← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 18586–18625 · переход к 18591.

стр. 18586

وسمعت شيخنا أَبَا الفضل بْن بُنَيْمان الأديب بهَمَذَان يَقُولُ: رَأَيْت الحافظ أَبَا العلاء فِي مسجدٍ من مساجد بغداد يكتب وهُوَ قائم عَلَى رِجْلَيه، لأنّ السِّراج كَانَ عاليا. ثُمَّ نشر اللَّه ذِكْره فِي الآفاق، وعظُم شأنه فِي قلوب الملوك وأرباب المناصب والعوامّ، حَتَّى إنّه كَانَ يمرّ فِي هَمَذَان فلا يبقى أحد رآه إِلَّا قام ودعا لَهُ، حَتَّى الصّبيان واليهود. حَتَّى إنّه كَانَ فِي بعض الأحايين يمضي إلى مُشْكان، بلدةٍ فِي ناحية هَمَذَان، ليصلّي بها الجمعة، فكان يتلقّاه أهلُها خارج البلد، المسلمون عَلَى حِدَة، واليهود عَلَى حِدَة، يدعون لَهُ إلى أن يدخل البلد. وكان يفتح عَلَيْهِ من الدُّنيا جُمَلٌ، فلم يدِّخِرْها، بل كَانَ ينفقها عَلَى تلامذته، حَتَّى إنّه ما كَانَ يكون عنده متعلِّم إِلَّا رتَّب لَهُ دفقا يصل إِلَيْهِ، وإذا قصده أحدٌ يطلب بِرّه وصله بما يجد إِلَيْهِ من السّبيل من مالِه وجاهه، ويتديّن لَهُ. وكانت عَلَيْهِ رسومٌ لأقوام فِي كلّ سنة يبعثها إلى مَكَّة، وبغداد، وغيرهما. وما كَانَ يبرح عَلَيْهِ ألف دينار هَمَذانيَّة أو أكثر من الدَّيْن، مَعَ كثرة ما كَانَ يُفْتَح عَلَيْهِ. وكان يطلب لأصحابه من النَّاس، ويعزّ أصحابَه ومن يلوذ بِهِ، ولا يحضر دعوة حَتَّى تحضر جماعة أصحابه. وكان لا يأكل من أموال الظَّلَمة، ولا قبل منهم مدرسة [١] قطّ ولا رباطا، وإنّما كَانَ يُقرئ فِي داره، ونحن فِي مسجده، فكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعِلْم. وكان لا يغشى السّلاطين، ولا تأخذه فِي اللَّه لومةُ لائم، ولا يمكّن أحدا أن يعمل فِي محلّته مُنْكَرًا ولا سماعا. وكان ينزل كلّ إنسان منزلته، حَتَّى تألّفت القلوب عَلَى محبّته وحُسْن الذِّكْر لَهُ فِي الآفاق البعيدة. حَتَّى أهل خُوارزم، الّذين هُمْ من أشدّ النَّاس في الاعتزال

стр. 18587

كتبوا تصانيفه، وصار لَهُ عندهم من الصِّيت لعلّ قريبا من هَمَذَان، مَعَ مُبَاينتهم لَهُ فِي الاعتقاد، ومعرفتهم شدّته فِي الحنبليَّة. وكان حَسَن الصّلاة، لم أر أحدا من مشايخنا أحسن صلاة منه. وكان متشدّدا فِي أمر الطّهارات، حَتَّى إنّه ما كَانَ يثق بكلّ أحد. وكان لا يدع أحدا يمسُّ مَدَاسَه. وقد حضرتُهُ يوما وأخذ منطرا وجُبَّة بُرْدٍ قد أهديا له، وكانا جديدين بطراوتهما، فجاء بهما إلى بركةٍ فيها ماء وطين وورق الشّجر، فغمسهما فِي الماء وسمعته يَقُولُ: قليلا قليلا ثقة باللَّه. فغسّلهما، وانطفأت نضارتهما. وكان لا يبالي ما لبس. ولا يلبس الكتّان بل القُطْن، ثياب قِصار، وأكمام قصار، وعمامة نحو سبعة أذرُع. وكان لا يتشهّى المواكيل، ولا يكاد يأمر بصنعة طعام. وكانت السُّنَّة شعاره ودِثاره اعتقادا وفِعْلًا. كَانَ لا يكاد يبدأ فِي أمرٍ إِلَّا ابتدأ فِيهِ بسنّة إمّا دعاء وإمّا غير ذَلِكَ. وكان معظِّما للسُّنَّة بحيث أَنَّهُ كَانَ إذا دخل مجلسه أحد، فقدّم لَهُ رِجْله اليُسرى كُلِّف أن يرجع فيُقدِّم اليُمنى. وكان لا يمسّ أحاديث النَّبِيّ ﷺ إِلَّا وهُوَ عَلَى وضوء، ولا يدع شيئا قطّ إِلَّا مُستقبِل القِبلةَ تعظيما لها. ورآني يوما وعلى رأسي قَلَنْسُوَة سوداء مكشوفة فقال: لا تلبسها مكشوفة، فإنّ أوّل من أظهر لُبْسَ هذه القَلانِس أَبُو مُسْلِم الخُراسانيّ. ثُمَّ شرع فِي ذِكر أَبِي مُسْلِم، فذكر أحواله من أوّلها إلى آخرها. قَالَ: وسمعت من أثق بِهِ يحكي أنّ السِّلَفيّ رَأَى طبقة بخطّ أبي العلاء فقال: هذا خطّ أهل الإتقان. وسمعته يحكي عَنْهُ أَنَّهُ ذُكِر لَهُ فقال: قدّمه دينه. وسمعت من أثق بِهِ يحكي عَنْ أَبِي الْحَسَن عَبْد الغافر بْن إِسْمَاعِيل

стр. 18588

الفارسيّ أَنَّهُ قَالَ للحافظ أَبِي العلاء لَمّا دخل نَيْسابور [ما دخل نَيْسابورَ] [١] مثلُك. وسمعت الحافظ أَبَا القاسم عَلِيّ بْن الْحَسَن يَقُولُ، وذكر رجلا من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلْق الحافظ أَبَا العلاء ضاعت سَفْرتُه. قَالَ: وقد روى عَنْهُ الحافظ أَبُو القاسم. وقال الحافظ مُحَمَّد بْن محمود الحِمّانيّ الهَمَذَانيّ: وُلِدَ شيخنا أَبُو العلاء فِي ذي الحِجَّة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. قَالَ: وتُوُفّي فِي تاسع عشر جُمَادَى الأولى. وذكره ابن النّجّار فقال: إمام فِي علوم القراءات، والحديث، والأدب، والزُّهْد، والتَّمَسُّك بالسُّنَن، ﵀ [٢] . ٣١٧-[الْحَسَن] [٣] بْن عَبْد اللَّه بْن حُسَيْن [٤] .

стр. 18589

أَبُو الْحَسَن بْن الأَشِيريّ، الكاتب، نزيل تِلمِسَان. قَالَ الأَبّار: كَانَ عالما بالقراءات، واللّغة، والشِّعر. صَنَّف فِي غريب «الموطّأ» ، وغير ذَلِكَ. ٣١٨-[الْحُسَيْن] [١] بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن حَما [٢] . الشَّيْخ أَبُو عَبْد اللَّه البَغْداديُّ، من وكلاء القُضاة. سَمِعَ من: جَدّه لأمّه أَبِي سَعْد مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الأَسَديّ، وأبي سَعْد بْن خُشَيْش. قَالَ ابن النجّار: ثنا عَنْهُ ابن الأخضر. ولد سنة تسعين وأربعمائة، ومات فِي شوَّال سَنَة تسعٍ. - حرف الدال - ٣١٩-[دُلَف] [٣] بْن كَرَم [٤] . أَبُو الفَرَج العُكْبَرِيّ المقري، الخبّاز. أحد طلبة الحديث ببغداد. سَمِعَ: أَبَا بَكْر الْأَنْصَارِيّ، وأبا القاسم بْن السَّمَرْقَنْديّ فمن بَعدها. سَمِعَ منه: عَلِيّ بْن أَحْمَد الزَّيْديّ، ومكّيّ الفرّاء. وتُوُفّي فِي عَشْر السّبعين. ٣٢٠-[دَهْبَل] [٥] بْن عَلِيّ بْن منصور بْن إِبْرَاهِيم [٦] . المعروف بابن كارِه، أَبُو الْحَسَن الحريميّ، والد عَبْد الله. كان فقيها حنبليّا.

стр. 18590

سمع: الحسين [١] بن علي بن البُسْريّ، وأبا القاسم بْن بيان، وابن نبهان. وكان زاهدا، ثقة. سَمِعَ منه: أَبُو سَعْد بْن السّمعانيّ، وعليّ بْن أَحْمَد الزَّيْديّ، وأبو مُحَمَّد بْن الأخضر، وابن قُدَامة، وأبو المُنَجّا بْن اللّتّيّ، ولُبابة بِنْت الثّلاجيّ، وآخرون. وتُوُفّي فِي ثاني المحرَّم [٢] ، وكان قد أضرّ. - حرف السين - ٣٢١- سَعْد اللَّه بْن مُصْعَب بْن مُحَمَّد [٣] . أَبُو القاسم البَغْداديُّ، المقرئ، المعروف بابن ساقي الماء. قَالَ الدُّبَيْثيّ: بقي أكثر من سبعين سَنَة مقيما بمسجد بالجانب الغربيّ [٤] . قرأ القراءات على: أبي عبد الله البارع. وسمع من: أَبِي القاسم بْن بيان. كتب عَنْهُ: عُمَر الْقُرَشِيّ، وتُوُفّي فِي المحرَّم [٥] . ٣٢٢- سَعِيد بْن المبارك بن عليّ [٦] .

