من المسلمين فوق المائتين، فلمّا أصبحوا زحفوا عَلَى الإسكندريَّة، ونصبوا ثلاث دبّابات [١] بكِباشها [٢] ، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تضرب بحجارةٍ سُود، استصحبوها من صَقَلّية، فزحفوا إلى أن قاربوا السّور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندريَّة ما رَاعَهُم. وبُعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدّين وهو نازل عَلَى فاقوس، فاستنهض الجيش وبادروا. واستمرّ القتال.
وفي اليوم الثّالث فتح المسلمون باب البلد، وكبسوا الفرنج عَلَى غفلةٍ، وحرّقوا الدّبّابات، وصدقوا اللّقاء، ودام القتال إلى العصر، ونزل من اللَّه النّصر، واستحرّ بالفرنج القتْل. وردّ المسلمون إلى البلد لأجل الصّلاة. ثمّ كبّروا عند المغرب، وهاجموا الفرنج فِي خيامهم، فتسلّموها بما حَوَت، وقتلوا من الرّجّالة ما لا يوصف. واقتحم المسلمون البحر، فغرّقوا المراكب وحرّقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدوّ بين أسير، وقتيل، وغريق.
واحتمى ثلاثمائة فارس فِي تلّ، فأُخذوا أسرى، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة، فلله الحمد كثيرا [٣] .
[هلاك مُرّي ملك الفرنج]
وفي آخر السّنة هلك مُرّي [٤] ملك الفرنج، لا ﵀. وهو الَّذِي حاصر القاهرة، وأشرف على أخذها [٥] .
стр. 18307
[رسالة ابن المقدّم إلى صلاح الدين وردّه عليها]
ولمّا بلغ صلاح الدّين سوء تدبير الأُمراء فِي دولة ابن نور الدّين، كتب إليهم، ونهاهم عَنْ ذَلِكَ. فكتب إِلَيْهِ ابن المقدَّم يردعه عَنْ هذه العزيمة، ويقول لَهُ:
«لا يُقال عنك إنّك طمَعْتَ فِي بيت مَنْ غَرَسَك، وربّاك وأنْبَتَكَ [١] ، وصفّى [٢] مَشْرَبَك، وأصْفَى [٣] مَلْبَسَك، وفي دَسْت ملْك مصر أجْلَسَك، فما يليق بحالك غيرُ فضلك وإفضالِك» [٤] .
فكتب إِلَيْهِ صلاح الدّين: إنّه لا يُؤْثِر للإسلام وأهله، إلّا ما جَمَعَ شَمْلَهم، وألَّف كلمتهم، وللبيت الأتابكيّ، أعلاه اللَّه تعالى، إلّا ما حفظ أصله وفَرْعَه [٥] . فالوفاء إنّما يكون بعد الوفاة [٦] ، ونحن فِي دارٍ، والظّانّون بنا ظَنَّ السَّوء فِي وادٍ [٧] .
[وعْظ الطوسي بالتاجية وثورة الشيعة عَلَيْهِ]
وفيها وَعَظ الطُّوسيّ بالتّاجيَّة من بغداد، فقال: ابن مُلْجَم لم يكفر بقتْله عليّا ﵁، فجاءه الآجُرّ من كلّ ناحية، وثارت عَلَيْهِ الشّيعة، ولولا الغلمان الّذين حوله لَقُتِلَ. ولمّا همّ الميعادُ الآخر بالجلوس، تجمّعوا ومعهم
стр. 18308
قوارير النِّفْط ليحرّقوه، فلم يحضر. فأحرقوا مِنْبره. وأحضره نقيب النّقباء وسبّه، فقال: أنت نائب الدّيوان، وأنا نائب الرَّحْمَن.
فقال: بل أنت نائب الشّيطان. وأمر بِهِ فسُحِب ونُفي، فذهب إلى مصر، وعظُم بها. ولَقَبُه: الشّهاب الطُّوسيّ [١] .
стр. 18309
سنة سبعين وخمسمائة
[إعادة ابن الدامغانيّ إلى قضاء القضاة]
فيها أُعيد أَبُو الْحَسَن بْن الدّامَغَانيّ إلى قضاء القضاة ببغداد، بعد أن بقي معزولا خمسة عشر عاما [١] .
[موقف قايماز من توزير ابن المظفّر]
وفيها أراد المستضيء باللَّه إعادة ابن المظفّر إلى الوزارة، فغضب من ذَلِكَ قايماز، وأغلق باب النُّوبيّ، وبات العامَّة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغداد حتّى يخرج منها ابن المظفّر هُوَ وأولاده، فإنّه عدوّي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني. فقيل لابن المظفّر: تخرج من البلد؟ فقال: لا أفعل.
فلمّا شُدِّد عَلَيْهِ قَالَ: إنْ خرجت قُتِلت، فاقتلوني فِي بيتي.
فتلطّفوا بِهِ، فجاء فخر الدّولة بْن المطَّلِب، وشيخ الشّيوخ، وحلف لَهُ قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العسكر فِي السّلاح، والدّروب تُحْفَظ.
ثمّ خرج باللّيل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد.
ثمّ دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثمّ خرج طيّب النّفس. ثمّ بقيت الرّسل تتردّد، واستقرّ الأمر أنّ ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربيّ [٢] .
стр. 18310
[تدريس ابن الجوزي تحت منظرة الخليفة]
وفي رجب تكلم ابن الجوزيّ، قَالَ [١] : تقدّم إليَّ بالجلوس تحت منظرة أمير المؤمنين، فتكلّمت بعد العصر، وحضر السّلطان، واكترى النّاس الدّكاكين، وكان موضع كلّ رَجُل بقيراط، حتّى إنّه اكتُرِيَت دُكّانٌ بثمانية عشر قيراطا. ثمّ جاء رَجُلٌ فأعطاهم ستَّة قراريط حتّى جلس معهم. ودرّست بالمدرسة الّتي وَقَفْتها أمّ الخليفة، وحضر قاضي القُضاة، وخُلِعَت عليَّ خِلْعة، وألقيت يومئذٍ دروسا كثيرة من الأُصول والفُروع. ووقف أهل باب النُّوبّي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر. وعلى باب المدرسة أُلُوف، وكان يوما مشهودا، لم يُرَ مثلُه. ودخل عَلَى قلوب أرباب المذاهب غمٌّ عظيم.
وتقدَّم ببناء دِكَّةٍ لنا في جامع القصر، فانزعجوا، وقالوا: ما جَرَت عادة الحنابلة بدِكَّة، فبُنيت وجلستُ فيها [٢] .
[فتنة الأمير تتامش]
وكان الأمير تُتَامُش قد بعث إلى بلد الغرّاف [٣] من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصّلاة أكثر النّاس، فأنكر أمير المؤمنين ما جرى، وأمر تُتَامُش وزوج أخته قايماز، فلم يَحْفِلا بالإنكار، وأصرّا عَلَى الخلاف، وجرت بينهما وبين ابن العطّار مُنَابَذَات، ثمّ أصلح بينهم. فلمّا كَانَ الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النَّار فِي دار ابن العطّار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز فأبى، وبارز بالعناد.
وكان قد حلّف الأمراء، وخرج هُوَ وتُتَامِش وجماعةٌ من الأمراء من بغداد، فَنَهَبت العوامُّ دُورَهم، وأخذوا أموالا زائدة عَنِ الحَدّ [٤] .
стр. 18311
وقال ابن الأثير [١] : ودخل بعض الصّعاليك فأخذ أكياس دنانير، وفزع لا يؤخذ منه، فدخل إلى مطبخ الدّار، فأخذ قِدْرةً مملوءة طبيخا، فألقى فيها الأكياس، وحملها عَلَى رأسه، فضحك النّاس منه فقال: دعوني أُطْعم عيالي ثمّ استغنى بعد ذَلِكَ، ولم يبق من نعمة قُطْب الدّين فِي ساعةٍ واحدة لا قليل ولا كثير [٢] .
وأمّا العامَّة فثاروا بأعوان قُطْب الدّين، وأحرقوا من دُورهم مواضعَ كثيرة، وبقي أهلها فِي جَزَع وحَيْرة، وقصدوا الحِلَّة، ثمّ طلبوا الشّام وقد تقلّل جَمْعُهُم، وبقي مَعَ قايماز عددٌ يسير.
[إعادة ابن رئيس الرؤساء إلى الوزارة]
ثمّ خُلع عَلَى الوزير ابن رئيس الرؤساء، وأعيد إلى الوزارة [٣] .
