.
٥١٢- أحمد بن محمد بن عليّ بن أحمد [٤] .
أبو اليَقْظان التَّنُوخيّ، المَعَرّيّ، الأديب. شاعر مُحسِن.
عُمِّر تسعا وتسعين سنة. وانتقل بأولاده إلى حلب حين هجم الفرنج، خذلهم الله، المعرَّةَ سنة ستٍّ وسبعين.
وقد سمع من أبي العلاء المَعَرّيّ ثلاثة قصائد. رواها عنه حفيده محمد بن مؤيِّد بن أحمد بن محمد.
стр. 17433
وتُوُفّي سنة بضْعٍ وثلاثين.
٥١٣- إبراهيم بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم [١] .
الشّحاذيّ، القَزْوينيّ، المقرئ، شَيخ صالح، خيِّر، مُعَمَّر.
جاور بمكَّة مدَّة، وقرأ القرآن على أبي مَعْشَر الطَّبَريّ.
وسمع ببغداد من: أبي إسحاق الشّيرازيّ الفقيه، وغيره [٢] .
روى عنه ابنه، وبالإجازة أبو سعد السَّمْعانيّ [٣] .
٥١٤- إسماعيل بن عبد الواحد [٤] .
أبو الفخر الأصبهانيّ، التّاجر.
أكثر عَنْ أصحاب أبي نُعَيْم. ثمّ سمع من: أبي الحَسَن العلّاف ببغداد، وجماعة.
سمع منه: ابن الخشّاب، وأبو الفضل محمد بن يوسف الغَزْنَويّ.
وكان مولده في سنة تسع وستّين وأربعمائة.
стр. 17434
- حرف الحاء -
٥١٥- الحسن بن سعيد بن أحمد بن عَمْرو بن المأمون بن عَمْرو [١] .
أبو عليّ الْجَزَريّ، الفقيه الشّافعيّ.
قدِم في صِباه بغداد، وسمع: أبا القاسم عبد العزيز بن الأنْماطيّ، وأبا القاسم البُسْريّ.
ووُلّي قضاء جزيرة ابن عمر [٢] .
روى عنه: أبو المعمّر الأنصاريّ، وابن عساكر [٣] .
ومولده في حدود سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. وتفقّه ببغداد.
ذكره ابن السَّمْعانيّ، وقال: توفّي في حدود سنة أربعين [٤] .
٥١٦- الحَسَن بن محمد بن الحَسَن [٥] .
شَيخ الرّافضة وعالمِهُم، أبو عليّ ابن شَيخ الرّافضة وعالِمهم الشَيخ أبي جعفر الطُّوسيّ. رحلت إليه طوائف الشّيعة إلى العراق، وحملوا عنه.
ذكره ابن أبي طيِّئ في «تاريخه» فقال: كان ورِعًا، عالما، متألّها، كثير الزُّهْد والورع، قائما بالتّلاوة والأَوْراد، والاشتغال، والتّصنيف.
وُلِد بمشهد عليّ ﵇، وقرأ على أبيه جميع كُتُبه. حدَّثني عماد الدّين أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطَّبَريّ قال: كان الشّيخ أبو عليّ الطّوسيّ
стр. 17435
من أعبد النّاس وأفْيَدهم تألُّهًا، لم يُرَ إلّا قارِئًا، أو مُصَلِّيًا، أو معلِّمًا، أو مشتغلا. وكان بين عينيه الركْن العتر من السّجود، وكان يسترها.
قال ابن رُطْبة: كان أبو عليّ خشِنًا في ذات الله، عظيم الخشوع والعبادة، معظَّمًا عند الخاصَّة والعامَّة.
وقال آخر: رأيت أبا عليّ رجلا قد وهب نفسه للَّه، لم يجعل لأحدٍ معه فيها نصيبا، ولا أشكّ أنّه كان من خواص الأبدال.
قلت: وكان مقيما بمشهد عليّ بالعراق.
قال العماد الطَّبَريّ: لو جازت الصّلاة على غير النّبيّ والإمام لصلّيت عليه. كان قد جمع العلم والعمل، وصدْق اللهجة. وقد زار أبو سعد السَّمْعانيّ المشهد، وسمع عليه، وأثنى عليه.
وقال أبو منصور محمد بن الحَسَن النّقّاش: كنّا نقرأ على الشَيخ أبي عليّ بن أبي جعفر، وإن كان إلّا كالبحر يتدفّق بجواهر الفوائد. وكان أروى النّاس للمَثَل، والشّاهد، وأحفظ النّاس للأُصول، وأنقلهم للمذهب، وأرواهم للحديث.
قلت: روى عَنْ: أبي الغنائم النّرسيّ، وغيره [١] .
стр. 17436
٥١٧- الحسن بن نصر [١] .
أبو محمد بن المعبّي، البزّاز.
حدَّث عَنْ: أبي القاسم بن البُسْريّ، والفقيه نصر المقدسيّ.
كتب عنه: ابن عساكر، وابن السَّمْعانيّ.
وكان تاجرا ببغداد.
٥١٨- حمْد [٢] بن الحَسَن بن الفَرَج بن محمد [٣] .
أبو الفَرَج الهَمَذَانيّ المعروف بعجيب الزّمان. ضرير، مطبوع.
ذكره ابن السَّمْعانيّ فقال: سمع: عبد الواحد عليّ بن بوغة، وعَبْدُوس بن عُبَيْد الله.
سمع منه: ابن السَّمْعانيّ بهَمَذَان [٤] في سنة سبْعٍ وثلاثين.
٥١٩- حَمْد بن عبد الرحمن بن محمد بن شاتيل [٥] .
القاضي أبو عليّ الأَزَجيّ، الحنبليّ.
ولي القضاء بسوقٍ الثلاثاءِ ثمّ بالمدائن.
وحدّث عن: النّعاليّ، وابن البطر، وغيرهما.
стр. 17437
- حرف الزاي -
٥٢٠- زيد بن سعد بن علي بن أحمد بن عليّ [١] .
الشّريف، أبو إسماعيل الحَسَنيّ، العَلَويّ، الهمذانيّ.
سمع: عَبْدُوس بن عبد الله، وأبا العلاء محمد بن طاهر.
قال ابن السَّمْعانيّ: كتبت عنه [٢] ، وقال لي: وُلِدتُ سنة أربع وسبعين وأربعمائة [٣] .
- حرف الشّين -
٥٢١- شُعْبة بن عبد الله بن عمر [٤] .
أبو الخيْر الأصبهانيّ، الصّبّاغ، التّاجر.
سمع الكثير ورحل. وسمع: رزق الله التّميميّ بأصبهان، ونصر بن البَطِر، والنّعاليّ، ببغداد، وأبا نصر محمد بن عليّ بن ودعان المَوْصليّ.
قال ابن السَّمْعانيّ: سمعتُ منه، وكان صدوقا صحيح السّماع. ولد سنة ثمان وستّين وأربعمائة.
قلت: روى عنه أبو موسى المَدِينيّ، وقال: تُوُفّي في صَفَر سنة ٣٣.
تجوّل بكِرْمان.
٥٢٢- شُجاع بن عمر بن بدر الجوهريّ النّهاونْديّ [٥] .
أبو البدر التّاجر، نزيل هَمَذَان.
حدَّث عَنْ: أبي المظفّر بن عمران الصّوفيّ.
стр. 17438
روى عنه: أبو شجاع عمر البِسْطاميّ، وأجاز لأبي سعد السَّمْعانيّ، وقال:
تُوُفّي بعد سنة ثلاثين.
- حرف الصاد -
٥٢٣- صالح بن هبة اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد السّلام بن جفان [١] .
أبو محمد الواعظ.
