يَقُولُ هَذَا؟! فَقَالَ: لَا تَزَالُ تَأْتِينَا بِهَنَةٍ، مَا نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ [١] . وَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [٢] . وقال عبد الله بن طاووس، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ دَخَلَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى عَمْرِو بن العاص فقال:
قُتِلَ عَمَّارٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ، فَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَاذَا! قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الباغية» . قال: دحضت في بولك أو نحن قَتَلْنَاهُ، إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ [٣] . وعن عُثْمَان بن عفان، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» [٤] . رواه أَبُو عُوانة فِي «مسنده» . وقال عَبْد الله بْن أبي الْهُذَيْلِ وغيره، عَنْ عمّار قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تقتلك الفئة الباغية» [٥] . وله طُرُق عن عمّار.
وَرُوِيَ هَذَا الحديث عن ابن عَبَّاس، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي
стр. 1823
رافع، وابن أبي أَوْفَى، وجابر بْن سَمُرَة، وأبي اليُسْر السّلَميّ، وكعب بْن مالك، وأنس، وجابر، وغيرهم، وهو متواتر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أَحْمَد بْن حنبل: فِي هَذَا غَيْرَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، وقد قَتَلَتْهُ الفئةُ الباغية.
وقال أَبُو إِسْحَاق السّبيعيّ، عن أبي ليلى الكنْديّ قَالَ: جاء خبّاب، فقال عُمَر: ادْنُ، فَمَا أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك، إلّا عمّار [١] .
وقال حارثة بن مضرّب: قرئ علينا كتاب عُمَر: إنّي بعثت إليكم- يعني إِلَى الكوفة- عمّار بْن ياسر أميرًا، وابن مَسْعُود معلِّمًا ووزيرًا، وإنّهما لَمِنَ النُّجَبَاء مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتَدُوا بهما، وقد آثرتُكُم بهما على نفسي [٢] .
وعن سالم بْن أبي الجَعْد، أنّ عُمَر جعل عطاء عمّار ستة آلاف.
وعن ابن عمر قال: رأيت عمّارا يوم اليمامة على صخرةٍ، وقد أشرف يَصِيح: يا معشر المُسْلِمين، أَمِن الجنّة تفُّرون، أَنَا عمّار بْن ياسر، هَلُمُّوا إليّ، وأنا أنظر إلى أذنه وقد قطعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشدَّ القتال [٣] .
وعن عَبْد الله بْن أبي الْهُذَيْلِ قَالَ: رَأَيْت عمّار بْن ياسر اشترى قَتًّا [٤] بدِرْهم، فاستزاد حبلًا، فأبى، فجاذَبَه حَتَّى قاسمه نِصْفَين، وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة [٥] .
وقد رُوِي أنُهم قَالُوا لعمر: إنّ عمّار غير عالم بالسياسة، فعزله.
стр. 1824
قال الشَّعْبِيّ: قال عُمَر لعمّار: أَسَاءَكَ عَزْلُنا إيّاك؟ قَالَ: لئن قلتَ ذاك، لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلَتني [١] .
وقال نوفل بْن أبي عَقْرَب: كان عمّار قليل الكلام، طويل السكوت، وكان عامة أن يقول [٢] : عائذٌ بالرحمن من فتنةٍ، عائذٌ بالرحمن من فتنة، قَالَ:
فَعَرَضَتْ له فتنةٌ عظيمة [٣] . يعني مبالغته فِي القيام فِي أمر عُثْمَان وبعده.
وعن ابن عُمَر قَالَ: [مَا أعلم أحدًا خرج في الفتنة يريد الله إلّا عمّار ابن ياسر، وما أدري [٤]] مَا صنع [٥] .
وعن عمّار أنّه قَالَ وهو يسير إِلَى صِفِّين: اللَّهُمَّ لو أعلم أنّه أرضى لك عنّي أن أرمي بنفسي من هَذَا الجبل لَفَعَلْتُ، وإنّي لَا أقاتل إلّا أريد وجهك [٦] .
وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ: ائْتُونِي بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، قَالَ: فَشَرِبَ، ثُمّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ آخِرَ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فقاتل حتّى قتل [٧] .
