← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 18271–18310 · переход к 18276.

стр. 18271

[قتْل ابني شاور وعمّهما] وفيها قَتَل العاضِدُ بالقصر: الكامل وأخاه ابني شاور وعمّهما فِي جُمَادَى الآخرة. وذلك أنّهم لاذوا بالقصر، ولو أنّهم جاءوا إلى أسد الدّين سِلموا، فإنّه ساءه قتْل شاور [١] . [الزلزلة بصقلّية] وفيها كانت الزّلزلة العُظْمى بصَقَلّية، وأهِلك خلْقٌ كثير، فلله الأمر من قبل ومن بعد [٢] .

стр. 18272

سنة خمس وستين وخمسمائة [الزلازل فِي الشام] وردت الأخبار بوقوع زلازل فِي الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال هلك من أهلها ثمانون ألفا. ذكره ابن الجوزيّ [١] . وقال العِماد الكاتب [٢] : تواصلت الأخبار من جميع بلاد الشّام بما أحدثت الزلزلة بها من الانهداد والانهدام، وأنّ زلّات زلازلها حلّت وجلّت، ومعاقد معاقلها انحلّت واختلّت، وانبتّ ما فيها وتخلّت، وأنّ أسوارَها عَلَتْها الأسواء وعرّتها، وقرَّت بها النّواكب فنكبتها وما أقرَّتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأنّ سماءها انفطرتْ، وشموسَها كُوِّرت، وعُيُونَها غُوِّرت وعُورّت. وذكر فصلا طويلا فِي الزَّلزلة وتهويلها [٣] . وقال أَبُو المظفّر بْن الجوزيّ [٤] بعد أن أطنب فِي شأن هذه الزّلزلة وأسهب: لم يَرَ النّاسُ زلزلة من أوّل الْإِسْلَام مثلَها، أفْنَت العالَم، وأخربت القلاع

стр. 18273

والبلاد. وفرَّق نور الدّين فِي القلاع العساكر خوفا عليها، لأنّها بقيت بلا أسوار. [نزول الفرنج عَلَى دمياط] وفيها نزلت الفرنج عَلَى دِمياط فِي صفر، فحاصروها واحدا وخمسين يوما، ثمّ رحلوا خائبين، وذلك أنّ نور الدّين وصلاح الدّين أجْلَبا عليها برّا وبحرا، وأغارا عَلَى بلادهم. قَالَ ابن الأثير [١] : بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخُلُوّ البلاد من المانع، فلمّا بلغهم ذَلِكَ رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النّعامة تطلب قرنين، فعادت بلاد أُذُنَين. وأخرج صلاح الدّين فِي هذه المرَّة أموالا لا تُحصى. حُكيَ لي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ما رَأَيْتُ أكرم من العاضد، أرسل إليَّ مدَّة مُقام الفرنج عَلَى دمياط ألف ألف دينار مصريَّة، سوى الثّياب وغيرها [٢] . [أخذ نور الدين سنجار] وفيها توجّه نور الدّين إلى سِنْجار، فحاصرها حصارا شديدا، ثمّ أخذها بالأمان [٣] ، ثمّ توجَّه إلى الموصل ورتَّب أمورها، وبنى بها جامعا، ووقفَ عَلَيْهِ الوقوف الجليلة [٤] .

стр. 18274

[دخول نجم الدين أيوب مصر] وفيها دخل نجم الدّين أيّوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه [١] ، وكان يوما مشهودا، وتأدَّب ابنه صلاح الدّين معه، وعَرَض عَلَيْهِ منصبه [٢] . [منازلة نور الدين الكرَك] وفيها سار نور الدّين، فنازل الكَرَك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشدّ القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم، فانهزموا [٣] . [أسْر أمير حصن عكار] وفيها طَرَقَ الفرنجُ حصنَ عكّار من المسلمين، وأسروا أميرها، وهو خُطْلُخ السِّلَحْدار مملوك نور الدّين [٤] .

стр. 18275

سنة ست وستين وخمسمائة [وفاة المستنجد باللَّه] فيها وفاة المستنجد باللَّه، وما زالت الحُمرة الكثيرة تعرض فِي السّماء منذ مرِض، وكانت ترمي ضوءها عَلَى الحيطان [١] . [خلافة المستضيء باللَّه] وبُويع ابنه المستضيء أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن، وأمّه أرمينيَّة، بايعه النّاس، وصلّى ليومه عَلَى المستنجد، ونادى برفع المُكُوس، وردَّ مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره من الأعمار، قاله ابن الجوزيّ [٢] .

стр. 18276

ثمّ قَالَ: واحتجب المستضيء عَنْ أكثر النّاس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عَلَيْهِ غير قَيْماز [١] . [كتاب التهنئة برحيل الفرنج عَنْ دمياط] وقال العِماد الكاتب [٢] : أنشأتُ عَنْ نور الدّين كتابا إلى العاضد، يهنّئه برحيل الفرنج عَنْ دِمياط. وكان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك فِي مصر خوفا منهم، والاقتصار منهم عَلَى صلاح الدّين، فقلت: الخادم يهنّئ بما مضاه اللَّه من الظَّفَر الَّذِي أضحك سنّ الْإِيمَان. ثمّ ذكر أنّ الفرنج لا تؤمن غائلتهم، والرأي إبقاء التُّرك بديار مصر. [وفاة قطب الدين] ولمّا بلغ نورَ الدّين وفاةُ أخيه قُطْب الدّين بالموصل، توجّه ليدبّر أحوالها [٣] . [دخول نور الدين الموصل] وكان الخادم فخر الدين عَبْد المسيح قد تعرَّض للحكم، وأقام سيف الدّين غازي مُقام أَبِيهِ، فقال نور الدّين: أَنَا أَوْلَى بتدبير البلاد. فسار مارّا عَلَى قلعة جَعْبَر، واستصحب معه العسكر [٤] .

стр. 18277

ثمّ سيّر من الرّقَّة العماد الكاتب فِي الرّسْليَّة إلى الخليفة [١] . ثمّ حاصر نور الدّين سِنْجار، وهدم سورها بالمجانيق، ثمّ تسلّمها، وسلّمها إلى ابن أخيه زنكي بْن مودود [٢] . وقصد الموصل، فنزل عليها، خاض إليها دِجلة من مخاضةٍ دلّه عليها تُرْكُمانيّ. ثمّ أنعم نور الدّين عَلَى أولاد أخيه، وأقرّ غازيا عليها، وألبسه التّشريف الَّذِي وصل إِلَيْهِ من الْإِمَام المستضيء. ثمّ دخل نور الدّين قلعة المَوْصِل، فأقام بها سبعة عشر يوما، وجدّد مناشير ذوي المناصب، فكتب منشورا لقاضيها حُجَّة الدّين ابن الشّهرزُوريّ، وتوقيعا لنقيب العلويّين، وكَتب منشورا بإسقاط المُكُوس [٣] والضّرائب، فما أعيدت إلّا بعد وفاته [٤] . قَالَ العماد [٥] : وكتبت لَهُ منشورا أيضا بإطلاق المكوس والضّرائب فِي جميع بلاده. قَالَ [٦] : وحضر مجاهد الدّين قايماز صاحب إربل فِي الخدمة النُّوريَّة، وزخرت المَوْصِل بأمواج هداياه. ثمّ ولّى نور الدّين سعَد الدَّين كُمُشْتِكِين بقلعة المَوْصِل عَنْهُ نائبا، وأمر فخر الدّين عَبْد المسيح بأن يكون له في خدمته

