نُهِبوا، وأُخذت خيولهم، وتشتّتوا. وردّ سُلَيْمَان شاه فِي حالة نحِسةٍ، فخرج عليه أمير المَوْصِل، فقبض عليه وطالعة إلى القلعة [١] .
وسار مُحَمَّد شاه يقصد بغداد، فوصل إلى ناحية بَعْقُوبا، وبعث إلى كَوْجُك، فتأخّر عَنْهُ، فانزعجت بغداد، وأُحضِرت العساكر، واستعرضهم الوزير [٢] .
[تسلُّم نور الدِّين بعلبكّ]
وفيها تسلّم نور الدين بعلبكّ [٣] .
стр. 17887
سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
[الحرب بين مُحَمَّد شاه والخليفة]
ثُمَّ قَرُب مُحَمَّد شاه بْن محمود من بغداد وجاءه زين الدِّين عليّ كَوْجَك صاحب إربل نَجْدَةً، فحصرا بغداد، واختلف عسكر الخليفة عليه، وفرَّق الخليفة سبعة آلاف جَوْشَن، وعُمِلت الأتْرسة الكِبار، والمجانيق الكثيرة، وأذِن للوعّاظ فِي الجلوس، بعد منْعهم فِي سنةٍ وخمسة أشهر.
ثُمَّ ركب مُحَمَّد شاه وعليّ كَوْجَك، وصاروا فِي ثلاثين ألفا، ورموا بالنّشّاب إلى ناحية التّاج، وقاتَلَت العامَّة، ونهِب الجانب الغربيّ، وأحرقوا مائتين وسبعين دولابا.
وقاتل عسكر الخليفة فِي السُّفُن، كلّ ذلك فِي المحرَّم.
فَلَمّا كان ثالث صَفَر جاء عسكر مُحَمَّد فِي جَمْعٍ عظيم، وانتشروا على دجلة، وخرج عسكر الخليفة فِي السُفُن يقاتلون. وكان يَوْمًا مشهودا. فَلَمّا كان يوم سادس عشر صفر، وصلت سفن للقوم، فخرجت سفن الخليفة تمنعها من الإصعاد، وجرى قتال عظيم، وقاتل سائر أهل البلد.
وجاء الحاجّ سالمين فدخلوا بغداد من هذا الجانب. فَلَمّا كان يوم سادس وعشرين جاء بريد يخبر بدخول ملك شاه بْن السّلطان مَسْعُود همذان، وكبس بيوت المخالفين ونهبها. ففرح النّاس [١] .
стр. 17888
فَلَمّا كان يوم سلْخ صَفر عبر فِي السُّفُن ألف فارس، وصعدوا فدخلوا دار السَّلطنة فنزل منكورس [١] الشِّحْنَة، وكان أحد الأبطال المذكورين، فأحاط بهم وقتل منهم جماعة، ورمى الباقون أنفسهم فِي الماء. واتّصل القتال، وكان الخليفة يفرّق كلّ يوم نحوا من مائة كرّ [٢] . وفي بعض الأيّام فرّق على الْجُنْد خمسة وعشرين ألف نشابة، والكلّ من عنده، لم يكلّف أحدا ولا استقرض.
وحكى الزَّجّاج الحلبي [٣] أنَّه عمل فِي هذه النَّوبة ثمانية عشر ألف قارورة للنِّفْط.
وفي خامس ربيع الأوّل خرج منكورس، وقيَماز السُّلْطانّي، والخيّالة، والرَّجّالة، فحملوا اثنتي عشر حملة، واقتتلوا.
وفي العشرين من ربيع الأوّل جاءوا بالسّلالم [٤] التي عملوها، وكانت أربعمائة سُلَّم، لينصبوها على السُّور فلم يقدروا، وأصبحوا يوم الجمعة، فلم يجر يومئذ كبيرُ قتال، وهي الجمعة الثّالثة الّتي لم تُصَلَّ بها الجمعةُ ببغداد فِي غير جامع القصر.
ثُمَّ قَدِمَتْ بِنْت خُوارَزْم شاه زَوْجَة سليمان شاه، وكانت قد أصلحت بين ملك شاه وبين الأمراء جميعهم فِي هَمَذان، وجاءت فِي زيّ الحُجَّاج الصُّوفية إلى المَوْصِل وعليها مُرَقَّعَة، ومعها رِكابيّ فِي زِيّ شحّاذ. ثُمَّ جاءت حَتَّى صارت فِي عسكر مُحَمَّد شاه، وتوصّلت وعبرت إلى الخليفة، فأُكرِمت وأُفْرِدت لها دار. وأخبرت بدخول ملك شاه همذان، وبأنّه نهب دور المخالفين.
стр. 17889
وفي الخامس والعشرين منه صعِد أهل بغداد السُّوَر بالسّلاح، وجاء العدوّ ومعهم السّلالم، وهمّوا بطمّ الخندق، فخرج النّاس واقتتلوا.
وفي التّاسع والعشرين منه نادوا: اليوم يوم الحرب العظيم، فلا يتأخَّرنَّ أحدٌ، فخرج النّاس ولم يجر قتال.
وبعث مُحَمَّد شاه إلى علي كَوْجَك يعاتبه ويقول: أنت وعدتني بأخْذ بغداد، فبغداد ما حصَّلْت، وخرجت من يدي هَمَذَان، وأخربت بيوتي وبيوت أمرائي. فأنا عازم على المُضِيّ، فشجّعه ونخّاه وقال: نمدّ الجسر، ونعبر، ونطمّ الخندق، وكانوا قد صنعوا غرائر وملئوها ترابا، وننصب هذه السّلالم الطِّوال، ونحمل حملة واحدة، ونأخذ البلد.
ثُمَّ أخذوا يتسلّلون، وقَلَّتْ عليهم الميرة، وهلك منهم خلْق. ثُمَّ استأمن خلْقٌ كثير منهم وخامروا، ودخلوا، وأخبروا بأنَّ القوم على رحيل.
وفي العشرين من ربيع الآخر جرى قتال، وعُطّلت الجمعة إلّا من جامع القصر، وهي الجمعة السّابعة، ووقع الواقع بين مُحَمَّد شاه وبين كَوْجَك. وهو يُطْمِعُه ويهوّن عليه أخْذَ بغداد.
ثُمَّ نصبوا الجسر، وعبر أكثر عسكر مُحَمَّد شاه، وعبر مُحَمَّد شاه من الغَد فِي أصحابه إلى عَشِيَّة، فَلَمّا كان العشاء قطع كوجك الجسر، وقلع الخِيَم، وبعث نقْله طول اللّيل. ثُمَّ أصبح وضرب النّار فِي زواريق الجسر، وأخذ خزانة مُحَمَّد شاه وخزانة وزيره، ورحل [١] . وبقي مُحَمَّد شاه وأصحابه بقيّة يوم الثّلاثاء. ثُمَّ وثب هُوَ وعسكره، فمنع الخليفة العسكر من أن يلحقوه، ونهب أصحاب مُحَمَّد شاه بعض الأعمال، ثُمَّ قال الخليفة: اذهبوا إلى هَمَذَان فكونوا مع ملك شاه. وخلع عليهم، وفرح النّاس بالسّلامة.
