روى عَنْهُ: أَبُو الْخَطَّاب بْن واجب، وأبو عَبْد اللَّه بْن سعادة، وابن أخته أَبُو مُحَمَّد بْن غلْبُون، وأبو عَبْد اللَّه الأَنْدَرشيّ.
وله مصنَّفات نافعة.
مات فِي نصف شعبان بعد أن كُفّ بَصَرُه وله ثلاثٌ وخمسون سنة.
٢٤٨- عَبْد اللَّه بْن أحمد بْن أحمد بْن أحمد بْن عَبْد اللَّه بْن نصر [١] .
العلّامة أَبُو مُحَمَّد بْن الخشّاب، النَّحْويّ.
شيخ بغداد ونحْويّ البلاد، يقال إنّه بلغ فِي النَّحْو درجة أَبِي عَلِيّ الفارسيّ. وكانت لَهُ معرفة تامَّة بالحديث، واللّغة، والهندسة، والفلسفة، وغير ذَلِكَ.
أخذ عَنْ: أَبِي منصور بْن الجواليقيّ، وأبي بَكْر بْن جوامرد القطّان النّحويّ، وعليّ بن أبي زيد الفصيحيّ، وأبي السّعادات هبة الله بن الشّجريّ، والحسن بن عليّ المحوّليّ اللّغويّ، حتّى أحكم العربيّة.
стр. 18517
وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وسمع من: أبي القاسم الرّبعيّ، وأبي الغنائم النّرسيّ، وأبي زكريّا بن مَنْدَهْ، وغيرهم.
ثمّ طلب بنفسه، وقرأ الكثير.
وسمع من: أبي عبد الله البارع، وابن الحصين، وابن كادش، وأبي غالب بن البنّاء.
وقرأ العالي والنّازل إلى أن قرأ عَلَى أقرانه. وكان لَهُ كُتُب كثيرة إلى الغاية [١] . وروى الكثير، وتخرَّج بِهِ خلْقٌ فِي النَّحْو.
وحدَّث عَنْهُ: أَبُو سعد السَّمْعانيّ، وذكره فِي تاريخه فقال: شابّ كامل، فاضل، لَهُ معرفة تامَّة بالأدب، واللّغة، والنَّحْو، والحديث، يقرأ الحديث قراءة حسنة، صحيحة، سريعة، مفهومة.
سَمِعَ الكثير بنفسه، وجمع الأُصول الحِسان من أيّ وجهٍ، وكان يضنّ بها.
سَمِعْتُ بقراءته من أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي، وابن السَّمَرْقَنْدِيّ، وسمعت لقراءته مجلّداتٍ من «طبقات» ابن سعد. وكان يُديم القراءة طول النّهار من غير فُتُور.
قلت: كَانَ عمره إذ ذاك أربعين سنة.
قَالَ: وسمعت أَبَا شجاع عُمَر البِسْطاميّ يقول: لمّا دخلت بغداد قرأ عليّ ابن الخشّاب «غريب الحديث» لأبي مُحَمَّد القُتَيْبِيّ قراءة ما سَمِعْتُ قبلَها مثلها فِي الصّحة والسُّرْعة. وحضر جماعةٌ من الفُضَلاء، وكانوا يريدون أن يأخذوا عَلَيْهِ فلْتَةَ لسانٍ فما قَدَرُوا.
стр. 18518
قَالَ ابن السَّمعانيّ: كتبت عَنْهُ جزءا رَوَاهُ عَنِ الرَّبَعيّ، وسألته عَنْ مولده فقال: أظنّ أنّه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وقال ابن النّجّار إنّه أخذ الحساب والهندسة عن: أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي الْأَنْصَارِيّ. وأخذ الفرائض عَنْ أَبِي بَكْر المَزْرَفيّ [١] . وكان ثقة.
ولم يكن فِي دينه بذاك.
قلت: روى عَنْهُ أيضا: أَبُو اليُمْن الكِنْديّ، والحافظ عَبْد الغنيّ، وعبد العزيز بْن الأخضر، وأبو أحمد بْن سُكَيْنَة، وأبو مُحَمَّد بْن قُدَامة، ومحمد بْن عماد الحَرّانيّ، وأبو البقاء العُكْبَرِيّ، وأبو الْحَسَن عَلِيّ بْن نصر الحِلّيّ، وهو شيخهما فِي النَّحْو وشيخ الفخر أَبِي عَبْد اللَّه بْن تَيْمية الخطيب.
وقرأت بخطّ أَبِي مُحَمَّد بْن قُدَامة: كَانَ ابن الخشّاب إمام أهل عصره فِي عِلم العربيَّة، وحضرت كثيرا من مجالسه، لكن لم أتمكّن من الإكثار عَنْهُ لكثرة الزّحام عَلَيْهِ، وكان حَسَن الكلام فِي السُّنَّة وشرحها.
قلت: وكان ظريفا مزّاحا عَلَى عادة الأدباء.
قَالَ ابن الأخضر: كنت عنده وعنده جماعة من الحنابلة، فسأله مكّيّ القرّاد [٢] فقال: عندك كتاب الجبال [٣] ؟ فقال: يا أَبْلَه ما تَراهم حولي [٤] ؟
وقال ابن النّجّار: سَمِعْتُ بعضهم يَقُولُ: سَأَلَ ابنَ الخشّاب واحد من
стр. 18519
تلامذته: القفا يُمَدّ أو يُقْصَر؟ فقال: يُمَدّ ثمّ يُقْصَر [١] .
قَالَ: وبلغني أنّ اثنين [٢] [أتياه] [٣] ليعرضا عَلَيْهِ شِعرًا قالاه، فسمع من أحدهما، فقال للآخر: هُوَ أردأ [٤] شِعْرًا منك. فقال: وكيف ولم تسمع شِعري؟ قَالَ: لأنّ شِعره لا يمكن أن يكون أردأ منه.
وسأل بعض تلامذته: ما بك؟
فقال: فؤادي.
فقال: لو لم تهمزْهُ لم يُوجِعّك.
قَالَ: وبلغني أنّ بعض المعلّمين قرأ عَلَيْهِ قول العَجّاج:
أطربا وأنت قنّسريّ [٥] ... وإنّما يأتي الصِّبّا [٦] الصَّبِيُّ
فجعل الصَّبا بالياء، فقال لَهُ: هذا عندك فِي المكتب. فاستحى.
وله فِي الشّمعة:
صفراءُ لا من سَقَمٍ مَسَّها ... كيفَ وكانت أُمُّها الشّافِيَهْ
عُرْيانةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ ... فأعْجَبُ لها كاسِيَةً عارِيَهْ [٧]
قَالَ ابن النّجّار: وسمعت حمزة القُبَّيْطيّ يَقُولُ: كَانَ ابن الخشّاب يتعمم بالعمامة، وتبقى عَلَى حَالها مدَّةً حتّى يَسْوَدّ ما يلي رأسَه منها، وتتقطّع من الوسخ، وترمي عليها العصافيرُ ذَرْقَها، فيتركه عَلَى حاله.
قَالَ: وسمعت أَبَا مُحَمَّد بن الأخضر أنّ ابن الخشّاب ما تزوَّج قطّ ولا تَسَرَّى، وكان قذِرًا يستقي بجرَّةٍ مكسورا. ولمّا مرض أتيناه نعوده، فوجدناه
стр. 18520
فِي أسوأ حالٍ من وَسَخِ الثّياب وقذر مكانه وعدم الغداء. فأشرنا عَلَى القاضي أَبِي القاسم بْن الفرّاء بأن ينقله إلى داره، فنقله وأسكنه فِي بيتٍ نظيف، وألبسه ثوبا نظيفا، وأحضر الأشربة والماء ورد، فوجد راحة وخفَّة، فأشهدنا بوقف كُتُبه، فاستولى عليها بيت العطّار، وباعوا أكثرها، وتفرّقت حتّى بقي عشْرها.
فتُرِك برباط المأمونيَّة.
قَالَ ابن النّجّار: كَانَ ﵀ بخيلا، متبذّلا فِي ملبسه ومَطْعَمه، ويلبس قَذرًا، ويلعب بالشّطرنج عَلَى الطّريق، ويقف عَلَى المُشعبِذ وأصحاب القرود، يُكْثر المُزَاح.
وقد صنَّف الرّدّ عَلَى الحريريّ فِي موضعٍ من «المقامات» ، وشرح «اللُّمَع» لابن جنّيّ ولم يُتمّه، وشرح «مقدّمة» الوزير ابن هُبَيْرة فِي النّحْو، وصنَّف الرّدّ عَلَى أَبِي زكريّا التّبْريزيّ فِي تهذيبه لإصلاح المنطق [١] .
