رَجُل خيّر من أهل نَيْسابور.
سمع: أَبَا الْحَسَن عليّ بْن أَحْمَد المَدِينيّ، وغيره.
روى عَنْهُ: عَبْد الرحيم السَّمْعانيّ.
٤٠٩-[....] [١] بْن سَعِيد الأصبهانيّ المَغَازِليّ.
سمع: رزق اللَّه التّميميّ، وغيره.
روى عَنْهُ: شيوخ ابن الْبُخَارِيّ مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أبي بَكْر، وعمر بْن أبي الحَنَش الفصّال، وأبو بَكْر شَيْبان بْن الْحُسَيْن الكيمختيّ [٢] الأصبهانيّون، وغيرهم.
٤١٠- قُر [....] [٣] بْن طُنْطَاش.
أبو صالح الظَّفَريّ، البغداديّ.
شيخ صُعْلُوك، وهو رأس طبقة البغداديّين فِي لعب الشّطرنج.
سمع: أَبَا الْحُسَيْن بْن الطُّيُوريّ، وهبة اللَّه المَوْصِليّ، وابن بَيَان.
كتب عَنْهُ: أبو سَعْد السَّمْعانيّ، وقال له إنّه ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
٤١١-[....] [٤] بن علي بن محمد بن عمر.
أبو مطيع الباغْبَان [٥] ، الخبّاز.
شيخ صالح.
سمع: أَبَا مطيع، وغيره.
стр. 18237
وأجاز من أصبهان لعبد الرحيم بْن السَّمْعانيّ.
- حرف الميم -
٤١٢-[مُحَمَّد] [١] بْن أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن.
أبو عَبْد اللَّه بْن الصَّيْقَلِ الفِهْريّ، المُرسيّ، الملقّب: أَبَا هُرَيْرَةَ [....] [٢] الآثار.
سمع: أَبَا مُحَمَّد بْن أبي جَعْفَر، وأبا الوليد بْن الدّبّاغ.
وأجاز له جماعة.
روى عَنْهُ: أبو بَكْر بْن سُفْيَان، وغيره.
٤١٣-[محمد] [٣] بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن المنخّل.
أبو بَكْر المِهْريّ الأديب الشِّلْبيّ [٤] .
أحد الشُّعراء المجوِّدين. كان يعرف عِلم الكلام.
روى عَنْهُ من ديوانه عَبْد الله بن أحمد الشّلبيّ. فمن شِعره:
مضت لي ستٌ بعد سبعين حَجَّةٍ ... ولي حَرَكَاتٌ بعدها وسُكُونُ
فيا لَيْتَ شِعْري أَيْنَ، أو كيف، أو مَتَى ... يكون الَّذِي لا بدّ أن سيكونُ؟
٤١٤-[مُحَمَّد] [٥] بْن الْحَسَن بْن محمود.
أبو جَعْفَر المَرْوَزِيّ، البيّع، صاحب أموال كثيرة ذهبت فِي نهب مَرْو وفي المصادرة. وكان ديِّنًا خيّرا.
سمع ببغداد من: أبي القَاسِم بْن بيان.
стр. 18238
روى عنه: عبد الرحيم بن السمعاني وقال: قال: وزنت لابن بيان دينارا أحمر حَتَّى سمعت منه. يعني «جزء ابن عَرَفَة» .
وُلِدَ سنة أربع وثمانين.
٤١٥- مُحَمَّد بْن عَبْد الحق بْن أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الحقّ [١] .
أبو عَبْد اللَّه الخَزْرَجي، القُرَيْشيّ.
سمع: أَبَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن الفَرَج مَوْلَى ابن الطّلّاع، وأكثر عَنْهُ.
وعُنِي بالفِقْه، وطال عُمره، وعلا سَنْدهُ. وسمع فِي الكُهُولَةِ من أبي محمد ابن عتّاب، وغيره.
روى عَنْهُ: ابنه القاضي أبو مُحَمَّد عَبْد الحقّ، وغيره.
وآخر من روى عَنْهُ: أبو القَاسِم أَحْمَد بْن بَقِيّ سمع منه «الموطّأ» ، وأجاز له.
وتُوُفيّ قريبا [٢] من سنة ستّين وخمسمائة.
وقد أجاز لنا عبد الله بن هارون الطّائيّ سنة سبعمائة من المغرب. قال:
ثنا حمْد بْن بَقِيّ «بالموطّأ» ، نا مُحَمَّد بْن عَبْد الحقّ، أَنَا ابن الطّلّاع، وهذا أعلى [٣] ما يوجد من الرّوايات بالمغرب.
٤١٦-[مُحَمَّد] [٤] بْن عَبْد الحميد بْن الحسين.
العلّامة أبو الفتح الأسمنديّ [٥] ، السمرقنديّ.
стр. 18239
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث من: عليّ بْن عثمان [١] الخرّاط، وأُسمند من قرى سَمَرْقَنْد.
روى عَنْهُ: عَبْد الرحيم بْن السَّمْعانيّ وقال: كان إماما مناظِرًا، له الباع الطَوِيلُ فِي عِلْم الْجَدَل، وصنَّف التّصانيف فِي عِلم الخلاف، وشاعت تصانيفه فِي البلدان [٢] .
٤١٧- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حمدان [٣] .
أبو سَعِيد، وأبو عَبْد اللَّه الجاوانيّ، الحِلَّويّ [٤] ، العراقيّ.
وجاوان: قبيلةٌ من الأكراد سكنوا الحِلَّة.
قَدِمَ بغدادَ فِي الصّبى، وتفقّه بها على: أبي حامد الغَزَاليّ، وإلْكِيا الهَرّاسيّ حتّى برع وتميَّز.
وسمع من: الحُمَيْديّ، وأبي سَعْد عَبْد الواحد بْن القُشَيْريّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بْن المظفَّر الشّاميّ القاضي، وجماعة.
وقرأ «المقامات» على الحريريّ. وكان إماما مناظرا. شرح كتاب
стр. 18240
«المقامات» ، وله كتاب «عيون الشَّعْر» ، وكتاب «الفرق بين الرّاء والغَيْن» .
وحدَّث بإربل، والمَوْصِل، وسكن البَوَازِيج [١] .
وحدّث ببغداد قديما بكتاب: «إلجام العوام» للغزاليّ.
وحدّث عنه قاضي أسيوط أبو البركات محمد بن عليّ الأنصاريّ، وقال: أنبا شيخنا الْإِمَام رَضِيّ الدِّين الجاوانيّ بالمَوْصِل فِي رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة قال: أَنَا أبو سَعْد القُشَيْريّ قراءة عليه ببغداد.
وقال ابن النّجّار: أَخْبَرَنَا الشّهاب المزكّي، أَخْبَرَنَا أبو سَعْد بْن السَّمْعانيّ، أنشدني أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدّمشقيّ بمَرْو:
أنشدني أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عليّ العراقيّ لنفسه بإربل:
دعَاني مَن مَلامِكُمَا دَعاني ... فداعي الحبِّ للبَلْوَى دعاني
أجاب له الفؤاد وَنَوْمُ عيني ... وسارا فِي الرّفَاق وودّعاني [٢]
فَطَر فِي ساهِرٌ فِي طُولِ ليلي ... وقلبي في يد الأشواق عاني
فكيف يصيخ للعُذّال سمعي ... ولا عقلي لديَّ ولا جَنَاني؟ [٣]
وقد قرأ عليه أبو سَعْد أَحْمَد بْن إبراهيم المؤدّب «مقامات الحريري»
стр. 18241
بإربل فِي سنة إحدى وخمسين، وبقي إلى قريب السّتّين، وعاش اثنتين وتسعين سنة [١] .
