← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ثُمَّ التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ثُمَّ يوم الخميس والجمعة وليلة السَّبْت، ثُمَّ رفع أَهْل الشام لمّا رأوا الكَسْرَة الْمَصَاحِفَ بإشارة عمرو، ودعوا إِلَى الصُّلح والتّحكيم [١] ، فأجاب عليّ إلى تحكيم الحَكَمين، فاختلف عليه حينئذ جيشه وقالت طائفة: لَا حُكم إلّا للَّه. وخرجوا عليه فهُمُ (الخوارج) وقال ثُوَيْر بْن أبي فاختة، عن أَبِيهِ قَالَ: قُتِلَ مع عليّ بصفين خمسة وعشرون بدْريًا. ثُوَيْر متروك. قَالَ الشَّعْبِيّ: كان عَبْد الله بْن بُدَيْل يوم صفين عليه دِرْعان ومعه سيفان، فكان يضرب أهلَ الشام ويقول: لم يبق إلّا الصَّبْر وَالتَّوَكُّلْ ... ثُمَّ [٢] التمشّي فِي الرعيل الأوّلْ مَشْيَ الْجِمَالِ فِي حياض الْمَنْهَلْ ... والله يقضي مَا يشا ويفعلْ [٣] فلم يَزَلْ يضرب بسيفه حَتَّى انتهى إِلَى مُعَاوِيَة فأزاله عن موقفه، وأقبل أصحابُ مُعَاوِيَة يرمونه بالحجارة حَتَّى أثخنوه وقُتِلَ، فَأَقْبَلَ إليه مُعَاوِيَة، وألقى عَبْد الله بْن عامر عليه، عمامته غطّاه بها وترحَّم عليه، فقال مُعَاوِيَة لعبد الله [٤] : قد وَهَبْنَاه لك، هَذَا كَبْشُ [٥] القومِ وربّ الكعبة، اللَّهمّ أظفر

стр. 1787

بالأشتر والأشعث، والله مَا مثل هَذَا إلّا كما قال الشاعر: أخو الحرب إنْ عضَّتْ به الحرب عضَّها ... وإنْ شَمَّرتْ يومًا به الحربُ شَمّرا كلَيْث هزَبرٍ كان يحمي ذِمارَهُ ... رَمَتْهُ المَنايا قَصْدَهَا فتقصَّرا [١] ثُمَّ قَالَ: لو قدِرَت نساءُ خُزاعةَ أنْ تُقاتلني فضلًا عن رجالها لَفَعَلَتْ [٢] . وَفِي الطبقات لابن سعد، من حديث عمرو بْن شَرَاحيل، عن حَنَش [٣] بْن عَبْد الله الصَّنْعاني [٤] عن عَبْد الله بْن زُرَيْر [٥] الغافقي قَالَ: لقد رأيتنا يوم صفِّين، فاقتتلنا نحن وأهل الشّام، حتّى ظننت أنّه لَا يبقى أحدٌ، فأسمع صائحًا يصيح: مَعْشَرَ النّاس، اللَّه اللَّه فِي النساء والوِلدان من الروم ومن الترك، الله الله [٦] . والتقينا، فأسمع حركةً من خلفي، فإذا عليٌّ يَعْدُو بالرّاية حَتَّى أقامها، ولحِقَه ابنه مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة [٧] ، فسمعته يقول: يا بُنَيّ الْزَمْ رايَتَكَ، فإنّي متقدِّمٌ فِي القوم، فأنظرُ إليه يضرب بالسّيف حتّى يفرج له، ثمّ يرجع فيهم.

стр. 1788

وقال [١] خليفة [٢] : شهِدَ مع عليّ من البدْريين: عمار بْن ياسر، وسهل بْن حُنَيْف، وخَوّات بن جبير، وأبو سعد السّاعديّ، وأبو اليُسْر، ورِفَاعة بْن رافع الْأَنْصَارِيّ، وأبو أيّوب الأنصاريّ بخُلْفٍ فِيهِ، قَالَ: وشهد معه من الصحابة ممّن لم يشهد بدْرًا: خُزَيْمة بْن ثابت ذو الشهَّادتين، وقيس بْن سعد بْن عُبَادة، وأبو قَتَادَةَ، وسهل بْن سعد السّاعدي، وقَرَظَة [٣] بْن كعب، وجابر بْن عَبْد الله، وابن عَبَّاس، والحسن، والحسين، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن أبي طَالِب، وأبو مَسْعُود عقبة بْن عمرو، وأبو عيّاش الزُّرَقي، وعديّ بْن حاتم، والأشعث بن قَيْس، وسليمان بْن صُرَد، وجُنْدُب بْن عَبْد الله، وجارية [٤] بْن قُدامة السَّعْدِيّ. وعن ابن سِيرِينَ قَالَ: قُتِلَ يوم صفين سبعون ألفًا يُعَدُّون بالقَصَب [٥] . وقال خليفة وغيره: افترقوا عن ستّين ألف قتيل، وقيل، عن سبعين ألفًا، منهم خمسة وأربعون ألفًا من أَهْل الشام [٦] . وقال عَبْد السلام بْن حرب، عن يزيد بْن عَبْد الرَّحْمَن، عن جَعْفَر- أظنّه ابن أبي المُغْيَرة- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، عن أَبِيهِ قَالَ: شهدْنا مع عليّ ثمانمائة ممّن بايع بيعة الرّضوان، قُتِلَ منهم ثلاثةٌ وستون رجلًا، منهم عمّار [٧] . وقال أَبُو عبيدة وغيره: كانت راية عليّ مع هاشم بن عتبة بن أبي

стр. 1789

وقاص، وكان على الخيل عمّار بْن ياسر [١] . وقال غيره: حيل بين عليّ وبين الفرات، لأن مُعَاوِيَة سَبَقَ إِلَى الماء، فأزالهم الأشعثُ عن الماء [٢] . قلت: ثُمَّ افترقوا وتواعدوا ليوم الحَكَمَيْن. وقُتِلَ مع عليّ: خُزَيْمة بْن ثابت، وعمار بْن ياسر، وهاشم بْن عُتْبَة، وعبد الله بْن بُدَيْل، وعبد الله بْن كعب المُراديّ، وَعَبْد الرَّحْمَن بن كلدة الجمحي [٣] ، وقيس بن مكشوح المرادي، وأُبيّ بْن قَيْس النخعي أخو عَلْقَمة، وسعد بْن الْحَارِث بْن الصِّمَّة الأنصاريّ، وجُنْدُب بْن زُهَير الغامِديّ، وأبو ليلى الْأَنْصَارِيّ [٤] . وقُتِلَ مع مُعَاوِيَة: ذو الكَلاع، وحَوْشَب ذو ظُلَيْم [٥] ، وحابس بْن سعد الطّائي قاضي حمص، وعَمْرو بْن الحَضْرَميّ، وعُبَيْد الله بْن عُمَر بْن الخطاب العدويّ، وعُرْوة بْن دَاوُد [٦] ، وكُرَيْب بن الصَّبَّاح الحِمْيَريّ أحد الأبطال، قتلَ يومئذٍ جماعةً، ثُمَّ بارَزَه عليّ فقتله [٧] . قَالَ نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْكُوفِيُّ الرَّافِضِيُّ: ثنا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عن الحارث بن حصيرة [٨] ، وإنّ وَلَدَ ذِي الْكَلاعِ أَرْسَلَ إِلَى الأَشْعَثِ بْنِ قيس