[وفاة قايماز]
وكتب الفقهاء فتاويهم أنّ قايماز مارِق، وذلك فِي ذي القعدة.
ثمّ جاء الخبر فِي ذي الحجَّة أنّ قايماز تُوُفّي، وأنّ أكثر أصحابه مَرْضَى، فسبحان مُزِيل النِّعَم عَنِ المتمرّدين [٤] .
[امتلاك صلاح الدين دمشق]
وفيها ملك صلاح الدّين دمشق بلا قتال، وكتب إلى مصر رَجُلٌ من بُصْرَى فِي الرابع والعشرين من ربيع الأوّل، وقد توجّه صاحبها فِي الخدمة:
ثمّ لقينا ناصر الدّين بْن المولى أسد الدّين والأمير سعد الدّين بْن أُنُر [٥] ، ونزلنا فِي الثّامن والعشرين بجسر الخَشَب، والأجناد إلينا متوافية من دمشق.
стр. 18312
وأصبحنا ركِبْنا عَلَى خيرة اللَّه، فعرض دون الدّخول عددٌ من الرجال، فَدَعَسَتْهم [١] عساكرنا المنصورة وصَدَمتهم، ودخلنا البلد، واستقرّت بنا دار ولدنا، وأَذَعْنا فِي أرجاء البلد النّداء بإطابة النّفوس وإزالة المُكُوس، وكانت الولاية فيهم قد ساءت وأسرفت وأجحفت، فشرعنا فِي امتثالنا أمَر الشَّرْع [٢] .
[هدْم قلعة حمص]
ثمّ نازل صلاح الدّين بحمص، ونصبت المجانيق عَلَى قلعتها حتّى دكّتها [٣] .
[أخْذ حماه]
وسار إلى حماه، فَمَلَكَها فِي جُمادى الآخرة [٤] .
[محاصرة حلب واستغاثة صاحبها بالباطنية]
ثمّ سار إلى حلب، وحاصرها إلى آخر الشّهر، واشتدّ عَلَى الصّالح إِسْمَاعِيل بْن نور الدّين بها الحصار، وأساء صلاح الدّين العشرة في حقّه، واستغاث الصّالح بالباطنيَّة، ووعدهم بالأموال، فقتلوا الأمير ناصح الدّين خُمارتِكِين وجماعة، ثمّ قتلوا عن آخرهم [٥] .
стр. 18313
[تسلُّم حمص]
ورجع النّاصر صلاح الدّين إلى حمص، فحاصرها بقيَّة رجب، وتسلّمها بالأمان فِي شعبان [١] .
[تسلُّم بعلبَكّ]
ثمّ عطف عَلَى بعلبكّ فتسلّمها [٢] .
[كسرة عسكر حلب والموصل عند حماه]
ثمّ ردّ إلى حمص، وقد اجتمع عسكر حلب، وكتبوا إلى صاحب لموصل، فجهّز جيشه، وأمدّهم بأخيه عزّ الدّين مَسْعُود بْن مودود بْن زنكيّ، فأقبل الكلّ إلى حماه، فحاصروا البلد، فسار صلاح الدّين فالتقاهم عَلَى قُرون حماه [٣] ، فانكسروا أقبح كسْرة. ثمّ سار إلى جهة حلب [٤] .
стр. 18314
[مصالحة صلاح الدين لصاحب حلب]
ثمّ وقع الصُّلح بينه وبين زنكيّ، عَلَى أن يكون لَهُ إلى آخر بلد حماه والمَعَرَّة، وأن يكون لابن نور الدّين حلب وجميع أنحائها. وتحالفوا وردّ إلى حماه. فجاءه رُسُلُ المستضيء بالهدايا والتّشريفات والتّهنئة بالمُلك [١]
[أخْذ حصن بارين]
ثمّ سار إلى حصن بارين، فحاصره ثمّ أخذه [٢] .
[الإنعام بحمص والإنابة بقلعة دمشق]
وأنعم بحمص عَلَى ابن عمّه الملك ناصر الدّين مُحَمَّد بْن أسد الدّين شيركوه، واستناب بقلعة دمشق أخاه سيف الْإِسْلَام ظهير الدّين طُغْتِكِين [٣] .
[أخْذ بعلبَكّ وعصيان ابن المقدّم بها]
ورجع من حمص، فنازل بعلبكّ وأخذها من الخادم يُمْن الرَّيْحانيّ ثمّ أعطاها للأمير شمس الدّين محمد ابن المقَّدم، فعصى عَلَيْهِ فِي سنة أربعٍ وسبعين، فسار إليه، ثمّ حاصره أشهرا [٤] .
стр. 18315
[نصوص بعض الكتاب من إنشاء القاضي الفاضل]
ومن كتاب فاضليّ إلى العادل نائب مصر، عَنْ أخيه صلاح الدّين: «قد أعلمنا المجلس أنّ العدوّ المخذول، كَانَ الحلبيّون قد استنجدوا بصُلْبانهم، واستطالوا عَلَى الْإِسْلَام بعدوانهم، وأنّه خرج إلى حمص [١] ، فردْنا حماه، وترتّبنا للّقاء [٢] ، فَسَار العدوّ إلى حصن الأكراد متعلّقا بحبله، مفتَضَحًا بحِيَله، وهذا فتحٌ تُفْتَح لَهُ القلوب [٣] ، قد كفى اللَّه فِيهِ القتال المحسوب» [٤] .
ومن كتاب فاضليّ إلى الدّيوان العزيز من السّلطان مضمونه تعداد ما للسّلطان من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مَعَ نور الدّين، ثمّ فتح مصر، واليمن، وأطراف المغرب، وإقامة الخطْبة العبّاسيَّة بها.
ويقول فِي كتابه: «ومنها قلعةٌ بثغر أَيْلَة، بناها العدوّ فِي البحر [٥] ، ومنه المَسْلَك إلى الحرمين، فغزوا ساحل الحَرَم، وقتلوا وسبوا، وكادت القِبْلة أن يُستولَى عَلَى أصْلها، والمشاعر أن يسكنها غيرُ أهلها، ومضجع الرَّسُول ﷺ أن يتطرّق إِلَيْهِ الكُفّار.
وكان باليمن ما عُلِم من الخارج ابن مهديّ الملْحد، الَّذِي سبى الشّرائف الصّالحات، وباعهنَّ بالثّمن البَخْس، واستباحهنّ، ودعا إلى قبر أَبِيهِ، وسمّاه كعبة، وأخذ الأموال، فأنهْضنا إِلَيْهِ أخانا بعسكرنا، فأخذه، والكلمة هناك- بمشيئة اللَّه- إلى الهند سامية.
ولنا فِي المغرب أثرٌ أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كالمَهلْكَ دون المطْلب، وذلك أنّ بني عَبْد المؤمن قد اشتهر أنّ أمرهم قد
стр. 18316
أَمِر، وملكهم قد عُمِر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يُشاقّ، ونحن فتملّكنا ما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها عَلَى شهر، وسيّرنا إِلَيْهِ عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن ذَلِكَ بَرَقة، قَفْصَة، قسطيلية، تَوْزَرَ، كلّ هذه تُقام فيها الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عهْدَ لإقامتها من دهر [١] .
وفي هذه السّنة كَانَ عندنا وفدٌ، نحو سبعين [راكبا] [٢] ، كلّهم يطلب السّلطان بلده تقليدا، ويرجو منَّا وعدا، ويخاف وعيدا. وسيّرنا الخِلَع والمناشير والأَلْوية. فأمّا الأعداء الّذين يقاتلوننا، فمنهم صاحب قُسطنطينية، وهو الطّاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، جَرَت لنا معه غَزَوات بحريَّة، ولم نخرج من مصر إلى [٣] أنْ وصَلَتْنا رسالةٌ فِي جُمعةٍ واحدةٍ نوبتين بكتابين، يُظْهر خفْضَ الْجَنَاح والانتقالَ من مُعاداةٍ إلى مهاداة، ومن مُفَاضَحَةٍ إلى مُنَاصَحَة، حتّى أندر بصاحب صَقَلّية وأساطيله، وهو من الأعداء، فكان حين علم بأنّ صاحب الشّام وصاحب قسطنطينيَّة قد اجتمعا فِي نَوْبة دِمياط فكُسِرا، أراد أن يظهر قوّته المستقلة، فعمّر أسطولا، استوعب فِيهِ ماله وزمانه، فله الآن خمسُ سنين يُكْثِر عُدّته، وينتخب عدّته، إلى أن وصل منها فِي السّنة الخالية إلى الإسكندريّة أمْرُ رائع، وخَطْب هائل، ما أثقل ظهْرَ البحر مثلُ حمْله، ولا ملأ صدرهُ مثلُ خيله ورَجُله، وما هُوَ إلّا إقليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قطّ بنظيره، لولا أنّ اللَّه خذله [٤] .