стр. 1825
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، سَمِعَ عَمَّارًا بِصِفِّينَ يُنَادِي: أَزِفَتِ الْجِنَانُ، وَزُوِّجَتِ الْحُورُ الْعِينُ، الْيَوْمَ نَلْقَى حَبِيبَنَا ﷺ .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: ثنا أَبُو حَفْصٍ كُلْثُومُ بْنُ جَبْرٍ، عَنْ أَبِي غَادِيَةَ الْجُهَنِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقَعُ فِي عُثْمَانَ يَشْتُمُهُ بِالْمَدِينَةِ، فَتَوَعَّدْتُهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ صِفِّينَ جَعَلَ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ وَطَعَنْتُهُ فِي رُكْبَتِهِ فَوَقَعَ، فَقَتَلْتُهُ. تَمَامَ الْحَدِيثِ. فَقِيلَ: قُتِلَ عَمَّارٌ. وَأَخْبَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَاتِلُ عَمَّارٍ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ [١] » . وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَاتِلُ عَمَّارٍ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ» [٢] . وقال الواقدي وغيره: استلحمت الحرب بصِفِّين، وكادوا يتفانون، فقال مُعَاوِيَة: هَذَا يوم تَفَانَي فِيهِ العرب إلّا أن تُدْركَهم خَفّة العبد، يعني عمّارًا، وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن آخرهنّ ليله الهَرِير، فَلَمَّا كان اليوم الثالث، قال عمّار لهاشم بْن عُتْبة ومعه اللواء: احمِلْ فداك أبي وأمي، فقال هاشم: يا عمّار إنّك رَجُل تستخفُّك الحربُ، وإنّي إنّما أزحف باللواء رجاء أن أبلغ بِذَلِك بعض مَا أريد [٣] .
وقال قَيْس بْن أبي حازم: قال عمّار: ادفنوني فِي ثيابي، فإنّي رجلٌ مخاصم [٤] .
قَالَ أَبُو عاصم النّبيل: توفي عن ثلاث وتسعين سنة. وكان لا يركب
стр. 1826
على سَرْجٍ، وكان يركب راحلته مِنَ الكِبَر.
وفيها غزا الْحَارِث بْن مُرّة العبدي [١] أرضَ الهند، إِلَى أن جاوز مُكْران [٢] ، وبلاد قَنْدابيل [٣] ، ووغل فِي جبل القيِقان [٤] ، فآب بسْبيٍ وغنائم، فأخذوا عليه بمضيق فقُتِلَ هُوَ وعامة من معه فِي سبيل الله تعالى [٥] .
(قَيْس بْن المكشوح [٦] )
أَبُو شدّاد [٧] المُرادي، أحد شُجعان العرب، أدرك النّبيّ ﷺ باليمن ولم يره. وهو أحدُ من أعان على قتْل الأسود العَنْسِيّ، وشهد اليرموك، وأصيبت عينه يومئذ [٨] .
стр. 1827
وقد ارتد بعد موت النّبيّ ﷺ فيما قيل، وقُتِل دادَوَيْه الأبناوي. ثُمَّ حمل عليه المهاجر بْن أبي أمية فأوثقه، وبعث به إِلَى أبي بَكْر ﵁، فَهَم بقتْله وقال: قتلت الرجل الصالح، فأنكر وحلف خمسين يمينًا قسامة أنّه مَا قتله، فقال: يا خليفة رسول اللَّه استبقني لحربك، فإنّ عندي بصرًا بالحرب ومكيدة للعدوّ، فخلّاه، ثُمَّ إنّه كان من أعوان عليّ، وقُتِل يوم صِفِّين رحِمَه الله تعالى.
(هَاشِمٍ بْن عُتْبة بْن أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيّ)
[١] ابن أخي سعد، ويُعرف بالمِرْقال [٢] . وُلد فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولم تثبُتْ له صُحْبة، وشَهِد اليرموك [٣] وأصيبت عينُه يومئذٍ، وشهد فتح دمشق، وكان أحد الأشراف، كَانَتْ معه رايةُ عليّ يوم صِفِّين فِيمَا ذكر حبيب بن أبي ثابت [٤] .
стр. 1828
وقال: كان أعور [١] فجعل عليّ يقول له: أَقْدِمْ يا أعور، لَا خير فِي أعور لَا يأتي الفرج. فَيَسْتَحِي فيتقدّم. قال عَمْرو بْن العاص: إنّي لأرى لصاحب الراية السَّوداء عملًا، لئِن دام على مَا أرى لَتُقْتَلَنَّ العرب اليوم، قَالَ: فَمَا زال أَبُو اليقظان حَتَّى لَفَّ بينهم.
وعن الشَّعْبِيّ أنّ عليًّا صلّى على عمّار بْن ياسر، وهاشم بْن عُتْبة، فجعل عمّارًا ممّا يليه، فلمّا قَبَرهُما جعل عمّارًا أمام هاشم.
(أَبُو فَضَالَةَ الأَنْصَاري)
[٢] بدري. قُتِلَ مع عليّ يوم صِفِّين. انفرد بهذا القول مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد بْن عُقَيْلٍ، وليسا بحُجَّة.
(أبو عمرة الْأَنْصَارِيّ)
[٣] س- بشير بْن عَمْرو بْن محصن الخَزْرَجيّ النَّجَّاري. وقيل اسم أبي عمرة: بشير، وقيل: ثَعْلَبَة، وقيل: عَمْرو.
بدْريّ كبير. له رواية فِي النسائي.
روى عَنْهُ ابنه عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي عَمْرة، ومحمد بْن الحَنَفية. وقُتل يوم صِفِّين مع عليّ. قاله ابن سعد.