стр. 1790

يَقُولُ: إِنَّ ذَا الْكَلاعِ قَدْ أُصِيبَ، وَهُوَ فِي الْمَيْسَرَةِ، أَفَتَأْذَنُ لَنَا فِي دَفْنِهِ؟ فَقَالَ الأَشْعَثُ لِرَسُولِهِ أَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَقُلْ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّهِمَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَاطْلُبُوا ذَلِكَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ فَإِنَّهُ فِي الْمَيْمَنَةِ، فَذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا عَسَيْتُ أَنْ أَصْنَعَ، وَقَدْ كَانُوا مَنَعُوا أَهْلَ الشَّامِ أن يدخلوا عَسْكَرَ عَلِيٍّ، خَافُوا أَنْ يُفْسِدُوا أَهْلَ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ: مُعَاوِيَةُ لأَصْحَابِهِ: لأَنَا أَشَدُّ فَرَحًا بِقَتْلِ ذِي الْكَلاعِ مِنِّي بِفَتْحِ مِصْرَ لَوِ افْتَتَحْتُهَا [١] ، لأَنَّ ذَا الْكَلاعِ كَانَ يَعْرِضُ لِمُعَاوِيَةَ فِي أَشْيَاءَ كَانَ يَأْمُرُ بِهَا، فَخَرَجَ ابْنُ ذِي الكلاع الى سعيد ابن قَيْسٍ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَبِيهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَغْلٍ وَقَدِ انْتَفَخَ. وشهد صِفِّين مع مُعَاوِيَة من الصحابة: عمرو بْن العاص السَّهْميّ، وابنُهُ عَبْد الله، وفضالة بْن عُبَيْد الْأَنْصَارِيّ، ومَسْلَمة بْن مَخْلَد، والنُّعمان بْن بشير، ومعاوية بْن حُدَيْج الكِنْدي، وأبو غادية الجُهَني قاتل عمّار، وحبيب ابن مَسْلَمة الفِهْري، وأبو الأعور السُّلَمِيّ، وبُسْر بْن أرطاة [٢] العامريّ [٣] . تحكيم الحَكَمين [٤] عن عِكْرِمة قَالَ: حَكَّم مُعَاوِيَة عمرو بْن العاص، فقال الأحنف بْن قَيْس لعليّ: حَكِّمْ أنت وابن عَبَّاس، فإنّه رجلٌ مُجَربّ، قَالَ: أفعل، فأبت الْيَمَانِيَةُ وقالوا: لَا، حتّى يكون منّا رَجُل، فجاء ابن عَبَّاس إِلَى عليّ لمّا رآه قد همّ أنْ يُحَكّم أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فقال له: عَلَام تُحَكّم أَبَا موسى، فو الله لقد عرفت رأيه فينا، فو الله مَا نَصَرنا، وهو يرجو مَا نَحْنُ فِيهِ، فتدخله

стр. 1791

الآن فِي معاقد أمرنا، مع أنّه ليس بصاحب ذاك، فإذْ أبيْتَ أن تجعلني مع عمرو، فاجْعَل الأحنفَ بْن قَيْس، فإنّه مُجَرَّبٌ من العرب، وهو، قِرْنٌ لعَمْرو، فقال عليّ أفعل، فأبت اليَمَانِيَةُ أيضًا. فلمّا غُلِبَ جعل أَبَا مُوسَى، فسمعتُ ابن عَبَّاس يقول: قلتُ لعلي يوم الحَكَمَيْن: لَا تُحَكّم أَبَا مُوسَى، فإنّ معه رجلًا حذر فرس فاره، فلزَّني إِلَى جنبه، فإنّه لَا يحلّ عُقْدَةً إلّا عقدتُها ولا يَعْقِدُ عُقْدَةً إلّا حَلَلْتُها. قَالَ: يا بْن عَبَّاس مَا أصنع: إنّما أُوتَى من أصحابي، قد ضعفْتُ بينهم وكلُّوا فِي الحرب، هَذَا الأشعث بْن قَيْس يقول: لَا يكون فيها مُضَرِيّان أبدًا حَتَّى يكون أحدهما يمانٍ، قَالَ: فَعَذَرْتُهُ وعرفت أنه مُضْطَهَدٌ، وأنّ أصحابه لَا نيَّة لهم [١] . وقال أَبُو صالح السمّان: قال عليّ لأبي مُوسَى: أحْكُمْ ولو على حزّ عُنُقي. وقال غيره: حكّم معاويةُ عَمْرًا، وحكَّم عليّ أَبَا مُوسَى، على أنّ من ولَّيَاهُ الخلافة فهو الخليفة، ومن اتَّفقا على خلْعه خُلِعَ. وتواعدا أنْ يأتيا فِي رمضان، وأن يأتي مع كلّ واحدٍ جَمْعٌ من وجوه العرب [٢] . فلمّا كان الموعد سار هَذَا من الشام، وسار هَذَا من العراق، إِلَى أن التقى الطّائفتان بدُومَة الجَنْدل وهي طَرَف الشام من جهة زاوية الجنوب والشرق. فعن عُمَر بْن الحكم قَالَ: قال ابن عَبَّاس لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: احْذَرْ عَمْرًا، فإنّما يريد أن يقدِّمك ويقول: أَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأسنّ منّي فتكلّم حتّى أتكلّم، وإنّما يريد أن يقدِّمك فِي الكلام لتخلع عليًّا. قَالَ: فاجتمعا على إمرةٍ، فأدار عمرو أَبَا مُوسَى، وذكر له معاوية فأبى، وقال أبو

стр. 1792

مُوسَى: بل عَبْد الله بْن عُمَر، فقال عمرو: أخبرني عن رأيك؟ فقال أَبُو مُوسَى: أرى أن نخلع هذين الرجُلَين، ونجعل هَذَا الأمر شورى بيْن المُسْلِمين، فيختاروا لأنفسهم من أحبّوا. قال عمرو: الرَّأْيُ مَا رَأَيْت، قَالَ: فأقبلا على النّاس وهم مجتمعون بدومة الجَنْدَل، فقال عمرو: يا أَبَا مُوسَى أعلِمْهُمْ أنّ رَأيَنَا قد اجتمع، فقال: نعم، إنّ رأينا قد اجتمع على أمر نرجو أن يُصْلِح الله به أمر الأمة، فقال عَمْرو: صَدَقَ وَبَرَّ، ونِعْمَ النّاظر للإسلام وأهله. فتكلَّم يا أَبَا مُوسَى. فأتاه ابن عَبَّاس، فخلا به، فقال: أنت فِي خدعة، ألم أقل لك لَا تَبْدَأه وتعقَّبه، فإنّي أخشى أن يكون أعطاك أمرًا خاليًا، ثُمَّ ينزع عَنْهُ على ملَأٍ من النّاس، فقال: لَا تخشى ذلك فقد اجتمعنا واصْطَلحْنا. ثُمَّ قام أَبُو مُوسَى فحمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أيُّها النّاس، قد نظرنا فِي أمر هَذِهِ الأمة، فلم نر شيئًا هُوَ أصْلَحُ لأمرها ولا ألَمُّ لشَعْثها من أن لَا نُغَيّر أمرها ولا بعضه، حتّى يكون ذلك عن رضًا منها وتشاورٍ، وقد اجتمعت أَنَا وصاحبي على أمرٍ واحدٍ: على خلْع عليٍّ ومعاوية، وتستقبل الأمّةُ هَذَا الأمر فيكون شُورى بينهم يُوَلّون من أحبُّوا، وإنّي قد خلعت عليًّا ومعاوية، فَوَلّوا أمركم من رأيتم. ثمّ تأخّر. وأقبل عَمْرو فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا قد قَالَ مَا سمعتم، وخلع صاحبه، وإنّي خلعت صاحبه وأثبتُّ صاحبي مُعَاوِيَة، فإنّه وَلِيُّ عُثْمَان، والطّالب بدَمِهِ، وأحقُّ النّاس بمقامه، فقال سعد بْن أبي وقاص: وَيْحَكَ يا أَبُو مُوسَى مَا أضعفك عن عَمْرو ومكايده، فقال: مَا أصنع به، جامعني على أمرٍ، ثُمَّ نزع عَنْهُ، فقال ابن عَبَّاس: لَا ذَنْبَ لك، الذَّنْب للَّذي قدَّمَك، فقال: رَحِمَك الله غَدَرَ بي، فَمَا أصنع: وقال أَبُو مُوسَى: يا عَمْرو إنّما مَثَلُك كَمَثل الكلْب إنْ تحمِلْ عليه يَلْهَثْ أو تتركه