стр. 17890
ثمّ ركب الخليفة [يفتقد السّور] [١] من أوّله إلى آخره، وكثُرت الأمراض وغَلَت الأسعار.
ثُمَّ جاء الخبر بوفاة السّلطان سَنْجَر، فقُطِعت خطْبته [٢] .
[غزو رستم الإسماعيلية]
وفيها غزا رستم بْن عليّ بْن شهريار الملك مازِنْدَران بلاد أَلَمُوت وأوطأ الإسماعيليّة ذُلا، وخرّب بلادهم، وسبى النّساء والأولاد، وغنم، وخُذِلت الإسماعيليّة، وخربت عامَّة قراهم [٣] .
[خروج الإسماعيلية على الحجَّاج]
وفيها خرجت الإسماعيليّة لعنهم اللَّه، على حُجّاج خُراسان، فاقتتلوا وثبت الفريقان إلى أن قُتل أمير الحاج، فذلّوا وألقوا بأيديهم، وقتلهم الإسماعيلية قتلا ذريعا، وعظُم المُصاب ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ [٤] .
وصبَّحهم من الغد شيخ فِي المقتلة ينادي: يا مسلمين، يا حُجّاج، ذهب الملاحدة وأنا مُسْلِم، فمن أراد الماء سقيته. فكان كلّ من كلَمه أجهز عليه، فهلكوا أجمعين إلّا القليل [٥] .
[خراب خُراسان]
وأمّا خُراسان فخربت على يد الغزّ، ومات سلطانها سنجر، واختلف
стр. 17891
أمراؤه بعده، وغلب كلّ مقدَّم على ناحية واقتتلوا، وَجَرت أمورٌ طويلةٌ بخُراسان، فالأمر للَّه.
واشتد بخُراسان القَحْط، وأُكِلت الْجِيف.
قال ابن الأثير: فكان بِنَيْسَابُور طبّاخ، فذبح إنسانا علويّا وطبخه، ثُمَّ ظهر ذلك فقتل الطّبّاخ [١] .
[سفر الخليفة إلى أوانا]
وسافر الخليفة إلى أوانا ودُجَيْل، ثُمَّ رجع. ثُمَّ راح يتصيَّد، ورجع بعد عشرة أيّام [٢] .
[انتصار نور الدِّين على الفرنج عند صفد]
وفيها كانت وقعة عظيمة بين نور الدِّين وبين الفرنج على صفد، ونصر عليهم. ثُمَّ جاء إلى الخليفة رسولُهُ برءوس الفرنج وبتُحَفٍ وهدايا [٣] .
[الزلازل بالشام]
وفيها، وفي سنة إحدى وخمسين، كان بالشّام زلازل عظيمة هدّمت فِي ثلاثة عشر بلدا، منها خمسة للفرنج، وبدَّعُت فِي شَيْزَر، وحماه، والَمَعَرَّة وَحصن الأكراد، وطرابُلُس، وأنطاكية، وحلب. فأمّا حلب فهلك فيها تحت الرّدم خمسمائة [٤] نفس، وأمَّا حماه فهلكت جميعها إلّا اليسير، وأمّا شَيْزَر فما سلِم منها إلّا امْرَأَة وخادم، وهلك جميع من فيها، (وتسلّمها نور الدّين،
стр. 17892
فجدّد عمارتها وحصّنها. وهي على جبل منيع بقي فِي يدي بني مُنْقِذ نحو مائةٍ وعشرين سنة أو أكثر) [١] .
وأمّا كفر طاب فما سِلم منها أحد، وأمّا فامية فهلكت وساخت قلعتها.
وأمّا حمص فهلك بها عالَمٌ عظيم، وأمّا المَعَرَّة فهلك بعضها. وأمّا تلّ حَرّان فإنّه انقسم نصفين، وظهر من وسطه نواويس وبيوت كثيرة. وأما حصن الأكراد وعِرْقة فهلكا [٢] جميعا، وسِلم من اللّاذقية نفر.
وأمّا طرابُلُس فهلك أكثرها، وأمّا أنطاكية فسِلم نصفُها [٣] .
قال ابن الجوزيّ فِي «المنتظم» [٤] : وصل الخبر فِي رمضان بزلازل كانت بالشّام عظيمة فِي رجب، ثمّ ذكر هذا الفصل.
قلت: اللَّه أعلم بصحَّة ذلك وبحقيقة تفاصيله [٥] .
[إنفاق الوزير ابن هبيرة للإفطار]
قال: وفي رمضان أنفق الوزير ابن هُبَيْرة للإفطار طول الشّهر ثلاثة آلاف
стр. 17893
دينار، وكان يحضر عنده الأماثل. وخلع على المُفْطرين عنده الخِلَع [السَّنِيَّة] [١] .
[استعادة غزَّة من الفرنج]
وفيها افتتح عسكر المسلمين غزَّة واستعيدت من الفرنج [٢] .
[تَسَلُّم بانياس]
وتسلَّم نور الدِّين بانياس من الفرنج [٣] .
[انقراض دولة الملثّمين]
وفيها انقرضت دولة الملثمين بالأندلس وتملّك عَبْد المؤمن مدينة المَرِيَّة، واستعمل أولاده على الأندلس، ولم يبق للملثّمين إلّا جزيرة مَيُورقَة [٤] .
[تسلُّم المريَّة من الفرنج]
وكانت المَرِيَّة بيد الفرنج من عشر سنين، فنازلها أبو سَعِيد بْن عَبْد المؤمن، وحاصرها برا وبحرا ثلاثة أشهر، وبنى بإزائها سورا، وجاع أهلها فسلّموها بالأمان [٥] .
[كتابة السلطان سَنْجَر إلى نور الدِّين بخلاصه من الغُزّ]
وفي صَفَر ورد على نور الدِّين كتاب السّلطان أبي الحارث سنجر بن ملك شاه بالتّشوُّق إليه، وما ينتهي إليه من جميل أفعاله، وإعلامه بما منَّ اللَّه عليه من خلاصه من الشّدَّة، والخلاص من أيدي الغُزِّ بحيلة دبّرها بحيث عاد
стр. 17894
إلى منصبه من السَّلْطنة، ووعده بنصره على الفرنج. فأمر نور الدِّين بزينة دمشق، وفعل فِي ذلك ما لم تَجْرِ بهِ عادةٌ فيما تقدَّم فِي أيّام ملوكها. وأمر بزينة قلعتها، فجُلِّلت أسوارُها بالْجَوَاشن، والدّروع، والتّراس، والسّيوف، والأعلام، وأنواع الملاهي، وهرعت الخلائق والغُرباء لمشاهدة هذا فأعجبهم وبقي أسبوعا [١] .
[هزيمة الفرنج عند بانياس]
ثُمَّ جاءته الأخبار بإغارة الفرنج على أعمال حمص وحماه [٢] .