وقال جمال الدّين القفْطيّ [٢] : كَانَ مُطَّرحًا للتكلُّف، وفيه بذاءة، ويقف عَلَى الحلَق، ويقعد للشّطرنج أَيْنَ وَجَدَه، وكلامه أجود من قلمه. وكان ضيّق العطن، ما صنَّف تصنيفا فكمَّله. شرح «الْجُمَل» للجُرْجانيّ، وترك أبوابا فِي وسط الكتاب وأقرّ هذا التّصنيف وهو عَلَى هذه الصّورة، ولم يعتذر عَنْهُ.
قَالَ ابن النّجّار: سَمِعْتُ أَبَا بَكْر المبارك بْن المبارك النَّحْويّ يَقُولُ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد بْن الخشّاب يحضر دائما سوق الكُتُب، فإذا نوديَ عَلَى الكتاب يريد أن يشتريه أخَذَه وطالَعه، واستغفل الحاضرين، وقطع ورقة، ثمّ يَقُولُ إنّه مقطوعٌ ليشتريه برُخْص، فإذا اشتراه أعاد الورقة فِي بيته.
قَالَ: وكان لَهُ إيوان كبير ملآن من الكُتُب والأجزاء، فكان إذا استعار شيئا وَطُلِبَ منه يَقُولُ: قد حصل بين الكُتُب فلا أقدر عَلَيْهِ.
قلت: إنْ صحّ هذا فلعلّه تاب والله يغفر له.
стр. 18521
قَالَ ابن الْجَوْزيّ: دخلت عَلَيْهِ في مرْضه وقد يئس من نفسه، فقال لي:
عند اللَّه أحتسب نفسي.
وتُوُفّي يوم الجمعة ثالث رمضان. ودفن يوم السّبت.
وحدَّثني عَبْد اللَّه بْن أَبِي الفَرَج الحِنّائيّ الرجل الصّالح قَالَ: رَأَيْته فِي النّوم بعد موته بأيّام، ووجهه مضيء، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غُفِر لي وأدخلني الجنَّة، إلّا أَنَّهُ أعرضَ عنّي.
فقلت لَهُ: أعرض عنك؟ فقال: نعم، وعن جماعة من العلماء تركوا العمل [١] .
٢٤٩- عَبْد اللَّه بْن طاهر بْن حَيْدرة بْن مفوّز [٢] .
أَبُو مُحَمَّد المَعَافِريّ، الشّاطبيّ.
أخذ القراءات عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن أَبِي العَيْش.
وسمع من: أَبِيهِ، وأبي إِسْحَاق بْن جماعة.
وتفقَّه بأبي عَبْد اللَّه بْن مُغَاوِر، وأجاز لَهُ آخرون.
قَالَ الأَبّار: كَانَ فقيها، إماما، خبيرا بالشّروط، وَقُورًا. ولي قضاء شاطِبة، فجرى عَلَى طريقة السَّلَف الصّالح، عدلا، وزكاة، وحلما، وأناة.
وتُوُفّي كهْلًا.
٢٥٠- عَبْد اللَّه بْن منصور بْن هبة اللَّه بْن أحمد [٣] .
أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي الفوارس بْن المَوْصِليّ، البغداديّ، المعدّل.
سَمِعَ من أَبِي البركات مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الوكيل «ديوان المتنبّي» وتفرّد به.
стр. 18522
وسمع من: أَبِي عَبْد اللَّه النّعاليّ، وأبي الْحَسَن بْن الطُّيُوريّ، وأبي الْحَسَن بْن العلّاف، وشجاع الذّهليّ، وغيرهم.
سمع منه: أَبُو مُحَمَّد بْن الخشّاب، وأبو سعد بْن السَّمعانيّ، وغير واحد.
وحدَّث عَنْهُ: أَبُو مُحَمَّد بْن الأخضر، وابن قُدَامة، ومنصور بْن الزّكيّ، والغزّال، ومحمد بْن عماد الحرّانيّ، وأبو حفص السُّهْرَوَرْدِيّ فِي مشيخته، وآخرون.
وروى عَنْهُ بالإجازة الرشيد بْن مَسْلَمَة، وغيره.
قَالَ الدَّبِيثيّ [١] : فُقِد أياما ثمّ فُقِد فِي بيته ميّتا فِي ربيع الآخر، وله ثمانون سنة.
٢٥١- عَبْد الله العاضد لدين الله [٢] .
стр. 18523
أَبُو مُحَمَّد بْن يوسف بْن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بْن الظّاهر بْن الحاكم العُبَيْديّ، الْمَصْرِيّ، الرّافضيّ، الَّذِي يزعم هُوَ وبيته أنّهم فاطميّون وهو آخر خلفاء مصر.
وُلِد سنة ستٍّ وأربعين وخمسمائة فِي أوّلها. ولمّا هلك الفائز ابن عمّه واستولى الملك طلائع بْن رُزّيك عَلَى الدّيار المصريَّة بايع العاضد وأقامه صورة، وكان كالمحجور عَلَيْهِ لا يتصرَّف فِي كلّ ما يريد. ومع هذا كَانَ رافضيّا، سَبّابًا، خبيثا.
قَالَ ابن خَلِّكان: كَانَ إذا رَأَى سُنّيًّا استحلّ دمه. وسار وزيره الملك الصّالح سيرة مذمومة، واحتكر الغلّات، فغلت الأسعار، وقتل أمراء الدّولة خِيفةً منهم، وأضعف أحوال دولتهم بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر ذوي الثّروة.
وفي أيّام العاضد ورد حَسَن بْن نزار بْن المستنصر العُبَيْديّ من الغرب، وقد جمع وحشد، فلمّا قارب مصر غَدَر بِهِ أصحابه، وقبضوا عَلَيْهِ، وأتوا بِهِ إلى العاضد، فذُبِح صبرا فِي سنة سبْعٍ وخمسين.
قلت: ثمّ قتل ابن رُزِّيك، ووَزَرَ لَهُ شاوَر، فكان سبب خراب دياره، ودخل أسد الدّين إلى ديار مصر كما ذكرنا، وَقُتِلَ شاوَر، ومات بعده أسد الدّين، وقام فِي الأمر ابن أخيه صلاح الدّين وتمكَّن فِي المملكة.
قَالَ القاضي جمال الدّين ابن واصل [١] : حكى لي الأمير حسام الدّين، فحكى أَنَّهُ لمّا وقعت هذه الوقعة، يعني وقعة السّودان، بالقاهرة الّتي زالت دولتهم فيها، ودولة آل عُبَيْد، قَالَ: شرع صلاح الدّين يطلب من العاضد أشياء من الخَيل والرقيق والأموال ليتقوّى بذلك.
قَالَ: فسيَّرني يوما إلى العاضد أطلب منه فَرَسًا، ولم يبق عنده إلّا فرسٌ واحد، فأتيته وهو راكب فِي بستانه المعروف بالكافوريّ الَّذِي يلي القصر،
стр. 18524
فقلت: صلاح الدّين يسلّم عليك، ويطلب منك فَرَسًا. فقال: ما عندي إلّا الفَرَس الَّذِي أَنَا راكبه، ونزل عَنْهُ وشقّ خُفَّيه ورمى بهما، وسلّم إليَّ الفَرَس، فأتيت بِهِ صلاحَ الدّين. ولِزم العاضد بيته.
قلت: واستقلّ صلاح الدّين بالأمر، وبقي العاضد معه صورة إلى أن خلعه، وخطب فِي حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر اللَّه العبّاسيّ، وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفا لا مستخلفا.
قَالَ الْإِمَام شهاب الدّين أَبُو شامة [١] : اجتمعت بالأمير أَبِي الفُتُوح ابن العاضد وهو مسجون مقيّد في سنة ثمان وعشرين وستّمائة، فحكى لي أنّ أَبَاهُ فِي مرضه استدعى صلاح الدّين فحضر، قَالَ: فأحضرونا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا.
قَالَ أَبُو شامة [٢] : كَانَ منهم ثلاثة بإفريقية وهم الملقّبون بالمهديّ، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر، وهم: المُعِزّ، والعزيز، والحاكم، والظّاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظّافر، والفائز، والعاضد، يدّعون الشَّرَف، ونسبتهم إلى مَجُوسيٍّ أو يهوديّ، حتّى اشتهر لهم ذَلِكَ بين العَوَامّ، فصاروا يقولون الدّولة الفاطميَّة والدّولة العلويَّة. إنّما هِيَ الدّولة اليهوديَّة، أو المجوسيَّة الملحدة الباطنيَّة.
قَالَ: وقد ذكر ذَلِكَ جماعة من العلماء الأكابر أنّهم لم يكونوا لذلك أهلا، ولا نَسَبهم صحيح، بل المعروف أنّهم بنو [٣] عُبَيْد. وكان والد عُبَيْد هذا من نسْل القدّاح الملحد المجوسيّ.
