وسَمِعَ من: طِراد، وابن طلْحة النِّعَاليّ.
وسَمِعَ كتاب «شريعة المقاري» لأبي بَكْر بْن أَبِي دَاوُد، عَلَى أَبِي الْحُسَيْن ابن الطُّيُوريّ فِي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
سَمِعَ منه: أَبُو المحاسن عَلِيّ الْقُرَشِيّ، وأبو الحسن الزّيديّ، وأبو محمد ابن الأخضر، وابن أخيه عَبْد المحسن ابن خطيب المَوْصِل.
وأجاز لأبي منصور بْن عفجة، ولكريمة.
وبقي إلى بعد السّتّين.
٣٨٨- عَبْد الرَّحْمَن بْن محمود بْن مَسْعُود بْن أَحْمَد [١] .
أَبُو حامد المسعوديّ، البَنْجَدِيهيّ، الخَمْقَريّ [٢] ، المَرْوَزِيّ.
ذكره أَبُو سَعْد السّمعانيّ فِي «التّحبير» فقال: من أهل بَنْجَدِيه، شيخ صالح، عفيف، معمّر، تفرّد برواية «الجامع» للتِّرمِذيّ، عَنِ القاضي أَبِي سَعِيد مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الدّبّاس.
سَمِعْتُ منه بعض الكتاب، ونشأ لَهُ وُلِدَ اسمه مُحَمَّد، فهم الحديث، وبالغ فِي طلبه، ورحل إلى العراق، والشّام، ومصر، والإسكندريَّة.
قلت: هُوَ تاج الدِّين مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن المسعوديّ الْمُتَوَفَّى بعد الثّمانين وخمسمائة.
وأمّا أَبُوهُ عَبْد الرَّحْمَن صاحب التّرجمة فروى عَنْهُ «جامع» التِّرْمِذِيّ بالإجازة القاضي أَبُو نصر بْن الشّيرازيّ.
٣٨٩- عَبْد الرحيم بْن عَبْد الجبّار بن يوسف.
стр. 18657
أَبُو مُحَمَّد التُّجَيْبيّ، الأندلسيّ، السَّمَنْتيّ، وسَمَنْت حصن.
أخذ القراءات بالمَرِية عَنْ أَبِي القاسم عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن رضا.
وتصدّر للإقراء بمُرْسِية.
وتُوُفّي فِي حدود السّبعين.
مَوْلِدُه سَنَة ثمان وتسعين وأربعمائة.
٣٩٠- عَبْد الرحيم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي العيش.
أَبُو بَكْر الْأَنْصَارِيّ.
روى عَنْ: أَبِي مُحَمَّد بن عتّاب، وأبي عَلِيّ الصَّدَفيّ، وأبي عِمران بْن أَبِي تليد، وجماعة.
وسكن مرّاكش وحدَّث بها.
وتُوُفّي فِي رأس السّبعين تقريبا.
روى عَنْهُ: أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي الحسن الزّهريّ، والقاضي أَبُو الْحَسَن الزُّهْرِيّ.
٣٩١- عَبْد الصَّمَد بْن ظَفَر بْن سَعِيد بْن ملاعب.
أَبُو نضْر الربيعيّ، الحلبيّ، المعروف بالقبّاني.
سَمِعَ من: طاهر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن العجميّ جزءا من رواية عَلِيّ بْن عُمَر الحَرْبيّ السُّكَّريّ.
روى عَنْهُ: أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم. لقياه بحلب في حدود السّتّين وخمسمائة.
٣٩٢- عبد العزيز بن علي بن مُحَمَّد بن سَلَمَةَ [١] .
أَبُو الأَصْبَغ ويقال: أَبُو حُمَيْد السّماتيّ، الإشبيليّ، الطّحّان.
ويعرف بابن الحاجّ أيضا.
стр. 18658
من جلّة المقرءين. قرأ عَلِيّ أَبِي الْحَسَن شُرَيْح بْن مُحَمَّد، وأبي الْعَبَّاس ابن عَيْشون.
وقد مرّ فِي سَنَة إحدى وستّين عَلَى التّقريب.
٣٩٣- عَبْد الكريم بْن عُمَر بْن أَحْمَد بْن عَبْد الواحد.
أَبُو إِبْرَاهِيم الأصبهانيّ، العطّار، المعروف بالْجُنَيْد.
سَمِعَ: القاسم بْن الفضْل الثَّقَفيّ.
وأجاز لكريمة.
٣٩٤- عَلِيّ بْن أَبِي منصور بْن عَبْد الصَّمَد بْن أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحافظ أبي بكر أحمد ابن مُوسَى بْن مَرْدَوَيْه بْن فُورَك.
أَبُو المحاسن الأصبهانيّ.
من بيت الحديث والعِلْم.
سَمِعَ: القاسم بْن الفضل، ومكّيّ بْن منصور السّلّار، وغيرهما.
روى عنه: عبد القادر الرّهاويّ.
وبالإجازة: ابن اللّتّيّ، وكريمة.
٣٩٥- عمر بْنِ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْنِ عَلِيِّ بْنِ عديس [١] .
أبو حفص القضاعيّ، البلنسيّ، اللّغويّ، صاحب أَبِي مُحَمَّد البَطَلْيُوسيّ.
حمل عنه الكثير، ورحل إلى باجة، فأخذ عَنْ: أَبِي الْعَبَّاس بْن حاطب، وقرأ عَلَيْهِ «الكامل» للمبرّد، وغيره فِي سَنَة ستٍّ وعشرين.
وصَنَّف كتابا حافلا فِي المثلَّث فِي عشرة أجزاء ضخام، دلَّ عَلَى تبحّره وسعة اطّلاعه وحفظه للّغة. وشرح «الفصيح» شرحا مفيدا.
стр. 18659
وسكن تونس، وبها تُوُفّي فِي حدود السّبعين. قاله الأَبّار.
- حرف الميم -
٣٩٦- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عساكر.
الْأَزْدِيّ، المُرْسيّ.
سَمِعَ «الشّهاب» من أَبِي القاسم بْن الفحّام.
وحدَّث بِهِ قبل السّبعين.
وسَمِعَ منه: عَبْد الكبير بْن بَقِيّ، وغيره.
٣٩٧- مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن هِبَة اللَّه.
أَبُو عَبْد اللَّه بْن عساكر الدّمشقيّ، أخو الحافظ أبو القاسم، والصّائن.
ولد بعد الخمسمائة بقليل.
قَالَ القاسم بْن عساكر: هُوَ عمّ الأوسط.
سَمِعَ الكثير من: عَبْد الكريم بْن حمزة، وأبي الْحَسَن بْن قيس المالكيّ.
وتَفَقَّه عَلَى: أَبِي الفتح نصر اللَّه المِصِّيصيّ.
وسمعت بقراءته كثيرا. وما أظنّه حدَّث. وكان شيخا كريما، حَسَن الأخلاق، كثير التّلاوة.
قلت: هُوَ والد العَلَّامة فخر الدِّين، وزين الأمناء، وتاج الأُمناء أَبِي نصر عَبْد الرحيم.
تُوُفّي ﵀ سَنَة بضْعٍ وستّين.
٣٩٨- مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن أَحْمَد بْن مدرك [١] .
أَبُو عَبْد اللَّه وأبو بَكْر الغسّانيّ المالقيّ.
رَوَى عَنْ: أَبِي الْحَسَن بْن مغيث، وأبي جعفر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن العربيّ، وجماعة.
стр. 18660
قَالَ الأَبّار: وكان مؤرّخا، نسّابة، فصيحا، جمع ما لا يوصف من الكتب، وحدَّث عَنْهُ: أَبُو الحَجّاج بْن الشَّيْخ، وأبو عَلِيّ الرنْديّ، وأبو مُحَمَّد بْن غلبون شيخنا.
٣٩٩- مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي عَلِيّ الحَسَن بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن.
الأصبهانيّ، الحدّاد.
روى عَنْ: جَدّه، وأبي العبّاس أحمد بن أبي الفتح الخرقيّ، وغيرهما.
