سنة خمس وسبعين وخمسمائة
[الظفر بذيل كِتَاب المنتظم]
أجاز لنا شيخنا أَبُو بَكْر محفوظ بْن معتوق [١] بْن أَبِي بَكْر بْن عُمَر البغداديّ أنّ البُزُوري التّاجر قد ذيّل «المنتظم» فِي عدّة مجلّدات ذهبت فِي أيّام التّتار الغازانية سنة تسع وتسعين وستّمائة من خزانة كُتُبه الموقوفة بتُربته بسفْح قاسيون، ثمّ ظفرنا ببعضها. فذكر فِي حوادث هذه السّنة، سنة ٥٧٥، أنّ أَبَا الْحَسَن عليّ بْن حمزة بْن طلحة حاجب باب النّوبيّ عُزِل بعميد الدّين أَبِي طَالِب يحيى بْن زيادة.
[وصول البشارة إلى بغداد بكسر الفرنج]
وفي صفر وصل إلى بغداد ثلاثة عشر نجّابا، نفّذهم صلاح الدّين يبشّرون بكسرة الفِرَنج، فضُرِبت الطّبول على باب النّوبيّ، وخُلِع عليهم.
وأخبروا أنّ صلاح الدّين حارب الفِرنج ونُصِر عليهم، وأسَرَ أعيانهم، وأسَرَ صاحب الرّملة، وصاحب طبريّة.
[وقعة مرج العيون]
قلت: وهي وقعة مرج العيون [٢] .
ومن حديثها أنّ صلاح الدّين كان نازلا بتلّ بانياس، بين سراياه، فلمّا استَهلَّ المحرّم ركب فرأى راعيا، فسأله عن الفِرَنج، فأخبر بقربهم، فعادَ إلى مخيَّمه، وأمر الجيش بالركوب، فركبوا، وسار بهم حتّى أشرف على الفرنج
стр. 18692
وهم فِي ألف قنطاريّة، وعشرة آلاف مقاتل مِن فارس وراجل، فحملوا على المسلمين، فثبتوا لهم، وحملَ المسلمون عليهم فولّوا الأدْبار، فَقُتِلَ أكثرهم، وأسِرَ منهم مائتان وسبعون أسيرا، منهم: بادين [١] مقدّم الدّاوية، وأوذ [٢] ابْن القومصة، وأخو صاحب جبيل، وابن صاحب مَرقية، وصاحب طبريّة.
فأمّا بادين بن بارزان فاستفكّ نفسه بمبلغ [٣] وبألف أسير من المسلمين.
واستفكّ الآخر نفسه بجملة. ومات أوذ في حبس قلعة دمشق. وانهزم من الوقعة ملكهم مجروحا. وأبلى في هذه الوقعة عزّ الدّين فرّخ شاه بلاء حسنا [٤] .
[الظّفر ببطستين للفرنج]
واتّفق أنْ فِي يوم الوقعة ظفر أسطول مِصْر بَبُطْسَتَين [٥] ، وأسروا ألف نفس، فلله الحمدُ على نصره [٦] .
[انهزام سلطان الروم أمام المظفّر تقيّ الدين]
وكان قَلِيج أرسلان سلطان الروم طلب رَعْبَان [٧] ، وزعم أنّه من
стр. 18693
بلادهم، وإنّما أخذه منه نور الدّين على خلاف مُراده، وأنّ ولده الصّالح إِسْمَاعِيل قد أنعم به عَلَيْهِ. فلم يفعل السّلطان، فأرسل قِليج عشرين ألفا لحصار الحصن، فالتقاهم تقيّ الدين عُمَر صاحب حماة ومعه سيف الدّين علي المشطوب فِي ألف فارس، فهزمهم لأنّه حَمَل عليهم بغتة وهم على غير تعبئة، وضُرِبت كوساته [١] ، وعمل عسكره كراديس. فلمّا سمعت الروم الضّجّة ظنّوا أنّهم قد دهمهم جيش عظيم، فركبوا خيولهم عُرْيًا، وطلبوا النَّجاة وتركوا الخيام بما فِيهَا. فأسر منهم عددا، ثمّ مَنَّ عليهم بأموالهم وسرَّحهم.