стр. 18278

بالشّام مُصاحِبًا. واقتطع عَنْ صاحب المَوْصِل: حَرّان، ونصيبين، والخابور [١] ، وعاد إلى سِنْجار، فأعاد إلى عمارة أسوارها، ودخل حلب فِي رجب [٢] . [أسر جماعة من الفرنج] وكان ثلاثمائة فارس من الفرنج قد أغاروا، فصادفهم صاحب البِيرة [٣] شهاب الدّين مُحَمَّد بْن إلياس بْن إيلغازي بْن أُرْتُق وهو يتصيَّد، فقَتَل وأسَرَ أكثرهم، وقدِم بالأسارى عَلَى نور الدّين، وكان بينهم سبعة عشر فارسا، فيهم مُقَدَّم الإسبِتار الأعور بحصن الأكراد [٤] . وللعماد الكاتب فِي شهاب الدّين قصيدة مَطْلَعُها: يروق ملوكَ الأرض صيْدُ القَنَائصِ ... وصَيدُ شهابِ الدّين صَيْدُ القوامصِ [بناء مدرسة للشافعية والمالكية بمصر] وفيها عمل صلاح الدّين بمصر حبْس المعونة [٥] مدرسة للشّافعيَّة، وبنى دار الغزل [٦] مدرسة للمالكيّة [٧] .

стр. 18279

[تقليد قضاء مصر] وقلَّد القضاء بديار مصر صدر الدّين عَبْد الملك بْن دِرْباس [١] . [الغارة عَلَى الرملة، وعسقلان وغيرهما] وخرج بجيوشه فأغار عَلَى الرملة وعسقلان، وأولي الكُفْر الخذلان، وهجم رَبَض غزَّة، ورجع إلى مصر [٢] . [فتح قلعة أيلة] وافتتح قلعة أَيْلَة فِي السّنة، غزاها جُنْدُه فِي المراكب واستباحها قتْلًا وسبْيًا [٣] . [سماع صلاح الدين من السِّلفي] وفيها سار إلى الإسكندريَّة ليشاهدها، ويرتّب قواعدها، وسمع بها حينئذٍ من السّلفيّ [٤] .

стр. 18280

[تحويل منازل العزّ إلى مدرسة للشافعية] وفيها اشترى تقيُّ الدِّين عُمَر بْن شاهنشاه بْن أيّوب منازل [العزّ] [١] بمصر، وصيَّرها مدرسة للشّافعيَّة. [وفاة ابن الخلّال] وفي جُمَادى الآخرة تُوُفّي بمصر القاضي ابن الخلّال صاحب ديوان الإنشاء بمصر [٢] ، ولمّا كَبُر جلس فِي بيته. وكان القاضي الفاضل يوصل إِلَيْهِ كلّ ماله [٣] . [استيلاء الخَزَر عَلَى دَوِين] وفيها ظهر ملك الخَزَر وفتح دَوِين، وهي بلْدةٌ قرب أَذَرْبَيْجان، وقتلوا من المسلمين بها ثلاثين ألفا [٤] . [ظهور مغربيّ دعيّ وقتله] وفيها ظهر بدمشق مغربيّ فربط طائفة من الأغنياء، وأظهر التخاييل، ثم ادّعى الرّبوبيّة، فقتل، وللَّه الحمد [٥] .

стр. 18281

_________ [ () ] مشغرى، قرية من قرى دمشق، رجل ادّعى النّبوّة، وكان من أهل المغرب، وأظهر من التخاييل والتمويهات ما فتن به الناس، واتّبعه عالم عظيم من الفلّاحين وأهل السواد، وعصى على أهل دمشق، ثم هرب من مشغرى في الليل وصار إلى بلد حلب، وعاد إلى إفساد عقول الفلّاحين بما يريدهم من الشعبذة والتخاييل، وهوى امرأة وعلّمها ذلك، وادّعت أيضا النّبوّة» . (الروضتين ج ١ ق ٢/ ٦٤٣) وهو باختصار في: الدرّ المطلوب ٥٦، ودول الإسلام ٢/ ٧٩ وفيه اسمه: «معزّ الدين المغربي» ، البداية والنهاية ١٢/ ٢٩١ (حوادث سنة ٢٧٠ هـ.) .

стр. 18282

سنة سبع وستين وخمسمائة [عزل ابن رئيس الرؤساء] في هذه السّنة دخل نجاح الخادم عَلَى الوزير ابن رئيس الرؤساء ومعه خطّ الخليفة بعزله، وأمر بطَبْق [١] دَواته، وحلّ أزراره، وإقامته من مُسْنَدِه، وقبض عَلَى ولده أستاذ الدّار، ثمّ نُهِبت دارُه ودار ولده، واستنيب ابن جَعْفَر ناظر المخزن في الوزارة [٢] . [الحريق ببغداد] وفيها وقع حريقٌ عظيم ببغداد [٣] . [هديَّة صاحب البحرين] ووصلت رُسُل صاحب البحرين إلى الخليفة بهدايا [٤] . [تدريس ابن الجوزي «بالحلبة» ] قَالَ ابن الجوزيّ [٥] : وتكلّمت فِي رمضان بِالحلبة، فتاب نحو مائتي رَجُل، وقطعت شعور مائة وعشرين منهم.

стр. 18283

[الخطبة للعباسيّين بمصر] ووصل ابن عَصْرُون [١] رسولا، بأنّ أمير المؤمنين خُطِب لَهُ بمصر [٢] ، وضُرِبت السّكَّة باسمه، فغلّقت أسواق بغداد، وعُمِلت القباب. وكانت قد قُطِعت من مصر خطبة بني الْعَبَّاس من أكثر من مائتي سنة [٣] . قَالَ العماد [٤] ﵀: استفتح السّلطان سنة سبْعٍ بجامع مصر كلّ طاعة وسمع، وهو إقامة الخُطَب فِي الجمعة الأولى بمصر لبني الْعَبَّاس، وعَفَت البدعة، وصَفت الشِّرْعَة، وأقيمت الخطبة العبّاسيَّة فِي الجمعة الثّانية بالقاهرة. وأعقب ذَلِكَ موتُ العاضِد فِي يوم عاشوراء بالقصر، وجلس السّلطان صلاح الدّين للعزاء، وأغرب فِي الحُزْن والبكاء، وتسلَّم القصر، بما فِيهِ من خزائنه ودفائنه [٥] . [تعيين قراقوش زماما لقصر الخلفاء] ولمّا قُتِلَ مؤتَمَنُ الخلافةِ صُرِف مَن هُوَ زمام القصر، وصيّر زمامه بهاء

стр. 18284

الدّين قراقوش [١] ، فما دخل القصْرَ شيءٌ ولا خرج إلّا بمرأى منه ومَسْمَع، ولا حصل أهلُ القصر بعد ذَلِكَ عَلَى صفْو مُشْرَع. فلمّا تُوُفّي العاضد أحيط عَلَى آل القصر فِي موضع جُعِل برسمهم عَلَى الانفراد، وقُرِّرت لهم الكُسْوات والأزْواد، فدامت زمانا، فجُمِعت رجالهم، واحتُرِز عليهم، ومنعوا من النّساء لئلّا يتناسلوا، وهم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقص عددهُم، وقُلِّص مددُهُم. وفرَّق ما فِي القصر من الحرائر والإماء، وأخذ ما يصلح له ولأمرائه من أخاير الذّخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، وقلائد الفرائد، والدُّرَّة اليتيمة، والياقوتة الغالية [٢] القيمة. ووصف العماد أشياء، عديدة [٣] . قَالَ [٤] : واستمرّ البيع فيما بقي عشر سنين، ومن جُملتها الكُتُب، وكانت خزانة الكُتُب مشتملة عَلَى نحو مائةٍ وعشرين ألف مجلّدة [٥] . وانتقل إلى القصر الملك العادل سيف الدّين أَبُو بَكْر لمّا ناب عَنْ أخيه، واستمرَّت سُكْناه فِيهِ [٦] . وكان صلاح الدّين لا يخرج عَنْ أمر نور الدّين، ويعمل لَهُ عمل القويّ الأمين، ويرجع إلى رأيه المتين [٧] .