стр. 18591

أَبُو مُحَمَّد بْن الدّهّان البَغْداديُّ [١] ، النَّحْويّ، صاحب المصنَّفات. سَمِعَ: أَبَا القاسم بْن الحُصَيْن، وأبا غالب بْن البنّاء، وغيرهما. كتب عَنْهُ أَبُو سَعْد السّمعانيّ وقال: قال لي: ولدت سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وهُوَ شابٌ فاضل لَهُ معرفة بالنَّحْو ويدٌ باسطة فِي الشِّعْر. شرح «الإيضاح» لأبي عَلِيّ الفارسيّ فِي ثلاثٍ وأربعين مجلَّدًا، وشرح «اللُّمَع» لابن جنّي فِي ثلاثٍ مجلَّدات. وقال ابن الدُّبَيْثيّ [٢] : سكن فِي أواخر عُمره بالمَوْصِل، وأخذ عَنْهُ أهلها. وقال جمال الدِّين القفْطيّ [٣] : رحل إلى أصبهان، وسَمِعَ بها، واستفاد من خزائن وقوفها، وكتب الكثير من الأدب بخطّه. وأخذ النَّاس عَنْهُ. وخرج عَنْ بغداد قاصدا إلى دمشق، فاجتاز بالمَوْصِل وبها وزيرها جمال الدِّين مُحَمَّد الأصبهانيّ الْجَواد [الماضي ذكره] [٤] فأكرمه وصدَره بالمَوْصِل للإفادة. وغرقت كُتُبُه ببغداد فِي غَيبته، ثُمَّ حُمِلت إِلَيْهِ، فشرع فِي تبخيرها باللّاذن ليقطع الرائحة الرَّدِيَّة، إلى أن بخّرها بنحوٍ من ثلاثين رطلا لاذنا [٥] ، فطلع ذَلِكَ إلى رأسه وعينه، فأحدث له العمى.

стр. 18592

ومن شِعره: بادِرْ إلى العَيْش والأيّام راقدةٌ ... ولا تكُنْ لصُرُوف الدَّهْرِ منتظرُ [١] فالعمر كالكأس [٢] يبدو فِي أوائله ... صفْوٌ وآخره فِي قعره الكَدَرُ [٣] وقال الحافظ ابن عساكر: سَمِعْتُ سَعِيد بْن الدّهّان ببغداد يَقُولُ: رَأَيْت فِي النّوم منشدا يُنشد محبوبه. أيُّها الماطِلُ دَيْني ... أَمَلِيٌّ وتماطلْ؟ عَلِّلِ القلبَ فإنّي ... قانعٌ منك بباطِلْ [٤] ولَهُ: «سرقات المتنبّي» فِي مجلَّد، وكتاب «التّذكرة» سبْع مجلَّدات. قَالَ أَبُو العماد الكاتب [٥] : هُوَ سِيبَوَيْه عصره، ووحيد دهره. لقيته ببغداد، وكان يقال حينئذٍ: النَّحْويّون فِي بغداد أربعة: ابن الجواليقيّ، وابن الشّجَريّ، وابن الخشّاب، وابن الدّهّان [٦] . وقال ابن خَلِّكان [٧] : لَقَبُه: ناصح الدِّين، رحمه اللَّه تعالى. ٣٢٣- سلمان بْن عَلِيّ بْن عَبْد الرَّحْمَن [٨] . أَبُو تميم الرَّحبيّ، الدمشقيّ، الخبّاز. سَمِعَ جزءا من عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَسَن الحِنّائيّ، وهو آخر من حدَّث عَنْهُ. روى عَنْهُ: الحافظان أَبُو المواهب، وعبد الغنيّ، والشّيخ المُوفَّق، وأبو

стр. 18593

القاسم بْن صَصْرى، وعبد الرَّحْمَن بْن عُمَر النّسّاج، والقاضي عُمَر بْن المُنَجّا. قَالَ أَبُو المواهب: تُوُفّي فِي ربيع الآخر، وكان مُقْرِئًا صالحا. ما حَدَّثَنَا عَنِ ابن الحِنّائيّ سواه. - حرف العين - ٣٢٤- عبد الله بن أحمد بن الْحُسَيْن [١] . أَبُو مُحَمَّد بْن النّقّار الطّرابُلُسيّ، الشّاميّ، الحِمْيَريّ، الكاتب، المُعَدَّل [٢] . وُلِدَ بأطْرابُلُس سَنَة تسعٍ وسبعين وأربعمائة، وعاش تسعين سَنَة [٣] . قَدِمَ دمشقَ شابّا عند استيلاء العدوِّ عَلَى أَطْرابُلُس، وتقدَّم فِي كتابة الإنشاء، وكتب لصاحب الشّام.

стр. 18594

وكان جيّد النَّظْم والنَّثْر، كبير القدْر. روى عَنْهُ ابن عساكر فِي «تاريخه» قصيدتين [١] . ٣٢٥- عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن هِبَة اللَّه بْن محمد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حَسْنُونَ [٢] . أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي نصر بْن أَبِي طاهر بْن أَبِي الْحُسَيْن النَّرْسِيّ، البَغْداديُّ. من بيت العدالة والرِّواية. سَمِعَ: أَبَا الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد السّلام، وأبا غالب الباقِلّانيَ، وأبا بَكْر الطُّرَيْثِيثيّ، وأبا الْحُسَيْن بْن الطُّيوريّ، وابن العلّاف. سَمِعَ منه: عليّ بْن أَحْمَد الزَّيْديّ، وأبو بَكْر الباقداريّ. وحدَّث عَنْهُ جماعة وأثنوا عَلَيْهِ منهم: الحافظ عَبْد الغنيّ، وأبو مُحَمَّد بْن قُدَامة، وعبد العزيز بْن الأخضر، وحفيداه أَحْمَد وإسماعيل ابنا إِسْمَاعِيل بْن النّرسيّ.

стр. 18595

وكان يُلَقَّب بالحمامة. تُوُفّي ﵀ فِي رمضان ولَهُ ثلاثٌ وثمانون سَنَة. ٣٢٦- عَبْد الواحد بْن عَبْد الماجد بْن عَبْد الواحد بْن الأستاذ أَبِي القاسم القُشَيْريّ [١] . أَبُو مُحَمَّد النَّيْسَابوريّ، الصُّوفيّ. حدَّث بدمشق وبغداد [٢] عَنْ أَبِيهِ، وعبد الغفّار الشّيْروييّ [٣] ، ومحمد بن أحمد بن صاعد. روى عنه: الحافظ ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصريّ، والجماعة. وتوفّي ﵀ في المحرّم بأصبهان [٤] . ٣٢٧-[عبد الواحد] [٥] بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد [٦] . أبو نصر الفضلوسيّ [٧] الكرجيّ، الصّوفيّ، الزّاهد. له عبادة ومجاهدات، وسافر الكثير ولقي المشايخ. وحجّ مرات. وربّما حجّ منفردا متوكّلا. وسَمِعَ بأصبهان، وبغداد، ومصر. وَسَمِعَ من: أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أحمد الرّازيّ، وأبي القاسم بن الحصين. وكان أبو الفرج بن النّقّور قد كتب عنه عجائب، وأنّه قد رأى الخضر ورأى الجن.

стр. 18596

ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وروى عنه جماعة منهم أبو سعد السّمعانيّ [١] . وقال ابن الدّبيثيّ [٢] إنّه توفّي بالكرخ في سنة تسع هذه [٣] . ٣٢٨- عبد النَّبِيّ بْن المهديّ [٤] . اليمنيّ الخارجيّ، المُلَقَّب بالمهديّ. كَانَ أَبُوهُ المهديّ قد استولى عَلَى اليمن، وظلم وعَسَف، وشقّ بطن الْحَبَالَى، وذبح الأطفال، وتمرَّد عَلَى اللَّه. وكان يرى رأي القرامطة. وولي الأمر بعده عَبْد النَّبِيّ هذا، ففعل أنحس من فعل الوالد، وسبى النّساء، وبنى عَلَى قبر أَبِيهِ قُبَّةً عظيمة لم يُعمل فِي الْإِسْلَام مثلها، فإنّه صفَّح حيطانها بالذَّهب والجواهر، ظاهرا وباطنا، وعمل لها سُتُور الحرير، والقناديل الذَّهب، فيقال إنّه أمر النَّاس بالحجّ إلى قبر أَبِيهِ، كما لحجّ الكعبة، وأن يحمل كلّ واحدٍ إليها مالا، ومن لم يحمل مالا قتله، ومنعهم من الحج، فكانوا يقصدونها من السَّحَر، واجتمع فيها أموالٌ لا تُحْصَى، وانهمك فِي اللّذّات والفواحش إلى أن قصمه اللَّه واستأصله على يد شمس الدّولة ابن