٤١٨- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَبِي العاص [٢] .
النّفْزيّ [٣] ، الأستاذ، أبو عَبْد اللَّه الشّاطبيّ، ويُعرف ببلده بابن اللايُه بتفْخيم اللّام وضمّ الياء، ثمّ هاء ساكنة، المقرئ الضّرير.
стр. 18242
أخذ القراءات عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن غلام الفَرَس الدّانيّ. وتصدَّر للإقراء مدَّة.
أخذ عَنْهُ القراءات: أبو القَاسِم الرُّعَيْنيّ، الشّاطبيّ، وأبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عبد العزيز بْن سعادة، والقاضي أبو بَكْر بْن مُفَوَّز مع تقدُّمه.
وكان موصوفا بالإتقان والدّيانة.
قال شيخنا أبو حَيّان: كان حيّا فِي سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو والد المقرئ أبي جَعْفَر أَحْمَد بْن مُحَمَّد [١] ، وهو الَّذِي خَلَفَ أَبَاهُ أَبَا عَبْد اللَّه فِي الإقراء رحمة [٢] اللَّه عليهم.
٤١٩- مُحَمَّد بْن عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن عليّ.
الأديب، أبو الفضل الْقُرَشِيّ، المخزوميّ، الخالديّ، الإشتيخنيّ [٣] السّغديّ [٤] ، السَّمَرْقَنْديّ.
كان أديبا، نَحْويًا، بارعا، صالحا، خيّرا، سريع الدّمعة، كتب بنفسه أمالي أئمَّة سَمَرْقَنْد، واختصّ بالإمام مسعود بن الحسين الكشانيّ [٥] ، وعليه تفقَّه. وسمع منه، ومن: عليّ بْن عثمان الخرّاط، ومحمود بْن مَسْعُود الشُّعَيْبيّ، [٦] ، وجماعة كثيرة.
стр. 18243
وكان مولده بإشتِيخن فِي سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة.
ومات الخرّاط فِي سنة عَشْر، ومات الشّعيبيّ سنة أربعِ عشرة.
روى عَنْهُ: عَبْد الرحيم بْن السَّمْعانيّ.
٤٢٠- مُحَمَّد بْن أبي القَاسِم بْن محمد الأصبهانيّ.
روى «جزء لوين» عن: أبي عِيسَى بْن زياد، وعن أبي بَكْر بْن ماجة الأَبْهَريّ.
روى عَنْهُ: جامع بْن إِسْمَاعِيل، عُرف ببالَهْ، والأمير أبو المعالي، وابنه غانم بْن أبي المعالي بْن حيدر الْحُسَيْنيّ، ومحمد بْن أبي الفتوح السُّوذَرْجَانيّ [١] ، ومحمد بن أميرك بْن حَسَن الصَّيْرَفيّ، والوجيه مُحَمَّد بْن أبي رشيد بن عبد المطّلب الضرّاب، الْبَصْرِيّ، ومحمد بْن مُحَمَّد بْن أبي نصر البقّال، وسُفْيان بْن إِبْرَاهِيم بْن مَنْدَهْ، وآخرون.
وكان أديبا نبيلا. كنيته أبو بَكْر الصّالحانيّ [٢] .
٤٢١- مُحَمَّد بْن الفضل بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُور [٣] .
العلّامة، أبو طاهر البُرْجيّ [٤] ، الأصبهانيّ، العَرُوضيّ، إمام مُنَاظِر، فحل، صاحب فُنون.
سمع: أَبَا المطيع الْمَصْرِيّ، ومكّيّ بْن مَنْصُور الكرجيّ، وجماعة.
عظّمه السَّمْعانيّ، وأخذ عَنْهُ ببلْخ وببُخارَى فِي سنة إحدى وخمسين، ثُمَّ دخل بلاد التُّرْك.
стр. 18244
٤٢٢- مُحَمَّد بْن المُجَلَّى بْن الصّانع [١] .
أبو المؤيَّد الْجَزَري، الطّبيب، المعروف بالعَنْتَريّ. عُرِف بذلك لأنّه كان فِي أوّل أمره يكتب سيرة عَنْتَرة العَبْسيّ.
قال ابن أبي أُصَيْبعة [٢] : كان طبيبا مشهورا، وعالما مذكورا حَسَن المعالجة والتّدبير، فيلسوفا، متميّزا فِي عِلم الأدب، شاعرا.
روى السّديد محمود بن عمر بن رقيقة الطّبيب، عن الحكيم مؤيَّد الدِّين بْن العَنْتريّ، عن أبيه، له هذه الأبيات:
احفظ بُنيَّ وصِيّتي واعملْ بها ... فالطِّبُّ مجموعُ بعضِ كلامي
فدم على طِبِّ المريضِ عناية ... فِي حفْظِ قُوَّته مع الأيّام
بالشّبه تحفظ صحَّة موجودة ... والصّدفيَّة شفاءُ كلِّ سقامِ
أقْلِلْ نِكاحَكَ ما استطعتَ فإنّه ... ماء الحياةِ يُراقُ فِي الأرحامِ
واجعلْ طعامَكَ كلَّ يَوْمٍ مرَّةً ... وَاحْذَرْ طعاما قبل هضْم طعامِ
لا تحقر الْمَرَضَ اليسيرَ فإنّه ... كالنّار تُصبحُ وهي ذاتُ ضِرامَ
لا تَهْجُرَنّ القَيْء واهجُرْ كلّما ... كيموسه سبّب لي الأسقامَ
إنَّ الحمّى عَوْنُ الطّبيعة مسعد ... شافِ من الأمراضِ والآلامِ
لا تَشْرَبَنَّ بعقِبِ أَكْلٍ عاجِلًا ... أو تأكُلَنَّ بعقِب شُربِ مُدام
إيّاكَ تلْزَمْ أكْلَ شيءٍ واحدٍ ... فيقود طبعك للأذى بزِمامِ [٣]
في أبيات أخر، وهي تنسب أيضا إلى الرئيس ابن سينا، وتنسب إلى المختار بن بطلان.
стр. 18245
قال ابن أبي أُصَيْبَعة [١] : والصّحيح أنّها للعنْتَري.
وله:
من لزم الصّمت اكتسى هيبة ... تخفى عن النّاس مساويه
لسان من يعقل فِي قلبه ... وقلب من يجهل في فيه [٢]
وله:
جرّدته الحمّام من كلّ ثوبٍ ... وأَرَتْني منه الَّذِي كان قَصْدي
بَدَنًا كالصَّباح من تحت ليلٍ ... حالِكِ اللّون أسْوَدَ غيرِ جعدِ
سكَبَ الماءَ فوق جسمٍ حكى ... الفضَّةَ حَتَّى اكتسى غُلالةَ ورد [٣]
стр. 18246
وله من المصنَّفات كتاب «الحماية» فِي الطّبيعي والإلهي، وكتاب «الأقراباذين» وهو كبير مفيد، وكتاب «رسالة الشّعرى اليَمَانية إلى الشّعْري الشّمالية» ، كتبها إلى عرفة النّحوي بدمشق، ورسالة يهنّي بها الوزير مروان الّذي وزر بعده أتابك زنكي بن آقسنقر، ورسالة الفرق ما بين الدّهر والزّمان والكُفر والإيمان، ورسالة العشْق الإلهي والطّبيعي، وكتاب النّور المُجْتَنى فِي المحاضرة [١] .