стр. 1829
سَنَة ثَمانٍ وَثَلَاثِين
فيها وجَّه مُعَاوِيَة من الشام عبد الله بن الحَضْرميّ فِي جيشٍ إِلَى البصرة ليأخذها، وبها زياد ابن أَبِيهِ من جهة عليّ، فنزل ابن الْحَضْرَمِيّ فِي بني تميم وتحول زياد إِلَى الأزد، فنزل على صَبِرة بْن شَيْمان الحُدَّانيّ [١] .
وكتب إِلَى عليّ فوجّه عليّ أَعْيَنَ بْن ضُبَيْعَة المُجَاشِعِيّ، فقتل أعْين غِيلةً على فراشه. فندب عليّ جارية بْن قُدامة السَّعْدِيّ، فحاصر ابن الْحَضْرَمِيّ فِي الدّار التي هُوَ فيها، ثُمَّ حرَّقها عليه [٢] .
وَفِي شعبان ثارت (الخوارج) وخرجوا على عليّ، وأنكروا عليه كَوْنَه حكَّم الحَكَمين، وقالوا: حكَّمْتَ فِي دين الله الرجال، والله يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ٦: ٥٧ [٣] ، فناظَرَهُمْ، ثُمَّ أرسل إليهم عَبْد الله بن عَبَّاس، فبيَّن لهم فسادَ شُبْهَتهم، وفسر لهم، واحتجَّ بقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ٥: ٩٥ [٤] ، وبقوله فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ٤: ٣٥ [٥] ، فرجع إلى
стр. 1830
الصواب منهم خلق، وسار الآخرون، فلقوا عَبْد الله بْن خَبَّاب بْن الأرت، ومعه امرأته فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم، فسألوه عن أبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فأثنى عليهم كلّهم، فذبحوه وقتلوا امرأته، وكانت حُبْلَى، فبقروا بطنها، وكان من سادات أبناء الصحابة [١] .
وفيها سارت الخوارج لحرب عليّ، فكانت بينهم (وقعة النَّهْرَوان) ، وكان على الخوارج عَبْد الله بْن وهب السبائي، فهزمهم عليّ وقُتِل أكثرهم، وقُتِل ابن وهب. وقُتِلَ من أصحاب عليّ اثنا عشر رجلًا [٢] .
وقيل فِي تسميتهم (الحرُورِيّة) لأنهم خرجوا على عليّ من الكوفة، وعسكروا بقريةٍ قريبةٍ [٣] من الكوفة يُقَالُ لها (حَرُوراء) ، واسْتَحَلّ عليّ قتْلَهُم لِمَا فعلوا بابن خَبَّاب وزوجته.
وكانت الوقعة فِي شعبان سنة ثمانٍ، وقيل: فِي صَفَر.
قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْخَوَارِجُ فِي دَارِهَا، وَهُمْ سِتَّةُ آلافٍ أَوْ نَحْوُهَا، قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْرِدْ بِالصَّلاةِ لَعَلِّي أَلْقَى هَؤُلاءِ، فَإِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ، قُلْتُ:
كَلا، قَالَ: فَلَبِسَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُلَّتَيْنِ مِنْ أَحْسَنِ الْحُلَلِ، وَكَانَ جَهِيرًا جَمِيلا، قَالَ: فَأَتَيْتُ الْقَوْمَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي قَالُوا: مَرْحَبًا بِابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ؟
قُلْتُ: وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً مِنْ أَحْسَنِ الْحُلَلِ، قَالَ: ثُمَّ تَلَوْتُ عَلَيْهِمْ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ٧: ٣٢ [٤] .
الوفيَّات
[١] الأشتر النَّخعِيّ [٢] س
واسمه مالك بْن الْحَارِث، شريف كبير القدر فِي النَّخع.
روى عن عُمَر، وخالد بْن الْوَلِيد. وشهِدَ اليرموك، وقُلِعَتْ عينه
стр. 1836
يومئذٍ. وكان ممّن ألّب على عُثْمَان، وسار إليه وأبلى شرًّا. وكان خطيبًا بليغًا فارسًا. حضر صِفِّين وبين يومئذٍ، وكاد أن يظهر على مُعَاوِيَة، فحلّ عليه أصحاب عليّ لما رأوا المصاحف على الأسِنَّة، فوبَّخهم الأشتر، وما أمكنه مخالفة عليّ، وكف بقومه عن القتال [١] .
قال عَبْد الله بْن سلمة المُرادي: نظر عُمَر بْن الخطاب إِلَى الأشتر، وأنا عنده فصعَّد فِيهِ عُمَر النَّظَر، ثُمَّ صوَّبه، ثُمَّ قَالَ: إنّ للمسلمين من هَذَا يومًا عصيبًا. ثُمَّ إنّ عليًّا لما انصرف من صِفِّين أو بعدها، بعث الأشتر على مصر، فمات فِي الطريق مسمومًا، وكان عليّ يتبرّم به ويكرهه، لأنّه كان صَعْبَ المِرَاس، فلمّا بلغه موتُهُ قَالَ: للمِنْخَرَيْن والفم.