بغداديّ، سافر إلى الشّام، والجزيرة، ووعظ، وظهر له القبول.
سمع: نصر بن البَطِر، وأبا الفضل محمد بن عبد السّلام.
وعنه: السَّمْعانيّ.
- حرف الطاء -
٥٢٤- طاهر بن محمد بن طاهر بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن إسحاق بن سعد بن الحَسَن بن سُفيان بن عامر [٢] .
أبو نصر الشَّيْبانيّ، النَّسَائيّ، قاضي شَهْرسْتان.
- حرف الظاء -
٥٢٥- ظَفَرُ بن هارون بن ظَفَر بن نصر [٣] .
أبو الفتوح الرَّبْعيّ، المَوْصليّ، ثمّ الهمذانيّ [٤] .
سمع: ثابت بن الحسين التّميميّ.
كتب عنه: أبو سعد بهمذان، وقال: ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة [٥] .
стр. 17439
٥٢٦- ظَفَر بن عليّ بن حمْد [١] .
أبو سعد الهَمَذَانيّ، المستوفي.
سمع الكثير، ونسخ الأجزاء.
وسمع: فند بن عبد الرحمن الشّعْرانيّ، وعبد الرحمن بن حمْد الدّونيّ، وأبا عليّ بن نبهان، وابن ينال، وهذه الطّبقة.
وجمع وخرّج. وكان مولده سنة سبعين وأربعمائة.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وابن الجوزي.
حدَّث سنة ٥٣٣ [٢] .
- حرف العين -
٥٢٧- عبد المغيث بن أبي عدنان [٣] .
أبو تميم الأصبهانيّ.
روى عَنْ: أبي القاسم بن مَنْدَهْ، والمُطَهَّر البزانيّ، وأبي عيسى عبد الرحمن بن زياد، وابن ماجة الأَبْهريّ.
روى عنه: زاهر بن أحمد الثّقفيّ [٤] .
٥٢٨- عبد الملك بن أحمد بن مروان الأزديّ [٥] .
стр. 17440
الغَرناطيّ، المالكيّ، ويُعرف بابن البصير [١] .
فقيه، حافظ، بارع في الفِقْه، مشاوَرٌ، نبيل.
روى عنه: أبو خالد بن رفاعة، وأبو إسحاق الغَرْناطيّ، وناظر عليه في «المدوّنة» ، وأبو تمّام العَوْفيّ، وابن أخيه عبد الرحمن بن أحمد.
وتُوُفّي قبل الأربعين وخمسمائة.
٥٢٩- عبد الصّمد بن عمر الخَرَزيّ [٢] .
سمع: أبا القاسم القُشَيْريّ.
وحدَّث في سنة ٣٣.
روى عنه: زينب الشَّعْريَّة.
٥٣٠- عمر بن أحمد بن الحسين [٣] .
أبو حفص الهَمَذَانيّ، الورّاق، الصُّوفيّ.
محدّث رحّال [٤] .
سمع: ابن الطُّيُوريّ، والعلّاف ببغداد، وأبا بكر أحمد بن محمد بن رحموَيْه بزَنْجان، وأبا الفتح الحدَّاد بأصبهان.
وقرأ بدمشق على أبي الوحش سُبَيْع، وسكن السُّمَيْساطيَّة.
وكان صالحا.
روى عنه: ابن عساكر.
٥٣١- عيسى بن عبد الله الكُرديّ، الزّاهد [٥] .
قال ابن السَّمْعانيّ: كان يسكن الموصل، وكان من أهل التّجويد
стр. 17441
والتّوكّل. وله في قَطْع البادية والمُقام بمكَّة أحوال ومقامات.
وكان كثير المجاهدة، صبورا على الشّدائد والجوع. وكان يستر حاله.
وكان أهل المَوْصل يعتقدون فيه، ويتبرَّكون به. وكان لَا يخالطهم، وينزوي في موضعٍ خارج الموصل، وإذا اشتدّ به الجوع غطّى وجهه بخرقة ودخل فمدّ يده، فلا يُعرف، ويُعطى كِسْرة أو كِسْرتين. ولو عرفوه لأعطوه مبلغا من المال.
وكان أكثر مُقامة بالحجاز. وورد بغداد مرّات.
سمعت منه بالمدينة النّبويَّة.
تُوُفّي قرب الأربعين بطريق الحجاز بذات عِرْق.
٥٣٢- عائشة بنت أبي البركات هبة الله بن المبارك السَّقَطيّ [١] .
امرأة صالحة، خيِّرة، ستّيرة.
سمّعها والدها من أبي الحَسَن بن الأخضر الأنباريّ، وغيره.
روى عنها: أبو سعد السَّمْعانيّ.
٥٣٣- عَمْرو بن محمد بن بدر [٢] .
أبو الحَسَن الهَمَذَانيّ، الغَرْناطيّ.
ذكره ابن الأبّار فقال: سمع «الموطّأ» من أبي عبد الله بن الطّلّاع.
وتفقّه بأبي الوليد بن رُشْد. وكان من أهل الزّهْد والصّلاح.
روى عنه: أبو جعفر بن شراحيل الهَمَذَانيّ الغَرْناطيّ، وغيره. لقيه في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
قلت: أبو جعفر هو أحمد بن عبد الله شَيخ لابن مَسْديّ، يأتي في سنة ستٍّ وستّمائة.
٥٣٤- عيّاش [٣] بن عبد الملك.
أبو بكر الأزديّ، البابريّ، ثمّ القرطبيّ.
стр. 17442
من أئمّة القرّاء. أخذ عَنْ: خازم بن محمد، وأبي القاسم بن النّحّاس، وعيّاش [١] بن الخَلَف.
وروى عنهم، وعن طائفة.
وكان عبدا صالحا.
روى عنه: أبو عبد الله بن عبد الرحيم، وأبو عبد الله بن حفص، وأبو جعفر بن يحيى.
تُوُفّي في نحو الأربعين.
- حرف الميم -
٥٣٥- مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد [٢] .
أبو سعيد [٣] النَّيْسابوريّ، العَدْنيّ [٤] ، نسبة إلى عمل الإبراد.
روى عَنْ: فاطمة بنت الدّقّاق، ومحمد بن إسماعيل التِّفْلِيسيّ.
روى عنه: أبو سعد، وقال: تُوُفّي بعد سنة ٥٣٥ [٥] .
٥٣٦- محمد بن إسماعيل بن محمد.
أبو بكر العُذْريّ، السَّرَقُسطيّ بن قورس.
سمع من: عمّه عبد الله بن محمد القاضي «مُسْنَد البزّاز» ، وأجاز له طِراد الزَّيْنبيّ، وجماعة.
وشوّورِ في الأحكام. ثمّ ولي قضاء بلده.
سمع منه: أبو جعفر بن الباذش، وأبو عبيد الله النّميريّ.
стр. 17443
وتُوُفّي بعد الثّلاثين.
٥٣٧- محمد بن الحَسَن بن نديمة [١] .
أبو بكر المَرْوَزِيّ، الطّبيب.
قرأ عليه السمعاني «صحيح البخاري» بسماعه من أبي الخير بن أبي عِمران، وقال [٢] : تُوُفّي سنة نيَّفٍ وثلاثين [٣] .
٥٣٨- محمد بن عليّ بن عطيَّة البَلنْسيّ.
كان في حدود الأربعين وخمسمائة بالأندلس.
انفرد بزمانه ببراعة خطّه الفائق على وضْع المغاربة.
٥٣٩- مُحَمَّد بن عليّ بْن محمد.
القاضي أبو عبد الله الْجَيّانيّ، النَّفْريّ.
