← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 18341–18380 · переход к 18346.

стр. 18341

السّلام يَقُولُ: ما نُقِلت إلينا كرامات أحدٍ بالتّواتر إلّا الشَّيْخ عَبْد القادر، فقيل لَهُ هذا مَعَ اعتقاده، فكيف هذا؟ قَالَ: لازمُ المذهب لَيْسَ بمذْهب [١] . وقال ابن النّجّار فِي ترجمة الشَّيْخ عَبْد القادر: دخل بغداد سنة ثمانٍ وثمانين، وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه عَلَى: أَبِي الوفاء بْن عَقِيل، وأبي الْخَطَّاب، وأبي سعد المبارك المُخَرِّميّ، وأبي الْحُسَيْن بْن الفرّاء، حتّى أحكم الأُصُولَ، والفُروع، والخِلاف. وسمع الحديث، فذكر شيوخه. قَالَ: وقرأ الأدب عَلَى أَبِي زكريّا التِّبْريزيّ، واشتغل بالوعْظ إلى أن برز فِيهِ. ثمّ لازَم الخُلْوة، والرّياضة، والسّياحة، والمجاهَدَة، والسَّهر، والمُقام فِي الخراب والصّحراء. وصحِب الشَّيْخ حمّادَ الدّبّاس، وأخذ عَنْهُ علم الطّريق. ثمّ إنّ اللَّه تعالى أظهره للخلْق، وأوقع لَهُ الْقَبُولَ العظيم، فعقد مجلس الوعْظ في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وأظهر اللَّه الحكمةَ عَلَى لسانه. ثمّ جلس فِي مدرسة شيخه أَبِي سعد للتّدريس والفتوى فِي سنة ثمانٍ وعشرين، وصار يُقصد بالزّيارة والنُّذُور. وصنِّف في الأصول والفُروع، وله كلامٌ عَلَى لسان أهل الطّريقة عالٍ. روى لنا عَنْهُ ولدُه عَبْد الرّزّاق، وأحمد بْن البَنْدَنيجيّ [٢] ، وابن القُبَّيْطيّ، وغيرهم. كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ [٣] بخطّه قَالَ: قَالَ لي الشّيخ

стр. 18342

عَبْد القادر: طالَبَتْني نفسي يوما بشهوةٍ، فكنت أُضاجِرُها، وأدخل فِي دربٍ وأخرج إلى دربٍ أطلب الصّحراء، فبينما أَنَا أمشي، إذ رَأَيْت رُقْعةً مُلْقاةً، فإذا فيها: ما للأقوياء والشَّهَوات، إنّما خُلِقت الشَّهَوات للضُّعَفاء ليتقَوَّوا بها عَلَى طاعتي. فلمّا قرأتها خرجَتْ تلك الشَّهوة من قلبي. قَالَ: وقال لي: كنت أقتات بخرنوب الشَّوك، وورق الخسّ من جانب النّهر [١] . قرأت بخطّ أَبِي بَكْر عَبْد اللَّه بْن نصر بْن حمزة التَّيْميّ: سَمِعْتُ عَبْد القادر الْجِيليّ قَالَ: بلغت بي الضّائقة فِي غلاءٍ نزل ببغداد، إلى أنْ بقيت أيّاما لا آكل فيها طعاما بل أتتبَّع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشَّطّ لعلّي أجد ورق الخسّ والبقل، فما ذهبتُ إلى موضع إلّا وجدت غيري قد سبقني إِلَيْهِ، فرجعت أمشي فِي البلد، فلا أدرك موضعا قد كَانَ فِيهِ شيءٌ منبوذٌ إلّا وقد سُبِقْتُ إِلَيْهِ، فأجْهَدَني الضَّعْفُ، وعجزت عَنِ التّماسُك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدتُ أصافح الموتَ، إذ دخل شابٌّ أعجميّ ومعه خُبزٌ وشِواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلّما رفع يده بالُّلْقمة أن أفتح فمي من شدَّة الجوع، حتّى أنكرت ذَلِكَ عَلَى نفسي، إذ التفَتَ فرآني، فقال: بسم الله، فأبيت، فأقسم عليّ، فبادرت نفسي إلى إجابته، فأبيت مخالفا لها ولهواها، فأقسم عليّ، فأجبْتُهُ، وأكلت مقصِّرًا، وأخذ يسألني: ما شُغلُكَ، ومن أَيْنَ أنت؟ فقلت: أمّا شغْلي فمتفقّه، وأمّا من أَيْنَ، فمن جِيلان. فقال: وأنا والله من جِيلان، فهل تعرف لي شابّا جيلانيّا اسمه عَبْد القادر، يُعرف بسِبْط أَبِي عَبْد اللَّه الصَّوْمعيّ الزّاهد؟ قلت: أَنَا هُوَ. فاضطرب لذلك، وتغيَّر وجهه، وقال: واللهِ يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد، ومعي بقيَّة نفقةٍ لي، فسألت عنك، فلم يُرشْدني أحدٌ، إلى أنْ نفدتْ نَفَقَتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيّام لا أجد ثمن قُوتي إلّا من مالك معي، فلمّا كَانَ هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتْني ثلاثة أيّام لم آكل فيها طعاما، وقد أحلّت لي الميتة، فأخذت من

стр. 18343

وديعتك ثمن هذا الخُبز والشِّواء، فكُلْ طيّبا، فإنّما هُوَ لك، وأنا ضيفك الآن. فقلت: وما ذاك؟ قَالَ: أمّك وجّهت معي ثمانية دنانير، والله ما خُنْتُكَ فيها إلى اليوم. فسكّنته وطيّبت نفسه، ودفعت إِلَيْهِ شيئا منها [١] . كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ قَالَ: قَالَ لي الشَّيْخ عَبْد القادر: كنت فِي الصّحراء أكرّر الفقه وأنا فِي مشقَّةٍ من الفقر، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترضْ ما تستعين بِهِ عَلَى طلب الفِقْه. فقلت: كيف أقترض وأنا فقير، ولا وفاء لي؟ قَالَ: اقترض وعلينا الوفاء. قَالَ: فجئت إلى بقّالٍ فقلت لَهُ: تعاملني بشرْط إذا سهّل اللَّه لي شيئا أعطيك، وإنْ متّ تجعلني فِي حِلّ، تعطيني كلَّ يومٍ رغيفا ورشادا. قَالَ: فبكى وقال: يا سيّدي أَنَا بحُكْمك. فأخذت منه مدَّةً، فضاق صدري. فأظنّ أَنَّهُ قَالَ: فقيل لي: امضِ إلى موضع كذا، فأيّ شيء رَأَيْت عَلَى الدّكَّة فخُذْه وادفعه إلى البَقَليّ. فلمّا جئت رَأَيْت عَلَى دكَّةٍ هناك قطعة ذهبٍ كبيرة، فأخذتُها وأعطيتها للبقليّ [٢] . قَالَ: ولحِقَني الجنون مرَّةً، وحُمِلت إلى المارِستان، وطرقتني الأحوال حتّى متّ، وجاءوا بالكَفَن، وجعلوني عَلَى المَغْسَل، ثمّ سُرِّيَ عنّي وقمت. ثمّ وقع فِي نفسي أن أخرج من بغداد لكثْرة الفِتَن الّتي بها، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أَيْنَ تمشي؟ ودفعني دفعة حتّى خَرَرْتُ منها، وقال: ارجع، فإنّ للنّاس فيك مَنْفَعة. قلت: أريد سلامة دِيني. قَالَ: لك ذَلِكَ. ولم أر شخصه.

стр. 18344

ثمّ بعد ذَلِكَ طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاخترتُ بالظَّفَرّية، ففتح رَجُلٌ داره، وقال لي: يا عَبْد القادر، أيش طلبت البارحة؟ فنسيت وسكتّ، فاغتاظ منّي، ودفع الباب فِي وجهي دفعة عظيمة، فلمّا مَشيتُ ذكرت الَّذِي سَأَلت اللَّهَ، فرجعت أطلب الباب، فلم أعرفه. وكان حمّادا الدّبّاس. ثمّ عرفته بعد ذَلِكَ، وكتب لي جميع ذَلِكَ ممّا كنت يُشكِلُ عليّ. وكنت إذا غبْتُ عَنْهُ لطلب العِلم ورجعت إِلَيْهِ يَقُولُ: أيْش جاء بَك إلينا؟ أنت فقيه، مُرّ إلى الفُقهاء. وأنا أسكت. فلمّا كَانَ يوم جمعة، خرجت مَعَ الجماعة معه إلى الصّلاة فِي شدَّة البرد، فلمّا وصلنا إلى قنطرة النّهر، دفعني النّاس فِي الماء. فقلت: غُسْل الجمعة، بسم الله. وكان عليّ جُبَّة صوف، وفي كمّي أجزاء، فرفعت كُمّي لئلّا تهلك الأجزاء، وخلّوني ومشوا، فعصرت الْجُبَّة، وتبِعْتُهم، وتأذّيت من البرد كثيرا. وكان الشَّيْخ يؤذيني ويضربني، وإذا غبت وجئت يَقُولُ: قد جاءنا اليوم الخُبْز الكثير والفالوذَج، وأكلنا وما خبّأنا لك وحشة عليك، فطمع فِيَّ أصحابه وقالوا: أنت فقيه، أيْش تعمل معنا؟ فلمّا رآهم الشَّيْخ يُؤْذوني غار لي، وقال لهم: يا كلاب، لِمَ تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنّما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلا لا يتحرَّك. ثمّ بعد مدَّةٍ قدِم رَجُلٌ من هَمَذَان يقال له يوسف الهَمَذَانيّ، وكان يقال لَهُ القُطْب، ونزل فِي رِباط، فلمّا سَمِعْتُ بِهِ مشيت إلى الرّباط، فلم أره، فسألت عَنْهُ، فقيل: هُوَ في السّرداب، فنزلت إليه، فلمّا آني قام وأجلسني وفَرَشَني، وذكر لي جميع أحوالي، وحلّ لي المُشْكِل عليّ، ثمّ قَالَ لي: تتكلّم عَلَى النّاس. فقلت: يا سيّدي أَنَا رَجُل أعجميّ قحّ، أخرس، أيْش أتكلّم عَلَى فُصَحاء بغداد؟ فقال لي: أنت حفظتَ الفِقْه وأُصوله، والخلاف، والنَّحْو، واللّغة،