وأجاز لكريمة وحدَّث.
وكان خطيبا نبيلا، حريصا عَلَى الرواية، لَهُ فهم ومعرفة.
وقد سَمِعَ أيضا من: أَبِي مُطيع مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد الْمَصْرِيّ، وأبي سَعِيد المطرّز.
ووُلِدَ بنَيْسابور إذ أَبُوهُ بها، وحضر عند أَبِي سَعْد بْن أَبِي صادق، وغيره.
٤٠٠- مُحَمَّد بْن أَبِي الحَكَم عُبَيْد اللَّه بْن مظفَّر [١] .
الباهليّ، ثُمَّ الأندلسيّ، ثُمَّ الدّمشقيّ، أَبُو المجد الطّبيب.
رئيس الأطبّاء بدمشق، ويُلقّب بأفضل الدَّولة.
كَانَ مَعَ براعته فِي الطّبّ بصيرا بالهندسة، لعّابا بالعود، مجوِّدًا للموسيقى، ولَهُ يدٌ فِي عمل الآلات. قد صنع أرغنا، وبالغ فِي تحزيزه.
اشتغل عَلَى والده أَبِي الحَكَم المُتَوَفّي سَنَة تسعٍ وأربعين. وكان السُّلطان نور الدِّين يُقدّمه ويرى لَهُ، وردّ إِلَيْهِ أمر الطّبّ بمارستانه الَّذِي أنشأه، فكان يدور عَلَى المرضى، ثُمَّ يجلس فِي الإيوان يُشغل الطَّلَبة، ويبحثون نحو ثلاث ساعات. وكان حيّا فِي هذا الوقت.
ولم يذكر ابن أَبِي أُصَيْبَعَة وفاته.
стр. 18661
٤٠١- مُحَمَّد بْن عليّ بْن عَبْد الله.
أبو بَكْر البتماريّ، الحريميّ، المعروف بابن العُجَيْل.
وبتماري من قرى النّهروان.
سَمِعَ: أَحْمَد بْن المُظَفَّر بْن سوسن، وأبا سَعْد بْن خُشَيْش.
روى عَنْهُ: أَحْمَد بْن طارق الكَرْكيّ.
قَالَ ابن النّجّار: بلغني أَنَّهُ تُوُفّي بعد السّبعين.
٤٠٢- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن حمدان بْن الْحُسَيْن [١] .
أَبُو الغنائم الجصّانيّ [٢] ، الهَيْثيّ، الأديب، اللُّغَويّ. نزيل الأَنبار.
ويُنْسَب إلى جُصَّيْن، أحد ملوك الفُرْس الّذين [٣] كَانَ صاحب قلعة عند الأنبار فِي الزّمن القديم.
سَمِعَ أَبُو الغنائم من: يحيى بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن الأخضر الأنباريّ، وقرأ القراءات ببغداد عَلَى: أَبِي بَكْر المَزْرَفيّ، وسِبْط الخيّاط.
وسَمِعَ من: ابن الحُصَيْن، وجماعة.
وحدَّث بهيت والأنبار سَنَة اثنتين وستّين. وصَنَّف كتاب «روضة الآداب» فِي اللّغة، «والمثلّث الحمدانيّ» ، و «الحماسة» ، وغير ذَلِكَ.
ووُلِدَ بهيت فِي سَنَة أربعٍ وثمانين وأربعمائة، ولم تُضبط وفاته.
سَمِعَ منه: أَبُو أَحْمَد بْن سُكَيْنَة، ويوسف بْن أَحْمَد الشّيرازيّ.
٤٠٣- مُحَمَّد بْن غريب بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن غريب.
أبو الوليد العبسيّ، السّرقسطيّ. نزيل شاطبة.
стр. 18662
روى عَنْ: أَبِي عَلِيّ الصَّدَفيّ، وابن عتّاب.
وتصدّر للإقراء بشاطِبة. وولي خطابتها.
أخذ عَنْهُ: أَبُو عَبْد اللَّه بْن سعادة حرف نافع.
٤٠٤- مُحَمَّد بْن محمود بْن عَلِيّ بْن أَبِي عليّ الحسن بن يوسف بن حجر بن عَمْرو.
العَلَّامة أَبُو الرّضا الأَسَديّ، الطّرازيّ، الْبُخَارِيّ.
قَالَ عَبْد الرحيم بْن السّمعانيّ: كَانَ إماما فاضلا، مبرِّزًا، ورِعًا، تقيّا، كثير الذِّكْر والتهجُّد والتّلاوة. تَفَقَّه عَلَى الْإِمَام الْحُسَيْن بْن مَسْعُود بن الفرّاء بمروالرّوذ، وعلى الْإِمَام عَبْد العزيز بْن عُمَر ببُخَارَى.
وسَمِعَ: أَبَا الفضل بَكْر بْن مُحَمَّد الزَّرَنْجَرِيّ، ومُحَمَّد بْن عَبْد الواحد الدَّقَّاق، ومُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن حفص وهُوَ أوّل أستاذ لي في الفقه.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ببُخَارَى.
٤٠٥- مُحَمَّد بْن أَبِي الرجاء أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد.
أَبُو عَبْد اللَّه الأصبهانيّ المعروف بالكسائيّ.
سَمِعَ: أَبَا مُطيع مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد الْمَصْرِيّ، وغيره.
روى عَنْهُ بالإجازة: ابن اللّتّي، وكريمة.
تُوُفّي بعد السّتّين.
٤٠٦- مُحَمَّد بن المرجّى الحسين بن محمد بن الفضل بن علي.
أَبُو جَعْفَر التَّيْميّ، الأصبهانيّ.
سَمِعَ: أَبَا الْعَبَّاس أَحْمَد بْن أَبِي الفتح الخرقيّ، وأبا مُطيع الْمَصْرِيّ.
وعنه بالإجازة: ابن اللّتّي، وكريمة.
٤٠٧- محمود بْن إِسْمَاعِيل بْن عُمَر بْن عَلِيّ.
الْإِمَام العَلَّامة أَبُو القاسم الطُّرَيْثِيثيّ، النَّيْسَابوريّ، الفقيه.
تخرَّج بأبي بَكْر مُحَمَّد بْن منصور السّمعانيّ فِي الفقه. وبرع فِي الأصول
стр. 18663
والنَّظَر والمذهب. وكان حَسَن السّيرة متواضعا مطَّرِحًا للتّكلُّف.
سَمِعَ: عَبْد الغفار الشِّيُرويّي، وصاعد بْن سَيّار.
سَمِعَ منه عَبْد الرحيم بْن السّمعانيّ، وغيره.
٤٠٨- مَسْعُود بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بن أبي يعلى [١] .
أبو علي الشيرازي، ثم البَغْداديُّ.
سَمِعَ: أَبَا الْحُسَيْن المبارك بْن الطُّيُوريّ، وأبا سعد بن خشيش.
روى عنه: محمد بْن أَحْمَد الصُّوفيّ، وعبد السّلام الدّاهريّ الخفّاف.
- حرف الياء -
٤٠٩- يوسف بن إسماعيل [٢] .
٤٠٩- يوسف بْن إِسْمَاعِيل [٢] .
أَبُو الحَجّاج المخزوميّ، القُرْطُبيّ، المعروف بالمراديّ اللُّغويّ.
أخذ عَنْ: أبي الحسين بن سراج فأكثر.
وعن: أبي عبيدة جرّاح بن موسى، وأبي جعفر بن عبد العزيز.
وجلس لإقراء العربيّة واللّغة.
وكان حافظا للغريب، معتنيا باللّغات، لازمه أبو جعفر ابن يحيى مدّة وأكثر عنه.