ثُمَّ سارت الفرنج فِي سبعمائة فارس، سوى الرّجّالة إلى ناحية بانياس، فوقع عليهم عسكر الْإِسْلَام ونزل النَّصر، فلم ينْجُ من الملاعين إلّا القليل، وصاروا بين أسيرٍ وجريح وقتيل، وذلك فِي ربيع الأوّل. وجاءت الرءوس والأسرى، وكان يوما مشهودا [٣] .
ثُمَّ تهيَّأ نور الدِّين للجهاد، وجاءته الامداد، ونودي فِي دمشق بالتَّأهب والحثّ على الجهاد، فتبِعَه خلْقٌ من الأحداث والفقهاء والصّلحاء، ونازل بانياس. و [جدّ] [٤] ملك الفرنج فِي حصارها، فافتتحها بالسّيف.
ثُمَّ إنّ الفرنج تحزّبوا وأقبلوا لينصروا هنفري صاحب بانياس وهو بالقلعة، فوصل ملك الفرنج بجموعه على حين غفْلة، فانقطع جيش الإسلام، ووصلوا هُمْ إلى بانياس، فحين شاهدوا ما عمّها من خراب سورها ودُورها يئسوا منها [٥] .
[إنتصار نور الدِّين على الفرنج عند طبرية]
ثُمَّ إنّ الملك نور الدِّين عرف أن الفرنج على الملّاحة [٦] بقرب طبريّة،
стр. 17895
فنهض بجيوشه، وجَدّ فِي السَّيْر، فشارفهم وهم غارُّون [١] ، وأظّلَّتْهم عصائبه، فبادروا الخيل، وافترقوا أربع فِرَق، وحملوا على المسلمين، فترجَّل نور الدِّين، وترجَّلت معه الأبطال، ورموا بالسّهام، ونزل النّصر، ووقع القتل والأسر فِي الكَفَرة.
قال أبو يَعْلَى [٢] : فلم يفلت منهم، على ما حكاه الخبير الصّادق، غيرُ عشرة نَفَر، قيل إنَّ ملكهم فيهم، وقيل قُتِلَ. ولم يُفْقَد من المسلمين الأجناد سوى رجلين، أحدهما من الأبطال قتل أربعة من شجعان الفرنج واستشهد.
وفرح المؤمنون بهذا النّصر العزيز، وجيء بالرءوس والأسرى إلى دمشق، والخيّالة على الْجِمال، والمقدَّمون على الخيل بالزَّرِدِيّات والخوَذ، وفي أيديهم أعلامهم. وضجَّ الخلْق بالدّعاء لنور الدِّين [٣] .
[الزلازل بالشام]
وفيها جاءت عدة زلازل عظيمة بالشّام [٤] .
[مهادنة نور الدِّين للفرنج]
ثُمَّ جاءت الأخبار بوصول السّلطان مَسْعُود للنّزول على أنطاكية، فاضطرّ نور الدِّين إلى مهادنة الفرنج، ثُمَّ توجّه إلى حلب [٥] .
[خراب المدن بالزلازل]
وجاءت الأخبار من الشّمال بما يُرعب النّفوس من شأن الزّلزلة، بحيث انهدمت حماه وقلعتها ودُورها على أهلها ولم ينج إلّا اليسير. وأمّا شيزر فانهزم حصنها على واليها تاج الدّولة ابن منقذ. وأمّا حمص فهرب أهلُها منها وتلفت قلعتُها. وأمّا حلب فهدّمت بعض دُورها، وتلفت سلمية وغيرها.
стр. 17896
ثُمَّ جاءت عدَّة زلازل فِي أشهُرٍ مختلفة، ورّخها حمزة التّميميّ [١] .
[مرض نور الدِّين]
وفي رمضان مرض [٢] الملك نور الدِّين مرضا صعبا، فاستدعى أخاه نُصرة الدِّين أمير ميران، وأسد الدّين شيركوه والأمراء، فقرّر معهم أنّ الأمر من بعده لأخيه لاشتهاره بالشجاعة، فيكون بحلب، وينوب عَنْهُ بدمشق شيركوه، وحلفوا لَهُ وتوجه فِي المحفّة إلى حلب، فتمرّض بالقلعة، وهاج النفاق والكُفْر، وشنّعوا بموت نور الدّين. وذهب نضرة الدِّين إلى حلب، فأغلق مجد الدِّين والي القلعة بابها وعصى، فثارت أحداث حلب وقالوا: هذا ملكنا بعد أخيه، وحملوا السّلاح، وكسروا باب البلد، ودخله النّضرة.
واقترحوا على النّضرة أشياءَ منها إعادة التأذين بحيَّ على خير العمل، مُحَمَّد وعلي خير البَشَر، فأجابهم ونزل فِي داره.
ثُمَّ عوفي نور الدِّين وتوجه النُّصرة إلى حَرّان، وكان قد وليها، وقدِم نور الدين دمشق [٣] .
стр. 17897
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
[الاتفاق بين ملك شاه وأخيه]
وقع الاتّفاق بين ملك شاه وأخيه مُحَمَّد شاه، وأمدّه بعسكر ففتح به خوزستان، ودفع عَنْهَا شملة التُرْكمانيّ [١] .
[زيارة المقتفي مشهد الْحُسَيْن]
وفي ربيع الآخر زار المقتفي مشهد الْحُسَيْن ﵁، ومضى إلى واسط، وعبر فِي سوقها [٢] .
[إنفاق الوزير على مرضه]
وكان الوزير مريضا، فأنفق فِي مرضته نحو خمسة آلاف دينار لابن التلميذ الطبيب حمله [٣] .
[خروج الخليفة إلى المدائن]
وخرج الخليفة إلى المدائن، ثُمَّ خرج مرَّة أخرى إلى المدائن. وخرج يوم الفِطْر. وكان موكبه بتجمُّلٍ وحشمة لم يعهد مثلها من الأعمار [٤] .
стр. 17898
[وقوع المطر]
ووقع فِي شوال مَطَر وبَرَد أكبر من البَيْض [١] .
[حروب الغُزّ]
وأمّا خُراسان فكانت الغُزّ قد شبعوا، وسكنت سَوْرَتُهم، واستوطنوا بلْخ، وتركوا النَّهْب. واتفقوا على طاعة الخاقان محمود بْن مُحَمَّد ابن أخت سَنْجَر، وأتابكه الأمير أي به، فَلَمّا دخل شعبان سارت الغُزّ إلى مَرْو، فنهض لحربهم الأمير المؤيَّد، فظفر بهم، وقتل بعضهم، فدخلوا مرْو. فجاء الخاقان من سرخس، وانضمّ إليه المؤيَّد، فالتقوا فِي شوّال، فكان بينهم مصافّ لم يُسْمَع بِمِثْلِهِ، وبقي القتال يومين. وتواقعوا مرّات عديدة وانهدم الغُز ثلاث مرّات، ثُمَّ يعودون للقتال، فَلَمّا طلع الضّوء من اللّيلة الثانية انجلت الحرب عن هزيمة الخُراسانيَّة، وظفر الغُزِ بهم قتْلًا وأسْرًا، وعادوا إلى مَرْو، وقد استغنوا عن الظُّلْم المُفرِط فشرعوا فِي العدْل وإكرام العلماء.