٤٢٣- مُحَمَّد بْن الفضل بن إِسْمَاعِيل بْن الفضل.
أبو الفضل بْن كاهويَه التّميميّ، الأصبهانيّ، الكاتب.
وُلِدَ سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وسمع: أَبَا القاسم بْن بيان، وأبا عليّ بْن نَبْهان، وابن ملَّة، وخلْقًا كثيرا [٢] بأصبهان، وبغداد، وخُراسان، وخرَّج لنفسه مُعْجَمًا.
وكان كاتبا بليغا، ناظما، ناثرا، مَرْضِيّ الأخلاق.
٤٢٣-[مُحَمَّد] [٣] بْن طَيْفُور [٤] السّجاونديّ [٥] .
أحد القُرّاء، هُوَ أبو عَبْد الله الغزنويّ، المقرئ، المفسّر النّحويّ، له
стр. 18247
تفسير حَسَن للقرآن، وكتاب «عِلَل القراءات» فِي عدّة مجلّدات، وكتاب «الوقف والابتداء» فِي مجلَّدٍ كبير يدلّ على تبحُّره. ولم يبلُغْني على مَن قرأ، ولا من أخذ عَنْهُ.
وذكره القِفْطيّ مختصرا [١] وقال: كان فِي وسط المائة السّادسة ﵀ [٢] .
٤٢٥-[محمد] [٣] بن هبة الله بن عليّ.
أبو المعالي بن العقّاد، البغداديّ، المؤدّب.
سمع: أبا الحسن الأنباريّ الخطيب، وأبا عبد الله النّعاليّ.
وعنه! السّمعانيّ، والمسعوديّ، وغيرهما.
قال أبو سعد السّمعانيّ: كان صالحا، خيّرا من أولاد المحدّثين. ولد سنة ثمان وسبع وستّين وأربعمائة.
قلتُ: وبقي إلى سنة أربع وخمسين.
٤٢٦-[محمود] [٤] بْن أَحْمَد بْن الفَرَج بْن عبد العزيز.
أبو المَحَامد الشّاعر، أخي السّاغَرْجِيّ [٥] ، السَّمَرْقَنْديّ، المعروف بشيخ الإسلام.
قال ابن السَّمْعانيّ: إمام، فاضل، بارع، مبرّز فِي أنواع الفضل، والتّفسير، والحديث، والأصول، والخلاف، والوعظ، ومع اجتماع هذه
стр. 18248
الفضائل هُوَ حَسَن السِّيرة، سليم الباطن، كثير الخير والعبادة، تاركٌ لما لا يعنيه وُلِدَ سنة ثمانين وأربعمائة، وقال لي: أوّل ما كتبت الحديثَ، عن شيخ والدي الْإِمَام يوسف بن صالح الخطيبيّ سنة إحدى وتسعين.
وسمع بسمرقند من: الحسن بن عطاء السّغديّ، وأبي إبراهيم إسحاق بن محمد النّوحيّ [١] .
وببخارى: أبا المعين ميمون المكحوليّ، وعليّ بن أحمد الكلاباذيّ، والبرهان عبد العزيز بن عمر أستاذه.
قرأت عليه «تنبيه الغافلين» لأبي اللّيث السّمرقندي، عن النُّوحيّ [٢] ، عن سِبْط التِّرْمِذيّ، عَنْهُ، من أوّله إلى باب الوَرَع.
كتبت عنه بسمرقند، وحجّ سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
قلت: روى عَنْهُ عَبْد الرحيم بْن السَّمْعانيّ.
٤٢٧-[....] [٣] بْن عليّ بْن نصر بْن أبي يَعْمَر.
الأديب، أبو القَاسِم النَّسَفيَ، نزيل سَمَرْقَنْد.
نحْويٌّ لُغويّ، فاضل، كان يعلِّم أولاد الخاقان، وكان خيّرا، صالحا، صَدُوقًا.
سمع: أَبَا بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد البَلَديّ [٤] ، وعبد اللَّه بْن أبي جَعْفَر النَّسَفيَ، وعليّ بْن عثمان الخرّاط، وغيرهم.
قال عبد الرحيم بن السمعاني: سمعت منه «أخبار مكّة» للأزرقيّ، أنا
стр. 18249
البَلَديّ، أَنَا معتمد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد النَّسَفيَ، أَنَا هارون بْن أَحْمَد الأسْترَابَاذِيّ، عن إسحاق بْن أَحْمَد الخُزَاعيّ، عن أبي الوليد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الأزرقيّ.
وُلِدَ سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
وتُوُفيّ سنة نيِّفٍ وخمسين.
٤٢٨-[....] [١] بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن.
أبو القَاسِم المَرْوَزِيّ، التّاجر، السّفّار.
سمع: أَبَا المظفَّر منصورا السَّمْعانيّ، وعبد الغفّار الشِّيرُوييّ.
قال عَبْد الرحيم بْن السَّمْعانيّ: سَمِعت منه بمرو، وسَمَرْقَنْد، ووُلِد سنة تسعٍ وتسْعين وأربعمائة.
٤٢٩-[مَسْعُود] [٢] بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن مَسْعُود بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود.
أبو الفتح المسعوديّ، المَرْوَزِيّ، الخطيب بجامع مَرْو القديم.
وُلِدَ فِي ثاني عَشْر ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وثمانين.
وسمع: الإمام أبا المظفَّر السَّمْعانيّ، ومحمد [٣] بْن الْحُسَيْن الخُزاعيّ، وأبا المظفَّر سُلَيْمَان بْن مُحَمَّد الصَّيْدلانيّ.
وعنه: عَبْد الرحيم [٤] .
стр. 18250
٤٣٠-[....] [١] بن محمد بن أحمد بن القاسم.
أبو الفَرَج البغداديّ، الخشّاب.
سمع: أَبَا عَبْد اللَّه بْن البُسْريّ، وأبا القَاسِم الرَّبَعيّ.
روى عَنْهُ: عبد العزيز بْن الأخضر.
٤٣١-[ ... ] [٢] بْن عليّ بْن عِيسَى بْن مختار.
أبو عُمَر الغافقيّ، الأندلسيّ، الشَّقُوريّ.
سمع: «جامع» التِّرْمِذيّ، من أبي علي بْن سُكَّرَة. وأجاز له من خُرَاسَان أبو عَبْد اللَّه الفُرَاويّ، وغيره.
ولي قضاء شَقُورَة.
روى عَنْهُ: ابن أخيه مُحَمَّد بْن عبد العزيز، وسِبْطه نصر بْن عَبْد اللَّه.
بقي سِبْطُه إلى بعد العشرين وستّمائة.
- حرف الهاء -
٤٣٢-[هبة اللَّه] [٣] .
هُوَ أوحد الزّمان الطّبيب.
قد تقدَّم ذكره.
٤٣٣-[هبة اللَّه] [٤] بْن مُوَفّق.
مَوْلَى ابن [....] [٥] الْأَزْدِيّ، الْجَيانيّ، أبو الْحَسَن. من أهل وادي آش.
стр. 18251
حجّ وسمع من: أبي عَبْد اللَّه الرّازيّ، وأبي بَكْر الطُّرْطُوشيّ.
وسمع «تجريد الصّحاح» من رزين العَبْدَريّ، وأدخله الأندلس.