стр. 18664
يتلوه الطبقة الثامنة والخمسون أعانني الله على إكماله بمنّه وإفضاله «بعون الله وتوفيقه، انتهى تحقيق هذه الطبقة من «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» للحافظ مؤرّخ الإسلام شمسُ الدين مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عثمان بن قايماز المعروف بالذهبي، المتوفى ٧٤٨ هـ.، وضبط نصّها، وتخريج أحاديثها وأشعارها، وتوثيق مادّتها، والإحالة إلى مصادرها، وشرحها والتعليق عليها، وصنع فهارسها، على يد خادم العلم وطالبه، الفقير إليه تعالى، الحاج الأستاذ الدكتور عمر عبد السلام تدمري، (أبو غازي) أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، وممثّل لبنان في الهيئة العربية العليا لإعادة كتابة تاريخ الأمة في اتحاد المؤرّخين العرب، وكان الفراغ منها قبيل أذان المغرب من يوم الثلاثاء الواقع في الثاني عشر من شهر رمضان المبارك ١٤١٤ هـ. / الموافق للثاني والعشرين من شهر شباط (فبراير) ١٩٩٤ م.، وذلك بمنزله بساحة النجمة من مدينة طرابلس الشام المحروسة ودار العلم، حفظها الله وجعلها بلدا سخاء ورخاء وسائر بلاد المسلمين، راجيا أن يكون هذا العمل في صحيفة حسناته، والله يجزي المحسنين» .
стр. 18665
[المجلد الأربعون (سنة ٥٧١- ٥٨٠) ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبقة الثامنة والخمسون
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
[جلوس ابْن الجوزي تحت المنظرة]
قال ابْن الجوزيّ [١] : تُقُدَّمَ إليّ بالجلوس تحت المنظرة، فتكلَّمت فِي ثالِث المُحَرَّم والخليفة حاضر، وكان يوما مشهودا. ثُمَّ تُقَدَّمَ إليَّ بالجلوس يوم عاشوراء فكان الزّحام شديدا زائدا على الحدّ، وحضر أمير المؤمنين [٢] .
[القبض على أستاذ الدار صندل]
وفي صَفَر قبض على أستاذ الدّار صندل الّذي جاء فِي الرّسليّة إلى نور الدّين، وعلى خادمين أرجف النّاس أنَهم تحالفوا على سوء. وولّي أبو الفضل ابن الصّاحب أستاذيّةالدار، وولّي مكانه في الحجابة ابْن النَّاقد [٣] .
[زواج بنت ابْن الجوزيّ]
قال ابْن الجوزيّ [٤] : وكانت ابنتي «رابعة» قد خُطِبَت، فَسَأل الزّوج أن يكون العقُد بباب الحُجْرة، فحضرنا يوم الجمعة، وحضر قاضي القضاة، ونقيب النُقباء، فزوَّجتها بأبي الفَرَج بْن الرشيد الطبريّ، وتزوَّج حينئذٍ ولدي أَبُو القاسم بابنة الوزير عون الدّين بْن هبيرة [٥] .
стр. 18666
قلت: «رابعة» هِيَ والدة الواعظ شمس الدّين بْن الجوزيّ، لم يَطُل عُمَر ابْن رشيد معها، ثمّ تزوَّجها أَبُو شمس الدّين.
وأمّا ابنه أَبُو القاسم فإنّه تحارب وصار ينسخ بالأجرة، وهو ممَّن أجاز للقاضي تقيّ الدّين الحنبليّ.
[كلام ابْن الجوزيّ تحت المنظرة]
قال [١] : وتكلّمت فِي رجب تحت المنظرة وازدحم الخَلْق، وحضر أمير المؤمنين. وكنت إذا تكلَّمت أصعد المِنْبر، ثمّ أضع الطّرحة إلى جانبي، فإذا فرغتُ أَعدتُها.
وكان المستضيء باللَّه كثيرا ما يحضر مجلس ابْن الجوزيّ فِي مكان من وراء السَّتْر، وقال مَرَّةٌ: ما على كلام ابْن الجوزيّ مَزِيد. يعني فِي الحُسْن [٢] .
[كثرة الرفض]
قال [٣] : وكان الرَّفْض قد كَثُر، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين إنُ لَمْ تُقَو يد ابْن الجوزيّ لم يُطق رفْع البِدَع. فكتب بتقوية يدي، فأخبرت النّاس بذلك على المِنْبر، فقلت: إنْ أمير المؤمنين صلوات اللَّه عَلَيْهِ قد بلغه كَثْرة الرَّفْض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي فِي إزالة البِدَع، فَمَن سمعتموه يسبّ فأخبروني حتّى أخرّب داره وأسجنه. فانكفّ النّاس.
وأمر بمنع الوُعَّاظ إلَّا ثلاثة أَنَا، وأبو الخير القزوينيّ مِنَ الشّافعيّة، وصهر العَبادي مِنَ الحنفيّة. ثمّ سُئلَ فِي ابن الشّيخ عبد القادر، فأطلق [٤] .
стр. 18667
[خروج المستضيء إلى كشكه]
وفي ذي القعدة خرج المستضيء إلى الكشك الَّذِي جدّده راكبا، والدّولة مُشَاة، ورآه النّاس، ودعوا لَهُ [١] .
[ولاية المخزن]
وفِيهَا خُلِع على الظَّهير بْن العطّار بولاية المخزن [٢] .
[وليمة الوزير ابْن رئيس الرؤساء]
وفِيهَا عمل الوزير ابْن رئيس الرؤساء دعوة جمع فِيهَا أرباب المناصب، وخَلَع عليَّ، ونُصَب لي مِنْبر فِي الدّار، وحضر الخليفة الدّعوة، فلمّا أكلوا تكلَّمت، وحضر السّلطان والدّولة، وجميع علماء بغداد ووُعَّاظها إلَّا
النّادر [٣] .
[الفتنة بِمَكَّةَ]
وفِيهَا أرسِل إلى صاحب المدينة تقليد بِمَكَّةَ، فجرت فتنة لذلك بِمَكَّةَ، وقُتل جماعة. ثمّ صعِد أميرُ مَكَّة المعزول، وهو مكثر بْن عيسى بْن فُليتَة، إلى القلعة الّتي على أَبِي قُبَيْس، ثمّ نزل وخرج عَن مَكَّة. ووقع النَّهب بمكّة، وأحرقت دور كثيرة [٤] .
وحكى القليوبيّ في «تاريخه» أنّ الرَّكْب خرجوا عَن عَرَفَات، ولم يبيتوا بمُزْدَلِفَة، ومرّوا بها، ولم يقدروا على رَمْي الْجِمار، وخرجوا إلى الأبَطح، فبكّروا يوم العيد، وقد خرج إليهم من يحاربهم من مكّة، فتطاردوا وقتل
стр. 18668
جماعة بين الفريقين. ثمّ آل الأمرُ إلى أن أصيح فِي النّاس: الغَزَاة إلى مَكَّة [١] .
قال ابْن الجوزيّ [٢] : فحدّثني بعض الحاجّ أنْ زرَّاقا ضرب بالنّفط دارا فاشتعلت، وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّة إلَّا باللَّه، وكانت تلك الدّار لأيتام، ثمّ سَوَّى قارورة نفُط ليضرب بها، فجاء حجرٌ فكسرها، فعادت إليه وأحرقته. وبقي ثلاثة أيّام فتفسّخ الْجَسَد، ورأى بنفسه العجائب، ثُمّ مات.
قال [٣] : ثمّ ذلك الأمير الجديد قَالَ: لَا أجْسُر أن أُقيم بعد الحاجّ بِمَكَّةَ. فأمّروا غيره.
[وقعة تلّ السلطان]
وفِيهَا كانت وقعة تلّ السّلطان، وحديث ذلك أنَّ عسكر المَوْصِل نكَثوا وحَنَثوا ووافوا تلَّ السّلطان بنواحي حلب فِي جُمُوع كثيرة، وعلى الكُلّ السّلطان سيف الدّين غازي بْن مودود بْن زنكي، فالتقاهُم السّلطان صلاح الدّين فِي جَمْعٍ قليل، فهزمهم وأسَرَهم، ونهب، وحَقَنَ دِماءهم. ثمّ أحضر الأمراء الّذين أسرهم فأطْلقهم ومَنَّ عليهم [٤] .