تفقّه بقُرْطُبة عند أبي الوليد بن العوّاد، وأبي الوليد بن رُشد.
وحدَّث عنهما، وعن ابن عتّاب.
وشوّوِر في الأحكام، ونوظر في «المدوَّنة» . وكان عارفا، إماما.
٥٤٠- محمد بن أبي سعيد الفَرَج بن عبد الله.
السَّرَقُسْطيّ، البزّاز.
حجّ، وسمع ببغداد من: ابن خَيْرُون، وابن البَطِر، وأبي عبد الله الحُمَيْديّ.
وأقام بالإسكندريّة، فروى عنه: أبو محمد الطّحّان، وأبو عبد الله الحضْرميّ، ومخلوف بن حازة، وكان يشهد.
مات بعد الثّلاثين.
٥٤١- محمد بن محمد بن الحسين بن خميس [٤] .
стр. 17444
أبو البركات المَوْصِلِيّ، الفقيه.
من بيت عِلْم وتقدُّم.
حدَّث ببغداد والموصل عَنْ: أبي نصر بن طَوْق.
روى عنه: جماعة.
قال ابن السَّمْعانيّ: تُوُفّي قبل دخْلَتي إلى المَوْصِل.
قلت: فتكون وفاته بعد الثّلاثين وخمسمائة.
٥٤٢- محمد بْن يوسف بْن سُلَيْمَان بْن مُحَمَّد بْن خطّاب [١] .
أبو بكر بن جزّار، القيسي، السَّرَقُسْطيّ، النَّحْويّ.
نزيل مَرْسِية.
أخذ العربيَّة عَنْ: أبي بكر بن الفَرَضيّ، وأبي محمد البَطَلْيُوسيّ.
وسمع: أبا عليّ الصَّدفيّ.
وجلس لتعليم العربيَّة، وكان بارعا فيها وفي الأدب والشِّعر.
قُتِلَ سنة أربعين، فيُحوَّل إليها.
روى عنه: أبو محمد بن عاب، وغيره [٢] .
٥٤٣- المبارك بن الحسين بن عبد المطلب بن نغوبا [٣] .
الواسطيّ، أبو السّعادات الشّاهد.
قال ابن السَّمْعانيّ: شَيخ كبير، كثير المحفوظ، مليح المجاورة، سالم لحواسّ، رأيته بواسط، وصعِد معي إلى بغداد، وسمعت منه بأماكن.
سمع: أبا القاسم بن البُسْريّ [٤] ، وأبا إسحاق الشّيرازيّ، وأبا الفتح
стр. 17445
نصر بن الحَسَن [١] الشّاشيّ.
وسألته عَنْ مولده، فقال في سنة خمسين وأربعمائة.
وقال: نَغُوبا [٢] اسم قرية لجدّي، كان يعبر إليها كثيرا، فنسب إليها، يعني لقّب بها.
قلت: روى عنه: أبو اليمن الكنديّ الجزء الثّالث من «المخلّصيّات» ، وابن أبي الفوارس، وابن ابنه عليّ بن عليّ، وأبو الفتح المنْدائيّ.
وله ذرّية رَوَوُا الحديث [٣] .
٥٤٤- محمود بن حامد بن محمد [٤] .
أبو المظفَّر الكاغَذِيّ، الدّهّان، البنّاء. من شيوخ أصبهان.
قال ابن السَّمْعانيّ: كان شيخا، صالحا، مكثرا من الحديث، غير أنّه كان من العبْد الرّحمانيَّة أصلا. سمع شيخه أبا القاسم عبد الرحمن بن مَنْدَهْ، وسمعت منه بأصبهان. وولد بعد السّتّين وأربعمائة.
٥٤٥- محمود بن سعد بن أحمد بن محمود [٥] .
أبو رجاء بن أبي الفَرَج بن أبي طاهر الثّقفيّ، الأصبهانيّ.
والد يحيى الثّقفيّ وزوج بنت الحافظ إسماعيل التّيْميّ.
قال ابن السَّمْعانيّ: كان حريصا على طلب الحديث، وقراءته، وجمْعه، وتحصيل النُّسَخ.
وَرَد بغداد وسمع بها الكثير، وحصّل «تاريخ الخطيب» ، وغيره من الكُتُب الكبار. غير أنّه ليس له معرفة بالحديث.
стр. 17446
سمع: ابن عمّ جدّه القاسم بن الفضل الثّقفيّ، وأبا نصر السِّمْسار، وأبا مطيع المصريّ، وأبا القاسم بن مَيْن، وابن نبهان.
أخرج له حَموُه إسماعيل الحافظ ثلاثة أجزاء، فقرأتُها عليه.
٥٤٦- مسيرة الزُّغَيْميّ [١] .
أبو الخير، مولى بني المِعْوَجّ.
شَيخ، صالح، خيِّر، صُعْلُوك.
روى عَنْ: أبي نصر الزَّيْنبيّ.
كتب عنه: ابن السَّمْعانيّ ببغداد.
وروى عنه: عبد الوهّاب ابن سُكَيْنَة.
٥٤٧- مورِّق بن كثير بن الحَسَن بن المجْد البالِسيّ [٢] .
الفقيه، قدِم بغداد، وتفقّه على أبي بكر الشّاشي حتّى برع وصار من أعيان الشّافعية. وكان ذا معرفة تامَّة باللّغة، والأدب، ورجع إلى بالس.
وسمع: أبا نصر الزَّيْنبيّ، وأجازه «الكامل» ، [و] أبا الفوارس، وأبا بكر الطُّرَيْثيثيّ.
وقد مرّ أبو سعد السَّمْعانيّ بالبلد، وما اعتقد أنّ بها من يروي شيئا، ثمّ لمّا وصل إلى بغداد ذكروه له، فندِم على فَوَاته.
- حرف الهاء -
٥٤٨- هبة الله بن أبي غالب محمد بن الحَسَن بن أحمد الباقِلّانيّ [٣] .
أبو القاسم.
شَيخ صالح، من أولاد محدّثي بغداد.
كان منقطعا في بيته.
سمع: أباه، وعمّه أبا طاهر، وأبا عبد الله النّعمان، وجماعة.
стр. 17447
روى عنه: أبو سعد السّمعانيّ.
٥٤٩- هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي الأصابع [١] .
أبو القاسم الحربيّ، المقرئ، الضّرير.
شيخ خيّر، صالح.
كتب عنه ابن السّمعانيّ، عَنْ عبد الواحد بن علوان الشَّيْبانيّ.
- حرف الياء -
٥٥٠- يحيى بن عطّاف بن إبراهيم بن الربيع [٢] .
أبو الفضل المَوْصِليّ، الزّاهد.
قال ابن السَّمْعانيّ: شَيخ، صالح، زاهد، متنسّك، كثير العبادة، دائم التّلاوة. صحِب الصّالحين، وخدمهم، وانتفع بهم.
سمع: أبا نصر محمد بن عليّ بن وَدْعان، وأبا الحَسَن عليّ بن أحمد بن يوسف الهكّاريّ.
وجاوَرَ بمكَّة مدَّةً، ثمّ قدِم المَوْصِل. وحجّ لمّا حججت أيضا، وانتفعنا.
وآخر عهدي به في شوّال سنة ٥٣٥ بالمَوْصِل، وقد ناطَح الثّمانين.
٥٥١- يحيى بن عليّ بن محمد بن محمد [٣] .
الأنبَاريّ، الخطيب، أبو نصر، ابن الخطيب أبي الحَسَن بن الأخضر.
شَيخ، صالح، متودّد. سمع بالأنبار من: أبيه، وأبي بكر أحمد بن عليّ الخطيب، وأبي طاهر بن أبي الصَّقْر.