وقيل: إنّ عَبْدًا لعثمان لقيه فسمّ له عسلًا وسقاه، فبلغ عَمْرو بْن العاص فقال: إنّ للَّه جنودًا من عسل [٢] .
وقال عُوانة بْن الحَكَم وغيره: لمّا جاء نَعيُ الأشتر إِلَى عليّ ﵁ قَالَ: إنّا للَّه: مالك، وما مالِكٌ وكلٌّ هالك، وهل موجودٌ مثل ذلك، لو كان من حديد لكان قيدًا، أو كان من حجرٍ لكان صَلْدًا، على مثل مالك فلتبك البواكي [٣] .
стр. 1837
سهل بن حنيف [١] ع
ابن واهب بْن عكيم الْأَنْصَارِيّ الأوْسيّ، والد أبي أمامة، وأخو عُثْمَان. شهِدَ بدْرًا والمشاهد، وله رواية.
روى عَنْهُ ابناه أَبُو أُمامة، وعبدُ الله، وأبو وائل، وعبيد بْن السَّبَّاق، وعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، ويسير بن عمرو.
стр. 1838
وقال ابن سعد [١] : قَالُوا: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين سهل بْن حُنَيْف، وعليّ بْن أبي طَالِب.
وَثَبَتَ مَع رَسُول اللَّهِ ﷺ يوم أُحُدٍ، وَبَايَعَهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَجَعَلَ يَنْضَحُ يَوْمَئِذٍ بِالنَّبْلِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «نَبِّلُوا سَهْلًا فَإِنَّهُ سَهْلٌ» [٢] . وقال الزُّهْرِيّ لم يُعْط رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أموال بني النَّضير أحدًا من الأَنْصَار، إلّا سهل بْن حُنَيْف، وأبا دُجَانة. وكانا فقيرين [٣] .
وقال أَبُو وائل: قال سهل بْن حُنَيْف يوم صِفِّين: أيُّها النّاس اتَّهموا رأيكم، فإنّا والله مَا وضعنا سيوفنا على عواتقنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأمرٍ يفظعنا إلّا أسهل [٤] بنا إِلَى أمرٍ نعرفه، إلّا أمْرَنا هَذَا [٥] .
وعن أبي أمامة قَالَ: مات أبي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلّى عليه عليّ ﵁ [٦] .
وقال الشَّعْبِيّ، عن عَبْد الله بْن مَعْقِلٍ قَالَ: صلّيتُ مع عليّ على سهل، فكبّر عليه ستًّا [٧] .
وروى نحوه عن حَنَش بْن المعتمر، وزاد: فكأنّ بعضهم أنكر ذاك، فقال عليّ: إنّه ﵁ [٨] .
стр. 1839
(صفوان بْن بيضاء)
[١] وهي أمُّهُ، وأبوه وهْب بن ربيعة بْن هلال القُرَشيّ الفِهْريّ، أَبُو عَمْرو، أخو سهل وَسُهَيْلٍ.
قَالَ ابن سعد [٢] : قَالُوا، آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين صفوان ورافع بْن المُعَلّي. وَقُتِلَا يوم بدْر.
قَالَ الواقدي: قد رُوِيَ لنا أنّ صفوان بْن بيضاء لم يقُتل يوم بدْر، وَإِنَّهُ شهِدَ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وتُوُفيّ فِي رمضان سنة ثمانٍ وثلاثين [٣] ، والله أعلم.
صُهَيْب بْن سِنَان [٤] ع
الرُّوميّ، لأنّ الروم سَبَتْهُ من نِينَوَى بالموصل، وهو من النَّمر بْن قاسط، كان أبوه أو عمُّه عاملًا بنِينُوَى لِكسْرى، ثُمَّ إنّه جُلِب إِلَى مكة، فاشتراه عَبْد الله بْن جدعان التّيميّ، وقيل: بل هرب من الروم فقدم مكة،
стр. 1840
وحالف ابن جُدْعان.
كان صُهَيْب من السابقين الأوّلين، شهِدَ بدْرًا والمشاهد.
روى عَنْهُ من أولاده: حبيب، وزياد، وحمزة، وسعيد بْن المسيب، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي ليلى، وكعب الأحبار، وغيرهم.
وكنيته أَبُو يحيى، تُوُفيّ بالمدينة فِي شوّال، ونشأ صُهَيْب بالروم، فبقيت فِيهِ عُجْمة، وكان رجلًا أحمر شديد الحُمْرة ليس بالطّويل ولا بالقصير، وكان كثير شعر الرأس، ويَخْضِب بالحنّاء [١] .
صَحَّ مِنْ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صُهَيْبٌ سابق الروم [٢] » .
стр. 1841
وَوَرَدَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَنَّاهُ أَبَا يَحْيَى [١] .