قَالَ: وقيل كَانَ والد عُبَيْد هذا يهوديّا من أهل سَلَمِيَّة، وكان حدّادا.
وعُبَيْد كَانَ اسمه سَعِيد، فلمّا دخل المغرب تسمّى بعُبَيْد الله، وادّعى نسبا ليس
стр. 18525
بصحيح. وذكر ذَلِكَ جماعة من علماء الأنساب، ثمّ ترقَّت بِهِ الحال إلى أن ملك المغرب، وبنى المهديَّة، وتلقَّب بالمَهْديّ. وكان زِنْديقًا خبيثا، عدوّا للإسلام. قتل من الفُقَهاء، والمحدّثين، والصّالحين جماعة كبيرة، ونشأت ذُرّيته عَلَى ذَلِكَ. وبقي هذا البلاء عَلَى الْإِسْلَام من أوّل دولتهم إلى آخرها، وذلك فِي ذي الحجَّة سنة تسعٍ وتسعين ومائتين إلى سنة سبْعٍ وستّين وخمسمائة.
وقد بيَّن نَسَبَهم جماعةٌ مثل القاضي أَبِي بَكْر الباقِلّانيّ، فإنّه كشف فِي أوّل كتابه المسمّى «كشف أسرار الباطنيّة» عَنْ بُطْلان نَسَب هَؤُلَاءِ إلى عليّ ﵁، وكذلك القاضي عَبْد الْجَبّار بْن أحمد استقصى الكلام فِي أُصُولها، وبيّنها فِي أواخر كتاب «تثبيت النُّبُوَّة» ، وبيّن ما فعلوه من الكفريات والمنكرات.
قرأت فِي تاريخ صُنِّف عَلَى السِّنين فِي مجلَّدٍ صنّفه بعض الفُضَلاء سنة بضْعٍ وثلاثين وستَمائة، وقدّمه لصاحب مصر الملك الصّالح: فِي سنة سبْع وستّين: وفي [١] العاضد فِي يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيُوَيْمات فِي أوّل جمعة من المحرَّم لأمير المؤمنين المستضيء باللَّه، والعاضد آخر خلفاء مصر. فلمّا كانت الجمعة الثّانية خُطِب بالقاهرة أيضا للمستضيء، ورجعت الدّعوة العبّاسيَّة بعد أن كانت قد قُطِعَت بها أكثر من مائتي سنة. وتسلَّم الملك صلاح الدّين قصر الخلافة، واستولى عَلَى ما كَانَ بِهِ من الأموال والذّخائر، وكانت عظيمة الوصف. وقبض عَلَى أولاد العاضد وأهل بيته، وحبسهم فِي مكانٍ واحدٍ بالقصر، وأجرى عليهم ما يمولهم، وعفّى آثارهم، وقمع مواليهم وسائر أنسبائهم.
قَالَ: وكانت هذه الفِعْلة من أشرف أفعاله، فَلَنِعْمَ ما فعل، فإنّ هَؤُلَاءِ كانوا باطنيَّةً زنادقة، دَعَوْا إلى مذهب التّناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهيّ فِي أشباحهم.
وقد ذكرنا أنّ الحاكم قَالَ لداعيه: كم فِي جريدتك؟
стр. 18526
قَالَ: ستَّة عشر ألفا يعتقدون أنّك الإله.
قَالَ شاعرهم ... [١] فِي الحاكم:
ما شئت لا [٢] ما شاءت الأقدار ... فاحكُمْ فأنت الواحدُ القَهّار [٣]
فلعن اللَّه المادحَ والممدوحَ، فليس هذا فِي القُبْح إلّا كقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ٧٩: ٢٤ [٤] .
قَالَ بعض شُعرائهم [٥] فِي المهديّ برَقّادة:
حَلّ برَقّادةَ المسيحُ ... حلّ بها آدمُ ونوحُ
حلّ بها اللَّهُ في عُلاهُ ... فما سِوى اللَّه فهو رِيحُ [٦]
قَالَ: وهذا أعظم كُفرًا من النّصارى، لأنّ النّصارى يزعمون أنّ الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله فِي جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمّة.
هذا اعتقادهم لعنهم اللَّه. فأمّا نَسَبهم فأئمَّة النّسَب مُجْمِعُون عَلَى أنّهم ليسوا من وُلِد عَلِيّ رضوان اللَّه عَلَيْهِ، بل ولا من قُريشٍ أصلا.
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أنّ القادر باللَّه كتب محضرا يتضمَّن القدْح في نَسَبهم ومذهبهم، وأنّه شهد فِي ذَلِكَ المحضر خلْقٌ، منهم: الشّريفان الرّضيّ، والمرتَضَى، والشّيخ أَبُو حامد الإسْفَرَائينيّ، وأبو جَعْفَر القُدُوريّ، وفي
стр. 18527
المحضر أنّ أصلهم من الدِّيصَانيَّة، وأنّهم خوارج أدعياء. وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة [١] .
وقال العماد الكاتب [٢] ، يصف ما جرى عَلَى ما خَلَّفه العاضد من ولدٍ وخَدَم وأمتعة، إلى أن قَالَ: وهم الآن محصورون محسورون، ولم يظهروا، وقد نقص عددهم، وقلص مددهم.
ثم عَرَض من بالقصر من الجواري والعبيد فوجد أكثرهنّ حرائر، فأطلقهنّ، وفرّق من بقي. وأخذ- يعني صلاح الدّين- كلّما صلح لَهُ ولأهله وأمرائه من أخاير الذّخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، والدُّرَّة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة، والمَصُوغات التِّبْرِيَّة، والمصنوعات العنبريَّة، والأواني الفضّيَّة، والصّواني الصِّينيَّة، والمنسوجات المغربيَّة، والممزوجات الذّهبيّة، والعقود والنُّقود، والمنظوم والمنضود، وما لا يُعَدّ الإحصاء.
وأطلق البيع بعد ذَلِكَ فِي كلّ جديدٍ وعتيق، وبالٍ وأسمال، واستمرّ البيع فيها مدَّة عشْر سِنِين، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين.
وكتب السّلطان صلاح الدّين إلى وزير بغداد عَلَى يد شمس الدّين مُحَمَّد بْن المحسِّن بْن الْحُسَيْن بْن أَبِي المضاء البَعْلَبَكّيّ الَّذِي خطب أوّل شيءٍ بمصر لبني الْعَبَّاس فِي أوّل السّنة بإنشاء الفاضل كتابا، فممّا فِيهِ:
«قد توالت الفُتُوح غربا وشرقا [٣] ، ويَمَنًا وشآما، وصارت البلاد [٤] والشّهر بل الدّهر حرما حراما، وأضحى الدّين واحدا [٥] بعد ما كان أديانا.
стр. 18528
والخلافة إذا ذُكِّر بها أهلُ الخِلاف لم يخرّوا عليها [إلّا] [١] صُمًّا وعُمْيانا.
والبِدْعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلَّة فِي شِيَع الضّلال شائعة. ذَلِكَ أنّهم اتّخذوا عباد اللَّه من دون أولياءَ، وسمّوا أعداءَ اللَّه أصفياء. وتقطّعوا فِي أمرهم شِيَعًا، وفرَّقوا أمر الأمَّة وكان مجتمِعا. وكذّبوا بالنّار، فعُجِّلَتْ لهم نار الحُتُوف، ونثرت أقلامُ الظُّباء حروفَ رُءوسهم نَثْر الأقلام للحروف. ومُزِّقوا كلّ ممزَّق، وأخذ منهم كلّ مخنق. وقطِع دابرهم، ووعظ آتِيهم [٢] غابرهم.
ورَغمت أُنوفهم ومنابرهم، وحقَّت عليهمُ الكلمة تشريدا وقتْلا، وتَمَّتْ كَلِمَةُ [٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا، وليس السّيف عمّن سواهم من الفرنج [٤] بصائم، ولا اللّيل عَنِ السَّير إليهم بنائم. ولا خفاء عَنِ المجلس الصّاحبيّ أنّ من شدّ عقْد خلافة، وحلّ عقد خلاف، وقام بدولةٍ وقعد بأخرى قد عجز عَنْهَا الأخلاف والأسْلاف، فإنّه يفتقر [٥] إلى أن يُشكر ما نصح، ويُقَلَّدَ ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقام [٦] حقّه ولا يطَّرَح، ويقرَّب مكانه وإن نَزَح، وتأتيه التّشريفات الشّريفة» .