قال ابن السّمعانيّ: كتبت عنه ببغداد، وبالأنبار، وأصبهان.
ولد في سنة خمس وخمسين وأربعمائة في صَفَر.
٥٥٢- يحيى بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أحمد بن القاسم بن المحامليّ [٤] .
стр. 17448
الفقيه أبو طاهر.
جاور بمكَّة أزْيَد من خمسين سنة، وكان مولده سنة ثلاثٍ وخمسين.
وقد روى عَنْ والده، عَنْ أبي الحسين بن بِشْران.
سمع منه: أبو موسى المدينيّ، وغيره بمكّة.
انتهت الطبقة الرابعة والخمسون من تاريخ الإسلام للذهبي.
(بعون الله وتوفيقه تمّ تحقيق هذه الطبقة من «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرّخ الإسلام الحافظ شمسُ الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عثمان بن قايماز المعروف بالذهبي، المتوفى بدمشق سنة ٧٤٨ هـ.، على يد طالب العلم وخادمه، الحاج، أستاذ، دكتور «أبو غازي، عمر عبد السلام تدمري» الطرابلسيّ مولدا وموطنا، الحنفيّ مذهبا، أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، وقد ضبط النصّ، وصوّب الأخطاء، وخرّج الأحاديث، والأشعار، ووثّق المادة، وأحال إلى المصادر، وعلّق عليه، ووضع فهارسه، وذلك قبل أذان العصر من يوم الخميس ٢٣ من شوّال ١٤١٣ هـ. الموافق ١٥ من نيسان (أبريل) ١٩٩٣ م. وذلك بمنزله بساحة النجمة، من ثغر طرابلس المحروسة. والله المستعان لتحقيق بقيّة أجزاء هذا السّفر الجليل، وعليه الاتكال، وله الحمد أولا وآخرا) .
стр. 17449
[المجلد السابع والثلاثون (سنة ٥٤١- ٥٥٠) ]
[الطبقة الخامسة والخمسون]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
[مقتل زنكي]
في ربيع الآخر وثب ثلاثة من غلمان زنكي بن آقْسُنْقُز، فقتلوه وهو يحاصر جِعْبَر، فقام بأمر المَوْصِل ابنُه غازي، وبحلب نور الدّين محمود [١] .
[احتراق قصر المسترشد]
وفيها احترق قصر المسترشد الّذي بناه في البستان، وكان فيه الخليفة، فسَلِم، وتصدّق بأموال [٢] .
стр. 17450
[خلاف السلطان والخليفة حول دار الضرب]
وفي رَجب قدِم السّلطان مسعود، وعمل دار ضَرْبٍ، فقبض الخليفة عَلَى الضّرّاب الّذي تسبّب في إقامة دار الضَّرب، فنفذ الشَّحنة وقبض عَلَى حاجب الخليفة، وأربعةٍ من الخواصّ، فغضب الخليفة، وغلّق الجامع والمساجد ثلاثة أيّام، ثمّ أُطلق الضّرّاب، فأطلقوا الحاجب، وسكن الأمر [١] .
[موت ابْنَة الخليفة]
ووقع حائط بالدّار عَلَى ابْنَة الخليفة، وكانت تصلح للزَواج، واشتدّ حُزنهم عليها، وجلسوا ثلاثة أيّام [٢] .
[إبطالُ مَكْس حقّ البيع]
وفي ذي القعدة جلس ابن العبّاديّ الواعظ، فحضر السّلطان مسعود، فعرَّض بذِكر حقّ البيع، وما جرى عَلَى النّاس، ثمّ قَالَ: يا سلطان العالم: أنت تَهَبُ في ليلةٍ لمطربٍ بقدْر هذا الّذي يوجد من المسلمين، فاحسبني ذَلكَ المطرب، وهَبْه لي، واجعله شُكرًا للَّه بما أنعم عليك! فأشار بيده: إنّي قد فعلت، فارتفعت الضّجَّة، بالدّعاء لَهُ، ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح الّتي نُقِش عليها تَرْك المُكُوس في الأسواق، وبين يديها الدّبادب والبُوقات، إلى أن أمر النّاصر لدين اللَّه بقلْع الألواح، وقال: ما لنا حاجة بآثار الأعاجم [٣] .
[حجّ الوزير ابن جَهِير]
وحجّ الوزير نظام الدّين بْن جَهِير.
стр. 17451
[حَجّ المؤرّخ ابن الجوزي]
قَالَ ابن الجوزيّ: وحججت أَنَا بالزّوجة والأطفال [١] .
[ملْك الفرنج طرابلس المغرب]
وفيها، قَالَ ابن الأثير [٢] : مَلَكَت الفرنج طرابُلُسَ المغرب. جهّز الملك رُجار صاحب صَقَلِّية في البحر أسطولا كبيرا، فسار يوما في ثالث المحرَّم، فخرج أهلها، ودام الحرب ثلاثة أيّام، فاتّفق أن أهلها اختلفوا، وخَلَت الأسوار، فنصبت الفرنج السّلالم، وطلعوا وأخذوا البلد بالسّيف واستباحوه، ثمّ نادوا بالأمان، فظهر من سَلِم، وعمّرتها الفرنج وحصّنوها [٣] .
[مقتل زنكي]
وفيها قُتِلَ زَنْكي [٤] .
[تسلّم صاحب دمشق بعلبكَّ صُلْحًا]
[وفيها] قصد صاحب دمشق بَعْلَبَكّ وحاصرها، وبها نائب زنْكيّ الأمير نجم الدّين أيّوب بْن شاذي، فسلّمها صُلْحًا لَهُ، وأقطعه خُبْزًا بدمشق، وملّكه عدَّة قرى، فانتقل إلى دمشق وسكنها [٥] .
[فتوحات عبد المؤمن بالمغرب]
وفيها سار عبد المؤمن بجيوشه بعد أن افتتح فاس إلى مدينة سلا فأخذها،
стр. 17452
ووَحَّدَتْ مدينةُ سَبْتَة، فأمّنهم، ثمّ سار إلى مَرّاكُش، فنزل عَلَى جبلٍ قريبٍ منها، وبها إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين، فحاصرها أحد عشر شهرا، ثمّ أخذها عَنْوةً بالسّيف في أوائل سنة اثنتين وأربعين، واستوثق لَهُ الأمرُ ونزلها.
وجاءه جماعةٌ من وجوه الأندلسيّين وهو عَلَى مَرّاكُش باذِلين لَهُ الطّاعة والبَيْعة، ومعهم مكتوبٌ كبيرٌ فيه أسماء جميع الّذين بايعوه من الأعيان. وقد شهد من حضر عَلَى من غاب. فأعجبه ذَلكَ، وشكر هجرتهم، وجهّز معهم جيشا مَعَ أَبِي حفص عُمَر بْن صالح الصّنْهاجيّ من كبار قُوّاده، فبادر إلى إشبيلية فنازلها، ثم افتتحها بالسّيف.
وذكر الْيَسَع بْن حزْم أنّ أهل مَرّاكُش مات منهم بالجوع أيّام الحصار نيِّفٌ عَلَى عشرين ومائة ألف. حدَّثنيه الدّافنُ لهم.
ولمّا أراد فتحها، داخلت جيوش الرّوم الّذين بها أمانا، فأدخلوه من باب أَغْمات، فدخلها بالسّيف، وضرب عنق إسحاق المذكور، في عدَّةٍ من القُوّاد.
قَالَ الْيَسَع: قُتِلَ ذَلكَ اليوم ممّا صحّ عندي نيِّفٌ عَلَى السّبعين ألف رَجُل [١] .
стр. 17453
سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
[ولاية ابن هبيرة ديوان الزمام]
فيها ولي أبو المظفَّر يحيى بْن هُبَيْرة ديوان الزّمان [١] .