стр. 18285

[كتاب البشارة بالخطبة لأمير المؤمنين] وسيَّر نور الدّين إلى الدّيوان العزيز بهذه البشارة شهاب الدّين المطهّر بْن العَلامَة شَرَف الدِّين بْن أَبِي عصرون، وأمرني بإنشاء بشارة عامَّة تُقرأ فِي سائر بلاد الْإِسْلَام [١] : «الحمد للَّه مُعلي الحقّ ومعلنة، ومُوهي الباطل ومُوهنه» . منها: «ولم يبق بتلك البلاد مِنبرٌ إلّا وقد أقيمت عَلَيْهِ الخطبة لمولانا الْإِمَام المستضيء بأمر اللَّه أمير المؤمنين، وتمهّدت جوامع الْجُمَع، وتهدَّمت صوامع البِدَع» . إلى أن قَالَ: «وطالما سَرْت [٢] عليها الحِقبُ الخوالي [٣] ، وبقيت مائتين وثمان سنين [٤] ممنوَّةً بدعوة المُبْطِلين، مملُوءةً بحزب الشّياطين [٥] . فملَّكنا اللَّهُ تلك البلاد، ومكَّن لنا فِي الأرض، وأقدرنا عَلَى ما كُنَّا نؤمّله من [٦] إزالة الإلحاد والرَّفْض. وتقدّمْنا إلى كلّ من اسْتَنَبْنا أن يقيم الدّعوة العبّاسيَّة هنالك، ويورد الأدعياء ودُعاة الإلحاد بها المهالك» . وقال من إنشائه فِي البشارة إلى الدّيوان العزيز. «وصارت مصر سوقَ الفُسُوق، ودُوحة شعب الإلحاد، وموطن دعوة الدَّعِيّ، ومحَلّ المُحَال والمَحْلِ، وقحْط الضّلال والْجَهْل، وقد استولت بها

стр. 18286

جنود الشّياطين، واستعلت بها دعوة المعطِّلين، وغلبت بها نجوى المُبْطِلين، وتبطّلت الجماعات والْجُمَع، واستفحلت الشّناعات والبِدَع، وأفرخ الشّيطان بها وباض، واشتهر الجور واستفاض، واستبدلت للعمائم السّواد بالبياض» . وللعماد قصيدة منها: قد خَطَبْنَا للمستضيء بمصر ... نائبِ المُصْطَفَى إمام العصْر وخَذَلْنا نُصْرَة العَضُد [١] العاضدِ ... والقاصِرَ الَّذِي بالقَصْر وَتَرَكْنَا الدّعِيَّ يدعو ثُبُورا ... وهو بالذّلّ تحت حَجْرٍ وحصْر [٢] [وصول الخِلَع من الخليفة إلى دمشق] ووصل الأستاذ عماد الدّين صَنْدَل [٣] الطُّوَاشيّ المقتفويّ إلى دمشق رسولا من دار الخلافة فِي جواب البشارة بالخِلَع والتّشريفات لنور الدّين وصلاح الدّين فِي السّنة، ومعه رسولان من الوزير، ومن الأمير قُطْب الدّين قايماز. وكان صندل قد ولّي أستاذيّةالدار المستضيئة بعد الكمال ابن رئيس

стр. 18287

الرؤساء. ولبس نور الدّين الخِلَع، وهي فَرَجِيَّة [١] ، وجُبَّة، وقباء، وطَوْق ذهب ألف دينار، وحصان بسَرْجٍ خاصّ، وسيفان، ولواء، وحصان آخر بحليته يجنّب بين يديه. وقلِّد السّيفين إشارة إلى الجمْع لَهُ بين مصر والشّام. وخرج فِي دَسْت السَّلْطَنة، واللّواءُ منشور، والذّهبُ [٢] منثور إلى ظاهر دمشق، وانتهى إلى آخر الميدان، ثمّ عاد. وسُيِّر إلى صلاح الدّين تشريف فائقٌ، لكنّه دون ما ذكرناه لنور الدّين بقليل، فكان أوّل، هبة [٣] عبّاسيَّة دخلت الدّيار المصريَّة، وقضى أهلها منها العجب، وكان معها أعلام وبُنُود وأهب عبّاسيَّة للخُطَبَاء بمصر [٤] . وسيَّر إلى العماد الكاتب خلعة ومائة دينار من الدّيوان [٥] . قَالَ: فسيَّرت إلى الوزير هذه المدْحة، واستزدتُ المِنْحَة، وهي: عسى أن تعودَ ليالي زُرُودِ [٦] وهي طويلة منها: نُحُولي من ناحلاتِ الخُصُور ... ومَيْلي إلى مائلات القُدُودِ وتطميني طاميات الوِشاحِ ... وتعلُّقني عَلَقات العقود

стр. 18288

وما العَيْشُ إلّا مَبِيتُ المُحِبّ ... فوق التّرائب بين النُّهُودِ وما كنت أعلم أنّ الظِّبا يوجره ... قانصُهُ للأُسُودِ وخيلُ بِنْتِ النّجومِ الصّعادِ ... بين العجّاج بأرض الصَّعيدِ سوابقُ قد ضُمِّرْنَ للطِّرادِ ... بكلّ عِتاقٍ من الجرْد قُودِ تخفُقُ منها قلوبُ العِداةِ ... كما خَفَقَتْ عَذَباتُ البُنُودِ أذاعت، بمصرَ لِداعي الهُداةِ ... وانتقمت من دَعِيّ الْيَهُودِ يعني بدَعِيّ اليهود العاضد، لأنّ جدّهم عُبَيْد اللَّه قد جاء أَنَّهُ يهوديّ الأصل. [رواية ابن الأثير فِي انقراض الدولة العُبيدية] وقال ابن الأثير [١] : فصل فِي انقراض الدّولة المصريَّة وإقامة الدّولة العبّاسيَّة بمصر وذلك فِي المحرَّم سنة سبْع، فقطِعت خطبة العاضد، وخطِب فيها للمستضيء بأمر اللَّه أمير المؤمنين. وسبب ذَلِكَ أنّ صلاح الدّين لما ثبّت قَدَمَه، وضعُفَ أمرُ العاضد، ولم يبق من العساكر المصريَّة أحدٌ، كتب إِلَيْهِ نور الدّين يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريّين وامتناعهم، فلم يُصْغِ إلى قوله، وأرسل إِلَيْهِ يُلْزمه بذلك. واتّفق أنّ العاضد مرض، وكان صلاح الدّين قد عزم عَلَى قطْع الخطْبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء؟ فمنهم من أقدم عَلَى المساعدة، ومنهم من خاف. وكان قد دخل مصر أعجميٌّ يُعرف بالأمير العالم، قد رَأَيْته بالموصل، فلمّا رَأَى ما هُمْ فِيهِ من الإحجام قَالَ: أَنَا أبتدئ بها. فلمّا كَانَ أوّل جمعة من المحرَّم صعِد المنبر قبل الخطيب، ودعا