ثمّ عدَّد أشياء، إلى أن قَالَ: والمُراد الآن تقليدٌ جامعٌ بمصر، واليمن، والمغرب، والشّام، وكلّ ما تشتمل عَلَيْهِ الولاية النّوريَّة، وكلّ ما يفتحه اللَّه للدّولة العبّاسيَّة بسيوفنا، ولمن يقيم من أخٍ وولدٍ من بعدنا، تقليدا يضمن للنّعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا، مَعَ ما تنعم عَلَيْهِ من السِّمات الّتي فيها المُلْك، والفرنج فهم يعرفون منّا خصما لا يملّ، حتّى يملّوا، وقَرْنًا لا يزال
стр. 18317
مُحرم [١] السّيفَ حتّى يُحِلِّوا، وإذا شدّ رأينا حُسْن الرأي ضربْنا بسيفٍ يقطع فِي غمده، وبلغنا المُنَى بمشيئة اللَّه. ويد كلٍّ مؤمن تحت برده. واستنفذنا أسيرا من المسجد الأقصى الَّذِي أسرى اللَّه إِلَيْهِ بعبده [٢] .
[ملك البهلوان مدينة توريز]
وفيها ملك البهلوان بْن إلْدكز مدينة تُوريز بالأمان، واستعمل عليها أخاه قُرا رسلان. وتسلم مَرَاغَة [٣] .
[رواية ابن الأثير عَنْ فتنة قايماز]
قَالَ ابن الأثير [٤] فِي فتنة قطب الدّين قايماز: ولمّا أقام قايماز بالحِلَّة، امتنع النّاس من السَّفَر، فتأخّروا إلى أن رحل، فبادروا ورحلوا من الكوفة إلى عَرَفَات فِي ثمانية عشر يوما، وهذا ما لم يسمع بمثله، ومات كثير منهم [٥] .
стр. 18318
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١: ١ رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ٢: ٢٥٠
تراجم رجال هذه الطبقة
سنة إحدى وستين وخمسمائة
- حرف الألف -
١- أحمد بْن الْحُسَيْن بْن الْحُسَيْن بْن الْحُسَيْن بْن زينة.
أَبُو عاصم الأصبهانيّ، أخو أَبِي غانم مُحَمَّد.
عدْل، زاهد، فاضل، من أولاد المحدّثين.
سَمِعَ: أَبَا مطيع، وأبا الفتح الحدّاد، وأبا العبّاس أحمد بن الحسين بْن بحوكة، وأبا سعد المطرّز، وطائفة.
وعنه جماعة من الأصبهانيّين.
تُوُفّي فِي ربيع الأوّل وله تسعٌ وستّون سنة.
٢- أَحْمَد بْن يَحْيَى بْن عَبْد الباقي بْن عَبْد الواحد [١] .
أَبُو الفضائل [٢] الزُّهْرِيّ البغداديّ الفقيه، ويُعرف بابن شُقْران [٣] .
كَانَ إماما، واعظا، صوفيّا، متعبّدا، مُعِيدًا بالنّظاميَّة.
سَمِعَ: أَبَا الْحَسَن بْن العلّاف [٤] ، وأبا الغنائم بْن المهتدي باللَّه.
روى عَنْهُ: إِبْرَاهِيم الشّعّار، وأحمد بن منصور الكازرونيّ [٥] .
стр. 18319
وتُوُفّي فِي المحرَّم [١] .
وأخوه:
٣- أحمد [٢] أسنّ منه، ولا أعلم مَتَى تُوُفّي [٣] .
سَمِعَ من: ثابت بْن بُنْدار.
روى عَنْهُ: عُمَر بْن عليّ الْقُرَشِيّ.
ولهما أخٌ أخر.
٤- إِبْرَاهِيم بْن الْحَسَن بْن طاهر [٤] .
الفقيه أَبُو طاهر بْن الحصنيّ، الحمويّ، الشّافعيّ، من فُقهاء دمشق.
روى عَنْ: أَبِي عليّ بْن نَبهان، ومحمد بْن مُحَمَّد بْن المهديّ، وأبي طَالِب الزَّيْنبيّ، وأبي طَالِب اليوسفيّ، وأبي طاهر الحنّائيّ، وابن المَوَازِينيّ.
روى عَنْهُ: ابن السّمعانيّ، وابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو القاسم بن صصرى، وأبو نصر بْن الشّيرازيّ.
وتُوُفّي بدمشق في صفر. ووُلِد بحماه فِي سنة خمسٍ وثمانين [٥] .
стр. 18320
٥- إسماعيل بْن سلطان بْن عَليّ بْن مُقَلّد بْن نَصْر بْن منقذ [١] .
شَرَفُ الدّولة أَبُو الفضل الكِنَانيّ الشّيزريّ، الأمير.
أديب فاضل، وشاعر كامل. كان أبوه صاحب شيزر وابن صاحبها، فلمّا مات أبوه وليها أخوه تاج الدّولة، وأقام هو تحت كنف أخيه إلى أن خرّبتها الزَّلْزَلَة، ومات أخوه وطائفة تحت الرَّدْم. وتوجّه نور الدّين فتسلّمها، وكان إِسْمَاعِيل غائبا عَنْهَا. فانتقل إلى دمشق وسكنها.
وكانت الزّلزلة فِي سنة اثنتين وخمسين. ولمّا سقطت القلعة عَلَى أخيه وأولاده وزوجة أخيه خاتون بِنْت بوري أخت شمس المُلُوك، سلِمَت خاتون وحدها، وأُخرِجت من تحت الرَّدْم. وجاء نور الدّين فطلب منها أن تُعْلِمَهُ بالمال، وهدّدها، فذكَرَتْ لَهُ أنّ الرَّدْم سقط عليها وعليهم، ولا تعلم شيئا [٢] وإنْ كَانَ شيءٌ فهو تحت الرَّدْم.
فلما حضر إِسْمَاعِيل وشاهد ما جرى عمِل:
نزلت عَلَى رغم الزّمان ولو حَوَتْ ... عيناكَ قائمَ سَبْقها لم تنزل
стр. 18321
فتبدَّلَتْ عَنْ كِبْرها بتَوَاضُعٍ ... وتَعَوَّضَتْ عَنْ عِزّها بتذِلُّلِ
ومن شعره:
ومُهَفْهَفٍ كَتَبَ الجمالُ بخدّه ... سطْرًا يُدَلِّه [١] ناظر المتأمِّل
بالغتُ فِي استخراجه فوجدتُهُ ... لا رأيَ إلّا رأيَ أهل الْمَوْصِلِ [٢]
٦- إِسْمَاعِيل بْن عليّ بْن زيد بْن عَلِيّ بْن شَهْريار [٣] .
أَبُو المحاسن الأصبهانيّ.
سَمِعَ: رِزْق التّميميّ، وغيره.
وأجاز فِي هذا العام لأبي المنجّا ابن اللَّتّيّ.
محفوظ المعدَّل، وأبو النَّجْم زاهر بْن مُحَمَّد، وغيرهم.
- حرف الجيم -
٧- جيّاش بْن عَبْد اللَّه الحبشيّ.
عَبْد ابن عفّان الواعظ.
روى عَنْ: أَبِي الْحَسَن بْن العلّاف.
وعنه: ابن سكينة، والحسن بن المبارك بن الزّبيديّ.
لعلّه مات أوّل العام، فإنّ ابن الحصريّ سمع منه في شوّال سنة ستّين.
- حرف الحاء -
٨- الحسن بن سهل بن المؤمّل.
стр. 18322
أَبُو المظفَّر البغداديّ الكاتب.
سَمِعَ بواسط من: أَبِي نُعَيْم مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الجماريّ.
وحدَّث ببغداد بمُسْنَد مُسَدّد.
سَمِعَ منه: إِبْرَاهِيم الشّعّار، وعلي بن أحمد الزيدي، وعمر بن علي، وأحمد بْن طارق فِي هذه السّنة.
ثمّ رجع ومات بعدها بيسير.
وكان مولده فِي شوّال سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
٩- الْحَسَن بْن الْعَبَّاس بْن علي بْن الحَسَن بْن عَليّ بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن رُسْتَم [١] .
العلّامة أَبُو عَبْد اللَّه بْن أَبِي الطّيّب الرُّسْتَميّ، الأصبهانيّ، الفقيه الشّافعيّ.