روى عَنْهُ: أبو خَلَد البزدانيّ، وأبو عَبْد اللَّه المِكْنَاسيّ، وأبو خَلَد بْن رفاعة. وكان صالحا، ذا مشاركةٍ فِي الفِقْه والأُصول. ونيّف على الثّمانين.
أجاز لأبي مُحَمَّد بْن سُفْيَان فِي سنة ٥٥٤ [١] .
- حرف الْيَاءِ -
٤٣٤-[يَحْيَى] [٢] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّد بْن رافع.
أبو اليُمْن ابن تاج القُرّاء الطُّوسيّ، أخو أبي الْحَسَن عليّ.
سمع من: مالك البانياسيّ، ورِزْق اللَّه بْن عَبْد الوهّاب.
وكان مولده سنة سبْعٍ وسبعين.
٤٣٥-[يحيى] [٣] بْن عَبْد الملك بْن أَحْمَد بْن الخطيب.
أبو زكريّا السِّدْريّ [٤] ، الكافُوريّ.
وُلِدَ بحلب سنة ستٍّ وسبعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد وصحِب الشَّيخ حَمَّادًا الدّبّاس، وجمع كلامه بعد وفاته.
وسمع الحديث من: الْحُسَيْن بْن الطُّيُوريّ، والحسن بْن مُحَمَّد بْن عبد العزيز التككيّ [٥] .
قال ابن السَّمْعانيّ: شيخ، صالح، ديّن، مشتغل بما يعنيه، له سكون وحَياء ووقار كتبت عنه الحديث.
стр. 18252
٤٣٦- يُوسُف بْن آدم بْن مُحَمَّد بْن آدم [١] .
أبو يَعْقُوب المراغي ثُمَّ الدمشقيّ المحدّث.
شيخ سنّي خيّر، له معرفة قليلة.
رحل وَسَمِعَ من: أَبِي الفضل مُحَمَّد بْن ناصر، وجماعة.
وحدَّث «بصحيح مُسْلِم» عن: أبي عَبْد اللَّه محمد بن الفضل الفراويّ.
وحدّث بدمشق، وبغداد، ونصيبين، ونسخ الكثير.
وكان مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
روى عنه: عبد الرّزّاق بن الشّيخ عبد القادر، والشّيخ أحمد والد الشّيخ الموفّق، وأبو الخير سلامة الحدّاد، والفقيه هلال بن محفوظ الرّسعينيّ [٢] ، وغيرهم.
وفي سنة نيّف وخمسين ضرب السّيف البلخيّ الواعظ أنف يوسف بن آدم بدمشق فأدماه، فأخرج الملك نور الدّين يوسف منفيّا من دمشق، وانقطع خبره.
قال ابن النّجّار: حدُّث «بصحيح مُسْلِم» ، سمعه منه شيخنا عَبْد الرّزّاق الجيليّ، ومحمد بْن مشِّق. وكان كثير الشَّغَب، مُثِيرًا للفِتَن بين الطّوائف.
وقال أبو الْحُسَيْن القَطِيعيّ: كان إذا بَلَغَه أن قاضيا أشْعِريًا عقد نكاحا فسخ نكاحه، وأفتى أنّ الطّلاق لا يقع فِي ذَلِكَ النّكاح، فأثار بذلك فتنة، فأخرجه صاحب دمشق منها، فسكن حَرّان، ثُمَّ مَلَكَها نور الدِّين، فطلب منه أن يعود ليرى أمّه بدمشق، فأذِن له بشرط أن لا يدخل البلد، فجاء ونزل كهف آدم، فخرجت أمّه إليه. ثمّ دخل دمشق يوم جمعة، فخاف الوالي من فتنة، فأمره بالعود إلى حرّان، فعاد إليها. لقيته وسلّمت عليه بها، ومات في قرب ربيع الأوّل سنة تسع وستّين، والله أعلم.
آخر الطبقة السادسة والخمسين من تاريخ الإسلام، والحمد للَّه أولا وآخرا
стр. 18253
(بعون الله تعالى وتوفيقه، أنجز خادم العلم وطالبه، الفقير إلى عفو ربّه الحاج «أبو غازي» «عمر عبد السلام تدمري» أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، ممثّل لبنان في الهيئة العربية العليا لإعادة كتابة تاريخ الأمة في اتحاد المؤرّخين العرب، الطرابلسي مولدا، وموطنا، الحنفيّ مذهبا- هذه الطبقة السادسة والخمسين من موسوعة «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرّخ الإسلام الحافظ شمسُ الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عثمان الذهبي الدمشقيّ مولدا ووفاة، وقام بضبط نصّها، وتوثيق مادّتها، والإحالة إلى مصادرها، وتخريج أحاديثها وأشعارها، بقدر الطاقة والإمكان، مع الاعتراف بالنقص والتقصير، وكان الفراغ منها بعد مغرب يوم الثلاثاء الواقع في ٨ من شهر رجب الخير ١٤١٤ هـ. الموافق ٢١ من كانون الأول (ديسمبر) ١٩٩٣ م. وذلك بمنزلة بساحة النجمة من مدينة طرابلس الفيحاء المحروسة حماها الله وجميع بلاد الإسلام. والحمد للَّه رب العالمين) .
стр. 18254
[المجلد التاسع والثلاثون (سنة ٥٦١- ٥٧٠) ]
[الطبقة السابعة والخمسون]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة إحدى وستين وخمسمائة
[الرفض فِي عاشوراء]
ظهر فِي أيّام عاشوراء من الرَّفْض ببغداد أمرٌ عظيم حتّى سبّوا الصّحابة، وكانوا فِي الكَرْخ إذا رأوا مكحِّلًا ضربوه [١] .
[وقوع الرُّخْص]
ووقع الرّخْص حتّى أبيعت كارَّة الدّقيق بعشرة قراريط [٢] .
قَالَ ابن الجوزيّ [٣] : وقد اشتريتها فِي زمن المسترشد باثنتي عشر دينارا [٤] .
[هياج الكرج عَلَى بلاد الشام]
وفيها هاجت الكُرْج عَلَى بلاد الْإِسْلَام، وقتلوا وسَبَوْا، وغنِموا ما لا يُحصى [٥] .
[فتح المنيطرة]
وفيها افتتح نور الدّين حصن المنيطرة [٦] .
стр. 18255
_________
[ () ] و ٣٦٨، زبدة الحلب ٢/ ٣٢٢، النوادر السلطانية ٣٨، وفيات الأعيان ٧/ ٤٧، المغرب في حلى المغرب ١٣٩، الكواكب الدرّية ١٦٩، والإعلام بتاريخ أهل الإسلام لابن قاضي شهبة (مخطوط) ١١/ ١٦٩، المختصر في أخبار البشر ٣/ ٤٣، والإعلام والتبيين للحريري ٢٩، ودول الإسلام ٢/ ٧٥ وفيه «المنيظرة» ، والعبر ٤/ ١٧٤، البداية والنهاية ١٢/ ٢٥١، والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٥٠، تاريخ طرابلس السياسي والحضاريّ (تأليفنا) ٥١٤١، تاريخ ابن سباط ١/ ١٧. و «المنيطرة» : بضم الميم وفتح النون وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، وكسر الطاء المهملة، وفتح الراء، وفي الآخر هاء. حصن بجبل لبنان. قال ياقوت: قريب من طرابلس. (معجم البلدان) وأقول: هو بين بعلبكّ وجبيل في جبل المنيطرة المعروف باسمه. وقد ذكر الحريري في (الإعلام والتبيين) أنه حصن قريب من كسروان. فعلّق محقّقه الدكتور مهدي رزق الله أحمد (بالحاشية ٢٢٠) فقال: لم أعثر عليها في كتب البلدان (أي كسروان) ، ولكن يفهم من كتاب (السلوك) أنها من مناطق الدروز، وأن جبل كسروان متصل بسلسلة جبال لبنان.