ثُمَّ أغاروا على سرخس وأخربوا رساتيقها، وعملوا كلّ شرّ. وَقُتِلَ من أهل سرخس نحوٌ من عشرة آلاف نفس، وعادوا إلى مَرْو، وتقهقر الخاقان بعساكره إلى جُرْجان. فَلَمّا دخلت سنة أربعٍ بعث إليه الغُزّ يسألونه القُدوم ليملكوه كَمَا كان فلم يركن إليهم.
فأرسلوا يطلبون ابنه جلال الدِّين مُحَمَّد. وتردّدت الرُّسُل، فبعث إليهم ابنه، ولمَّا اطمأنَّ هُوَ سار إليهم، وكان مستضعفا معهم فِي السَّلطنة [٢] .
[حجّ ابن الْجَوْزِيّ]
قال ابن الْجَوْزِيّ [٣] : وحججت فيها، وتكلّمت بالحرم مرّتين.
стр. 17899
[مصرع الإسماعيلية الخُراسانية]
وفيها مصرع الإسماعيلية الخُراسانييّن. وذلك أنّهم نزلوا في ألف وسبعمائة رَجُل على زُوق [١] كبير للتُّرْكُمان، فلم يجدوا به الرّجال، فسبُوا الذُّرّيَّة، وحازوا الزّوق، وقتلوا الرجال وأحرقوا الأشياء الثّقيلة. وبلغ الخبر عسكر التُّركُمان، فأسرعوا فأدركوا الإسماعيلية لعنهم اللَّه، وهم يقتسمون الغنيمة، فأحاطوا بهم، ووضعوا فِيهِم السّيف، وألقى اللَّه الذّلّ على الإسماعيليّة، واستولى عليهم القتْل والأسر، فلم ينْج منهم إلّا تسعة أنفُس.
قاله ابن الأثير [٢] .
[غارة جيش مصر على غزَّة وعسقلان]
وفي صَفَر خرج جيشٌ من مصر فأغاروا على غزة، وعسقلان، ونواحيها، فالتقاهم الفرنج، فانتصر المصريّون، ووضعوا فِي الفرنج السّيف بحيث لم يفلت إلّا الشّريد، ورجعوا بالغنائم [٣] .
[غارة نور الدِّين على صيدا]
وخرج نور الدِّين من دمشق بآلات الحرب مجدّا فِي جهاد الفرنج، وأغار عسكره على أعمال صيدا، فقتلوا خلْقًا [٤] .
[السَّيْل الأحمر]
وفي أوّل تمّوز جاء سَيْلٌ أحمر بِبَرَدٍ كَمَا يجيء في الشتاء، وكثر التعجب منه [٥] .
стр. 17900
[نجاة نور الدِّين بعد انهزام عسكره]
ثمّ التقى نور الدِّين الفرنج، فانهزم عسكره، وثبت هُوَ ساعة، ثُمَّ ولّى العدوّ خوفا من كمينْ يكون للمسلمين، ونجّى اللَّهُ نورَ الدِّين وسلَّمه [١] .
[تحريض نور الدِّين على فرض الرسوم]
وفي رجب تجمَّع قومٌ من الظَّلمة وعزموا على تحريض نور الدِّين على إعادة ما كان أبطله، وتملك دمشق من رسوم دار البِطّيخ [٢] والأنهار، وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار حتّى أُجيبوا إلى ما راموه، وعَسَفُوا النّاس، ثُمَّ أبطل نور الدِّين ذلك كلّه بعد أربعين يوما [٣] .
[خروج ملك القسطنطينية لقتال المسلمين]
وفيها بدر ملك الروم من القُسطنطينيَّة بجيوشه، وقصد ممالك الإسلام، ووصلت خيله غائرة على أعمال أنطاكية، فتأهّب المسلمون للجهاد [٤] .
стр. 17901
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
[الرضا عن ترشك]
فيها وقع ترشك ولم يُشعر به إلّا وقد ألقى نفسه تحت التّاج ومعه كَفَن، فوقع الرضا عَنْهُ [١] .
[انتهاب الغُزّ نَيْسابور]
وفيها عاد الغُزّ ونهبوا نيسابور، وكان بها ابن أخت سَنْجَر، فهرب إلى جُرْجان [٢] .
[وقوع الخليفة]
وفيها سافر الخليفة إلى واسط، فرماه فرسه، وشُجَّ جبينه بقبيعة السّيف [٣] .
[وقوع البَرد]
ووقع بَرد كبار أهلك أماكن.
وذُكِر أنّه كان فِي البَرَد ما وزْنه خمسة أرطال ونحو ذلك [٤] .
стр. 17902
وقيل إنّهم رأوا بَرَدَة فيها تسعة أرطال [١] .
وفيها كان الغرق ببغداد، ووقع بعض سورها، وسقطت الدُّور [٢] .
قال ابن الْجَوْزِيّ [٣] : لم نعرف درْبَنَا إلّا بمنارة المسجد، فإنّها لم تقع.
وغرقت مقبرة الإمام أَحْمَد، وخرجت الموتى على وجه الماء، وكانت آية عجيبة [٤] .
[أخْذُ عَبْد المؤمن المهديَّة بالأمان]
وفيها سار عَبْد المؤمن فِي نحو مائة ألف فنازل المَهْدية، فحاصرها برّا وبحرا سبعة أشهر، وأخذها بالأمان [٥] .
[غرق الفرنج]
وركب الفرنج فِي البحر قاصدين صَقَلِّية فِي الشّتاء، فغرق أكثرهم.
وكان ملك الفرنج قال: إن قتل عَبْد المؤمن نصارى المهديَّة فلأقتلنّ من عندي من المسلمين بصَقَلّية. ولعلّ أكثر رعِيّته بصَقَلّية مسلمون، فأهلك اللَّه النصارى بالغرق. وكان مدَّة ملكهم للمهديَّة اثنتي عشرة سنة، ودخلها عَبْد المؤمن يوم عاشوراء سنة خمسين فبقي بها أيّاما. وكان قد افتتح تونس، فنازلها أسطولُه فِي البحر ستون شينيا، وأخذها بالأمان على مشاطرة أهلها أموالهم، لكونه عرض عليهم أولا التّوكيد والأمان، فأبوا عليه. وبعدها افتتح المهديّة [٦] .