стр. 18289

للمستضيء بأمر اللَّه، فلم يُنْكر ذَلِكَ أحد. فلمّا كانت الجمعة التّالية أمر صلاح الدّين الخطباء بقطْع خطبة العاضد، ففُعِل ذَلِكَ، ولم ينتطح فيها عَنْزان [١] . والعاضد شديد المرض، فتُوُفّي يوم عاشوراء، واستولى صلاح الدّين عَلَى القصر وما حوى، وكان فِيهِ من الجواهر والأعلاق النّفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، فمنه القضيب الزُّمُرُّد، طوله نحو قبْضةٍ ونصف، والجبل الياقوت، ومن الكُتُب الّتي بالخطوط المنسوبة نحو [مائة] ألف مجلّد [٢] . [بداية المنافرة بين صلاح الدين ونور الدين] وذكر أشياء، ثمّ قَالَ [٣] : وفي هذه السّنة حدث ما أوجب نَفْرةَ نور الدّين عَنْ صلاح الدّين. أرسل نور الدّين إِلَيْهِ يأمره بجمع الجيش، والمسير لمنازلة الكَرَك، ليجيء هُوَ بجيشه ويحاصرانها. فكتب إلى نور الدّين يعرِّفه أَنَّهُ قادم. فرحل عَلَى قصْد الكَرَك وأتاها، وانتظر وصوله، فأتاه كتابٌ يعتذر باختلاف البلاد، فلم يقبل عُذْره. وكان خواصّ صلاح الدّين خوَّفوه من الاجتماع، وهمَّ نور الدّين بالدّخول إلى مصر، وإخراج صلاح الدّين منها. فبلغ صلاحَ الدّين ذَلِكَ، فجمع أهله، وأباه، وخاله الأمير شهاب الدّين الحارميّ، وسائر الأمراء، وأطلعهم عَلَى نيَّة نور الدّين، واستشارهم فسكتوا،

стр. 18290

فقال ابن أخيه تقي الدّين عُمَر: إذا جاء قاتلناه. ووافقه غيره من أهله، فسبّهم نجم الدّين أيّوب واحتدّ، وكان ذا رأي ومكر، وقال لتقي الدّين: اسكت، وزَبَرَه، وقال لصلاح الدّين: أَنَا أبوك، وهذا خالك، أتظّن أنّ في هَؤُلَاءِ من يريد لك الخير مثلَنَا؟ فقال: لا. فقال: والله لو رَأَيْت أَنَا وهذا نور الدّين لم يمكننا إلّا أن ننزل ونقبّل الأرضَ، ولو أَمَرَنا بضرْب عُنقك لفَعَلْنا، فما ظنُّك بغيرنا؟! فكلّ من تراه من الأمراء لو رَأَى نور الدّين لَمَا وسِعَه إلّا التَّرَجُّل لَهُ. وهذه البلاد لَهُ، وإنْ أراد عزْلك فأيّ حاجة له إلى المجيء؟ بل يطلبك بكتاب. وتفرّقوا، وكتب أكثر الأمراء إلى نور الدّين بما تم. ولمّا خلا بولده قَالَ: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتُطْلِعَهم عَلَى سِرِّك، ولو قصدك نور الدّين لم تر معك أحدا منهم. ثمّ كتب إلى نور الدّين بإشارة والده نجم الدّين يتخضّع لَهُ، ففتر عَنْهُ [١] . [اتخاذ الحمام للمراسلة] قَالَ العماد [٢] : وكان نور الدّين لا يقيم فِي البلاد [٣] أيّام الربيع والصّيف محافظة عَلَى الثّغر، وصَونًا من الحَيْف، ليحمي البلاد بالسّيف [٤] . وهو متشوّق إلى أخبار مصر وأحوالها، فرأى اتّخاذ الحمام المناسب، وتدريجها

стр. 18291

عَلَى الطّيران، لتحمل إِلَيْهِ الكُتُب بأخبار البلدان. وتقدَّم إليَّ بكتْب منشور لأربابها، وإعذار أصحابها، ونوديَ بالتّهديد لمن اصطاد منها شيئا [١] . [تفويض العماد بالتدريس والنظارة] قَالَ [٢] : وفي رجب فوَّض إليَّ نور الدّين المدرسة الّتي عند حمّام القُصَيْر، وهي الّتي أَنَا منذ قدِمْتُ دمشقَ فيها ساكن. وكان فيها الشَّيْخ الكبير ابن عَبْد [٣] وقد استفاد من علمه كلّ حرٍّ وعبد، فتُوُفّي، وخلّف ولدين، استمرّا فيها عَلَى رسم الوالد، ودرّسا بها، فخدعهما مغربيّ بالكيميا، فلزِماه، وافتقرا بِهِ وأغنياه، وغاظ نور الدّين ذَلِكَ، وأحضرهما ووبّخهما، ورتّبني فيها مدرّسا وناظرا. [عبور الخطا نهر جيحون إلى خوارزم] وفيها عبرت الخطَا [٤] نهر جَيْحون يريدون خُوارَزْم، فجمع خوارزم شاه ابن أرسلان بْن أَتْسِز بْن مُحَمَّد جيوشه وقصدهم، فمرض، فجهّز الجيش للمقتفي، فالتقوا واشتدّ الحرب، ثمّ انهزم الخُوارَزْميّون، وأُسِر مقدَّمُهُم، ورجعت الخطَا [٥] .

стр. 18292

سنة ثمان وستين وخمسمائة [تدريس ابن الجوزي بجامع المنصور] قَالَ ابن الجوزيّ: جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف [١] . [التخوّف من عسكر همذان] وفيها وقعت الأراجيف بمجيء العسكر من هَمَذَان، فأخذ الخليفة فِي التّجنيد، وعمارة السّور، وجَمَع الغلّات، وعَرَض العساكر [٢] . [حفل ختان إخوة الخليفة] وعمل خِتان إخوته، إخوة الخليفة وأقاربه، فتفرّقت الخِلَع، وذُبح ألف رأس غنم، وثلاثة آلاف دجاجة، وعشرون ألف خُشْكُنَانكَة [٣] ، وغير ذَلِكَ. [حضور الخليفة مجلس ابن الجوزي] وفي رجب تقدَّم إليَّ بالجلوس بباب بدر ليسمع الخليفة، فكنت أجلس أسبوعا، وأبو الخير القَزْوينيّ إلى آخر رمضان، وجَمْعي عظيم، وجمْعُه يسير. ثمّ شاع أنّ أمير المؤمنين لا يحضر إلّا مجلسي، فكانت زيادة عظيمة ببغداد [٤] .