قال ابْن الأثير [٥] : لم يُقتل من الفريقين- على كثرتهم- إلّا رجل
стр. 18669
واحد. ووقفتُ على جريدة العَرْض، فكان عسكر سيف الدّين غازي فِي هذه الوقعة يزيدون على ستّة آلاف فارس، والرّجّالة، أقلّ من خمسمائة.
[فتوحات صلاح الدين]
قلت: سار صلاح الدّين إلى مَنْبِج فأخذها، ثمّ سار إلى عزاز، فنازل القلعة ثمانية وثلاثين يوما، وورد عَلَيْهِ وهو محاصرها قومٌ مِنَ الفداويّة، وجُرِح فِي فخذه، وأخِذوا وقُتِلوا. ثمّ افتتح عزاز [١] .
[كتاب فاضليّ إلى الخليفة]
ومن كِتَاب فاضليّ عَن صلاح الدين إلى الخليفة «يطالع أنّ الحلبيّين والمَوْصِليين، لمّا وضعوا السّلاح، وخفضوا الجناح، اقتصرنا بعد أن كانت البلاد فِي أيدينا على استخدام عسكر الحلبيّين فِي البيكارات [٢] إلى الكُفْر، وعرضنا عليهم الأمانة فحملوها، والأيْمان فبذلوها. وسار رسولنا، وحَلَّف صاحب الموصل يمينا، جعلَ اللَّه فِيهَا حَكَمًا. وعاد رسوله ليسمع منّا اليمين، فلمّا حَضَر وأحضر نسختها أومأ بيده ليخرجها، فأخرج نسخة يمينٍ كانت بين المَوْصِليين والحلبيّين على حرْبنا، والتَّسَاعُد على حَزْبِنا. وقد حَلَفَ بها كمُشْتِكِين الخادم بحلب، وجماعة معه يمينا نقضت الأوَّل، فردَدْنا اليمين إلى يمين الرَّسُول، وقلنا: هذه يمين عَن الأيمان خارجة، وأردت عمرا وأراد اللَّه خارجة. وانصرف الرَّسُول. وعِلمنا أنّ النّاقد بصير، والمواقف الشّريفة
стр. 18670
مستخرجة الأوامر إلى المَوْصِليّ إمّا بكتابٍ مؤكَّد بأن لا ينقض العهد، وإمّا الفُسْحَة لنا فِي حربه» [١] .
[استعراض صلاح الدين ذخائر ابْن حسّان]
وقال ابْن أَبِي طيِّئ: لمّا ملك صلاح الدّين مَنْبِج فِي شوّال صعِد الحصنَ، وجلس يستعرض أموال ابْن حسّان وذخائره، فكانت ثلاثمائة ألف دينار، فرأى على بعض الأكياس والآنية مكتوبا «يوسف» . فسأل عَن هذا الاسم، فقيل: لَهُ ولدٌ يحبُه اسمه يوسف، كان يدّخر هذه الأموال لَهُ. فقال السّلطان: أَنَا يوسف، وقد أخذتُ ما جَبَى لي [٢] .
[جرح السلطان من الحشيشية]
ومن كِتَاب السّلطان إلى أخيه العادل يقول: ولم يَنَلْني مِن الحشيشيّ الملعون إلَّا خَدْش قَطَرتْ منه قَطَرَات دمٍ خفيفة، انقطعت لوقتها، واندملت لساعتها [٣] .
[منازلة حلب]
وأما صلاح الدّين فسار من عزاز فنازل حلب فِي نصف ذي الحجّة، وقامت العامّة فِي حِفْظها بكُل ممكن. وصابَرَها صلاح الدّين شهرا، ثمّ تردَّدَت الرُسُل فِي الصُّلْح، فترحَّلَ عَنْهُمْ، وأطلق لابنة نور الدّين قلعة عزاز [٤] .
стр. 18671
[كسوف الشمس]
قال ابْن الأثير [١] : وفي رَمَضَان انكسفت الشمس ضَحْوة نهار، وظهرت الكواكب، حتّى بقي الوقت كأنّه ليلٌ مظلم، وكنت صبيّا حينئذ.
стр. 18672
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
[وعظ ابْن الجوزيّ]
فِي المحرَّم وعَظَ ابْن الجوزيّ، وحضر الخليفة فِي المنظرة، وازدحمت الأمَم [١] .
[عرس ابْنَة ابْن الجوزيّ]
قال [٢] : وكان عُرس ابنتي رابعة، وحضرت الجهة المعظَّمة، وجهَّزَتْها مِن عندها بمالٍ كثير.
[نقص دجلة]
وفي صَفَر نقصت دِجْلة واخترقت حتّى ظهرت جزائر كثيرة، وكانوا يجرّون السُفُن فِي أماكن [٣] .
[البَرَد فِي بغداد]
جاء فِي آب بردٌ شديد ببغداد، فنزلوا عَن الأسطحة، ثمّ عاد الْحَرُّ [٤] .
[وعظ ابْن الجوزي بجامع القصر]
وفي جُمَادَى الآخرة وَعَظْتُ بجامع القصر، واجتمع خلائق، فحزَروًا الجمْعَ بمائة ألف، وكان يوما مشهودا [٥] .
стр. 18673
[وقعة السلجوقي الطامع بالسلطنة]
وفيها قارب بغدادَ بعض السّلجوقيّة ممّن يروم السّلطنة، وجاء رسوله ليُؤذن لَهُ فِي المجيء، فلم يلتفت إليه، فجمع جَمْعًا، ونهب قُرى، فخرج إليه عسكر فَتَواقعُوا. وخرج جماعة. وعاد العسكر فعاد هُوَ إلى النَّهْب، فردّ إليه العسكر وعليهم شُكر الخادم، فترحَّل إلى ناحية خُراسان [١] .
[الزلزلة بالريّ وقزوين]
وفِيهَا كانت بالرّيّ وقَزْوين زلزلةٌ عظيمة.
[معاقبة الطحّان]
وفِيهَا قَالَ رجلٌ لطحّان: أعطني كارة دقيق. فقال: لَا. فقال: وَاللَّه ما أبرح حتّى آخُذ. فقال الطّحّان: وحقّ عليّ الَّذِي هُوَ خير من اللَّه ما أُعطيك.
فشهد عَلَيْهِ جماعة، فَسُجِن أيّاما. ثمّ ضُرِب مائة سَوط، وسُود وجهُهُ وصُفِعَ والنّاس يرجمونه، وأعيدَ إلى الحبس [٢] .
[جلوس ابْن الجوزيّ]
وجلس ابْن الجوزيّ فِي السّنة غير مرّة، يحضر فِيهَا الخليفة [٣] .
[وقعة الكنز]
وفِيهَا كانت وقعة الكنز مقدَّم السّودان بالصّعيد، جَمَعَ خَلْقًا عظيما، وسار إلى القاهرة فِي مائة ألف ليُعيد دولة العُبيديين، فخرج إليه العادل سيف الدّين، وأبو الهيجا الهكّاريّ، وعزّ الدّين موسك، فالتقوا، فقتل الكنز، وما
стр. 18674
انتطح عَنْزٌ مع عَنْز، وقُتل خلْقٌ عظيم من جموعه، حتّى قِيل إنّه قُتِلَ منهم ثمانون ألفا. كذا قَالَ أَبُو المظفّر بْن قزغليّ [١] ، فاللَّه أعلم بذلك.
[أخذ صلاح الدين منبج]
وفِيهَا أخذ صلاح الدّين مَنْبِج من صاحبها قُطْب الدّين ينال بْن حسّان المَنْبِجي، وكان قد ولّاه إيّاها الملكُ نورُ الدّين لمّا انتزعها نور الدّين من أخيه غازي بْن حسّان [٢] .
[مصالحة صلاح الدين حلب]
وفِيهَا حاصر صلاح الدّين حلب مدّة،. ثم وَقَعَ الصُلْح، وأبقَى حلب على الملك الصّالح ابْن نور الدّين وردّ عَلَيْهِ عزاز [٣] .