стр. 18597

أيّوب، واستولى عَلَى جميع خزائنه وعذّبَه، ثُمَّ قتله، وهدم القُبَّة، وأحرق ما فيها. هذا معنى ما قاله صاحب «مرآة الزّمان» [١] . ٣٢٩- عليّ بْن أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر [٢] . أَبُو الْحَسَن الكِنَانيّ [٣] أَبِي الْحُسَيْن القُرْطُبيّ، نزيل مدينة فاس. مَعَ «الموطّأ» بقراءة أَبِيهِ من: أَبِي عبد اللَّه مُحَمَّد بْن الفَرَج مولى الطَّلّاع. وسَمِعَ من: أَبِي الْحَسَن القَيْسيّ، وأخذ عَنْهُ القراءات، وخازم بْن مُحَمَّد، وأبي القاسم بْن مُدِير، وأبي الوليد بْن خشرم. وأخذ عَنْهُ الكبار. وأخذ أيضا عَنْ: الْحَسَن بْن شفيع، وأبي عُمَر الألْبِيرِيّ. وقرأ بجيّان عَلَى: أَبِي عامر محمد بن حبيب. ثمّ حجّ سنة خمسمائة، ولقي أَبَا حامد الغزاليّ وصحِبَه. كذا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الأَبّار [٤] : وفي هذا نظر، إِلَّا أن يكون دخل خُراسان، وهُوَ محتَمَل عَلَى بُعْد. قَالَ: وأقام ببيت المقدس يعلِّم القرآن تسعة أشهر، ثُمَّ انصرف واستوطن مدينة فاس سنة ثلاث وخمسمائة، وتصدَّر للإقراء، وطال عُمره. وروى عَنْهُ من شيوخنا: أبو القاسم بن بقيّ، وأبو زكريّا النّادليّ.

стр. 18598

وقرأتُ عَلَى النّادليّ كتاب «الشّهاب» للقُضَاعيّ، بسماعه منه، عَن القَيْسيّ، عَنْ مؤلّفه. وكان مَوْلِدُه سنة ستّ وسبعين وأربعمائة. قلت: عاش ثلاثا وتسعين سَنَة. وكان من أسْنَد أهل وقته. وقد روى عَنْهُ بالإجازة أَبُو الْحَسَن بْن المُفَضَّل، وبالسّماع عَبْد العزيز بْن عَلِيّ بْن زيدان النَّحْويّ السِّمْنانيّ، نزيل فاس [١] . ٣٣٠- عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن المسلّم. أَبُو الْحَسَن الْأَنْصَارِيّ، الزّاهد، المعروف بابن بِنْت أَبِي سعد. توفّي بمصر في رجب. وقد حدَّث قبل موته بيسير. وكان محدِّثًا، عارِفًا بشيوخ المصريّين. أخذ عَنْهُ الحافظ عَبْد الغنيّ، والمصريّون.

стр. 18599

٣٣١- عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي الأسود [١] . أَبُو الْحُسَيْن بْن البَلّى [٢] البَغْداديُّ، عمّ هِبَة اللَّه بْن البَلّ. روى عَنْ: أَبِي القاسم الرَّبَعيّ، وابن بيان الرّزّاز. سمع منه: عليّ بن أحمد الزّيديّ، وغير واحد. وروى عنه: عليّ بن محمد العلويّ، وابن الأخضر، وموفّق الدّين المقدسيّ، وآخرون. توفّي في ذي الحجّة [٣] . ٣٣٢- عليّ بن الحَسَن بن عَليّ [٤] . أَبُو الحَسَن بن الرّميليّ [٥] ، الفقيه الشّافعيّ. كان من أئمّة الشّافعيّة، ورشّح ببغداد لتدريس النّظاميّة. وروى القليل عَنْ: الأُرْمَويّ، وأبي الوقت. ولَهُ تعليقة فِي الخلاف. وكتب عَلَى طريقة ابن البوّاب، وأعاد بالنّظاميّة [٦] .

стр. 18600

٣٣٣- عُمَارة بْن عَلِيّ بْن زَيْدَان [١] . الفقيه أَبُو مُحَمَّد الحَكَميّ، المَذْحِجيّ، اليَمَنيّ، نجم الدِّين الشّافعيّ، الفَرَضيّ. الشَّاعر المشهور. تَفَقَّه بزَبِيد مُدَّة أربع سِنين فِي المدرسة. وحجَّ سَنَة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. ومولده سنة خمس عشرة.

стр. 18601

وسيّره صاحب مَكَّة قاسم بْن هاشم بْن فُلَيْتَة رسولا إلى الفائز خليفة مصر، فامتدحه بقصيدته الميميَّة [١] ، وهي: الحمدُ للعيسِ [٢] بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ ... حَمْدًا يقومُ بما أَوْلَتْ [٣] من النِّعَمِ لا أجحد الحقّ [٤] ، عندي للركابِ يدٌ ... تمنَّت اللُّجَمُ فيها رقبَة [٥] الخطمِ قَرَّبْنَ بُعد مزار العزّ من نَظَري [٦] ... حَتَّى رَأَيْتُ إمام العَصر من أُمَمِ ورُحْنَ [٧] من كعبةِ البطحاء والحَرَم ... وَفْدًا إلى [٨] كعبة المعروف والكَرَمِ فهل دري البيت أَنّي بعد فُرْقته [٩] ... ما سِرْتُ من حَرَمٍ إِلَّا إلى حَرَمِ حيث الخلافةُ مضروبٌ سُرَادِقُها ... بين النّقيضَيْنِ من عفْوٍ ومن نَقَمِ وللإمامةِ أنوارٌ مُقَدَّسَةٌ ... تجلو البغيضين مِن ظُلْمِ ومِن ظُلَمِ وللنُّبُوَّةِ آياتٌ تُنَصّ [١٠] لنا ... عَلَى الخفيّين مِن حُكْمٍ ومِن حِكَمِ وللمكارِمِ أعلامٌ تَعلِّمُنَا ... مدحَ الجزيلين من بأسٍ ومن كَرَمِ وللعُلا ألْسُنٌ تُثْنِي محاوِرُها ... عَلَى الحميدين من فِعْلٍ ومن شِيَمِ أقسمتُ بالفائز المعصوم معتقدا ... فوزَ النَّجَاةِ وأجَر البِرِّ فِي القَسَمِ لقد حمى الدِّينَ والدّنيا وأهْلَهما [١١] ... وزيرُه الصّالح الفرّاجُ للغم

стр. 18602

اللّابسُ الفخْرَ لم تَنْسج غلائلَه ... إِلَّا يدُ الصّنعتين [١] السّيف والقَلَمِ ليت الكواكب تدنو لي فأَنْظمها ... عقودَ مَدْحٍ فما أرضى لكم كَلِمِي [٢] فوصلوه. ثُمَّ ردّ إلى مَكَّة، وعاد إلى زَبِيد. ثُمَّ حجَّ، فأعاده صاحب مَكَّة فِي الرسْليَّة، فاستوطن مصر. قَالَ ابن خَلِّكَان [٣] : وكان شافعيّا شديد التّعصُّب للسُّنَّة، أديبا، ماهرا، ولم يزل ماشى الحال في دولة المصريّين إلى أن ملك صلاح الدِّين، فمدحه ومَدَح جماعة. ثُمَّ إنّه شرع فِي أمور، وأخذ فِي اتّفاقٍ مَعَ رؤساء البلد فِي التّعصُّب للعُبَيْديّين وإعادة أمرهم، فَنُقِل أمرهم، وكانوا ثمانية مِن الأعيان، فأمر صلاح الدِّين بشنْقهم فِي رمضان بالقاهرة، وكفى اللَّه شرَّهم. ولعُمَارة كتاب «أخبار اليمن» ، ولَهُ شيءٌ فِي أخبار خلفاء مصر ووزرائها. وكان هَؤُلَاءِ المخذولون قد همّوا بإقامة وُلِدَ العاضد. وقيل إنّهم كاتبوا الفِرَنج لينجدوهم، فَنَمَّ عليهم رَجُل جنديّ. وقد نُسِب إلى عمارة بيت شِعْر، وهُوَ: قد كَانَ مبدأ هذا الأمر من رَجُل [٤] ... سعى إلى أن دعوه سيّد الأمم فأفتى الفقهاء بقتله.

стр. 18603

ولَهُ ديوان مشهور. وللفقيه عمارة مجلَّد فِيهِ «النُّكَت العصريَّة فِي الدَّولة المصريَّة» [١] ترجم نفسه فِي أوّله فقال [٢] : والحديثُ كما قِيلَ شُجُون، والجدُّ قد يُخلط بالمُجُون، وعسى أن يَقُولُ من وقع في يده هذا المجموع: خبّرتنا عَنْ غيرك، فَمَن تكون؟ وإلى أيّ عشٍّ ترجع من الوكون؟ وأنا أقتصر وأختصر: فأمّا جُرْثُومة النَّسَب فقَحْطانُ، ثُمَّ الحَكَم بعد سَعْد [٣] العشيرة المَذْحِجيّ. وأمّا الوطن فمن تِهامة باليمن مدينة يقال لها مُرْطان من وادي وَسَارع [٤] ، بعدها من مَكَّة [٥] أحد عشر يوما، وبها المولد والمَرْبَى، وأهلها بقيَّة العرب في تِهامة، لأنّهم لا يُساكنهم حَضَريّ ولا يناكحونه، ولا يُجيزون شهادتَه، ولا يرضَوْن بقتله قَوَدًا بأحدٍ منهم. ولذلك سلمت لغتهم من الفساد. وكانت رياستهم [٦] تنتمي [٧] إلى المُثيب بْن سُلَيْمَان، وهُوَ جدّي من جهة الأمّ، وإلى زَيْدان، وهُوَ جدّي لأبي، وهما أبناء عمّ. وكان زيدان يَقُولُ: أَنَا أعدّ من أسلافي أحد عشر جِدًّا، ما منهم إِلَّا عالم مُصَنَّف فِي عِدَّة علوم. ولقد أدركتُ عمّي عَلِيّ بْن زَيْدان وخالي مُحَمَّد بْن المُثيب، ورياسة حَكَم بْن سَعْد [٨] تقف عليهما [٩] . وما أعرق فيمن رأيته أحدا يشبه عمّي