وعن صَيْفيّ بْن [٢] صُهَيْب قَالَ: إني صحِبْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أن يُوحَى إليه [٣] .
وقال مَنْصُورٌ، عن مجاهد قَالَ: أوّل من أظهر الْإِسْلَام رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وأبو بَكْر، وبلال، وخبَّاب، وصُهَيْب [٤] .
وعن عُمَر بْن الحكم قَالَ: كان صُهَيْب يُعَذّب حَتَّى لَا يدري مَا يقول [٥] .
وقال عوف الأعرابي، عن أبي عُثْمَان النَّهْديّ إنّ صُهَيْبًا حين أراد الهجرة إِلَى المدينة، قال له أَهْل مكة: أتيتنا صُعْلُوكًا حقيرًا فتنطلق بنفسك ومالك، والله لَا يكون هَذَا أبدًا، قَالَ: أرأيتم إنْ تركت مالي، أَمُخَلُّون أنتم سبيلي؟ قَالُوا: نعم، فترك لهم ماله أجمع، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فقال:
«ربح صُهَيْب ربح صُهَيْب» [٦] . ورُوِيَ أنّهم أدركوه، وقد سار عن مكة، فأطلق لهم ماله، ولِحَق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بعد بقِباء، قَالَ: فلّما رآني قَالَ: «ربح الْبَيعُ أَبَا يحيى» قالها ثلاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ما أخبرك إلّا جبريل [٧] .
стр. 1842
وعن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْميّ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين صُهَيْب والحارث بْن الصِّمَّة [١] .
وقد ذكرنا أنّ صُهَيْبًا استخلفه عُمَر على الصلاة، حَتَّى يتّفق أَهْل الشورى على خليفة، وأنّه الَّذِي صلّى على عُمَر [٢] .
وقال الواقدي: كان صُهَيْب أحمر، شديد الصَّهبة، تحتها حُمْرة، وعاش سبعين سنة [٣] .
وقال المدائني: عاش ثلاثًا وسبعين سنة.
مُحَمَّد بْن أبي بَكْر الصَّدَّيق [٤] س ق
خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووزيره ومُؤْنِسُه فِي الغار، وصِدِّيق الأمة أبي بَكْر عَبْد الله بْن أبي قحافة عُثْمَان بن عامر القرَشيّ التَّيْميّ الْمَدَنِيّ.
الَّذِي ولدته أسماء بِنْت عُمَيْس فِي حجة الوداع، وكان أحد الرءوس
стр. 1843
الذين ساروا إِلَى حصار عُثْمَان كما قدَّمنا، ثُمَّ انضمّ إِلَى عليّ، فكان من أعيان أمرائه، فبعثه على إمارة مصر فِي رمضان سنة سبعٍ وثلاثين، وجمع له صلاتها وخَرَاجها، فسار إليها فِي جيش من العراق.
وسيَّر مُعَاوِيَة من الشام مُعَاوِيَة بْن حُدَيْج على مصر أيضًا، وعلى حرب مُحَمَّد. فالتقى الجمعان، فكسره ابن حُدَيْج، وانهزم عسكر مُحَمَّد، واختفى هُوَ بمصر فِي بيت امْرَأَة، فدلّت عليه فقال: احفظوني لأبي بَكْر، فقال مُعَاوِيَة بْن حُدَيْج: قتلت ثمانين رجلًا من قومي فِي دم عُثْمَان، وأترُكُكَ وأنت صاحبُهُ، فقتله ثُمَّ جعله فِي بطن حمار وأحرقه [١] .
وقال عَمْرو بن دينار: أتي عمرو بن العاص بمحمد بْن أبي بَكْر أسيرًا، فقال: هَلْ معك عقد من أحد؟ قَالَ: لَا. فأمر به فقُتِل [٢] .
روى مُحَمَّد عن أَبِيهِ مُرْسلًا. وعنه ابنه القاسم بْن مُحَمَّد، ولم يسمع منه.
(محمد بن أبي حُذَيْفَةَ)
[٣] بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شمس القرشيّ
стр. 1844
العبشميّ أبو القاسم. كان أبوه من السابقين إِلَى الْإِسْلَام، وهاجر إِلَى الحبشة فُولِد له هَذَا بها. واستُشْهِدَ يوم اليمامة، فنشأ مُحَمَّد فِي حُجْر عُثْمَان، ثُمَّ إنّه غضب على عُثْمَان لكونه لم يستعمله أو لغير ذلك، فصار إلْبًا على عُثْمَان [١] . فلمّا وفد أميرُ مصر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَان، وكان مُحَمَّد بمصر، فتوثّب على مصر، وأخرج عَنْهَا نائبَ ابن أبي سَرْح عُقْبَة بْن مالك، وخلع عُثْمَان واستولى على مصر، فلم يتمّ أمرُهُ، وكان يسمّى مشئوم قريش.