ولم يزل تقيّ الدّين يدلّ بهذه النُصْرة، وَلَا ريب أنّها عظيمة [٢] .
[وصول بعض أسرى الروم والغنائم إلى بغداد]
وورد بغداد رسولُ صلاح الدّين، وهو مبارز الدّين كشطغايّ، وجلس لَهُ ظهير الدّين أَبُو بَكْر بْن العطّار، وبين يديه أرباب الدّولة، فجاءوا بين يديه اثنا عشر أسيرا عليهم الخوذ والزرَديات، ومع كلّ واحدٍ قنطاريّة، وعلى كتِفِه طارقة منها طارقة ملك الفِرَنج، وعلى القنْطاريات سُعَف الفِرنج. وبين يديه أَيْضًا من التُحَف والنّفائس، من ذلك صَنَم طوله ذراعين حجر، فِيهِ صناعة عجيبة، قد جعل سبّابته على شفته كالمتبسّم عجبا. ومن ذلك صينيّة ملأى جواهر، وضلْعُ آدميّ نحو سبعة أشبار، فِي عرض أربع أصابع، وضلْع سمكة، طوله عشرة أذرع، في عرض ذراعين.
стр. 18694
[حجوبيّة ابْن الدارع]
وفِيهَا رتّب حاجب الحُجاب أَبُو الفتح مُحَمَّد بْن الدّارع، وكان من حُجاب المناطق.
[وصول ابْن الشهرزوريّ رسولا إلى بغداد]
وفِيهَا قدِم رسولُ صلاح الدّين، وهو القاضي أَبُو الفضائل بْن الشّهرزوريّ، وبين يديه عشرة من أسرى الفِرَنج، وقدّم جواهر مثمنَة.
[عزل ابن الزّوال عن النقابة بالزينبيّ]
وفيها عُزل عَن نقابة النّقباء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن الزّوال بأبي الهيجا نصر بْن عدنَان الزّينبيّ.
[الإرجاف بموت الخليفة]
وفي شوّال مرض الخليفة وأرجف بموته، وهاش الغَوْغَاء ببغداد، ووقع نهبٌ، وركب العسكر لتسكيتهم، فتفاقم الضّرّ، وأتسَع الخَرْق، وركبت الأمراء بالسّلاح، وصُلِب جماعةٌ من المؤذّنين على الدّكاكين.
وكانت العامّة قد تسوّروا على دار الخلافة، ورموا بالنّشّاب فوقعت نشابةٌ فِي فرس النّائب ومعه جماعة، فتأخّروا من مكانهم.
[التوقيع بولاية العهد]
وفيه وُقعَ للأمير أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بولاية العهد.
وقال الوزير لمن حَضَرَ من الدّولة: اليوم الجمعة، وَلَا بُد من إقامة الدّعوة والجهة بنقشا [١] ، يعني امْرَأَة الخليفة قد بالغت فِي كتم مرض أمير المؤمنين، وَلَا سبيل إلى ذلك إلَّا بتيقُن الأمر، فإنْ كان حيّا جرت الخطبة على العادة، وإنْ كان قد تُوفيَ خَطَبنا لولده حيث وقّع له بولاية العهد.
стр. 18695
ثمّ عيّن الشَّيْخ أَبُو الفضل مَسْعُود بْن النّادر ليحضر بين يدي الخليفة، فدخل صُحبة سعد الشّيرازيّ، فقال المملوك: الوكيل، يشير بقوله إلى ظهير الدّين بْن العطّار، يُنهي أنّه وقّع بالخُطْبة للأمير أَحْمَد بولاية العهد، وما وسع المملوك إمضاء ذلك بدون مشافهة.