стр. 18604

عليّا [١] فِي السُّؤدُد [٢] . وحدَّثني أخي يحيى بْن أَبِي الْحَسَن، وكان عالما بأيّام النَّاس [٣] ، قَالَ: لو كَانَ عمّك عَلِيّ بْن زَيْدان فِي زمن نبيٍّ لكان حواريّا [لَهُ] [٤] أو صِدّيقًا لفرط سُؤْدُده. وحدَّثني الفقيه مُحَمَّد بْن حُسَيْن الأَوْقَص، وكان صالحا، قَالَ: واللهِ لو كَانَ عَلِيّ بْن زَيْدان قُرَشِيًّا ودعانا إلى بَيْعتِه لمُتْنا تحت رايته لاجتماع شروط الخلافة فِيهِ [٥] . قَالَ لي أخي يحيى [٦] : كَانَ عَلِيّ لا يغضب، ولا يَقْذَع فِي القول، ولا يَجْبُن، ولا يَبْخَل، ولا يضرب مملوكا أبدا، ولا يردّ سائلا، ولا عصى اللَّه تعالى بقولٍ ولا فِعْل، وهذه هِمَّة الملوك، وأخلاق الصِّدّيقين. وحسبُكَ أَنَّهُ حجَّ أربعين حَجَّة، وزار النَّبِيّ ﷺ عشر مرّات [٧] ، ورآه فِي النّوم خمس مرّات، وأخبره بأمورٍ لم يُخْرَم منها شيء. فقلت لأخي: مَن القائل؟ [٨] : إذا طَرَقَتْك أحداقُ اللّيالي ... ولم يوجَد لعلّتها طبيبُ وأَعْوَزَ من مُجيرك [٩] من سُطاها ... فزَيْدانُ هُجيرك [٩] والمثيبُ هما ردّا عليَّ شَتِيت مُلكي ... ووجه الدّهر من رغم قطوب

стр. 18605

وقاما عند خذْلاني بنَصْري ... قياما تستكين لَهُ الخُطُوبُ فقال: هُوَ السُّلطان عَلِيّ بْن حَبابة [١] . وكان قومه قد أخرجوه من مُلكه، وأحقروه [٢] من مِلكه وولّوا عليهم أخاه سَلامة، فنزل بهما، فسارا معه فِي جُمُوعٍ من قومهما حَتَّى عزلا سلامة وردّوا [٣] عليّا وأصلحا لَهُ قومه. وكان الَّذِي وصل إِلَيْهِ من برّهما وأنفقاه عَلَى الجيش فِي نُصْرته ما ينيف عَلَى خمسين ألفا [٤] . حدَّثني أَبِي قَالَ: مرض عَلِيّ بْن زيدان مرضا أشرف منه [٥] على الموت ثُمَّ أَبَلَّ منه، فأنشدتُه لرجلٍ من بني الحارث يُدعى سالم [٦] بْن شافع، وكان وفد عَلَيْهِ يستعينه فِي دِيَة قتيل لزِمَتْه، فلمّا اشتغلنا بمرضه رجع [٧] الحارثيّ إلى قومه [٨] : إذا أَوْدَى ابنُ زيَدانٍ عليّ ... فلا طلعتْ نجومُك يا سماءُ ولا اشتَمل النّساء عَلَى حَنين ... ولا روّى الثَّرَى للسحب ماء عَلَى الدُّنيا وساكِنها جميعا ... إذا أَوْدَى أَبُو الْحَسَن العَفاءُ قَالَ: فبكى عمّي وأمرني بإحضار الحارثيّ، ودفع إِلَيْهِ ألف دينار. وبعد ستة أشهر ساق عَنْهُ الدِّيَة. وحدَّثني خالي مُحَمَّد بْن المثيب قَالَ: أجدب النَّاسُ سَنَةً، ففرَّق عَلِيّ بن زيدان على المقلّين أربعمائة بقرة لبون، ومائتي ناقة لبون [٩] .

стр. 18606

وأذكر وأنا طفل [١] أنّ معلّمي عطيَّة بْن مُحَمَّد [٢] بعثني إلى عمّي بكتابةٍ كتبها فِي لوحي. فضمّني إِلَيْهِ وأجلسني فِي حُجْره وقال: كم يعطى الأديب؟ قلت: بقرة لبونا [٣] . فضحك، ثُمَّ أمر لَهُ بمائة بقرةٍ لبونٍ معها أولادها، ووهب لَهُ غلّة أرضٍ حصل لَهُ منها ألفا إرْدَبّ من السِّمْسمِ خاصَّة. وأمَّا سعة أمواله، فلم تكُنْ تدخل [تحت] [٤] حصر، بل كَانَ الفارس يمشي من صلاة الصُّبح إلى آخر السّاعة [٥] فِي فرقانات من الإِبِل [٦] والبقر والغَنَم كلّها لَهُ. وكان يسكن فِي مدينةٍ منفرِدةٍ عَنِ البلد الكبير. وأمّا حماسته وشدَّة بأسه فيُضْرَب بها المثل، وهُوَ شيءٌ يزيد عَلَى العادة بنوع من التّأييد، فلم يكن أحدٌ يقدر أن يجرّ قوسه. وكان سهمه ينفذ من الدَّرَقَة ومن الْإِنْسَان الَّذِي تحتها [٧] . وكان النَّاس يسرّحون أموالهم إلى وادٍ مُعْشِبٍ مُخْصِبٍ فسيحٍ [٨] بعيدٍ من البلد [٩] ، وفيه عبيدٌ متغلّبة [١٠] نحوٌ من ثلاثة آلاف راجل، قد حموا ذَلِكَ الوادي بالسّيف، يقطعون الطّريق، ويعتصمون بشعفات الجبال وصياصيها. وكان العدد الَّذِي يسرح مع المال [١١] في كلّ يوم خمسمائة قوس ومائة فَارس. فشكى النَّاس إلى عَلِيّ بْن زيدان أنّ فيهم من قد طال شعره، وانقطع

стр. 18607

حذاؤه ووتره، وسألوه أن ينظر لهم [فِي] [١] من ينوب عَنْهُمْ يوما ليُصلحوا أحوالهم. فنادى مناديه [٢] باللّيل: من أراد أن يقعد فلْيقعد، فقد كُفي. ثُمَّ أمر الرِّعاء فرحلوا [٣] ، وركب وحده فرسا لَهُ نجديّا من أكرم [٤] الخيل سَبْقًا وأدبا وجنّب حِجْرة. فما هُوَ إِلَّا أنْ وردت الأنعام ذَلِكَ الوادي حَتَّى خرجت عليها العبيد، فاستاقوها وقتلوا من الرِّعاء تسعة. فركب ابن زيدان فأدرك العبيد، وهم سبعمائة رَجُل [٥] أبطال [٦] ، فقال لهم: رُدُّوا المال، وإلّا فأنا عَلِيّ بْن زيدان. فتسرّعوا إِلَيْهِ فكان لا يضع سهما إِلَّا بقتيلٍ [٧] ، حَتَّى إذا ضايقوه اندفع عَنْهُمْ غير بعيدٍ، فإذا ولّوا كرّ عليهم [٨] ، ولم يزل ذَلِكَ دأبه ودأبهم حَتَّى قتل منهم خمسة وتسعين رجلا، فطلب الباقون أمانه ففعل، وأمرهم أن يدير بعضُهم بكتاف بعضٍ، ففعلوا، وأخذ جميع أسلحتهم [٩] فحمّلها بعمائمهم عَلَى ظهور الإبِل، وعاد والعبيد بين يديه أسارى. وقد كَانَ بعض الرِّعاء هرب فنعاه إلى النَّاس، فخرج النَّاس أرسالا حَتَّى لقوة العصر خارجا من الوادي، والمواشي سالمة، والعبيد أسارى [١٠] . قَالَ لي أَبِي: أذكر أنّا لم نصل تِلْكَ اللّيلة صحبته [١١] إلى المدينة حتّى

стр. 18608

كسرت العربُ عَلَى باب داري ألف سيف، حَتَّى قِيلَ إنّ عليّا قُتل وامتدّ الخبر إلى بني الحارث، وكانوا خَلْفا [١] ، فأصبح فِي منازلهم سبعون فرسا معقورة مكسورة حزنا عَلَيْهِ. ثُمَّ اصطنع العبيد وأعتقهم، وردّ عليهم أسلحتهم، فتكفّلوا لَهُ أمان البلاد من عشائرهم. وكان السُّفهاء والشّباب منّا [٢] لا يزال يجني بعضهم عَلَى بعض، ويكثر الجراح والقتْل، فأذكر عشيَّة أنّ القوم هزمونا حَتَّى أدخلونا البيوت، فقيل لهم: هذا عَلِيّ أقبل. فانهزموا حَتَّى مات تحت أرجل القوم ثلاثة رجال. ثُمَّ أصلح بين النَّاس [٣] . تُوُفّي عَلِيّ بْن زيدان سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وتبِعَه خالي مُحَمَّد بْن المثيب سَنَة ثمانٍ، فكان أَبِي يتمثَّل بعدهما بقول الشَّاعر: ومن الشّقاء تفرُّدي بالسُّؤْدُدِ [٤] وتماسكت أحوال النَّاس لوالدي سَنَة تسعٍ وعشرين، وفيها أدركت الحُلْم. ثُمَّ مُنِعْنا الغَيْثَ سَنَةً وبعض أخرى، حَتَّى هلك الحَرْث [٥] ، ومات النَّاس فِي بيوتهم، فلم يجدوا من يدفنهم. وفي سَنَة إحدى وثلاثين دَفَعَتْ لي والدتي مَصُوغًا لها بألف مِثْقال [٦] ، ودفع لي أبي أربعمائة دينار وسبعين، وقالا لي: تمضي إلى زَبِيد إلى الوزير مُسْلِم بْن سَخْت، وتُنْفِق هذا المال عليك وتنفقه، ولا ترجع حَتَّى تُفْلِح، وزبيد عنّا تسعة أيام.