стр. 17903
[القتال بين العلويَّة والشافعية]
وكان رئيس نَيْسابور هُوَ نقيب العلويّين ذُخْر الدِّين زَيْدُ بْن الحسن الحسيني، فقتل بعض أصحابه أبو الفتوح الفستقاني الشافعيّ، فبعث إلى رئيس الشّافعيَّة مؤيَّد الدِّين الموفّقي يطلب منه القاتل ليقتصّ منه، فامتنع المؤيَّد وقال: إنّما حكمك على العَلَويَّة. فخرج النّقيب وقصد الشّافعيَّة، فاقتتلوا وَقُتِلَ جماعة، وأحرق النّقيب سوق العطّارين وسكَّة معاد، وعظُم البلاء. ثُمَّ جمع المؤيَّد جموعا وجيّش، والتقى هُوَ والعلويَّة فِي شوّال سنة أربع، واشتدّ الحرب، وأُحرقت المدارس والأسواق. واستمرّ القتل بالشّافعية، فالتجأ المؤيَّد إلى قلعة فرخك، وخربت نَيْسابور بسبب هذه المصيبة الكبرى. وأمّا المؤيَّد أبه الأمير فإنّه جرت لَهُ فصول وأسر، ثُمَّ هرب، وقدِم نَيْسابور، فنزل إليه المؤيِّد رئيس الشّافعيَّة، وتحصّن العَلَويّ بنَيْسابور، واشتدّ الخَطْب على المُعَتَّرِين الرّعية، وتمنّوا الموت، وسُفِكت الدّماء، وهُتِكت الأستار، وخرّبوا ما بقي من البلد، وبالَغَ الشّافعيَّة فِي الانتقام، وخرّبوا مدرسة الحَنَفِيَّة، واستؤصلت نَيْسابور، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. هذا ملخّص ما نقله ابن الأثير فِي «كامله» [١] .
[الخلاف بين قطب الدِّين مودود وأمير ميران]
ومرض نور الدِّين فِي آخر الماضية وأوّل سنة أربعٍ وضعف، فعهد بالأمر بعده لأخيه قُطْب الدِّين مودود صاحب الموصل. وقال: ابن أخي أمير ميران لا أرتضيه لتولية أمور المسلمين لسوء أفعاله وأخلاقه. فحلفت له الأمراء وكاتب جماعة من الكبار أمير ميران يحثُّونه على المجيء ليستولي على الشام، فبادر وقطع الفُرات، فبعث أسد الدِّين عسكرا فردّوه. وبلغ صاحبَ الموصل الخبرُ، فبعث وزيره كمال الدّين محمد بن عليّ الجواد، فدخل
стр. 17904
دمشق فِي أحسن زِيّ، وأبهى تَجَمُّل، وهو حميد الخِلال، كثير الإنفاق فِي وجوه البِرّ، فصادف نور الدِّين قد عوفي [١] .
[الزلازل بدمشق]
وجاءت بدمشق زلازل مهولة صعْبة، فسبحان من حرَّكها وسكَّنها [٢] .
[مصالحة نور الدِّين ملك القسطنطينية]
وصالح نور الدِّين ملك الروم القادم من القسطنطينيّة وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مقدَّمي الفرنج، فأطلقهم نور الدِّين، فبعث لنور الدِّين عدَّة أثواب مثمّنة وجواهر، وخيمة من الدّيباج، وخَيْلًا، وردّ إلى بلاده، ولم يؤذِ أحدا. واطمأنّ المسلمون [٣] .
[إقامة نور الدِّين سِماطًا لقطب الدِّين]
وجاء الخبر إلى دمشق بأنّ الملك نور الدِّين صنع لأخيه قُطْب الدِّين ولجيشه الَّذِين قدموا للجهاد فِي يوم جمعة سِماطًا عظيما هائلا، تناهى فِيهِ بالاستكثار من ذَبْح الخيل والبقر والأغنام، بحيث لم يُشاهَد مثلُه. وقام ذلك بجملةٍ كثيرة. وفرَّق من الخيل العربيَّة جملة، ومن الخِلَع شيئا كثيرا. وكان يوما مشهودا [٤] .
[تسليم حرّان لزين الدِّين]
ثُمَّ توجّه إلى حرّان وانتزعها من يد أخيه أمير ميران، وسلّمها إلى الأمير زين الدِّين عليّ إقطاعا له.
إلى هنا زدْتُه من «تاريخ ابن القلانسيّ» [٥] .
стр. 17905
[أسر ابن أخت ملك الروم]
وفيها جمع ملك الروم جَمْعًا عظيما، وقصد الشّام، فضاق بالمسلمين الأمر، فنصر اللَّه تعالى، وأُسر ابن أخت ملكهم، وغنم المسلمون، وعادوا خائبين [١] .
[موت مُحَمَّد شاه]
وفيها مات مُحَمَّد شاه ابن السّلطان محمود الَّذِي [٢] حاصر بغداد. مات بهَمَذان [٣] .
[خروج عَبْد المؤمن إلى بلاد إفريقية]
قال عَبْد المنعم بْن عُمَر المغربي فِي أخبار ابن تُومَرْت: وفي سنة أربع وخمسين توجّه أمير المؤمنين عَبْد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فتجهّز فِي مائة ألف فارس مُحصاةٍ فِي ديوانه، ومعهم من السُّوقة والصُّنّاع والأتباع أضعافهم مِرارًا.
قال: وكان هذا الجمع الحفل يمشون بين الزُّرُوع فِي الطُّرُق الضّيّقة، فلا يكسرون سُنْبلة، ولا يطئونها من هيبة الأمير، وكان حملهم وأسواقهم مسافة فرسخين، وكلّهم يصلّون الخَمْس وراء إمام واحد بتكبيرة واحدة، ولا
стр. 17906
يتخلّف أحدٌ عن الصّلاة إذا قامت، كائنا من كان من أصناف الجيش والسُّوقة وغيرهم.
وكان عَبْد المؤمن يسير وحده منفردا أمام الجيوش ليس معه فارس إلّا ابنه وليّ عهده وراءه. وحوله من عبيده السّودان ألوف بالرماح والدّرَق.
قال: ولم يكن فِي دولته أحدٌ يُسمّى بالأمير ولا بالوالي، وإنّما يسمّون الطَّلبة لأنّها دولة مَبْنية على العِلْم، ومَن دون الطَّلَبة يُسمّون الحُفّاظ. وأمّا أولاد أمير المؤمنين فيُسَمَّوْن بالسّادة. ولا يجتمع النّاس عنده فينصرفون إلّا عن دعاءٍ منه، ويؤمَّن الحاضرون. وما لبس إلّا ثياب الصّوف طول عمره [١] .
стр. 17907
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
[سلطنة سُلَيْمَان شاه]
فيها أفرج عليّ كَوْجَك عن سُلَيْمَان شاه بْن مُحَمَّد وسلطنه وخطب له، وبعثه إلى هَمَذان، وذهب ابن أخيه ملك شاه بْن محمود إلى أصبهان طالبا للملك [١] ، فمات بها.
[منع المحدَثين من السماع بجامع القصر]
وفيها منع المُحْدَثُون من السَّماع فِي جامع القصر لأنّ بعض الأحداث قرءوا شيئا من الصّفات وأَتْبَعوه بذمّ المناوئين [٢] ، فمُنِعوا.