стр. 18345

وتفسير القرآن، لا يصلح لك أنْ تتكلّم؟ اصعد عَلَى الكُرْسيّ، وتكلَّم عَلَى النّاس، فإنّي أرى فيك عِذْقًا سيصير نخلة [١] . قَالَ: وقال لي الشَّيْخ عَبْد القادر: كنت أؤمَر وَأُنْهَى فِي النّوم واليَقَظَة، وكان يغلب عليّ الكلام، ويزدحم عَلَى قلبي إنْ لم أتكلّم حتّى أكاد أختنق، ولا أقدر أن أسكت. وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثمّ تَسَامَع النّاس بي، وازدحم عليّ الخلْق، حتّى صار يحضر المجلسَ نحوٌ من سبعين ألفا. وقال لي: فتّشت الأعمال كلّها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطّعام، أودّ لو أنّ الدّنيا بيدي فأُطْعمها الجياع. وقال لي: كفّي مثقوبة لا تضبط شيئا، لو جاءني ألفُ دينار لم أبيّتها. وكان إذا جاءه أحدٌ بذَهَبٍ يَقُولُ لَهُ: ضَعْها تحت السّجّادة. وقال لي: أتمنّى أن أكون فِي الصَّحَاري والبراري، لما كنت فِي أوّل الأمر، لا أرى الخلْق ولا يروني. ثمّ قَالَ: أراد اللَّه منّي منفعة الخلْق، فإنّه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب عَلَى يدي من العَيّارين والمشّالحة أكثرُ من مائة ألف، وهذا خيرٌ كثير. وقال لي: ترِدُ عليّ الأثقال الكثيرة، ولو وُضِعت عَلَى الجبال تفسَّخَتْ، فأضع جنْبي عَلَى الأرض، وأقرأ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٩٤: ٥- ٦ [٢] ثمّ أرفع رأسي وقد انفرجت عنّي. وقال لي: إذا ولد لي ولدٌ أخذته عَلَى يدي، وأقول هذا ميّت. فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثّر عندي موتُهُ شيئا [٣] .

стр. 18346

وقال ابن النّجّار: سَمِعْتُ عَبْد الرّزّاق بْن عَبْد القادر يَقُولُ: وُلِد لوالدي تسعٌ وأربعون ولدا، سبعةٌ وعشرون ذَكَرًا، والباقي إناث [١] . وقال: كتب إليَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْحَسَن الْجُبّائيّ قَالَ: كنت أسمع كتاب «الحلْية» عَلَى ابن ناصر، فَرَقَّ قلبي، وقلت فِي نفسي: اشتهيت أن أنقطع عَن الخلْق وأشتغل بالعبادة. ومضيت فصلَّيتُ خلْف الشَّيْخ عَبْد القادر، فلمّا صلّى جلسنا، فنظر إليَّ وقال إذا أردتَ الانقطاع، فلا تنقطعْ حتّى تتفقَّه، وتجالس الشّيوخ، وتتأدَّب، وإلّا تنقطع وأنت فُرَيْخ ما رَيَّشْتَ [٢] . قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّاهِدُ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ابْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الثَّنَاءِ بْنَ أَبِي الْبَرَكَاتِ النَّهْرَ مَلْكِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي صَدِيقٌ لِي: قَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ لا يَقَعُ عَلَى ثِيَابِهِ الذُّبَابُ. فَقُلْتُ: مَا لِي عِلْمٌ بِهَذَا. ثُمَّ بَكَّرْنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحَضَرْنَا مَجْلِسَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَإِلَيْهِ وَقَالَ: أَيْشَ يَعْمَلُ الذُّبَابُ عِنْدِي، لا دِبْسُ الدُّنْيَا، وَلا عَسَلُ الآخِرَةِ [٣] . قَالَ: وأنبأنا أَبُو البقاء عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن الحنبليّ: سَمِعْتُ يحيى بْن نجاح الأديب يَقُولُ: قلت فِي نفسي: أريد أُحصي كم يقصّ الشَّيْخ عَبْد القادر شَعْرًا من التُّوَّاب. فحضرت المجلسَ ومعي خَيْط، فكلّما قصّ شَعْرًا عقدت عُقْدةً تحت ثيابي، من الخيط، وأنا فِي آخر النّاس، وإذا بِهِ يَقُولُ: أَنَا أحلُّ، وأنت تعقد؟! [٤] . قَالَ: وسمعت شيخ الصُّوفيَّة عُمَر بْن محمد السّهرورديّ يقول: كنت

стр. 18347

أتفقّه فِي صباي، فخطر لي أن أقرأ شيئا من عِلْم الكلام، عزمت عَلَى ذَلِكَ من غير أن أتكلَّم بِهِ، فاتّفق أنّي صلّيتُ مَعَ عمّي الشَّيْخ أَبِي النّجيب، فحضر عنده الشَّيْخ عَبْد القادر مسلِّمًا، فسأله عمّي الدّعاء لي، وذكر لَهُ أنّي مشتغل بالفِقه. وقمت فقبّلت يده، فأخذ يدي وقال لي: تُبْ ممّا عزمتَ عَلَى الاشتغال بِهِ، فإنّك تُفْلِح. ثمّ سكتَ وترك يدي، ولم يتغيَّر عزمي عَنِ الاشتغال بالكلام، حتّى شُوِّشَتْ عليّ جميعُ أحوالي، وتكدَّر وقتي عليّ، فعلمت أنّ ذَلِكَ بمخالفة الشَّيْخ [١] . قَالَ: وسمعت أَبَا مُحَمَّد بْن الأخضر يَقُولُ: كنت أدخل عَلى الشَّيْخ عَبْد القادر فِي وسط الشّتاء وقوّة برْده، وعليه قميصٌ واحدٌ، وعلى رأسه طاقيَّة، وحوله من يُروّحه بالمِرْوحة، والعَرَق يخرج من جسده كما يكون فِي شدة الحرّ [٢] . قَالَ: وسمعت عَبْد العزيز بْن عَبْد الملك الشَّيْبانيّ: سَمِعْتُ الحافظ عَبْد الغنيّ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّد بْن الخشّاب النَّحْويّ يَقُولُ: كنت وأنا شابّ أقرأ النَّحْو، وأسمع النّاس يصفون حُسْن كلام الشَّيْخ عَبْد القادر، فكنت أريد أن أسمعه، ولا يتَّسع وقتي لذلك، فاتّفق أنْ حضرتُ يوما مجلسَه، فلمّا تكلَّم لم أَستحسن كلامه، ولم أفهمْهُ، فقلت فِي نفسي: ضاع اليوم منّي. فالتفَتَ إلى الجهة الّتي كنت فيها وقال: وَيْلَكَ تُفَضّل النَّحْو عَلَى مجالِس الذِّكْر، وتختار [ذَلِكَ] [٣] ؟! اصْحَبْنا نُصَيِّرُكَ سِيبَوَيْه. وقال: حكى شيخنا أحمد بْن ظَفَر بْن الوزير ابن هُبَيْرة قَالَ: سَأَلْتُ جدّي أنْ يأذن لي إلى الشَّيْخ عَبْد القادر، فأذِن لي، وأعطاني مبلغا من الذَّهب، وأمرني أنْ أدفعه إِلَيْهِ، وتقدم إليَّ بالسّلام عَلَيْهِ. فحضرت، فلمّا انقضى المجلس ونزل عَنِ المِنْبر، سلّمت عَلَيْهِ، وتحرَّجت من دفع الذّهب