وقيل: إنّه كان مع عليّ، فسيّره على مصر، فقتلته شيعةُ عُثْمَان بفلسطين. وقيل: قتلوه سنة ستٍّ وثلاثين، وقيل بعدها.
(أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ)
[٢] فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فارس شجاع، له شأن مذكور في سنة أربع وخمسين.
стр. 1845
وأمّا أَهْل الكوفة فيقولون: تُوُفيّ بالكوفة، وصلّى عليه عليّ ﵄ [١] .
قال غسّان بن الربيع: توفّي سنة ثمان وثلاثين [٢] .
стр. 1846
سَنَة تِسْعٍ وَثلَاثيْن
فيها كَانَتْ وقعة الخوارج بحروراء بالنّخيلة، قاتلهم عليّ فكسرهم، وقتل رءوسهم وسجد شكرًا للَّه تعالى لمّا أُتي بالمخدَّج [١] إليه مقتولا، وكان رءوس الخوارج زَيْدُ بْن حصن الطائي، وشُرَيْح بْن أوْفَى العبسيّ، وكانا على المُجَنَّبَتَيْن، وكان رأسهم عبد الله بن وهب السّبئيّ، وكان على رَجَّالتهم حُرْقُوص بْن زهير [٢] .
وفيها بعث مُعَاوِيَة يزيد بْن شجرة [٣] الرَّهاوِيّ ليقيم الحجّ، فنازعه قثم ابن الْعَبَّاس ومَانَعه، وكان من جهة عليّ، فتوسّط بينهما أَبُو سَعِيد الخدري وغيره، فاصطلحا، على أن يقيم الموسم شَيْبَة [٤] بْن عُثْمَان العَبْدَرِيّ حاجب الكعبة [٥] .
стр. 1847
وقيل تُوُفيّ فيها (أمُّ المؤمنين ميمونة) ، وحسان بْن ثابت الْأَنْصَارِيّ، وسيأتيان.
وكان عليّ قد تجهّز يريد مُعَاوِيَة، فردّ من عانات، واشتغل بحرب الخوارج الحَرُوريّة، وهمّ العُبّاد والقُرّاء من أصحاب عليّ الذين مَرَقُوا من الْإِسْلَام، وأوقعهم الغُلُوّ فِي الدين إِلَى تكفير العُصاة بالذُّنوب، وإلى قُتِلَ النساء والرجال، إلّا من اعترف لهم بالكفر وجدَّد إسلامه.
ابْنُ سَعْدٍ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي الموالي، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل، سمع مُحَمَّد بْن الحنَفية يقول: كان أبي يريد الشام، فجعل يعقد لواءه، ثُمَّ يحلف لَا يحلّه حَتَّى يسير، فيأبَى عليه النّاس، وينتشر عليه رأيهُم، ويَجْبُنون [١] فيحله ويكفّر عن يمينه، فعل ذلك أربع مرّات، وكنت أرى حالهم فأرى ما لا يسرني. فكلمت المسور بن مخرمة يومئذ، وَقُلْتُ: ألا تكلمه أَيْنَ يسير بقوم لَا والله مَا أرى عندهم طائلًا، قَالَ: يا أَبَا القاسم يسير الأمر قد حُمّ، قد كلَّمْتُهُ فرأيته يأبى إلّا المسير.
قَالَ ابن الحَنَفّية: فلمّا رَأَى منهم مَا رَأَى قَالَ: اللَّهمّ إنّي قد مَللْتُهُم وقد ملُّوني، وأبغضْتُهُم وأبغضوني، فأبْدِلني خيرا منهم، وأبدلهم شرّا [٢] منّي.
стр. 1848
سَنَة أربَعِين
فيها بعث مُعَاوِيَة إِلَى اليمن بُسْر بْن أبي أرطاة الْقُرَشِيَّ العامريّ فِي جنودٍ، فتنحّى عَنْهَا عاملُ علي عُبَيْد الله بْن عَبَّاس، وبلغ عليًّا فجهز إِلَى اليمن جارية [١] بْن قُدامة السَّعْديّ فوثب بُسْر على وَلَديْ عُبَيْد الله بْن عَبَّاس صَبِيَّيْن، فذبحهما بالسّكين وهرب، ثمّ رجع عبيد الله على اليمن [٢] .
قَالَ ابن سعد: قَالُوا انتدب ثلاثةً من الخوارج، وهم: عبد الرحمن ابن مُلْجم المُرَادِيّ، والبُرَك بْن عَبْد الله التميميّ، وعمرو بْن بَكْر [٣] التميميّ، فاجتمعوا بمكة، فتعاهدوا وتعاقدوا لَيَقْتُلُنَّ هؤلاء الثّلاثة عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁، ومعاوية بْن أبي سُفْيَان، وعمرو بْن العاص، ويُريحوا العباد منهم [٤] .