[مقتل بُزَبَة شِحنة أصبهان]
وفيها سار الأمير بُزَبَة [٢] واستمال شِحْنة أصبهان، وانْضاف معه محمد شاه، فأرسل السّلطان مسعود عساكر أَذَرْبَيْجان، وكان بُزَبَة في خمسة آلاف، فالتقوا، فكسرهم بُزَبَة، واشتغل جيشة بالنَّهْب، فجاء في الحال مسعود بعد المصافّ في ألف فارس، فحمل عليهم، فتقنطر الفَرَسُ ببزبة، فوقع وجيء بِهِ إلى مسعود، فوسَّطه، وجيء برأسه فعُلِّق ببغداد [٣] .
[وزارة عليّ بْن صَدَقَة]
وعُزِل أبو نصر جَهِير عَن الوزارة بأبي القاسم عليّ بْن صَدَقَة، شافهه بالولاية المقتفي، وقرأ ابن الأنباريّ كاتب الإنشاء عهده [٤] .
стр. 17454
[محاربة سلاركُرد لابن دُبَيْس]
وقدِم سلاركُرْد عَلَى شِحْنكيَّة بغداد، وخرج بالعسكر لحرب عليّ بْن دُبَيْس، فالتقوا، ثمّ اندفع عليّ إلى ناحية واسط، ثمّ عاد وملك الحِلَّة [١] .
[مباشرة أَبِي ألوفا قضاء بغداد]
وباشر قضاءَ بغداد أبو ألوفا يحيى بْن سعيد بْن المرخّم في الدَّسْت الكامل، عَلَى عادة القاضي الهَرَويّ.
وكان أبو ألوفا بئس الحاكم، يرتشي ويُبْطِل الحقوق [٢] .
[بروز ابن المستظهر إلى ظاهر بغداد]
وفي رمضان برز إسماعيل بْن المستظهر أخو الخليفة من داره إلى ظاهر بغداد، فبقي يومين، وخرج متنكِّرًا، عَلَى رأسه شَكَّة، وبيده قَدَحٌ، عَلَى وجه التنزّه، فانزعج البلد، وخافوا أن يعود ويخرج عليهم، وخاف هُوَ أن يرجع إلى الدّار، فاختفى عند قومٍ، فأذِنوا لَهُ، فجاء أستاذ دار والحاجب وخدموه وردّوه [٣] .
[فتح نو الدين أرتاح]
وفيها سار نور الدّين محمود [٤] بْن زَنْكيّ صاحب حلب يومئذٍ ففتح أَرْتاح [٥] ، وهي بقرب حلب، استولت عليها الفرنج، فأخذها عَنْوَةً. وأخذ ثلاثة حصون صغار للفرنج، فهابتْه الفرنج، وعرفوا أنّه كبس نطّاح مثل أبيه وأكثر [٦] .
стр. 17455
[أخذ غازي دارا وحصاره ماردين ووفاته]
وفيها سار أخوه غازي صاحب المَوْصِل إلى ديار بَكْر، فأخذ دارا وأخربها ونهبها، ثمّ حاصر ماردين، فصالحه حسام الدّين تِمِرْتاش بْن إيلغازيّ، وزوّجه بابنته، فلم يدخل بها، ومرض ومات، فتزوّجها أخوه قَطْب الدّين [١] .
[الغلاء بإفريقية]
وفيها، وفي السّنين الخمس الّتي قبلها، وكان الغلاء المُفْرِط بإفريقيَّة، وعظُم البلاء بهم في هذا العام حتّى أكل بعضهم بعضا [٢] .
[زواج نور الدين محمود]
وفيها تزوّج الملك نور الدّين بالخاتون ابْنَة الأتابك معين الدّين أُنُر، وأرسلت إليه إلى حلب.
стр. 17456
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
[هزيمة الفرنج عند دمشق]
فيها جاءت من الفرنج ثلاثة ملوك إلى بيت المقدس، وصلّوا صلَاة الموت، وردّوا عَلَى عكّا، وفرّقوا في العساكر سبعمائة ألف دينار، وعزموا عَلَى قصد الإسلام. وظنّ أهل دمشق أنّهم يقصدون قلعتين بقرب دمشق، فلم يشعروا بهم في سادس ربيع الأوّل إلّا وقد صبّحوا دمشق في عشرة آلاف فارس، وستّين ألف راجل، فخرج المسلمون فقاتلوا، فكانت الرَّجّالة الّذين برزوا لقتالهم مائة وثلاثين ألفا، والخيّالة طائفة كبيرة، فقُتل في سبيل اللَّه نحو المائتين، منهم الفقيه يوسف الفنْدلاويّ [١] ، والزّاهد عبد الرحمن الحلْحُوليّ [٢] . فلمّا كَانَ في اليوم الثّاني، خرجوا أيضا، واستُشْهِد جماعة، وقتلوا من الفرنج ما لا يُحصى.
فلمّا كَانَ في اليوم الخامس، ووصل غازي بْن أتابك زنْكي في عشرين ألف فارس، ووصل أخوه نور الدّين محمود إلى حماه رديف لَهُ. وكان في دمشق البكاء والتّضرُّع وفرْش الرّماد أيّاما، وأُخرِج مُصْحَفُ عثمان إلى وسط الجامع.
وضجّ النّساء والأطفال مكشّفين الرّؤوس، فأغاثهم اللَّه.
وكان مَعَ الفرنج قِسّيس ذو لحية بيضاء، فركب حمارا، وعلّق في حلقه الطِّيب، وفي يديه صليبين، وقال للفرنج: أَنَا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق، ولا يردّني أحد. فاجتمعوا حوله، وأقبل يريد البلد، فلمّا رآه المسلمون صدقت نيّتُهم، وحملوا عَلَيْهِ، فقتلوه، وقتلوا الحمار، وأحرقوا الصّلبان، وجاءت
стр. 17457
النّجدة المذكورة، فهزم اللَّه الفرنج، وَقُتِلَ منهم خلْق [١] .
[رواية ابن الأثير عَن انهزام الفرنج]
قَالَ ابن الأثير: [٢] سار ملك الألمان من بلاده في خلْقٍ كثير، عازما عَلَى قصد الإسلام، واجتمعت معه فرنج الشّام، وسار إلى دمشق، وفيها مجير الدين أَبَق بْن محمد بْن بُوري، وأتابكه مُعِزّ الدّين أُنُرَ [٣] ، وهو الكُلّ، وكان عادلا، عاقِلًا، خيِّرًا، استنجد بأولاد زنْكيّ، ورتّب أمور البلد، وخرج بالنّاس إلى قتال الفرنج، فقويت الفرنج، وتقهقر المسلمون إلى البلد. ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأيقن النّاس بأنّه يملك البلد، وجاءت عساكر سيف الدّين غازي، ونزلوا حمص، ففرح النّاس وأصبح معين الدّين يَقُولُ للفرنج الغرباء:
إنّ ملك الشّرق قد حضر، فإنْ رحلتم، وإلّا سلّمت دمشق إِلَيْهِ، وحينئذٍ تندمون.
وأرسل إلى فرنج الشّام يَقُولُ لهم: بأيّ عقلٍ تساعدون هَؤُلّاءِ الغرباء علينا، وأنتم تعلمون أنّهم إنّ ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد السّاحليَّة؟
وأنا إذا رَأَيْت الضَّعْفَ عَنْ حَفْظ البلد سلّمته إلى ابن زنْكي، وأنتم تعلمون أنّه إن مَلَك لا يبقى لكم معه مُقامٌ بالشّام.