ويقول خادم العلم محقق هذا الكتاب «عمر بن عبد السلام تدمري» : إن المنيطرة في قلب جبل لبنان، وفي القسم الشمالي من كسروان، وهي ليست من مناطق الدروز. فليصحّح.
стр. 18256
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
[إرسال العسكر لحرب شُمْلة]
وقع الإرجاف بمجيء شُمْلَة التُرْكُمانيّ إلى قلعة الماهكيّ، وبعث يطلب ويتنطّع [١] ، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب مِن البلاد، وبعث لحربه أكثر عسكر بغداد [٢] .
[عودة ركْب الحاجّ]
وقدِم الرَّكْبُ، وأخبروا بالأمن والرّخْص والمياه، وأنّهم نقضوا القُبَّة الّتي بُنِيت بمكَّة للمصريّين [٣] .
[مشاركة قُطْب الدين لعمّه نور الدين الغزو]
وفيها قدِم قُطْب الدّين من المَوْصِل للغزو مَعَ عمّه نور الدّين، فاجتمعا عَلَى حمص، وسارا بالجيوش، فأغاروا عَلَى بلاد حصن الأكراد، وحاصروا عِرْقَة، وحاصروا حَلْبَة، وأخذوا العَريمة، وصافيتا. ثمّ صاموا رمضان بحمص، وساروا إلى بانياس، فنازلوا حصن هُونِين وأحرقوه. وعزم نور الدّين عَلَى مُنازلة بيروت، فوقع خُلْفٌ فِي العسكر، فعاد قُطْب الدّين إلى المَوْصِل، وأعطاه أخوه بلد الرّقّة.
стр. 18257
[حريق اللّبّادين]
وفيها، قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ [١] : احترقت اللّبّادين، وباب السّاعات [٢] بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا، رقد طبّاخ هريسة عَلَى القِدْر ونام، فاحترقت دكّانه، ولعبت النّار فِي اللّبّادين، وتعدَّت إلى دُورٍ كثيرة، ونُهبت أموالٌ عظيمة، وأقامت النّار تلعب أيّاما.
[مسير شير كوه إلى مصر]
وفيها كَانَ مسير الأمير أسد الدّين شير كوه المسير الثّاني إلى مصر. جهّز السّلطان نور الدّين المعظَّم جيوشه، وقيل: بل جهَّز معه أَلْفَيْ فارس، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدَّة نيِّفٍ وخمسين يوما، فاستنجد شاور بالفرنج، فدخلوا مصر من دِمياط لنجدته، فرحل أسد الدّين من بين أيديهم، وتقدّم عَنْ منزلته، ثمّ وقع بينه وبين المصريّين حربٌ عَلَى قِلَّة عسكره وكَثْرة عدوّه، فانتصر فيها أسد الدّين، وقتل من الفرنج ألوفا وأسر منهم سبعين فارسًا [٣] .
قَالَ ابن الأثير [٤] : كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرَّخ أنّ ألَفْي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج السّاحليّة.
стр. 18258
قلت: صدق واللَّهِ ابنُ الأثير، وهذه تُسمّى وقعة البابين، وهو موضع بالصَّعيد، أدْرَكَتْهُ فِيهِ الفرنجُ والمصريّون فِي جُمَادَى الآخرة من السّنة، فعمل مشورة، فأشاروا بالتَّعْدِية إلى الجانب الشّرقي والرجوع إلى الشّام، وقالوا: إنِ انهزمنا إلى أَيْنَ نلتجئ؟ فقال بُزْغُش النُّوريّ صاحب الشَّقِيف [١] : مَن خاف القتْل والأسْر فلا يخدم الملوك، والله لئِن عُدْنا إلى نور الدّين من غير غَلَبَةٍ ليأخذنّ إقطاعاتنا ويطردنا.
فقال أسد الدّين: هذا رأيي. وقال صلاح الدّين كذلك، فوافق الأمراء، ونصبوا للملتقى، وجعلوا الثِّقَل فِي القلب حِفْظًا لَهُ وتكثيرا للسّواد، وأقيم صلاح الدّين في القلب، وقال لَهُ عمّه أسد الدّين: إذا حملوا عَلَى القلب فلا تُصْدِقوهم القتال، وتقهقروا، فإنْ ردّوا عنكم فارجعوا عَلَى أعقابهم. ثمّ اختار هُوَ طائفة يثق بشجاعتهم، ووقف فِي الميمنة، فحملت الفرنج عَلَى القلب، فناوشوهم القتال، واندفعوا بين أيديهم عَلَى بقيّتهم، فتبِعَتْهم الفرنج، فحمل أسد الدّين عَلَى باقي الفرنج والمصريّين، فهزمهم، ووضع فيهم السَّيف. فلمّا عاد الفرنج من حملتهم عَلَى القلب رأوا عسكرهم مهزوما، فولّوا وانهزموا، ونزل النَّصر [٢] .
ثمّ سار أسد الدّين إلى الصّعيد، فجبى خراجها، وأقام الفرنج بالقاهرة حتّى استراشوا، وقصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدّين يوسف ابن أخي أسد الدّين، فحاصروها أربعة أشهر، وقاتل أهلُها مَعَ صلاح الدّين أشدّ قتال بجموعه، فترحّل الفرنج عن الإسكندريّة [٣] .
стр. 18259
[المهادنة بين أسد الدين وشاور]
ثمّ وقعت مهادنة بين أسد الدّين وشاور عَلَى أن ينصرف أسد الدّين إلى الشّام، ويُعطى خمسين ألف دينار. فأخذها ورجع [١] .
واستقرّ بالقاهرة شِحْنةً للفرنج، وقطيعة مائة ألف دينار فِي السّنة [٢] .
стр. 18260
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
[امتناع حجّ المصريّين]
لم يحجّ المصريّون لِما فِيهِ ملكهم من الوَيْل والاشتغال بحرب أسد الدّين [١] .
[رخص الورد ببغداد]
ورخص الورد ببغداد إلى أن أبيع كلّ ثمانين رِطْلًا بقيراط [٢] .
[وزارة البلديّ]
وفيها وُلّي الوزير شرف الدّين أَبُو جعفر أحمد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن البَلَديّ وزارة المستنجد باللَّه. وكان ناظرا بواسط [٣] .
[مصالحة البهلوان وصاحب مراغة]
وفيها كَانَ حرب ومحاصرة من البهلوان لصاحب مَرَاغة آقْسُنْقُر الأحمديليّ. ثمّ وقع الصُّلْح بعد مصافٍّ كبير [٤] .
[مشيخة الشيوخ]
وفيها وُلّي مشيخة الشّيوخ والأوقاف بدمشق، وحمص، وحماه: أَبُو الفتح عمر بن عليّ بن حمّويه.
стр. 18261
سنة أربع وستين وخمسمائة
[الإيقاع بالعيّارين]
فيها واقع غلمان الخليفة العيَّارين بالدُّجَيْل، وَقُتِلَ كثير منهم، وجاءوا برءوسهم، وأُخِذَ قائدهم، ثمّ صُلِب ببغداد وتسعة من اللُّصُوص [١] .
[مصادرة الأمير قيماز]
وفيها صُودِر الأمير قيْماز ببغداد، وأخذ منه ثلاثون ألف دينار، وانكسر بذلك [٢] .