[تخريب مصياف]
وعاد إلى مَصْياف، بلد الباطنيّة، فنصب عليها المجانيق، وأباح قتْلهم، وخرّب بلادهم، فضرعوا إلى شهاب الدّين صاحب حماه، خال السّلطان، فَسَأل فيهم، فترحّل [٤] عنهم.
стр. 18675
[بناء سور مِصْر]
وتوجّه إلى مِصْر وأمَرَ ببناء السّور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير قراقوش [١] .
قال ابْن الأثير [٢] : دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالقاسميّ [٣] ، ولم يزل العمل فِيهِ إلى أن مات صلاح الدّين.
وقال أَبُو المظفر ابْن الجوزيّ [٤] : ضيَّع فِيهِ أموالا عظيمة، ولم ينتفع به أحد وأمَرَ بإنشاء قلعة بجبل المقطَّم وهي الّتي صارت دار السّلطنة.
قال ابْن واصل [٥] : شرع بهاء الدّين قراقوش الأسَدي فيها، وقطع الخندق وتعميقه، وحَفَر واديه، وهناك مسجد سعد الدّولة، فدخل فِي القلعة، وحفر فِيهَا بئرا كبيرا فِي الصَّخْر. ولم يتأتَّ هذا بتمامه إلَّا بعد موت السّلطان بمدّة. وبعد ذلك كمل السّلطان الملك الكامل ابْن أخي صلاح الدّين العمارات بالقلعة وسكنها. وهو أوّل من سكنها. وإنّما كان سُكْناه وسُكْنى من قبِله بدار الوزارة بالقاهرة [٦] .
стр. 18676
[سماع السلطان من السلَفيّ]
ثمَّ سافر إلى الإسكندريّة، وسمع فِيهَا من السّلفيّ، وتردَّد إليه مرَّات عديدة، وأسمع منه ولديه الملك العزيز، والملك الأفضل [١] .
[بناء تربة الشافعيّ]
ثم عاد إلى مِصْر وبنى تربة الشافعيّ ﵁ [٢] .
стр. 18677
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
[العفو عن تتامش]
في أوَّلها دخل بغداد تتامِش الأمير الَّذِي خرج مع قَيماز، ونزل تحت التّاج، وقَبلَ الأرض مرارا، فعُفي عَنْهُ، وأعطي إمريّة [١] .
[وعظ ابْن الجوزيّ]
وحضر ابْن الجوزيّ مرّتين فوعظ، وأمير المؤمنين يسمع، واجتمع خَلْق لَا يُحْصَوْن [٢] .
وجَرَت ببغداد هَمْرَجة، وقُبِض على صاحب الحجاب وعلى جماعة [٣] .
[فتوى لابن الجوزيّ]
قال ابْن الجوزيّ [٤] : وجاءتني فتوى [٥] فِي عَبْدٍ وأَمَةٍ، أعتقهما مولاهما، وزوَّج أحدهما بالآخر، فبقيت معه عشرين سنة، وجاءت منه بأربعة أولاد، ثمّ بانَ الآن أنها أخته لأبَوَيْه، وقد وقعا فِي البكاء والنّحيب. فعجِبْتُ من وقوع هذا، وأعلمتهما أنّه لَا إثم عليهما، وبوجوب العُدة، وأنْه يجوز لَهُ النَّظر إليها نَظَره إلى أخته، إلَّا أنّه يخاف على نفسه.
стр. 18678
[تكلُم ابْن الجوزيّ]
وفي ليلة رجب تكلَّمت تحت المنظرة الشّريفة، والخليفة حاضر، ومِن الغد حضرنا دعوة الخليفة الّتي يعملها كلَّ رجب، وحضر الدّولة، والعُلماء، والصُّوفية، وختمت ختْمة، وخلع على جماعةٍ كثيرة، وأنصرفَ مَن عادته الانصراف، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات، وفرّق عليهم المال [١] .
[بناء مسجد عظيم ببغداد]
وفِيهَا عمل الخليفة مسجدا عظيما ببغداد، وجعل إمامه حنبليّا، وزَخْرفه. وتقدّم إليّ فصلّيت فِيهِ التّراويح [٢] .
وتكلَّمت فِي رَمَضَان فِي دار صاحب المخزن وازدحموا، وكان الخليفة حاضرا [٣] .
[هبوب الريح ببغداد]
وفي شوّال هبّت ريحٌ عظيمة ببغداد، فزلزلت الدُّنيا بتُرابٍ عظيم، حتّى خيف أن يكون القيامة [٤] .
[وقوع البَرَد]
وجاء بَرَدٌ ودام ساعة، ووقعت مواضع على أقوام، ومات بعضهم [٥] .
[اغتيال الوزير ابْن رئيس الرؤساء]
وتهيّأ الوزير ابن رئيس الرؤساء للحجّ، فقيل إنّه اشترى ستّمائة جمل،
стр. 18679
منها مائة للمنقطعين، ورحل فِي رابع ذي القعدة، فلمّا وصل فِي الموكب إلى باب قطفتا [١] قَالَ رَجُل: يا مولانا أَنَا مظلوم. وتقرّب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه. فتقدَّم إليه، فضربه بسكّين فِي خاصرته، فصاح الوزير: قتلني.
ووَقَعَ وانكشف رأسه، فغطّى رأسه بكمّه على الطّريق، وضُرِب ذلك الباطنيّ بسيف. فعاد وضرب الوزير، فَهَبرُوه بالسّيوف. وقيل: كانوا اثنين، وخرج منهم شابُ بيده سكّين فَقُتِلَ، ولم يعمل شيئا، وأحْرِقَ الثّلاثة. وحُمِل الوزير إلى داره، وجُرِح الحاجب.
وكان الوزير قد رَأَى أنّه مُعَانِق عثمان ﵁، وحكى عَنْهُ ابنه أنّه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غُسل الْإِسْلَام فإنّي مقتولٌ بلا شكّ. ثمّ مات بعد الظُهْر، ومات حاجبه باللّيل.
وعُمِل عزاء الوزير، فلم يحضره إلّا عددٌ يسير، فتُعُجب من هذه الحال فإنّه قد يكون عزاء تاجر أحسن من ذلك. وكان انقطاع الدّولة إرضاء لصاحب المخزن.
ولما كان فِي اليوم الثّاني لم يقعد أولاده، فلمّا علم السّلطان بالحال أمَرَ أرباب الدّولة بالحضور فحضروا. وتكلَّمتُ على كُرسي [٢] .
[حجابة ابْن طلحة الباب]
ثمّ وُلي ابْن طلحة حجابة الباب، وبعث صاحب المخزن بعلامة بعد ثلاثٍ إلى الأمير تتامش فحضر، فوكّل به فِي حُجرةٍ من داره، ونفّذ إلى بيته، فأخذت الطّبل والكوسات، وكلّ ما فِي الدار. واختلفت الأراجيف فِي دينه، وقيل إنه اتُهم بالوزير، وخيف أن تكون نيّته رزيّة للخليفة، فقيل إنّه كاتب أمراء خراسان، وما صحّ ذلك.
стр. 18680
وناب صاحب المخزن فِي الوزارة [١] .
[فتنة اليهود]
وجاء أهل المدائن فشكوا من يهود المدائن، فإنّهم قَالُوا لهم: قد آذيتمونا بكثرة الأذان. فقال المؤذّن: لَا نبالي تأذّيتم أو لَا. فتناوشوا وجَرَت بينهم خصومة استظهر فِيهَا اليهود، فجاء المسلمون مستصرخين إلى صاحب المخزن، فأمر بحبْس بعضهم، ثمّ أطلقهم فاستغاثوا يوم الجمعة بجامع الخليفة، فخفّف الخطيب. فلمّا فرغت الصّلاة استغاثوا، فخرج إليهم الْجُند فضربوهم ومنعوهم، فانهزموا. فغضب العوامّ نُصْرة للإسلام، فضجّوا وشتموا، وقلعوا طوابيق الجامع، وضربوا بها الْجُنْد وبالآجُر، وخرجوا فنهبوا المخلّطين [٢] ، لأنّ أكثرهم يهود. فوقف صاحب الباب بيده السّيف مجذوبا، وحمل على النّاس ثانية فرجموه، وانقلب البلد، ونهبوا الكنيسة، وقلعوا شبابيكها، وقطّعوا [التوراة] [٣] ، واختفى اليهود. فتقدَّم الخليفة بإخراب كنيسة المدائن، وأن تُجعل مسجدا [٤] .