стр. 18293

[استيلاء قراقوش عَلَى طرابلس الغرب] قَالَ ابن الأثير [١] : وفيها سار طائفة من التُّرك مَعَ قراقوش مملوك تقي الدّين عُمَر ابن أخي السّلطان صلاح الدّين إلى جبال نَفُّوسَه، فاجتمع بِهِ بعض المقدَّمين هناك، فاتّفقا وكثر جمعُهُما، ونزلا عَلَى طرابُلُسَ الغرب، فحاصراها مدَّةً، ثمّ فُتِحَت، فاستولى عليها قراقوش، وسكنها، وكثُرَتْ عساكره [٢] . [فتح برقة واليمن] وفيها افتتح شمس الدّولة أخو صلاح الدّين بَرَقة عَلَى يد غلامٍ لَهُ تُركيّ. ثمّ سار وافتتح اليمن بعد ذَلِكَ. وقبض عَلَى ابن مهديّ الخارج باليمن. وكان شابّا أسود، مُنْحَلّ الاعتقاد [٣] . [حصار صلاح الدين الكَرَك] وفيها سار صلاح الدّين بعساكر مصر يريد الكَرَك، وإنّما بدأ بها لقُربها إِلَيْهِ، وكانت تمنع من يقصد الدّيار المصريَّة، وتقطع القوافل، فحاصرها، وقاتل الفرنج، ثمّ رجع ولم يفتحها [٤] .

стр. 18294

[وفاة خوارزم شاه] وفيها مات خُوارَزْم شاه أرسلان، ومَلَكَ بعده ابنُه الصّغير محمود [١] . [الحرب بين أبناء خوارزم شاه عَلَى المُلْك] وكان ابنه الكبير علاء الدّين تكش غائبا نائبا لأبيه عَلَى الْجُنْد، فاستنجد بالخطا، وأقبل بهم، فاستعان أخوه محمود بصاحب نَيْسابور المؤيّد، وعملوا المُصافّ، فأسِر المؤيّد وذبح صبْرًا، وهرب محمود، وأُسرت أمّه فيما بعد، وقُتِلت، وثبت قدم تِكِش فِي المُلْك، فجاءت رسُلُ صاحب الخطا بأمور مُشِقَّة، واقتراحات صَعْبة، فقتل كلّ من عنده مِن الخطا، ونبذ إلى ملك الخطا، فسار محمود إلى ملك الخطا، فجهَّز معه جيشا، فنازل خُوارَزْم وحصرها، فأمر تِكِش بإجراء ماء جَيْحون، فكانوا يغرقون، فرحلوا وندموا، فسَار محمود بهم، فأخذ مَرْو، فعادت الخطا إلى بلادها، وجعل محمود الغُزّ من دأبه، وحَاربهم وأَوْلاهم ذُلًّا، ثمّ افتتح مدينة سَرْخَس سنة ستٍّ وسبعين، ثمّ أخذ طُوس [٢] . وأمّا نَيْسابور مملكتها، فتولّاها طُغان شاه، بعد والده المؤيَّد، وكان لَعّابًا، مُسْرِفًا عَلَى نفسه، مَلَكَ أربع عشرة سنة ومات [٣] . [انهزام الروم أمام مليح الأرمني] وفيها، فِي جُمَادَى الأولى هزم مليح بْن لاون [٤] الأرمنيّ النّصرانيّ صاحب بلاد الدّرُوب وسِيس عسكَر الرّوم، لعنهم اللَّه تعالى. وذلك أنّ نور

стр. 18295

الدّين، ﵀، كَانَ قد استخدم صاحب سِيس هذا، وأقطعه واستماله، وظهر لَهُ منه نُصْحه، وكان ملازِمًا لخدمة نور الدّين، مُعِينًا لَهُ عَلَى الفرنج، ولمّا قِيلَ لنور الدّين فِي معنى استخدامه وإعطائه بلادَ سِيس قَالَ: أَستعين بِهِ عَلَى قتال أهل مِلَّته، وأُريح طائفة من عسكري، وأجعله سدّا بيننا وبين صاحب القُسطنطينيَّة. فجهَّز إِلَيْهِ صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقاهم، ومعه طائفة من عسكر المسلمين، فهزمهم، وكثُر القتْل والأسرُ فِي الرّوم، وقَوِيَتْ شوكةُ مليح [١] . [فتح نور الدين بَهَسْنَا ومَرْعَش] وفيها سار نور الدّين إلى بلاد الشّرق، فصلّى فِي جامع المَوْصِل الَّذِي بناه، وتصدّق بمالٍ عظيم، ثمّ ردّ وقطع الفُرات، وقصد ناحية الروم، فافتتح بَهَسْنَا [٢] ، وَمَرْعَش [٣] . [خضوع قلج أرسلان لشروط نور الدين] وردّ إلى الشّام، ومعه ابن الدّانشمنْد، ووعده بخلاص بلاده، فبعث قلج أرسلان إلى نور الدّين يخضع لَهُ، وأن يردّ إلى ابن الدّانشمنْد قِلاعه، فشرط عليه نور الدّين:

стр. 18296

تجديدَ إسلامه، لأنّ قلج أرسلان اتّهمه بالزَّنْدَقة. وأنّه مَتَى طلب منه عسكره يُنْجد بِهِ. وأن يزوِّج بِنْت قلج أرسلان بابن أخيه سيف الدّين غازي صاحب الموصل. ففعل. وبعث نور الدّين فِي خدمة ابن الدّانشمنْد عسكرا صُحبة الأمير فخر الدّين عَبْد المسيح إلى مَلَطْيَة وسِيواس. فلمّا مات نور الدّين عادت البلاد إلى قلج أرسلان [١] . [تدريس القطب النيسابوري بالغزالية] وفيها قدم القطب النّسابوريّ من حلب إلى دمشق، فدرَّس بالغزاليَّة [٢] . [بناء المدرسة العادلية] وشرع نور الدّين فِي بناء مدرسةٍ للشّافعيَّة، ووضع محرابها، فمات ولم يُتِمَّها [٣] . وبقي أمرها عَلَى حاله، إلى أن أزال الملك العادل ذَلِكَ البناء، وعملها مدرسة عظيمة، فهي العادليّة [٤] .

стр. 18297

سنة تسع وستين وخمسمائة [حريق الظفريَّة] فِي المحرَّم وقع حريق بالظَّفَرِيَّة، فاحترقت مواضع كثيرة [١] . [تدريس ابن الجوزي بجامع المنصور] قَالَ ابن الجوزيّ [٢] : وجلست يوم عاشوراء فِي جامع المنصور، فحُزِر الجميع بمائة ألف، كذا قَالَ. [الازدحام عَلَى درس ابن الجوزي بالحربيَّة] قَالَ [٣] : وسألني فِي ربيع الأوّل أهل الحربيَّة أن أعمل عندهم مجلسا، فوعدتهم ليلة، فانقلبت بغدادُ، وعبر أهلُها، وتُلُقّيت بشموعٍ حُزِرَت ألف شمعة، وما رَأَيْت البرّيَّة إلّا مملوءة بالضّوء، وكان أمرا مُفْرِطًا، فلو قَالَ قائل: إنّ الخلق كانوا ثلاثمائة ألفٍ لَمَا أَبْعَدَ. [وصول التقادم من نور الدين إلى الخليفة بمصر] وفي رجب وصل ابن الشّهْرُزُوريُّ [٤] بتُحَفٍ وتقادُم للخليفة من نور الدّين، وفيها حمار مخَطَّط [كثوب] [٥] عتابيّ، وخرج الخلق للفرجة عليه.