فأجابوه إلى التّخلّي عَنْ ملك الألمان، وبذلَ لهم حصن بانياس،
стр. 17458
فاجتمعوا بملك الألمان، وخوّفوه من عساكر الشّرق وكثرتها، فرحل وعاد إلى بلاده، وهي وراء القسطنطينيَّة.
قلت: إنّما كَانَ أجل قدومه لزيادة القدس، فلمّا ترحّلوا سار نور الدّين محمود إلى حصن العزيمة، وهو للفرنج، فملكه. وكان في خدمته معين الدّولة أُنُر بعسكر دمشق.
[ظهور الدولة الغوريَّة]
وفيها كَانَ أول ظهور الدّولة الغوريَّة، وحشدوا وجمعوا. وكان خروجهم في سنة سبْعٍ وأربعين [١] .
[هرب رضوان وزير مصر ومقتله]
وفيها نقب الحبس رضوان [٢] ، الّذي كَانَ وزير الحافظ صاحب مصر، وهرب عَلَى خيل أُعِدَّت لَهُ، وعبَر إلى الجيزة. وكان لَهُ في الحبْس تسعُ سِنين.
وقد كنّا ذكرنا أنّه هرب إلى الشّام، ثمّ قدِم مصرَ في جمْعٍ كبير، فقاتل المصريّين عَلَى باب القاهرة وهزمهم، وقتل خلْقًا منهم، ودخل البلد، فتفرَّق جَمْعُه، وحبسه الحافظ عنده في القصر، وجمع بينه وبين أهله، وبقي إلى أن بعث الجيش يأتي من الصّعيد بجموع كثيرة، وقاتل عسكر مصر عند. جامع ابن طولون فهزمهم، ودخل القاهرة، وأَرسل إلى الحافظ يطلب منه رسم الوزارة عشرين ألف دينار، فبعثها إِلَيْهِ، ففرَّقها، وطلب زيادة، فأرسل إِلَيْهِ عشرين ألف أخرى، ثمّ عشرين ألف أخرى. وأخذ النّاس منه العطاء وتفرّقوا. وهيّأ الحافظ جَمْعًا كبيرا من العبيد وبعثهم، فأحاطوا بِهِ، فقاتلهم مماليكه ساعة. وجاءته ضربةٌ فقُتل [٣] . ولم يستوزر الحافظ أحدا من سنة ثلاثٍ وثلاثين إلى أن مات.
стр. 17459
[ظهور الدعوة النزاريَّة بمصر]
قَالَ سِبْط الجوزيّ [١] : فيها ظهور بمصر رجلٌ من ولد نزار بْن المستنصر يطلب الخلافة، واجتمع معه خلْق، فجهّز إِلَيْهِ الحافظ العساكر، والتقوا بالصّعيد، فَقُتِلَ جماعة، ثمّ انهزم النّزاريّ، وقتل ولده [٢] .
[إبطال الأذان ب «حيّ عَلَى خير العمل» بحلب]
وفيها أمر نور الدّين بإبطال «حيَّ عَلَى خير العمل» من الأذان بحلب، فعظُم ذَلكَ عَلَى الإسماعيليَّة والرَّافضة الّذين بها [٣] .
[فتنة خاصّبك السلطان مسعود]
وكان السّلطان مسعود قد مكّن خاصّبَك من المملكة، فأخذ يقبض عَلَى الأمراء، فتغيّروا عَلَى مسعود وقالوا: إمّا نَحْنُ، وإمّا خاصّبك، فإنّه يحملك عَلَى قتْلنا. وساروا يطلبون بغداد، ومعهم محمد شاه ابن السّلطان محمود، فانجفل النّاس واختبطوا، وهرب الشِّحْنَة إلى تِكْريت، وقطع الجسر، وبعث المقتضي ابن العبّاديّ الواعظ رسولا إليهم، فأجابوا: نَحْنُ عبيد الخليفة وعبيد السّلطان، وما فارقناه إلّا خوفا من خاصّبَك، فإنّه قد أفنى الأمراء، فقتل عبد الرحمن بن طويرك، وعبّاسا، وبُزَبَه [٤] ، وتَتَر، وصلاح الدّين، وما عَن النَّفس عِوَض. وما نَحْنُ بخوارج ولا عُصاة، وجئتنا لُنصْلح أمرنا مَعَ السّلطان.
وكانوا: ألْبُقُش، وألدكز، وقيمز [٥] ، وقرقوب [٦] ، وأخو طويرك [٧] ، وطرنطاي،
стр. 17460
وعليّ بْن دُبَيْس [١] . ثمّ دخلوا بغداد، فمدّوا أيديهم، وأخذوا خاصّ السّلطان، وأخذوا الغلّات، فثار عليهم أهل باب الأَزَج [٢] وقاتلوهم، فكتب الخليفة إلى مسعود، فأجابه: قد برِئَت ذِمَّة أمير المؤمنين من العهد الّذي بيننا، بأنّه لا يجنِّد، فيحتاط للمسلمين. فجنّد وأخرج السُّرَادقات، وخندق، وسدّ العقود، وأولئك ينهبون في أطراف بغداد، وقسّطوا الأموال عَلَى مَحَالّ الجانب الغربيّ وراحوا إلى دُجَيْل وأخذوا الحريم والبنات، وجاءوا بهنّ إلى الخِيَم.
ثمّ وقع القتال، وقاتلت العامَّة بالمقاليع، وَقُتِلَ جماعة، فطلع إليهم الواعظ الغَزْنَويّ فذمّهم وقال: لو جاء الفرنج لم يفعلوا هذا. واستنقذ منهم المواشي، وساقها إلى البلد، وقبض الخليفة عَلَى ابن صَدَقَة، وبقي الحصار أيّاما، وخرج خلق من العوامّ بالسّلام الوافر، وقاتلوا العسكر، فاستجرّهم العسكر، وانهزموا لهم، ثمّ خرج عليهم كمين فهربوا، وَقُتِلَ من العامّة نحو الخمسمائة.
ثمّ جاءت الأمراء، فرموا نفوسهم تحت التّاج وقالوا: لم يقع هذا بِعلْمنا، وإنّما فعله أَوْباشٌ لم نأمرهم. فلم يَقْبل عُذْرهم. فأقاموا إلى اللّيل وقالوا: نَحْنُ قيامٌ عَلَى رءوسنا، لا نبرح حتّى تعفي عَنْ جُرْمنا.
فجاءهم الخادم يَقُولُ: قد عفا عنكم أمير المؤمنين فأمْضوا. ثمّ سار العسكر، وذهب بعضهم إلى الحِلَّة، وبعضهم طلب بلاده [٣] .
[الغلاء والجوع]
ووقع الغلاء، ومات بالجوع والعرْي أهلُ القرى، ودخلوا بغداد يستعطون [٤] .
стр. 17461
[وفاة القاضي الزينبي]
ومات قاضي القُضاة الزَّيْنَبيِّ، وقُلِّد مكانه أبو الحسن علي بْن أحمد بْن علي بْن الدّامغانيّ [١] .
[دخول ملك صقلّيّة مدينة المهديَّة]
وفيها الغلاء مستمر بإفريقية، وجلا أكثر النّاس ووجد خلْق في جزيرة صَقَلِّية، وعظُم الوباء. فاغتنم الملعون رُجار صاحب صَقَلّية هذه الشّدَّة، وجاء في مائتين وخمسين مركبا، ونزل عَلَى المَهْديَّة، فأرسل إلى صاحبها الحسين بْن عليّ بْن يحيى بْن تميم بْن باديس: إنّما جئت طالبا بثأر محمد بْن رشيد صاحب فاس، وردّه إلى فارس. وأنت فبيننا وبينك عهدٌ إلى مدَّةٍ، ونريد منك عسكرا يكون معنا.