فقال ابن ملجم: أنا لعليّ، وقال البرك: أنا لمعاوية، وقال الآخر:
стр. 1849
أَنَا أكفيكم عَمْرًا، فتواثقوا أنْ لَا ينْكُصُوا، واتَّعَدُوا بينهم أن يقع ذلك ليلة سبع عشرة من رمضان، ثمّ تَوَجَّه كلُّ رجلٍ منهم إِلَى بلدٍ بها صاحبُهُ، فقدِم ابنُ مُلْجم الكوفة، فاجتمع بأصحابه من الخوارج، فأسرَّ إليهم، وكان يزورهم ويزورونه. فرأى قَطَام بِنْت شِجْنَة من بني تَيْمٍ الرّباب، وكان عليّ قتل أباها وأخاها يوم النَّهروان، فأعْجَبَتْهُ، فقالت: لَا أتزوَّجُكَ حَتَّى تعطيني ثلاثة آلاف درهم، وتقتل عليًّا، فقال: لكِ ذلك، ولقي شبيب بْن بجرَة الأشجعي، فأعلمه ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه.
وبقي ابن مُلْجَم فِي الليلة التي عزم فيها على قتْل علي يناجي الأشعث [بْن قَيْس فِي مسجده] [١] حَتَّى طلع الفجر، فقال له الأشعث: فَضَحكَ الصُّبْحُ، فقام هُوَ وشبيب، فأخذا أسيافهما، ثُمَّ جاءا حَتَّى جلسا مقابل السُّدَّةِ التي يخرج منها عليّ، فذكر مقتل عليّ ﵁، فلمّا قُتِلَ أخذوا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُلْجَم، وعذَّبوه وقتلوه [٢] .
وَقَالَ [٣] حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ: نَبَّأَ جَدِّي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَعَاهَدَ ثَلاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى قَتْلِ مُعَاوِيَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَبِيبِ بْنِ مسلمة [٤] ، وذكره.
стр. 1850
مَنْ تُوُفيّ فيْهَا
(الأشعث [١] بْن قَيْس)
[٢] أَبُو محمد الكنديّ نزيل الكوفة. له صحبة
стр. 1851
ورواية، وقد ارتدّ أيام الرَّدة، فحوصِر وَأُخِذَ بالأمان له ولسبعين من قومه، وقيل لم يأخذ لنفسه أمانًا، فأُتي به أَبُو بَكْر، فقال أَبُو بَكْر: إنّا قاتلوك. لَا أمان لك. فقال: أتَمُنَّ عليَّ وأُسْلِم؟ قَالَ: نعم. فمنّ عليه وزوَّجه بأخته فروة بِنْت أبي قُحافة [١] .
وَكَانَ سيد كندة، وأصيبت عينه يوم اليرموك.
روى عنه قيس بْن أبي حازم، وأبو وائل، وجماعة، وكان على ميمنة عليّ (يوم صِفِّين) . وقد استعمله مُعَاوِيَة على أَذْرَبِيجَان [٢] . وكان سيّدًا جوادًا. وهو أول من مشت الرجال فِي خدمته وهو راكب [٣] وتُوُفيّ بعد عليّ بأربعين ليلة، وصلّى عليه الْحَسَن ﵁ [٤] .
تميم الدّاريّ [٥]
ابن أوس بْن خارجة بْن سُود بن جُذَيْمة، أَبُو رُقَيّة اللَّخْمِيّ الدّاريّ.
صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واختُلِفَ فِي نَسبه إِلَى الدّار بْن هانئ أحد بني لخم،
стр. 1852
وَلَخْمُ مِنْ يَعْرُب بْن قَحْطان.
وَفَدَ تميم الدّاريّ سنة تسعٍ فأسلم، وحدّث النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ بقصّة (الجسّاسة) [١] فِي أمر الدّجّال عن تميم الدّاريّ.
ولتميم عدّة أحاديث، روى عَنْهُ أَنَس، وابن عَبَّاس، وكُثَير بْن مُرّة، وعطاء بْن يزيد اللَّيثي، وعبد اللَّه بْن موْهب [٢] ، وزُرارة بْن أوفى، وشهر بْن حَوْشَب، وطائفة.
قال ابن سعد [٣] : لم يزل بالمدينة حَتَّى تحوّل بعد قتْل عُثْمَان إِلَى الشام.
وقال الْبُخَارِيّ [٤] : هُوَ أخو أبي هند الدّاريّ.
стр. 1853
وروى ابن سعد [١] بإسنادين أنّ وفد الدّاريّين قدموا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْصَرَفِه من تَبُوك، وهم عشرة، فيهم تميم.
وقال ابن جُرَيْج: قَالَ عِكْرِمة: لمّا أسلم تميم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّ الله مُظْهِرُك على الأرض كلها، فهَبْ لي قريتي من بيت لحْم، قَالَ: «هِيَ لك» وكتب له بها، قَالَ: ثُمَّ جاء [٢] تميم بالكتاب [٣] إِلَى عُمَر فقال: أَنَا شاهِدُ ذلك، وأعطاه إيّاه [٤] .