[مسير أسد الدين إلى مصر]
وفيها كَانَ مسير أسد الدّين إلى مصر المسير الثّالث، وذلك أنّ الفرنج قصدت الدّيار المصريَّة فِي جَمْعٍ عظيم، وكان السّلطان نور الدّين فِي جهة الشّمال ونواحي الفُرات، فطلعوا عَلَيْهِ من عسقلان، وأتوا بلْبِيس فحاصروها، وملكوها، واستباحوها، ثمّ نزلوا عَلَى القاهرة، فحاصروها، فأحرق شاور مصرَ خوفا من الفرنج، فلمّا ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصُّلح عَلَى ألف ألف دينار، يعجِّل لَهُ بعضها. فأجابه بِهِ ملك الفرنج مُرّي [٣] إلى ذَلِكَ، وحَلَف لَهُ، فحمل إِلَيْهِ شاور مائة ألف دينار وماطَلَه بالباقي [٤] .
стр. 18262
وكاتبَ فِي غضون ذَلِكَ الملك العادل نور الدّين يستنجد بِهِ، وسوَّد كتابه، وجعل فِي طيِّه ذوائب النّساء، وواصل كُتُبَه يستحثّه، فكان بحلب، فساق أسد الدّين من حمص إلى حلب فِي ليلة [١] .
قَالَ القاضي بهاء الدّين يوسف بْن شدّاد [٢] : قَالَ لي السّلطان صلاح الدّين: كنت أُكْرهُ النّاسَ فِي الخروج إلى مصر هذه المرَّة، وهذا معنى قوله:
فَعَسى [٣] أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ٤: ١٩ [٤] .
[دعوة صلاح الدين لدخول مصر]
وقال ابن الأثير [٥] : حُكي عَنْ صلاح الدّين قَالَ: لمّا وردت الكُتُب من مصر إلى نور الدّين أحضرني وأعلمني الحال، وقال: تمضي إلى عمّك أسد الدّين مَعَ رسولي تحثّوه عَلَى الحضور. ففعلت، فلمّا سرنا عَنْ حلب، ميلا لقِيناه قادما، فقال لَهُ نور الدّين: تجهَّز. فامتنع خوفا من غَدْرهم أوّلا، وعدم ما ينفقه فِي العسكر آخرا، فأعطاه نور الدّين الأموال والرجال، وقال: إنْ تأخّرتَ عَنْ مصر سِرْتُ أَنَا بنفسي، فإن ملكها الفرنجُ لا يبقى معهم بالشّام مقام.
стр. 18263
فالتفت إليَّ عمّي وقال: تجهَّز يا يوسف. [قَالَ] : فكأنّما ضرب قلبي بسِكّين! فقلت: والله لو أُعْطِيتُ مُلْكَ مصرَ ما سِرْتُ إليها. فلقد قاسيت بإلاسكندريّة من المَشَاقّ ما لا أنساه [١] .
فقال عمّي لنور الدّين: لا بدّ من مسيره معي. فتَرْسُمَ لَهُ. فأمرني نور الدّين وأنا أستقيله، وانقضى المجلس.
ثمّ قَالَ نور الدّين: لا بُدَّ من مسيرك مَعَ عمّك. فشكوْتُ الضّائقة، فأعطاني ما تجهَّزتُ بِهِ، وكأنّما أُساقُ إلى الموت.
وكان نور الدّين مَهِيبًا، مَخُوفًا، مَعَ ليِنه ورحمته، فسِرْتُ معه. فلمّا تُوفّي أعطاني اللَّه من المُلْك ما [لا] [٢] كنت أتوقّعه [٣] .
[وزارة أسد الدين]
رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدّين، فجمع الجيوش، وسار إلى دمشق، وعرض الْجَيْش، ثمّ سار إلى مصر في جيش عرمرم، فقيل: كانوا سبعين ألف فارس وراجل. فتقهقر الفرنج لمجيئه، ودخل القاهرة فِي ربيع الآخر، وجلس فِي الدَّسْت، وخلع عَلَيْهِ العاضد خِلَع السَّلْطنة، وولّاه وزارته [٤] ، وهذه نسخة العهد:
«من عَبْد اللَّه أَبِي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن يوسف العاضد [٥] لدين اللَّه أمير المؤمنين، إلى السّيّد الأجلّ، الملك المنصور، سلطان الجيوش، وليّ الأئمَّة [٦] ، أسد الدّين [٧] ، هادي دُعاة المؤمنين، أَبِي الحارث شير كوه
стр. 18264
العاضديّ، عضّد اللَّه بِهِ الدّين، ومتّع [١] ببقائه أمير المؤمنين، وأدام أقدرته، وأعلى [٢] كلمته، سلامٌ عليك، فإنّا نحمد اللَّه [٣] الَّذِي لا إله إلّا هُوَ، ونسأله [٤] أن يُصلّي عَلَى مُحَمَّدٍ [٥] سيّد المرسلين، وعلى آله الطّاهرين، والأئمَّة المَهْدِيّين..» ثمّ أتْبع ذَلِكَ بخطبتين بليغتين، وأنّه ولّاه الوزارة، وفوَّض إِلَيْهِ تدبير الدّولة.
وكتب هُوَ فِي أعلى [٦] المنشور بخطّه: «هذا عهدٌ لم يُعهَد [٧] لوزير بِمِثْلِهِ، فتقلّد أمانة رآك أميرُ المؤمنين أهلا [٨] لحملها [٩] ، والحجَّة عليك عند اللَّه بما أوضحه لك من مراشد سُبُله، فخُذْ كتاب أمير المؤمنين بقوَّة، واسحبْ ذَيْل الفخار بأن اعْتَزَّتْ بك بنو النُّبوَّة [١٠] ، واتّخذ [١١] للفوز سبيلا وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ١٦: ٩١ [١٢] .
[قتل شاور]
وكان هذا قبل مقتل شاور، وهو أنّ أسد الدّين لمّا دخل القاهرة فأقام شاور بضيافته وضيافة عسكره، وتردَّد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدّين مالا ينفقه عَلَى جيشه، فماطَلَه. فبعث إِلَيْهِ الفقيه ضياء الدّين عيسى بْن مُحَمَّد الهَكّاريّ يَقُولُ: إنّ الجيش طلبوا نفقاتهم، وقد مَطَلْتُهم بها، وتغيَّرتْ
стр. 18265
قلوبُهم، فإذا أَبَيْتَ فكُنْ عَلَى حَذَرٍ منهم. فلم يؤثّر هذا عند شاور، وركب عَلَى عادته، وأتى أسد الدّين مسترسلا، وقيل: إنّه تمارض، فجاء شاور يعوده [١] ، فاعترضه صلاح الدّين يوسف بْن أيّوب وجماعة من الأمراء النُّوريَّة، فقبضوا عَلَيْهِ، فجاءهم رسولٌ يطلب رأس شاور، فذبح وحمل رأسه إليه [٢] .
[موت شير كوه]
ثمّ لم يلبث أسد الدّين أنْ حَضَرَتْه المَنِيَّة بعد خمسة وستّين يوما من ولايته [٣] .
стр. 18266
[تقليد صلاح الدين أمور الخليفة]
وقلّد العاضِدُ الملكَ النّاصر صلاح الدّين يوسف الأمورَ، وهو لَقَّبَه الملك النّاصر، وكتب تقليدَه القاضي الفاضلُ. فقام بالسّلطنة أتمّ قيام [١] .