فقال المستضيء: يمضي ما كُنَّا وقّعنا به. فقبلَ الأرض، وعاد فأخبر الوزير ظهير الدّين، فسجدوا شكرا للَّه تعالى على عافيته، وخطب لولاية العهد لأبي الْعَبَّاس، ونُثِرت الدّنانير فِي الجوامع عند ذِكره [١] .
[امتلاك الكردي قلعة الماهكي]
وفي شوّال ملك عَبْد الوهّاب بْن أَحْمَد الكرديّ قلعة الماهكي، وعمل [٢] سلاليم موصولة، ونصبها عليها فِي ليلةٍ ذات مطر ورعود، فشعر الحارس، فذهب وعرّف المقدّم كمشتِكِين، فقام بيده طَبَر [٣] ، وبين يديه المِشْعَل، فوثبوا عَلَيْهِ فقتلوه، وقتلوا الحارس، ونادوا بشعار عَبْد الوهّاب.
[وفاة الخليفة المستضيء]
وفي سلخ شوّال مات الخليفة [٤] .
стр. 18696
[خلافة الناصر لدين اللَّه]
وبويع ابنه أَحْمَد، ولقّبوه النّاصر لدين اللَّه، فجلس للمبايعة فِي القُبة، فبدأ أخوه وبنو عمّه وأقاربه، ثمّ دخل الأعيان، فبايعه الأستاذ دار مجد الدّين هبة اللَّه ابْن الصّاحب، ثمّ شَيْخ الشّيوخ، ثمّ فخر الدّولة أَبُو المظفَّر بْن المطّلب، ثمّ قاضي القُضاة عليّ ابْن الدّامغانيّ، وصاحب ديوان الإنشاء أَبُو الفَرَج مُحَمَّد ابن الأنباريّ، والحاجب أَبُو طَالِب يحيى بْن زيادة.
ثمّ طلب الوزير ظهير الدّين بْن العطّار، وكان مريضا، فأركب على فرس، ثمّ تعضده جماعة، وأدْخِل فَصَعد وبايَعَ، ووقف عَن يمين الشُباك الَّذِي فِيهِ الخليفة، فعجز عَن القيام، فأدخل إلى التّاج، ثمّ راح إلى داره.
وبايع مِنَ الغَد من بقي من العلماء والأكابر.
وقدَّم بعزْل النّقيب أَبِي الهيجا، وبإعادة ابْن الزّوال- وتَوَجَّهت الرُسُل إلى النّواحي بإقامة الدّعوة النّاصريّة [١] .
[القبض على ابْن العطار]
وفي اليوم الخامس مِن البَيعة تقدّم إلى عماد الدّين صَنْدل المُقْتَفَوي، وسعد الدّولة نَظَر المستنجديّ الحَبَشي بالمُضِي إلى دار ابْن العطّار فِي عدةٍ من المماليك للقبض عَلَيْهِ، فجاءوا ودخلوا عَلَيْهِ من غير إذْن، وقبضوا عَلَيْهِ بين الحريم، وترسّم بداره أستاذ دار، فنهبت العامة فِيهَا، وعجز الأستاذ دار [٢] .
стр. 18697
[الخلعة بإمرة الحاجّ]
وفي سادس ذي القعدة خُلِع على طاشتِكِين خِلْعة إمرة الحاجّ، وتوجّه إلى الحجّ وتقدّمه خروج الرَكْب.