وُلِد فِي صَفَر سنة ثمانٍ وستّين وأربعمائة.
وسمع: أَبَا عَمْرو بْن مَنْدَهْ، ومحمود بْن جعفر الكَوْسَج، والمطهّر بْن عَبْد الواحد البُزَانيّ، وإبراهيم بْن مُحَمَّد القفّال الطّيّان، وأبا بَكْر مُحَمَّد بْن أحمد السِّمْسَار، والفضل بْن عَبْد الواحد بْن سهلان، وعبد الكريم بْن عَبْد الواحد الصّحّاف، وأبا عيسى عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن زياد، وسليمان بْن إِبْرَاهِيم الحافظ، وأبا منصور مُحَمَّد بْن أحمد بْن شكروَيْه، وأحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن الذّكْوانيّ، وسهْل بْن عَبْد اللَّه الغازي، وأبا الخير مُحَمَّد بْن أحمد بْن رَرَا، والقاسم بْن الفضل الثّقفيّ، ورزق اللَّه التّميميّ، وطِراد الزَّيْنَبيّ، وطائفة سواهم.
стр. 18323
روى عَنْهُ: ابن السَّمْعانيّ، وابن عساكر، وشَرَف بْن أَبِي هاشم البغداديّ، وأحمد بْن سَعِيد الخِرَقيّ، وأبو مُوسَى المَدِينيّ وقال فِيهِ: أستاذي الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه، ثمّ ساق نسبه كما تقدَّم.
وروى عَنْهُ جماعة كبيرة منهم: الحافظ عَبْد القادر الرُّهاويّ وقال: كَانَ فقيها، زاهدا، ورِعًا، بكّاء عاش نيِّفًا وتسعين سنة، ومات سنة ستّين. كذا قَالَ.
قَالَ: وحضرته يوم موته، وخرج النّاس إلى قبره أفواجا. وأملى شيخنا الحافظ أَبُو مُوسَى عند قبره مجلسا فِي مناقبه. وكان عامَّة فُقَهاء أصبهان تلاميذه، حتّى شيخنا أَبُو مُوسَى عَلَيْهِ تفقّه.
وروى عَنْهُ أَبُو مُوسَى الحديث. وكان أهل أصبهان لا يثقون إلّا بفتواه.
وسألني شيخنا السِّلَفيّ عَنْ شيوخ أصبهان، فذكرته لَهُ فقال: أعرفه فقيها متنسِّكًا.
قَالَ أبو سعد السَّمعانيّ: إمام، متديِّن، ورِع، يُزْجِي أكَثَر أوقاته فِي نشْرِ العِلم وَالْفُتْيَا، وهو متواضعٌ عَلَى طريقة السَّلَف. وكان مفتي الشّافعيَّة.
قَالَ عَبْد القادر: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى شيخنا يَقُولُ: قرأ المذهب كذا كذا سنة، وكان من الشِّداد فِي السُّنَّة.
وسمعت بعض أصحابنا الأصبهانيّين يحكي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي كلّ جمعةٍ ينفرد فِي موضعٍ يبكي فِيهِ، فبكى حتّى ذهبت عيناه.
وكنّا نسمع عَلَيْهِ وهو فِي رثاثةٍ من الملبس والمفرش، لا يساوي طائلا، وكذلك الدّار الّتي كَانَ فيها.
وكانت الْفِرَقُ مجتمعة عَلَى محبّته.
قلت: وروى عَنْهُ: أَبُو الوفاء محمود بْن مَنْدَهْ، وبالإجازة أَبُو المُنَجّا بْن اللَّتّيّ، وكريمة وأختها صفيَّة، وعاشت إلى سنة ستٍّ وأربعين وستّمائة، وآخر من روى عَنْهُ بالإجازة عجيبة بنت الباقداريّ.
стр. 18324
قال أبو موسى. توفّي مساء يوم الأربعاء ثاني صفر سنة إحدى وستّين.
وقال أَبُو مَسْعُود الحاجّيّ: تُوُفّي عشيَّة يوم الأربعاء غُرَّة صفر سنة إحدى وستّين.
وقال: أَبُو سعد السَّمعانيّ: إمام فاضل، مفتي الشّافعيَّة، وهو عَلَى طريقة السَّلَف، لَهُ زاوية بجامع أصبهان، أكثر أوقاته يلازمها. ورد بغداد حاجّا بعد العشرين، وحدَّث بها.
قَالَ ابن الْجَوْزيّ فِي «المنتظم» [١] ، قَالَ: الشَّيْخ عَبْد اللَّه الْجُبّائيّ [٢] ما رَأَيْت أكثر بكاء منه. قَالَ الْجُبّائيّ: وسمعت مُحَمَّد بْن سالار [٣] وهو يتكلّم عَلَى النّاس، فلمّا كَانَ في اللّيل، رَأَيْت ربّ الْعِزَّةِ فِي المنام، وهو يَقُولُ لي:
يا حَسُن، وقفتَ عَلَى مبتدعٍ، ونظرتَ إِلَيْهِ، وسمعت كلامه، لأحرمنّك النَّظَر فِي الدّنيا. فاستيقظتُ كما ترى.
قَالَ الْجُبّائيّ: وكانت عيناه مفتوحتين وهو لا ينظر بهما [٤] .
١٠- الْحَسَن بْن عليّ بْن الرّشيد أَبِي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بن الزّبير [٥] .
стр. 18325
القاضي مهذّب الدّين، أَبُو مُحَمَّد الغسّانيّ الأُسْوانيّ، أخو القاضي الرشيد أَبِي الْحُسَيْن أحمد. وسيأتي فِي سنة ثلاث.
ولأبي مُحَمَّد ديوان شِعْر، وهو أشعر من أخيه.
تُوُفّي بالقاهرة فِي رجب. وأوّل شِعرٍ قاله فِي سنة ستٍّ وعشرين وخمسمائة [١] .
وله فِي العاضد خليفة مصر:
وإنّ أميرَ المؤمنين وذِكرَهُ ... قريبان للآي الْمُنَزَّلِ فِي الذِّكْرِ
لِقَوْلِ رَسُول اللَّهِ: تَلْقَوْنَ عِتْرَتي ... معا وكتابَ اللَّه فِي مَوْرد الحشرِ
إذا ما إمامُ العصْر لاح لِنَاظِرٍ ... فوا العصر إنّ الجاحدين لفي خسر
стр. 18326
ويكفي الْوَرَى منه يتيمة تاجِهِ ... وما قد حَوَتْه من بهاءٍ ومن فَخْرِ
ولم تَرَ عيني قبْلًا قَطُّ كوكبا ... يلوح مَعَ الشَّمْس المنيرة فِي الظُّهْرِ
وما هُوَ إلّا البحر لَيْسَ بمُنْكر ... إذا ما تحلّى بالجواهر والدُّرر
عَلَى أَنَّهُ لا يقتنيها لحاجة ... وشمسُ الضُّحى تُغْني عَنِ الأنْجُمِ الزُّهْرِ
وقد قابَلَتْها للمِظَلَّة هالةٌ ... بِهِ أبدا تَسْمُو عَلَى هالة الْبَدْرِ
وما هِيَ إلّا بعضُ سُحُبِ يميِنهِ ... وما زال مُنْشئًا السُّحُبَ من لُجَّة البحرِ
ومن شعره:
لا تغررنّي بمرأى أو بمَسمْعِ ... فما أصدِّقُ لا سَمْعي ولا بَصَري
وكيف آمَنُ غيري عند نائبةٍ ... يوما إذا كنتُ من نفسي لأغررِ
وهو القائل:
وما لي إلى ماءٍ سوى النّيل غُلَّةٌ ... ولو أنّه، أستغفر اللَّه، زَمْزَمُ [١]
١١- الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن محبوب.
أَبُو عَبْد اللَّه البغداديّ.
تُوُفّي فِي شعبان عَنْ ستٍّ وسبعين سنة.
أصله من غزَّة، من كبار الشّافعيَّة.
سَمِعَ من: أَبِي الْحُسَيْن بْن الطُّيُوريّ، وأبي الْحُسَيْن بْن العلّاف، وأبي غالب الباقِلّانيّ.
وعنه: ابن الأخضر، وداود بْن معمّر، وابن الحُصْريّ، وآخرون.
١٢- الْحُسَيْن بْن علي بْن مُحَمَّد بْن علي.
أَبُو عليّ ابن قاضي القُضاة أَبِي عَبْد اللَّه الدّامغانيّ.
سَمِعَ: أُبيًّا النَّرْسيّ.