إلى أن قَالَ: «وقد أُنهض لإيصال مُلَطَّفاته، وتُنَجز [٧] تشريفاته، خطيب الخُطباء بمصر، وهو الَّذِي اختاره لصعود المنبر [٨] ، وقام بالأمر قيام من بَرّ، واستفتح بلبس [٩] السّواد الأعظم، الَّذِي جمع الله عليه السّواد الأعظم» [١٠] .
стр. 18529
وقال ابن أبي طيِّئ [١] : لمّا فرغ السّلطان من أَمْر الخطْبة أَمَر بالقبض عَلَى القصور بما فيها، فلم يوجد فيها من المال كبيرُ أمرٍ، لأنّ شاوَر كَانَ قد ضيَّعه فِي إعطائه الفِرَنْج، بل وجد فيها ذخائر جليلة.
ومن عجيب ما وجد فِيهِ قضيب زُمُرُّدٍ شِبْر وشيء فِي غِلَظ الإبهام، فأخذه السّلطان، وأحضر صائغا ليقطعه، فأبى الصّائغ واستعفى، فرماه السّلطان، فانقطع ثلاثَ قِطَع، وفرَّقه عَلَى نسائه. ووُجِد طبلُ القُولنْج [٢] الَّذِي صُنِع للظّافر، وكان مَن ضَرَبه خرج منه الرّيح واستراح من القُولنْج، فوقع إلى بعض الأكراد، فلم يدرِ ما هُوَ، فكسره، لأنّه ضرب بِهِ فَحَبَق [٣] . ووُجد فِي الذّخائر إبريقٌ عظيم من الحجر المائع، فكان من جملة ما أُرسل من التُّحَف إلى بغداد.
ثمّ وصل موفّق الدّين بْن القَيْسَرانيّ، واجتمع من مصر بصلاح الدّين، وأبلغه رسالة نور الدّين، وطالَبَه بحساب جميع ما حصَّله، فصعُب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وهَمّ بشقّ العصا، ثمّ سكن، وأمر النُّوّاب بعمل الحساب، وعرضه عَلَى ابن القَيْسَرانيّ، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم، وقد ذُكِر فِي الحوادث جميع ذَلِكَ [٤] .
وكان عُمارة اليمنيّ الشّاعر من العُبَيْدييّن ممّن يتولّاهم، فرثى العاضد بهذه:
رميتَ يا دهْرُ كفَّ المجد بالشَّلَلِ ... وجِيدَهُ بعد حُسْن الحلي بالعَطَلِ [٥]
سعيتَ فِي منهج الرّأي العثور فإنْ ... قدرت من عثرات الدّهر فاستقلِ
خدعت مازنك الأعلى فأنْفُكَ لا ... يَنْفَكُّ ما بين أمر الشّين والخجل
стр. 18530
لَهَفِي ولَهف بني الآمال قاطبة ... عَلَى فجيعتها فِي أَكرم الدُّوَلِ
قومٌ عرفتُ بهم نَسَب الألُوف ومن ... كمالها أنّها جاءت ولم أَسَلِ
يا عاذِلي فِي هوى ابن [١] فاطمةٍ ... لك الملامةُ إن قَصَّرْتَ فِي عذلي
باللَّه دُرْ ساحة القَصْريْنِ وَابْكِ معي ... عليهما لا عَلَى صِفِّين والْجَمَلِ
ماذا ترى كانت الإفرنْجُ فاعلة ... فِي نَسْل آل أمير المؤمنين علي
أَسَلْتُ من أسفٍ دمعي غداةَ خَلَتْ ... رِحابُكُم وغَدَتْ مهجورَة السُّبُلِ
واللهِ لا فازَ يومَ الحشْر مُبْغِضُكُم ... ولا نجا من عذاب النّار غيرُ ولي
وهي طويلة.
قِيلَ: كَانَ موت العاضد بذَرَب مُفْرِطٍ أتْلَفه.
وقيل: مات غمّا لمّا سَمِعَ بقطْع خطْبته؟
وقيل: بل كَانَ لَهُ خاتَمٌ مسموم فامتصّه، فمات لمّا سَمِعَ بزوال دولته، والأوّل أقرب وأشبه.
٢٥٢- عَبْد اللَّه بْن أحمد بْن الْحُسَيْن [٢] .
الرئيس أَبُو مُحَمَّد الحِمْيَريّ [٣] الأطرابُلُسيّ، الكاتب، ويُعرف بابن النّقّار.
وُلِد بطرابُلُس سنة تسعٍ وسبعين، وقرأ بها الأدب، فلمّا أخذتها الفرنج
стр. 18531
تحوّل إلى دمشق. وكان شاعرا فاضلا، كتب لملوك دمشق، ثمّ كتب لنور الدّين ﵀. وعُمِّر دهرا، وله قصيدة مشهورة يَقُولُ فيها:
مَن مُنْصفي مَن ظالمٍ متعتّب [١] ... يزداد ظُلْمًا كلّما حكَّمْتُهُ
ملّكتُهُ روحي ليحفَظَ ملْكَهُ ... فأضاعني وأضاع ما ملّكتُهُ
أحبابنا أنفقتُ عُمري عندكُم ... فمتى أُعوِّض بعضَ ما أنفقتُهُ؟
فلِمن أَلُوم عَلَى الهوى وأنا الَّذِي ... قُدْتُ الفؤاد إلى الغرام وسقته [٢]
стр. 18532
٢٥٣- عَبْد الكريم بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي سعد أحمد بْن مُحَمَّد [١] .
النَّيْسابوريّ، ثمّ البغداديّ، الصُّوفيّ.
سَمِعَ من: ابن الحُصَيْن، وزاهر الشّحّاميّ.
كتب عَنْهُ: عُمَر بْن عَلِيّ الْقُرَشِيّ، وغيره.
٢٥٤- عَبْد الملك بْن إلْكِيَا الهَرّاسيّ أَبِي الْحَسَن عليّ بْن مُحَمَّد [٢] .
الطَّبَريّ، ثمّ البغداديّ.
سَمِعَ من: ابن بيان الرّزّاز.
روى عَنْهُ: ابن الأخضر.
وتُوُفّي فِي ربيع الآخر.
٢٥٥- عَبْد [الملك] [٣] بْن محمد بن باتانة.
أَبُو الْحَسَن المغربيّ، المجوّد.
ما ذكر ابن النّجّار عَلَى من تلا.
سَمِعَ: أَبَا العزّ بْن المختار.
ومات فِي ربيع الأوّل [٤] .
стр. 18533
٢٥٦- عثمان بْن يوسف بْن أيّوب [١] .
أَبُو عَمْرو الكاشْغُريّ، الخُجَنْديّ، ويُعرف أَبُوهُ بابن زُرَيق [٢] .
من أهل كاشْغَر، سكن بغداد. وكان يوسف يخدم فِي إصطبل المستظهر باللَّه، فوُلِد لَهُ عثمان، وتفقّه عَلَى مذهب أَبِي حنيفة، وسمع الحديث.
وسمَّع أولاده عليّا، وأبا بَكْر، وإبراهيم من: أَبِي الفَتْح بْن البَطِّيّ، وأَبِي بَكْر بْن النَّقُّور، وأبي المعالي بْن حنيفة، وأمثالهم.
وحصّل الأُصول، واستنسخ، ونُفِّذ من الدّيوان العزيز فِي مهمٍّ إلى الملك نور الدّين، فسمع منه الشَّيْخ أَبُو عَمْرو، وأخوه الشَّيْخ الموفَّق، والحافظ عَبْد الغنيّ فِي سنة خمسٍ وستّين.
قَالَ ابنه إِبْرَاهِيم: تُوُفّي فِي حدود سنة سبْعٍ وستّين.
٢٥٧- عرقلة [٣] .
الشّاعر المشهور.
هُوَ أَبُو النَّدَى حسّان بْن نُمَيْر الكلبيّ، الدّمشقيّ، شاعر مُجِيد، ونديم خليع، وأعور مطبوع، وهو القائل فِي دمشق.