стр. 1793

يَلْهَثْ، فقال عَمْرو: إنّما مَثَلُكَ كَمَثَلِ الحمار يحمل أسفارًا. فقال ابن عُمَر: إِلَى مَا صير أمر هذه الأمّة! إِلَى رجلٍ لَا يبالي مَا صنع، وَآخَرَ ضعيف [١] . قال المسعوديّ فِي «المروج» [٢] : كان لقاء الحَكَمين بدومة الجَنْدل فِي رمضان، سنة ثمانٍ وثلاثين، فَقَالَ عَمْرو لأبي مُوسَى: تكلَّم، فقال: بل تكلّم أنت، فقال: مَا كنت لأفعل، ولك حقوقٌ كلُّها واجبة. فحمد الله أَبُو مُوسَى [٣] وأثنى عليه، ثمّ قَالَ: هَلُمَّ يا عَمْرو إِلَى أمر يجمع الله به الأمة [٤] ، ودعا عَمْرو بصحيفة، وقال للكاتب: اكتُب وهو غُلام لَعمْرو، وقال: إنّ للكلام أوّلًا وآخرًا، ومتى تنازعْنا الكلام لم نبلغ آخرَهُ حتّى يُنْسَى أوَّلُهُ، فاكتُبْ مَا نقول، قَالَ: لَا تكتب شيئًا يأمرك به أحدُنا حَتَّى تستأمر الآخر، فإذا أمرك فاكتُبْ، فكتب: هَذَا مَا تقاضى عليه فلانُ وفلان. إِلَى أن قال عَمْرو: وإنّ عُثْمَان كان مؤمنًا، فقال أَبُو مُوسَى: ليس لهذا قَعَدْنا، قَالَ عَمْرو: لَا بدّ أن يكون مؤمنًا أو كافرًا. قَالَ: بل كان مؤمنًا. قَالَ: فمُرْهُ أن يكتب، فكتب. قال عمرو: فظالما قتل أو مظلومًا؟ قَالَ [أَبُو مُوسَى: بل قُتِلَ مظلومًا، قَالَ] [٥] عَمْرو: أفَلَيْس قد جعل الله لوليِّه سُلْطانًا يطلبُ بدمه؟ قال أَبُو مُوسَى: نعم، قَالَ عَمْرو: فَعَلَى قاتله الْقَتْلُ، قَالَ: بلى. قَالَ: أفليس لمعاوية أنْ يطلب بدَمِهِ حتّى يَعْجَز؟ قَالَ: بلى، قَالَ عَمْرو: فإنّا نُقِيم البيّنة على أنّ عليّا قتله.

стр. 1794

قَالَ أَبُو مُوسَى: إنّما اجتمعنا للَّه، فَهَلُمَّ إِلَى مَا يصلح الله به أمرَ الأمة، قَالَ: وما هُوَ؟ قَالَ: قد علِمْتَ أنّ أَهْل العراق لَا يحبُّون مُعَاوِيَة أبدًا، وأهل الشام لَا يحبُّون عليًّا أبدًا، فهَلُمَّ نخلعهما معًا، ونستخلف ابن عُمَر- وكان ابن عُمَر على بِنْت أبي مُوسَى- قَالَ عَمْرو: أَيَفْعَلُ ذلك عبدُ الله؟ قَالَ: نعم إذا حمله النّاس على ذلك. فصوَّبه عَمْرو وقال: فهل لك فِي سعد؟ وعدَّدَ له جماعة، وأبو مُوسَى يأبى إلّا ابن عُمَر، ثُمَّ قَالَ: قُمْ حتّى نخلع صاحبينا جميعًا، واذكْر اسم من تستخلِف، فقام أَبُو مُوسَى وخطب وقال: إنّا نظرنا فِي أمرنا، فرأينا أقرب مَا نحقن به الدماء ونلُمَّ به الشَّعْث خَلْعنا مُعَاوِيَة وعليًّا، فقد خلعتُهما كما خلعْتُ عمامتي هذه، واستخلفنا رجلًا قد صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بنفسه، وله سابقةٌ: عَبْد الله بْن عُمَر، فأطراه ورغِب النّاس فِيهِ. ثُمَّ قَام عَمْرو فقال: أيُّها النّاس، إنّ أَبا موسى قد خلع عليّا، وهو أعلم به، وقد خلعته معه، وأثبّت معاوية عليّ وعليكم، وإنّ أَبا مُوسَى كتب فِي هَذِهِ الصحيفة أنّ عُثْمَان قُتِل مظلومًا، وأنّ لِولِيّه أن يطلب بدَمِه، فقام أَبُو مُوسَى فقال: كذِب عَمْرو، [لم نستخلف مُعَاوِيَة، ولكنّا خلعنا مُعَاوِيَة وعليًّا معًا] [١] . قال المَسْعُوديّ: ووجدتُ فِي روايةٍ أنّهما اتّفقا وخلعا عليًّا ومعاوية، وجعلا الأمر شُورَى، فقام عَمْرو بعده، فوافقه على خلع عليّ، وعلى إثبات مُعَاوِيَة، فقال له: لَا وَفَّقَكَ الله، غدرت. وقنّع شريح بن هانئ [٢] عَمْرًا بالسَّوْط. وانْخَذَل أَبُو مُوسَى، فلحِق بمكَّة، ولم يعد إلى الكوفة، وحلف لا