روى عَنْهُ: عُمَر بْن عليّ القرشيّ.
وتوفّي في رجب.
стр. 18327
- حرف الزاي -
١٣- زيد بْن عليّ بْن زيد بْن عَلي.
أَبُو الْحُسَيْن السُّلَميّ، الدّمشقيّ، الدّواجيّ، الفقيه.
سَمِعَ: أَبَاهُ، وأبا مُحَمَّد بْن الأكفانيّ، وجماعة.
وتفقّه عَلَى: جمال الْإِسْلَام.
ورحل إلى بغداد فلقي أَبَا الفضل الأرمويّ وطبقته.
ومات كَهْلًا فِي المحرَّم.
- حرف السين -
١٤- سعيدة بِنْت أبي غالب أحمد بن الحسن بن البنّاء.
امْرَأَة صالحة.
سَمِعْتُ: عَبْد الواحد بْن فهد العلّاف.
وعنها: السّمعانيّ، وابن الحُصْرِيّ.
ماتت فِي صَفَر.
- حرف الشين -
١٥- شعيب بْن أَبِي الْحَسَن عليّ بْن عَبْد الواحد.
الدِّينَوَريّ، ثمّ البغداديّ أَبُو الفُتُوح الخيّاط.
سَمِعَ من: أَبِيهِ.
روى عَنْهُ: عُمَر الْقُرَشِيّ.
تُوُفّي فِي ربيع الأوّل.
- حرف العين -
١٦- عَبْدِ اللَّه بْن جَابِر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ.
أَبُو إِسْمَاعِيل بْن أَبِي عطيَّة ابن شيخ الْإِسْلَام. الْأَنْصَارِيّ، الهَرَويّ.
انتهت إِلَيْهِ رئاسة الصُّوفيَّة بهَرَاة وتقدّمهم. وكان ذا قُعْدُدٍ في النَّسَب.
стр. 18328
قَالَ أَبُو سعد السّمعانيّ: كَانَ فِيهِ سلامة، وحجّ بعد الأربعين وخمسمائة، فسافر بها عَلَى سَمْت الصُّوفيَّة وأهل العِلم. كتبتُ عَنْهُ، وكان يعقد المجالس فِي الأشهر الثّلاثة.
سَمِعَ: أَبَا الفتح نصر بْن أحمد بْن مُحَمَّد الحنفيّ، وطبقته.
وكان يحضر مجلسَه عالَمٌ لا يُحْصَوْن اعتقادا فِي جدّه وتبرُّكًا بمكانه.
ولد سنة خمس وخمسمائة. وتُوُفّي فِي جُمادَى الآخرة بهَرَاة.
١٧- عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن بْن رَوَاحَة بْن إبراهيم بن رَوَاحة [١] .
أَبُو مُحَمَّد الْأَنْصَارِيّ، الحمويّ.
وُلِد بحماه سنة ستّ وثمانين وأربعمائة. وكان شاعرا مُجوِّدًا.
قَالَ ابن عساكر [٢] : لَهُ يدٌ فِي القراءات وتهجُّدٌ في الخَلْوات. دخل بغداد، ومدح المقتفي لأمر اللَّه مِرارًا، وخلع عَلَيْهِ ثياب الخطابة، وقلّده إيّاها بحماه. وقد أُسِر وَلَدُهُ فِي البحر، فمات قبل أن يراه. ووُلِد لابنه الْحُسَيْن بالبحر وَلَدُهُ أبا القاسم عَبْد اللَّه. ثمّ خلّصهُ اللَّه تعالى، وأتى بابنه إلى الإسكندريَّة وسمعا الكثير من السَّلَفّي.
وتُوُفّي هذا الخطيب فِي المحرَّم بحماه [٣] .
وآخر ما قَالَ:
إلهي لَيْسَ لي مَوْلًى سِواكا ... فَهَبْ من فضل فَضْلك لي رضاكا [٤]
стр. 18329
وإنْ لا [١] ترضَى عنّي فاعْفُ عنّي ... لَعَلّي أنْ أحوزَ بِهِ حِماكا
فَقد يَهَبُ الكريمُ وليس يرضى ... وأنتِ مُحَكّمٌ في ذا وذاكا [٢]
١٨- عَبْد اللَّه بْن رِفاعة بْن غدير بْن عَلي بْن أَبِي عُمَر بْن الذّيّال بْن ثابت ابن نُعَيْم [٣] .
أَبُو مُحَمَّد السَّعْديّ، الْمَصْرِيّ، الفقيه الشّافعيّ، الفَرَضِيّ.
كَانَ فقيها، ديّنا، بارِعًا فِي الفرائض والحساب. وُلّي القضاء بمصر بالجيزة مدَّةً، ثمّ استعفى فُأعفيَ، واشتغل بالعبادة.
وكان مولده فِي ذي القعدة سنة سبع وستّين وأربعمائة. ولزِم القاضي الخِلَعيّ، وسمع منه الكثير وقدّمه، وتفقّه عَلَيْهِ، وسمع منه «السُّنَن» لأبي دَاوُد، و «السّيرة» والأجزاء العشرين، وغير ذَلِكَ. وهو آخر من حدّث عنه.
стр. 18330
روى عَنْهُ: مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن المسعوديّ، وأبو الجود المقرئ، ومحمد بْن يحيى بْن الرّذّاذ [١] ، ويحيى بْن عَقِيل بْن شريف بن رفاعة، والقاضي عبد الله بن محمد بن مجلّي. والحسن بن عقيل بن شريف، وعبد القويّ بْن الْجَبّاب، وصنيعة المُلْك هبة اللَّه بْن حَيْدَرة، ومحمد بْن عماد، وابن صبّاح، وآخرون.
وتُوُفّي فِي ذي القعدة.
وَأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَا: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادٍ، أنا ابْنُ رِفَاعَةَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ الْخِلَعِيُّ، أنا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أنبا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ الْغَزِّيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [لا عن بين رجل وامرأته] [٢] وانتقى مِنْ وَلَدِهَا، [فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا] [٣] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وألحق الولد با [لمرأة] [٤] . ١٩- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عليّ [٥] .
стр. 18331
أَبُو مُحَمَّد الأَشِيريّ [١] ، المغربيّ، الفقيه، الحافظ.
رحل فِي كِبَرِه إلى العراق، وإلى الشّام، وحدَّث عَنْ: أَبِي الحَسَن عَلي بْن عَبْد اللَّه بْن مَوْهَب الْجُذَاميّ، والقاضي عِياض.
سَمِعَ منه: عُمَر بْن عَلي الْقُرَشِيّ، ومحمد بْن المبارك بْن مشّق، وأحمد بْن أحمد، وأبو الفُتُوح نصر بْن الحصْريّ، وأبو مُحَمَّد الأستاذ الحلبيّ، وآخرون.
وكان عالِمًا بالحديث، والإِسناد، واللّغة، والنَّسَب، والنَّحْو، مجموع الفضائل.
حضر أَجَلُه باللَّبْوَة [٢] بين حمص وبَعْلَبَكّ قادما من حلب، ودُفِن بظاهر بَعْلَبَكّ. وزار قبره السّلطان نور الدّين، وَبَرَّ عياله، وأجرى عليهم رِزْقًا [٣] .
وقال جمال الدّين عَلي القِفْطيّ فِي «أخبار النُّحَاة» [٤] : إنّ الأَشِيريّ كَانَ يخدم فِي بعض الأمور بدولة عَبْد المؤمن، ولمّا حصل مَعَ القوم بالأندلس جرى لَهُ أمرٌ، فخشي عاقبته، فانهزم بأهله وكُتُبه، وقصد الشّام، فخرج من البحر إلى اللّاذقيَّة، وبها الفرنج، فسلّمه اللَّه تعالى حتّى قدِم حلبَ، فنزل عَلَى العلاء الغَزْنَويّ مدرّس الهلاويَّة، وأقام عنده مدَّة، وروى لهم عن: أَبِي بَكْر ابن العربيّ، والقاضي عِياض. وأقام إلى سنة تسعٍ وخمسين. واتّفق أنّ الوزير يحيى بْن هُبَيْرة صنَّف كتاب «الإفصاح» وجمع لَهُ علماء المذاهب، فطلب
стр. 18332
فقيها مالكيّا، فذكروا لَهُ الأَشِيريّ، فطلبه من نور الدّين، فسيّره إليه، فأكرمه.
ثمّ حجَّ مِن بغداد بعياله سنة ستّين، فضاق بهم الحال، فأقام بالمدينة، ثمّ جاء بمفرده فِي وسط السّنة إلى الشّام، فاجتمع بنور الدّين بظاهر حمص، فوعده بخير، فاتّفق أَنَّهُ مرض ومات فِي رمضان باللَّبْوَة.