فأمّا دمشقُ فجنّاتٌ مزَخْرَفَةٌ ... للطّالبين بها الوِلْدان والحورُ
ما صاح فيها عَلَى أوتاره قمرٌ ... إلّا وغنّاه قمْريّ وشُحْرورُ
يا حَبَّذا دروع الماء تنسُجُها ... أناملُ الرّيح لولا أنّها زُورُ [٤]
وله وقد ولي صلاح الدين يوسف بن أيوب شحنكية دمشق لنور الدين
стр. 18534
فِي سنة ٥٦٠:
رُوَيْدَكم يا لصوصَ الشّامِ ... فإنّي لكم ناصحٌ فِي المقالِ
أتاكم سَمِيُّ النَّبِيّ الكريم ... يوسف ربّ الْحِجَى والْجَمالِ
فذلك يقطعُ أيدي النِّسا ... وهذا يُقطّع أيدي الرجالِ [١]
وكان صلاح الدّين وَعَده إنْ أخذ مصر أن يُعطيه ألف دينار، فلمّا مَلَكَها قَالَ فِيهِ:
قُلْ لصلاح الدّين مُعِيني عند افتقاري ... يا ألف مولاي أَيْنَ الألف دينار؟
أخشى من الأسر إنْ حاولتُ أرضَكُم ... وما تقى جنَّة الفردوس بالنّار
فجُدْ بها عاضديّات موفرة ... من بعد ما خلف الطّاغي أخو الغار [٢]
حمرا كأسيافكم غُبْرًا [٣] كخيلكم ... عُتْقًا ثِقالًا كأعدائي وأطمارِي [٤]
فأعطاه ألف دينار وأخذ لَهُ من إخوته مثلَها، فجاءه الموت ولم ينتفع بفجأة الغِني.
ومن شِعره:
عندي لكم من الأشواق والبَرحَا ... ما صيّر الجسم من بعد الضّنّا شَبَحا
أحبابنا لا تظنّوني سَلَوْتُكُم ... الحال ما حال والتّبريح ما برحا
لو كَانَ يسبح صَبٌّ فِي مَدَامعه ... لكنتُ أوّل مَن فِي دمعه سَبَحا
أو كنتُ أعلم أنّ البَيْن يقتلني ... ما تبت عنكم ولكن فات ما ربحا [٥]
وله:
ترى عند من أحببته لا عدِمْته ... من الشّوق ما عندي وما أَنَا صانعُ
стр. 18535
جنبي [١] إذا حدّثت عَنْ ذاك أعين ... وكلّي إذا نُوجيت عَنْهُ مسامعُ [٢]
ولعرقلة ديوانٌ مشهور.
تُوُفّي بدمشق فِي حدود سنة سبْعٍ هذه.
٢٥٨- عليّ بْن أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يعيش [٣] .
أَبُو الْحَسَن الْقُرَشِيّ، الزُّهْرِيّ، العَوْفيّ، الباجيّ، قاضي إشبيلية.
سَمِعَ: أَبَا القاسم الهَوْزَنيّ، وشُرَيْح بْن مُحَمَّد، وأبا بَكْر بْن العربيّ.
وناظر فِي «المدوّنة» عند أَبِي مروان الباجيّ.
وأخذ العربيَّة عَنْ: أَبِي الْحَسَن بْن الأخضر.
وسمع بقُرْطُبة من: أَبِي مُحَمَّد بْن عتّاب، وابن بَقِيّ، وأبي الوليد بْن طريف.
قَالَ الأَبّار [٤] : وكان فقيها، مشاوَرًا، محدّثا، متقدّما بنفسه وبشرفه.
وله تصنيف فِي مناسك الحجّ.
حدَّث عَنْهُ: أَبُو بَكْر بْن خَيْر، وأبو عُمَر بْن عبّاد، وأبو بَكْر بْن أَبِي زمنين، وأبو الْخَطَّاب بْن واجب.
وآخر من حدَّث عَنْهُ أَبُو القاسم عَبْد الرَّحْمَن ابنه.
تُوُفّي فِي ربيع وله سبْعٌ وسبعون سنة. وكانت لَهُ جنازة مشهودة.
٢٥٩- عليّ بن صالح بن أبي اللّيث [٥] .
стр. 18536
أَبُو الْحَسَن بْن عزّ النّاس العَبْدَريّ، الدّانيّ، الطّرْطُوشيّ.
سَمِعَ: أَبَا مُحَمَّد بْن الصَّيْقَلِ، وأبا بَكْر بْن العربيّ، وأبا القاسم بْن ورد.
قَالَ الأَبّار [١] : وكان فقيها متقِنًا، عالما بالأُصول والفروع، دقيق النّظر، جيّد الاستنباط، فصيحا لَسِنًا. وكان رأس الفتوى بدانية. وله مصنَّفات [٢] .
أخذ عَنْهُ: أَبُو عَمْرو بْن عيّاد، وابنه مُحَمَّد، وأبو مُحَمَّد بْن سُفْيَان، وأسامة بْن سُلَيْمَان، وأبو القاسم بْن سمحون.
وَقُتِلَ مظلوما بدانية سنة ستٍّ وستّين.
وقال مُحَمَّد بْن عيّاد: قُتِلَ لسعايةٍ لحِقَتْه عند السّلطان مُحَمَّد بْن سعد سنة سبْعٍ وستّين، ووُلِد سنة ثمانٍ وخمسمائة بطرطُوشة.
٢٦٠- عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن خَلَف بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الملك [٣] .
الْإِمَام أَبُو الْحَسَن ابن النّعمة الأندلسيّ، المريّي، نزيل بلنسية.
стр. 18537
أخذ فِي صِغَره عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن شفيع.
وسمع من: عبّاد بْن سَرْحان.
وانتقل به أبوه إلى بلنسية سنة ستّ وخمسمائة فقرأ بها القرآن على موسى بن خميس الضّرير، وأبي عبد الله بن باسة.
وأخذ العربيّة عَنْ أَبِي مُحَمَّد البَطَلْيُوسيّ واختصّ بِهِ.
وروى عَنْ: أَبِي بحر بْن العاص، وخُلَيْص بْن عَبْد اللَّه، وأبي عَبْد اللَّه بْن أَبِي الخير.
ورحل إلى قُرْطُبة سنة ثلاث عشرة فتفقَّه بأبي الوليد بْن رُشْد، وأبي عَبْد اللَّه بْن الحاجّ.
وسمع من: أَبِي مُحَمَّد بْن عتّاب، وأبي القاسم بْن بَقِيّ، وأبي الحسن بن مغيث، وجماعة.
وسمع أيضا من: أبي علي بْن سُكَّرَة.
وأجاز له جماعة، وتصدَّر ببَلَنْسِيَة لإقراء القرآن، والفِقه، والنَّحْو، والرواية، ونشر العلوم.
قَالَ الأَبّار [١] : وكان عالما متقنا، حافظا للفقه والتّفاسير ومعاني الآثار، مقدَّمًا فِي عِلم اللّسان، فصيحا، مُفَوَّهًا، ورِعًا، فاضلا، معظّما عند الخاصَّة والعامَّة، دمث الأخلاق، ليّن الجانب. ولي خطَّة الشُّورى وخطابة بَلَنْسِيَة دَهْرًا، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الإقراء والفَتْوى. وصنَّف كتاب «ريّ الظمآن فِي تفسير القرآن» ، وهو كبير [٢] . وصنَّف كتاب «الإمعان فِي شرح مصنَّف النَّسائيّ
стр. 18538
أَبِي عَبْد الرَّحْمَن [١] بلغ فِي الغاية فِي الاحتفال والإكثار، وانتفع بِهِ النّاس، وكثُر الراحلون إِلَيْهِ.
وَأَخْبَرَنَا عَنْهُ جماعة من شيوخنا، وهو خاتمة العلماء بشرف الأَنْدَلُس.
تُوُفّي فِي رمضان إلى رحمة [٢] اللَّه تعالى، وهو فِي عَشْر الثّمانين.
قرأ عَلَيْهِ بالروايات: أَبُو عَلِيّ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن فاتح [٣] .
٢٦١- عليّ بْن عِمران بْن معروف [٤] .
أَبُو الْحَسَن البكريّ الأصبهانيّ.
كَانَ سالار الحاج، حجّ مرّات.
روى عَنْ: أَبِي مطيع، وأبي الفتح الحدّاد.
وعنه: أَبُو المحاسن الْقُرَشِيّ، وابنه أَبُو بَكْر عَبْد اللَّه.
وُلِد سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
стр. 18539
ومات فِي ذي الحجَّة.
٢٦٢- عليّ بْن أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن فيد [١] .
أَبُو الْحَسَن الفارسيّ الأصل القُرْطُبيّ.
روى عَنْ: أَبِي مُحَمَّد بْن عتّاب، وأبي الوليد بْن طريف، وأبي بحر الأَسَديّ.
وحجّ سنة ثلاثين، فسمع: أَبَا بَكْر بْن عشير الشّروانيّ، وأبا عليّ بْن العرجاء، وأبا المظفَّر الشَّيْبانيّ.
قَالَ الأَبّار [٢] : ولقي أيضا: أَبَا سَعِيد حيدر بْن يحيى، وسلطان بن إبراهيم المقدسيّ، وأكثر عَنِ السِّلَفيّ [٣] . وانصرف إلى قُرْطُبة بفوائد جمَّة، فسمعوا منه.