стр. 18348

إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْجَمْع، فبادرني الشَّيْخ سابقا لفِكرتي وقال: هاتِ ما معك، ولا عليك من النّاس، وَسَلِّمْ عَلَى الوزير. قَالَ: ففعلت وانصرفت مدهوشا [١] . وقال أَبُو بَكْر عَبْد اللَّه بْن نصر الهاشميّ: حدَّثني أَبُو الْعَبَّاس أحمد بن المبارك المرقعاتيّ قَالَ: صحبْتُ الشَّيْخ عَبْدَ القادر [٢] . وقال صاحب «مرآة الزّمان» [٣] : كَانَ سكوت الشَّيْخ عَبْد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلَّم عَلَى الخواطر، فظهر لَهُ صِيت عظيم، وَقَبُولٌ تامّ. وما كَانَ يخرج من مدرسته إلّا يوم الجمعة، أو إلى الرباط. وتاب عَلَى يده مُعظَم أهل بغداد، وأسلم معظم اليهود والنّصارى. وما كَانَ أحدٌ يراه إلّا فِي أوقات الصّلاة. وكان يصدع بالحقّ عَلَى المنبر، ويُنْكِر عَلَى من يولّي الظَّلَمَةَ عَلَى النّاس. ولمّا ولّي المقتفي القاضي ابن المرخّم الظّالم، قَالَ عَلَى المنبر: ولّيت عَلَى المسلمين ظُلْمَ الظَّالمين، ما جوابك غدا عند ربّ العالمين؟ وكان لَهُ كرامات ظاهرة. لقد أدركت جماعة من مشايخنا يحكون منها جملة. حكى لي خالي لأمّي خاصّبَك قَالَ: كَانَ الشَّيْخ عَبْد القادر يجلس يوم الأحد، فبِتُّ مهتّما بحضور مجلسه، فاتّفق أنّني احتلمتُ، وكانت ليلة باردة، فقلت ما أُفَوِّت مجلسه، وإذا انقضى المجلس اغتسلتُ. وجئت إلى المدرسة والشّيخ عَلَى المِنْبر، فساعة وقعتْ عينهُ عليّ قَالَ: يا زُبَيْر، تحضر مجلسنا وأنت جُنُبٌ وتحتجّ بالبرْد! وحكى لي مظفَّر الحربيّ، رَجُلٌ صالح، قَالَ: كنت أنام فِي مدرسة الشّيخ عبد

стр. 18349

القادر لأجل المجلس، فمضيت ليلة وصعدت عَلَى سُطُوح المدرسة، وكان الْحَرُّ شديدا، فاشتهيت الرُّطَبَ وقلت: يا إلهي وسيّدي، ولو أنّها خمس رُطَبَات. وقال: كَانَ للشّيخ بابٌ صغيرٌ فِي السّطح، ففتح الباب وخرج، وبيده خمسُ رُطَبَات، وصاح: يا مظفَّر، وما يعرفني، تعال خُذْ ما طلبتَ. قَالَ: ومن هذا شيءٌ كثير. قَالَ: وكان ابن يونس وزير الْإِمَام النّاصر قد قصد أولاد الشَّيْخ عَبْد القادر، وبدّد شملهم، وفعل فِي حقّهم كلَّ قبيح، ونفاهم إلى واسط، فبدَّد اللَّه شمل ابن يونس ومزّقه، ومات أقبح موتة. قلت: كَانَ الشَّيْخ ﵁ عديم النّظير، بعيد الصِّيت، رأسا فِي العِلْم والعمل. جمع الشَّيْخ نور الدّين الشَّطَنُوفيَّ المقرئ كتابا حافلا فِي سيرته وأخباره فِي ثلاث مجلّدات، أتى فِيهِ بالبَرَّة وأُذُن الْجَرَّةِ، وبالصّحيح والواهي والمكذوب، فإنّه كتب فِيهِ حكاياتٍ عَنْ قومٍ لا صِدْق لهم، كما حكوا أنّ الشَّيْخ مشى فِي الهواء من مِنْبره ثلاث عشرة خُطْوةً في المجلس، ومنها أنّ الشَّيْخ وعظ، فلم يتحرَّك أحدٌ فقال: أنتم لا تتحرَّكون ولا تَطْرُبون، يا قناديل اطربي. قَالَ: فتحرَّكت القناديل، ورقصت الأطباق. وفي الجملة فكراماته متواترة، ولم يخلف بعدَه مثله. تُوُفّي فِي عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستّين وله تسعون سنة، وشيَّعه خلْق لا يُحْصَوْن. قَالَ الْجُبّائيّ: كَانَ الشَّيْخ عَبْد القادر يَقُولُ: الخْلق حجابك عَنْ نفسك، ونفسك حجابك عَنْ ربّك [١] . ٢٤- عَبْد العزيز بْن عَلي بن مُحَمَّد بن سلمة [٢] .

стр. 18350

أَبُو الأَصْبَغ بْن الطّحّان الأندلسيّ، السُّمّانيّ، الإشبيليّ. ويُكنى أَبَا حُمَيْد أيضا. وُلِد سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة بإشبيليّة. وأخذ القراءات عن أبي العبّاس ابن عَيْشُون، وأبي الْحَسَن شُرَيْح وروى عَنْهُمَا. وعن: أَبِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرّزّاق الكلبيّ، ويحيى بْن سعادة، وأحمد بْن بقا صاحب أَبِي عَلي بْن سُكَّرَة. وروى مصنَّف النَّسَائيّ، عَنْ أَبِي مروان بْن مَسَرَّة، وروى أيضا عَنْ جَعْفَر بْن مكّيّ: وانتقل بأَخَرَة إلى مدينة فاس. ثمّ حجَّ ودخل إلى العراق، ثمّ إلى الشّام. وقرأ بواسط القراءات أيضا، وأقرأها. وكان بارِعًا فِي معرفتها وتعليلها. وله مصنَّف فِي الوقْف والابتداء. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الأَبّار [١] : حجّ، وسُمِع منه، وجلّ قدره، وصنَّف تصانيف، وكان أستاذا ماهرا فِي القراءات. روى عَنْهُ: عَبْد الحقّ الإشبيليّ، وعليّ بْن يونس. وأجاز لشيخنا أَبِي القاسم بْن بَقِيّ. وكانت رحلته سنة أربعٍ وخمسين. وقال ابن الدَّبِيثيّ [٢] : سَمِعْتُ غيرَ واحدٍ يَقُولُ: لَيْسَ بالمغرب أعلم بالقراءات من ابن الطَّحّان. قرأ عَلَيْهِ الأثير أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن أَبِي العلاء، وأبو طَالِب بْن عَبْد السّميع، ونعمة اللَّه بْن أحمد بْن أَبِي الهندباء، وغيرهم.

стр. 18351

وتُوُفّي بحلب بعد السّتّين [١] . قلت: كتبته فِي هذه السّنة ظَنًّا لا يقينا [٢] . ٢٥- عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي الفضل بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد [٣] . الفقيهُ أَبُو الفضائل الْأَنْصَارِيّ، الحَرَسْتانيّ [٤] ، الدّمشقيّ، الشّافعيّ. قَالَ الحافظ ابن عساكر: ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع: جمال الْإِسْلَام السُّلَميّ، وأبا الْحَسَن بْن قُبَيْس [٥] . ورحل فسمع ببغداد درْسَ أَبِي منصور ابن الرّزّاز، وبخُرَاسان درس مُحَمَّد بْن يحيى. وناب فِي التّدريس عَنِ ابن عصرون بالأمينيَّة. وتُوُفّي فِي رمضان [٦] . قلت: هُوَ أخو قاضي القُضاة جمال الدّين عَبْد الصّمد. ٢٦- عَبْد الواحد بْن عَلي بْن عَبْد الوهّاب. الدِّينَوَريّ، أخو شعيب. تُوُفّي قبل شُعيب بأيّامٍ فِي صَفَر. وله أربعٌ وثمانون سنة. روى عَنْ أَبِيهِ. وروى عنه أيضا: عمر القرشيّ.

стр. 18352

٢٧- عَلي بْن أحمد بْن عَلي بْن أحمد بْن جَعْفَر [١] . أَبُو الْحَسَن الْقُرَشِيّ الحَرَسْتانيّ، الدّمشقيّ. سَمِعَ «جزء الرافقيّ» بحَرَسْتا من أَبِي عَبْد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد في سنة ثمانين وأربعمائة. وكان ذاكرا لسماعه. وهو الَّذِي عرَّف الطَّلَبَة بنفسه لمّا رآهم يسمعون بحَرَسْتا، وقال: ما أنسى ابنَ أَبِي الحديد وقد طلع إلى هنا، وسمعنا عَلَيْهِ، وطلعت إلى هذا الْجَوْز، وفرطْتُ لهم منه وأنا صبيّ. فدخل الطَّلَبَة ونبشوا سماعه وسمعوا منه. روى عَنْهُ: الحافظ ابن عساكر [٢] ، وابنه القاسم، ومحمود بْن شُتَيّ [٣] وأبو القاسم بْن صَصْرَى، وسيف الدّولة مُحَمَّد بْن غسّان، ومُكْرَم، وكريمة. ولم يخبرني أحدٌ أَنَّهُ رَأَى أصْلَ سماع كريمة منه. تُوُفّي فِي شوّال. وآخر من روى لنا الجزء المذكور سُنْقُر القُضاعيّ [٤] بحلب، عَنْ مُكْرَم، عَنْهُ. ٢٨- عَلي بْن أحمد بْن مُحَمَّد بْن الكَرْخيّ [٥] . أَبُو المظفَّر [٦] . روى عَنْ: الْحُسَيْن بْن عَلي بن البسريّ.