وله كتاب «تهذيب الاشتقاق» الَّذِي للمبرّد.
ثمّ إنّ نور الدّين أحضر عائلته مَعَ متولّي السّبيل، وقرّر لهم كفايتهم بحلب، وصار ابنه جُنْديًّا.
وقال الأبّار: عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الصَّنْهاجيّ الأَشِيريّ، سَمِعَ: أَبَا جَعْفَر بْن غزيون، وغيره. وكان شاعرا، كتب لصاحب المغرب. فلمّا تُوُفّي مخدومه استؤسر ونُهِبت كُتُبُه، فتوجّه إلى الشّام.
ذكره ابن عساكر وقال: سَمِعَ منّي وسمعت منه [١] . وتُوُفّي فِي شوّال.
وقال ابن نُقْطَة [٢] : سَمِعَ من شُرَيْح بْن مُحَمَّد، وابن العربيّ. وكان ثقة، صالحا، حافظا، تُوُفّي فِي رمضان.
قلت: أَشِير قلعة بالمغرب لبني حمّاد.
قَالَ ابن النّجّار: ثنا عَنْهُ ابن الحُصْريّ، وقال: كَانَ إماما فِي الحديث، ذا معرفةٍ بفِقْهه ومعانيه، ورجاله، ولغته.
стр. 18333
ثمّ حكى انزعاج ابن هُبَيْرة بقوله لَهُ: ما قلتَ لَيْسَ صحيحا [١] . فانقطعِ الأَشِيريّ، وطلبه الوزير ولاطَفَه، وما تركه حتّى قَالَ لَهُ مثل قوله لَهُ، ووَصَله بمال، رحمهما اللَّه تعالى [٢] .
٢٠- عَبْد الرَّحْمَن بْن الحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن طاهر بْن مُحَمَّد [٣] .
أَبُو طَالِب بْن العجميّ، الحلبيّ.
من بيت حِشْمة، وتقدُّم، وفضيلة.
رحل إلى بغداد فتفقَّه عَلَى: أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أحمد الشّاشيّ، وأسعد المِيهَنيّ، وسمع من: أَبِي القاسم بْن بَيَان. وعاد إلى بلده، وتقدَّم بها. وقدِم رسولا من صاحب حلب إلى دمشق، وتولّى عمارة المسجد الَّذِي ببَعْلَبَكّ فِي أيّام أتابك زنكيّ بن آق سنقر، ثمّ حجّ وجاور، وتولّى عمارة المسجد الحرام من قِبل صاحب المَوْصِل. وبنى بحلب مدرسة مليحة، ووقف عليها. وكان فِيهِ عصبيَّة وهمَّة ومحبّة للعلماء [٤] .
ولد سنة ثمانين وأربعمائة.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وعمر بن عليّ القرشيّ، وأبو محمد بن
стр. 18334
علْوان الأستاذ، وأبو القاسم بْن صَصْرَى، وآخرون [١] .
وتُوُفّي رحمه اللَّه تعالى فِي نصف شعبان.
٢١- عَبْد الصمد بْن الْحُسَيْن بْن أحمد بْن عَبْد الصّمد بْن مُحَمَّد بْن تميم [٢] .
أَبُو المعالي التّميميّ، الدّمشقيّ، الخطيب، الشّاهد.
قرأ بروايات، وسمع كثيرا من: أَبِي القاسم النّسيب، وأبي طاهر الحِنّائيّ، وكان صَدُوقًا أمينا.
حدَّث بشيءٍ يسير، وتُوُفّي فِي رمضان وله ثمانٍ وستّون سنة.
٢٢- عَبْد العزيز بْن الْحُسَيْن [٣] .
القاضي الجليس، أَبُو المعالي بْن الجبّاب [٤] ، التّميميّ، السَّعْديّ، الأغلبيّ، الْمَصْرِيّ.
كَانَ جليسا لخليفة مصر، من أجِلّاء الأدباء، وكبار الإلِبّاء [٥] .
تُوُفّي عَنْ نيِّفٍ وسبعين سنة. وهو والد عَبْد القويّ راوي «السّيرة» .
стр. 18335
ومن شِعره:
ومن عجب [١] أنّ السُّيُوف لديهمُ ... تَحِيض دَماءً [٢] وَالسُّيُوفُ ذُكُورُ [٣]
وأعجبُ من ذا أنّها في أَكُفّهْم ... تأجَّجُ نارا، والأَكُفُّ بُحورُ [٤]
٢٣- عَبْد القادر بْن أَبِي صالح عَبْد اللَّه بن جبليّ دوست [٥] .
стр. 18336
وزاد بعض النّاس فِي نَسَبه إلى أن وصله بالحسن بْن عَلي ﵁ فقال: ابن أَبِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن يحيى الزّاهد بْن مُحَمَّد بْن دَاوُد بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه المحض بْن حَسَن المثنّى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁.
الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجِيليّ [١] ، الحنبليّ، الزّاهد، صاحب الكرامات والمقامات، وشيخ الحنابلة رحمة [٢] اللَّه عَلَيْهِ. وُلِد بجيلان فِي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وقدِم بغدادَ شابّا، فتفقّه عَلَى القاضي أَبِي سعد المُخَرّميّ [٣] .
وسمع الحديث من: أَبِي بَكْر أحمد بْن المظفَّر بْن سَوْسَن التّمّار، وأبي غالب الباقِلّانيّ، وأبي القاسم بْن بَيَان الرّزّاز، وأبي مُحَمَّد جَعْفَر السّرّاج، وأبي سعد بْن خُشَيْش، وأبي طَالِب بْن يوسف، وجماعة.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي الْقُرَشِيّ، وولداه عَبْد الرّزّاق وموسى ابنا عَبْد القادر، والحافظ عَبْد الغنيّ، والشّيخ الموفّق، ويحيى بْن سعد اللَّه التِّكْريتيّ، والشّيخ عَلي بْن إدريس اليعقوبيّ، وأحمد بْن مطيع الباجِسْرائيّ [٤] ، وأبو هُرَيْرَةَ مُحَمَّد بْن لَيْث بْن الوَسَطانيّ، وأكمل بْن مَسْعُود الهَاشميّ، وطائفة آخرهم وفاة أَبُو طَالِب عَبْد اللّطيف بْن مُحَمَّد بْن القُبَّيْط [٥] .
وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد بن أحمد بْن مَسْلَمَة. وكان إمام زمانه، وقُطْب عصره، وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة.
قَالَ ابن السَّمعانيّ: أَبُو مُحَمَّد عَبْد القادر فخر أهل جِيلان، إمام الحنابلة وشيخهم فِي عصره، فقيهٌ صالح ديّن، كثير الذِّكْر دائم الفِكر سريع الدّمعة. تفقَّه عَلَى المُخَرِّمي، وصحِبَ الشَّيْخ حمّاد الدّبّاس.
قَالَ: وكان يسكن باب الأزج في المدرسة الّتي بنو لَهُ. مضيت يوما لأودّع رفيقا لي، فلمّا انصرفنا قَالَ لي بعض من كَانَ معي: ترغب فِي زيارة عَبْد القادر والتَّبرُّك بِهِ؟ فمضينا ودخلت مدرسته، وكانت بكرة، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فلمّا فرغنا أردتُ أن أقوم، فأجلسني وقال:
حتّى نفرغ من الدَّرْس. فألقى درسا عَلَى أصحابه، ما فهمت منه شيئا.
وأعجب من هذا أنّ أصحابه قاموا وأعادوا ما درّس لهم، فلعلّهم فهموا لإلْفهم بكلامه وعبارته [١] .
وقال أَبُو الفَرَج بْن الْجَوْزيّ [٢] : وكان أَبُو سعد المُخَرَّميّ قد بنى [٣] مدرسة لطيفة بباب الأَزَج، ففوِّضت إلى عَبْد القادر، فتكلّم عَلَى النّاس بلسان الوعظ، وظهر لَهُ صِيتٌ بالزُّهْد. وكان لَهُ سَمْتٌ وصَمْت، وضاقت المدرسة بالنّاس.
وكان يجلس عند سور بغداد، مستِندًا إلى الرباط، ويتوب عنده فِي المجلس خلقٌ كثير، فعُمِّرَت المدرسةُ ووُسِّعَت. وتعصّب فِي ذَلِكَ العوامّ.
وأقام بها يُدرّس ويعظ إلى أن تُوُفّي.
