ومن حوادث سنة أربع وأربعين وخمسمائة
[رواية ابن القلانسي عَن انتصار نور الدين عَلَى صاحب أنطاكية]
قَالَ أبو يَعْلَى التّميميّ في «تاريخه» [١] : كَانَ قد كَثُر فساد الفرنج المقيمين بعكّا، وصور، والسّواحل، بعد رحيلهم عَنْ حصار دمشق، وفساد شروط الهدنة الّتي بين أُنُرَ وبينهم. فشرعوا في العَبَث بالأعمال الدّمشقيَّة، فنهض معين الدّين أُنُر بالعسكر مُغيرًا عَلَى ضياعهم، وخيّم بحَوْران، وكاتَبَ العربَ، وشنّ الغارات عَلَى أطراف الفرنج، وأطلق أيدي التُّرْكمان في نهْب أعمال الفرنج، حتّى طلبوا تجديد الهدنة والمسامحة ببعض المقاطعة، وتردّدت الرُّسُل، ثمّ تقرَّرت الموادعة مدَّة سنتين، وتحالفوا عَلَى ذَلكَ.
ثمّ بعث أُنُر الأميرَ مجاهد الدّين بُزان بْن مامين في جيشٍ نجدة لنور الدّين عَلَى حرب صاحب أنطاكية، فكانت تِلْكَ الوقعة المشهودة الّتي انتصر فيها نور الدّين عَلَى الفرنج، وللَّه الحمد والمِنَّة. وكان جَمعه نحوا من ستَّة آلاف فارس سِوَى الأتباع، والفرنج في أربعمائة فارس، وألف راجل، فلم يَنْجُ منهم إلّا اليسير، وَقُتِلَ ملكهم البلنس [٢] ، فحُمِل رأسه إلى نور الدّين. وكان هذا الكلب أحد الأبطال والفُرسان المشهورين بشدَّة البأس، عظيم الخلْقة والتّباهي في الشّرّ.
ثمّ نازل نور الدّين أنطاكية وحاصرها إلى أن ذَلّوا وسلّموها بالأمان. فرتَّب فيها مَن يحفظها، فجاءتها أمداد الفرنج، ثمّ اقتضت الحال مهادنَة من في أنطاكية وموادعتهم.
стр. 17467
[موت معين الدين أُنُر]
وأمّا معين الدّين أُنُرَ فإنّه مرض، وجيء بِهِ من حَوْران في مِحَفَّةٍ، ومات بدُوسنْطاريا في ربيع الآخر، ودُفن بمدرسته [١] .
[الوحشة بين مؤيّد الدين ومجير الدين]
ثمّ جَرَت واقعة عجيبة. استوحش الرئيس مؤيَّد الدّين من الملك مُجِير الدّين استيحاشا أوجب جمْعَ من أمكنه واقعة من أحداث دمشق والْجَهَلة، ورتّبهم حول داره، ودار أخيه زين الدّولة حَيْدرة للاحتماء بهم، وذلك في رجب. فنفذ مجير الدّين يطيّب نفوسهما، فما وُفِّق، بل جَدّا في الجمْع والاحتشاد من العوامّ والْجُنْد، وكسروا [السجن] وأطلقوا مَن فيه، واستنفروا جماعة من الشّواغرة [٢] وغيرهم، وحصلوا في جمْعٍ كثيرٍ امتلأت بهم الطُّرُق. فاجتمعت الدّولة في القلعة بالعُدد، واخرِجت الأسلحة، وفرَقت عَلَى الجند، وعزموا عَلَى الزّحف إلى جمْع الأوباش، ثمّ تمهّلوا حقّنا للدّماء، وخوفا من نهْب البلد، وأَلَحُّوا عَلَى الرئيس وتلطّفوا إلى أن أجاب، واشترط شروطا أُجيب إلى بعضها، بحيث يكون ملازما لداره، ويكون ولده وولد أخيه في الدّيوان، ولا يركب إلى القلعة إلّا مُسْتَدْعيًا إليها.
ثمّ حدث بعد ذَلكَ عَوْد الحال إلى ما كانت عَلَيْهِ، وجمع الجمْع الكثير من الأجناد، والمقدَّمين، والفلّاحين، واتّفقوا عَلَى الزّحف إلى القلعة وحصرها، وطلب من عيَّنَه من أعدائه، فنشبت الحرب، وجُرح وَقُتِلَ جماعة. ثمّ عاد كلّ فريقٍ إلى مكانه.
ووافق ذَلكَ هروب السّلار زين الدّين إسماعيل شِحْنة البلد وأخوه إلى ناحية بَعْلَبَكّ.
ولم تزل الفتنة هائجة، والمحاربة متّصلة، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التمس إبعادَه من خواصّ مُجِير الدّين. ونُهبت دار السّلار وأخيه، وخلع على
стр. 17468
الرئيس وأخيه، وحَلَف لهما مُجير الدّين، وأعاد الرئيس إلى الوزارة، بحيث لا يكون لَهُ في الأمر معترض ولا مُشارِك [١] .
[موت الحافظ لدين اللَّه وخلافة الظافر بمصر]
وأمّا مصر، فمات بها الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد العُبَيْديّ، وأقيم بعده ابنه الظّافر إسماعيل. ووَزَرَ لَهُ أمير الجيوش ابن مصال المغربيّ، فأحسن السّيرة والسّياسة. ثمّ اضطربت الأمور واختلفت العساكر، بحيث قُتِلَ خلْقٌ منهم [٢] .
[محبَّة الدمشقيّين نور الدين]
وأمّا أعمال دمشق كَحْوران، وغيرها، فعبث بها الفرنج، وأجدبت، الأرض ونزح الفلّاحون، فجاء نور الدّين بجيشه إلى بَعْلَبَكّ ليوقع بالفرنج، ففتح اللَّه بنزول غيثٍ عظيم، فعظُم الدّعاء لنور الدّين، وأحبّه أهل دمشق وقالوا: هذا ببركته وحسن سيرته [٣] .
[مصالحة نور الدين ومجير الدين]
ثمّ نزل عَلَى جسر الخشب في آخر سنة أربع، وراسل مُجِير الدّين، والرئيس يَقُولُ: إنّني ما قصدتُ بنزولي هنا طلبا لمحاربتكم، وإنّما دعاني كثرة شكاية أهل حَوْران والعُرْبان. أخذت أموالهم وأولادهم، ولا ينصرهم أحد فلا
стр. 17469
يَسَعني مَعَ القُدرة عَلَى نُصْرتهم القعودُ عَنْهُمْ، مَعَ عِلْمٍ بعجزكم عَنْ حِفْظ أعمالكم والذّبّ عَنْهَا، والتّقصير الّذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج عَلَى محاربتي، وبذلكم لهم أموالَ الضعفاء من الرَعيَّة ظُلْمًا وتَعَدِّيًا. ولا بدّ من المعونة بألف فارس يُجَرَّد مَعَ مقدَّمٍ لتخليص ثغر عسقلان وغيره.
فكان الجواب: لَيْسَ بيننا وبينك إلّا السّيف. فكثر تعجُّب نور الدّين، وأنكر هذا، وعزم عَلَى الزَّحْف إلى البلد، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته من ذَلكَ [١] .
ثمّ تقرَّر الصُّلْح في أوّل سنة خمسٍ وأربعين، فإنّ نور الدّين أشفق من سفْك الدّماء، فبذلوا لَهُ الطّاعة، وخطبوا لَهُ بجامع دمشق بعد الخليفة والسّلطان، وحلفوا لَهُ. فخلع نور الدّين عَلَى مجير الدّين خِلْعةً كاملة بالطَّوْق، وأعاده مكرّما، محتَرَمًا. ثمّ استدعى الرئيس إلى المخيَّم، وخلع عَلَيْهِ، وخرج إِلَيْهِ المقدَّمون، واختلطوا بِهِ، وردّ إلى حلب [٢] .
[مضايقة الملك مسعود تلّ باشر]
وجاء الخبر بأنّ الملك مسعود نزل عَلَى تلّ باشِر وضايقها [٣] .
[عودة الحُجّاج وما أصابهم]
ثمّ قدِم حُجّاج العراق وقد أُخِذوا، وحكوا مُصِيبةً ما نزل مثلُها بأحدٍ. وكان رَكْبًا عظيما من وجوه خُراسان وعُلمائها، وخواتين الأمراء خلْق. فأُخِذ جميع ذَلكَ، وَقُتِلَ الأكثر، وسَلِم الأقل، وهُتكَت الحُرَم، وهلك خلْقٌ بالجوع والعطش [٤] .