стр. 18298

وكان فيهم رَجُل عَتّابيّ كثير الدّعَاوَى، وهو بليد، ناقص الفضيلة فقال رَجُل: إنْ كَانَ بُعِث إلينا حمارٌ عتّابيّ، فنحن عندنا عتّابيّ حمار [١] . [التدريس بالنظاميّة] وفيها وُلّي أَبُو الخير القَزْوينيّ تدريسَ النّظاميَّة ببغداد [٢] . [خروج ابن أخي شملة وقتله] وخرج ابن أخي شُمْلة التُّرْكُمانيّ، ويُعرف ابن سنكة [٣] ، وأخذت قلعة فِي نواحي باذرايا ليتّخذها عَوْنًا لَهُ عَلَى الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن المَيْمنة، ثمّ حميَ القتال، وظفروا بِهِ، وجيء برأسه إلى بغداد [٤] . [وقوع البَرَد] وفيها وقع بَرَدٌ بالسّواد، هدم الدُّور، وقتل جماعة وكثيرا من المواشي. وقال ابن الجوزيّ [٥] : فحدّثني الثّقة أنّهم وَزَنُوا بَرَدَةً، فكانت سبعة أرطال. قَالَ: وكان عامّتُه كالنّارَنْج [٦] . [زيادة دجلةٍ] وفي رمضان زادت دجلة زيادة عظيمة عَلَى كلّ زيادةٍ تقدَّمْت منذ بُنِيت

стр. 18299

بغداد بذراعٍ وكَسْر، وخرج النّاس إلى البحر، وأَيِسُوا من البلد، وضجّوا إلى اللَّه بالبكاء، وانهدمت دُورٌ كثيرة بمرَّة. وكان آية من الآيات. وهلكتْ قُرى ومزارع لا تُحْصَى. ونُصِب يوم الجمعة مِنْبرٌ خارج السّور، وصلّى الخطيب بالنّاس هناك. وفي الجمعة الأخرى اجتمعوا بمسجد التّوبة. ودام الغَرَق أيّاما، وكُثر الابتهال إلى اللَّه. وبقي الخلْق والأمراء كلّما سدّوا ثُقْبًا وتعبوا عَلَيْهِ، غَلَبَهُم الماءُ وخرَّبه، أو انفتح آخَرُ عنده [١] . [الأمطار بالموصل] وجاءت أمطارٌ [٢] هائلة بالمَوْصِل، ودامت أربعة أشهر، حتّى تهدَّم بها نحو ألفَيْ دار، وهلك خلْقٌ تحت الرَّدْم، وزادت الفُرات زيادة كبيرة، وفاضت حتّى أهلكت قُرى ومزارع. ومن العَجَب أنّ هذا الماء عَلَى هذه الصّفة، ودُجَيْل قد هلكت مزارعة بالعَطَش [٣] . [تجدّد الخلاف بين السُّنَّة والرافضة] وتُوُفّي السّلطان نور الدّين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السُّنَّة والرّافضة، فقتل من الطّائفتين خلْق، ونُهِب ظاهر البلد. [البشارة بفتح اليمن وكسر الفرنج] وكان ممّا قدِم بِهِ ابن الشّهرزُوريّ من البشارة: فتْحُ اليمن، وكسْر الفرنج مرَّةً ثانية، ومقدّمهم الدُّوقْش، وكان أسيرا عند نور الدّين. أسره نَوْبة حارِم، ففداه بخمسةٍ وخمسين ألف دينار، وخمسمائة ثوب أطلس.

стр. 18300

وفي كتابه يَقُولُ: «ولم ينج من عشرة آلاف غير عشرة حُمُرٍ مستنفرة، فَرَّت من قَسْوَرَة» . [وصول الفتوحات إلى النوبة] وذكر ابن الأثير [١] أنّ صلاح الدّين لمّا استولى عَلَى مصر، وأراد أن يستبدّ بالأمر، خاف من نور الدّين، وعرف أَنَّهُ ربّما يقصده، ويأخذ منه مصر، فشرع هُوَ وأهل بيته فِي تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إنْ حصرهم. فجهّز أخاه توران شاه إلى النُّوبَة، فافتتح منها. [الفتوحات فِي اليمن] فلمّا عاد تجهّز إلى اليمن بقصد عَبْد النَّبِيّ صاحب [زبيد] [٢] ، وطرده عَنِ اليمن. وحسّن لهم ذَلِكَ عُمارة اليمنيّ. فَسَار فِي أكمل الهيبة والأهْبة، فلم يثبُت لَهُ أهلُ زَبِيد، وتفرّقوا، فعمد العسكر إلى سُور زَبِيد، ونصبوا السّلالم، وطلعوا، فأسروا عَبْد النَّبِيّ وزوجته الحُرَّة، وكانت صالحة، كثيرة الصَّدَقة، فعذّبوا عَبْد النَّبِيّ، واستخرجوا منه أموالا كثيرة، ثمّ سار توران شاه إلى عدن، وهي لياسر، فهزموه وأسروه. ثمّ سار فافتتح حصون اليمن، وهي قلعة تَعِز [٣] ، وقلعة الْجَنَد [٤] . واستناب بعدن عزّ الدّين عثمان بن الزَّنْجَبِيليّ، وبزَبِيد سيف الدّولة مبارك بْن منقذ [٥] .

стр. 18301

وزاد أبو المظفّر السِّبْط فقال [١] : يقال إنّه افتتح [ثمانين] [٢] حصنا ومدينة، وقتل عَبْد النَّبِيّ بْن مَهْديّ. [إخراج المحفوظ فِي خزائن مصر] وذكر ابن أبي طيِّئ قَالَ [٣] : فِي هذه السّنة وصل المُوَفَّق بْن القَيْسَرانيّ إلى مصر رسولا من نور الدّين، فاجتمع بصلاح الدّين، وأنهى إِلَيْهِ رسالة، وطالبه بحساب جميع ما حصّله من ارتفاع البلاد، فصعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأراد شقّ العصا، ثمّ ثاب، وأمر النُّوّاب بالحساب، ثمّ عرضه عَلَى ابن القَيْسرانيّ، وأراه جرائد [٤] الأجناد بالإقطاع. ثمّ أرسل معه هديَّةً عَلَى يد الفقيه عيسى، وهي ختْمة بخطّ ابن البوّاب، وختمة بخطّ مُهَلْهَلٍ، وختمة بخطّ الحاكم البغداديّ، ورَبْعة مكتوبة بالذّهب بخطّ يانَس [٥] ، ورَبْعة عشرة أجزاء بخطّ

стр. 18302

راشد، وثلاثة أحجار بَلَخْش [١] ، وستّ قَصَبات زُمُرّد، وقطعة ياقوت وزْن بسبعة مثاقيل، وحجر أزرق ستّة مثاقيل [٢] ، ومائة عقد جوهر، وزنها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا، وخمسون قارورة دهْن بلْسان، وعشرون قطعة بِلَّوْر، وأربع عشرة [٣] قطعة جزع، وإبريق يشم [٤] وطشت [٥] يشم، وصحون صينيّ، وزبادي أربعون، وكُرَتان عُود قماريّ [٦] ، وزن إحداهما [٧] ثلاثون رِطْلًا بالمصريّ، والأخرى أحد وعشرون، ومائة ثوب أطْلَس، وأربعة وعشرون بقيارا [٨] مُذَهَّبَة، وخمسون ثوبا حرير [٩] ، وحُلَّة فَلغلي [١٠] مذهّب، وحلَّة مرايش صفراء [١١] وغير ذَلِكَ من القماش، وقيمتها مائتان وخمسة [١٢] وعشرون ألف دينار، وعدَّة من الخيل، والغلْمان، والْجَوَاري [١٣] ، والسّلاح، ولم تصل إلى نور الدّين، لأنّه مات. فمنها ما أُعيد، ومنها ما استهلك، لأنّ