стр. 18609

فأنزلني الوزير فِي داره مَعَ أولاده، ولازمتُ الطَّلَب، فأقمتُ أربع سِنين لا أخرج من المدرسة إِلَّا لصلاة الجمعة. ثُمَّ زرت أبويّ فِي السّنة الخامسة ورددت ذَلِكَ المصاغ، ولم أحْتَجْ إِلَيْهِ [١] . وتفقّهت، وقرأ عليَّ جماعة فِي مذهب الشّافعيّ والفرائض. ولي فيها مُصَنَّف يُقرأ باليمن [٢] . وقد زارني والدي بزَبِيد سَنَة تسعٍ وثلاثين، فأنشدته من شِعري، فاستحسنه واستحلفني أن لا أهجوَ مسلما. فحلفت لَهُ، ولطف اللَّه بي، فلم أهْجُ أحدا، سوى إنسانٍ هجاني ببيتين بحضرة الملك الصّالح، يعني ابنُ رُزّيك، فأقسم عليَّ أن أُجيبه [٣] . وحججت مَعَ الحُرَّة أمّ فاتك ملك [٤] زَبِيد، ورُبّما حجَّ معها أهل اليمن فِي أربعة آلاف بعير. ويسافر الرحل منهم بحريمه وأولاده [٥] . إلى أن قَالَ: فأذكر ليلةَ، وقد سئمت ركوبَ المحمل، أنّي ركبت نجيبا [٦] ، وحين تهوّر اللّيل آنَسْتُ حسّا، فوجدت هودجا مُفْرَدًا، والبعير يَرتعي [٧] ، فناديت مِرارًا: يا أهل الجمل [٨] . فلم يكلّمني أحد، فدنوت فإذا امرأتان نائمتان فِي الهودج، أرجُلُهما خارجةُ [٩] ولكلّ واحدَّةٍ زوج خلخال من الذَّهَب. فسلبت الزّوجين من أرجلهما وهما لا تعقلان [١٠] ، وأخذت بخطام

стр. 18610

الجمل [١] حَتَّى أبركته فِي المَحَجَّة العُظْمَى وعَقَلْتُه، وبعدتُ عَنْهُ بحيث أشاهده، حَتَّى مرّت قافلةٌ، فأقاموا البعير وساقوه. فلمّا أصبح النَّاس إذا صائح يَنْشُد الضّالَّة، ويبذل لمن ردّها مائة دينار. وإذا هما امرأتان لبعض أكابر أهل زَبِيد. وكانت عادة الحُرَّة أن تمشي فِي السّاقة، فمن نام أَيْقَظَتْه، وكان لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين. وحين تنصّفت اللّيلة الثّانية تأخّرت حَتَّى مرّ بي محملها، فبادر الغلمان إليَّ وقالوا: لك حاجة؟ فقلت: الحديث مَعَ الحُرَّة. ففعلوا ذَلِكَ، فأخرجَتْ رأسَها من سَجَف الهودج. قَالَ: فناولتُها الزَّوْجَين، وبلغني أنّ وزنهما ألف مِثْقال، فَقالَتْ: ما اسمُك؟ ومن تكون؟ فقد وجب حقّك. فأعلمتُها، وحصل لي منها جانب قويّ وصورة وتقدُّم، وتسهّل الوصول إليها فِي كلّ وقت. وبذلك حصلت معرفة بالوزير القائد أَبِي مُحَمَّد سرور الفاتكيّ. وكسبت بمعرفتها مالا جزيلا [٢] . وتجرت لها بألوفٍ من المال، وتردّدت إلى عدن، وحصلت لي صُحْبة أهل عدن. وقضى ذَلِكَ باتِّساع الحال وذهاب الصّيت، حَتَّى كَانَ القاضي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَبِي عقامة الحفائليّ [٣] رأس أهل العِلْم والأدب بزَبِيد يَقُولُ لي: أنت خارجيّ هذا الوقت وسعيده، لأنّك أصحبت تُعدّ من جملة أكابر التّجّار وأهل الثّروة، ومن أعيان الفقهاء الّذين أفتوا، ومن أفضل أهل الأدب. فأمّا الوجاهة عند أهل الدّول، ونعمة خدّك بالطّيب واللّباس وكثرة السّراري، فو الله ما أعرف من يَعشرك فِيهِ، فهنيئا لك.

стр. 18611

فكأنّه واللهِ بهذا القول نعى إليَّ حالي وذَهاب مالي. وذلك أنّ كتاب الدّاعي مُحَمَّد بْن سبإ صاحب عدن [جاءني] [١] من ذي الحِجَّة يستدعي وصولي إِلَيْهِ، فاستأذنت أهل زَبِيد، فأذِنُوا لي على غشّ. وكانت للدّاعي بيدي خمسة آلاف دينار سيَّرها معي أتباعٌ لَهُ، بها أمتعة من مَكَّة وزَبِيد، فلمّا قدِمْت إلى ذي جَبْلة وجدُتُه قد دخل عروسا عَلَى ابْنَة السُّلطان عَبْد اللَّه [٢] . وكان جماعة من أكابر التّجّار والأعيان، مثل بركات ابن المقرئ، وحسن ابن الحمّار [٣] ، ومُرَجّى [٤] الحَرّانيّ، وعليّ بْن مُحَمَّد النّيليّ، والفقيه أَبِي الْحَسَن بْن مهديّ القائم الَّذِي قام باليمن، وأزال دولة أهل زَبِيد، وكانوا قد سبقوني ولم يصلوا إلى الدّاعي. فلمّا وصلت إلى ذي جَبْلة كتبت إِلَيْهِ قول أَبِي الطّيب: كُنْ حيثُ شئتَ تصل إليك رِكابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنت الأوحدُ [٥] ثُمَّ أتْبَعْتُ ذَلِكَ برُقْعةٍ أطلب الإِذْن بالاجتماع بِهِ، فكتب بخطّه عَلَى ظهرها: مرحبا مرحبا قدومُك بالسّعد ... فقد أشرقت بك الآفاقُ لو فرشنا الأحداقَ حَتَّى تطأهنّ ... لقلّتُ فِي حقّك الأحداقُ وكان هذان البيتان ممّا حفظه عَنْ جاريةٍ مغنيَّةٍ كنت أهديتها إِلَيْهِ، واتّفق أنّ الرُّقْعة وصلت مفتوحة بيد غلامٍ جاهل، فلم تقع فِي يدي حَتَّى وقف عليها الجماعة كلّهم، وركبت إِلَيْهِ فأقمت عنده فِي المستنْزَه أربعة أيّام، فما مِن الجماعة إِلَّا مَن كتب إلى [٦] أهل زَبِيد بما يوجب سفك دمي، ولا علم لي،

стр. 18612

حَسَدًا منهم وبَغْيًا. وكان ممّا تمّموا بِهِ المكيدةَ عليّ ونسبوه إليَّ، أنّ عَلِيّ بْن مهديّ صاحب الدَّولة اليوم باليمن التمس من الدّاعي مُحَمَّد بْن سبإ أن ينصره عَلَى أهل زَبِيد، فسألني الدّاعي أن أعتذر عَنْهُ إلى عَلِيّ بْن مهديّ لِما كَانَ بيني وبين ابن مهديّ من أكيد الصُّحبة فِي مبادي أمره، لأنّي لم أفارقْه إِلَّا بعد أن استفحل أمره، وكشف القناع فِي عداوة أهل زَبِيد، فتركته خوفا عَلَى مالي وأولادي لأنّي مقيمٌ بينهم. وحين رجعت إلى زَبِيد من تِلْكَ السُّفْرة وجدتُ القوم قد كتبوا إلى أهل زَبِيد فِي حقّي كُتُبًا مضمونها: إنّ فُلانًا كَانَ الواسطة بين الدّاعي وبين ابن مهديّ عَلَى حَرْبكم وزوال ملككم فاقتلوه. فحدّثني الشَّيْخ جيّاش [١] قَالَ: أجْمَعَ رأيُهم عَلَى قتْلك فِي ربيع الآخر سَنَة ثمانٍ وأربعين. فجاءهم باللّيل خبر مُحَمَّد بْن الأغرّ [٢] ونفاقه وزَحْفه عَلَى تِهامة، فانزعجوا واشتغلوا، وخرجتُ حاجّا بل هاجّا إلى مَكَّة سَنَة تسعٍ. فمات أمير مَكَّة هاشم بْن فُلَيْتَه، ووُلّي الحرمين ابنُه قاسم، فألزمني السّفارة عَنْهُ إلى الدَّولة المصريَّة، فقدِمْتُها فِي ربيع الأوّل سَنَة خمسين، والخليفة بها الفائز، والوزير الملك الصّالح طلائع بْن رُزِّيك. فلمّا أحضِرتُ للسّلام عليهما فِي قاعة الذَّهب أنشدتُهما: الحمدُ للعيسِ بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ ... حَمْدًا يقومُ بما أَوْلَتْ من النِّعَمِ إلى آخرها [٣] . وعهدي بالصّالح يستعيدها فِي حال النّشيد، والأُستاذون وأعيان الأمراء والكبراء يذهبون فِي الاستحسان كلّ مذهب، ثُمَّ أُفيضت عليَّ خِلَعٌ من ثياب الخلافة مذهّبة، ودفع لي الصّالح خمسمائة دينار، وإذا ببعض الأُستاذِين خرج لي من عند السّيدة بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينارٍ أخرى. وأُطْلِقَتْ لي رسومٌ لم تُطلَقْ لأحدٍ قبلي. وتهادتني أمراءُ الدَّولة إلى منازلهم، واستحضرني