стр. 17470
[رحيل مسعود عَنْ تلّ باشر]
وأمّا مسعود، فإنّه ترحّل عَنْ تلّ باشِر [١] .
[مصالحة مجاهد الدين لصاحب دمشق]
وتوجّه مجاهد الدّين بُزَان إلى حصن صرْخد، وهو لَهُ، لترتيب أحواله.
وعرضت لَهُ نَفْرَةٌ من صاحب دمشق ورئيسها، ثمّ طُلِب، واصطلحوا عَلَى شرط إبعاد الحافظ يوسف عَنْ دمشق، فأُبعِد، فقصد بَعْلِبَكّ، فأكرمه متولّيها عطاء [٢] .
[اتصال الخلاف في مصر]
وأمّا مصر، فالأخبار واصلة بالخُلْف المستمرّ بين وزيرها ابن مصال، وبين المظفّر ابن السّلار عَلَى الأمر، فسكنت الفتنة. ثمّ ثار الْجُنْد، وجَرَت أمور، وقتل جماعة. نسأل الله العافية [٣] .
стр. 17471
سنة خمس وأربعين وخمسمائة
[الأخبار بما جرى عَلَى الركْب العراقي]
جاءت الأخبار بما جرى عَلَى رَكْب العراق. طمع فيهم أمير مكَّة، واستهون بقَيْماز، وطمعت فيهم العرب، ووقفوا يطلبون رسومهم، فأشار بذلك قَيْماز، فامتنع النّاس عَلَيْهِ، ولمّا وصلوا إلى الغرابيّ خرجت عليهم العرب، فأخذوا ما لا يُحصى، حتّى أنّه أُخِذ من خاتون أخت السّلطان مسعود ما قيمته مائة ألف دينار. وذهب للتّجار أموال كثيرة. واستَعْنَتَ العربُ، وتمزَّق النّاس، وهربوا مُشاةً في البرّيَّة، فمات خلْقٌ جوعا وَعَطَشًا وَبَرْدًا، وطلى بعض النّساء أجسادهنّ بالطِّين ستْرًا للعورة. وتوصّل قَيْماز في نفرٍ قليل [١] .
[الصلح بين نور الدين ومجير الدين]
وفيها كَانَ الصُّلْح. فإنّ نور الدّين نازل دمشق وضايقها، ثمّ اتقى اللَّه في دماء الخلْق، وخرج إِلَيْهِ مُجير الدّين أَبق صاحب البلد، ووزيره الرئيس ابن الصّوفيّ، وخلع عليهما، ورحل إلى حلب والقلوب معه لِما رَأَوْا من دينه [٢] .
стр. 17472
[مطر الدم باليمن]
قَالَ ابن الجوزيّ: وجاء في هذه السّنة باليمن مطر كلُّه دم، وصارت الأرض مرشوشة، وبقي أثره في ثياب النّاس [١] .
[دفاع الموحّدين عَنْ قرطبة]
وفيها جهَّز عبد المؤمن بْن عليّ ثاني مرَّة جيشا من الموحّدين في اثني [٢] عشر ألف فارس إلى قُرْطُبة، لأنّ الفرنج نازلوها في أربعين ألفا ثلاثة أشهر، وكادوا أن يملكوها، فكشف عَنْهَا الموحّدون، ولَطَفَ اللَّه [٣] .
[مرض خاصّ بك ومعافاته]
وفيها مرض ابن البلنكريّ، وهو خاصّ بك التُّركمانيّ أتابك جيش السّلطان مسعود. فلمّا عوفي أسقط المُكُوس.
[وفاة مختص الحضرة]
ثمّ مات بعد أيّام ببغداد مختصّ الحضرة مكس البلد، وكان يبالغ في أذى الخلْق ويقول: أنا قد فرشت حصيرا في جهنّم [٤] .
стр. 17473
سنة ستّ وأربعين وخمسمائة
[وعْظ ابن العبّادي بجامع المنصور]
قدِم السّلطان بغداد في رمضان، وسأل الواعظ ابن العبّاديّ أن يجلس في الجامع المنصور. فقيل لَهُ: لا تفعل، فإنّ أهل الجانب الغربيّ [لا] [١] يمكّنون إلّا الحنابلة. فلم يقبل، وضمن لَهُ نقيب النُّقباء الحماية. فجلس في ذي الحجَّة يوم جمعة، وحضر أستاذ دار، والرؤساء، وخلائق، فلمّا شرع في الكلام كثُر اللَّغط والضّجّات، ثمّ أُخِذت عمائم وفُوَط، وجُذِبت السّيوف حول ابن العبَّاديّ، فثبت، وسكن النّاس. ثمّ وعظ [٢] .
[أسْرُ جوسلين]
وفيها أسر نور الدّين جوسلين فارس الفرنج وبَطَلَها المشهور، وأخذ بلاده، وهي عزاز، وعينتاب، وتلّ باشر [٣] .
стр. 17474
ومن سنة ستّ وأربعين وخمسمائة
[تحشُّد عساكر نور الدين قرب دمشق]
في عاشوراء نزل عسكر نور الدّين بعَذْرا ونواحيها، ثمّ قصد من الغد طائفةٌ منهم إلى ناحية النَّيْرَب [١] والسَّهْم، وكمنوا عند الجبل لعسكر دمشق، فلمّا خرجوا جاءهم النذير، فانهزموا إلى البلد وسَلِمُوا. وانتشرت العساكر الحلبيَّة بنواحي البلد، واستؤصلت الزُّرُوع والفاكهة من الأَوْباش، وغَلَت الأسعار.
وتأهّبوا الحفظ البلد. فجاءت رُسُل نور الدّين يَقُولُ: أَنَا أؤثر الإصلاح للرعيَّة وجهاد المشركين، فإنْ جئتم معي في عسكر دمشق وتعاضدْنا عَلَى الجهاد، فذلك المراد.
فلم يُجِيبوه بما يُرضيه، فوقعت مناوشة بين العسكرين، ولم يزحف نور الدّين رِفْقًا بالمسلمين. ولكنْ خربت الغُوطة والحواضر إلى الغاية بأيدي العساكر وأهل الفساد، وعُدِم التّبْن، وعظُم الخطْب، والأخبار متوالية بإحشاد الفرنج، واجتماعهم لإنجاد أهل البلد. فضاقت صدور أهل الدّين. ودام ذَلكَ شهرا، والجيش النُّوريّ في جمْع لا يُحصَى، وأمداده واصلة، وهو لا يأذَن [٢] لأحد في التّسرُّع إلى القتال، ولكنْ جُرح خلق [٣] ، [٤] .
стр. 17475
[تحالف الفرنج وعسكر دمشق]
ثمّ ترحّل بهم إلى ناحية الأعوج لقرب الفرنج، ثمّ تحوّل إلى عين الجرّ [١] بالبقاع، فاجتمعت الفرنج مَعَ عسكر دمشق، وقصدوا بُصْرَى لمنازلتها، فلم يتهيّأ لهم ذَلكَ، وانكفأ عسكر الفرنج إلى أعمالهم، وراسلوا مجير الدّين والرئيس المؤيّد يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم عَلَى ترحيل نور الدّين، وقالوا: لولا نَحْنُ ما ترحّل [٢] .
[غزوة الأسطول الْمَصْرِيّ إلى سواحل الشام]
وورد الخبر بمجيء الأسطول المصريّ، إلى ثغور السّاحل في هيئة عظيمة وهم سبعون مركبا حربيَّة مشحونة بالرجال، قد أُنفِق عليها عَلَى ما قِيلَ ثلاثمائة ألف دينار. فقربوا من يافا، فقتلوا وأسروا، واستولوا عَلَى مراكب الفرنج، ثمّ قصدوا عكّا، ففعلوا مثل ذَلكَ، وقتلوا خلْقًا عظيما من حجّاج الفرنج، وقصدوا صيدا، وبيروت، وطرابُلُس، وفعلوا بهم الأفاعيل. ولولا شغل نور الدّين لأعان الأصطول. وقيل إنّه عرض عسكره، فبلغوا ثلاثين ألفا [٣] .
[مصالحة نور الدين وصاحب دمشق]
ثمّ عاد نحو دمشق، وأغارت جنوده عَلَى الأعمال، واستاقوا المواشي، ونزل بدارَيّا، فنوديَ بخروج الْجُنْد والأحداث، فقَلَّ من خرج، ثمّ إنّه قرُب من البلد، ونزل بأرض القَطِيعة، ووقعت المناوشة. فجاء الخبر إلى نور الدّين بتسلّم نائبة الأمير حسن تلّ باشر بالأمان، ففرح، وضُربت في عسكره الكوسات والبُوقات بالبشارة. وتوقّف عَنْ قتال الدّمشقيّين ديانة وتحرُّجًا [٢] .