[خروج لصوص من الحبس]
وبعد أيّام خرج من الحبس لصوص قطعوا الطّريق، فَصُلِبوا بالرّحبة، وكان منهم شابٌ هاشميّ [٥] .
[وقعة الرملة]
وفِيهَا وقعة الرملة، فسار السّلطان صلاح الدّين من القاهرة إلى عسقلان
стр. 18681
فسَبى وغنم، وسار إلى الرملة، فخرج عَلَيْهِ الفِرَنج مطلبين وعليهم البرنْس أرناط صاحب الكَرَك، وحملوا على المسلمين، فانهزموا، وثبت السّلطان وابنُ أخيه المظفّر تقيّ الدّين عُمَر، ودخل اللّيل، واحْتَوَت الملاعين على أثقال المسلمين، فلم يبق لهم قدرةٌ على ماءٍ وَلَا زاد، وتعسّفوا تلك الرّمال راجعين إلى مِصْر، وتمزَّقوا وهلكت خيلهم.
ومن خبر هذه الوقعة أنّ الفقيه عيسى أُسِر، فافتداه السّلطان بستّين ألف دينار، وكان موصوفا بالشّجاعة والفضيلة، أسِر هُوَ وأخوه ظهير الدّين، وكانا قد ضلّا عَن الطّريق بعد الوقعة. ووصل صلاح الدّين إلى القاهرة فِي نصف جُمَادى الآخرة.
قال ابْن الأثير [١] : رَأَيْت كتابا بخطّ يده كتبه إلى شمس الدّولة توران شاه، وهو بدمشق، يذكر الوقعة، وفي أوّله:
فذكرتك والخطّيّ يخطر بينَنَا ... وقد نَهَلَتْ منّا المَثقَّفةُ السمْرُ
[٢] ويقول فِيهِ: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرّة، وما نجّانا اللَّه إلَّا لأمرٍ يريده.
وما ثبتت إلَّا وفي نفسها أمرُ وقال غيره: انهزم السّلطان، والنّاس لم يكن لهم بلدٌ يلجئون إليه إلَّا مِصْر، فسلكوا البرّية، ولقوا مشاقا [٣] ، وقلّ عليهم القوت والماء، وهلكت خيلهم، وفُقد منهم خلْقٌ.
ودخل السلطانُ القاهرةَ بعد ثلاثة عشر يوما، وتواصل العسكر، وأسَرَ الفِرَنج فيهم. واستشهد جماعة منهم: أَحْمَد ولد تقيّ الدّين عُمَر المذكور، وكان شابّا حَسَنًا لَهُ عشرون سنة.
стр. 18682
وكان أشدّ النّاس قتالا يومئذ الفقيه عيسى الهكّاريّ. وحملت الفِرَنج على صلاح الدّين، وتكاثروا عَلَيْهِ، فانهزم يسيرا قليلا قليلا. وكانت نَوْبة صَعْبة [١] .
[نزول الفرنج على حماه]
وفِيهَا نزلت الفرنج على حماه، وهي لشهاب الدّين محمود بْن تِكِش خال السّلطان، وكان مريضا، وكان الأمير سيف الدّين المشطوب قريبا من حماه، فدخلها وجمع الرجال، فزحفت الفِرَنج على البلد، وقاتلهم المسلمون قتالا شديدا مدةَ أربعة أشهر، ثمّ ترحّلوا عَنْهَا.
وأمّا السّلطان فإنّه أقام أيّاما بمن سَلِم معه، ثمّ خرج من مِصْر، وعيّد بالبركة، ثمّ كمل عدّة جيشه، فَبَلَغهُ أمرُ حماه، فأسرع إليها، فلمّا دخل دمشق تحقّق رحيل الفِرَنج عَن حماه [٢] .
[عصيان ابْن المقدّم ببعلبكّ]
وعصى الأمير شمس الدّين محمد بن المقدّم ببَعْلَبَك، فكاتَبَه السّلطان وترفّق به، فلم يجب، ودام إلى سنة أربع [٣] .
стр. 18683
[كتاب ابْن المشطوب بقتلى الفرنج]
وجاء كِتَاب ابْن المشطوب أنّ الَّذِي قُتِلَ من الفِرنج على حماه أكثر من ألف نَفْس.
[مطالعة القاضي الفاضل بقتل الوزير]
ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدّين تتضمّن التّوقيع لقتل الوزير عضُد الدّين ابْن رئيس الرؤساء، وفِيهَا: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٤١: ٤٦ [١] فقد كان- عفا اللَّه عَنْهُ- قتل وَلَدي الوزير ابْن هُبيرة، وأزهق أنفُسَهما وجماعة لَا تُحصَى، وهذا البيت، بيت ابْن المسلمة، عريق فِي القتْل. وجدُهُ هُوَ المقتول بيد البساسِيري.
ثمّ قَالَ: وقد ختمت لَهُ السّعادة بما حتّمت به له الشّهادة، لا سيّما وهو خارج من بيته إلى بيت اللَّه، ووقع أجره على اللَّه [٢] .
إنّ الْمَسَاءَةَ قَدْ تَسُرُّ وَرُبَّمَا ... كَانَ السُّرُورُ بِمَا كرهتَ جديرا
إنّ الوزيرَ وزيرَ آل مُحَمَّد ... أوْدَى فمن يَشْنَاكَ كان وزيرا
[٣] وهما فِي أَبِي سَلمة الخلّال وزير بني العبّاس قبل أن يستخلفوا.
стр. 18684
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
[جلوس ابْن الجوزي فِي عاشوراء]
قال ابْن الجوزيّ [١] : تكلّمت فِي أوّل السنَة وفي عاشوراء تحت المنظرة، وحضر الخليفة، وقلت: لو أنّي مثُلت بين يَدَيِ السُدَّة الشّريفة لقلت: يا أمير المؤمنين، كُنْ للَّه سبحانه مع حاجتك إليه، كان لك مع غناه عنك. إنّه لم يجعل أحدا فوقك، فلا تَرضَ أن يكون أحدٌ أشكر لَهُ منك.
فتصدّق أمير المؤمنين يومئذٍ بصَدقَات، وأطلَقَ محبوسين.
[كسوف القمر والشمس]
وأنكسفَ القمر فِي ربيع الأوّل، وكُسِفَتَ الشّمس فِي التّاسع والعشرين منه أَيْضًا [٢] .
[ولادة ثلاثة توائم]
ووُلِدت امرأةٌ من جيراننا ابنا وبنتين فِي بطن، فعاشوا بضع يوم [٣] .
[تجديد قبر أَحْمَد بْن حنبل]
وفِيهَا جدّد المستضيء قبَر أَحْمَد بْن حنبل ﵀، وعمِل لَهُ لوحٌ فِيهِ: «هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الْإِمَام المستضيء بأمر اللَّه أمير المؤمنين» . هذا فِي رأس اللّوح. وفي وسطه: «هذا قبر تاج السّنّة، ووحيد الأمّة، العالي الهمّة، العالم، العابد، الفقيه، الزّاهد، الْإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه
стр. 18685
أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حنبل الشّيبانيّ ﵀، تُوفي فِي تاريخ كذا» . وكُتِب حول ذلك آية الكرسيّ [١] .
[تكلّم ابْن الجوزي فِي جامع المنصور]
وتكلّمت فِي جامع المنصور، فاجتمع خلائق، وحُزِر الجمع بمائة ألف وتاب خلق، وقُطعت شعورهم.
ثمّ نزلتُ فمضيتُ إلى قبر أَحْمَد، فتبعني من حُزِر بخمسة آلاف [٢] .
[إطلاق تتامش]
وفيه أطِلِق الأمير تتامش إلى داره [٣] .