стр. 18353

وتُوُفّي فِي المحرَّم وله أربعٌ وثمانون سنة [١] . ٢٩- عُمَر بْن ثابت بْن عَلي [٢] . أَبُو القاسم البغدادي، ويُعرف بابن الشَّمَحْل [٣] . سَمِعَ: أَبَا منصور الخيّاط، وأبا الْحُسَيْن بْن العلّاف. وتُوُفّي فِي ذي الحجَّة. وعنه: عُمَر الْقُرَشِيّ، وأحمد بْن طارق الكَرْكيّ. وعاش خمسا وسبعين سنة. وكان ديوانيّا متموّلا، فبنى مدرسة للحنابلة درَّس بها أَبُو حكيم النَّهْروانيّ، ثمّ ابن الجوزيّ. ثمّ قُبِض عَلَيْهِ وصودِرَ وبيعت المدرسة ولم تثبت وقفيّتها، وصارت دار الأمير [٤] . - حرف الميم - ٣٠- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مَسْعُود بْن مفرّج [٥] . أَبُو القاسم الأندلسيّ، الشِّلْبيّ [٦] ، المعروف بالقَنْطَريّ. سَمِعَ: أَبَا بَكْر بْن غالب، وأبا الْحُسَيْن بْن صاعد، وجماعة. وبإشبيليّة: أَبَا الحاكم بْن بَرَّجَان، وأبا بَكْر بْن العربيّ. وبقُرْطُبة: ابن مُغِيث، وابن أَبِي الخصال، وطائفة. قَالَ الأَبّار: كَانَ من أهل المعرفة الكاملة بصناعة الحديث، بعيد الصّيت

стр. 18354

فِي الحفظ والإتقان، جَمَّاعة للكُتُب. وقد شُوِّور فِي الأحكام [١] . روى عَنْهُ: يعيش بْن القديم الشِّلْبيّ، وغيره. وتُوُفّي بمَرّاكُش فِي ذي الحجَّة. ٣١- مُحَمَّدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْنُ مُحَمَّدِ بن فَرَج بْن سُلَيْمَان [٢] . أَبُو عَبْد اللَّه القَيْسيَّ المِكْنَاسيّ، الشّاطبْي، المعروف بابن تريش المقرئ. سَمِعَ من: أَبِي عَلي بْن سُكَّرَة، وأبي زيد بْن الورّاق، وأبي مُحَمَّد بْن أَبِي جعفر، وأبي عمران بْن أَبِي تليد، وطائفة. وله «مُعْجَم شيوخه» . وأخذ القراءات عَنْ: أَبِي بَكْر إِبْرَاهِيم بْن خَلَف، والشّيخ أَبِي عَبْد اللَّه بْن الفرّاء الزّاهد، وجماعة. قَالَ الأَبّار [٣] : تصدّر بشاطِبة للإقراء، سالكا طريقةَ جَدّه مُحَمَّد بْن فَرَج، فأخذ عَنْهُ النّاس. وكان قديم الطَّلَب، مشارِكًا فِي الحديث والأدب، يتحقّق فِي القراءات، مَعَ براعة الخطّ، وكتب عِلْمًا كثيرا. حدَّث عَنْهُ: أَبُو الحَجّاج بْن أيّوب، وأبو عُمَر بْن عيّاد، وأثنى عَلَيْهِ ووصفه بالتّقلُّل من الدّنيا، وقال: تُوُفّي فِي جُمَادَى الآخرَة ولَه سبْعٌ وستّون سنة. وروى عَنْهُ: ابن سُفْيَان ووَصَفَه بالمشاركة فِي حفظ التّاريخ والبصر بالنَّحْو. ٣٢- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بن أبان الحاجب [٤] .

стр. 18355

أَبُو الفضل ابن الوكيل البغداديّ. سَمِعَ: أَبَا القاسم بْن بَيَان، وأبا مُحَمَّد الْحَسَن بْن رئيس الرؤساء وتُوُفّي فِي جُمَادَى الآخرة. كتب عَنْهُ أَبُو المحاسن عُمَر الْقُرَشِيّ. ٣٣- مُحَمَّد بْن عَلي بْن الوزير أَبِي نصر أحمد بْن الوزير نظام المُلْك أَبِي عَلي الطُّوسيّ [١] . صدْرٌ، إمام، معظّم، تفقّه عَلَى أسعد المَيْهَنيّ [٢] ، ودرّس بمدرسة جدّهم ببغداد ستَّة أعوام، ثمّ صُرِفَ، ثمّ أُعِيدَ سنة سبْعٍ وأربعين، وَفُوِّضَ إِلَيْهِ نظر أوقافها. كَانَ ذا جاهٍ عريضٍ، وَحُرْمَةٍ تامَّة. ثمّ عُزِل سنة سبْعٍ وخمسين، واعتُقِل مُدَيْدَة ثمّ أُطْلِق، فحجَّ سنة تسعٍ وخمسين. ثمّ سافر إلى الشّام، فأُكْرمَ موردُه، وولي تدريس الغزاليَّة إلى أن تُوُفّي. وقد سَمِعَ من: أَبِي منصور بْن خَيْرُون، وأبي الوقت، ولم يَرْوِ لأنّه مات شابّا. تُوُفّي فِي أوائل صَفَر، رحمه اللَّه تَعَالَى. ٣٤- مُحَمَّد بْن عَلي بْن مُحَمَّد بن عمر [٣] . أبو رشيد الباغبان [٤] الأصبهانيّ.

стр. 18356

تُوُفّي فِي أواخر ربيع الأوّل، وله ثمانون سنة أو نحوها. ٣٥- مُحَمَّد بْن عَلي [١] . الأديب أَبُو الفتح سِبْط النَّطَنْزيّ [٢] . تُوُفّي فِي المحرَّم [٣] . وكان من الأُدباء البُلَغاء، لَهُ النَّظْم والنَّثْر. سافر البلاد ولقي الأكابر. وسمع من: أَبِي عَلي الحدّاد، وغانم البُرْجيّ. وببغداد من: أَبِي القاسم بن بيان، وابن نبهان. كتب عنه: أَبُو سعد السّمعانيّ، والمبارك بْن كامل. وكان محتشما، نديما للملوك، يرجع إلى دِينٍ وخير. ونَطَنْز: بُلَيْدة بنواحي أصبهان. ومن شِعره: يا طالبا للعلم كيْ تَحْظَى بِهِ ... دِينًا ودُنيا حظْوةً تُعليهِ اسمَعْه ثمّ احفَظْهُ ثمّ اعْمَلْ به ... للَّه ثمّ انشره في أهليه [٤]

стр. 18357

٣٦- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أحمد. أَبُو الأزهر بْن غزال، الواسطيّ، الكاتب. وُلِد سنة خمسٍ وثمانين. وسمع من: خميس الحَوْزيّ، وأبي نُعَيْم مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الجماريّ. وكان من كبار الكُتّاب المتصرّفين. روى عَنْهُ: أحمد بْن طارق الكَرْكيّ. وتُوُفّي فِي وسط السّنة. ٣٧- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن هِبة اللَّه. أَبُو بَكْر الفارسيّ، البغداديّ، المغسّل. روى عَنْ: أَبِي سعد بْن خُشَيْش. روى عَنْهُ: أحمد بْن أحمد البَنْدَنِيجيّ. وتُوُفّي فِي ربيع الآخر. ٣٨- مُحَمَّد بْن يحيى بْن مُحَمَّد بْن هُبَيْرة [١] . الرئيس عزّ الدّين ابن الوزير عون الدّين. ناب فِي الوزارة عَنْ أَبِيهِ مدَّة [٢] ، فلمّا تُوُفّي أَبُوهُ حُبِس فهرب من الحبس، وواعد بدويّا حتّى يهرب بِهِ، فَنَمَّ بِهِ وذهب إلى أستاذ الدّار، فأخبره

стр. 18358

بِهِ، فأخذه وضربه ضربا مبرّحا وأُلقي في مطمورة، ثمّ خُنق ﵀، وأُخرج من دار الخلافة ميتا. ثمّ خُنِق أخوه شرف الدّين ظَفَر [١] فِي السّنة الآتية. ٣٩- مُحَمَّد بْن أَبِي القاسم بْن بابْجُوك [٢] . الأستاذ أبو الفضل الخُوَارَزْميّ، البقّال، النَّحْويّ، صاحب التّصانيف. ويُعرف أيضا بالأَدَمِي، لِحفْظه فِي النَّحْو مقدمة الأَدَمِيّ تلميذ الزَّمَخْشَريّ، وجلس بعده فِي حلقته، واشتهر اسمه وبَعُد صِيتُه، وأقبل الطَّلَبَة عَلَى تصانيفه. مات فِي سلْخ جُمادَى الآخرة، وقد نيّف عَلَى السّبعين. ٤٠- مسعود بْن مُحَمَّد بْن أحمد [٣] . القاضي أَبُو الفضائل المَدِينيّ، الخطيب. تُوُفّي فِي الخامس والعشرين مِن ذي الحجَّة رحمه اللَّه تعالى. قاله عَبْد الرحيم الطاجيّ. ٤١- مُشرف بْن أَبِي سعد مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الخبّاز. والد ثابت. شيخ بغداديّ، سَمِعَ بإفادة أخيه المفيد عَلي من: أَبِي الغنائم بْن المهتدي باللَّه، ومحمد بْن عَبْد الباقي الدَّوْرَقي، وجماعة. روى عَنْهُ: ابنه، وعبد الرّزّاق الْجِيليّ. ومات فِي صفر. ٤٢- معمّر بن عسكر بن قاسم.