وتردّدت الرسُل في الصُّلْح عَلَى اقتراحاتٍ تردّد فيها الفقيه برهان الدّين البلخيّ، وأسد الدين شيركوه، وأخوه، ثجم وقعت الأيمان من الجهتين، فرحل
стр. 17476
إلى بُصْرَى لمضايقتها، وطلب من دمشق آلات الحصار، لأنّ واليها سرخاك [١] قد عصى، ومال إلى الفرنج، واعتضد بهم، فتألَّم نور الدّين لذلك، وجهّز عسكرا لقصده [٢] .
[الوباء بدمياط]
وفيها كَانَ الوباء المُفْرِط بدِمْياط، فهلك في هذا العام والّذي قبله أربعة عشر ألفا، وخَلَت البُيُوت [٣] .
[استنابة مجير الدين بدمشق]
وفي شهر رجب سار صاحب دمشق مجير الدّين أبق في خواصّة إلى حلب، فأكرمه نور الدّين، وقرَّر معه تقريرات أقرَّ بها بعد أن بذل الطّاعة والنّيابة عَنْهُ بدمشق. ورجع مسرورا [٤] .
[هزيمة الفرنج أمام التركمان عند بانياس]
وفي شعبان فصدت التُّركمان بانياس، فخرجت الفرنج والتقوا، فعمل السّيف في العدوّ، وانهزم مقدَّمُهم في نفرٍ يسير [٥] .
[غارة الفرنج عَلَى البقاع]
وأغارت الفرنج عَلَى قُرى البقاع، فاستباحوها. فنهض عسكر من بَعْلَبَكّ وخلْق من رجال البقاع، فلحِقوا الفرنجَ وقد حبستهم الثّلوج، فقَتلوا خلْقًا من الفرنج، واستنقذوا الغنائم [٦] .
[فتح أنطرطوس]
وافتتح نور الدّين أنْطَرَطُوس في آخرها [٧] .
стр. 17477
سنة سبع وأربعين وخمسمائة
[فتح أنطرطوس وغيرها]
جاءت الأخبار بافتتاح أنْطَرَطُوس وقتل من بِها من الفرنج، وأُمِّن بعضُهم وافتتح نور الدّين عدَّة حصون صِغار. وظفر أهل عسقلان بفرنج غزَّة وقتلوا [١] .
[دخول نور الدين دمشق]
ومن سنة سبع وأربعين وخمسمائة، في أوّلها قدِم شيركوه رسولا من نور الدّين، فنزل بظاهر دمشق في ألف فارس، فوقع الاستيحاش منه، ولم يخرجوا لتلقِّيه. وتردّدت المراسلات، ولم يتّفق حال. ثمّ أقبل نور الدّين في جيوشه، فنزل ببيت الآبار وزحف عَلَى البلد، فوقعت مناوشة، ثمّ زحف يوما آخر، فلمّا كَانَ في عاشر صفر باكَرَ الزَّحف، وتهيَّأ لصدْق الحرب، وبرز إِلَيْهِ عسكر البلد، ووقع الطِّراد، وحملوا من الجهة الشّرقيّة من عدّة أماكن، فاندفعوا بين أيديهم، حَتَّى قربوا من سور باب كيسان والدّبّاغة، وليس عَلَى السّور آدميّ، لسوء تدبير صاحب دمشق، غير نفرٍ يسير من الأتراك لا يعوَّل عليهم، فتسرَع بعض الرَّجّالة إلى السّور، وعليه يهوديَّة، فأرسلت إِلَيْهِ حَبْلًا، فصعِد فيه، وحصل عَلَى السّور، ولم يدرِ بِهِ أحد، وتبِعه مَن تَبِعه، ونصبوا علما وصاحوا: نور الدّين يا منصور.
فامتنع الْجُنْد والرّعيّة من الممانعة محبّة في نور الدّين، وبادر بعض قطّاعي الخشب بفأسه، فكسر قفل الباب الشّرقيّ، فدخل العسكر. وفتح باب توما، ودخل الجند، وثمّ دخل نور الدّين، وسرّ الخلق.
стр. 17478
ولمّا أحسّ مجير الدّين بالغَلَبَة، انهزم إلى القلعة، وطلب الأمان عَلَى نفسه وماله، ثمّ خرج إلى نور الدّين، فطيَّب قلبه، وتسرّع الغوغاء إلى سوق عليّ وغيره، فنهبوا، فنودي في البلد بالأمان.
وأخرج مجير الدّين ذخائره وأمواله من القلعة إلى الأتابكيَّة دار جَدّه، ثمّ تقدَّم إِلَيْهِ بعد أيّام بالمسير إلى حمص في خواصّه، وكتب لَهُ المنشور بها [١] .
[إطلاق بُزان من الاعتقال]
وقد كَانَ مجاهد الدّين بُزَان قد أُطلق يوم الفتح من الاعتقال، وأُعيد إلى داره [٢] .
[وفاة ابن الصوفي]
ووصل الرئيس مؤيَّد الدّين المسيّب ابن الصُّوفيّ إلى دمشق متمرّضا، فمات ودُفن في داره. وفرح النّاس بهلاكه [٣] .
[وفاة السلطان مسعود]
وفيها جاءت الأخبار بموت السّلطان مسعود بباب هَمَذَان.
وذكر ابن هُبيْرة في «الإفصاح» قَالَ: لمّا تطاول عَلَى المقتفي أصحابُ مسعود، وأساءوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة. اتّفق الرأي عَلَى الدّعاء عَلَيْهِ شهرا، كما دعا النّبيّ ﷺ عَلَى رِعْل وذكْوان شهرا [٤] ، فابتدأ هُوَ والخليفة سرّا، كلّ واحدٍ في موضعه يدعو سَحَرًا، من ليلة تسعٍ وعشرين من جُمادى الأولى، واستمرّ الأمر كلّ ليلةٍ، فلمّا تكمّل الشّهر، مات مسعود عَلَى سريره، لم يزد عَلَى الشّهر يوما، ولا نقص يوما، فتبارك الله ربّ العالمين [٥] .
стр. 17479
[سلطنة ملك شاه]
واتّفق العسكر على سلطنة ملك شاه، وقام بأمره خاصّ بك. ثمّ إنّ خاصّ بك قبض على ملك شاه، وطلب أخاه محمدا من خُوزسْتان، فجاءه وسلَّم إِلَيْهِ السَّلْطَنة. فلمّا استقرّ قتل خاصّبك [١] .
[هرب شحنة بغداد]
وهرب شِحنةُ بغداد لمّا سَمِعَ بموت مسعود. وأمر الخليفة: أيّ مَن تخلَّفَ من الجّنْد عَن الخدمة أُبيح دمَه [٢] .
[تدريس ابن النظام]
وأمر الخليفة ابن النّظام أن يمضي إلى مدرستهم، ويدرّس بها من جهة السّلطان [٣] .
стр. 17480
[القبض عَلَى الحَيْص بَيْص]
وقبضوا عَلَى الحَيْص بَيص، وأخرجوه من بيته حافيا مُهانًا، وحُبس في حَبس اللُّصوص [١] .
[ضرب أَبِي النجيب وحبْسه]
ثمّ أُحضِر الشّيخ أبو النجيب إلى باب النّوبيّ، وكُشِف رأسُه، وضُرِب خمسَ دِرَر، ثمّ حُبس [٢] .
[أخْذُ البديع الصوفي]
ثمّ أُخذ البديع الصُّوفيّ الواعظ صاحب أَبِي النّجيب، واتُّهم بالرَّفْض، فَشُهِّر وصُفِع [٣] .
[احتفالات بغداد بالخليفة]
وبلغَ الخليفةَ أنّ في نواحي واسط تخبيطا، فسار بعسكره وراءه النّاس، وسار إلى واسط، فرتّب بها شِحنةً، ثمّ مضى إلى الحِلَّة، والكوفة، ثمّ عاد إلى بغداد مؤيَّدًا منصورا، فغُلِّقت بغداد، وزيّنت، وعملت القباب، وعمل الذَّهبيّون بباب الخان العتيق قُبَّة، عليها صورة مسعود، وخاصّ بك، وعبّاس، بحَرَكاتٍ تدور، وعُملت قباب عديدة عَلَى هذا النّموذج. وانطلق أهل بغداد في اللّعب والخبال، واللَّهْو إلى يوم عيد النَّحْر [٤] .