[هتك ابْن العطار بَعد وفاته]
وقُيد ابْن العطّار، وسُحِب وسُجِن فِي مطبّق، فهلك بعد ثلاثٍ، وحُمِل إلى دار أخته، فغُسَّل وكُفّن، وأخرج بسَحَر فِي تابوت، ومعه عدةٌ يحفظونه، فعرفت العامّة به عند سوق الثّلاثاء، فسبّوه وهمّوا برجمه، فدافعهم الأعْوان، فكثُرت الغَوغَاء، وأجمعوا على رجْمه، وشرعوا، فخاف الحمّالون من الرجْم، فوضعوه عَن رءوسهم وهربوا، فأخرج من التّابوت وسُحِب، فتعرّى من أكفانه، وبدت عَوْرته، وجعلوا يصيحون بين يديه: بسم اللَّه، كما يفعل الحُجاب، وطافوا به المحالّ والأسواق مسلوبا مهتوكا، نَسأل اللَّه السَّتْر والعافية.
قال ابْن البُزُوري: وحكى التّميميّ قَالَ: كنت بحضرته وقد ورد عَلَيْهِ شَيْخ يلوح عَلَيْهِ الخير، فجعل يَعظُه بكلام لطيف، ونهاه عَن محرَّمات، فقال:
أخْرِجوه الكلْب سَحْبًا. وكرَّر القول مِرارًا.
وقال الموفّق عَبْد اللّطيف: صحَّ عندي بعد سِنين كثيرة أنّ ابْن العطّار هُوَ الَّذِي دسّ الحشيشيّة على الوزير عضُد الدّين حتّى قتلوه.
وُليَ المخزن وسكن فِي دار قُطْب الدّين تيمار الَّذِي هلك بنواحي الرّحبة، وأخذ يبكّت على الوزير، وانتصب لعداوته.
стр. 18698
قال ابْن البُزُوري: ثمّ فِي آخر النّهار خلَّص مماليك الحاجب ابْن العطّار من باب الأزَج بعد تغيُر حاله وتجرُد لحمه عَن عظْمه، فحُمِل على نَعْشٍ مكشوف، فوارَتهُ امرأةٌ بإزار خليع. ثمّ دُفِن [١] .
[الوَباء والغلاء ببغداد]
وكان الوباء والغلاء والمرض شديدا ببغداد، وكَر القمح بمائة وعشرين دينارا [٢] .
[إرسال الخِلَع إلى ملوك الأطراف]
وفي سلْخ الشّهر خُلِع على جميع الدّولة، وأرسِلت الخِلَع إلى ملوك الأطراف، وركبوا بالخِلَع فِي مُستَهَل ذي الحجّة، وجلس النّاصر لدين اللَّه للهنا، فدخل إلى بين يدي سُدته أستاذ الدّار مجد الدّين ابْن الصّاحب، وتلاه نائب الوزارة شرف الدّين سُلَيْمَان شادوست، فقبّلا الأرض. ثمّ خرج نائب الوزارة فركب، وخُلِع على ابْن الصّاحب قميصٌ أطْلَس أسود، وفرجيّة نسيج، وعِمامة كُحِلية بعراقيّ، وقُلد سيفا مُحَلى بالذهَب، وركب فرسا بمركب ذهب، وكنْبُوش إبريسم، وسيف ركاب، وضُرِبت الطُبُول على بابه.
[الزلزلة ببلاد الجبل]
وجاءت ببلاد الجبل زلزلة عظيمة سقطت قِلاع كثيرة، وهلك خلق [٣] .
стр. 18699
سنة ست وسبعين وخمسمائة
[عزل وتولية في نيابة الوزارة]
فِي أوّلها عزل شرف الدّين بْن شادوش عَن نيابة الوزارة لأجل عُلُو سِنه وثَقل سَمْعه، ووليها جلال الدّين هبة اللَّه بْن عليّ بْن الْبُخَارِيّ.
[صلاة الناصر بجامع الرصافة]
وفي المحرّم ركب النّاصر لدين اللَّه إلى الكشك، وصلّى الجمعة بجامع الرَّصافة.
[قدوم رسول الملك طغرل]
وفيه قدم رسول الملك طُغْرُل السَلْجُوقي.