стр. 18359

أَبُو الْحَسَن المُخَرِّميّ المؤدّب. سَمِعَ: أَبَا بَكْر أحمد بْن سَوْسَن التّمّار، وأبا القاسم بْن بيان، وأبا مُحَمَّد الحريريّ البصْريّ. روى عَنْهُ: دَاوُد بْن معمر بْن الفاخر فِي مُعْجَمه. وكان صالحا يؤدّب، وهو والد عَبْد اللّطيف الَّذِي روى عَنْهُ الأَبْرَقُوهيّ جزء أَبِي الْجَهْم. تُوُفّي فِي رجب. ٤٣- مكّيّ بْن مُحَمَّد بْن هُبَيْرَة [١] . كَانَ أسنّ من أخيه الوزير عون الدّين. كنيته أَبُو جعفر، وكان فاضلا، شاعرا، فقيها. نظم الخِرَقيّ فِي الفِقْه وقُرِئ عَلَيْهِ مرارا، وولد قبل السّبعين. وخاف عند ما سُقي أخوه، فنزح عَنْ بغداد، فأدركه الموت بنواحي المَوْصِل فِي ذي الحجَّة، وله نحوٌ من تسعين سنة أو أكثر. ولم يسمع إلّا من المتأخّرين. ولو سَمِعَ عَلَى مقدار عُمره لسمع من أصحاب المخلّص. - حرف الهاء - ٤٤- هبة اللَّه بْن عَبْد العزيز بْن عَلي. أَبُو القاسم الْجَزَريّ، المعدّل. سَمِعَ: أَبَا عثمان بْن ملَّة. روى عَنْهُ: نصر بْن الحُصْريّ بمكَّة. وتُوُفّي فِي ذي القعدة ببغداد فيما أرى. - حرف الياء - ٤٥- يوسف بْن فَتُّوح. أَبُو الحجّاج الأندلسيّ، المريّيّ، العشّاب.

стр. 18360

سَمِعَ: أَبَا عَلي بْن سُكَّرَة، وخَلَف بْن الْإِمَام. وكان ذكيّا فاضلا، ولّي الشُّورَى ببلده، ثمّ حجّ، ونزل بمدينة فاس. وكان لَهُ حظّ من الفِقْه، والتّفسير، ومعرفة النّبات، كَانَ يجلبه ويتَّجر فِيهِ. روى عَنْهُ: أَبُو الْحَسَن بْن النّقرات، وأبو عَبْد اللَّه بْن الغفّار، ويحيى بْن أحمد الْجُذَاميّ، ويوسف بْن أحمد. تُوُفّي سنة إحدى أو اثنتين وستّين، قاله الأبّار. وقد ذكره ابن فرحون فقال: أخذ بقُرْطُبَة عَنْ أَبِي عليّ الْجَيَّانيّ، وأبي القاسم خَلَف ابن الإمام الإشبيليّ، وتحمّل عنه «الموطّأ» وكان خبيرا بالنّبات. وركب من المرّيّة إلى بجاية، فغرقت كتبه بموسى بجاية، فأتى فاس، وأخفى نفسه عَنِ الرّواية، ثمّ روى «الموطّأ» . ٤٦- يوسف بْن المبارك. أبو الفَرَج بْن البيتيّ الدّلّال. سَمِعَ: أَبَا القاسم الرَّبَعيّ، وجعفر السّرّاج. وعنه: ابن عساكر، وابن الأخضر، وابن الحُصْريّ. مات فِي ذي القعدة. ٤٧- يوسف بْن مُحَمَّد بْن سماحة. أَبُو الحَجّاج الدّانيّ. سمع من: أبي عليّ الصّدفيّ ابن سكرة. وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر. وناظر وبرع فِي الفقه، وكان مائلا إلى علم الكلام وأُصول الفِقْه، مشاركا فِي الحديث. وُلّي قضاء دانية، ثمّ بَلَنْسِيَة، وتُوُفّي عَلَى قضائها يوم عيد الفِطْر، وله ثمان وتسعون سنة.

стр. 18361

الكنى ٤٨- أَبُو عاصم بْن الْحُسَيْن بْن زينة [١] . الأصبهاني المحدّث. أجاز لكريمة، وغيرها. واسمه أحمد. يروي عن: أحمد بْن أَبِي الفتح الخِرَقيّ، وغير واحد. تُوُفّي فِي أوائل ربيع الأوّل. ٤٩- أَبُو الفضائل بْن شُقران البغداديّ [٢] . قَالَ ابن الْجَوْزيّ: كَانَ فِي مبدإ أمره يتتلمذ لأبي العزّ الواعظ، ثمّ صار فقيها، ثمّ صار مُعيدًا بالنّظاميَّة، ووعظ. وأخذ ينصر مذهب أَبِي الْحَسَن الأشْعريّ ويبالغ، فتقدّم الوزير ابن هُبَيْرة بخلْعة، فأُنزل عَنِ المنبر يوم جلوسه، ثمّ ترك الوعظ، وأقام برباط بهروز مدَّة. وتُوُفّي فِي صفر، وهو أحمد المذكور فِي أوّل السّنة.

стр. 18362

سنة اثنتين وستين وخمسمائة - حرف الألف - ٥٠- أحمد بْن عَبْد المُلْك بْن مُحَمَّد. أَبُو البَرَكات البَرْدَعانيّ، ثمّ البغداديّ. سَمِعَ: أَبَا سَعْد بْن خُشَيْش، وأبا الحُسين بْن الطُّيُوريّ، وابن العلّاف. سَمِعَ منه: أَبُو سعد السّمعانيّ. وحدَّث عَنْهُ: ابن الأخضر، وعبد الرّزّاق الْجِيليّ، وأحمد بْن أحمد البَنْدَنِيجَيّ. وُلِد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. ومات فِي شعبان. ٥١- أحمد بْن عَلي بْن الخليل [١] . أَبُو الْعَبَّاس الْجَوْسقي [٢] ، المقرئ، الخطيب، خطيب صَرْصَر [٣] . سَمِعَ: مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي الدُّوريّ، وعبد القادر اليُوسُفيّ، وابن الحُصَيْن. روى عَنْهُ: ابنه خليل، وابن الأخضر، وأحمد بْن البَنْدَنِيجَيّ، ووصفاه بالصّلاح. مات فِي رمضان عَنْ أربعٍ وسبعين سنة.

стр. 18363

٥٢- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد [١] . أَبُو عَبْد اللَّه الأصبهانيّ، المعدّل، المعروف بفلا. قدِم بغداد، وحدَّث عَنْ: غانم البُرْجيّ، والحدّاد، وأبي منصور بْن مَنْدَوَيْه الشُّرُوطيّ، وجماعة. روى عَنْهُ: ابن الأخضر، ونصر بْن الحُصْريّ. تُوُفّي فِي سادس شوّال بأصبهان. ٥٣- أحمد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد [٢] . أَبُو الْعَبَّاس الْأَنْصَارِيّ، الأندلسيّ. روى عَنْ: أَبِي بَكْر بْن غالب بْن عطيَّة، وأبي عَلي الصَّدَفيّ، وأبي الْحَسَن بْن الباذش، وأبي الوليد بْن رُشْد، وأبي مُحَمَّد بْن عتاب، وغيرهم. وكان متقنا للقراءات، والتّفسير، والكلام، يغلب عَلَيْهِ علم اللّغة. حدَّث عَنْهُ: أَبُو ذَرّ الخُشَنيّ، وأبو الْخَطَّاب بْن واجب، وأبو عَبْد اللَّه الأندرشيّ. ورّخه الأبّار [٣] .

стр. 18364

٥٤- أحمد بْن موهوب بْن أحمد. النَّرْسيّ. عَنْ: ابن بيان الرّزّاز، وابن العلّاف. وعنه: عُمَر الْقُرَشِيّ، وأبو الفُتُوح بْن الحُصْريّ. تُوُفّي فِي شعبان. - حرف الحاء - ٥٥- الخَضِر بْن شِبْلِ بْن عَبْد [١] . الفقيه، أَبُو البركات الحارثيّ، الدّمشقيّ، الشّافعيّ، خطيب دمشق ومدرّس الغزاليَّة، والمُجاهديَّة. كَانَ فقيها، إماما، كبير القدْر، بعيد الصِّيت. بنى نورُ الدّين مدرسته الّتي عند باب الفَرَج، وجعله مدرِّسَها. وقد قرأ عَلَى أَبِي الوحش سُبَيْع، وسمع منه، ومن: ابن المَوَازِينيّ، وجماعة. روى عَنْهُ: ابن عساكر، وابنه، وزين الإسناد أَبُو نصر بن الشّيرازيّ، وآخرون.