[ظهور الغوريَّة وامتلاكهم بلْخًا وغَزْنَة]
وفيها كَانَ خروج الغُوريَّة، وحاربهم السّلطان سَنْجَر. وملكهم حسين بْن حسين ملك جبال الغور، وهي من أعمال غَزْنَة. فأوّل ما ملكوا بلْخ، فقاتل سَنْجَر، وأسره وعفا عَنْهُ وأطلقه، فسار حسين إلى غَزْنَة، وملكها بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بْن سُبُكْتِكِين، فانهزم من غير قتال،
стр. 17481
وتسلّم علاء الدّين حسين الغوري غَزْنَة، واستعمل عليها أخاه سيف الدّين، وردّ إلى الغور. فلمّا جاء الشّتاء قدِم بهرام، وقام معه أهل غَزْنَة، فقبض عَلَى سيف الدّين وصَلَبَه [١] .
[وفاة بهرام شاه]
ثمّ لم يلبث بهرام شاه أن مات [٢] .
[تلقُّب علاء الدين بالسلطان المعظّم]
فأقاموا بعده ولده خسرو شاه، فقصده علاء الدّين حسين، فهرب منه إلى الهاوور سنة خمسين، وملك علاء الدّين غَزْنَة، ونهبها ثلاثة أيّام، وقتل جماعة وبدّع، وتلقّب بالسّلطان المعظَّم. وشال الجتْرَ فوق رأسه عَلَى عادة السّلاطين السَّلْجوقيَّة، واستعمل ابنَيْ أخيه، وهما غياث الدّين أبو الفتح محمد بْن سام، وأخوه السّلطان شهاب الدّين أبو المظفّر محمد، فأحسنا السّيرة في الرَّعية، وأحبّهما النّاس، وانتشر ذكرها، وطال عُمرهما، وملكا البلاد.
[عصيان ابني الأخ عَلَى السلطان]
وأوّل أمرهما أنّهما أظهرا عصيان عمّهما، فبعث إليهما جيشا فهزموه، فسار بنفسه إليهما والتقوا، فأسر عمّهما علاء الدّين فأحسانا إِلَيْهِ، وأجلساه عَلَى التَّخْت، ووقفا في الخدمة، فبكى وقال: هذان صبيّان فعلا ما لو قدرت عَلَيْهِ منهما لم أفعلْه. وزوَّجَ غياثَ الدّين بابنته، وفوَّض إِلَيْهِ الأمورَ من بعده، فلمّا مات استقلّ غياث الدّين بالملك.
ثمّ ملكت الغُزّ غَزْنَة خمس عشرة سنة، وعسفوا وظلموا مدَّة، ثمّ حاربهم غياث الدّين ونُصِر عليهم فافتتح البلاد، وأحسن، وعدل [٣] .
وكانت الغُزّ تركمان ما وراء النّهر.
стр. 17482
[رواية ابن الأثير عَن الغُزّ]
قَالَ ابن الأثير: لمّا تملّكت الخِطَا ما وراء النَّهر، طردوا الغُزّ، فنزلوا بنواحي بلْخ عَلَى مراعيها، واسم مقدَّميهم: دينار، وبختيار، وطوطي، وأرسلان، وجقر، ومحمود، فأراد قُماج نائب سَنْجَر عَلَى بلْخ إبعادهم، فصانعوه، وبذلوا لَهُ مالا، وأقاموا عَلَى حالةٍ حسنة لا يُؤْذون ويقيمون الصّلاة، ويؤتون الزّكاة. ثمّ عاودهم قماج، وأمرهم بالترَّحُّل، فامتنعوا وتجمّعوا، فخرج قماج إليهم في عشرة آلاف، فهزموه، ونهبوا عسكره وأمواله، وأكثروا القتل في العسكر والرّعايا، وأسروا النّساء والأطفال، وقتلوا الفُقهاء، وعملوا العظائم، وخرّبوا المدارس، وانهزم قماج إلى مَرْو.
وأرسل السّلطان سَنْجَر يتهدّدهم، فاعتذروا، وبذل لَهُ مالا، فلم يُجِبْهم، وجمع عساكر من النّواحي، فاجتمع معه ما يلزمه عَلَى مائة ألف فارس، والتقاهم فهزموه، وتبِعوا عسكره قتْلًا وأسْرًا، فصارت قتلى العسكر كالتّلال.
وَقُتِلَ الأمير علاء الدّين قماج وأُسِر السّلطان وجماعة من أمرائه، فضربوا رقاب الأمراء. ونزل أمراء الغُزّ، فقبّلوا الأرض بين يدي سَنْجَر، وقالوا: نَحْنُ عبيدك، ولا نخرج عن طاعتك، مفقد علِمنا أنّك لم تُرِدْ قتالنا، وإنّما حُمِلتَ عَلَيْهِ، فأنت السّلطان، ونحن العبيد، فمضى عَلَى ذَلكَ شهران أو ثلاثة، ودخلوا معه إلى مرْو، وهي كرسيّ المُلْك، فطلبها منه بختيار إقطاعا، فقال: هذه دار المُلْك، لا ينبغي أن يكون إقطاعا لأحد. [١] فصفا لَهُ وأخذه، فلمّا رأى ذلك، ونزل عَنْ سريره، ثمّ دخل خانكاه مرْو، وتاب من الملك، واستولى الغُزّ عَلَى البلاد، وظهر من جورهم ما لم يُسمع بمثله، وولّوا عَلَى نَيْسابور واليا، فعلّق في السّوق ثلاث غرائر، وقال: أريد ملء هذه ذَهَبًا، فثار عَلَيْهِ العامَّة فقتلوه، وقَتلوا من معه، فركبت الغُزّ، ودخلوا بلد نَيْسابور، ونهبوها، وقتلوا الكبار والصّغار، وأحرقوها، وقتلوا القُضاة والعلماء في البلاد كلّها. ويتعذَّر وصْفُ ما جرى منهم عَلَى تِلْكَ البلاد، ولم يسلم منهم شيء سوى هراة ودهستان، فامتنعت بحصانتها.
стр. 17483
[قصَّة الغزّ برواية أخرى]
وساق بعضُهم قصَّة الغُزّ وفيها طُول.
قَالَ: وفارق السّلطان سَنْجَر جميعُ أمراء خُراسان، ووزيرهُ طاهرُ بْن فخر المُلْك بْن نظام المُلْك، ولم يبق غيرُ نَفَر يسيرٍ من خواصّه [١] ، فلمّا وصلت الأمراء إلى نَيْسابور، أحضروا سليمان شاه بْن محمد ملك شاه، فدخل نيسابور في جُمادَى الآخرة من سنة ثمانٍ وأربعين، وخطبوا لَهُ بالسَّلطنة، وساروا فوَاقعوا الغُزّ، وقتلوا منهم مقتلة. فتجمّعت الغُزّ للمصافّ، فلمّا التقى الْجَمْعان انهزم الخُراسانيّون يقصدون نَيْسابور، وتبِعَتْهم الغُزّ، ودخلوا طُوس، فاستباحوها قتْلًا وسبْيًا، وقتلوا إمامها محمد المارشكيّ، ونقيب العلويّين عليّا المُوسَويّ، وخطيبها إسماعيل بْن عبد المحسّن، وشيخ الشّيوخ محمد بْن محمد. ووصلوا إلى نَيْسابور سنة تسع وأربعين في شوّال، فلم يجدوا دونها مانعا، فنهبوها نهبا، وقتلوا أهلها، حتّى أنّه أُحْصيَ في محلّتين خمسة عشر ألف قتيل.
وكانوا يطلبون من الرجال المالَ، فإذا أعطاهم المال قتلوه. وقتلوا الفقيه محمد بْن يحيى الشّافعيّ، ورثاه جماعة من العلماء، وممّن قُتِلَ الشّيخ عبد الرحمن بْن عبد الصّمد الأكّاف الزّاهد، وأحمد بْن الحسن، والكاتب سِبْط القُشَيْريّ، وأبو البركات بْن الفُرَاويّ، والفقيه الصّبّاغ أحد المتكلّمين، وأحمد بْن محمد بْن حامد، وعبد الوهّاب المُولْقاباذيّ، والقاضي صاعد بْن عبد الملك بْن صاعد، والحسين بْن عبد الحميد الرّازيّ، وخلْق.