وكان من أهل العناية الكاملة بالرواية، ثَبْتًا، عارفا، موصوفا بالذّكاء والحِفْظ، متواضعا. خرج من قُرْطُبة فِي الفتنة بعد الأربعين وخمسمائة، فنزل كورة أَلْش، من أعمال مُرْسِيَّة، فولي خطابتها مدَّة. وكان النّاس يقصدونه.
حدَّث عَنْهُ ابن بَشْكوال [٤] ، وأعجب من هذا أنّ رزين بْن معاوية العبْدَريّ حدَّث عَنْهُ بسيرة ابن إِسْحَاق، بروايته عَنِ السِّلَفيّ.
وحدَّث عَنْهُ من شيوخنا: أَبُو الْخَطَّاب بْن واجب، وأبو عَبْد اللَّه التُّجَيبيّ.
استشهد فِي خروجه من ألْش مَعَ عامَّة أهلها لمّا خافوا من الأمير سعد بْن مُحَمَّد، وكانوا قد خلعوا دعوته.
стр. 18540
قُتِلَ فِي هذه السّنة وقد قارب الثّمانين [١] .
٢٦٣- عليّ بْن مُحَمَّد بْن خُلَيْد [٢] .
أَبُو الْحَسَن بْن الإشبيليّ.
سكن المَرِيَّة، وأخذ عَنْ: أَبِي القاسم بْن ورد، ولازمه.
وبرع فِي علم الأصول والكلام. وكان خطيبا مفوَّهًا، وافر الحُرمة.
أخذ عَنْهُ: أَبُو القاسم بْن الملجوم، وأبو عَمرو بْن عَبْد اللَّه.
تُوُفّي بمرّاكُش [٣] .
- حرف القاف -
٢٦٤- القاسم بْن الفضل بْن عَبْد الواحد بْن الفضل [٤] .
أَبُو المطهَّر بْن أَبِي طاهر الأصبهانيّ، الصَّيْدَلانيّ.
سَمِعَ من: رزق اللَّه التّميميّ، ومكّيّ بْن منصور الكرْجيّ، وغيرهم.
حدَّث عَنْهُ بمُسْنَد الشّافعيّ: أحمد بْن مُحَمَّد الْجَنْزِيّ [٥] ، ثمّ الأصبهانيّ، وروى عَنْهُ: أَبُو نزار ربيعة بْن الْحَسَن اليَمَنيّ، ومحمد بْن مَسْعُود بْن أَبِي الفتح
стр. 18541
المَدِينيّ، والحافظ عَبْد القادر الرُّهَاويّ، ومحمد بْن أَبِي سَعِيد بْن طاهر الفقيه، ومعاوية بْن الفضل، وجماعة.
وروى عَنْهُ: بالإجازة: موفَّق الدّين بْن قُدَامة، وكريمة القُرَشيَّة، وكان من آخر مَن روى عَنْ رزق اللَّه أو آخرهم.
تُوُفّي فِي نصف جُمَادَى الأولى عَنْ نيِّفٍ وتسعين سنة.
ورّخه ابن نقطة [١] .
وروى عَنْهُ أَبُو سعد السَّمعانيّ وقال: كَانَ متميّزا، حريصا عَلَى طلب الحديث، مليح الخطّ، سَمِعَ وأكثرَ وبالَغ.
روى عَنْ: سُلَيْمَان الحافظ، وجدّه لأمّه أَبَا منصور مُحَمَّد بْن عليّ بْن عَبْد الرّزّاق، وطائفة.
- حرف الميم -
٢٦٥- مُحَمَّد بْن أحمد بْن الزُّبَيْر.
أَبُو عَبْد اللَّه القَيْسيّ الشّاطبيّ، عُرِف بالإغريثي، نسبة إلى بعض أعمال شاطِبة.
ولي خطابة شاطِبة، وكان موصوفا بالزُّهْد والخُشُوع وإلا ... [٢] ، والبكاء، مشارا إِلَيْهِ بإجابة الدعوة.
٢٦٦- مُحَمَّد بن أسعد بن محمد بن نصر [٣] .
стр. 18542
الفقيه أَبُو المظفّر بْن عَبْد الحليم [١] البغداديّ، العراقيّ، الحنفيّ، الواعظ، نزيل دمشق، وكان يعِظ بها.
ثمّ درّس بالطَّرخانيَّة وبالصّادريَّة، وبنى لَهُ الأمير معين الدين أُنُزَ مدرسة.
وظهر لَهُ الْقَبُولُ فِي الوعظ.
وسمع: أَبَا عليّ بْن نبهان، وأبا غالب مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد القزّاز، ونور الهدى الزَّيْنَبيّ، وغيرهم.
روى عَنْهُ: أَبُو المواهب بْن صَصْرَى، وأخوه شمس الدّين أبو القاسم، والقاضي أبو نصر بْن الشّيرازيّ، وغيرهم.
قَالَ الحافظ ابن عساكر فِي ترجمته، وذكر أَنَّهُ سَمِعَ «المقامات» من الحريريّ، وألَّف تفسيرا، وشرح «المقامات» : وأنشدني بماردين أبياتا، لقِيتُه بها.
قلت: أنبا بالمقامات الكاتبة أَمَة العزيز بِنْت يوسف بْن غُنَيْمَة بمنزلها، أَنَا أبو نصر بْن الشّيرازيّ، أنا أَبُو المظفَّر الحنفيّ، أنا الحريريّ المصنّف [٢] .
стр. 18543
تُوُفّي عَنْ نيِّفٍ وثمانين سنة بدمشق.
وقد كتب عَنْهُ أَبُو سعد بْن السَّمعانيّ [١] ، رحمه اللَّه تعالى.
٢٦٧- مُحَمَّد بْن سعد بْن مَرْدَنيش [٢] .
الأمير أبو عَبْد اللَّه، صاحب الشّجاعة والإقدام بمرسية ونواحيها.
ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتنقّلت بِهِ الأحوال، وتملّك مُرْسِيَّة وبَلَنْسِيَة، واستعان بالفِرَنْج عَلَى حرب الموحّدين، واستفحل شأنه بعد موت عَبْد المؤمن، فسار إِلَيْهِ أَبُو يعقوب بْن عَبْد المؤمن، وعبر إلى الأَنْدَلُس فِي مائة ألف، ودخل إشبيلية، وجاء إِلَيْهِ أخوه عُمَر، وكان نائبة عَلَى الأَنْدَلُس، فاستشعر ابن مردنيش العجْزَ، والقَهْرَ، ومرض مرضا شديدا، واحتضر، فأمر بنيه أن يبادروا إلى أَبِي يعقوب، ويسلّموا إِلَيْهِ البلاد الّتي بيده.
ومات هُوَ فِي التّاسع والعشرين من رجب، فقيل إنّ أمّه سقته السّمّ لأنّه
стр. 18544
كَانَ قد أساء إلى أهله وخواصّه، فكلّمتْه وأغلظت لَهُ، فتهدّدها حتّى خافت منه، فعملت عَلَيْهِ وسَقَتْه، وبادر إخوته فسلّموا شرق الأَنْدَلُس إلى أَبِي يعقوب، وهي مُرْسِيَّة، وبَلَنْسِيَة، وجَيّان، فأكرمهم وفرح بمحبتهم، وتزوَّج بأختهم، وصاروا من حزبه.
٢٦٨- مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن ميمون بْن إدريس [١] .
أَبُو بَكْر العَبْدريّ، القُرْطُبيّ الأديب.
روى عن: أبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر الأسديّ، وابن مُغِيث، وجماعة.
قَالَ الأَبّار: كَانَ متقدّما فِي عِلْم اللّسان، متصرّفا فِي غيره من الفنون، حافظا، حافلا، شاعر، مُجوِّدًا. نزل مَرّاكُش، وأقرأ بها العربيَّة، والآداب، وشرح «الْجُمَل» للزَّجّاجّي.
حدَّث عَنْهُ: يعيش بْن العديم.
وتوفّي بمرّاكش عَنْ إقلاع وإنابة.
٢٦٩- مُحَمَّد بْن عَبْد الرحيم بْن مُحَمَّد بْن الفَرَج بْن خَلَف [٢] .
الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه ابن الفَرَس الْأَنْصَارِيّ، الخَزْرَجيّ، الغَرْناطيّ.
سَمِعَ أَبَاهُ أَبَا القاسم وأخذ عَنْهُ القراءات، وتفقّه عَلَيْهِ.
وسمع: أَبَا بَكْر بْن عطيَّة، وأبا الْحَسَن بْن الباذش.
ورحل إلى قُرْطُبة فسمع: أَبَا مُحَمَّد بْن عتّاب، وأبا بحر، وابن رشد، وابن مغيث، وطائفة.