[عمل الدكَّة بجامع القصر]
وتقدَّم المستضيء بعمل دكّة بجامع القصر للشّيخ أبي الفتح بْن المُنَى الحنبليّ، وجلس فِيهَا، فتأثّر أهل المذاهب من عمل مواضع للحنابلة [٤] .
[حديث ابْن الجوزي عَن نفسه]
وكان الوزير عضُد الدّين ابْن رئيس الرؤساء يقول: ما دخلت قطّ على الخليفة إلَّا جرى ذِكْر فلان، يعنيني، وصارَ لي اليوم خمسُ مدارس، ومائة وخمسون [٥] مصنَّفًا فِي كلّ فنّ. وتاب على يدي أكثر من مائة ألف، وقطعت أكثر من عشرة آلاف [٦] طايلة، ولم يُرَ واعظٌ مثل جمْعي، فقد حضر مجلسي الخليفة، والوزير، وصاحب المخزن، وكبار العلماء، والحمد للَّه [٧] .
стр. 18686
[حكاية ابْن الجوزيّ عَن الرشيد]
وفي رجب عمل المستضيء الدّعوة، ووعظت وبالغُت فِي وعظ أمير المؤمنين، فممّا حكيت لَهُ أنّ الرَّشيد قَالَ لشَيبان: عِظْني. قَالَ: لأن تصحب مَن يخوّفك حتّى يدركك الأمنُ خيرٌ لك من أن تَصْحَب من يؤمّنك حتّى يُدركك الخوف.
قال: فسَّر لي هذا.
قال: من يقول لك أنت مسئول عَن الرعيّة فاتّق اللَّه، أنصَح لك ممّن يقول: أنتم أهلُ بيتٍ مغفورٌ لكم، وأنتم قرابة نبيّكم.
فبكى الرشيد حتّى رحمه مَن حوله.
وقال لَهُ فِي كلامه: يا أمير المؤمنين إنْ تكلّمتُ خفت منك، وأن سكتّ خفتُ عليك، وأنا أقَدم خوفي عليك على خوفي منك [١] .
[ظهور مشعبذ]
وفي رمضان جاء مُشَعبِذ فذكر أنّه يُضرب بالسّيف والسكْين فلا تعمل فِيهِ، لكن بسيفه وسِكينه خاصّة [٢] .
قَتل ابْن قرايا الرافضيّ]
وفيه أخِذَ ابْن قرايا الَّذِي ينشد على الدّكاكين من شعْر الرّافضة، فوجدوا فِي بيته كتبا فِي سبّ الصَّحابة، فقُطِع لسانه ويده، وذُهب به إلى المارستان، فَرَجَمَتْه العوامّ بالآجُر، فهرب وسبح وهم يضربونه حتّى مات. ثمّ أخرجوه وأحرقوه، وعملت فِيهِ العامة كان وكان. ثمّ تَتبع جماعة من الرّوافض، وأحرِقت كُتُبٌ عندهم، وقد خمدت جمْرتهم بمرّة، وصاروا أذَل من اليهود [٣] .
стр. 18687
[امتناع الركب العراقيّ]
ولم يخرج الرّكْب العراقيّ لعدم الماء والعشب، وكانت سنة مُقْحِطة.
وحجَّ مَن حجّ على خَطَر. ورجع طائفة فنزلت عليهم عرب، فأخذوا أكثر الأموال، وقتِل جماعة [١] .
[هبوب ريح وظهور نار ببغداد]
وفي ذي القعدة هبّت ببغداد ريح شديدة نصف اللّيل، وظهرت أعمدة مثل النّار فِي أطراف السّماء كأنّها تتصاعد من الأرض، واستغاث النّاس استغاثة شديدة. وبقي الأمر على ذلك إلى السَّحَر [٢] .
[جلوس ابْن الجوزي يوم عَرَفَة]
وجلستُ يوم عَرَفَة بباب بدر، وأمير المؤمنين يسمع [٣] .
[اجتماع الفرنج عند حصن الأكراد]
وفيها اجتمعت الفِرَنج عند حصن الأكراد، وسار السّلطان الملك الناصر صلاح الدّين فنزل على حمص فِي مقابلة العدوّ [٤] .
[تسلّم صلاح الدين بعلبكّ]
فلمّا أمن من غاراتهم سار إلى بَعْلَبِك، فنزل على رأس العين، وأقام هناك أشهرا يراود شمسَ الدّين ابْن المقدّم على طاعته، وهو يَأبى. ولم يزل الأمرُ كذلك إلى أن دخل رَمَضَان، فأجاب شمس الدّين إلى تسليم بَعَلَبك على عِوَضٍ طَلَبَه. فتسلّمها السّلطان، وأنعم بها على أخيه المعظّم شمس الدّولة
стр. 18688
توران شاه بْن أيّوب. وسار إلى دمشق فِي شوّال. ثمّ أقطع أخاه شمس الدّولة توران شاه بمصر، واستردّ منه بَعلَبك [١] .
[قتْل هنفري الفرنجي]
قال ابْن الأثير [٢] : فِي ذي القعدة أغارت الفِرَنْج على بلاد الْإِسْلَام وعلى أعمال دمشق، فسار لحربهم فرّخ شاه ابْن أخي السّلطان فِي ألف فارس، فالتقاهم وألقى نفسه عليهم، وقتل مِن مقدّميهم جماعة، منهم هنفري [٣] ، وما أدراك ما هنفري! كان يُضْرَب المَثَلُ فِي الشّجاعة [٤] .
[غارة البرنس على شيزر]
وفِيهَا أغار البِرنْس صاحب أنطاكية على ناحية شَيْزر [٥] .
[غارة صاحب طرابلس]
وأغار صاحب طرابلس على التّركمان [٦] .
стр. 18689
[إنعام السلطان على الملك المظفّر]
وفِيهَا أنعم السّلطان على ابْن أخيه الملك المظفَّر تقيُّ الدِّين عُمَر بْن شاهنشاه بْن أيّوب بحماه، والمَعَرَة، وفامية، ومَنْبج، وقلعة نجم، فتسلّمها وبعث نوّابه إليها، وذلك عند وفاة صاحب حماه شهاب الدين محمود خال السّلطان [١] .
ثمّ تَوجَّه إليها الملك المظفّر تقيّ الدّين، ورتّب فِي خدمته أميران كبيران شمس الدّين ابْن المقدّم، وسيف الدّين عليّ بْن المشطوب، فكانوا فِي مقابلة صاحب أنطاكية. ورتّب بحمص ابْن شيركوه فِي مقابلة القومص [٢] .
[إنشاء سور القاهرة]
وجاء من إنشاء الفاضل: وأمّا ما أمر به المولى من إنشاء سور القاهرة، فقد ظهر العمل، وطلع البناء، وسلكت به الطّريق المؤدّية إلى السّاحل بالمقسم. وَاللَّه يُعَمّر المولى إلى أن يراه نطاقا على البلدين [٣] ، وسِوارًا أو سورا يكون الْإِسْلَام به مُحَلى اليدين [٤] ، والأمير بهاء الدّين قراقوش ملازم للاستحثاث [٥] بنفسه ورجاله [٦] .
стр. 18690
[ختام كِتَاب المنتظم]
قلت: وهذه السّنة هِيَ آخر «المنتظم» [١] .
стр. 18691
سنة خمس وسبعين وخمسمائة
[الظفر بذيل كِتَاب المنتظم]
أجاز لنا شيخنا أَبُو بَكْر محفوظ بْن معتوق [١] بْن أَبِي بَكْر بْن عُمَر البغداديّ أنّ البُزُوري التّاجر قد ذيّل «المنتظم» فِي عدّة مجلّدات ذهبت فِي أيّام التّتار الغازانية سنة تسع وتسعين وستّمائة من خزانة كُتُبه الموقوفة بتُربته بسفْح قاسيون، ثمّ ظفرنا ببعضها. فذكر فِي حوادث هذه السّنة، سنة ٥٧٥، أنّ أَبَا الْحَسَن عليّ بْن حمزة بْن طلحة حاجب باب النّوبيّ عُزِل بعميد الدّين أَبِي طَالِب يحيى بْن زيادة.