стр. 1795

ينظر فِي وجه عليٍّ مَا بقي. ولِحق سعدُ وابن عُمَر ببيت المقدس فأحْرمَا، وانصرف عَمْرو، فلم يأتِ مُعَاوِيَة، فأتاه وهيّأ طعامًا كثيرًا، وجرى بينهما كلامٌ كثير، وطلب الأطعمة، فأكل عَبِيدُ عَمْرٍو، ثمّ قاموا ليأكل عَبَيْد مُعَاوِيَة، وأمر من أغلق الباب وَقْتَ أَكْلِ عبيده، فقال عَمْرو: فعلْتَها؟ قَالَ: إي واللهِ بايعْ وإلّا قتلتُكَ. قَالَ: فمِصْر، قَالَ: هِيَ لك مَا عشْتُ [١] . وقال الواقدي: رفع أَهْل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فِيهِ. فاصطلحوا، وكتبوا بينهما كتابًا على أن يوافوا رأسَ الْحَوْلِ أذْرُحَ [٢] ويُحَكِّمُوا حَكَمَيْن، ففعلوا ذلك فلم يقع اتّفاق، ورجع عليّ بالاختلاف والدّغّل من أصحابه، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه وقالوا: لَا حُكْم إلّا للَّه، ورجع مُعَاوِيَة بالألفة واجتماع الكلمة عليه [٣] . ثُمَّ بايع أَهْل الشام مُعَاوِيَة بالخلافة فِي ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين. كذا قَالَ [٤] : وقال خليفة وغيره إنّهم بايعوه فِي ذي القعدة سنة سبعٍ وثلاثين [٥] ، وهو أشبه، لأنّ ذَلِكَ كان إثْر رجوع عَمْرو بْن العاص من التحكيم. وقال مُحَمَّد بْن الضَّحّاك الحِزَامِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قام عليٌّ على مِنبْرَ الكوفة، فقال: حين اختلف الحَكَمان: لقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة

стр. 1796

فعصيتموني، فقام إليه شابٌ آدمُ فقال: إنّك واللهِ مَا نهيتَنَا ولكنْ أمرتَنَا ودمَّرتنا، فَلَمَّا كان منها مَا تكرهُ برَّأْتَ نَفْسَكَ ونَحَلْتَنا ذَنْبَك. فقال عليّ: مَا أنت وهذا الكلام قبَّحَكَ الله، واللهِ لقد كَانَتِ الجماعة فكنت فيها خاملًا، فَلَمَّا ظهرت الفتنة نجمت فيها نجوم الماغرة. ثُمَّ قَالَ: للَّه منزلٌ نزله سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، واللهِ لئن كان ذَنْبًا إنّه لَصَغيرٌ مغفورٌ، وإنْ كان حَسَنًا إنّه لعظيمٌ مشكور. قلت: مَا أحسنها لولا أنّها مُنْقطعة السَّنَد. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَقُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، قَالَتْ: فَالْحَقْ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ، فَذَهَبَ. فلمّا تفرَّق الحَكَمَان خطب معاويةُ فقال: مَن كان يريد أن يتكلّم فِي هَذَا الأمر فليُطْلِع إِلَى قرنه فَلَنَحْنُ أحقُّ بهذا الأمر منه ومن أَبِيهِ- يعرِّض بابن عُمَر- قال ابن عُمَر: فحَلَلْتُ حَبْوَتي وَهَمَمْتُ أن أقول: أحق به من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع وَتَسْفِكُ الدَّمَ، فَذَكَرَتْ مَا أعدّ الله فِي الجنان [١] . قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: لا أَرَى لَهَا غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عَمْرٌو لابْنِ عُمَرَ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ نُبَايِعَكَ؟ فَهَلْ لك أن تعطى مالا عظيما على أن تَدَعَ هَذَا الأَمْرَ لِمَنْ هُوَ أَحْرَصُ عَلَيْهِ منك.

стр. 1797

فغضب ابن عمر وقام. رواه مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [١] . وفيها أخرج عليٌّ سهل بْن حُنَيْف على أَهْل فارس، فمانَعُوه، فوجّه عليٌّ زيادًا، فصالحوه وأدُّوا الخَرَاج [٢] . وفيها قال أَبُو عبيدة: خرج أَهْل حَرُوراء [٣] فِي عشرين ألفًا، عليهم شَبَثُ بْن رِبْعيّ، فكَّلمهم عليّ فحاجَّهُم، فرجعوا [٤] . وقال سُلَيْمَان التَّيْميّ، عن أَنَس قَالَ: قَالَ شَبَثُ بْن رِبْعيّ: أَنَا أوّل من حرَّر الْحَرُورِيَّةَ، فقال رَجُل: مَا فِي هَذَا مَا تمتدح به [٥] . وعن مُغِيرَةَ قَالَ: أوّل من حكم ابن الكَوَّاء [٦] وشَبَث. قلت: معنى قوله «حكم» هذه كلمة قد صارت سِمَةً للخَوارج. يُقَالُ «حكم» إذا خرج فقال: لا حكم إلّا للَّه.

стр. 1798

الوفيَّات أُوَيْس القَرَنيّ [١] ابن عامر بْن جَزْء [٢] بْن مالك المُرادِي القَرَني الزّاهد، سيّد التابعين، فِي نسبه أقوالٌ مختلفة، وكنيته أَبُو عَمْرو.

стр. 1799

قال ابن الكلبي: استشهد أُوَيْسٌ يوم صِفِّين مع عليّ. وَقَالَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي ليلى: أن أُوَيْسًا شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، ثُمَّ رَوَى عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أُوَيْسٌ خَيْرُ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ [١] » . وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ أُوَيْسًا وَفَدَ عَلَى عُمَرَ مِنَ الْيَمَنِ، وَرَوَى عَنْهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ. رَوَى عَنْهُ يُسَيْرُ [٢] بْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو عَبْدِ رَبٍّ الدِّمَشْقِيُّ. وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَلَيْسَ لَهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ بَلْ لَهُ حِكَايَاتٌ. قَالَ أُسَيْرُ [٣] بْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «خَيْرُ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّرْهَمِ فِي سُرَّتِهِ، لَا يَدعُ بِالْيُمْنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» . قال عُمَر: فقدِم علينا رجلٌ فَقُلْتُ له: من أَيْنَ أنت؟ قَالَ: من اليمن، قلت: مَا اسمك؟ قَالَ: أُوَيْس. قلت: فَمَنْ تركتَ باليمن؟ قَالَ: أُمًّا لي، قلت: أكان بك بياض، فدعوت الله فأذْهَبه عنك؟ قَالَ: نعم، قلت: فاستغفِرْ لي، قَالَ: أَوَ يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين! قَالَ: فاستغفر لي، وقلت له: أنت أخي لَا تفارِقْني، قَالَ: فانْمَلَسَ [٤] منيّ. فأُنْبِئْتُ أنّه قدِم عليكم الكوفة، قَالَ: فجعل رجلٌ كان يسخر بأويس