стр. 18545
وتفقّه ببعضهم، وأخذ القراءات بقُرطُبة. وعدد شيوخه خمسةٌ وثمانون.
قَالَ الأَبّار: كَانَ عالِمًا، حافِلًا، راوية، مُكثِرًا متحقّقا بالقراءات والفِقْه، وله مشاركة فِي الحديث والأصول مَعَ البَصَر بالفتوى.
نزل مُرْسِيَّة، ووُلّي خطَّة الشُّورى، ثمّ ولي قضاء بَلَنْسِيَة، ثمّ استعفى منه، وكان فِي وقته أحد حُفَّاظ الأَنْدَلُس فِي المسائل مَعَ المعرفة بالآداب.
وكانت أُصُوله أعلاما نفيسة لا نظير لها، جمع منها كثيرا وكتب بخطّه أكثرها.
قَالَ التُّجَيْبيّ: ذُكر لي من فضله ما أزعجني إِلَيْهِ، فلقيت عالِمًا كبيرا، ووجدت عنده [١] جماعة وافرة من شرق الأَنْدَلُس وغربها، يأخذون عَنْهُ الفِقْه، والحديث، والقراءات، إفرادا وجَمْعًا.
وحكى أَنَّهُ قرأ عَلَيْهِ بها وبرواية يعقوب، واستظهر عليه «التّيسير» و «ملخّص القابِسيّ» .
وكان يؤمّ بجامع مُرْسِيَة لحُسْن صوته.
قَالَ الأَبّار: ثنا عَنْهُ جماعة من جِلَّة شيوخنا.
وتُوُفّي فِي شوّال وله ستٌّ وستّون سنة.
٢٧٠- مُحَمَّد بْن عليّ بْن جعفر القَيْسيّ القَلْعيّ [٢] .
من قلعة حمّاد بالمغرب.
أَبُو عَبْد اللَّه بْن الرِّمامة، نزيل مدينة فاس.
تفقّه عَلَى: أَبِي الفضل بْن النَّحْويّ.
ودخل الأَنْدَلُس فسمع من: أبي محمد بن عتاب، وأبي بحر الأَسَديّ.
ووُلّي قضاء فاس فلم يُحمد. وكان عاكفا عَلَى تواليف الغزّاليّ لا سيّما «البسيط» .
стр. 18546
روى عَنْهُ: أَبُو القاسم بْن بَقِيّ، وجماعة.
مات فِي رجب، وله تسعٌ وثمانون سنة، وله تصانيف.
٢٧١- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أحمد [١] .
الفقيه أَبُو حامد [٢] الطُّوسيّ، البَرَويّ [٣] ، الشّافعيّ.
سَمِعَ: مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الفارسيّ، وَعَبْد الوَهَّاب بْن شاه الشّاذياخي وتفقّه بأبي سعد مُحَمَّد بْن يحيى.
وقدِم دمشق سنة خمسٍ وستّين، ونزل بدُوَيْرة السُّمَيْساطيّ، وكان واعظا، فاضلا، مناظرا.
стр. 18547
تُوُفّي ببغداد فِي رمضان وله خمسون سنة. كذا ذكره ابن عساكر.
وأمّا ابن الدَّبِيثيّ فأطنب في وصُفه، وسمّاه مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه البَرَويّ، وقال: أحد علماء عصره، والمُشَار إِلَيْهِ بالتّقدُّم في معرفة الفِقْه، والكلام، والنَّظَر، وحُسْن العبارة والبلاغة. قدِم من دمشق فرُزِق قبولا ببغداد، ودرَّس بها الأُصُول والْجَدَل بالمدرسة البهائيَّة، وكان يحضر درسَه خلْق. ووعظ بالنّظاميَّة ثمّ عاجله الموت.
وقد حدَّث بشيءٍ يسير.
وكنّاه ابن الجوزيّ فِي «منتظمه» [١] أَبَا المظفّر، وقال: قدِم علينا بغداد، وجلس للوعظ، وأظهر مذهب الأشعريّ، وناظَر عَلَيْهِ، وتعصّب عَلَى الحنابلة وبالَغ.
وقال ابن الأثير [٢] : أصابه إسهال فمات، فقيل إنّ الحنابلة أهدوا له حلواء، فأكل منها فمات هُوَ، وكلّ من أكل منها.
وقال سِبْط ابن الْجَوْزيّ [٣] : كَانَ شابّا، حَسَن الصّورة، فصيحا، مليح الإشارة والعبارة بالَغَ في ذَمّ الحنابلة، وقال: لو كَانَ لي أمرٌ لوضعت عليهم الجزْية. فيقال إنهم دسّوا عَلَيْهِ امْرَأَةً جاءته فِي اللّيل بصحن حلْوَى مسموم، وقالت: هذا يا سيّدي مِن منزلي. فأكله هُوَ وامرأته وولدٌ صغير، فأصبحوا مَوْتَى.
وقال ابن خَلِّكان [٤] فِي اسمه: مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد سعد، أَبُو منصور البَرَويّ، صاحب التّعليقة المشهورة فِي الخلاف، وكان من أكبر أصحاب مُحَمَّد بْن يحيى، وله جَدَل مليح مشهور، أكثر اشتغال الفقهاء بِهِ، وشرحه تقي الدّين منصور بْن عَبْد اللَّه الْمَصْرِيّ المعروف بالمعثّر شرحا
стр. 18548
مُشْبِعًا. ودخل البَرَويّ بغدادَ فصادف قبولا وافرا، وتُوُفّي بعد أشهر رحمه اللَّه تعالى.
٢٧٢- المبارك بْن مُحَمَّد بْن المُعَمَّر [١] .
أَبُو المكارم الباذَرَائيّ [٢] ، الرجل الصّالح.
سَمِعَ من: نصر بْن البَطِر، وأحمد بْن عَلِيّ الطُّرَيْثيثيّ، ومحمد بْن عَبْد العزيز الخيّاط، وعليّ بْن عَبْد الرَّحْمَن الجرّاح، وأبي الْحَسَن بْن العلّاف، وغيرهم.
قَالَ الشَّيْخ الموفَّق: شيخ صالح ضعيف، أكثر أوقاته مستلقي عَلَى قفاه، فسألنا عَنِ الصّلاة قاعدا لعجزه.
قلت: روى عَنْهُ: تميم البَنْدَنِيجَيّ، والحافظ عَبْد الغنيّ، وعبد القادر الرّهاويّ، والشَّيْخ الموفّق، وعليّ بْن ثابت الطّالبانيّ، وأبو طَالِب بْن عَبْد السّميع، والضّحّاك بْن أَبِي بَكْر القَطِيعيّ، وعليّ بْن الْحُسَيْن بْن بوش الباورّيّ، وآخرون.
وتُوُفّي ﵀ فِي العشرين من جمادى الآخرة [٣] .
٢٧٣- محمود بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن [٤] .
الفقيه أَبُو المحامد الكُشْمِيهَنيّ المَرْوَزِيّ، الصُّوفيّ.
стр. 18549
روى عَنْ: أَبِي منصور مُحَمَّد بْن عليّ الكراعيّ.
حدّث بدمشق وبغداد.
روى عَنْهُ: عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد السّيّديّ، وأبو القاسم بْن صصريّ، وغير واحد.
تُوُفّي ببغداد.
- حرف النون -
٢٧٤- نصر اللَّه [١] بْن عَبْد اللَّه بْن مخلوف بْن عليّ بْن قَلاقِس [٢] .
القاضي الأغرّ أبو الفُتُوح اللّخْميّ، الأزهريّ، الإسكندريّ الأديب، الشّاعر.
له ديوان مشهور، وكان شاعرا محسِنًا، لَهُ فِي السِّلَفيّ مدائح وهي في ديوانه.
وكان كثير الأسفار. وله فِي كثرة أسفاره:
والنّاس كُثُرٌ ولكْن لا يُقَدَّر لي ... إلّا مرافقةُ الملّاح والحادي [٣]
ثمّ دخل اليمن، ومدح وزيرها أَبَا الفرج ياسر بن بلال وزير الملك
стр. 18550
مُحَمَّد بْن عمران بْن مُحَمَّد بْن الدّاعي سبإ بْن أَبِي السُّعُود اليامي صاحب اليمن.