[وفاة المقتفي لأمر اللَّه]
وفي ثاني ربيع الأوّل تُوُفّي المقتفي لأمر اللَّه، وطُلِبت النّاس نصف النّهار لبيعة المستنجد باللَّه، فأوّل من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جَعْفَر، وكان أسنّ من أخيه المستنجد، ثُمَّ بايعه ابن هبيرة، وقاضي القضاة [٣] .
стр. 17908
[الخطبة لرسلان شاه] [١]
وفي شوّال اتّفق الأمراء. بهَمَذَان على القبض على سُلَيْمَان شاه وخطبوا لرسلان شاه ابن طُغْرُل [٢] .
[العفو عن عليّ كَوْجَك]
وفيه ورد عليّ كَوْجَك إلى بغداد قاصدا للحجّ، فخُلع عليه وعُفي عَنْهُ ما أسلف من حصار بغداد مع مُحَمَّد شاه [٣] .
[وفاة قاضي القضاة الثقفي]
وولي قضاء القضاة أبو جَعْفَر الثّقفي، وعُزِل أبو الْحَسَن عليّ بْن أَحْمَد الدّامغَانيّ فلم يبق الثّقفيّ إلا أشهُرًا ومات، فولي مكانه ولده جَعْفَر [٤] .
[موت الفائز]
وفيها مات الفائز خليفة مصر، وعاش عشر سنين أو أكثر، وكان [صبيّا] [٥] . وقام بعده العاضد آخر خلفاء الباطنيّة.
стр. 17909
[عمارة المؤيِّد نَيْسابور]
وأمّا نَيْسابور فشرع فِي عمارتها المؤيِّد أي أَبَه، واستقلّ بمملكتها، وأحسن إلى النّاس، فتراجعت بعض الشّيء [١] .
стр. 17910
سنة ستّ وخمسين وخمسمائة
[قطْع خطبة سُلَيْمَان شاه]
فِي المحرَّم قُطِعت خطبة سُلَيْمَان شاه من المنابر، ثُمَّ خُطِب لأرسلان شاه [١] .
[الخطبة لأرسلان شاه]
قال ابن الأثير [٢] : لمّا قتِل سُلَيْمَان شاه أرسلوا إلى إيلدكز صاحب أَرَّان وأكثر أَذَرْبَيْجان، فطلبه الأمير كُردباز [٣] ليخطب لأرسلان الَّذِي معه. وكان إيلدكز قد تزوَّج بأُمّ أرسلان، وولدت له البَهْلَوان بْن إيلْدَكز. وكان إيلْدَكز أتابَكَه وأخوه لأمّه البَهْلَوان حاجبه.
وكان إيلدكز مملوكا للسّلطان مَسْعُود، فأقطعه أرَّان وبعض أَذَرْبَيْجان، ووقع الاختلاف، فلم يحضر إيلدكز عند فرقتهم أصلا. وعظُم شأنه، وجاءته الأولاد من أمّ السّلطان أرسلان فسار إيلْدَكز فِي العساكر، وهم نحوٌ من عشرين ألفا، ومعه أرسلان بْن طُغْرُل بْن مُحَمَّد بن ملك شاه فتلقّاهم ابن كردباز، وأنزله بهمذان في دار السّلطنة، وخطب لأرسلان [٤] .
стр. 17911
ثُمَّ بعثوا إلى بغداد يطلبون له السّلطنة، فأُهين رسولهم.
وكان قد تغلّب على الرَّيّ الأمير إينانج، وقوي حاله، فصالحه، إيلْدَكز، وزوَّج ولده البَهْلَوان بابنة إينانج وزُفَّت إليه بهَمَذان [١] .
[انهزام البَهْلَوان]
ثُمَّ التقى البَهْلَوان وصاحب مَرَاغَة آقْسُنْقُر، فانهزم البَهْلَوان فجاء إلى هَمَذَان على أسوأ حال [٢] .
[النهب والإحراق بنيسابور]
وفيها كثُر اللّصوص والحراميّة بنيسابور، ونهبوا دُور النّاس نهارا جهارا، فقبض المؤيِّد على نقيب العلويّين أبي القَاسِم زَيْدُ الحسينيّ وعلى جماعةٍ، وقتل جماعة، وخُرِّبت نَيْسابور. وممّا خُرّب [٣] سبع عشرة مدرسة للحنفيَّة [٤] ، وأُحرقت خمسُ خزائن للكُتُب، ونُهِبَت سبْعُ خزائن، وبيعت بأبخس الأثمان. وخرب مسجد عقيل [٥] .
[الخوف من الفتنة بين الرافضة والسُّنَّة]
وانتشر فِي هذه الأيّام، وقت عاشوراء، الرَّفْض والتّسِنُّن حَتَّى خيف من فتنة تقع.
стр. 17912
[ركوب المستنجد للصيد]
وفيه ركب المستنجد باللَّه وراح إلى الصَّيد، ثُمَّ بعد أيّام خرج أيضا إلى الصَّيد [١] .
[الرخص ببغداد]
وكان الرخص كثيرا ببغداد، فأُبيع اللَّحْم أربعة أرطال بقيراط، والبيض كلّ مائة بقيراط [٢] .
[مقتل الصالح طلائع بْن رُزّيك]
وفيها كان مقتل الملك الصّالح طلائع بْن رُزّيك، واستولى على مصر شَاوَر [٣] .
стр. 17913
سنة سبع وخمسين وخمسمائة
[رجوع الحاجّ العراقي]
فمن الحوادث فيها أنّ الحاجّ العراقيّ وصلوا مكَّة، فلم يدخل أكثرهم لَفتَنٍ جرت، وإنّما دخلت شِرْذِمَة، ورجع أكثر النّاس بلا حَجّ [١] .
[خروج الخليفة للصيد]
وفيها خرج الخليفة للصّيد على طريق واسط [٢] .
[الحريق ببغداد]
ووقع فيها حريقٌ عظيم ببغداد، احترق سوق الطَّير، والبُزُورييّن وإلى سوق الْصفر والخان، واحترق كثير من الطّيور [٣] .
[انتصارُ المسلمين على الكُرج]
وفيها كان مصافٌ كبير وحرب شديد بين جيوش أَذَرْبَيْجان، وأرمينية، وبين الكُرْج، فنُصِر المسلمون، وغنموا ما لا يحُدّ ولا يوصف [٤] .
стр. 17914
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
[عودة الحجيج]
جاءت الأخبار بما تمّ على الحجيج، عاث عُبَيْد مكَّة فِي الركْب، فثار عليهم أصحاب أمير الحاجّ، فقتلوا منهم جماعة، فردّوا إلى مكَّة وتجمّعوا، ثُمَّ أغاروا على جمال الحاجّ، فانتهبوا نحْوًا من ألف جَمَل، فركب أمير الحاجّ وجُنْده بالسّلاح، ووقع القتال وَقُتِلَ طائفة. ثُمَّ جمع الأمير النّاس، ورجع بهم ولم يطوفوا [١] .