قلت: لم تَسَعْ مَرَارةُ ابن الجوزيّ بأن يترجمه بأكثر من هذا، لما فِي قلبه لَهُ من البُغْض، نعوذ باللَّه من الهوى [٤] .
стр. 18339
أنبأنا أَبُو بَكْر بْن طَرْخان أنّ الشَّيْخ الموفَّق أخبرهم، وقد سُئل عَنِ الشَّيْخ عَبْد القادر ﵁: أدركناه فِي آخر عُمره، فأسكننا فِي مدرسته، وكان يُعنَى بنا، ورُبّما أرسل إلينا ابنه يحيى، فيُسْرِج لنا السِّراج، وربّما يرسل إلينا طعاما من منزله. وكان يُصلّي الفريضة بنا إماما، وكنت أقرأ عَلَيْهِ من حِفْظي من كتاب الخِرَقيّ غُدْوةً، ويقرأ عَلَيْهِ الحافظ عَبْد الغنيّ من كتاب «الهداية» . وما كَانَ أحد يقرأ عَلَيْهِ ذَلِكَ الوقت سوانا، فأقمنا عنده شهرا وتسعة أيّام، ثمّ مات، وصلَّينا عَلَيْهِ ليلا فِي مدرسته. ولم يسمع عَنْ أحدٍ يُحكى عَنْهُ من الكرامات أكثر مما يُحْكى عَنْهُ، ولا رَأَيْت أحدا يعظّمه النّاسُ من أجل الدّين أكثر منه. وسمعنا عَلَيْهِ أجزاء يسيرة [١] .
قرأت بخطّ السّيف ابن المجد الحافظ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن محمود المَرَاتِبيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخ أَبَا بَكْر العماد ﵀ قَالَ: كنت قد قرأت فِي أُصول الدّين، فأوقع عندي شكّا، فقلت حتّى أمضي إلى مجلس الشَّيْخ عَبْد القادر، فقد ذكر أَنَّهُ يتكلّم عَلَى الخواطر. فمضيت إلى مجلسه وهو يتكلَّم فقال: اعتقادنا اعتقاد السَّلَف الصّالح والصّحابة. فقلت فِي نفسي:
هذا قاله اتّفاقا. فتكلّم ثمّ التفت إلى النّاحية الّتي أَنَا فيها، فأعاد القول، فقلت: الواعظ يلتفت مرّة هكذا، ومرّة هكذا. فالتفت إليَّ وقال: يا أَبَا بَكْر، وأعاد القول، قُمْ فقد جاء أَبوك، وكان غائبا. فقمت مبادرا إلى بيتنا، وإذا أَبِي فقد جاء [٢] .
стр. 18340
قلت: ونظير هذه الحكاية ما حَدَّثَنَا الفقيه أَبُو القاسم بْن مُحَمَّد بْن خَالِد قَالَ:
حدّثني شيخنا جمال الدّين يحيى بْن الصَّيرفيّ: سَمِعْتُ أَبَا البقاء النَّحْويّ قَالَ: حضرت مجلس الشَّيْخ عَبْد القادر، فقرءوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: تُرَى لأيّ شيءٍ لا يُنْكر الشَّيْخ هذا. فقال الشَّيْخ: يجيءُ واحدٌ قد قرأ أبوابا من الفِقْه يُنكر. فقلت فِي نفسي: لعلّ أَنَّهُ قصد غيري. فقال: إيّاك نعني بالقَول. فتبت فِي نفسي من اعتراضي عَلَى الشَّيْخ. فقال: قد قبل اللَّه توبتك [١] .
وسمعت شيخنا ابن تَيْميَة يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخ عزّ الدّين أحمد الفاروثيّ [٢] : سَمِعْتُ شيخنا شهاب الدّين السُّهْرَوَرْدِيّ يَقُولُ: عَزَمْتُ عَلَى الاشتغال بالكلام وأُصول الدّين، فقلت في نفسي: أستشير الشَّيْخ عَبْد القادر.
فأتيتُه فقال قبل أن أنطِق: يا عُمَر، ما هُوَ من عُدَّة القبر، يا عُمَر ما هُوَ من عُدَّة القبر.
قَالَ: فتركته [٣] .
وقال أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن محمود المَرَاتِبيّ: قلت للشّيخ الموفَّق: هَلْ لسماع الحديث عند ابن شافع، فكلّ ما سمعناه لم ننتفع بِهِ.
قَالَ السّيف: يعني لنزول ذَلِكَ [٤] . وذلك أنّهم سمعوا منه «المسند» و «البخاريّ» .
وقال شيخنا أبو الحسين اليُونينيّ [٥] : سَمِعْتُ الشَّيْخ عزّ الدّين بْن عَبْد
стр. 18341
السّلام يَقُولُ: ما نُقِلت إلينا كرامات أحدٍ بالتّواتر إلّا الشَّيْخ عَبْد القادر، فقيل لَهُ هذا مَعَ اعتقاده، فكيف هذا؟ قَالَ: لازمُ المذهب لَيْسَ بمذْهب [١] .
وقال ابن النّجّار فِي ترجمة الشَّيْخ عَبْد القادر: دخل بغداد سنة ثمانٍ وثمانين، وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه عَلَى: أَبِي الوفاء بْن عَقِيل، وأبي الْخَطَّاب، وأبي سعد المبارك المُخَرِّميّ، وأبي الْحُسَيْن بْن الفرّاء، حتّى أحكم الأُصُولَ، والفُروع، والخِلاف.
وسمع الحديث، فذكر شيوخه.
قَالَ: وقرأ الأدب عَلَى أَبِي زكريّا التِّبْريزيّ، واشتغل بالوعْظ إلى أن برز فِيهِ. ثمّ لازَم الخُلْوة، والرّياضة، والسّياحة، والمجاهَدَة، والسَّهر، والمُقام فِي الخراب والصّحراء. وصحِب الشَّيْخ حمّادَ الدّبّاس، وأخذ عَنْهُ علم الطّريق. ثمّ إنّ اللَّه تعالى أظهره للخلْق، وأوقع لَهُ الْقَبُولَ العظيم، فعقد مجلس الوعْظ في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وأظهر اللَّه الحكمةَ عَلَى لسانه.
ثمّ جلس فِي مدرسة شيخه أَبِي سعد للتّدريس والفتوى فِي سنة ثمانٍ وعشرين، وصار يُقصد بالزّيارة والنُّذُور. وصنِّف في الأصول والفُروع، وله كلامٌ عَلَى لسان أهل الطّريقة عالٍ.
روى لنا عَنْهُ ولدُه عَبْد الرّزّاق، وأحمد بْن البَنْدَنيجيّ [٢] ، وابن القُبَّيْطيّ، وغيرهم.
كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ [٣] بخطّه قَالَ: قَالَ لي الشّيخ
стр. 18342
عَبْد القادر: طالَبَتْني نفسي يوما بشهوةٍ، فكنت أُضاجِرُها، وأدخل فِي دربٍ وأخرج إلى دربٍ أطلب الصّحراء، فبينما أَنَا أمشي، إذ رَأَيْت رُقْعةً مُلْقاةً، فإذا فيها: ما للأقوياء والشَّهَوات، إنّما خُلِقت الشَّهَوات للضُّعَفاء ليتقَوَّوا بها عَلَى طاعتي. فلمّا قرأتها خرجَتْ تلك الشَّهوة من قلبي.
قَالَ: وقال لي: كنت أقتات بخرنوب الشَّوك، وورق الخسّ من جانب النّهر [١] .