стр. 18303

الفقيه عيسى وابن القَيْسرانيّ وضعا عليها من نهبها واستبدّا [١] بأكثرها. وقيل رُدَّت كلّها إلى صلاح الدّين. وكان معها خمسة أحمال مال [٢] . [مهادنة الصالح إِسْمَاعِيل للفرنج] وتحرّكت الفرنج بالسّواحل، وكان بدمشق الملك الصّالح إِسْمَاعِيل ابن السّلطان نور الدّين، صبيّ عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدّين صاحب مصر. وبلغ صلاحَ الدّين نزولُ الملاعين عَلَى بانياس، فصَالحهم الأمراء وأهل دمشق، وهادنوهم عَلَى مالٍ وأَسارَى يُطْلَقُون. فكتب إلى جماعة يوبّخهم، فكتب إلى الشَّيْخ شرف الدّين بْن أَبِي عصرون يخبره أَنَّهُ لمّا أتاه كتاب الملك الصّالح تجهّز للجهاد وخرج، وسار أربع مراحل، فجاءه الخبر بالهدنة المؤْذِنة بذُلّ الْإِسْلَام، من رفْع القطيعة، وإطلاق الأَسارَى، وسيّدنا المسيح أوّل من جرّد لسانه الَّذِي تُغمد لَهُ السّيوف وتُجَرّد. وكتب فِي ذي الحجَّة من السّنة [٣] . مصرع الّذين سَعَوْا فِي إعادة دولة بني عُبَيْد كانت دولة العاضد وذُرّيّته لذيذة لأُناس، وهم يتقلَّبون فِي نعيمها، فأُخِّروا وأُبْعِدوا. فذكر جمال الدّين بْن واصل [٤] ، وغيره، أنّ فِي سنة تسعٍ وستّين، أراد جماعةٌ من شيعة العُبَيْديّين ومُحِبّيهم إقامةَ الدّعوة، وردَّها إلى العاضد، فكان منهم عُمارةُ اليَمنيّ، وعبدُ الصَّمَد الكاتب، والقاضي هبة الله ابن كامل، وداعي الدّعاة ابن عَبْد القَوِيّ، وغيرهم من الْجُنْد والأَعيان والحاشية، ووافقهم عَلَى ذَلِكَ جماعةٌ من أمراء صلاح الدّين، وعيّنوا الخليفة والوزير، وتقاسموا الدُّور، واتّفق رأيُهم عَلَى استدعاء الفرنج من صَقَلِّية والشّام يقصدون مصر، ليَشْغَلوا صلاح الدّين بهم، ويحلو لهم الوقْت، ليتمّ أمرُهُم ومكرهم.

стр. 18304

وقال لهم عُمارة اليمنيّ: أَنَا قد أبعدت أخاه توران شاه إلى اليمن خوفا من أن يسدّ مَسَدَّه، وقرّروا الأمور، وكاد أمرهم أن يتمّ، وأبى اللَّهُ إلّا أن يُتِمّ نورَه، فأدخلوا فِي الشُّورَى الواعظ زين الدّين عليّ بْن نجا، فأظهر لهم أَنَّهُ معهم، ثمّ جاء إلى صلاح الدّين، فأخبره، وطلب من صلاح الدّين ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذل لَهُ، وأمره بمخالطتهم، وتعريف شأنهم، فصار يُعْلِمُه بكلّ مُتَجَدَّد. فجاء رسول ملك الفرنج بالسّاحل إلى صلاح الدّين بهديَّةٍ، ورسالة، وفي الباطن إليهم. وأتى الخبر إلى صلاح الدّين من أرض الفرنج بَجليَّة الحال، فوضع صلاح الدّين عَلَى الرَّسُول بعضَ من يثق إِلَيْهِ من النّصارى، فداخَل الرَّسُولَ، فأخبره بحقيقة الأمر. وقيل إنّ عَبْد الصّمد الكاتب كَانَ يلقى القاضي الفاضل [١] بخضوعٍ زائد، فلقِيَه يوما، فلم يلتفت إِلَيْهِ، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلّا لسبب، فأحضر ابن نجا الواعظ، فأخبره الحال، وطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدّين، فأوضح لَهُ الأمر، فطلب صلاح الدّين الجماعة، وقرَّرهم فأقرّوا، وكان بين عُمارة وبين الفاضل عداوة، فلمّا أراد صلاح الدّين صلْبَه، تقدَّم الفاضل وشفع فِيهِ، فظنّ عُمارة أَنَّهُ يحثّه عَلَى هلاكه، فنادى: يا مولانا لا تسمع منه فِي حقّي. فغضب القاضي الفاضل وخرج. فقال صلاح الدّين: إنّما كَانَ يشفع فيك. فندِم، وأُخرج ليُصْلَب، فطلب أن يمرّوا بِهِ عَلَى مجلس القاضي الفاضل، فاجتازوا بِهِ عَلَيْهِ، فأغلق بابه، فقال عُمارة: عَبْدُ الرّحيم قد احتجبْ ... إنّ الخلاصَ من [٢] الْعَجَبْ ثمّ صُلِبَ هُوَ والجماعة بين القصرين، وذلك فِي ثاني رمضان، وأفنى بعد ذَلِكَ من بقي منهم [٣] .

стр. 18305

قَالَ العماد الكاتب [١] : وكان منهم داعي الدُّعاة ابن عَبْد القويّ [٢] ، وكان عارِفًا بخبايا القصر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها. وأمّا الّذين نافقوا عَلَى صلاح الدّين من جُنْده فلم يعرِض لهم، ولا أعلمهم بأنّه علم بهم. وكان ممّن صُلِب القاضي العوريس، فحكى القاضي تاج الدّين ابن بِنْت الأعزّ أنّ قاضي القُضاة العوريس [٣] [قَالَ] : الصّلب حقّ، فقال لَهُ ابن مريم: نعم. فعبّرها العابر وقال: صاحب هذه الرّواية يصل لأنّ المسيح معصوم، ولا يمكن أن يكون ذَلِكَ راجعا إِلَيْهِ، لأنّ اللَّه تعالى نصّ لنا أَنَّهُ لم يُصْلَب، فبقي أن يكون راجعا إلى الرّأي. وجاء الكتاب إلى دمشق بقصة هَؤُلَاءِ يوم موت نور الدّين ﵀، وكانوا أيضا قد كاتبوا إنسانا وأهلَ الحصون يستعينون بهم. [منازلة الفرنج الإسكندرية] فلمّا كَانَ السّادس والعشرون من ذي الحجّة وصل أصطول الفرنج من صَقَلّية، فنازلوا الإسكندريَّة بغتة، فجاءوا عَلَى بناء مراسلة الّذين صُلِبوا. وكان معهم ألف وخمسمائة فَرَس، وعُدّتُهم ثلاثون ألف مقاتل، من بين فارس وراجل، وكان معهم مائتا شِينيّ [٤] ، وستّ سُفُن كبار، وأربعون مركبا. وبرز لحربهم أهل الثّغر، فحملوا عَلَى المسلمين حملةً أوصلتهم إلى السّور، ففقد