стр. 1800

بالكوفة ويحقِّره يقول: مَا هَذَا فينا ولا نعرفه، فقال عُمَر: بلى إنّه رَجُل كذا وكذا، فقال كأنّه يضع شأنه: فينا رجلٌ يا أمير المؤمنين يُقَالُ له أُوَيْس، فقال عُمَر: أَدْرِكْه فلا أراك تُدْرِكُه، قَالَ: فَأَقْبَلَ ذلك الرجل حتّى دخل على أُويْس قبل أن يأتي أهله، فقال له أُوَيْس: مَا هَذِهِ عادتُكَ، فَمَا بدا لك؟ قَالَ: سمعت عُمَر بْن الخطاب يقول: فيك كذا وكذا فاستغفر لي، قَالَ: لَا أفعل حتّى تجعل لي عليك أن لَا تسخر بْي فيما بعد، وأن لَا تذكر مَا سمعته من عُمَر لأحدٍ، قَالَ: نعم، فاستغفر له، قَالَ أُسَيْر: فَمَا لبِثْنا أنْ فشا أمرُهُ بالكوفة، قَالَ: فدخلت عليه فَقُلْتُ: يا أخي إنّ أمرك لَعَجَبٌ [١] ونحن لَا نشعر، فقال: ما كان فِي هَذَا مَا أتبلَّغ به فِي النّاس، وما يُجْزَى كلُّ عبدٍ إلّا بعمله قال: وانملس [٢] منّي فذهب. رواه مسلم [٣] . وَفِي أوّل الحديث: قال أُسَيْر: كان رَجُل بالكوفة يتكلّم بكلام لَا أسمع أحدًا يتكلّم به، ففقدته فسألت عَنْهُ، فقالوا: ذاك أُوَيْس فاستدْلَلْتُ عليه وأتيته، فَقُلْتُ: مَا حَبَسَك عنّا؟ قَالَ: الْعُرْيُ. قَالَ: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه، فَقُلْتُ: هَذَا بُرْدٌ فخُذْه، فقال: لا تفعل فإنّهم إذن يؤذونني، فلم أزل بِهِ حَتَّى لبسه، فخرج عليهم فقالوا: مَنْ تَرَوْن خُدِع عن هَذَا البُرْد! قَالَ: فجاء فوضعه، فأتيتُ فَقُلْتُ: مَا تريدون من هَذَا الرجل؟ فقد آذيتموه والرجل يَعْرَى مرَّةً ويكتسي أخرى، وآخَذْتُهُم [٤] بلساني، فقُضِي أنّ أَهْل الكوفة وفدوا على عُمَر، فوفد رجلٌ ممّن كان يسخر به، فقال عُمَر: مَا ها هنا أحدٌ من القَرَنِيّين؟ فقام ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1801

قَالَ: «إنّ رجلًا يأتيكم من اليمن يُقَالُ له أُوَيْس» فذكر الحديث. وروى نحو هَذِهِ القصة عُثْمَان بْن عطاء الخُرَاساني، عن أَبِيهِ، وزاد فيها: ثمّ إنّه غزا أَذْرَبَيْجان، فَمَات، فتنافس أصحابُهُ فِي حفْر قبره [١] . وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ [٢] عَنْ عُمَرَ- وَهُوَ مُنْقَطِعٌ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ أُوَيْسٍ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» [٣] . وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: ثنا أَبُو قُرَّةَ السَّدُوسِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: نَادَى عُمَرُ بِمِنًى عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَهْلَ قَرَنٍ، فَقَامَ مَشَايِخُ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ مَنِ اسْمُهُ أُوَيْسٌ [٤] ؟ فَقَالَ شَيْخٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَاكَ مَجْنُونٌ يسكن القفار لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي أَعْنِيهِ، فَإِذَا عُدْتُمْ فَاطْلُبُوهُ وَبَلِّغُوهُ سَلامِي وَسَلامَ رسول الله ﷺ [فعادوا إِلَى قَرَنٍ، فَوَجَدُوهُ فِي الرِّمَالِ، فَأَبْلَغُوهُ سَلامَ عُمَرَ، وَسَلامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] [٥] قَالَ: فَقَالَ: عَرَّفَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَشَهَّرَ باسمي، اللَّهمّ صلّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، السَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ هَامَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يُوقَفْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَثَرٍ دَهْرًا، ثُمَّ عَادَ فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ فَاسْتُشْهِدَ مَعَهُ بِصِفِّينَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا عَلَيْه نَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ جِرَاحَةً [٦] . وقال هشام بْن حسّان، عن الْحَسَن قَالَ: يخرج من النار بشفاعة أُوَيْس أكثر من ربيعة ومضر [٧] .

стр. 1802

وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ» [١] . وَقَالَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ، نَادَى مُنَادِي أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ [٢] : أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَضَرَبَ دَابَّتَهُ وَدَخَلَ مَعَهُمْ وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ» . قَالَ: فَوُجِدَ فِي قَتْلَى صِفِّينَ ﵁ [٣] . قَالَ ابن عدي [٤] : أُوَيْس ثقة صَدُوق، ومالك يُنْكر أُوَيْسًا. قَالَ: ولا يجوز أن يُشَكَّ فِيهِ. قلت: وروى قصة أُوَيس مبارك بْن فضالة، عن مروان الأصغر، عن صعصعة بْن مُعَاوِيَة. ورواه هُدْبَةُ، عن مبارك عن أبي الأصفر، وقد ذكر ابن حِبّان أَبَا الأصفر فِي «الضُّعفاء» [٥] ، وساق الحديث بطُوله. وأخبار أُوَيْس مُسْتَوْعَبة فِي «تاريخ دمشق» [٦] ، ليس فِي التابعين أحدٌ أفضل منه، وأمّا أن يكون أحد مثله فِي الفضل فيُمْكن كسعيد بن المسيّب، وهم قليل.

стр. 1803

(جندب [١] بن زهير) [٢] بن الْحَارِث الغامدّي الأزْدِي [٣] ، كوفيّ، يُقَالُ: له صُحبة. وله حديث تفرَّد به السّرِيّ بن إسماعيل، وهو ضعيف [٤] . وكان يوم صِفِّين على الرَّجَّالَةِ مع عليّ، فقُتِل. (جَهْجاه بْن قَيْس) [٥] وقيل بن سَعِيد- الغِفاريّ، مدني، له صُحْبة. شهِدَ بيعة الرَّضوان، وكان فِي غزوة المُرَيْسِيع أجيرًا لعمر [٦] ، ووقع بينه

стр. 1804

وبين سنان الجُهَنّي، فنادي: يا للمهاجرين: ونادي سِنان: يا للأنصار [١] . وعن عطاء بْن يسار، عن جهجاه أنّه هُوَ الَّذِي شرب حِلاب سبع شِياه قبل أن يُسْلِم، فلمّا أسلم لم يتمّ حِلابَ شاة [٢] . وقال ابن عَبْد البَرّ [٣] : هُوَ الَّذِي تناول العصا من يد عُثْمَان ﵁ وهو يخطب، فكسرها على رُكْبته، فوقعت فيها الآكِلة، وكانت عصا رَسُول اللَّهِ ﷺ . تُوُفيّ بعد عُثْمَان بسنة [٤] . (حابس بْن سعد الطّائي) [٥] ولي قضاءَ حمص زمن عُمَر، وكان أَبُو بَكْر قد وَجَّهَهُ إِلَى الشام، وكان من العُبّاد. روى عَنْهُ جُبَيْر بْن نُفَير. قُتِلَ يوم صفّين مع معاوية.

стр. 1805

خَبّاب بْن الَأرَتّ [١] ع ابن جَنْدَلَةَ بْن سعد بْن خزيمة [٢] التميمي، مَوْلَى أمّ سِباع بِنْت أنمار، أَبُو عَبْد الله. من المهاجرين الأولين. شهِدَ بدْرًا والمشاهد بعدها، وروى عدّةَ أحاديث. وعنه أَبُو وائل، ومسروق، وعلقمة، وقيس بن أبي حازم، وخلق سواهم.