وأحرقوا ما بها من خزائن الكُتُب، فلم يسْلَم إلّا بعضُها، وفعلوا ما لا يفعله الكُفّار، وانحلّ أمر السّلطان بالكُلّية، فاجتمع الأمراء، وراسلوا محمود بْن محمد ابن أخت السّلطان سَنْجَر، وخطبوا لَهُ بخُراسان، وأحضروه وملّكوه، وانقادوا لَهُ في شوّال سنة تسعٍ. وساروا معه إلى الغُزّ، وهم يحاصرون هَرَاة، فَجَرت بينهم حروب في أكثرها الظَّفَر للغُزّ. وكان لسَنْجَر مملوك أي أَبَه، ولَقَبُه المؤيَّد، استولى عَلَى نَيْسابور، وطوس، ونَسَا، وأَبِيوَرْد، وأزاح الغزّ، وقتل منهم
стр. 17484
خلْقًا، وأحسن السّيرة، وعظُم شأنُه، وكُثر جَمْعُه، والتزم بحمل مالٍ إلى خاقان محمود بْن محمد بن أخت سَنْجَر.
[أخذ الفرنج عسقلان]
قَالَ ابن الأثير [١] : وفيها أخذت الفرنج عسقلان، وكانت للظّاهر باللَّه وكان الفرنج كلّ سنةٍ يقصدونها ويحضرونها المصريّون، يرسلون إليها الأسلحة والذّخائر والأموال. فلمّا قُتِلَ ابن السّلار في هذا العام اغتنم الفرنج اشتغالَ المصريّين، ونازلوها، وجدّوا في حصارها، فخرج المسلمون وقاتلوهم وطردوهم، فأيسوا مِن أخْذها، وعزموا عَلَى الرحيل عَنْهَا، فأتاهم الخبر بأنّ أهلها قد اختلفوا، وذلك لأنّهم لمّا قهروا الفرنج داخَلَهُم العجب، وادعى كلّ طائفة أنّ النُّصْرة عَلَى يده، ووقع بينهم خصامٌ عَلَى ذَلكَ، حتّى قُتِلَ بينهم رَجُل، فعظُمت الفتنة، وتفاقم الشّرّ، وتجادلوا، فقُتل بينهم جماعة، وزحفت الفرنج في الحال، فلم يكن عَلَى السّور من يمنعهم، فملكوا البلد، [٢] فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون.
стр. 17485
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
[خروج الغُزّ عَلَى السلطان سنجر]
فيها خرجت التُّرك عَلَى السّلطان سَنْجَر، وهم الغُزّ، يدينون بالإسلام في الجملة، ويفعلون فِعل التّتار. وكان بينهم ملحمة عظيمة، فكُسِر سَنْجَر، واستُبيح عسكره قتْلًا وأسْرًا، ثمّ هجمت الغُزّ نَيْسابور، فَقُتِلَ معظم من فيها من المسلمين، ثمّ ساروا إلى بلْخ، فملكوا البلد، وكانت عدّتهم فيما قِيلَ مائة ألف خرْكاه. ثمّ أسروا سَنْجَر وأحاطوا بِهِ، وذاق الذّلّ، وملكوا بلاده، وبَتّوا الخطبة باسمه وقالوا: أنت السّلطان ونحن أجنادُك، ولو أمِنَّا إليك لمكّناك من الأمر، وبقي معهم صورة بلا معنى [١] .
[محاصرة عسكر المقتفي تكريت]
وبعث المقتفي عسكرا يحاصرون، تِكْريت، فاختلفوا، وخامر ترشك المقتفويّ، واتّفق مَعَ متولّي تِكْريت، وسلكوا درْب خُراسان، ونهبوا وعاثوا، فخرج الخليفة لدفْعهم، فهربوا، فسار إلى تِكْريت، وشاهد القلعة ورجع، ثمّ برز السّرادق للانحدار إلى واسط لدفع ملك شاه، فانهزم إلى خوزستان، فنزل
стр. 17486
الخليفة بظاهر واسط أيّاما، ورجع إلى بغداد [١] .
[نجاة الوزير ابن هُبيرة من الغرق]
وسلِم يوم دخوله الوزير ابن هُبَيْرة من الغَرَق، وانفلقت السّفينة الّتي كَانَ فيها، وغاصوا في الماء، فأعطى للّذي استنقذه ثيابه، ووقّع لَهُ بذَهَبٍ كثير [٢] .
[مقتل ابن السلار]
وفيها قُتِلَ العادل عليّ بْن السّلار بمصر [٣] .
[تسلُّم الغوريّ هَرَاة]
وفيها حاصر الملك غياث الدّين الغُوريّ مدينة هَرَاة، وتسلّمها بالأمان، وكانت للسّلطان سَنْجَر [٤] .
[إصابة شهاب الدين الغوري أمام الهند]
وفيها سار شهاب الدّين الغُوريّ أخو غياث الدّين، فافتتح مدينة من الهند، فتحزَّبت عَلَيْهِ ملوك الهند، وجاءوا في جيشٍ عرمرم، فالتقوا، فانكسر المسلمون. وجاءت شهابَ الدّين ضربةٌ في يده اليُسرى بطُلت منها، وجاءته ضربةٌ أخرى عَلَى رأسه فسقط. وحَجَزَ اللّيل بين الفريقين، والتُمس شهاب الدّين بين القتلى، فحمله أصحابه ونجوا بِهِ، فغضب عَلَى أُمرائه لكونهم انهزموا، وملأ لكلّ واحدٍ منهم مِخْلاة شعير، وحلف لئن [٥] لم يأكلوا ليضربنّ
стр. 17487
أعناقهم، فأكلوا بعد الْجَهْد. ثمّ نجده أخوه بجيشٍ ثقيل، فالتقى الهندَ ونُصِر عليهم [١] .
[رواية ابن الأثير عَنْ محاربة الهنود لشهاب الدين]
قَالَ ابن الأثير [٢] : عاد الهنود، وسارت ملكتهم في عددٍ يضيق عَنْهُ الفضاء، فراسلها شهاب الدّين الغوريّ بأنّه بتزوّجها، فأبت، فبعث يخادعها، وحفظ الهنود المخاضات. فأتى هنديّ إلى شهاب الدّين، فذكر أنّه يعرف مخاضة، فجهَّز جيشا عليهم حسين بْن حرملك الغوريّ الّذي صار صاحب هَرَاة بعد.
وكان شجاعا مذكورا. فسَاروا مَعَ الهنديّ، وكبسوا الهنود، ووضعوا فيهم السّيف، واشتغل الموكّلون بحفْظ المخاضات، فعبر شهاب الدّين في العسكر، وأكثروا القتل في الهنود، ولم ينج منهم إلّا من عجز المسلمون عَنْهُ. وقُتِلت ملكتهم. وتمكّن شهاب الدّين من بلاد الهند، والتزموا لَهُ بحمل الأموال وصالحوه. وأقطع مملوكه قُطْب الدّين أَيْبَك مدينة دهلي، وهي كرسيّ مملكة الهند، وجهّز جيشا، فافتتحوا مواضع ما وصل إليها مسلمٌ قبل، حتّى قاربوا لجهة الصّين [٣] .
[تسلّم مجير الدين مفاتيح صرْخد]
ومن سنة ثمانٍ وأربعين، وفي صفر توجّه صاحب دمشق مُجير الدّين، ومعه مؤيَّد الدّين الوزير، فنازل بُصْرى لمخالفته وجوره عَلَى أهل النّاحية، وسلّم إِلَيْهِ مجاهد الدّين مفاتيح صَرْخَد، فأعطاه جملة. ثمّ صالحة سرخَاك نائب بُصْرَى.
[أخْذ الفرنج عسقلان]
وجاءت الأخبار بأنّ نور الدّين يجمع الجيوش للغزو، وليكشف عَنْ أهل عسقلان، فإنّ الفرنج نزلوا عليها في جمْعٍ عظيم، فتوجّه مُجير الدّين صاحب دمشق إلى خدمة نور الدّين، واجتمع بِهِ في أمر الجهاد، وساروا إلى بانياس،
стр. 17488
فبلغهم أخُذُ عسقلان وتخاذُل أهلها واختلافهم [١] .