[القبض على ابْن الوزير]
وفيه تقدّم إلى أستاذ الدّار بالقبض على كمال الدّين عُبيد اللَّه ابْن الوزير عضُد الدّين مُحَمَّد ابْن رئيس الرؤساء، فنفّذ للقبض عَلَيْهِ عزّ الدّولة مَسْعُود الشّرابيّ فِي جماعة من المماليك، فحمل مسحوبا إلى بين يديه، فأمرهم أن يرفقوا به، وقيدَ وسُجِنَ.
[وصول أمير الحاجّ]
وفي صَفَر وصل أمير الحاجّ وفي صُحبته صاحب المدينة عزّ الدّين أَبُو سالم القاسم بْن مهَني للمبايعة.
[خروج صلاح الدين لمحاربة الأرمن]
وفِيهَا توجَّهَ السّلطان صلاح الدّين قاصدا بلاد الأرمن وبلادَ الروم
стр. 18700
ليحارب قَلِيج رسلان بْن مَسْعُود بْن قَلِيج رسلان. والمُوجب لذلك أنّ قَليِج زوّج بنته لمحمد بْن قرا رسلان بْن دَاوُد صاحب حصن كيفا، ومكثت عنده حينا، وأنّه أحبَّ مُغنيةً وشغف بها، فتزوّجها، وصارت تحكم فِي بلاده، فلمّا سمع بذلك حُمُوُه قصد بلاده عازما على أخْذ ابنته منه، فأرسل مُحَمَّد إلى صلاح الدّين يستنجد به، وكرَّرَ إليه الرُسُل. ثمّ استقرّ الحال أن يصبروا عَلَيْهِ سنة، ويُفارق المُغنية.
ونزل صلاح الدّين على حصنٍ من بلاد الأرمن فأخذه وهدمه [١] .
[وصول الخِلَع إلى صلاح الدين]
ثم رجع إلى حمص فأتاه التّقليد والخِلَع من الخليفة النّاصر، فركب بها بحمص، وكان يوما مشهودا [٢] .
[من كِتَاب صلاح الدين إلى الخليفة الناصر]
ومن كِتَاب السّلطان صلاح الدّين إلى الخليفة: «والخادم- وللَّه الحمد- جَدَّد [٣] سوابقَ فِي الْإِسْلَام والدّولة العبّاسيّة لَا تعدها [٤] أوليّة أَبِي مُسْلِم، لأنّه وَالى ثمّ دَارى [٥] ، وَلَا آخريّة طُغْرلبك لأنّه نَصَر ثمّ حَجَر. والخادم خَلَعَ مَن كان ينازع الخلافة رواءها، وأساغ الغصّة الّتي [أذخر] [٦] الله للإساغة في سيفه
стр. 18701
ماءها، فرجَّل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعِزّ بتأييدٍ إبراهيميّ، فكسّر الأصنام الباطنيّة بسيفه الطّاهر» [١] .
[سماع صلاح الدين «الموطّأ» فِي الإسكندرية]
وقال العماد الكاتب: توجّه السّلطان إلى الإسكندريّة، وشاهد الأسوار الّتي جدَّدها، وقال: نغتنم حياة الْإِمَام أَبِي طاهر بْن عون. فحضرنا عنده وسمعنا عَلَيْهِ «الموطّأ» .
وكتب إليه القاضي الفاضل يُهنيه ويقول: أدام اللَّه دولة الملك النّاصر سلطان الْإِسْلَام والمسلمين، مُحيي دولة أمير المؤمنين، وسعْده برحلته للعِلْم، والإثابة عليها. ( ... ) [٢] وفي اللَّه رحلته، وفي سبيل اللَّه يوماه: يوم سَفَك دم المحابر تحت قلمه، ويوم سَفَك دَم كافرٍ تحت عَلَمِه. ففي الأوّل يطلب حديث المصطفى، فيجعل أثره عينا لَا تُسْتر، وفي الثّاني يحفل لنُصرة شريعة هداه على الضّلال فيجعل عينه أثرا لَا يظهر.