стр. 1806

قيل: كان أصابه سبْيٌ، فبيع بمكة، فاشترته أمُّ سِباع بِنْت أنمار الخُزَاعية من حُلفاء بني زُهْرَةَ، ويقال: كَانَتْ خَتَّانة بمكة، أسلم قبل دخول دار الأرقم، وكان من المستضعفين بمكة الذين عُذِّبُوا فِي الله [١] . وقال أَبُو إسحاق السبيعي، عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خَبَّاب إِلَى عُمَر فقال: أدْنِهِ، فَمَا أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك إلّا عمّار بْن ياسر، قَالَ: فجعل خَبَّاب يُرِيه آثارًا فِي ظهره ممّا عذبه المشركون [٢] . وقال مُجالد، عن الشَّعْبِيّ: دخل خَبَّاب بْن الأرتّ على عُمَر، فأجلسه على مُتَّكَئه وقال: مَا على الأرض أحدٌ أحق بهذا المجلس من هَذَا، إلّا رجلٌ واحدٌ وهو بلال، فقال: مَا هُوَ بأحقّ به منّي، إنّه كان من المشركين من يمنعه، ولم يكن لي أحدٌ يمنعني، لقد رأيتُني يومًا أخذوني وأوقدوا لي نارًا، ثمّ سلقوني فيها، ثُمَّ وضع رَجُل رِجْلَه على صدري، فَمَا اتقيتُ الأرضّ إلّا بظهري، قَالَ: ثمّ كشف عن ظهره، فإذا هُوَ قد بَرِص [٣] . وَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ مُضَرِّبٍ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّات، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْلَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ» لَأَلْفَانِي قَدْ تَمَنَّيْتُهُ، قَالَ: وَقَدْ أُتِيَ بِكَفَنِهِ قَبَاطيّ، فبكى، ثُمَّ قَالَ: لكنَّ حمزةَ عَمّ النَّبِيِّ ﷺ كُفِّن فِي بُرْدَةٍ، إذا مُدَّتْ على قَدَمْيه قَلُصَت عن رأسه، وَإِذَا مُدَّتْ على رأسه قَلُصَت عن قَدَمْيه، ولقد رأيتني مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أمِلك دينارًا ولا دِرْهمًا، وإنّ فِي ناحية بيتي فِي تابوتي لَأربعين ألف وَافٍ، ولقد خشيتُ أن تكون عُجِّلَتْ لنا طيّباتنا في حياتنا الدّنيا [٤] .

стр. 1807

وقال الواقدي: سمعت من يقول: هُوَ أوّل من قَبَره عليٌّ بالكوفة، وصلّى عليه مُنْصَرَفَه من صِفِّين [١] . وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: إِنَّ خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ أَمَا آنَ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُطَّرَحَ، فَقَالَ: لا تَرَاهُ عَلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ. (خزيمة بن ثابت) [٢] م ٤- بن الفاكه أبو عمارة الأنصاريّ الخطميّ [٣]

стр. 1808

ذو الشهادتين، يُقَالُ إنه بدْرِيّ [١] ، والصحيح أنّه شهِدَ أُحُدًا وما بعدها. له أحاديث. روى عَنْهُ إِبْرَاهِيم بْن سعد بْن أبي وقاص، وعمرو بْن ميمون الأوْدي [٢] ، وابنه، عمارة بْن خُزَيْمة، وأبو عَبْد الله الجَدَليّ، وغيرهم. شهدِ صِفِّين مع عليّ، وقاتل حَتَّى قُتِلَ. ذو الكَلاع الحميري [٣] اسمه السَّمَيْفَع، ويقال: سَمَيْفَع بْن ناكور [٤] . وقيل: اسمه أيفع، كنيته أَبُو شُرَحْبِيل [٥] . أسلم فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقيل: له صحبة، فَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ كُلَيْبٍ، سَمِعَ ذَا الْكَلَاعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اتركوا التّرك ما تركوكم [٦] » .

стр. 1809

كَانَ ذُو الْكَلَاعِ سَيِّدَ قَوْمِهِ، شَهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَفَتَحَ دِمَشْقَ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ مُعَاوِيَةَ يَوْمَ صِفِّينَ [١] . روى عن عُمَر، وغيرِ واحد. روى عنه أبو أزهر بن سعيد، وزامل بْن عَمْرو، وأبو نوح الحمْيَرِيّ. والدليل على أنّه لم ير النّبيّ ﷺ مَا رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْيَمَنِ، فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: ذَا الْكَلاعِ، وَذَا عَمْرٍو، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلا مَعِي، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا: قُبِضَ النبي ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ. الحديث رواه مُسْلِمٌ [٢] . وروى علوان بن دَاوُد، عن رجلٍ قَالَ: بعثني أهلي بهدّيةٍ إِلَى ذي الكَلاع، فلبِثْتُ على بابه حَوْلًا لَا أصل إليه، ثُمَّ إِنَّهُ أشرف من القصر، فلم يبق حوله أحدٌ إلّا سجد له، فأمر بهديّتي فقبلت، ثمّ رأيته بعد في الْإِسْلَام، وقد اشترى لحمًا بدِرهم فسَمَطَه على فرسه [٣] . وَرُوِيَ أنّ ذا الكلاع لمّا قدم مكة كان يتلثم خشية أن يفتنن أحدٌ بحُسْنه [٤] . وكان عظيم الخطر عند مُعَاوِيَة، وربّما كان يعارض معاوية، فيطيعه معاوية [٥] .

стр. 1810

(عبد الله بن بديل بن ورقاء) [١] بن عَبْد العُزَّى الخُزاعيّ، كنيته أَبُو عُمَرو. روى الْبُخَارِيّ فِي «تاريخه» أنّه ممّن دخل على عُثْمَان، فطعن عُثْمَان فِي وَدَجِه، وعلا التنوخيّ عُثْمَان بالسيف، فأخذهم مُعَاوِيَة فقتلهم [٢] . أسلم مع أَبِيهِ قبل الفتح، وشهد الفتح وما بعدها، وكان شريفًا وجليلًا. قُتِلَ هُوَ وأخوه عَبْد الرَّحْمَن يوم صِفِّين مع عليّ، وكان على الرّجّالة. قَالَ الشَّعْبِيّ: كان على عَبْد الله يومئذٍ درْعان وسيْفان، فَأَقْبَلَ يضرب أَهْل الشام حَتَّى انتهى إِلَى مُعَاوِيَة، فتكاثروا عليه فقتلوه، فَلَمَّا رآه مُعَاوِيَة صريعًا قَالَ: واللهِ لو استطاعت نساءُ خُزاعةَ لقاتَلَتْنا فضلًا عن رجالها [٣] .