[الوزارة بدمشق]
وقد مرّ شرح حال الرئيس وتمكَنه من وزارة دمشق، فعرض الآن بينه وبين أخويه عزّ الدّولة وزين الدّولة مشاحنات وشرّ أفضى إلى اجتماعهما بمجير الدّين صاحب دمشق، فأنفذ يستدعي الرئيس للإصلاح بينهم، فامتنع، فآلت الحال إلى أن تمكّن زين الدّولة منه بإعانة مُجير الدّين عَلَيْهِ، فتقرّر بينهما إخراج الرئيس من دمشق، وجماعته إلى قلعة صَرْخد مَعَ مجاهد الدّين بُزان، وتقلّد زين الدّولة الوزارة. فلم يلبث إلّا أشهرا، فظلم فيها وعسف، إلى أن ضرب عنقَه مجيرُ الدّين، وردّ أمرَ الرئاسة والنّظر في البلد إلى الرئيس رضيّ الدّين أَبِي غالب بْن عبد المنعم بْن محمد بْن راشد بْن عليّ التّميميّ.
فاستبشر النّاس قاطبة.
[الغلاء بدمشق]
وكان الغلاء بدمشق شديد، بلغت الغرارة خمسة وعشرين دينارا، ومات الفقراء عَلَى الطُّرُق، فعزم نور الدّين عَلَى منازلتها، وطمع لهذه الحال في تملُّكها [٢] .
[رئاسة رضيّ الدين التميمي]
وأمّا رضِيّ الدّين التّميميّ، فإنّه طُلِب إلى القلعة، وشُرف بالخِلَع
سنة تسع وأربعين وخمسمائة
[حصار تكريت]
فيها نفذ الخليفة عسكرا، فما أخذوا تِكْريت بعد حصار ومجانيق وتعب، وَقُتِلَ من الفريقين عدَّة، ثمّ رَأَى الخليفة أنّ أخْذها يطول، فرجع بعد أن نازلَها مدَّةَ أيّام. ثمّ بعد شهر عرض جيشه، فكانوا ستَّة آلاف، فجهّزهم لحصارها مَعَ الوزير ابن هبيرة، وأنفق في الجيش نحو ثلاثمائة ألف دينار، سوى الإقامة، فإنّها كانت تزيد عَلَى ألف كرّ، فوصل الخبر بأنّ مسعود بلال جاء في عسكرٍ عظيم إلى شهرابان، ونهبوا النّاس. وطلب ابن هُبيرة للخروج إليهم [١] .
[موقعة الخليفة والسلطان]
وكان مسعود بلال [٢] وألْبقش قد اجتمعا بالسّلطان محمد، وحثّاه عَلَى قصْد العراق، فلم يتهيّأ لَهُ، فاستأذناه في التّقدُّم أمامه، فأذِن لهما، فجمعا خلْقًا من التُّركمان ونزلا في طريق خُراسان، فخرج الخليفة إليهما، فتنازلوا [٣] ثمانية عشر يوما، وتحصّن التُّركمان بالخركاوات والمواشي. ثمّ كانت الوقعة في سلْخ رجب، فانهزمت ميسرة الخليفة وبعض القلب، كسرهم مسعود الخادم، وتُرْشك. وثبت الخليفة، وضربوا عَلَى خزائنه، وقتلوا خازنه يحيى بْن يوسف
стр. 17491
الْجَزَريّ، فجاء منكورس [١] ، وأمير آخر، فقبّلا الأرض، وقالا: يا مولانا، ثبت علينا ساعة حتّى نحمل. فقال: لا والله إلّا معكما. ورفع الطّرحة، وجذب السّيف، ولبس الحديد هُوَ وولّى العهد وكُبّرا، وصاح الخليفة: يالَ مُضَر، كذب الشّيطان وفرّ، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ٣٣: ٢٥ [٢] ثلاثة. فحمل العسكر بحملته [٣] ، ووقع القتْل، حتّى سُمِع وقْع السّيوف كوقْع المطارق عَلَى السّنادين، وانهزم القوم وسُبِيَ التّركمان، وأُخِذت مواشيهم وخَيْلهم، فقيل: كانت الغنم أربعمائة ألف رأس، وبيعت كلّ ثمانين بدانق [٤] .
ثمّ نُودي بردّ من سُبيَ من أولادهم، وأخذ ألْبقشُ أرسلان شاه بْن طُغْرُل، وهرب بِهِ إلى بلده، وانهزم تُرْشك، ومسعود الخادم إلى القلعة. ثمّ أغارا بعد أيّامٍ عَلَى واسط، ونهبوا ما يختصّ بالوزير ابن هبيرة فر [جع] الخليفة إلى القتال، فخرج بالعسكر، فانهزم العدوّ، فأدركهم، ونهب منهم، وعاد منصورا، فخلع عَلَيْهِ الخليفة، ولَقَّبه: سلطان العراق، ملك الجيوش. وعرض الجيش في أُبَّهَة كاملة [٥] .
[زلزلة بغداد]
ولمّا كَانَ يوم الفِطْر، جاء مطرٌ، ورعدٌ، وبرق، وزُلْزِلت بغداد من شدَّة الرّعد. ووقعت صواعق، منها صاعقة في التّاج المسترشديّ [٦] .
[موت ألبقش]
وجاءت الأخبار بمجيء محمد شاه، وبإيفاده إلى عسكر الموصل
стр. 17492
يستنجدهم، وإلى مسعود بلال صاحب تِكْريت يستنجد بِهِ، فأخرج الخليفة سُرَادقه، واستعرض الجيش، فزادوا عَلَى اثني عشر ألف فارس، فجاء الخبر بموت ألْبقش، فضعُف محمد شاه وبَطَل، فتسحّب جماعة من أمرائه، ولجئوا إلى الخليفة. وحصل الأمن [١] .
[التجريد إلى همذان]
ثمّ جرّد الخليفة ألفي فارس إلى جهة همذان [٢] .
[ظهور دم بنواحي واسط]
وفيها حديث بنواحي واسط ظهورُ دمٍ من الأرض، لا يُعلم لَهُ سبب [٣] .
[حال السلطان سنجر في الأسر]
وجاءت الأخبار أنّ السّلطان سَنْجَر تحت الأسر وتحت حكْميَّة الغُزّ، وله اسم السّلطنة، وراتبه في قدْر راتب سائسٍ من سيّاسه، وأنّه يبكي عَلَى نفسه [٤] .
[دخول الغُزّ مرو]
ودخلت الغُزّ مرو وغيرها، فقتلوا خلْقًا، ونهبوا، وبدّعوا [٥] .
[مقتل الظافر العُبَيديّ]
وفيها قُتِلَ بمصر خليفتُها الظّافر باللَّه العُبَيْديّ وهو شابّ، وأقاموا الفائز صبيّا صغيرا، ووهى أمر المصريّين [٦] .
стр. 17493
[ولاية نور الدين مصر]
فكتب المقتفي لأمر اللَّه عهدا لنور الدّين محمود بْن زنْكيّ، وولّاه مصر، وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج، وهو لا يفتر من الجهاد، وما له إلّا أيّاما قد تملّك دمشق في صَفَر، وأخذها من صاحبها مجير الدّين أبق بْن محمد بْن بوري بْن طُغْتِكين.
[أخْذ نور الدين دمشق]
وكانت الفرنج قد ملكوا عسقلان، وطمعوا في دمشق، حتّى أنّهم استعرضوا مَن بها مِن الرّقيق، فمن أراد المُقام تركوه، ومن أراد العَوْد إلى وطنه أُخِذ قهرا من مالكه. وكان لهم عَلَى أهلها كلّ سنة قطيعة، فتجيء رُسُلُهم ويأخذون من النّاس. فراسل نور الدّين مالكها مجير الدّين واستماله، وواصَلَه بالهدايا، وأظهر لَهُ المودَّة حتّى رَكَن إِلَيْهِ، وكان يرسل إِلَيْهِ أنّ فلانا قد بعث إليَّ وكاتبني في تسلُّم دمشق فاحْذَرُه. فكان مجير الدّين يقبض عَلَى ذَلكَ الرجل، ويقطع خبره، إلى أن قبض عَلَى نائبة عطاء بْن حَفّاظ وقتله.
وكان نور الدّين لا يتمكّن مَعَ وجود عطاء من أخْذ دمشق. ثمّ كاتب نور الدّين مَن بدمشق من الأحداث، واستمالهم، ووعدهم، ومنّاهم، فوعدوه بأن يسلّموا إِلَيْهِ البلد، فلمّا وصل نور الدّين إلى دمشق بعث مجير [١] الدّين يستنجد بالفرنج، فتسلّم نور الدّين البلد من قبل أن يَقْدَمُوا، وذلك أنّ نور الدّين حاصرها، فسلّم إِلَيْهِ أهل البلد من ناحية الباب الشّرقيّ، وحصر مجير الدّين في القلعة، وبذل لَهُ إنْ سلّم القلعةَ بلدَ حمص، فنزل، فلمّا سار إلى حمص أعطاه
стр. 17494
عِوَضَها بالِس، فغضب ولم يرض بها، وسار إلى بغداد، فبقي بها مدَّةً، وبنى بها دارا فاخرة بقرب النّظاميَّة [١] .