стр. 18365

ذكر له ابن عساكر [١] ترجمة حسنة، فقال: سَمِعَ النّسيب أَبَا طاهر الحِنّائيّ، وأبا الْحَسَن بْن المَوَازِينيّ، وأبا الوحش المُلائيّ، وجماعة كثيرة. وصحِب أبا الْحَسَن بْن قَيْس. وتفقّه عَلَى جَمال الْإِسْلَام، وأبي الفتح نصر اللَّه المصّيصيّ. وكتب كثيرا من الحديث والفِقْه، ودرّس سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وكان سديد الْفَتْوَى، واسع المحفوظ، ثَبْتًا فِي الرّواية [٢] ، ذا مُرُوءة ظاهرة، لزِمتُ درسه مدَّةً، وعلّقت عَنْهُ من مسائِل الخلاف، وكان عالِمًا بالمذهب، يتكلَّم فِي الأصول والخلاف. وُلِد فِي شعبان سنة ستّ وثمانين وأربعمائة. وتُوُفّي فِي ذي القعدة [٣] ودُفن بمقبرة باب الفراديس. وقد قَالَ السِّلَفيّ: سَمِعْتُ أَبَا البَرَكات الخَضِر بْن شِبْلٍ صاحبنا بدمشق يَقُولُ: سَمِعْتُ الشّريف النّسيب أبا القاسم يَقُولُ: أَبُو عليّ الأهوازيّ المقرئ، ثقة ثقة. ٥٦- الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن هِبَة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن علي بن المطلب. أبو عليّ ناظر بعقوبا [٤] . سيّئ السّيرة. سَمِعَ: ابن العلّاف، وابن نبهان. وعنه: أحمد بْن طارق. مات فِي ذي الحجَّة.

стр. 18366

- حرف العين - ٥٧- عَبْد الجليل بْن أَبِي سعد منصور بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي سعد بْن أَبِي بِشْر بْن مُحَمَّد [١] . أَبُو مُحَمَّد الهَرَوِيّ، الفامِيّ [٢] ، المعدَّل. قَالَ ابن السَّمْعانيّ: كَانَ من أهل الخير والصِّدْق. سَمِعَ: أَبَا مَنْصُور عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد البُوشَنْجيّ كُلار، وأمّ الفضل بِيبي. وتفرَّد عَنْهُمَا، وأبا إِسْمَاعِيل شيخ الْإِسْلَام. وغيرهم. قلت: روى عَنْهُ: هُوَ، وابنه عَبْد الرحيم. وقال: وُلِد فِي سادس شعبان سنة سبعين، وروى عَنْهُ: عَبْد القادر الرُّهَاويّ وهو أعلى [٣] شيخ لَهُ رواية، وعبد الباقي بْن الواسع الْأَزْدِيّ، وآخرون. ولم يكن بقي فِي الدّنيا أعلى إسنادا منه، وبموته ختم حديث البَغَويّ. بعُلُوّ ﵀. ٥٨- عَبْد الرَّحْمَن بْن يَحْيَى بن عَبْد الباقي بن محمد [٤] . أبو مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، البغداديّ. قَالَ ابن مَشَق: تُوُفّي فِي ثامن عشر ذي الحجَّة، ودُفن عند أخيه. ومولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة. ويعرف بابن شقران [٥] ، وهم جماعة إخوة.

стр. 18367

سَمِعَ هذا من: أَبِي الفضل أحمد بْن خَيْرُون، والحسين بْن مُحَمَّد السّرّاج، وهبة اللَّه بْن عَبْد الرّزّاق الْأَنْصَارِيّ، وعبد المحسن الشّيحيّ. سَمِعَ منه: أَبُو الْحَسَن الزَّيْديّ، وأبو المحاسن الْقُرَشِيّ، وأحمد بْن طارق الكَرْكيّ [١] ، وعبد العزيز بْن الأخضر، وغيرهم. قَالَ ابن الدَّبِيثيّ: ولأبي الفضْل بْن شافع فِيهِ كلامٌ يغمزه بِهِ. قلت: آخر من روى عَنْهُ بالإجازة ابن مَسْلَمَة. قَالَ ابن النجار: روى لنا عَنْهُ: ابن الأخضر، وعبد الرّزّاق الْجِيليّ، وابن الحُصْريّ، وعليّ بْن مظفّر العُكْبَرِيّ [٢] . قَالَ عُمَر بْن عَلي: بانَ لنا تزويرُ هذا الشَّيْخ، وعلِمْنا منه أشياءَ تُبْطِلُ روايته. وقال أحمد بْن شافع: كَانَ ذا هنةٍ، قد صحِب العُلماء لو لم يُفْسِد نفسَه بنفسه. ولم يكن من أهل هذا الشّأن. ٥٩- عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد بْن منصور بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن جعفر [٣] .

стр. 18368

الحافظ الكبير أبو سعد، الملقّب بتاج الْإِسْلَام، ابن الْإِمَام الأوحد تاج الْإِسْلَام، مُعين الدّين أَبِي بَكْر بْن الْإِمَام المجتهد أَبِي المظفَّر التّميميّ، السَّمْعانيّ، المَرْوَزِيّ. محدّث المشرق، وصاحب التّصانيف. وُلِد فِي الحادي والعشرين من شعبان سنة ستّ وخمسمائة بمَرْو، وحمله والده أَبُو بَكْر إلى نَيْسابور سنة تسع، وأحضره السَّماع من عَبْد الغفّار الشِّيرُوِيّيّ [١] ، وأبي العلاء عُبَيْد بْن مُحَمَّد القُشَيْريّ، وجماعة.

стр. 18369

وأحضره بمرُو عَلَى: أَبِي منصور مُحَمَّد بْن عَلي الكُرَاعيّ [١] ، وغيره. ومات أَبُوهُ سنة عشر فِي أوّلها، وتربّى أَبُو سعد بين أعمامه وأهله، فلمّا راهَقَ أقبل عَلَى القرآن والفقه والاشتغال، وكبر وأحبّ الحديث والسّماع، وعُنِي بهذا الشّأن، ورحل قبل الثّلاثين وبعدها إلى خُراسان، وأصبهان، والعراق، والحجاز، والشّام، وطَبَرِسْتان، وما وراء النّهر. فسمع بنفسه من: الفُرَاوِيّ [٢] ، وزاهر الشّحّاميّ، وهبة اللَّه السّيّديّ، وتميم الْجُرْجَانيّ، وعبد الْجَبّار الحواريّ، والحسين بْن عَبْد الملك الخلّال، وسعيد بْن أَبِي الرجاء الصَّيرفي، وإِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن الفضل الحافظ، وإسماعيل بْن أَبِي القاسم العازليّ، وأبي سعد أحمد بْن الْإِمَام أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن ثابت الخُجَنْدِيّ [٣] ، وأبي نصر أحمد بْن عُمَر الغازي، وعبد المنعم بْن القُشَيْريّ، وعبد الواحد بْن مُحَمَّد الشَّرَابيّ، ومحمد بْن حمد الكِبْريتيّ، وفاطمة بِنْت زَعْبَل، وأبي بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي الْأَنْصَارِيّ، وعليّ بْن عَلي الأمين، وعبد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الشَّيْبانيّ الفزار، وعمر بْن إِبْرَاهِيم العَلَويّ، الكوفيّ. وسمع بمُدُنٍ كثيرة، وألّف «معجم البُلدان» الّتي سَمِعَ بها، وصنَّف كتاب «الأنساب» ، وكتاب «ذيل تاريخ بغداد» ، وكتاب «تاريخ مَرْو» . وعاد إلى وطنه سنة ثمانٍ وثلاثين، فتزوَّج ووُلِد لَهُ أبو المظفّر عبد الرحيم، فاعتنى

стр. 18370

بِهِ، وأسمعه الكثير، ورحل بِهِ إلى نَيْسابور ونواحيها، وهَرَاة ونواحيها، وبلْخ، وسَمَرْقَنْد، وبُخَارى. وصنَّف لَهُ مُعْجَمًا. ثمّ عاد بِهِ إلى مَرْو، وألقى بها عصى الترحال، وأقبل عَلَى التّصنيف والإملاء والوعْظ والتّدريس. درّس بالمدرسة العميديَّة، وكان عالي الهمَّة فِي الطَّلَب، سريع الكتابة جدّا، مجتهدا، مضبوط الأوقات. كتب عمّن دبّ ودَرَج، وجمع مُعْجَمه فِي عشر مجلّدات كبار. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن النّجّار: سَمِعْتُ من يذكر أنّ عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيءٌ لم يبلغْه أحد. وكان مليح التّصانيف، كثير النّشْوار والأناشيد، لطيف المزاج، ظريفا، حافظا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقا، ديّنا، جميل السّيرة. سمع منه مشايخه وأقرانه، وثنا عَنْهُ جماعة من أهل خُراسان، وبغداد. قلت: روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وابنه القاسم، وأبو أحمد بن سكينة، وعبد العزيز بن مَنِينَا، وأبو رَوْح عَبْد المعزّ الهَرَويّ، وأبو الضَّوء شهاب الشّذيانيّ، والإفتخار عَبْد المطّلب الهاشميّ، وابنه أبو المظفّر عَبْد الرحيم بْن السّمعاني، ويوسف بْن المبارك الخفّاف، وأبو الفتح مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر الصّائغ، وآخرون. ذِكْر مصنّفاته في «تاريخ مرو» خمسمائة طاقة، «طراز الذّهب فِي أدب الطَّلَب» مائة وخمسون طاقة، «الإسفار عَنِ الأسفار» [١] خمسٌ وعشرون طاقة، «الإملاء والاستملاء» [٢] خمس عشرة طاقة، «معجم البلدان» خمسون طاقة، «معجم الشّيوخ» ثمانون طاقة، «تحفة المسافر» مائة وخمسون طاقة، «التّحف