قَالَ العماد فِي «البرق الشّاميّ» [٢] بعد أنْ ذكر استباحة الفرنج بلبيس:
فأناخوا عَلَى القاهرة معوّلين عَلَى المحاصرة فِي عاشر صَفَر، فخاف النّاس من نوبة بلبيس، فلو أنّ الفرنج لم يعمدوا بالسّوء فِي بلبيس لوثقت منهم القاهرة، ولم تَدُم المحاصرة. وأحرق شاور مصر، وخاف عليها منهم، فبقيت النّار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما. وكان غرضه أن يأمن عليها من العدوّ الكافر.
ثمّ عرف العجْز، فشرع فِي الحِيَل، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل لَهُ المَوَدَّة، وأنّه يراه لدهره العُمدة، فأحسن لَهُ العدَّة، ووفّر لرجائه الجدَّة، وقال: أَمْهِلني حتّى أجمع لك الدّنانير، وأنفذ لك منها قناطير، وأطمعه [٣] فِي ألف ألف دينار معجَّلة ومنجَّمَة، وتوثَّق منه بمواثيق مستحكَمَة، ثمّ قَالَ لَهُ: ترحل عنّا، وتوسع الخناق، وتترك الشّقاق. وعجَّلَ لَهُ مائة ألف دينار حيلة وخداعا، ووصَل بكُتُبه نورَ الدّين مستصرخا مستنفرا، وفي طيّها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة، وبقي ينفّذ للفرنج فِي كلّ حين مالا، ويطلب منهم إمهالا، حتّى أتى الغوث، فسلب أسد الدّين القرار، وساق فِي ليلةٍ إلى حلب، وقال إنّ الفرنج قد استحكم فِي البلاد المصريَّة طمعُهم، وليس فِي الوجود غيرك من يُرغمهم، ومتى تجمع العسكر؟ وكيف تدفعهم؟ فقال لَهُ:
خزانتي لك، فخُذْ منها ما تريد، ويَصْحَبُك أجنادي. وعَجَّل له بمائتي ألف دينار، وأمر خازنه وليّ الدّين إِسْمَاعِيل بأن يُعطيه ما يطلب. فقال: أمضي إلى الرحبة لجمع التّركمان.
стр. 18267
وذهب نور الدّين ليتسلم قلعة جَعْبَر، وحشد أسد الدّين وحشر، وأسرع نور الدّين بالعود إلى دمشق. وخرجنا إلى الفوّار، وأسد الدّين هناك فِي العسكر الجرّار، وأطلق لكلّ فارس عشرين دينارا، ورحلوا عَلَى قصد مصر.
وخيَّم نور الدّين بمن أقام معه عَلَى رأس الماء، [١] فجاء البشير برحيل الفرنج عَنِ القاهرة عند وصول خبر العسكر، [٢] فدخلوا مصر فِي سابع [٣] ربيع الآخر، وتودّد شاور إلى أسد الدّين وتردّد، وتجدّد بينهما من الودّ ما تأكّد [٤] .
ثمّ ساق «العماد» نحوَ ما قدّمنا، وأنّه قُتِلَ فِي سابع عشر ربيع الآخر.
ثمّ قَالَ [٥] : «ولمّا فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيّام من التّعزية بأسد الدّين اختلفت آراؤهم، واختلطت أهواؤهم، وكاد الشَّمْل لا ينتظم [٦] ، فاجتمع الأمراء النّوريَّة عَلَى كلمةٍ واحدة، وأيدٍ متساعدة، وعقدوا لصلاح الدّين الرأي والراية، وأخلصوا لَهُ الولاء والولاية، وقالوا: هذا مقام [٧] عمّه، ونحن بحكمه، وألزموا صاحب القصر بتوليته، ونادت السّعادة بتلبيته، وشرع فِي ترتيب الملك وتربيته [٨] ، وسلّط الجود عَلَى الموجود، وبسط الوفور للوفود» .
قَالَ القاضي بهاء الدّين بْن شدّاد [٩] : وكانت الوصيَّة إلى صلاح الدّين.
من عمِّه، ولمّا فُوِّض إِلَيْهِ تاب من الخمر، وأعرض عَنِ اللهو [١٠] . ولقد
стр. 18268
سَمِعْتُهُ يَقُولُ لمّا يسّر اللَّه ديارَ مصر: علمت أَنَّهُ أراد فتح السّاحل، لأنّه أوقع ذَلِكَ في نفسي.
وقال ابن واصل [١] : لمّا مات أسد الدّين كَانَ ثَمَّ جماعة، منهم عين الدّولة الياروقيّ، وقُطْب الدّين خسْرو الهَذَبَانيّ [٢] ، وسيف الدّين عليّ المشطوب [٣] ، وشهاب الدّين محمود الحارميّ خال صلاح الدّين، وكلٌّ منهم تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاح الدّين ليولّيه الأمر، حمله على ذلك ضعف صلاح الدّين، وأنّه لا يجسر أحدٌ عَلَى مخالفته، فامتنع وجَبُن، فأُلزِم وأُحضِر إلى القصر، وخُلِع عَلَيْهِ، ولُقِّب بالملك النّاصر صلاح الدّين، وعاد إلى دار الوزارة، فلم يلتفت إِلَيْهِ أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضِياء الدّين عيسى الهكّاريّ، وأمال إِلَيْهِ المشطوب، ثمّ قَالَ لشهاب الدّين:
هذا هُوَ ابن أختك، وملكه بك، ولم يزل بِهِ حتّى حلَّفه لَهُ [٤] ، ثمّ أتى قُطْب الدّين وقال: إنّ صلاح الدّين قد أطاعه النّاس، ولم يَبْقَ غيرك وغير عين الدّولة، وعلى كلّ حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدّين أنّ أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عَنْهُ إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلانَ وحَلَف [٥] . ثمّ ذهب ضياء الدّين واجتمع بعين الدّولة الياروقيّ، وكان أكبر الجماعة، وأكثرهم جَمْعًا، فلم تنفع رُقاه، وقال: لا أخدم يوسف أبدا. وعاد إلى نور الدّين ومعه غيره، فأنكر عليهم فِراقهم لَهُ.
قَالَ العماد [٦] : وكان بالقصر أستاذ خصيّ يلقّب مؤتمن الخلافة [٧] ،
стр. 18269
لأمره نفاذ، وبه فِي الشّدَّة عياذ، وله بتحيُّل الحِيل لِياذ، وعلى القصر استحواذ، فتشمَّر وتنمَّر، وقال: مَن كِسْرى، ومن كَيْقبَاذ [١] ؟. وتآمر هُوَ ومن شايَعَه وبايَعَه عَلَى مكاتبة الفرنج، فكاتبوهم خفْية، فاتّفق أنّ تُرْكُمانيًّا عَبَر بالبير البيضاء [٢] ، فرأى نَعْلَين جديدِين مَعَ إنسانٍ، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدّين، فوجد فِي البطانة خِرَقًا مكتوبة، مكتومة، مختومة، بالشرِّ محتومة، وإذا هِيَ إلى الفرنج من القصر، يرجون بالفرنج النَّصْر، فقال:
دلّوني عَلَى كاتب هذا الخطّ. فدلوه عَلَى يهوديّ من الرَّهْط، فلمّا أحضروه لفظ بالشّهادتين، واعترف أَنَّهُ بأمر مُؤْتَمَن الخلافة كَتَبه، واستشعر الخصِيّ العصِيّ، وخشي أن تسبقه [٣] عَلَى شقّ العصا العِصِيّ، فلزم القصر. وأعرض عَنْهُ صلاح الدّين، ثمّ خرج إلى قريةٍ لَهُ [٤] ، فأنهض لَهُ السّلطانُ صلاحُ الدّين من أَخَذَ رأسه فِي ذي القعدة.