[انهزام الإسماعيلية أمام الخراسانيين]
وفيها ثارت الإسماعيليَّة، واجتمعوا في سبعة آلاف مقاتل من بين فارسٍ وراجل، وقصدوا خُراسان ليملكوها عند ما ينزل بها من الغُزّ، فتجمَع لهم أمراء من جُنْد خُراسان، ووقع المصافّ، فهزم اللَّه الإسماعيليّة، وقتل رءوسهم وأعيانهم، ولم ينج منهم إلّا الأقلّ. وخَلَت قَلاعهم مِن الحُماة. ولولا أنّ عسكر خُراسان كانوا مشغولين بالغُزّ لَمَلكوا حصونهم، واستأصلوا شأفتهم [٢] .
стр. 17495
سنة خمسين وخمسمائة
[دخول الغُزّ نيسابور]
من أوّلها جاءت الأخبار إلى بغداد بدخول الغُزّ التّركُمان نيْسابور، والفتْك بأهلها، فقتلوا بها نحْوًا من ثلاثين ألفا، وكان سنجر معهم، وعليه اسم السّلْطَنَة، وهو في غاية الإهانة بين الغُزّ، ولقد أراد يوما أن يركب، فلم يجد من يحمل سلاحه، فشدّه عَلَى وسَطَه، وإذا قُدّم إِلَيْهِ الطّعام خبّأ منه شيئا لوقت آخر، خوفا من انقطاعه عنه [١] .
[الواقعة بين عسكر التركماني وعسكر الخليفة]
كانت وقعة بين العسكر التُّركمانيّ وبين عسكر الخليفة، فهزموه وتبِعوه، ثمّ خرج لهم كمينٌ فهزمهم، ثمّ أذعن بطاعة الخليفة، وأطلق الأسرى [٢] .
[دخول المقتفي الكوفة]
وفيها سار المقتفي إلى الكوفة، واجتاز في سوقها، ودخل جامعها [٣] .
[مسير ابن رزّيك إلى القاهرة]
وفي أوّلها سار الصّالح طلائع بْن رُزّيك من الصّعيد عَلَى قصْد القاهرة للانتقام من عبّاس صاحب مصر الّذي قتل الظّافر باللَّه. فلمّا سمع مجيئه خرج
стр. 17496
من مصر لقلَّة مَن بقي معه مِن الْجَنْد، وسار نحو الشّام بما معه من الأموال والتُّحف الّتي لا تُحصى، لأنّه كَانَ قد استولى عَلَى القصر، وتحكّم في ذخائره ونفائسه [١] .
[قتل الفرنج صاحب مصر]
فخرجت عَلَيْهِ الفرنج من عسقلان، فقاتلوه وقتلوه، واستولوا عَلَى جميع ما معه، وأسروا ابنه نصرا، وباعوه للمصريّين [٢] .
[دخول ابن رُزّيك القاهرة]
وأمّا طلائع فدخل القاهرة بأعلام مسوّدة، وثياب سود في هيئة الحزْن، وعلى الرّماح شعور النّساء مقطّعة حزْنًا عَلَى الظّافر. ثمّ نبش الظّافر من دار عبّاس، ونقله إلى مقبرة آبائه [٣] .
[هجوم إفرنج صقلّيّة عَلَى تِنّيس]
وجاءت مراكب الفرنج من صَقَلِّية، فأرسَوا عَلَى تِنِّيس وهجموها، فقتلوا وأسروا، وردّوا بالغنائم، وخاف أهل مصر من استيلاء الفرنج، فإنّا للَّه وإنّا إِلَيْهِ راجعون، حتّى عزم ابن رُزّيك وزيرُها عَلَى موادعة الفرنج بمالٍ يُحمل إِلَيْهِ من الخزانة، فأوكس ذلك الأمراء، وعزموا على عزله [٤] .
стр. 17497
[اشتداد شوكة المقتفي]
وأمّا المقتفي لأمر اللَّه، فإنّه عظُم سلطانه، واشتدّت شوكته، واستظهر عَلَى المخالفين، وأجمع عَلَى قصْد الجهات المخالفة لأمره [١] .
[تملّك نور الدين قلاعا بنواحي قونية]
وأمّا نور الدّين، فإنّه سار بجيشه، فملك عدَّة قلاع وحصون بالسّيف وبالأمان من بلاد الروم، من نواحي قونية، وعظمت ممالكه وَبَعُدَ صَيتُه، وبعث إِلَيْهِ المقتفي تقليدا، وأمر بالمسير إلى مصر، ولُقِّب بالملك العادل [٢] .
آخر الطبقة الخامسة والخمسين والحمد للَّه رب العالمين
стр. 17498
بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صبرا
[تراجم رجال هذه الطبقة]
[سنه احدى وأربعين وخمسمائة]
- حرف الألف -
١- أَحْمَد بْن حامد بْن أَحْمَد بْن محمود [١] .
الثقفيّ، أبو طاهر الأصبهانيّ، حفيد الشّيخ أَبِي طاهر.
تُوُفّي في هذه السّنة. قاله عبد الرحيم الحاجّيّ.
قلت: هُوَ والد أَبِي المجد زاهر الثّقفيّ، مِن أعيان طلبة الحديث بأصبهان يلقَّب بالرفيع من بيت علم ورئاسة وجلالة، وله شِعر حَسَن، وخطّ مليح، قرأ الكثير لولده.
قَالَ ابن السّمعانيّ: لمّا قدِمتُ صادفتُه يقرأ لوالده «مُسْنَد أَبِي يَعْلَى» ، عَنْ أَبِي عبد الله الخلّال.
سَمِعَ: القاسم الثّقفيّ، وأبا مطيع.
وُلِد سنة ثمانين تقريبا.
٢- أحمد بْن محمد بْن أحمد [٢] .
أبو نصر الحَدِيثيّ [٣] المعدّل، البغداديّ.
تفقّه عَلَى: أَبِي إسحاق الشّيرازيّ.
стр. 17499
وكان من أوائل شهود قاضي القضاة الزَّيْنبيّ [١] .
تُوُفّي في جُمادى الآخرة. وحضره القضاة والكبار.
روى عَنْهُ: ابن السّمعانيّ، وقال: وُلِد سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وتُوُفّي في جُمادى الآخرة، وصلّى عَلَيْهِ ابنه أبو طالب رَوْح. ثنا عَنْ أَبِي الفضل [٢] بن طوق [٣] .
٣- أحمد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الإخْوة [٤] .
أبو العبّاس البغداديّ، العطّار، الوكيل.
سَمِعَ: أبا القاسم بْن البُسْريّ، وأبا منصور العُكْبَريْ. وهو آخر من حدَّث بكتاب «المجتَنَى» لابن دُرَيْد، عَن العُكْبَرِيّ.
روى عَنْهُ: ابن السّمعانيّ، وقال: شيخ بهيّ، حَسَن المنظر، خيِّر، متقرِّب إلى أهل الخير، وهو أبو شيخنا عبد الرحيم، وعبد الرحمن.
تُوُفّي في خامس رمضان.
стр. 17500
روى عَنْهُ جماعة آخرهم أبو الفَرَج الفتح بْن عبد السّلام الكاتب. عاش ستّا وثمانين سنة.
٤- إبراهيم بْن محمد بْن أحمد بْن مالك [١] .
أبو أحمد العاقوليّ [٢] ، الوزّان.
شيخ من أهل باب الأَزَج لا بأس بِهِ.
سَمِعَ: عاصم بْن الحَسَن، وجماعة.
وكان مولده في سنة ثلاث وستّين وأربعمائة.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وقال: تُوُفّي في جُمادى الأولى هُوَ وأخوه محمد في يوم واحد.
وروى عَنْهُ: يوسف بْن المبارك الخفّاف. وأجاز لأبي منصور بْن غُنَيْمة، وغيره.
٥- إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد بْن دُوَسْت [٣] .
أبو البَرَكات النّيْسَابُوريّ، الصّوفيّ. شيخ الشّيوخ ببغداد.
ولد سنة خمس [٤] وستّين وأربعمائة ببغداد.