стр. 18613

الصّالح للمجالسة، وانثالت عليَّ صلاته، ووجدت بحضرته أعيان أهل الأدب الجليس أَبَا المعالي بْن الحَبَاب، والمُوفَّق بْن الخلّال صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفتح محمود بْن قادوس، والمهذَّب حَسَن بْن الزُّبَيْر. وما من هذه الْجِلَّة أحدٌ إلّا ويضرب في الفضائل النّفسانيّة والرّئاسة الإنسانية بأوفر نصيب. وأمّا جُلَساؤه من أهل السّيوف فولده مجد الْإِسْلَام، وصهره سيف الدِّين حُسَيْن، وأخوه فارس الْإِسْلَام بدر، وعزّ الدِّين حُسام، وعليّ بْن الزُّبْد [١] ، ويحيى بْن الخيّاط، ورضوان [٢] ، وعلي هَوْشات، ومُحَمَّد بْن شمس الخلافة [٣] . قلت: وعمل عمارة فِي الصّالح عِدَّة قصائد، وتوجَّه إلى مَكَّة مَعَ الحُجّاج، ثُمَّ ذكر أَنَّهُ قَدِمَ فِي الرّسْليَّة أيضا من أمير مَكَّة [٤] . وذكر أَنَّهُ حضر مجلس الصّالح طلائع، قال [٥] : فكانت تجري بحضرته مسائل ومذاكرات ويأمرني بالخوض فيها، وأنا منعزلٌ عَنْ ذَلِكَ لا أنطق، حَتَّى جرى من بعض الأمراء ذِكْر بعض السَّلَف، فاعتمدت قوله تعالى: فَلا تَقْعُدُوا [٦] مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ٤: ١٤٠ [٧] ونهضْتُ، فأدركني الغلمان، فقلت: حَصَاةٌ يَعْتادُني وَجَعُها. وانقطعتُ ثلاثة أيّامٍ، ورسوله فِي كلّ يومٍ والطّبيب معه. ثُمَّ ركبت بالنّهار، فوجدته فِي بستانٍ وقلت: إنّي لم يكن بي وَجَعٌ، وإنّما كرهت ما جرى فِي حقّ السَّلَف، فإنْ أمر السُّلطان بقطْع ذَلِكَ حضرت، وإلّا فلا، وكان [لي] [٨] فِي الأرض سعة، وفي الملوك كثرة، فتعجّب من هذا

стр. 18614

وقال: سألتك ما الَّذِي تعتقد فِي أَبِي بَكْر وعُمَر؟ قلت: أعتقد أَنَّهُ لولاهما لم يبق الْإِسْلَام علينا ولا عليكم، وأنّ محبَّتَهما واجبة. فضحك، وكان مرتاضا حصيفا قد لقي فِي ولايته فُقهاء السُّنَّة وسَمِعَ كلامهم، وقد جاءتني منه مرَّةً أبياتٌ معها ثلاثة أكياس ذَهَب، وهي قوله: قُلْ للفقيه عُمارةِ يا خَيْرَ من ... أضْحَى يؤلّف خُطْبةً وخِطابا اقْبَلْ نصيحةَ من دعاك إلى الهُدَى ... قُلْ حِطَّةٌ وادخلْ إلينا البابا تَلْق الأئمَّة شافعين ولا تجدْ ... إِلَّا لدينا سُنَّةً وكتابا وعليّ إنْ يَعْلُو محلُّكَ فِي الوَرَى ... وإذا شفعتَ إليَّ كنتَ مُجابا وتعجّل الآلاف ديني [١] ثلاثةٌ ... صِلة وحقِّك لا تُعَدُّ ثَوابا [٢] فأجبته مَعَ رسوله: حاشاك من هذا الْخَطَّاب خطابا ... يا خيرَ أملاك الزّمان نِصابا فاشدُدْ يديكَ عَلَى صفاء محبّتي ... وامنُنْ عليَّ وسُدَّ هذا البابا [٣] ومن مليح قول عُمارة اليمنيّ من قصيدة: لو لم يكن يدري [٤] بما جهِل الوَرَى ... من الفضل لم تبق [٥] عليه الفضائِلُ لئن كَانَ منّا قابَ قَوْسٍ فبيننا ... فراسخُ من إجلاله ومراحلُ [٦] ولَهُ يرثي الصّالح بْن رُزّيك لَمّا قُتِلَ: أَفي أهلِ ذا النّادي عليمٌ أُسائَلُهُ ... فإنّي لِما بي ذاهب اللُّبّ ذاهِلُهْ سَمِعْتُ حَديثًا أحسدُ الصُمَّ عنده ... ويَذْهل واعيه ويخرس قائلُهْ وقد رابني من شاهد الحال أنّني ... أرى الدّست منصوبا وما فيه كافله

стр. 18615

وإنّي أرى فوق الوجوه كآبة ... تدلّ عَلَى أنّ الوجوه تواكلُهْ دعوني فما هذا بوقت بكائه ... سيأتيكم ظلُّ البكاء وذابلُهْ [١] ولَهُ من قصيدة: أفاعِيلُهُم فِي الجودِ أفعالُ سُنَّةٍ ... وإنْ خالفوني فِي اعتقاد التَّشَيُّعِ [٢] ومن شِعره الفائق: لي فِي هوى [٣] الرشأ العُذْريّ إعذارُ [٤] ... لم يبقَ مُذْ أقرّ [٥] الدَّمْعُ إنكارُ لي في القُدُود وفي لثْم الخُدُود [٦] وفي ... ضَمِّ النُّهُودِ [٧] لُباناتٌ وأوطارُ لُمْني جزافا وسامحني مصارفة ... فالنّاسُ فِي درجات الحبّ أطوارُ وغُرَّ غيري ففي أسْري [٨] ودائرتي ... في المها درَّة قلبي لها دارُ [٩] ومن كتاب فاضليّ إلى نور الدِّين عَنْ صلاح الدِّين فِي أمر المُصَلَّبين، وفي جملتهم عُمارة اليمنيّ: «قصر هذه الخدمة عَلَى متجدّدٍ سارّ فِي الْإِسْلَام [١٠] ، والمملوك لم يزل يتوسَّم من جُنْد مصر وأهل القصر [١١] أنّهم أعداء وإن قعدت [١٢] بهم الأيّام [١٣] ، ولم تزل عيونه بمقاصدهم موكلة،

стр. 18616

وخطراته فِي التَّحرُّز منهم مستعملة، لا يخلو شهر من مَكْرٍ [١] يجتمعون عَلَيْهِ، وحيلة يُبرمونها. وكان أكثر ما يَستروحون [٢] إِلَيْهِ المكاتبات إلى الفِرَنج، فسيَّر ملك الفِرَنج كاتبه، «جُرْج» رسولا إلينا ظاهرا، وإليهم باطنا [٣] . والمولى عالِمٌ أنّ عادة أوليائه المستفادة من أدبه أن لا يبسطوا عقابا مؤلما، وإذا طال لهم الاعتقاد خلَّى سبيلهم. ولا يزيدهم العفوُ إِلَّا ضراوة، ولا الرّقَّةُ عليهم إِلَّا قساوة. وعند وصول «جُرْج» ورد إلينا كتابٌ ممّن لا نرتاب بِهِ من قومه يذكرون أَنَّهُ رسول مخاتلة لا رسول مجاملة، [و] حامل بليَّة، لا حامل هديَّة. فأوهمناه الإغفالَ، فتوصّل مرَّةً بالخروج إلى الكنيسة إلى الاجتماع بحاشية القصر وأعوانهم، فتنقّلت إلينا أحوالهم فأمسكنا جماعة متمرّدة قد اشتملت عَلَى الاعتقادات المارقة، وكُلًّا أخذ اللَّه بذنْبه، فمنهم من أقرَّ طائعا، ومنهم أقرَّ بعد الضَّرْب، وانكشفت المكتومات، وعيّنوا خليفة ووزيرا [٤] . وكانوا فأما تقدَّم، والمملوك بالعسكر عَلَى الكَرَك والشَوْبك، قد كاتبوهم، وقالوا إنّه بعيد، والفُرصة قد أمكنت [٥] . وكاتبوا «سِنانًا» صاحب الحشيشيَّة بأن الدّعوة واحدة، والكلمة جامعة، واستدعوا منه مَن يغتال المملوك. وكان الرَّسُول خال ابن فرجلة، فقتل اللَّه تعالى بسيف الشّرع والفتاوى جماعة من الغُواة الدُّعاة إلى النّار، وشُنِقوا عَلَى أبواب قصورهم، وصُلِبوا عَلَى الجذوع المواجهة لدُورهم، ووقع التَّتَبُّع لأتباعهم، وشُرِّدت الإسماعيليَّة، ونودي بأنْ يرحل كافَّة الأجناد وحاشية القصر إلى أقصى الصّعيد، وثغر الإسكندريّة، فظهر بِهِ داعيةٌ يُسمَّى «قديد