стр. 1811

(عَبْد الله بْن كعب المُرَادي) [١] من كبار عسكر عليّ، قُتِلَ يوم صِفِّين، ويقال إنّ له صحبة [٢] . عبيد الله ابن أمير المؤمنين عمر [٣] ابن الخطاب القُرَشيّ العَدَوِيّ الْمَدَنِيّ. وُلِد فِي زمان النّبيّ ﷺ ، وسمع أَبَاهُ، وعثمان، وَأَرْسَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . كنيته أَبُو عِيسَى. غزا فِي أيام أَبِيهِ. وأُمُّه أمُّ كُلثوم الخُزاعية. وعن أسلم، أن عُمَر ضرب ابنه عُبَيْد الله بالدِّرَّة وقال: أتكتني بأبي عيسى، أوكان لعيسى أبّ! وقد ذكرنا أنّ عُبَيْد الله لَمَّا قُتِلَ عُمَر أَخَذَ سيفَه وشدَّ على الهُرْمُزان فقتله، وقُتِل جُفَيْنَة، ولُؤلُؤة بنت أبي لُؤلُؤة، فَلَمَّا بويع عُثْمَان همَّ بقتْله، ثُمَّ عفا عَنْهُ. وكان قد أشار عليٌّ على عُثْمَان بقتله، فَلَمَّا بويع ذهب عُبَيْد الله هاربا منه إِلَى الشام [٤] . وكان مقدّم جيش مُعَاوِيَة يوم صفّين، فقتل يومئذ.

стр. 1812

ويُقال: قتله عمار بْن ياسر، وقيل رجلٌ من هَمَدان [١] ، ورثاه بعضُهم [٢] بقصيدةٍ مليحة. عمّار بْن ياسر [٣] ع ابن عامر بْن مالك بن كنانة

стр. 1813

بْن قيس [٤] بْن الحُصين المّذْحِجيّ العَنْسِيّ [٥] أَبُو اليقظان مَوْلَى بني مخزوم، من نُجباء أصحاب مُحَمَّد ﷺ ، شهِدَ بدْرًا والمشاهد كلها، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة، وكان من السابقين إِلَى الْإِسْلَام، وممّن عُذِّب فِي الله فِي أول الْإِسْلَام. وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ أوّل شهيدةٍ فِي الْإِسْلَام، طعنها أَبُو جهل فِي قلبها بحَرْبةٍ فقتلها. له نحو ثلاثين حديثًا. روى عَنْهُ ابن عَبَّاس، وجابر، ومحمد بْن الحَنَفِيَّةِ، وزِرّ بْن حُبَيْش، وهَمّام بْن الْحَارِث، وآخرون. قدِم ياسر بْن عامر وأخواه من اليمن إِلَى مكة يطلبون أخًا لهم، فرجع أخواه وحالف ياسر أَبَا حُذَيْفَة بْن المُغِيرة بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مخزوم،

стр. 1814

فزوَّجه أمةً اسمها سُمَيَّةُ، فولدت له عمّارًا، فَلمّا بُعِث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسلم عمّار وأبواه وأخوه عَبْد الله، وقُتِل أخوهما حُرَيْث فِي الجاهلية. وعن عَمَّار قَالَ: لقيت صهيبا على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فدخلنا فأسلمنا [١] . وعن عمّر بْن الحكم قَالَ: كان عمّار يُعَذَّب حَتَّى لَا يدري مَا يقول، وكذا صهيب، وعامر بْن فُهَيْرة. وفيهم نزلت وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ١٦: ٤١ [٢] . وقال أَبُو بَلْج [٣] عن عَمْرو بْن ميمون قَالَ: أحرق المشركون عمّار بْن ياسر بالنار، فكان الرسول ﷺ يمّر به ويُمرّ يدَه على رأسه فيقول: «يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ٢١: ٦٩ على عمّار كما كُنْتِ على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية» . رواه ابن سعد [٤] ، عن يحيى بْن حمّاد، أنبأ أَبُو عُوانة، عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ: ثنا عمرو [٥] بن مرة، عن سالم بن أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِذٌ بِيَدِي نَتَمَاشَى فِي الْبَطْحَاءِ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى أَبِي عَمَّارٍ، وَعَمَّارٍ، وَأُمِّهِ، وَهُمْ

стр. 1815

يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ يَاسِرٌ: الدَّهْرُ هَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْبِرْ، اللَّهمّ اغْفِرْ لآل ياسر، وقد فعلت [١] » . كذا رواه مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْحَدَّانِيُّ [٢] ، وَرَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ الْحَدَّانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَقَالَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ: ثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِآلِ عَمَّارٍ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ: «أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» . مُرْسَلٌ [٣] . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّارًا وَهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: «أَخَذَكَ الْكُفَّارُ فَغَطُّوكَ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ عَادُوا فَقُلْ ذَاكَ لَهُمْ [٤] » . قُلْتُ: حِينَ تَكَلَّمَ يَعْنِي بِالْكُفْرِ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ. وقال المسعودي، عن القاسم بْن عَبْد الرَّحْمَن: أوّل من بني مسجدًا يُصَلِّي فِيهِ عمّار [٥] . وقال ابن سعد [٦] : قَالُوا: وهاجر عمّار إِلَى الحبشة الهجرة الثانية.

стр. 1816

وَقَالَ فِطْرُ [١] بْنُ خَلِيفَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مُلَيْكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلا وَقَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةً رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَجَعْفَرٌ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ [٢] ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَمَّارٌ، وَبِلالٌ، وَسَلْمَانُ» [٣] . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ [٤] ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» [٥] . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أبي عمّار الهمذانيّ، عَنْ عَمْرِو [٦] بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَمَّارٌ مُلِيءَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ» [٧] . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيٍّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بكر وعمر،

стр. 1817

وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ [١] . حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: كُنَّا نَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ رَجُلا، قَالُوا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالُوا: فَذَاكَ قَتِيلُكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ، قَالَ: قد والله قتلناه [٢] . رواه جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَمَّارٍ كَلَامٌ، فَأَغْلَظْتُ لَهُ، فَشَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ اللَّهُ» . رواه أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» [٣] ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، ثنا الْعَوَّامُ عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ- لَكِنْ لَهُ علّة- وهو ما رواه عمرو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ عَمَّارٍ وَخَالِدٍ كَلَامٌ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رَوَى أَبُو رَبِيعَةَ الْإِيَادِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَنَّةُ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: عَلَيٍّ، وَعَمَّارٍ، وسلمان» [٤] . حسّنه التّرمذيّ.

стр. 1818

وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَمُ عَمَّارٍ وَلَحْمُهُ حَرَامٌ عَلَى النَّارِ» [١] . وَقَالَ عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ [٢] ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رجلٌ إِلَى ابْن مَسْعُود فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَدْرَكْتُ فِتْنَةً، قَالَ: عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كُلُّهُمْ يَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ [٣] » . فِيهِ انْقِطَاعٌ. وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عمّار مَا عُرِض عليه أمران إلّا أختار أرشدَهما» [٤] . أخرجه النسائي والترمذي، وإسناده صحيح. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، عَنْ بلال بن يَحْيَى، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَبُو الْيَقْظَانِ عَلَى الْفِطْرَةِ، لَنْ يَدَعَهَا حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يلبسه الهرم» [٥] هذا منكر، وسعد ضعيف.

стр. 1819

وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سَعْدٍ «إِنَّ عَمَّارًا عَلَى الْفِطْرَةِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَهُ هَفْوَةٌ مِنْ كِبَرٍ [١] » . وقال علقمة: سمعت أَبَا الدَّرداء يقول: أليس فيكم صاحب السِّواك والوِساد- يعني ابن مسعود-، أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيه من الشيطان- يعني عمارا-، أليس فيكم صاحب السّرّ حذيفة [٢] . أخرجه البخاريّ.