стр. 18371

والهدايا» [١] خمسٌ وعشرون طاقة، «عزّ العُزْلة» سبعون طاقة، «الأدب فِي استعمال الحَسَب» [٢] خمس طاقات، «المناسك» ستّون طاقة، «الدَّعَوات» أربعون طاقة، «الدَّعَوات النّبويَّة» خمس عشرة طاقة، «الحَثّ عَلَى غَسْلِ اليد» [٣] خمس طاقات، «أفانين البساتين» [٤] خمس عشرة طاقة، «دخول الحمّام» خمس عشرة طاقة، «فضل صلاة التّسبيح» [٥] عشر طاقات، «التَّحَايا والهدايا» [٦] ستّ طاقات، «تُحْفَة العيدَين» [٧] ثلاثون طاقة، «فضل الدّيك» خمس طاقات، «الرسائل والوسائل» خمس عشرة طاقة، «صوم الأيّام البِيض» خمس عشرة طاقة، «سلْوة الأحباب ورحمة الأصحاب» [٨] خمس طاقات، «التّحبير فِي المعجم الكبير» [٩] ثلاثمائة طاقة، «فَرْط الغرام إلى ساكني الشّام» خمس عشرة طاقة، «مقام العلماء [١٠] بين يدي الأمراء» إحدى [١١] عشر طاقة، «المساواة والمصافحة» ثلاث عشرة طاقة، «ذِكرى حبيبٍ رَحَل وبُشْرى مَشِيبٍ نَزَل» عشرون طاقة، «الأمالي الخمسمائة» [١٢] مائتا طاقة، «فوائد الموائد» مائة طاقة، «فضل الهِرّ» ثلاث طاقات، «الأخطار فِي ركوب البحار» [١٣] سبع طاقات، «الأنساب» [١٤] ثلاثمائة وخمسون طاقة، «الأمالي» ستّون طاقة،

стр. 18372

«بُخَار بُخُور الْبُخَارِيّ» عشرون طاقة، «تقديم الْجِفَان إلى الضِّيفان» سبعون طاقة، «صلاة الضُّحَى» عشر طاقات، «الصِّدْق فِي الصَّداقة» ، «الرّبح فِي التّجارة» ، «رفع الارتياب في كتابة الكتاب» أربع طاقات، «النُّزُوع إلى الأوطان» خمسٌ وثلاثون طاقة، «حثّ الْإِمَام عَلَى تخفيف الصّلاة» [١] فِي طاقتين «لَفْتَة المشتاق إلى ساكني العراق» أربع طاقات، «السَّنَد لِمَن اكتَنَى بأبي سعد» [٢] ثلاثون طاقة، «فضائل [٣] الشّام» فِي طاقتين، «فضل يس» فِي طاقتين [٤] . تُوُفّي، وأبو المظفّر ابنه هُوَ الَّذِي ورَّخه، فِي غرَّة ربيع الأوّل، وله ستٌّ وخمسون سنة [٥] .

стр. 18373

٦٠- عَبْد الواحد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الواحد [١] . أَبُو مُحَمَّد البغداديّ، البزّاز، ويُعرف بابن البارِزِيّ. سمع: أبا عبد الله النعالي، وابن البطر، ويحيى بْن ثابت. روى عَنْهُ: الحافظ عَبْد الغنيّ، وأبو الْحَسَن بْن رشيد، وأبو طَالِب بْن عَبْد السّميع، وأبو مُحَمَّد بْن قُدَامة، وآخرون. وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد أحمد بْن مَسْلَمَة. وتُوُفّي فِي شوّال، وله اثنتان وثمانون سنة [٢] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَافِظِ، أنا ابْنُ قُدَامَةَ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ، أنا الحسين ابن طَلْحَةَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثنا عُمَرُ بْنُ دِينَارٍ إِمْلَاءً، ثنا أَبُو يَزِيدَ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ، ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ مِكْتَلٍ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَا: ثنا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» [٣] . قَالَ ابنُ النَّجَّار [٤] : كَانَ عَبْد الواحد شيخا صالحا [٥] عَلَى طريقة السَّلَف، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 18374

٦١- عَبْد الهادي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مأمون [١] . أَبُو عَرُوبَة السِّجِسْتانيّ، الزّاهد، شيخ الصُّوفيَّة وإمام سِجِسْتان. يُحَوَّل من الماضية إلى هنا [٢] ، فإنّ فيها ورَّخه الحافظ يوسف بْن أحمد الشّيرازيّ، وقَالَ: كَانَ للمذهب رُكْنًا وثيقا، ولأهل الحديث حصنا منيعا. وكان صلْبِ الدّين، خَلَف جدَّه وخالَه فِي الرّدِّ عَلَى المبتدعين. وكانت أوراده تستغرق ليله ونهاره. ومناقبه لا تنتهي حتّى يُنتهى عَنْهَا. وقد سَمِعَ منه الحافظ [٣] عَبْد القادر [الرُّهاوي] [٤] فأكثر عَنْهُ وقال: سَمِعَ الحديث من جدّه عَبْد الله سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وحجّ. وسمع «المُسْنَد» من أَبِي الحُصَيْن. وبلغني أَنَّهُ لمّا حجّ قرأ عَلَيْهِ ابن ناصر مسلسلات أَبِي حاتم بْن حِبّان. وكان زاهدا، ورِعًا متواضعا، كثير النّوافل، سريع الدَّمْعَة، حَسَن الأخلاق. عاش تسعا وثمانين سنة ما عُرِفت لَهُ زلَّة. وكان منتشر الذِّكْر فِي البلاد القاصية بحُسْن السّيرة، وكان لَهُ رِباطٌ ينزل فِيهِ كلُّ من أراد من القادمين، ووقف عَلَيْهِ نصف قرية، فكان لا يتناول من ذَلِكَ شيئا، بل يجعله فِي نفقة الرباط، ويتعيَّش بغُلَيْلَةٍ لَهُ يسيرة، ومات وعليه دَيْن، هذا مَعَ سعة جاهه بسِجِسْتان، حتّى عند بعض مخالفيه. بَلَغَنَا موتُه وأنا بِهَرَاة بعد مفارقتي لَهُ بقليل، فأُغلِقتْ أسوارُ هَرَاة، ومُنِع الوُعّاظ من الوعْظ، وجلس كُبراء هَرَاة من العلماء والرؤساء والعمّال فِي الجامع عليهم ثيابُ العَزَاء، وجلس واعظ وذكر مناقبه، وبكى النّاس عَلَيْهِ. كنت يوما عنده، فجعل إنسانٌ يحدِّثنا بدخْل بغداد، فتعجّب وقال: سبحان اللَّه، إنسانٌ يعيش حتّى يشيخ، ولا يرى فِي يد أحد عشرة دنانير.

стр. 18375

قلت: ولا رَأَيْت فِي يدك عشرة دنانير. قَالَ: ولا خمسة. وكان يعظ فِي رباطه، فلمّا جئت إلى عنده قَالَ: لكن أريد أن أشتغل بالحديث. فلم يعِظْ مدَّة مُقامي. وكان قد وَلِيَ سِجِسْتان أميرٌ معتزِليّ، فقَصَد الشَّيْخ، فخرج من سِجِسْتان إلى هَرَاة، وتلقَّوْهُ مُلْتَقًى حَسَنًا، ونزل فِي رباط شيخ الْإِسْلَام. وكان لَهُ ابنٌ يقال لَهُ عَبْد المعزّ، سَمِعَ مَعَ أَبِيهِ من أَبِي نصر هبة اللَّه بْن عَبْد الْجَبّار بْن فارخ. وكان أعلم من أَبِيهِ، وقريبا منه فِي السّيرة، والعقل، والوقار، والحُرْمة عند النّاس، فلم يعش بعد أَبِيهِ طائلا [١] . سَمِعْتُ رجلا بسِجِسْتان يَقُولُ: خبرت أهل سِجِسْتان لَيْسَ فيهم أَدْيَن من عَبْد الهادي وأولاده. وكان لديانته قد فُوِّضَ إليه الوقت وإمامة الجامع، وكان لا يقدر أحدٌ من المخالفين يُصلّي فِي الصّفّ الأوّل من الجامع من غَلَبَة أصحابه مَعَ قِلَّتهم وكثرة المخالفين، ومساعدة السّلطان لمخالفيه. قلت: تُوُفّي فِي هذه السّنة إن شاء اللَّه. فإنّ فيها كَانَ عَبْد القادر بهَرَاة، وقد شهد عزاءه، وأجاز لنا أبو زكريّا يحيى بن الصَّيْرفيّ الفقيه وغيره: أنا عَبْد القادر، أنا أبو عَرُوبة عَبْد الهادي.. فذكر أحاديث. ٦٢- عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن حسن بْن الجوزيّ. أبو منصور، وكيل الوزير أَبِي المظفَّر بْن هُبَيْرة. سَمِعَ: أَبَا سعد بن خُشَيْش، وأبا القاسم بْن بَيَان. روى عَنْهُ: عَبْد العزيز بْن الأخضر. وتُوُفّي فِي ذي الحجَّة. ٦٣- عَلي بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الكُرْجيّ. أَبُو المظفّر الأزجيّ، أخو محمد، والحسن.