[بناء كشك الخليفة والوزير]
وفيها بُني ببغداد كشْك للخليفة وكشْك للوزير، وأنفق عليهما مبلغ عظيم [٢] .
[ثورة بني خفاجة]
وثارت بنو خَفَاجة بالعراق، فعاثت وأفسدت. وكانت القوافل تؤخذ إلى باب الحربيّة [٣] .
стр. 17915
[قتل العادل بْن الصالح طلائع]
وفيها قُتِلَ العادل بْن الصّالح طلائع بْن رُزّيك، وقام بعده شَاور [١] .
[استيلاء المؤيِّد على بسطام ودامغان]
وفيها سار المؤيِّد أي أَبَه صاحب نَيْسابور، فاستولى على بسطام، ودامغان، واستعمل عليهما مملوكه تنكز [٢] .
[انتصار المؤيِّد على صاحب مازندران]
وفيها التقى المؤيِّد وصاحب مازَنْدَرَان وانتصر المؤيِّد.
[الخِلَع للمؤيّد]
وفيها بعث السلطان أرسلان بْن طُغْرُل خِلَعًا وأَلْوِيةً معقودة وتقادم إلى المؤيِّد، وأمره أن يهتمّ باستيعاب بملك خُرَاسَان، فلبس الخِلَع.
وكان السّبب فِي ذلك شمس الدِّين إِيلْدَكز أتابَك السلطان. وكان إِيلْدَكز هُوَ الكلّ، وبينه وبين المؤيِّد ودّ وإخاء. وكانت الخطبة فِي مَرْو، وبلْخ، وهَرَاة وهذه البلاد للغُزَ سوى هَرَاة، فإنّها بيد أيْتكِين وهو مسالم للغزّ [٣] .
стр. 17916
[مقتل صاحب الغور]
وفيها قتل صاحب الغور سيف الدِّين مُحَمَّد [١] .
[نجاة نور الدِّين عند حصن الأكراد]
وفيها جمع نور الدِّين جيشه، وسار لغزو الفرنج، ونزل تحت حصن الأكراد ومن عزْمه محاصرة طرابُلُس، فتجمعت الفرنج وكبسوا المسلمين، فلم يشعر التُّرْك إلّا بظهور الصُّلْبان من وراء الجبل، فبعثوا إلى نور الدِّين يعرّفونه، وتقهقروا فرهقتهم الفرنج بالجملة فهربوا، والفرنج فِي أقْفية التُّرْك، إلى المخيم النُّوريّ، فلم يستمكن المسلمون من الأُهْبة، فوقع فيهم القَتْل والأسْر، وقصدوا خيمة السّلطان نور الدِّين وقد ركب فرسه، وطلب النّجاة، فلدهْشته ركب والشَّبْحة فِي رِجْل الفَرَس، فنزل كُرْديّ فقطعها، فنجا نور الدِّين، وَقُتِلَ ذلك الكُرْديّ. ونزل نور الدِّين على بُحَيْرة حمص وقال: والله لا أستظلّ بسقْفٍ حَتَّى آخذ بالثأر. وأحضر الأموال والأمتعة، ولَمَّ شعث عساكره [٢] .
[القضاء على بني أسد]
وفيها أمر المستنجد بقتال بني أسد أصحاب الحِلَّة وإجلائهم عن العراق، فتجمَّع لحربهم عدَّة أمراء وخلْق من العسكر، فخُذِلت بنو [٣] أسد وزالت دولتهم، وَقُتِلَ منهم نحو أربعة آلاف، وتفرّق الباقون، وقُطِع دابرهم.
ولم يبق فِي هذا الوقت أحد يعرف بالعراق من الأسديّين [٤] .
стр. 17917
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
[مقتل بعض اللصوص]
فيها خرج ببغداد تسعة من اللُّصوص فقُتِلوا [١] .
[كسرة الفرنج]
وفيها كسر نور الدِّين الفرنج كسْرةً هائلة وأخذ الإبرنس والقُومّص أسيرين [٢] .
[قتل الملك المنصور ضرغام]
وفيها جهّز نور الدِّين جيشا عليهم أسد الدِّين شيركوه إلى مصر نجدة لشاور، لكونه قصده واستجار به. فأوّل دخولهم قتل الملك المنصور ضرغام الَّذِي كان قد قهر شاوَر، وأخذ وزارة مصر منه فِي آخر العام الماضي [٣] .
стр. 17918
[تمكّن شاور من مصر]
ثُمَّ تمكّن شاوَر ولم يلتفت على شيركوه، فاستولى على بِلْبِيس وأعمال الشرقيّة [١] .
[استنجاد شاور بالفرنج]
وأرسل شاوَر يستنجد بالفرنج، فسارعوا إليه، وبذل لهم ذَهَبًا عظيما، فجاءوا من القُدس والسواحل، والتجأ شيركوه وعسكر الشام إلى بِلْبِيس، وجعلها ظهرا له، وحصروه ثلاثة أشهر ومَنَعته مع قِصَر سُورها وعدم خندقٍ لها. فبينا هُمْ كذلك إذ أتاهم الفرنج أنّ نور الدِّين أخذ حصن حارم منهم وسار إلى بانياس، فسقط فِي أيديهم، فهمّوا بالعَودة إلى بلادهم ليحفظوها، وطلبوا الصُّلْح مع شيركوه، فأجابهم لقلَّة الأقوات عليه، وسار إلى الشام سالما [٢] .
[وقعة حارِم]
وفيها وقعة حارِم، وذلك أنّ نجم الدِّين [ألبى] [٣] الأرتقيّ صاحب ماردين نازل حارِم ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج من كلّ
стр. 17919
ناحية، واجتمع طائفة من ملوكهم، وعلى الكل بِيمُند صاحب أنطاكية، فكشفوا عن حارِم، وترحّل عَنْهَا صاحب ماردين، فقصدهم نور الدِّين ﵁، فالتقى الْجَمْعَان، فحملت الفرنج على ميمنة الإسلام فهزمتْها، فيُقال إنّهم انهزموا عن خديعةٍ قُرِّرت، فتبِعَتْهم الفرنج الفُرسان، فمال المسلمون من الميسرة، فحصدت رجاله الفرنج، ثُمَّ ردّت الفُرسان عليهم اللّعنة، فأحاط بهم المسلمون، واشتدّت الحرب، وطاب القتل فِي سبيل اللَّه، وكثُر القتل فِي الفرنج والأسر، فكان فِي جملة الأسرى سلطان [١] أنطاكية، وصاحب طرابُلُس، والدُّوك مقدّم الرّوميّين، وابن جوسلين. وزادت عدَّة القتلى منهم على عشرة آلاف، فلله الحمد على هذا الفتح المبين [٢] .