стр. 1820

وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يَنْقُلُ عَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَتَرِبَ رَأْسُهُ، فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَكَ يَا بن سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [١] . رَوَى آخِرَهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ [٢] ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ [٣] . وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الباغية» [٤] . وقال أحمد بن المقدام العجليّ، عن عَبْد الله بْن جَعْفَر، حَدَّثَنِي العلاء، عن أَبِيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، نحوَه. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرْ عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ [٥] : صحيح غريب من حديث العلاء.

стр. 1821

وَقَالَ: خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِي وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ، فَجَعَلَ عَمَّارٌ يَقُولُ: أَعُوذُ باللَّه مِنَ الْفِتَنِ [١] . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ مَوْلاهُ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [٢] . رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِنِّي لَأَسِيرُ مَعَ مُعَاوِيَةَ مُنْصَرَفُهُ مِنْ صِفِّينَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرٍو، فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا أَبَه، أَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِعَمَّارٍ: «وَيْحَكَ يَا بْنَ سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ؟ قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: أَلَا تسمع ما

стр. 1822

يَقُولُ هَذَا؟! فَقَالَ: لَا تَزَالُ تَأْتِينَا بِهَنَةٍ، مَا نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ [١] . وَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [٢] . وقال عبد الله بن طاووس، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ دَخَلَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى عَمْرِو بن العاص فقال: قُتِلَ عَمَّارٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ، فَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَاذَا! قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الباغية» . قال: دحضت في بولك أو نحن قَتَلْنَاهُ، إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ [٣] . وعن عُثْمَان بن عفان، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» [٤] . رواه أَبُو عُوانة فِي «مسنده» . وقال عَبْد الله بْن أبي الْهُذَيْلِ وغيره، عَنْ عمّار قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تقتلك الفئة الباغية» [٥] . وله طُرُق عن عمّار. وَرُوِيَ هَذَا الحديث عن ابن عَبَّاس، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي

стр. 1823

رافع، وابن أبي أَوْفَى، وجابر بْن سَمُرَة، وأبي اليُسْر السّلَميّ، وكعب بْن مالك، وأنس، وجابر، وغيرهم، وهو متواتر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أَحْمَد بْن حنبل: فِي هَذَا غَيْرَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، وقد قَتَلَتْهُ الفئةُ الباغية. وقال أَبُو إِسْحَاق السّبيعيّ، عن أبي ليلى الكنْديّ قَالَ: جاء خبّاب، فقال عُمَر: ادْنُ، فَمَا أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك، إلّا عمّار [١] . وقال حارثة بن مضرّب: قرئ علينا كتاب عُمَر: إنّي بعثت إليكم- يعني إِلَى الكوفة- عمّار بْن ياسر أميرًا، وابن مَسْعُود معلِّمًا ووزيرًا، وإنّهما لَمِنَ النُّجَبَاء مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتَدُوا بهما، وقد آثرتُكُم بهما على نفسي [٢] . وعن سالم بْن أبي الجَعْد، أنّ عُمَر جعل عطاء عمّار ستة آلاف. وعن ابن عمر قال: رأيت عمّارا يوم اليمامة على صخرةٍ، وقد أشرف يَصِيح: يا معشر المُسْلِمين، أَمِن الجنّة تفُّرون، أَنَا عمّار بْن ياسر، هَلُمُّوا إليّ، وأنا أنظر إلى أذنه وقد قطعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشدَّ القتال [٣] . وعن عَبْد الله بْن أبي الْهُذَيْلِ قَالَ: رَأَيْت عمّار بْن ياسر اشترى قَتًّا [٤] بدِرْهم، فاستزاد حبلًا، فأبى، فجاذَبَه حَتَّى قاسمه نِصْفَين، وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة [٥] . وقد رُوِي أنُهم قَالُوا لعمر: إنّ عمّار غير عالم بالسياسة، فعزله.

стр. 1824

قال الشَّعْبِيّ: قال عُمَر لعمّار: أَسَاءَكَ عَزْلُنا إيّاك؟ قَالَ: لئن قلتَ ذاك، لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلَتني [١] . وقال نوفل بْن أبي عَقْرَب: كان عمّار قليل الكلام، طويل السكوت، وكان عامة أن يقول [٢] : عائذٌ بالرحمن من فتنةٍ، عائذٌ بالرحمن من فتنة، قَالَ: فَعَرَضَتْ له فتنةٌ عظيمة [٣] . يعني مبالغته فِي القيام فِي أمر عُثْمَان وبعده. وعن ابن عُمَر قَالَ: [مَا أعلم أحدًا خرج في الفتنة يريد الله إلّا عمّار ابن ياسر، وما أدري [٤]] مَا صنع [٥] . وعن عمّار أنّه قَالَ وهو يسير إِلَى صِفِّين: اللَّهُمَّ لو أعلم أنّه أرضى لك عنّي أن أرمي بنفسي من هَذَا الجبل لَفَعَلْتُ، وإنّي لَا أقاتل إلّا أريد وجهك [٦] . وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ: ائْتُونِي بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، قَالَ: فَشَرِبَ، ثُمّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ آخِرَ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فقاتل حتّى قتل [٧] .

стр. 1825

وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، سَمِعَ عَمَّارًا بِصِفِّينَ يُنَادِي: أَزِفَتِ الْجِنَانُ، وَزُوِّجَتِ الْحُورُ الْعِينُ، الْيَوْمَ نَلْقَى حَبِيبَنَا ﷺ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: ثنا أَبُو حَفْصٍ كُلْثُومُ بْنُ جَبْرٍ، عَنْ أَبِي غَادِيَةَ الْجُهَنِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقَعُ فِي عُثْمَانَ يَشْتُمُهُ بِالْمَدِينَةِ، فَتَوَعَّدْتُهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ صِفِّينَ جَعَلَ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ وَطَعَنْتُهُ فِي رُكْبَتِهِ فَوَقَعَ، فَقَتَلْتُهُ. تَمَامَ الْحَدِيثِ. فَقِيلَ: قُتِلَ عَمَّارٌ. وَأَخْبَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَاتِلُ عَمَّارٍ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ [١] » . وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَاتِلُ عَمَّارٍ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ» [٢] . وقال الواقدي وغيره: استلحمت الحرب بصِفِّين، وكادوا يتفانون، فقال مُعَاوِيَة: هَذَا يوم تَفَانَي فِيهِ العرب إلّا أن تُدْركَهم خَفّة العبد، يعني عمّارًا، وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن آخرهنّ ليله الهَرِير، فَلَمَّا كان اليوم الثالث، قال عمّار لهاشم بْن عُتْبة ومعه اللواء: احمِلْ فداك أبي وأمي، فقال هاشم: يا عمّار إنّك رَجُل تستخفُّك الحربُ، وإنّي إنّما أزحف باللواء رجاء أن أبلغ بِذَلِك بعض مَا أريد [٣] . وقال قَيْس بْن أبي حازم: قال عمّار: ادفنوني فِي ثيابي، فإنّي رجلٌ مخاصم [٤] . قَالَ أَبُو عاصم النّبيل: توفي عن ثلاث وتسعين سنة. وكان لا يركب
следующие страницы →