стр. 18376

شيخ نظيف، منزو في منزله، مشتغل بالخير. سَمِعَ: أَبَا الفضل بْن خَيْرُون، ومحمد بْن عَبْد السّلام الْأَنْصَارِيّ، وأبا بَكْر الطُّرَيْثيثيّ، ومحمد بْن أَبِي نصر الحُمَيْديّ. وعنه: ابن الأخضر، وعبد الرّزّاق الْجِيليّ، وغيرهما. مولده فِي سنة سبع وسبعين وأربعمائة. ومات فِي المحرَّم سنة ٥٦٢. ٦٤- عَلي بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن أَحْمَد [١] . أَبُو القاسم بْن أَبِي الفضائل الكِلابيّ، الدّمشقيّ، الفقيه الشّافعيّ، الفَرَضيّ، النَّحْويّ، المعروف بجمال الآية ابن الماسح [٢] . من علماء دمشق الكبار. وُلِد سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة، وقرأ لابن عامر وغيره من القرّاء عَلَى أَبِي الوحش سُبَيْع بْن قيراط، وغيره. سَمِعَ: أَبَاهُ، وسُبَيْعًا، وأبا تُراب حَيْدَرَةَ، وعبد المنعم بْن الغُمْر، وغيرهم. وتفقّه عَلَى: جمال الْإِسْلَام السُّلَميّ، ونصر اللَّه المَصِّيصيّ. وكانت لَهُ حلقهٌ كبيرةٌ بالجامع يُقرِئ فيها القرآن والفِقْه والنَّحْو. وكان مُعِيدًا لجمال الْإِسْلَام أَبِي الْحَسَن فِي [٣] الأمينيَّة، ودرّس بالمجاهديَّة، وكان حريصا عَلَى الإفادة. وعليه كَانَ الاعتماد فِي الْفَتْوَى وقسمة الأَرَضِين.

стр. 18377

قلت: روى عَنْهُ: أَبُو المواهب، وأبو القاسم ابنا صَصْرَى، وجماعة. ومات فِي ذي الحجَّة. وقد حدَّث بكتاب «الوجيز» للأهوازيّ فِي القراءات، عَنْ أَبِي الوحش، عَنْهُ. ٦٥- عَلي بْن أَبِي سعد مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن سستان [١] . أَبُو الْحَسَن الأَزَجيّ، الخبّاز. وقيل: اسم أَبِيهِ ثابت. كَانَ عَلي أحد طَلَبة الحديث ببغداد، وكان يُلَقَّب بالمفيد. وهو خال يحيى بْن بَوْش، فلذلك سمّعه الكثير. سَمِعَ: أَبَا القاسم بْن بَيَان، وأبا عَلي بْن نبهان، وأبا الغنائم بْن المهتدي، والفقيه أَبَا الْخَطَّاب فمَن بَعدهم. وحدَّث بالكثير، وكان ثقة، فاضلا. وُلِد سنة خمس وثمانين وأربعمائة. روى عَنْهُ: يحيى بْن بَوْش، والحافظ عَبْد الغنيّ، وابن الأخضر، والشّيخ الموفَّق، وأبو طَالِب بْن عَبْد السّميع، وعبد العزيز بْن باقا، وآخرون. وتُوُفّي ﵀ في عاشر شعبان. ٦٦- عَلي بْن مهديّ بْن مفرّج [٢] . أَبُو الْحَسَن الهلاليّ، الدّمشقيّ، الطّبيب. سمع: أبا الفضل بْن الكُرْديّ، وأبا القاسم النّسيب، وأبا طاهر الحنّائيّ، وجماعة.

стр. 18378

ورحل فِي الكهولة إلى بغداد، فسمع من: القاضي أَبِي بَكْر الْأَنْصَارِيّ، وَأَبِي منصور بْن خيرون. ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان يطبّ فِي المارِستَان، ونسخ الكثير. روى عنه: الحافظ ابن عساكر، وأبو نصر بن الشّيرازيّ، وسُكَّرَة التّاجر، وكريمة، وآخرون. ومات فِي ذي الحجَّة [١] . ٦٧- عَلي بْن يوسف بْن خَلَف بْن غالب [٢] . أَبُو الْحَسَن العَبْدَري، الدّانيّ. أخذ القراءات عَنْ عُمَر بْن أَبِي الفتح، وعتيق بْن مُحَمَّد. وروى عَنْ: أَبِي بَكْر بْن الخيّاط، وأبي العبّاس بن عيسى، وأبي بكر بن زنجان، وتفقّه بهم. وأخذ الآداب واللّغة عَنْ جماعة. وكان فقيها، إماما، مُفْتِيًا، مُشَاورًا، كبير القدْر، مفوَّهًا، متضلِّعًا من العلوم [٣] . عاش ثمانين سنة. ويقال إنّه مات فِي سنة تسعٍ وخمسين [٤] . ٦٨- عُمَر بْن مُحَمَّدِ بْن عَبْد اللَّه [٥] بْن نصر، بالتّحريك.

стр. 18379

العلّامة أَبُو شجاع البِسْطاميّ، ثمّ البلْخيّ، إمام مسجد راعوم [١] . ذكره ابن السَّمْعانيّ فقال: مجموع حَسَن وجُمَلُه مليحة، مُفْتٍ، مُناظِر، محدِّث، مفسِّر، واعظ، أديب، شاعر، حاسب. قَالَ: وكان مع هذه الفضائل حَسَن السّيرة، جميل الأمر، مليح الأخلاق، مأمون الصُّحبة، نظيف الظّاهر والباطن، لطيف العِشرة، فصيح العبارة، مليح الإشارة فِي وعْظه، كثير النُّكَت والفوائد، وكان عَلَى كِبَر السّنّ حريصا عَلَى طلب الحديث والعِلْم، مقتبسا من كلّ أحد. قَالَ لي: وُلِدتُ فِي سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة. سَمِعَ ببلْخ: أَبَاهُ، وأبا القاسم أحمد بْن مُحَمَّد الخليليّ، وإبراهيم بْن مُحَمَّد الأصبهانيّ، وأبا جَعْفَر مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السِّمِنْجانيّ [٢] وعليه تفقّه، وجماعة كبيرة. كتبتُ عَنْهُ الكثير بمرْو، وهَرَاة، وبُخَارى، وبسَمَرْقَنْد، وكتب عنّي الكثير، وحصَّل نسخة هذا الكتاب، يعني «ذيل تاريخ الخطيب» . وكتب إليّ من بلخ أبياتا، وهي:

стр. 18380

يا آلَ سَمْعانَ ما أنْسَى [١] فضائلكم ... قد صِرْنَ فِي صُحُفِ الأيّام عُنْوانا معاهِدَ آلَفَها [٢] النّازلون بها ... فما وَهَتْ بمُرُور الدَّهْر أركانا حتّى أتاها أَبُو سعدٍ فشيّدَها ... وزادَها بعُلُوّ الشّأن بُنْيانا كانوا مَلاذَ بني الآمالِ فانقرضوا ... مُخلِّفِين بِهِ مثْلَ الَّذِي كَانَا كانوا رياضا فأَهْدوا من خلائقه ... إلى طائعنا رَوْحًا ورَيْحانا [٣] لولا مكانُ أَبِي سعدٍ لما وَجَدُوا ... عَلَى مَفَاخِرهم للنّاس بُرْهانا كانت مآثرهم عينَ الزّمانِ وقد ... صارتْ مَنَاقبُه للعَيْن إنسانا زان التّواريخَ بالتَّذْييل مخترعا ... أعْجِبْ بذَيْلٍ بِهِ أضْحَى جربانا [٤] وقاهُ ربّي من عينِ الكمال فما ... أبْقَتْ عُلاه لردّ الْعَيْنِ نُقصانا [٥] قلت: سَمِعَ من الخليليّ «مُسْنَد الهيثم بْن كُلَيْب» ، «وغريب الحديث» لابن قُتَيْبة، «والشّمائل» للتِّرْمِذيّ وصنَّف كتابا فِي أدب المريض والعائد. وقال ابن السّمعانيّ فِي موضع آخر: لا يُعْرَف أجمع للفضائل منه مَعَ الوَرَع التّامّ. وسمع: الْإِمَام أبا حامد أحمد بْن مُحَمَّد الشُّجَاعيّ، وأبا نَصْر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الماهانيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن عَبْد الرحيم القاضي، وجماعة كثيرة. قلت: روى عَنْهُ: أَبُو سعد السَّمعانيّ، وابنه عَبْد الرحيم، وابن الْجَوْزيّ، والإفتخار عَبْد المطّلب الهاشميّ، والتّاج الكِنْدِيّ، وعبد الوهّاب بْن سُكَيْنَة، وأبو الفتح المَنْدائيّ [٦] ، وأبو روح عبد المعزّ الهرويّ، وآخرون.
следующие страницы →