стр. 18617

القفاص» ، ومع خموله بمصر، قد فشت بالشّام دعوته، وطبّقَتْ مصرَ فتنتُه، وإنّ أرباب المعايش يحملون إِلَيْهِ جُزءًا من كسْبهم. ووجدتْ فِي منزله بالإسكندريَّة عند القبض عَلَيْهِ كُتُبٌ فيها خلُع العِذار، وصرح الكُفْر الَّذِي ما عَنْهُ اعتذار. وكان يدّعى النَّسَب إلى أهل القصر، وأنّه خرج منه صغيرا، ونشأ عَلَى الضّلالة كبيرا، فقد صرعة كُفْره، وحاق بِهِ مكرُه. والحمد للَّه وحده» [١] . - حرف الفاء - ٣٣٤-[فوارس] [٢] بْن موهوب بْن عبد اللَّه [٣] . ابن الشّباكيَّة الخفّاف أَبُو الهيجا. روى عَنْ: إِسْمَاعِيل بْن مَلَّة. روى عَنْهُ: مكّيّ الفرّا، وأبو مُحَمَّد بْن قُدَامَة، وجماعة [٤] . - حرف الميم - ٣٣٥- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن محرز بْن عَبْد اللَّه [٥] . أَبُو بَكْر البَطَلْيُوسيّ، عُرِف بالمَنْتَانْجِشِيّ، نزيل إشبيلية. سَمِعَ من: أَبِيهِ، ومن أَبِي الوليد العُتْبيّ، وأبي مُحَمَّد بن عتّاب، وأبي القاسم بن النَّخّاس [٦] . وأخذ عَنِ ابن النّخّاس القراءات، وعن: أَبِي عَبْد اللَّه بْن مزاحم، وابن طريف.

стр. 18618

وأخذ العربيَّة والأدب عَنْ: أَبِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي العافية. قَالَ الأَبّار [١] : كَانَ فقيها، مشاوَرًا، حافظا، أديبا، حافلا، كاتبا. روى عَنْهُ: أبو بكر بن خير، وأبو عمر بن عيّاد، وأبو الْخَطَّاب بْن واجب شيخنا، وغيرهم. تُوُفّي فِي آخر السّنة. قَالَ: وفي هذه السّنة كان غزوة السّبطاط وفتح قنطرة السّيف عَنْوةً. ٣٣٦- مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن عُمَر [٢] . أَبُو شجاع المادَرَائيّ [٣] ، أحد الحُجّاب الأعيان بالدّيوان العزيز. سَمِعَ من: طراد الزينبي، وأبي عبد الله بن طلحة النِّعَاليّ، وغيرهما. سَمِعَ منه: المبارك بْن كامل مَعَ تقدُّمه، وعُمَر بْن عَلِيّ الْقُرَشِيّ. وحدَّث عَنْهُ: أَحْمَد بْن أَحْمَد الأَزَجيّ، وعبد اللّطيف بْن القُبَّيْطيّ، وموفَّق الدِّين بْن قُدَامة، وغيرهم. وكان مولده في سنة ثمانين وأربعمائة، وتُوُفّي فِي صَفَر. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَافِظِ بِنَابُلُسَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَادَرَائِيُّ بِقِرَاءَتِي: أنا طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْن مُحَمَّدِ بْن حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، ثنا بَكْرُ بْنُ عُمَرَ، ثنا شُعْبَةُ: أنا سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشّعر حكما، وإنّ من البيان سحرا» [٤] .

стр. 18619

٣٣٧- مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن مَسْعُود [١] . أَبُو بَكْر الدّينَوَرِيّ، أحد العدُول ببغداد. كَانَ متساهلا فِي الشّهادة فعُزِل. وكان غير محمود الطّريقة. ثُمَّ أُعيد إلى العدالة فِي أواخر أيّامه. سمع من: أبي سعد بن الطُّيوريّ، وعبد القادر بْن يوسف. روى عَنْهُ: أَبُو سَعْد السّمعانيّ، ومات قبله. تُوُفّي سَنَة تسعٍ فِي شعبان. ٣٣٨- محمود بْن أَبِي سَعِيد زنكي بن آق سنقر التّركيّ [٢] .

стр. 18620

الملك العادل نور الدِّين، ناصر أمير المؤمنين أبو القاسم. قال ابن عساكر: كان آق سنقر قد وُلّي ناية حلب للسّلطان ملك شاه بْن ألب رسلان، ووُلّي غيرها من بلاد الشّام. ونشأ قسيم الدَّولة زنكي بالعراق، وندبه السّلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بْن ألْب رسلان برأي الخليفة المسترشد باللَّه لولاية المَوْصِل، وديار بَكْر، والبلاد الشّاميَّة، بعد قتل آق سنقر البُرْسُقيّ، وموت ابنه مَسْعُود. فظهرت كفاية زنكي، وعُرِفت شهامته وثَبَاته عند ظهور ملك الروم، ونزوله عَلَى شَيْزَر، حَتَّى رجع إلى بلاده خائبا: وقد حاصر ابن قسيم الدَّولة زنكي دمشقَ مرّتين، فلم يفتحها، وافتتح الرُّهَا، والمَعَرَّة، وكَفَرْطاب وغيرها من أيدي الكُفّار. وتُوُفّي، وقام مقامه فِي ولاية الشّام ابنه الملك نور الدِّين. وُلِدَ فِي شوَّال سَنَة إحدى عشرة وخمسمائة، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده عَلَى جَعْبَر فِي ربيع الأوّل سَنَة إحدى وأربعين، فخلع عَلَى الأمراء. قلت: تملَّك ولَهُ ثلاثون سَنَة. وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأكثرهم جهادا، وأحرصهم عَلَى الخير، وأَدْيَنَهم وأَتْقَاهم للَّه. قَالَ ابن عساكر [١] : ظهر منه بذل الاجتهاد فِي قيام الجهاد، وخرج من حلب غازيا فِي أعمال تلّ باشِر، فافتتح حصونا كثيرة، وقلعة أفامية، وحصن

стр. 18621

البارة، وقلعة الرّاوندان، وقلعة تلّ خالد، وحصن كفرلاثا [١] ، وحصن بَسَرْفُوث [٢] بجبل بني عُلَيْم، وقلعة عزاز، وتلّ باشِر، ودُلُوك، ومَرْعَش، وقلعة عين تَاب، ونهر الجوز. وغزا حصن إنَّب [٣] ، فقصده الإبْرِنْس صاحب أنطاكية، فواقعه، فكسره نور الدِّين وقتله، وقتل ثلاثة آلاف إفْرنجي، وبقي لَهُ ولدٌ صغيرٌ مَعَ أمّه بأنطاكيّة، فتزوّجت بإبْرِنْسٍ آخر، فخرج نور الدِّين فِي بعض غزواته فأسر الإبْرِنْس الآخر، فتملّك أنطاكية ابنُه، وباعه نور الدِّين نفسَه بمالٍ عظيم. قَالَ: وأظهر السُّنَّة بحلب، وغيَّر البدعة الّتي كانت لَهُ فِي [التّأذين] [٤] ، وقمع الرّافضة، وبنى بها المدارس، وأقام العدل. وحاصر دمشق مرَّتين، ثُمَّ قصدها الثّالثة. وقد كَانَ صَالَح مَعِين الدِّين أنز [٥] نائب صاحبها، وصاهَره، واجتمعت كلمتُهما عَلَى الغزْو، فسلَّم أهل دمشق إِلَيْهِ البلد لغلاء الأسعار، وللخوف من العدوّ، فتملّكها وسكنها، وحصّن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسّع أسواقها، ورفع عَنِ النَّاس الأَثقال، ومنع مِنْ أخذ ما كَانَ يؤخذ منهم من المغارم بدار بِطّيخ وسوق الغَنَم. وضمان النّهر والكَيّالة، وأبطل الخمر. وأخذ من الفِرَنج ثغر بانياس، والمُنَيْطِرة [٦] . وكان فِي الحرب رابط الجأش، ثابت القَدَم، حَسَن الرَّمْي. وكان