[فتح قلعة بانياس]
ثُمَّ سار نور الدِّين بعد أن افتتح حارِم، فافتتح قلعة بانياس فِي آخر السّنة. وكان لها بيد الفرنج ستَّة عشر عاما [٣] . ولمّا عاد منها إلى دمشق، قال ابن الأثير [٤] : كان فِي يده خاتم بفَصّ ياقوت يُسمّى الجبل لكبره وحسنه،
стр. 17920
فسقطُ من يده فِي شعرة بانياس، فنفذ وراءه من فتّش عليه فلقِيَه، فقال فِيهِ بعض الشّعراء:
إن يَمْتَرِي [١] الشُّكّاك فيك بأنّ [٢] ... المَهْديّ مُطْفئ جمرة الدّجّال
فلعَودة الْجَبَل الَّذِي أضْللتَه [٣] ... بالأمس بين غياطل [٤] وجبال
فِي أبياتٍ [٥] .
[مقتل الملك أيتكين]
وفيها قتل الملك أيتكين صاحب هَرَاة فِي مصافٍّ بينه وبين عسكر الغور [٦] .
[استيلاء ملك مازندران على قومس وبسطام]
وفيها استولى ملك مازَنْدَران على قُومس، وبِسْطام، بعد أن هزم تنكز مملوك المؤيّد أي أبه [٧] .
стр. 17921
[رجوع ملك القسطنطينية بالخيبة]
وفيها سار ملك القسطنطينيّة، لعنه الله، بجيش عرمرم وقصد الإسلام والبلاد الّتي لقلج أرسلان وابن دانْشمَند، فكان التُّرْكُمان يبيتونهم ويغيرون عليهم باللّيل حَتَّى قتلوا منهم نحْوًا من عشرة آلاف، فرجعوا خائبين. وكفى اللَّه شرّهم، وطمع المسلمون فيهم، وأخذوا لهم عدّة حصون [١] .
стр. 17922
سنة ستين وخمسمائة
[القبض على الأمير ثوبة البدويّ]
فيها خرج الخليفة إلى الصَّيْد، فقبض على الأمير ثوبة البدويّ، وسُجِن ثُمَّ أُهلِك، وكان قد واطأ عسكر هَمَذَان على الخروج [١] .
[مولد أربعة توائم]
وفي يوم النحْر ولدت امْرَأَة من درب بهْرُوز يقال لَهَا بِنْت أبي العزّ [٢] الأهوازي أربع بنات، ولم يُسْمَع بمثل هذا [٣] .
[طرد الغُزّ عن هَرَاة]
وفيها كاتب أهل هَرَاة المؤيِّد صاحب نَيْسابور، فبعث إليهم مملوكه تنكز، فتسلّمها وطرد الغُزّ عن حصارها [٤] .
[الفتنة بأصبهان]
وفيها وقعت فتنةٌ عظيمة آلت إلى الحرب بأصبهان بين صدر الدِّين عَبْد اللّطيف بن الخُجَنْديَ وغيره من أصحاب المذاهب، وسببها التّعُّصب للمذاهب، فدام القتال بين الفريقين ثمانية أيّام، قُتل فيها خلْق كثير، وأحُرق كثير من الدّروب والأسواق. قاله ابن الأثير [٥] .
آخر الطبقة
стр. 17923
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المتوفون في هذه الطبقة
سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
- حرف الألف -
١- أَحْمَد بْن أبي المجد صاعد بْن أبي الغنائم [١] .
الحربيّ [٢] الإسكاف والد عَبْد اللَّه بْن أبي المجد، وهو أخو عُمَر بْن عَبْد اللَّه الحربيّ لأمّه [٣] .
روى عن: أَبِي طَلْحَةَ النّعَالّيّ، والمطرِّف بْن الطُّيُوري، وجماعة.
روى عَنْهُ: مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن ياسين.
وكان صالحا. حافظا للقرآن، يؤمّ النّاس، ويغسّل الموتى ب ... [٤] .
تُوُفّي فِي شعبان عن سبعين سنة رحمه الله تعالى.
стр. 17924
٢- أَحْمَد بْن الفَرَج بْن راشد [١] .
أبو الْعَبَّاس المدنيّ [٢] ، ثمّ البغداديّ. قاضي دجيل.
ولد سنة تسعين وأربعمائة.
وسمع من: أبي غالب بن رزيق، وغيره.
كتب عَنْهُ أبو سَعْد السَّمْعانيّ وقال: كان يسمّع معنا ولده من القاضي أبي سكر [٣] .
٣- أتْسِز بْن مُحَمَّد بْن أَنُوشْتِكِين [٤] .
الملك خُوارَزْم شاه.
أصابه فالج فعالجوه بكُل ممكِنٍ فلم يبرأ، فأعطوه حرارات عظيمة [٥] بغير أمر الطّبيب، فاشتدّ مرضه وخارت قواه، ومات فِي جُمادى الآخرة، وكان يقول عند الموت: مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ٦٩: ٢٨- ٢٩ [٦] .
ووُلد فِي رجب سنة تسعين، وامتدّت أيّامه.
وتملّك بعده ابنه أرسلان فقَتَل نفرا من أعمامه [٧] .
وكان أتْسِز عادلا، عافّا عن أموال الرعيّة، محبّبا إليهم، خيّرا، ذا
стр. 17925
إحسان. وكان تحت طاعة السّلطان سَنْجَر [١] .
٤- آمنة بِنْت الشّريف أبي الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن المهتدي باللَّه الهاشميّ.
سَمِعت: أَبَا عَبْد اللَّه النِّعاليّ، وطِراد.
كتب عَنْهَا: ابن السَّمْعانيّ.
وتُوُفّيت فِي رجب.
روى عَنْهَا: ابن الأخضر.
٥- إِسْمَاعِيل بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن أبي نصر [٢] .
أبو القَاسِم النَّيْسَابُوريّ، ثُمَّ الأصبهانيّ، الصُّوفيّ المعروف بالحمّاميّ.
شيخ معمَّر، عالي الرواية. ولد في حدود سنة خمسين وأربعمائة. وبكّر به أَبُوهُ بالسّماع.
فسمع: أَبَا مُسْلِم مُحَمَّد بْن عليّ بْن مِهْرَبُزد [٣] صاحب ابن المقرئ، وأبا مَنْصُورٌ بَكْر بْن مُحَمَّد بْن حِيد، ومسعود بْن ناصر السِّجْزيّ الحافظ، وأبا الفتح عَبْد الجبّار بْن عَبْد اللَّه بْن بُرْزَة الواعظ، وأبا سهل حمد بْن وَلْكيز، وأبا بَكْر مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عليّ العَطَّار، وعبد اللَّه بْن مُحَمَّد الكَرَوْنيّ، وأبا طاهر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر النّقّاش، وأبا بَكْر بْن أسيد، والحسن بْن عُمَر بْن يونس، وعائشة بْنت الْحَسَن الوَرْكانيَّة، وانفرد بالرواية عَنْهُمْ.
وأوّل سماعه سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وعاش بعد ما سمع نيّفا وتسعين سنة. ولعلّ الّذين اتّفق لهم هذا لا يصلون إلى عشرة أنفس ليس فيهم