وسمع من: أَبِي القاسم عبد العزيز الأَنْماطيّ، وأبي القاسم بْن البُسْريّ، وأبي نصر الزينبي، ورزق الله التميمي، وجماعة.
قال ابن السَّمْعانيّ: كَانَ عَلَى شاكلة حميدة إلى أن طعن في السّنّ، وكان
стр. 17501
وَقورًا، مَهِيبًا، ما عرفت لَهُ هَفْوَة، قرأت عَلَيْهِ الكثير، وكنت نازلا عنده في رِباطه.
قلت: وروى عنه: ابناه عبد الرحيم وعبد اللَّطيف، وعبد الخالق بْن أسد، وأبو القاسم بْن عساكر [١] ، وسِبْطه عبد الوهّاب بْن سُكَيْنَة، وأحمد بْن الحسن العاقلويّ، وسليمان بْن محمد المَوْصِليّ، وطائفة سواهم.
توفّي في عاشر. جمادى الآخرة، وعمل له عرس على عادة الصّوفيّة، غرم عليه نحو ثلاثمائة دينار.
قَالَ ابن النّجّار: سمعتُ ابن سُكَيْنة يَقُولُ: لمّا حضَرَتْ جدّي الوفاةُ كنت حاضرا، وأولاده حوله، وهو في السّياق، فقالت لَهُ والدتي: يا سيّدي، ما تجد؟
فما قدر عَلَى النُّطْق، فكتب بيده عَلَى يدها: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ٥٦: ٨٩ [٢] ثمّ مات ﵁ [٣] .
٦- إسماعيل بْن طاهر [٤] .
أبو عليّ المَوْصِليّ، ثمّ البغداديّ.
سَمِعَ أَبَاهُ عَنْ أَبِي الحسن بْن مَخْلَد.
روى عنه: ابن السّمعانيّ، وابن طبرزد.
توفّي سنة إحدى وأربعين في جمادى الأولى.
٧- أمين الدّولة [٥] .
نائب قلعة صرخد، وقلعة بصرى، واسمه كمشتكين.
أمير جليل، كثير الحرمة. ولّاه على القلعتين الأتابك طغتكين. فامتدّت أيّامه إلى أن تُوُفّي في ربيع الآخر سنة ٤١. وهو واقف المدرسة الأمينيّة بدمشق.
стр. 17502
ولمّا مات توثّب مملوكه أَلْتُنْتاش فتملّك بُصْرى، وصَرْخد، وانتصر بالفرنج وحالفهم، فسار لحربهم نائب دمشق معين الدّين أُنُرْ فهزمهم، وانهزم معهم إلى بلادهم ألْتُنْتاش.
ونازل أُنُرَ قلعتي بُصْرَى وصَرْخَد، فافتتحهما.
- حرف الباء -
٨- بختيار بْن عبد الله [١] .
أبو الحَسَن [٢] الهنْديّ [٣] ، عتيق أَبِي بَكْر محمد بْن منصور السّمعانيّ.
سَمِعَ ببغداد، وأصبهان، وهَمَذَان كثيرا مَعَ مولاه.
وحدَّث عَنْ: أَبِي سعد محمد بْن عبد الملك الأَسَديّ، وأبي سعد محمد بْن عبد الكريم بْن خُشَيش.
روى عَنْهُ: أبو سعد ابن مُعْتِقِه [٤] ، وقال: تُوُفّي ثاني صَفَر.
٩- بختيار بْن عبد الله [٥] .
الهِنديّ، أبو الحَسَن الصّوفيّ، عتيق القاضي أَبِي منصور محمد بْن إسماعيل البُوشَنْجيّ.
رحل مَعَ مولاه إلى بغداد، وسمع: أبا نصر محمد بْن محمد الزَّيْنبيّ، وعاصم بْن الحسن.
روى عَنْهُ: أبو القاسم بْن عساكر، وأبو سعد السّمعانيّ [٦] .
وقد سمّاه مولاه بعد العتْق: عبد الرحيم بن عبد الرحمن [٧] .
стр. 17503
قَالَ أبو سعد [١] : رحل إلى بغداد، والحجاز، والبصرة، وأصبهان وعُمّر، وهو شيخ، صالح، متعبّد، متخلّ عَن الدّنيا.
سَمِعَ أيضا بالبصرة من أَبِي عليّ التُّسْتَريّ، وانتخبتُ عَلَيْهِ ببوشنج ثلاثة أجزاء.
وحُمل من بُوشَنْج إلى هَرَاة، ونزل في دار الحافظ أَبِي النّضْر الفاميّ، وكانت محطَّ رِحال الشّيوخ الطّارئين، وقُرئ عَلَيْهِ كتاب «السُّنَّة» للّالكائيّ. وكان شيخا متيقّظا، قد ناطح الثّمانين.
تُوُفّي ببُوشَنْج في سنة إحدى أو سنة اثنتين وأربعين [٢] .
- حرف الحاء -
١٠- الحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أحمد بْن علي [٣] .
أبو محمد الأَسْتِراباذيّ، الحنفيّ، الفقيه، قاضي الرّيَ.
قدِم بغداد سنة ستٍّ وسبعين، وتفقه عَلَى قاضي القُضاة أَبِي عبد اللَّه الدّامغانيّ حتّى برع في الفقه.
وسمع من: أَبِي نصر الزَّيْنبيّ، وعاصم بْن الحَسَن، وابن خيرون، وطِراد.
قَالَ ابن السّمعانيّ: كتبتُ عَنْهُ بالرّيّ، تُوُفّي أواخر جُمادى الآخرة بها.
ووُلِد في جُمادى الأولى سنة خمسٍ وخمسين وأربعمائة.
وكان يرى الاعتزال، وفيه بُخْل، فقالوا فيه:
وقاضٍ لنا خبز رَبُّهُ ... ومذهبُهُ أنّه لا يرى [٤] .
стр. 17504
١١- الحسين بْن الحسن بْن أَبِي نصر بْن يوسف المَرْوَرُوذيّ [١] .
أبو محمد الصّائغ، المعروف بالحاجّيّ.
دخل بغداد، وسمع مَعَ أَبِي بَكْر السَّمْعانيّ من ثابت بْن بُنْدار، وبهَمَذَان من: مكّيّ بْن بَحِيرَة الحافظ، وعبد الرحمن الدُّونيّ.
وبأصبهان من: أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد.
تُوُفّي في العشرين من رمضان.
روى عَنْهُ: أبو سعد.
١٢- حنبلُ بْن عليّ بْن الحسين بْن الحَسَن [٢] .
أبو جعفر البخاريّ، ثمّ السّجْستانيّ، الصُّوفيّ.
قدِم هَراة، وأدرك بها شيخ الإسلام أبا إسماعيل، وصحِبه، وسمع منه.
ومن: أَبِي عامر محمود بْن القاسم الأزْديّ، وأبي نصر التّرياقيّ، ونجيب بْن ميمون، وأحمد بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي سعيد الأزْديّ.
وببغداد من: ابن طلحة النّعاليّ، وابن البَطِر، وأبي بَكْر الطُّرَيْثِيثيّ.
روى عَنْهُ: أبو سعد السّمعانيّ، وابن عساكر [٣] ، وأبو رَوْح عبد المعزّ، وجماعة. وأجاز لعبد الرحيم بن السّمعانيّ.
стр. 17505
وكان شيخا، كيّسا، ظريفا، حدَّث بمَرْو، وهَرَاة. وولد بسجستان في سنة أربع وستّين وأربعمائة.
ورحل وهو ابن بضْع عشرة سنة.
وتُوُفّي بهَرَاة في السّابع والعشرين من شوّال.
- حرف الخاء -
١٣- خَلَفُ بْن محمد بْن أَبِي الحسن بْن أَبِي الحسين بْن مروان [١] .
البُوسَنْجيّ، أبو عليّ المحتسب. نزيل هَرَاة.
كَانَ يخدم جمال الإسلام أبا الحسن الدّاوديّ، وسمع منه مجلسين.
وأجاز لعبد الرحيم بْن السّمعانيّ. وعُمّر دهرا طويلا.
وآخر من روى عَنْهُ أبو رَوْح الهَرَويّ.
قَالَ أبو سعد السّمعانيّ: [٢] وجدنا له مجلسين من أمالي الدّاوديّ، وقرأناهما.
وُلِد في غرَّة ربيع الأوّل سنة ثلاثين وأربعمائة، وكان صالحا معمَّرًا، ﵀.
- حرف الزاي -
١٤- زنكيّ بن آقسنقر [٣] .