فجمع الحَسَن الفُقهاء والكبار وشاورهم، فقالوا: نقابل عدوّنا، فإنّ بلدنا حصين.
قَالَ: أخاف أن ينزل البرَّ ويحاصرنا برّا وبحرا ويمنعنا الميرة، ولا يحلّ لي أن أُعطيه عسكرا يقاتل بِهِ المسلمين، وإنِ امتنعتُ قَالَ: نقَضْت. والرأي أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد، فمن أراد أن ينزح فلْيَنْزَح.
وخرج لوقته، فخرج الخلْق عَلَى وجوههم، وبقي من احتمى بالكنائس عند أهلها، وأخذت الفرنج المهديّة بلا ضربة ولا طعنة، وفإنّا للَّه وإنّا إِلَيْهِ راجعون. فوقع النّهب نحو ساعتين، ونادوا بالأمان.
وسار الحَسَن إلى عند أمير عرب تِلْكَ النّاحية، فأكرمه. وصار الإفرنج من طرابُلُس الغرب إلى قرب تونس.
وأمّا الحَسَن، فعزم عَلَى المسير إلى مصر، ثمّ عزم عَلَى المصير إلى عبد المؤمن هُوَ وأولاده، وهو التّاسع من ملوك بني زيري. وكانت دولتهم بإفريقية مائتين وثمان سنين [٢] .
стр. 17462
سنة أربع وأربعين وخمسمائة
[ارتفاع الغلاء عَنْ بغداد]
في المحرَّم ارتفع عَن النّاس ببغداد الغلاء، وخرج أهل القرى [١] .
[مقتل صاحب أنطاكية]
وغزا نور الدّين محمود بْن زنْكي فكسر الفرنج، وقتل صاحب أنطاكية.
وكانت وقعة عظيمة، قتل فيها ألف وخمسمائة من الفرنج، وأُسِر مثلُهم، وذلّ دين الصّليب [٢] .
[فتح فامية]
ثمّ افتتح نور الدّين حصن فامية، وكان عَلَى أهل حماة وحمص منه غاية الضَّرر [٣] .
стр. 17463
[وقوع جوسلين في الأسر]
وكان جوسلين، لعنه اللَّه، قد أَلَهبَ الخلْق بالأَذّية والغارات، وهو صاحب تلّ باشر، وإعزاز، وعينتاب [١] ، والرّاوندان، وبَهَسْنا [٢] والبيرة، ومَرْعَش، وغير ذَلكَ، فسار لحربه سِلَحْدار نور الدّين، فأسره جوسلين، فدسّ نور الدّين جماعة من التُّركمان: مَن جاءني بجوسلين أعطيتُه مهما طلب. فنزلوا بأرض عَنْتاب، فأغار عليهم جوسلين، وأخذ امْرَأَةً مليحة فأعجبته، وخلا بها تحت شجرة، فكمن لَهُ التُّركمان وأخذوه أسيرا حقيرا، وأحضروه إلى نور الدّين، فأعطى الّذي أسره عشرة آلاف دينار.
وكان أسْرُه فتحا عظيما. واستولى نور الدّين عَلَى أكثر بلاده [٣] .
[وزارة ابن هبيرة]
وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا المظفر بْن هُبَيْرة، ولَقَبُه: عون الدّين [٢] .
[قصْدُ ألْبقش العراق وطلب السلطنة لملكشاه]
وفي رجب جمع الْبُقُش وقصد العراق، وانضمّ إليه ملك شاه بْن السّلطان محمود، وعليّ بْن دُبَيْس، وطرنْطاي، وخلْق من التُّرْكمان. فلمّا صاروا عَلَى بريدٍ من بغداد، بعثوا يطلبون أن يسلطن ملك شاه، فلم يجبهم الخليفة، وجمع
стр. 17464
العسكر وتهيّأ وبعث البريد إلى السّلطان مسعود يستحثّه، فلم يتحرّك، فبعث إِلَيْهِ عمّه سَنْجَر يَقُولُ لَهُ: قد أخربت البلاد في هوى [ابن] [١] البلنكريّ، فنفّذه هُوَ، والوزير، والجاوليّ، وإلّا ما يكون جوابك غيري.
فلم يلتفت لسَنْجَر، فأقبل سَنْجَر حتّى نزل الرّيّ، فعلم مسعود، فسار إِلَيْهِ جريدة، فترضّاه وعاد. ثمّ قدِم بغداد في ذي الحجَّة واطمأنّ النّاس [٢] .
[الحجّ العراقيّ]
وفيها حجّ بالعراقيّين نَظَر الخادم، فمرض من الكوفة فردّ، واستعمل مكانه قَيْماز الأُرْجُوانيّ. ومات نَظَر بعد أيّام [٣] .
[الزلزلة ببغداد]
وفي ذي الحجَّة جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشْر مرّات، وتقطّع بحُلْوان جبلٌ من الزّلزلة. وهلك عالَمٌ من التُّرْكمان [٤] .
[وفاة صاحب الموصل]
وفيها مات صاحب المَوْصِل سيف الدّين غازي بْن زنْكيّ، ومَلَك بعده أخوه مَوْدُود. وعاش غازي أربعا وأربعين سنة. مليح الصّورة والشَّكْل، وخلّف ولدا تُوُفّي شابّا، ولم يُعْقِب [٥] .
стр. 17465
[الخلاف بين رُجار وصاحب القسطنطينية]
وفيها وقع الخُلْف بين رُجار الإفرنجيّ صاحب صَقَلِّية، وبين صاحب القُسطنطينيَّة. ودامت الحروب بينهم سِنين، فاشتغل رجار عن إفريقية [١] .
стр. 17466
ومن حوادث سنة أربع وأربعين وخمسمائة
[رواية ابن القلانسي عَن انتصار نور الدين عَلَى صاحب أنطاكية]
قَالَ أبو يَعْلَى التّميميّ في «تاريخه» [١] : كَانَ قد كَثُر فساد الفرنج المقيمين بعكّا، وصور، والسّواحل، بعد رحيلهم عَنْ حصار دمشق، وفساد شروط الهدنة الّتي بين أُنُرَ وبينهم. فشرعوا في العَبَث بالأعمال الدّمشقيَّة، فنهض معين الدّين أُنُر بالعسكر مُغيرًا عَلَى ضياعهم، وخيّم بحَوْران، وكاتَبَ العربَ، وشنّ الغارات عَلَى أطراف الفرنج، وأطلق أيدي التُّرْكمان في نهْب أعمال الفرنج، حتّى طلبوا تجديد الهدنة والمسامحة ببعض المقاطعة، وتردّدت الرُّسُل، ثمّ تقرَّرت الموادعة مدَّة سنتين، وتحالفوا عَلَى ذَلكَ.
ثمّ بعث أُنُر الأميرَ مجاهد الدّين بُزان بْن مامين في جيشٍ نجدة لنور الدّين عَلَى حرب صاحب أنطاكية، فكانت تِلْكَ الوقعة المشهودة الّتي انتصر فيها نور الدّين عَلَى الفرنج، وللَّه الحمد والمِنَّة. وكان جَمعه نحوا من ستَّة آلاف فارس سِوَى الأتباع، والفرنج في أربعمائة فارس، وألف راجل، فلم يَنْجُ منهم إلّا اليسير، وَقُتِلَ ملكهم البلنس [٢] ، فحُمِل رأسه إلى نور الدّين. وكان هذا الكلب أحد الأبطال والفُرسان المشهورين بشدَّة البأس، عظيم الخلْقة والتّباهي في الشّرّ.