стр. 18622

يتعرَّض بنفسه للشّهادة، فلقد حكى عَنْهُ كاتبه أبو اليُسْر شاكر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سمعه يسأل اللَّه أن يحشره من بطون السّباع وحواصل الطَّيْر، والله يقي مهجته من الأَسْوأ. فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم، وبنى دُور العدل، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات، ووقف عَلَى المرضى، وأَدَرَّ عَلَى الضُّعفاء والأيتام وعلى المجاورين، وأمر بإكمال سور مدينة النَّبِيّ ﷺ ، واستخراج العين الّتي بأُحُد، وكانت قد دفنتها السيول. وفتح سُبُل الحجّ من الشّام، وعمّر الرُّبَط، والخوانق، والبيمارستانات فِي بلاده، وبنى الجسور والطُّرُق والخانات، ونصَّبَ مؤدّبين للأيتام. وكذلك صنع لَمّا ملك بسِنْجار، وحَرَّان والرّقّة، والرّها، ومنبج، وشيزر، وحماه، وحمص، وصَرْخَد، وبَعْلَبَكّ، وتَدمُر. ووقف كُتُبًا كثيرة عَلَى أهل العِلْم. وكسر الفِرَنج والأرمن عَلَى حارِم هُوَ وأخوه قطب الدِّين فِي عسكر المَوْصِل، وكان العدوّ ثلاثين ألف، فلم يفلت منهم إِلَّا القليل. وقبلها كسر الفِرَنج عَلَى بانياس. قَالَ سِبْط الْجَوْزيّ [١] : سبب أخْذ نور الدِّين دمشقَ ما ظهر من صاحبها مُجير الدِّين من الظُّلْم ومصادرات أهلها، وقبْضة عَلَى جماعةٍ من الأعيان، واستدعى زين الدَّولة [٢] بْن الصُّوفيّ الَّذِي ولّاه رياسة دمشق لَمّا أخرج أخاه وجيه الدَّولة منها، فقتله فِي القلعة، ونهب داره، وأحرق دُور بني الصُّوفيّ، ونهب أموالهم. وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويُطْمعهم فِي البلاد، وأعطاهم بانياس، فكانوا يشنُّون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون. وجعل للفِرَنج عَلَى أهل دمشق قطيعة، فكاتب أهل دولته نور الدِّين، فأخذ نور الدِّين معه فِي الملاطفة والودّ، وخاف إنْ شدَّ عَلَيْهِ أن يستعين بالفِرَنج. ولم يزل إلى أن تسلّم دمشق.

стр. 18623

قَالَ ابن عساكر [١] : وقد كَانَ شاور السَّعْديّ أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرا لَهُ لَمّا عاين الدّهر، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه، وبعث معه جيشا لردّه إلى درجته، فوصلوا معه، وقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، فأصرّ عَلَى المشاققة وكابر، واستنجد بالعدوّ المخذول، فأنجدوه، وضمِن لهم الأموالَ العظيمة، فرجع عسكر نور الدِّين، فحدَّث صاحب الفرنج نفسَه بأخْذ مصر، فتوجَّه إليها بعد سِنين لينتهز الفرصة، فأخذ بَلبيس، وخيَّم بعَرَصَة مصر، فلمّا بلغ نورَ الدِّين ذَلِكَ، بذل جهده فِي توجيه الجيش إليها، فلمّا سَمِعَ العدوّ بمجيء الجيش رجعوا، وأمِن أهلُ مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطُّلِع من شاور عَلَى المخامرة، وأنّه أنفذ يراسل العدوّ ليردَّهم إلى مصر، ويدفع بهم الجيش، فلمّا عرف غدْره تمارض أسد الدِّين، فجاء شاور يعوده، فوثب جورديك وبُزْغُش النُّوريّان فقتلاه، وأراح اللَّه منه، وصفى الأمر لأسد الدِّين، وتملّك وحُمِدت سيرته، وظهرت السُّنَّة بمصر. وكان حَسَن الخطّ، حريصا عَلَى تحصيل الكُتُب الصِّحاح والسُّنَن، كثير المطالعة للفِقه، والحديث، مواظبا عَلَى الصَّلَوات فِي جماعةٍ، كثير التِّلاوة، والصِّيَام، والتّسبيح، عفيفا، متحرّيا فِي المطعم والمشرب، عُرْيًا عَن التَّكَبُّر. وكان ذا عقل متين ورأي رهين، مقْتديًا بسيرة السَّلَف، مُتَشَبِّهًا بالعلماء والصُّلحاء. روى الحديث وأسمعه بالإجازة. وكان من رآه شاهَدَ من جلال السّلطنة وهَيْبة المُلك ما يُبْهِره، فإذا فاوضه رَأَى من لطافته وتواضعه ما يُحيِّره. ولقد حكى عَنْهُ مَن صَحِبَه فِي حَضَره وسَفَره أَنَّهُ لم يسمع منه كلمةَ فُحْش في رضاه ولا في ضَجَره، وإنَّ أشهى ما إِلَيْهِ كلمةُ حقٍّ يسمعها، وإرشادٌ إلى سُنَّة يتَّبِعُها، يؤاخي الصّالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم. ومتى تكرَّرت الشِّكاية من وُلاته عزلهم. وأكثر ما

стр. 18624

أخذه من البلدان تسلّمه بالأمان. وكان كُلَّما فتح اللَّه عَلَيْهِ فتحا، وزاده ولايةَ، أسقط عَنْ رعيّته قسْطًا، حَتَّى ارتفعت عَنْهُمُ الظُّلامات والمُكُوس، واتَّضعت فِي جميع ولايته الغرامات والنُّحُوس. وقال أَبُو الفَرَج بْن الْجَوْزيّ [١] : نور الدِّين وليَ الشّامَ سِنين، وجاهد الثّغور، وانتزع من أيدي الكُفَّار نيِّفًا وخمسين مدينة وحصْنًا، وبنى مارستانا [٢] فِي الشّام، فأنفق عَلَيْهِ مالا، وبنى بالمَوْصِل جامعا غرِم عَلَيْهِ سبعين [٣] ألف دينار، ثُمَّ أثنى عَلَيْهِ. وقال: كَانَ يتديَّن بطاعة الخلفاء، وترْك المُكُوس قبل موته، وبعث جُنودًا فتحوا مصر. وكان يميل إلى التَّواضُع، ومحبَّة العلماء والصُّلَحاء، وكاتَبَني مِرارًا. وأحْلَفَ الأمراءَ عَلَى طاعة ولده بعدَه، وعاهد ملوك الفِرَنج، وصاحبَ طَرَابُلُسَ، وقد كَانَ فِي قبضته أسيرا، عَلَى أن يطلقه بثلاثمائة دينار، وخمسمائة حصان، وخمسمائة زرديّة، ومثلها تراس إفرنجيّة، ومثلها قنطوريّات، وخمسمائة أسيرٍ مسلمين، وبأنّه لا يُغير عَلَى بلاد المسلمين سبْع سِنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام. وأخذ منه فِي قبضته عَلَى الوفاء بذلك مائة من أولاد الفِرَنج وبَطَارقيّهم، فإن نكث أراق دماءهم. وعزم عَلَى فتح بيت المقدس، فتُوُفّي فِي شوَّال. وكانت ولايته ثمانيا وعشرين سَنَة. وقال المُوفَّق عَبْد اللّطيف: كَانَ نور الدِّين لم ينشف لَهُ لبدٌ من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أعلافا تارة، ويلبس الصوف، ويلازم السَّجّادةَ والمُصْحَف، وعمّر المدارس، وعمّر المارستان بدمشق للمهذّب ابن النّقّاش تلميذ أوحد الزّمان. وكان حنفيّا، ويُراعي مذهب الشّافعيّ، ومالك. وكان ولده الصّالح أحسن أهل زمانه صورة.

стр. 18625

ونزل نور الدِّين عَلَى حارِم، فكبستهم الفِرَنج، وهرب جيشه عَلَى الخيل عُرْيًا، وقام هُوَ حافيا، فركب فَرَس النَّوْبة، وأخذت الفِرَنج الخِيَم بما حَوَت، فلمّا دخل حلبَ غرِم لجميع الْجُنْد ما ذهب، حَتَّى المِخْلَاة والمِقْوَد، وخرج بعد شهرٍ بأتمّ عُدَّة، وكسرهم كسرة مُبِيدة. ونقل الْحَسَن بْن مُحَمَّد القليوبيّ فِي «تاريخه» قَالَ: لَمّا جاءت الزّلزلة بنى نور الدِّين فِي القلعة بيتا من خشب كَانَ يبيت فِيهِ، فدُفِن فِي ذَلِكَ البيت، ورثاه جماعة من الشُّعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثّياب، مجزوز الشَّعْر، وأجلسوه على التَّخْت الباقي من عهد تُتُش، والنّاس حوله يبكون، ثُمَّ حلف لَهُ الأمراء. وقال القاضي ابن خَلِّكان [١] : وسيَّر نور الدّين الأمير أسد الدّين شير كوه إلى مصر ثلاثٍ دفعات، ثُمَّ ملكها صلاح الدِّين نيابة لَهُ، وضرب باسمه السِّكَّة والخُطْبة. قَالَ: وكان زاهدا، عابدا، متمسّكا بالشّريعة، مجاهدا، كثير البِرّ والأوقاف. وبنى بالمَوْصِل الجامع النّوريّ. ولَهُ من المناقب ما يستغرق الوصف. تُوُفّي فِي حادي عشر شوَّال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عَلَيْهِ بالفَصْد فامتنع، وكان مَهِيبًا، قلّما روجع، وكان أسمر طويلا، حَسَن الصّورة، لَيْسَ بوجهه شَعْر سوى حَنَكه. وعُهِد بالمُلك إلى ولده الملك الصّالح إِسْمَاعِيل، وهُوَ ابن إحدى عشرة سَنَة. وقال ابن الأثير [٢] : حكى لي الطّبيب قَالَ: استدعاني نور الدِّين مَعَ غيري، فدخلنا عَلَيْهِ، وقد تمكّنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يُسمع صوتُه، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضعٍ فسيحٍ مضيء، فله أثر في
следующие страницы →