ورجع من اليمن مُثْرِيًا من جوائزه، فغرق جميع ما معه بقرب دهلك، فردّ إِلَيْهِ وهو عُريان، وأنشده قصيدته الّتي أوّلها:
صَدَرْنا وقد نادى السَّماحُ بنا ردوا ... فَعُدْنا إلى مُغْنَاك وَالْعَوْدُ أحْمَدُ [١]
ثم أنشده قصيدة أخرى، هي:
سافر إذا حاولت [٢] قدْرا ... سار الهلال فَصَار بَدْرَا
والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرّا
وتنقّل [٣] الدُّرر النّفيسةِ ... بُدِّلت بالبحر نَحْرا
يا راويا عَنْ ياسرٍ ... خبرا ولم يعرفه خُبْرا
اقرأ بغُرَّة وجهه ... صُحُف الْمُنَى إنْ كنتَ تَقْرا
والثُمْ بَنَانَ يمينه ... وَقُلِ السّلام عليك بحرا
وغلطت في تشبيهه ... بالبحر فالَّلهُمَّ غُفْرا
أَوَ لَيْسَ نلْتُ بذا غِنى ... جَمًّا ونلتُ بذاك فَقْرا
وعهدت هذا [٤] لم يَزَلْ ... مدّا، وذاك يعود جَزْرا [٥]
وله، ﵀، فِي القاضي الفاضل [٦] هذه:
ما ضرّ ذاك الرّيم أن لا يَريمْ ... لو كَانَ يرثي لسليم سليم
وما عَلَى مَن [٧] وَصَله جَنَّة ... أنْ لا أرى من صدّه في جحيم
стр. 18551
رقيمُ خد نامَ عَنْ ساهرٍ ... ما أجدر النّومَ بأهل الرقيم [١]
وُلِد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتُوُفّي فِي ثالث شوّال بعَيْذاب [٢] .
- حرف الواو -
٢٧٥- وجيه بْن هبة اللَّه بْن المبارك بْن مُوسَى [٣] .
أَبُو العلاء بْن أَبِي البركات السَّقَطيّ، البغداديّ، الأَزَجيّ، من أولاد الشّيوخ.
سَمِعَ: أَبَاهُ، والحسين بْن عليّ بْن البُسْريّ، وأبا سعد بْن خُشَيْش، وأبا القاسم بْن الرَّبَعيّ، والعلافّ، وغيرهم.
روى عَنْهُ: ابن الأخضر، وطاهر الأَزَجيّ، وأبو مُحَمَّد بْن قُدَامة، وآخرون.
وقال ابن النّجّار: كَانَ من دُعاة المواكب الدّيوانيّة، وسكن فِي أواخر عمره أَوَانا.
وقال أَبُو سعد السَّمعانيّ: كتبت عَنْهُ أحاديث، وقال لي أَبُو القاسم الدّمشقيّ: هُوَ أدبر من أَبِيهِ.
قَالَ أَبُو سعد: وقال لي: وُلِدتُ سنة خمسٍ وتسعين، فإنْ صحّ قوله فسماعه من ابن البُسْريّ حضورا [٤] .
قَالَ هبة اللَّه بْن وجيه: تُوُفّي أَبِي فِي ذي القعدة سنة سبْعٍ بصريفين.
стр. 18552
- حرف الياء -
٢٧٦- يحيى بْن سعدون بْن تمام بْن مُحَمَّد [١] .
الْإِمَام أَبُو بَكْر الْأَزْدِيّ القُرْطُبيّ، المقرئ، نزيل الموصل.
قرأ القراءات بالأندلس على أَبِي القاسم خَلَف بْن إِبْرَاهِيم النّحّاس الحصّار مقرئ الأَنْدَلُس، وعلى أَبِي الْحَسَن عون اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن نائبة الخطيب بقُرْطُبة، وتُوُفّي سنة عشر، وأحمد بْن عَبْد الحقّ الخَزْرَجيّ بالأندلس، وما هذان بمعروفين.
ورحل فقرأ بالإسكندريَّة عَلَى: أَبِي القاسم عَبْد الرَّحْمَن بْن الفحّام.
وأتى بغدادَ فقرأ القراءات عَلَى: أَبِي عَبْد اللَّه الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد البارع، وأبي بَكْر المَزْرَفيّ، وسِبْط الخيّاط.
وسمع بقُرْطُبة من: أَبِي مُحَمَّد بن عتّاب، وبالثغر من: أَبِي عَبْد اللَّه الرّازيّ، وبمصر من: أَبِي صادق مرشد بْن يحيى، سَمِعَ منه سنة خمس عشرة «صحيح البخاريّ» .
стр. 18553
وببغداد من: البارع، وابن الحُصَيْن، وأبي العزّ بْن كادش.
ثمّ قدِم دمشقَ فسكنها مدَّة، وأقرأ بها القرآن والنَّحْو. وكان ماهرا بالعربيَّة، بصيرا بالقراءات، عالي الإسناد فيها، شديد العناية بها من صِغَره.
وكان متواضعا، حَسَن الأخلاق، ثقة، نبيلا.
وحدَّث ابن سعدون هذا عَنْ أَبِي القاسم الزَّمَخْشَريّ بكتاب أسماء الجبال والمياه.
وخرج عَنْ دمشق حين توجّه النّصرانيّ الكِنْديّ إليها، فدخل الموصل وذهب إلى أصبهان، ثمّ عاد إلى الموصل فسكنها.
وُلِد فِي ربيع الأوّل سنة ستّ وثمانين وأربعمائة.
روى عَنْهُ: الحافظان ابن عساكر، والسَّمعانيّ، وأَبُو جعفر القُرْطُبيّ والد التّاج، وعبد اللَّه بْن الْحَسَن المَوْصِليّ، ومحمد بْن مُحَمَّد الحِلّيّ، والقاضي بهاء الدّين يوسف بْن شدّاد، وأبو الْحَسَن مُحَمَّد بْن أحمد القَطِيعيّ.
وقرأ عَلَيْهِ القراءات فخر الدّين مُحَمَّد بْن أَبِي المعالي المَوْصِليّ، وعزّ الدّين مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم بْن حرميَّة البوازيجيّ [١] ، وابن شدّاد، والكمال عَبْد المجير بْن مُحَمَّد القُبَيْصيّ بحلب.
قَالَ ابن عساكر [٢] : هُوَ ثقة، ثَبْت.
وقال ابن السَّمعانيّ: هذا أحد أئمّة اللّغة، وله يدٌ قويَّة فِي النَّحْو. قرأ القراءات بروايات عَلَى جماعةٍ بمصر والعراق، وهو فاضل ديِّن، ورع، حَسَن الإقراء والأخْذ. لَهُ وَقَار وسُكون، واشتغال بما يعنيه. سَمِعْتُ منه نسخة أَبِي عَبْد اللَّه الرّازيّ، وكان ثقة، ثَبْتًا، صدوقا، نبيلا، قليل الكلام، كثير الخير، مفيدا.
وقال ابن عساكر [٣] : تُوُفّي يوم الجمعة يوم عيد الفطر.
стр. 18554
وقال ابن خَلِّكان [١] : لقبه: صائن الدّين [٢] .
٢٧٧- يحيى بْن مُحَمَّد بْن عَبْد العزيز بْن عقال [٣] .
أَبُو زكريّا الفِهْريّ، البَلَنْسيّ.
سَمِعَ من: أَبِي الوليد بْن الدّبّاغ، وأبي بَكْر بْن برنْجال، وتفقّه عَلَى أَبِي مُحَمَّد بْن عاشر، وأبي بَكْر بْن أسد.
ولقي بقُرْطُبة أَبَا جعفر البَطْرُوجيّ، فتفقَّه بِهِ، وناظر عَلَيْهِ فِي «المدوّنة» .
وسمع من: أَبِي بَكْر ابن العربيّ.
وبغَرْناطَة من القاضي عِياض.
ووُلّي خطَّة الشُّورَى ببلده.
قَالَ الأَبّار: وكان فقيها، حافظا، مُفْتيا، قائما على «المدوّنة» و «الغنية» ، متين المعرفة، عاكفا عَلَى عقد الشُّروُط.
ووُلّي قضاء أنْدَة من كُوَر بَلَنْسِيَة، وقضاء ألش، فحُمِدَت سِيرته.
أخذ عَنْهُ شيخنا أَبُو عَبْد اللَّه بْن نوح وتفقّه عَلَيْهِ.
تُوُفّي فِي صفر وله ثلاثٌ وستّون سنة.
وتُوُفّي أخوه مُحَمَّد قُبَيْله فِي المحرَّم.
٢٧٨- يحيى بْن مُحَمَّد بْن هانئ بْن ذي النُّون [٤] .
أَبُو بَكْر بْن مانيه التّغْلبيّ، الغَرْناطيّ.
سَمِعَ من: غالب بْن عطيَّة، وأبي الوليد بْن بقول، وأبي بكر بن العربيّ.
стр. 18555
وحجّ سنة ثلاثين.
وسمع من: أَبِي عليّ بن العرجاء.
وبمصر من: سلطان بْن إِبْرَاهِيم المقدسيّ.
وأكثر من السّماع، واستوطن أُوريُولَة، وولي خطابتها، وحدَّث بها.