[وصول البشارة إلى بغداد بكسر الفرنج]
وفي صفر وصل إلى بغداد ثلاثة عشر نجّابا، نفّذهم صلاح الدّين يبشّرون بكسرة الفِرَنج، فضُرِبت الطّبول على باب النّوبيّ، وخُلِع عليهم.
وأخبروا أنّ صلاح الدّين حارب الفِرنج ونُصِر عليهم، وأسَرَ أعيانهم، وأسَرَ صاحب الرّملة، وصاحب طبريّة.
[وقعة مرج العيون]
قلت: وهي وقعة مرج العيون [٢] .
ومن حديثها أنّ صلاح الدّين كان نازلا بتلّ بانياس، بين سراياه، فلمّا استَهلَّ المحرّم ركب فرأى راعيا، فسأله عن الفِرَنج، فأخبر بقربهم، فعادَ إلى مخيَّمه، وأمر الجيش بالركوب، فركبوا، وسار بهم حتّى أشرف على الفرنج
стр. 18692
وهم فِي ألف قنطاريّة، وعشرة آلاف مقاتل مِن فارس وراجل، فحملوا على المسلمين، فثبتوا لهم، وحملَ المسلمون عليهم فولّوا الأدْبار، فَقُتِلَ أكثرهم، وأسِرَ منهم مائتان وسبعون أسيرا، منهم: بادين [١] مقدّم الدّاوية، وأوذ [٢] ابْن القومصة، وأخو صاحب جبيل، وابن صاحب مَرقية، وصاحب طبريّة.
فأمّا بادين بن بارزان فاستفكّ نفسه بمبلغ [٣] وبألف أسير من المسلمين.
واستفكّ الآخر نفسه بجملة. ومات أوذ في حبس قلعة دمشق. وانهزم من الوقعة ملكهم مجروحا. وأبلى في هذه الوقعة عزّ الدّين فرّخ شاه بلاء حسنا [٤] .
[الظّفر ببطستين للفرنج]
واتّفق أنْ فِي يوم الوقعة ظفر أسطول مِصْر بَبُطْسَتَين [٥] ، وأسروا ألف نفس، فلله الحمدُ على نصره [٦] .
[انهزام سلطان الروم أمام المظفّر تقيّ الدين]
وكان قَلِيج أرسلان سلطان الروم طلب رَعْبَان [٧] ، وزعم أنّه من
стр. 18693
بلادهم، وإنّما أخذه منه نور الدّين على خلاف مُراده، وأنّ ولده الصّالح إِسْمَاعِيل قد أنعم به عَلَيْهِ. فلم يفعل السّلطان، فأرسل قِليج عشرين ألفا لحصار الحصن، فالتقاهم تقيّ الدين عُمَر صاحب حماة ومعه سيف الدّين علي المشطوب فِي ألف فارس، فهزمهم لأنّه حَمَل عليهم بغتة وهم على غير تعبئة، وضُرِبت كوساته [١] ، وعمل عسكره كراديس. فلمّا سمعت الروم الضّجّة ظنّوا أنّهم قد دهمهم جيش عظيم، فركبوا خيولهم عُرْيًا، وطلبوا النَّجاة وتركوا الخيام بما فِيهَا. فأسر منهم عددا، ثمّ مَنَّ عليهم بأموالهم وسرَّحهم.
ولم يزل تقيّ الدّين يدلّ بهذه النُصْرة، وَلَا ريب أنّها عظيمة [٢] .
[وصول بعض أسرى الروم والغنائم إلى بغداد]
وورد بغداد رسولُ صلاح الدّين، وهو مبارز الدّين كشطغايّ، وجلس لَهُ ظهير الدّين أَبُو بَكْر بْن العطّار، وبين يديه أرباب الدّولة، فجاءوا بين يديه اثنا عشر أسيرا عليهم الخوذ والزرَديات، ومع كلّ واحدٍ قنطاريّة، وعلى كتِفِه طارقة منها طارقة ملك الفِرَنج، وعلى القنْطاريات سُعَف الفِرنج. وبين يديه أَيْضًا من التُحَف والنّفائس، من ذلك صَنَم طوله ذراعين حجر، فِيهِ صناعة عجيبة، قد جعل سبّابته على شفته كالمتبسّم عجبا. ومن ذلك صينيّة ملأى جواهر، وضلْعُ آدميّ نحو سبعة أشبار، فِي عرض أربع أصابع، وضلْع سمكة، طوله عشرة أذرع، في عرض ذراعين.
стр. 18694
[حجوبيّة ابْن الدارع]
وفِيهَا رتّب حاجب الحُجاب أَبُو الفتح مُحَمَّد بْن الدّارع، وكان من حُجاب المناطق.
[وصول ابْن الشهرزوريّ رسولا إلى بغداد]
وفِيهَا قدِم رسولُ صلاح الدّين، وهو القاضي أَبُو الفضائل بْن الشّهرزوريّ، وبين يديه عشرة من أسرى الفِرَنج، وقدّم جواهر مثمنَة.
[عزل ابن الزّوال عن النقابة بالزينبيّ]
وفيها عُزل عَن نقابة النّقباء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن الزّوال بأبي الهيجا نصر بْن عدنَان الزّينبيّ.
[الإرجاف بموت الخليفة]
وفي شوّال مرض الخليفة وأرجف بموته، وهاش الغَوْغَاء ببغداد، ووقع نهبٌ، وركب العسكر لتسكيتهم، فتفاقم الضّرّ، وأتسَع الخَرْق، وركبت الأمراء بالسّلاح، وصُلِب جماعةٌ من المؤذّنين على الدّكاكين.
وكانت العامّة قد تسوّروا على دار الخلافة، ورموا بالنّشّاب فوقعت نشابةٌ فِي فرس النّائب ومعه جماعة، فتأخّروا من مكانهم.
[التوقيع بولاية العهد]
وفيه وُقعَ للأمير أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بولاية العهد.
وقال الوزير لمن حَضَرَ من الدّولة: اليوم الجمعة، وَلَا بُد من إقامة الدّعوة والجهة بنقشا [١] ، يعني امْرَأَة الخليفة قد بالغت فِي كتم مرض أمير المؤمنين، وَلَا سبيل إلى ذلك إلَّا بتيقُن الأمر، فإنْ كان حيّا جرت الخطبة على العادة، وإنْ كان قد تُوفيَ خَطَبنا لولده حيث وقّع له بولاية العهد.
стр. 18695
ثمّ عيّن الشَّيْخ أَبُو الفضل مَسْعُود بْن النّادر ليحضر بين يدي الخليفة، فدخل صُحبة سعد الشّيرازيّ، فقال المملوك: الوكيل، يشير بقوله إلى ظهير الدّين بْن العطّار، يُنهي أنّه وقّع بالخُطْبة للأمير أَحْمَد بولاية العهد، وما وسع المملوك إمضاء ذلك بدون مشافهة.
فقال المستضيء: يمضي ما كُنَّا وقّعنا به. فقبلَ الأرض، وعاد فأخبر الوزير ظهير الدّين، فسجدوا شكرا للَّه تعالى على عافيته، وخطب لولاية العهد لأبي الْعَبَّاس، ونُثِرت الدّنانير فِي الجوامع عند ذِكره [١] .
[امتلاك الكردي قلعة الماهكي]
وفي شوّال ملك عَبْد الوهّاب بْن أَحْمَد الكرديّ قلعة الماهكي، وعمل [٢] سلاليم موصولة، ونصبها عليها فِي ليلةٍ ذات مطر ورعود، فشعر الحارس، فذهب وعرّف المقدّم كمشتِكِين، فقام بيده طَبَر [٣] ، وبين يديه المِشْعَل، فوثبوا عَلَيْهِ فقتلوه، وقتلوا الحارس، ونادوا بشعار عَبْد الوهّاب.
[وفاة الخليفة المستضيء]
وفي سلخ شوّال مات الخليفة [٤] .