ولمّا قُتِلَ هذا الخادم سار [٥] السّودان وثاروا، ومن استِعار السّعير استعاروا، وأقاموا ثاني يوم قتْله وجيَّشوا، وكانوا أكثر من خمسين ألفا، من كلّ أنبسٍ أغلس، أحمر أحمس [٦] ، أجرى أجرس، ألْسعٍ ألْيَس، أسودٍ أسود، وأسحم حسامه يحسم، فحسِبُوا أنّ كلّ بيضاء شحمة، وكلّ سوداء فحمة [٧] ، وحمراء لحمة، وأنّ كلّ ما أسدوه من العجاج مناله لحمة، فأقبلوا ونصرائهم
стр. 18270
زحمة، وما فِي قلوبهم رحمة، فقال أصحابنا: إنْ فشلنا عَنْهُمْ سَلونا البقاء، وما فِي عادتهم العادية شيء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، وكان المقدّم الأمير أَبُو الهيجا [١] ، واتّصلت الحرب بين القصرين، ودام الشّرّ يومين، وأُخرجوا عَنْ منازلهم العزيزة إلى الجيزة [٢] ، وكانت لهم محلَّة تُسمّى المنصورة [٣] ، فأخرِبت وحُرِثت.
ولمّا عرف نور الدّين النّصر، واستقرار مُلْك مصر، ارتاح سِرُّه، وانشرح صدرُه، وأمدَّ الصّلاح بأخيه شمس الدّولة توران شاه [٤] .
ملْك إلْدِكْز الريّ
قلت: وأمّا مملكة الرّيّ فكانت بيد إينانج يؤدّي حملا إلى إلْدكْز صاحب أَذَرْبَيْجان، فمنعه سنتين، وطالبه، فاعتذر بكثرة الْجُنْد والحاشية، فقصده إلْدكْز، فالتقيا وعملا مُصَافًّا، فانهزم إينانج، وتحصَّن بقلعةٍ، فحصره إلْدِكْز فيها. ثمّ كاتب إينانج وأطمعهم، فقتلوه، وسلّموا البلد إلى إلْدكْز، فلم يَفِ لهم بما وعد، وطردهم، فظفر خُوارَزْم شاه بالّذي باشر قتل إينانج، فأخذه وصلبه. وأمّا إلْدكْز فعاد إلى هَمَذَان، وكان هذه المدَّة قد سكنها [٥] .
[تملُّك شُملة بلاد فارس وردّه]
وفيها تملَّك الأمير شُمْلَة صاحب خُوزَسْتان بلاد فارس، ثمّ حشد صاحبها وجمع، وحارب شملَة ونصر عليه، فردّ شملة إلى بلاده [٦] .
стр. 18271
[قتْل ابني شاور وعمّهما]
وفيها قَتَل العاضِدُ بالقصر: الكامل وأخاه ابني شاور وعمّهما فِي جُمَادَى الآخرة. وذلك أنّهم لاذوا بالقصر، ولو أنّهم جاءوا إلى أسد الدّين سِلموا، فإنّه ساءه قتْل شاور [١] .
[الزلزلة بصقلّية]
وفيها كانت الزّلزلة العُظْمى بصَقَلّية، وأهِلك خلْقٌ كثير، فلله الأمر من قبل ومن بعد [٢] .
стр. 18272
سنة خمس وستين وخمسمائة
[الزلازل فِي الشام]
وردت الأخبار بوقوع زلازل فِي الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال هلك من أهلها ثمانون ألفا. ذكره ابن الجوزيّ [١] .
وقال العِماد الكاتب [٢] : تواصلت الأخبار من جميع بلاد الشّام بما أحدثت الزلزلة بها من الانهداد والانهدام، وأنّ زلّات زلازلها حلّت وجلّت، ومعاقد معاقلها انحلّت واختلّت، وانبتّ ما فيها وتخلّت، وأنّ أسوارَها عَلَتْها الأسواء وعرّتها، وقرَّت بها النّواكب فنكبتها وما أقرَّتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأنّ سماءها انفطرتْ، وشموسَها كُوِّرت، وعُيُونَها غُوِّرت وعُورّت. وذكر فصلا طويلا فِي الزَّلزلة وتهويلها [٣] .
وقال أَبُو المظفّر بْن الجوزيّ [٤] بعد أن أطنب فِي شأن هذه الزّلزلة وأسهب: لم يَرَ النّاسُ زلزلة من أوّل الْإِسْلَام مثلَها، أفْنَت العالَم، وأخربت القلاع
стр. 18273
والبلاد. وفرَّق نور الدّين فِي القلاع العساكر خوفا عليها، لأنّها بقيت بلا أسوار.
[نزول الفرنج عَلَى دمياط]
وفيها نزلت الفرنج عَلَى دِمياط فِي صفر، فحاصروها واحدا وخمسين يوما، ثمّ رحلوا خائبين، وذلك أنّ نور الدّين وصلاح الدّين أجْلَبا عليها برّا وبحرا، وأغارا عَلَى بلادهم.
قَالَ ابن الأثير [١] : بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخُلُوّ البلاد من المانع، فلمّا بلغهم ذَلِكَ رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النّعامة تطلب قرنين، فعادت بلاد أُذُنَين.
وأخرج صلاح الدّين فِي هذه المرَّة أموالا لا تُحصى. حُكيَ لي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ما رَأَيْتُ أكرم من العاضد، أرسل إليَّ مدَّة مُقام الفرنج عَلَى دمياط ألف ألف دينار مصريَّة، سوى الثّياب وغيرها [٢] .
[أخذ نور الدين سنجار]
وفيها توجّه نور الدّين إلى سِنْجار، فحاصرها حصارا شديدا، ثمّ أخذها بالأمان [٣] ، ثمّ توجَّه إلى الموصل ورتَّب أمورها، وبنى بها جامعا، ووقفَ عَلَيْهِ الوقوف الجليلة [٤] .
стр. 18274
[دخول نجم الدين أيوب مصر]
وفيها دخل نجم الدّين أيّوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه [١] ، وكان يوما مشهودا، وتأدَّب ابنه صلاح الدّين معه، وعَرَض عَلَيْهِ منصبه [٢] .
[منازلة نور الدين الكرَك]
وفيها سار نور الدّين، فنازل الكَرَك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشدّ القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم، فانهزموا [٣] .
[أسْر أمير حصن عكار]
وفيها طَرَقَ الفرنجُ حصنَ عكّار من المسلمين، وأسروا أميرها، وهو خُطْلُخ السِّلَحْدار مملوك نور الدّين [٤] .
стр. 18275
سنة ست وستين وخمسمائة
[وفاة المستنجد باللَّه]
فيها وفاة المستنجد باللَّه، وما زالت الحُمرة الكثيرة تعرض فِي السّماء منذ مرِض، وكانت ترمي ضوءها عَلَى الحيطان [١] .
[خلافة المستضيء باللَّه]
وبُويع ابنه المستضيء أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن، وأمّه أرمينيَّة، بايعه النّاس، وصلّى ليومه عَلَى المستنجد، ونادى برفع المُكُوس، وردَّ مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره من الأعمار، قاله ابن الجوزيّ [٢] .