قرأت بخطّ أَبِي بَكْر عَبْد اللَّه بْن نصر بْن حمزة التَّيْميّ: سَمِعْتُ عَبْد القادر الْجِيليّ قَالَ: بلغت بي الضّائقة فِي غلاءٍ نزل ببغداد، إلى أنْ بقيت أيّاما لا آكل فيها طعاما بل أتتبَّع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشَّطّ لعلّي أجد ورق الخسّ والبقل، فما ذهبتُ إلى موضع إلّا وجدت غيري قد سبقني إِلَيْهِ، فرجعت أمشي فِي البلد، فلا أدرك موضعا قد كَانَ فِيهِ شيءٌ منبوذٌ إلّا وقد سُبِقْتُ إِلَيْهِ، فأجْهَدَني الضَّعْفُ، وعجزت عَنِ التّماسُك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدتُ أصافح الموتَ، إذ دخل شابٌّ أعجميّ ومعه خُبزٌ وشِواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلّما رفع يده بالُّلْقمة أن أفتح فمي من شدَّة الجوع، حتّى أنكرت ذَلِكَ عَلَى نفسي، إذ التفَتَ فرآني، فقال: بسم الله، فأبيت، فأقسم عليّ، فبادرت نفسي إلى إجابته، فأبيت مخالفا لها ولهواها، فأقسم عليّ، فأجبْتُهُ، وأكلت مقصِّرًا، وأخذ يسألني: ما شُغلُكَ، ومن أَيْنَ أنت؟
فقلت: أمّا شغْلي فمتفقّه، وأمّا من أَيْنَ، فمن جِيلان. فقال: وأنا والله من جِيلان، فهل تعرف لي شابّا جيلانيّا اسمه عَبْد القادر، يُعرف بسِبْط أَبِي عَبْد اللَّه الصَّوْمعيّ الزّاهد؟ قلت: أَنَا هُوَ. فاضطرب لذلك، وتغيَّر وجهه، وقال: واللهِ يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد، ومعي بقيَّة نفقةٍ لي، فسألت عنك، فلم يُرشْدني أحدٌ، إلى أنْ نفدتْ نَفَقَتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيّام لا أجد ثمن قُوتي إلّا من مالك معي، فلمّا كَانَ هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتْني ثلاثة أيّام لم آكل فيها طعاما، وقد أحلّت لي الميتة، فأخذت من
стр. 18343
وديعتك ثمن هذا الخُبز والشِّواء، فكُلْ طيّبا، فإنّما هُوَ لك، وأنا ضيفك الآن.
فقلت: وما ذاك؟
قَالَ: أمّك وجّهت معي ثمانية دنانير، والله ما خُنْتُكَ فيها إلى اليوم.
فسكّنته وطيّبت نفسه، ودفعت إِلَيْهِ شيئا منها [١] .
كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ قَالَ: قَالَ لي الشَّيْخ عَبْد القادر: كنت فِي الصّحراء أكرّر الفقه وأنا فِي مشقَّةٍ من الفقر، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترضْ ما تستعين بِهِ عَلَى طلب الفِقْه. فقلت: كيف أقترض وأنا فقير، ولا وفاء لي؟
قَالَ: اقترض وعلينا الوفاء.
قَالَ: فجئت إلى بقّالٍ فقلت لَهُ: تعاملني بشرْط إذا سهّل اللَّه لي شيئا أعطيك، وإنْ متّ تجعلني فِي حِلّ، تعطيني كلَّ يومٍ رغيفا ورشادا.
قَالَ: فبكى وقال: يا سيّدي أَنَا بحُكْمك.
فأخذت منه مدَّةً، فضاق صدري. فأظنّ أَنَّهُ قَالَ: فقيل لي: امضِ إلى موضع كذا، فأيّ شيء رَأَيْت عَلَى الدّكَّة فخُذْه وادفعه إلى البَقَليّ. فلمّا جئت رَأَيْت عَلَى دكَّةٍ هناك قطعة ذهبٍ كبيرة، فأخذتُها وأعطيتها للبقليّ [٢] .
قَالَ: ولحِقَني الجنون مرَّةً، وحُمِلت إلى المارِستان، وطرقتني الأحوال حتّى متّ، وجاءوا بالكَفَن، وجعلوني عَلَى المَغْسَل، ثمّ سُرِّيَ عنّي وقمت.
ثمّ وقع فِي نفسي أن أخرج من بغداد لكثْرة الفِتَن الّتي بها، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أَيْنَ تمشي؟ ودفعني دفعة حتّى خَرَرْتُ منها، وقال: ارجع، فإنّ للنّاس فيك مَنْفَعة. قلت: أريد سلامة دِيني. قَالَ: لك ذَلِكَ. ولم أر شخصه.
стр. 18344
ثمّ بعد ذَلِكَ طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاخترتُ بالظَّفَرّية، ففتح رَجُلٌ داره، وقال لي: يا عَبْد القادر، أيش طلبت البارحة؟
فنسيت وسكتّ، فاغتاظ منّي، ودفع الباب فِي وجهي دفعة عظيمة، فلمّا مَشيتُ ذكرت الَّذِي سَأَلت اللَّهَ، فرجعت أطلب الباب، فلم أعرفه. وكان حمّادا الدّبّاس. ثمّ عرفته بعد ذَلِكَ، وكتب لي جميع ذَلِكَ ممّا كنت يُشكِلُ عليّ. وكنت إذا غبْتُ عَنْهُ لطلب العِلم ورجعت إِلَيْهِ يَقُولُ: أيْش جاء بَك إلينا؟ أنت فقيه، مُرّ إلى الفُقهاء. وأنا أسكت.
فلمّا كَانَ يوم جمعة، خرجت مَعَ الجماعة معه إلى الصّلاة فِي شدَّة البرد، فلمّا وصلنا إلى قنطرة النّهر، دفعني النّاس فِي الماء. فقلت: غُسْل الجمعة، بسم الله.
وكان عليّ جُبَّة صوف، وفي كمّي أجزاء، فرفعت كُمّي لئلّا تهلك الأجزاء، وخلّوني ومشوا، فعصرت الْجُبَّة، وتبِعْتُهم، وتأذّيت من البرد كثيرا.
وكان الشَّيْخ يؤذيني ويضربني، وإذا غبت وجئت يَقُولُ: قد جاءنا اليوم الخُبْز الكثير والفالوذَج، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشة عليك، فطمع فِيَّ أصحابه وقالوا: أنت فقيه، أيْش تعمل معنا؟ فلمّا رآهم الشَّيْخ يُؤْذوني غار لي، وقال لهم: يا كلاب، لِمَ تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنّما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلا لا يتحرَّك.
ثمّ بعد مدَّةٍ قدِم رَجُلٌ من هَمَذَان يقال له يوسف الهَمَذَانيّ، وكان يقال لَهُ القُطْب، ونزل فِي رِباط، فلمّا سَمِعْتُ بِهِ مشيت إلى الرّباط، فلم أره، فسألت عَنْهُ، فقيل: هُوَ في السّرداب، فنزلت إليه، فلمّا آني قام وأجلسني وفَرَشَني، وذكر لي جميع أحوالي، وحلّ لي المُشْكِل عليّ، ثمّ قَالَ لي:
تتكلّم عَلَى النّاس. فقلت: يا سيّدي أَنَا رَجُل أعجميّ قحّ، أخرس، أيْش أتكلّم عَلَى فُصَحاء بغداد؟
فقال لي: أنت حفظتَ الفِقْه وأُصوله، والخلاف، والنَّحْو، واللّغة،
стр. 18345
وتفسير القرآن، لا يصلح لك أنْ تتكلّم؟ اصعد عَلَى الكُرْسيّ، وتكلَّم عَلَى النّاس، فإنّي أرى فيك عِذْقًا سيصير نخلة [١] .
قَالَ: وقال لي الشَّيْخ عَبْد القادر: كنت أؤمَر وَأُنْهَى فِي النّوم واليَقَظَة، وكان يغلب عليّ الكلام، ويزدحم عَلَى قلبي إنْ لم أتكلّم حتّى أكاد أختنق، ولا أقدر أن أسكت. وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثمّ تَسَامَع النّاس بي، وازدحم عليّ الخلْق، حتّى صار يحضر المجلسَ نحوٌ من سبعين ألفا.
وقال لي: فتّشت الأعمال كلّها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطّعام، أودّ لو أنّ الدّنيا بيدي فأُطْعمها الجياع.
وقال لي: كفّي مثقوبة لا تضبط شيئا، لو جاءني ألفُ دينار لم أبيّتها.
وكان إذا جاءه أحدٌ بذَهَبٍ يَقُولُ لَهُ: ضَعْها تحت السّجّادة.
وقال لي: أتمنّى أن أكون فِي الصَّحَاري والبراري، لما كنت فِي أوّل الأمر، لا أرى الخلْق ولا يروني.
ثمّ قَالَ: أراد اللَّه منّي منفعة الخلْق، فإنّه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب عَلَى يدي من العَيّارين والمشّالحة أكثرُ من مائة ألف، وهذا خيرٌ كثير.
وقال لي: ترِدُ عليّ الأثقال الكثيرة، ولو وُضِعت عَلَى الجبال تفسَّخَتْ، فأضع جنْبي عَلَى الأرض، وأقرأ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٩٤: ٥- ٦ [٢] ثمّ أرفع رأسي وقد انفرجت عنّي.
وقال لي: إذا ولد لي ولدٌ أخذته عَلَى يدي، وأقول هذا ميّت. فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثّر عندي موتُهُ شيئا [٣] .