ثمّ نازل نور الدّين أنطاكية وحاصرها إلى أن ذَلّوا وسلّموها بالأمان. فرتَّب فيها مَن يحفظها، فجاءتها أمداد الفرنج، ثمّ اقتضت الحال مهادنَة من في أنطاكية وموادعتهم.
стр. 17467
[موت معين الدين أُنُر]
وأمّا معين الدّين أُنُرَ فإنّه مرض، وجيء بِهِ من حَوْران في مِحَفَّةٍ، ومات بدُوسنْطاريا في ربيع الآخر، ودُفن بمدرسته [١] .
[الوحشة بين مؤيّد الدين ومجير الدين]
ثمّ جَرَت واقعة عجيبة. استوحش الرئيس مؤيَّد الدّين من الملك مُجِير الدّين استيحاشا أوجب جمْعَ من أمكنه واقعة من أحداث دمشق والْجَهَلة، ورتّبهم حول داره، ودار أخيه زين الدّولة حَيْدرة للاحتماء بهم، وذلك في رجب. فنفذ مجير الدّين يطيّب نفوسهما، فما وُفِّق، بل جَدّا في الجمْع والاحتشاد من العوامّ والْجُنْد، وكسروا [السجن] وأطلقوا مَن فيه، واستنفروا جماعة من الشّواغرة [٢] وغيرهم، وحصلوا في جمْعٍ كثيرٍ امتلأت بهم الطُّرُق. فاجتمعت الدّولة في القلعة بالعُدد، واخرِجت الأسلحة، وفرَقت عَلَى الجند، وعزموا عَلَى الزّحف إلى جمْع الأوباش، ثمّ تمهّلوا حقّنا للدّماء، وخوفا من نهْب البلد، وأَلَحُّوا عَلَى الرئيس وتلطّفوا إلى أن أجاب، واشترط شروطا أُجيب إلى بعضها، بحيث يكون ملازما لداره، ويكون ولده وولد أخيه في الدّيوان، ولا يركب إلى القلعة إلّا مُسْتَدْعيًا إليها.
ثمّ حدث بعد ذَلكَ عَوْد الحال إلى ما كانت عَلَيْهِ، وجمع الجمْع الكثير من الأجناد، والمقدَّمين، والفلّاحين، واتّفقوا عَلَى الزّحف إلى القلعة وحصرها، وطلب من عيَّنَه من أعدائه، فنشبت الحرب، وجُرح وَقُتِلَ جماعة. ثمّ عاد كلّ فريقٍ إلى مكانه.
ووافق ذَلكَ هروب السّلار زين الدّين إسماعيل شِحْنة البلد وأخوه إلى ناحية بَعْلَبَكّ.
ولم تزل الفتنة هائجة، والمحاربة متّصلة، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التمس إبعادَه من خواصّ مُجِير الدّين. ونُهبت دار السّلار وأخيه، وخلع على
стр. 17468
الرئيس وأخيه، وحَلَف لهما مُجير الدّين، وأعاد الرئيس إلى الوزارة، بحيث لا يكون لَهُ في الأمر معترض ولا مُشارِك [١] .
[موت الحافظ لدين اللَّه وخلافة الظافر بمصر]
وأمّا مصر، فمات بها الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد العُبَيْديّ، وأقيم بعده ابنه الظّافر إسماعيل. ووَزَرَ لَهُ أمير الجيوش ابن مصال المغربيّ، فأحسن السّيرة والسّياسة. ثمّ اضطربت الأمور واختلفت العساكر، بحيث قُتِلَ خلْقٌ منهم [٢] .
[محبَّة الدمشقيّين نور الدين]
وأمّا أعمال دمشق كَحْوران، وغيرها، فعبث بها الفرنج، وأجدبت، الأرض ونزح الفلّاحون، فجاء نور الدّين بجيشه إلى بَعْلَبَكّ ليوقع بالفرنج، ففتح اللَّه بنزول غيثٍ عظيم، فعظُم الدّعاء لنور الدّين، وأحبّه أهل دمشق وقالوا: هذا ببركته وحسن سيرته [٣] .
[مصالحة نور الدين ومجير الدين]
ثمّ نزل عَلَى جسر الخشب في آخر سنة أربع، وراسل مُجِير الدّين، والرئيس يَقُولُ: إنّني ما قصدتُ بنزولي هنا طلبا لمحاربتكم، وإنّما دعاني كثرة شكاية أهل حَوْران والعُرْبان. أخذت أموالهم وأولادهم، ولا ينصرهم أحد فلا
стр. 17469
يَسَعني مَعَ القُدرة عَلَى نُصْرتهم القعودُ عَنْهُمْ، مَعَ عِلْمٍ بعجزكم عَنْ حِفْظ أعمالكم والذّبّ عَنْهَا، والتّقصير الّذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج عَلَى محاربتي، وبذلكم لهم أموالَ الضعفاء من الرَعيَّة ظُلْمًا وتَعَدِّيًا. ولا بدّ من المعونة بألف فارس يُجَرَّد مَعَ مقدَّمٍ لتخليص ثغر عسقلان وغيره.
فكان الجواب: لَيْسَ بيننا وبينك إلّا السّيف. فكثر تعجُّب نور الدّين، وأنكر هذا، وعزم عَلَى الزَّحْف إلى البلد، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته من ذَلكَ [١] .
ثمّ تقرَّر الصُّلْح في أوّل سنة خمسٍ وأربعين، فإنّ نور الدّين أشفق من سفْك الدّماء، فبذلوا لَهُ الطّاعة، وخطبوا لَهُ بجامع دمشق بعد الخليفة والسّلطان، وحلفوا لَهُ. فخلع نور الدّين عَلَى مجير الدّين خِلْعةً كاملة بالطَّوْق، وأعاده مكرّما، محتَرَمًا. ثمّ استدعى الرئيس إلى المخيَّم، وخلع عَلَيْهِ، وخرج إِلَيْهِ المقدَّمون، واختلطوا بِهِ، وردّ إلى حلب [٢] .
[مضايقة الملك مسعود تلّ باشر]
وجاء الخبر بأنّ الملك مسعود نزل عَلَى تلّ باشِر وضايقها [٣] .
[عودة الحُجّاج وما أصابهم]
ثمّ قدِم حُجّاج العراق وقد أُخِذوا، وحكوا مُصِيبةً ما نزل مثلُها بأحدٍ. وكان رَكْبًا عظيما من وجوه خُراسان وعُلمائها، وخواتين الأمراء خلْق. فأُخِذ جميع ذَلكَ، وَقُتِلَ الأكثر، وسَلِم الأقل، وهُتكَت الحُرَم، وهلك خلْقٌ بالجوع والعطش [٤] .
стр. 17470
[رحيل مسعود عَنْ تلّ باشر]
وأمّا مسعود، فإنّه ترحّل عَنْ تلّ باشِر [١] .
[مصالحة مجاهد الدين لصاحب دمشق]
وتوجّه مجاهد الدّين بُزَان إلى حصن صرْخد، وهو لَهُ، لترتيب أحواله.
وعرضت لَهُ نَفْرَةٌ من صاحب دمشق ورئيسها، ثمّ طُلِب، واصطلحوا عَلَى شرط إبعاد الحافظ يوسف عَنْ دمشق، فأُبعِد، فقصد بَعْلِبَكّ، فأكرمه متولّيها عطاء [٢] .
[اتصال الخلاف في مصر]
وأمّا مصر، فالأخبار واصلة بالخُلْف المستمرّ بين وزيرها ابن مصال، وبين المظفّر ابن السّلار عَلَى الأمر، فسكنت الفتنة. ثمّ ثار الْجُنْد، وجَرَت أمور، وقتل جماعة. نسأل الله العافية [٣] .