стр. 18306

من المسلمين فوق المائتين، فلمّا أصبحوا زحفوا عَلَى الإسكندريَّة، ونصبوا ثلاث دبّابات [١] بكِباشها [٢] ، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تضرب بحجارةٍ سُود، استصحبوها من صَقَلّية، فزحفوا إلى أن قاربوا السّور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندريَّة ما رَاعَهُم. وبُعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدّين وهو نازل عَلَى فاقوس، فاستنهض الجيش وبادروا. واستمرّ القتال. وفي اليوم الثّالث فتح المسلمون باب البلد، وكبسوا الفرنج عَلَى غفلةٍ، وحرّقوا الدّبّابات، وصدقوا اللّقاء، ودام القتال إلى العصر، ونزل من اللَّه النّصر، واستحرّ بالفرنج القتْل. وردّ المسلمون إلى البلد لأجل الصّلاة. ثمّ كبّروا عند المغرب، وهاجموا الفرنج فِي خيامهم، فتسلّموها بما حَوَت، وقتلوا من الرّجّالة ما لا يوصف. واقتحم المسلمون البحر، فغرّقوا المراكب وحرّقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدوّ بين أسير، وقتيل، وغريق. واحتمى ثلاثمائة فارس فِي تلّ، فأُخذوا أسرى، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة، فلله الحمد كثيرا [٣] . [هلاك مُرّي ملك الفرنج] وفي آخر السّنة هلك مُرّي [٤] ملك الفرنج، لا ﵀. وهو الَّذِي حاصر القاهرة، وأشرف على أخذها [٥] .

стр. 18307

[رسالة ابن المقدّم إلى صلاح الدين وردّه عليها] ولمّا بلغ صلاح الدّين سوء تدبير الأُمراء فِي دولة ابن نور الدّين، كتب إليهم، ونهاهم عَنْ ذَلِكَ. فكتب إِلَيْهِ ابن المقدَّم يردعه عَنْ هذه العزيمة، ويقول لَهُ: «لا يُقال عنك إنّك طمَعْتَ فِي بيت مَنْ غَرَسَك، وربّاك وأنْبَتَكَ [١] ، وصفّى [٢] مَشْرَبَك، وأصْفَى [٣] مَلْبَسَك، وفي دَسْت ملْك مصر أجْلَسَك، فما يليق بحالك غيرُ فضلك وإفضالِك» [٤] . فكتب إِلَيْهِ صلاح الدّين: إنّه لا يُؤْثِر للإسلام وأهله، إلّا ما جَمَعَ شَمْلَهم، وألَّف كلمتهم، وللبيت الأتابكيّ، أعلاه اللَّه تعالى، إلّا ما حفظ أصله وفَرْعَه [٥] . فالوفاء إنّما يكون بعد الوفاة [٦] ، ونحن فِي دارٍ، والظّانّون بنا ظَنَّ السَّوء فِي وادٍ [٧] . [وعْظ الطوسي بالتاجية وثورة الشيعة عَلَيْهِ] وفيها وَعَظ الطُّوسيّ بالتّاجيَّة من بغداد، فقال: ابن مُلْجَم لم يكفر بقتْله عليّا ﵁، فجاءه الآجُرّ من كلّ ناحية، وثارت عَلَيْهِ الشّيعة، ولولا الغلمان الّذين حوله لَقُتِلَ. ولمّا همّ الميعادُ الآخر بالجلوس، تجمّعوا ومعهم

стр. 18308

قوارير النِّفْط ليحرّقوه، فلم يحضر. فأحرقوا مِنْبره. وأحضره نقيب النّقباء وسبّه، فقال: أنت نائب الدّيوان، وأنا نائب الرَّحْمَن. فقال: بل أنت نائب الشّيطان. وأمر بِهِ فسُحِب ونُفي، فذهب إلى مصر، وعظُم بها. ولَقَبُه: الشّهاب الطُّوسيّ [١] .

стр. 18309

سنة سبعين وخمسمائة [إعادة ابن الدامغانيّ إلى قضاء القضاة] فيها أُعيد أَبُو الْحَسَن بْن الدّامَغَانيّ إلى قضاء القضاة ببغداد، بعد أن بقي معزولا خمسة عشر عاما [١] . [موقف قايماز من توزير ابن المظفّر] وفيها أراد المستضيء باللَّه إعادة ابن المظفّر إلى الوزارة، فغضب من ذَلِكَ قايماز، وأغلق باب النُّوبيّ، وبات العامَّة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغداد حتّى يخرج منها ابن المظفّر هُوَ وأولاده، فإنّه عدوّي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني. فقيل لابن المظفّر: تخرج من البلد؟ فقال: لا أفعل. فلمّا شُدِّد عَلَيْهِ قَالَ: إنْ خرجت قُتِلت، فاقتلوني فِي بيتي. فتلطّفوا بِهِ، فجاء فخر الدّولة بْن المطَّلِب، وشيخ الشّيوخ، وحلف لَهُ قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العسكر فِي السّلاح، والدّروب تُحْفَظ. ثمّ خرج باللّيل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد. ثمّ دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثمّ خرج طيّب النّفس. ثمّ بقيت الرّسل تتردّد، واستقرّ الأمر أنّ ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربيّ [٢] .

стр. 18310

[تدريس ابن الجوزي تحت منظرة الخليفة] وفي رجب تكلم ابن الجوزيّ، قَالَ [١] : تقدّم إليَّ بالجلوس تحت منظرة أمير المؤمنين، فتكلّمت بعد العصر، وحضر السّلطان، واكترى النّاس الدّكاكين، وكان موضع كلّ رَجُل بقيراط، حتّى إنّه اكتُرِيَت دُكّانٌ بثمانية عشر قيراطا. ثمّ جاء رَجُلٌ فأعطاهم ستَّة قراريط حتّى جلس معهم. ودرّست بالمدرسة الّتي وَقَفْتها أمّ الخليفة، وحضر قاضي القُضاة، وخُلِعَت عليَّ خِلْعة، وألقيت يومئذٍ دروسا كثيرة من الأُصول والفُروع. ووقف أهل باب النُّوبّي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر. وعلى باب المدرسة أُلُوف، وكان يوما مشهودا، لم يُرَ مثلُه. ودخل عَلَى قلوب أرباب المذاهب غمٌّ عظيم. وتقدَّم ببناء دِكَّةٍ لنا في جامع القصر، فانزعجوا، وقالوا: ما جَرَت عادة الحنابلة بدِكَّة، فبُنيت وجلستُ فيها [٢] . [فتنة الأمير تتامش] وكان الأمير تُتَامُش قد بعث إلى بلد الغرّاف [٣] من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصّلاة أكثر النّاس، فأنكر أمير المؤمنين ما جرى، وأمر تُتَامُش وزوج أخته قايماز، فلم يَحْفِلا بالإنكار، وأصرّا عَلَى الخلاف، وجرت بينهما وبين ابن العطّار مُنَابَذَات، ثمّ أصلح بينهم. فلمّا كَانَ الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النَّار فِي دار ابن العطّار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز فأبى، وبارز بالعناد. وكان قد حلّف الأمراء، وخرج هُوَ وتُتَامِش وجماعةٌ من الأمراء من بغداد، فَنَهَبت العوامُّ دُورَهم، وأخذوا أموالا زائدة عَنِ الحَدّ [٤] .
следующие страницы →