وذكر اللَّيث بْن سعد، أنّ عُمَر قَالَ لتميم: ليس لك أن تبيع، فهي فِي أيدي أَهْل بيته إِلَى اليوم [٥] .
وقال الواقدي: ليس لرسول الله ﷺ بالشام قطيعة غير حَبْرَى [٦] وبيت عَيْنُون، أقطعهما تميمًا الدّاريّ وأخاه نُعَيْمًا [٧] .
وَفِي «الْبُخَارِيّ» من حديث ابن عَبَّاس قَالَ: خرج رَجُل من بني سهم مع تميم الدّاريّ وعدّي بْن بَدّا، فَمَات السهمي بأرض ليس بها مُسْلِم، فلمّا قدِما بِتَرِكتِه فقدوا جامًا من فضّة، فأحلفهما رسول اللَّه ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة، فَقِيلَ: اشتريناه من تميم وعديّ، فقام رجلان من أولياء السَّهميّ، فحلفا لشهادتنا أحقّ من شهادتهما، وأنّ الجام لصاحبهم.
стр. 1854
وفيهم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ٥: ١٠٦ [١] .
وقال قَتَادَةَ فِي قوله: وَمن عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ١٣: ٤٣ [٢] قَالَ: سَلمان، وابن سلّام، وتميم الدّاريّ [٣] . وقال قُرَّةُ بْن خَالِد، عن ابن سِيرِينَ: جمع القرآن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُبيّ، وعثمان، وزيدُ، وتميم الدّاريّ [٤] .
أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ [٥] .
وقال عاصم بْن سُلَيْمَان، عن ابن سِيرِينَ: إنّ تميمًا الدّاريّ كان يقرأ القرآن فِي رَكْعة [٦] .
وقال عَمْرو بْن مُرّة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق قَالَ: قال لي رجلٌ من أَهْل مكة: هَذَا مقام أخيكم تميم الدّاريّ، صلّى ليلة حتّى أصبح
الدَّارِيَّ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، فَضَرَبَهُ بِدِرَّتِهِ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ: يَا عُمَرُ تَضْرِبُنِي عَلَى صَلاةٍ صَلَّيْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [١] ! قَالَ: يَا تَمِيمُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْلَمُ مَا تَعْلَمُ [٢] . خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ، وَهُوَ وَاهٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ الْمَسْجِدَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ [٣] .
قيل: وُجِدَ على نصيبة قبر تميم أنّه مات سنة أربعين.
(الْحَارِث بْن خَزَمَة)
[٤] بْن عَدِيّ أَبُو بشير الْأَنْصَارِيّ الأشهليّ. شهِدَ بدْرًا والمشاهد كلها. وهو من حلفاء بني عَبْد الأشهل. تُوُفيّ بالمدينة سنة أربعين وله سبعٌ وستّون سنة.
وخَزَمة بفَتْحَتَيْن. قيّده ابن ماكولا [٥] .
(خارجة بْن حُذافة)
[٦] د ت ق- بْن غانم. قال ابن ماكولا: له
стр. 1859
صُحْبة، وشهد فتح مصر، وكان أمير ربع المَدد الذين أمدَّ بهم عُمَر بْن الخطاب عَمْرو بْن العاص، وكان على شُرْطة مصر فِي خلافة عُمَر، وَفِي خلافة مُعَاوِيَة، قتله عَمْرو بْن بُكَيْر الخارجيّ بمصر، وهو يعتقد أنه عُمَرو بْن العاص [١] .
روى عَنْهُ عَبْد الله بْن أبي مُرَّة حديثًا.
خَوّات بْن جُبَيْر [٢] م
ابنُ النُّعمان الْأَنْصَارِيّ. شهِدَ بدْرًا والمشاهد بعدها.
стр. 1860
(فائدة) لم يشهد خوّات بْن جُبَيْر بدرًا. قال عَبْد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وغيره: أصابه فِي ساقة حجر بالصَّفراء، فرجع فضرب لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بسهمه [١] .
يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنْبَأَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا مَعَ عُمَرَ، فَسِرْنَا فِي رَكْبٍ، فِيهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ:
غَنِّنَا [٢] فَقَالَ، عُمَرُ: دَعُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَلْيُغَنِّ مِنْ شِعْرِهِ، فَمَا زِلْتُ أُغَنِّيهِمْ حَتَّى كَانَ السَّحَرُ، فَقَالَ عُمَرُ: ارْفَعْ لِسَانَكَ يَا خَوَّاتُ، فَقَدْ أَسْحَرْنَا [٣] .
وكان أحد الأبطال المشهورين. له أحاديث.
روى عَنْهُ عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بْن يسار [٤] وابنه صالح بْن خوّات، وبُسْر بْن سَعِيد.
روى له الْبُخَارِيّ فِي كتاب «الأدب» ، خارج الصّحيح.
وقيل: هُوَ صاحب ذات النّحيين [٥] .