إلى أن قَالَ: وما يحسب المملوك أنّ كاتب اليمين كتب لملك رحلة قطّ فِي طلب العِلْم إلَّا للرشيد، فرحل بولديه الأمين والمأمون لسماع هذا «الموطّأ» الَّذِي اتّفقت الهمّتان الرشيديّة والنّاصريّة على الرغبة فِي سماعه، والرحلة لانتجاعه.
وكان أصل «الموطّأ» بسماع الرشيد على مالك فِي خزانة المصريّين، فإنْ كان قد حصل، وإلا فَلْيُلْتَمس.
[تقليد الخليفة البلادَ لصلاح الدين]
وفِيهَا أرسِل شَيْخ الشّيوخ صدْر الدّين عَبْد الرَّحِيمَ، وبشير المستنجديّ الخادم إلى السّلطان صلاح الدّين بتقليد ما بيده من البلاد، وهو من إنشاء قِوام
стр. 18702
الدّين بْن زبال، فمنه: «ما كان يملك الأجلّ السّيّد صلاح الدّين، ناصر الْإِسْلَام، عماد الدّولة، جمال المِلَّة، فخر الملّة، صفيّ الخلافة، تابع الملوك والسّلاطين، قامع الكَفَرة والمتمرّدين، قاهر الخوارج والمشركين، فخر المجاهدين، ألْب غازي بك أَبُو يعقوب يوسف بْن أيّوب، أدام اللَّه عُلُوَّه على هذه السّجايا مقبلا» .
وذكر التّقليد، وفيه: «آمرُه بتقوى اللَّه، وآمرُه باتّخاذ القرآن دليلا، وآمره بمحافظة الصّلاة، وحضور الجماعة وبلزوم نزاهة الحُرُمات، وآمرُه بالإحسان بإظهار العدل، وأن يأمر بالمعروف، وأن يحتاط فِي الثّغور، وأنْ يجنب إلى الأمان. وآمرُه بكذا، وأمرُه بكذا. وكُتِب فِي صفر سنة ستُ وسبعين [١] .
[وصول رسول ابْن عبّاد]
وفِيهَا وصل الفقيه هبة اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عبّاد صاحب جزيرة قيس رسولا. وقدِم ... [٢] .
[ركوب الخليفة الدَسْت]
وفي جُمادى الأولى يوم الجمعة ركب الخليفة فِي الدَّسْت بظلّة الشّمسيّة.. [٣] ، وعلى رأسه الطرْحَة، والكُل مُشاة، وخرج إلى ظاهر السّور، ثمّ ردّ إلى جامع المنصور وصلّى، وأقام بكشك الملكيّة أسبوعا. وركب الجمعة الأخرى فِي موكبه، وصلّى بجامع الرَّصَافة، وركب فِي الشَّبارة الطّويلة، تُظِلُه القُبة السَّوداء، وأرباب الدّولة قيام فِي السّفن والخلق يدعون له.
стр. 18703
[إقطاع طغرل البصرة]
وَفِيهَا أُقُطِع طُغْرُل النّاصريّ الخاصّ البصْرةَ بعد موت متولّيها قسيم الدولة بها.
[خروج الخليفة للصيد]
وفي جُمادى الآخرة ركب النّاصر لدين اللَّه فِي موكبه، وخرج إلى الصَّيد، وطاف البلاد والأعمال، وغاب أسبوعا.
[نيابة فرّخ شاه دمشق]
وَفِيهَا وُلي نيابةَ دمشق عزّ الدّين فرّخ شاه ابْن أخي السّلطان، وكان حازما، عاقلا، شجاعا، مقداما، كثير الحرمة [١] .
стр. 18704
سنة سبع وسبعين وخمسمائة
[تخريب بلاد الكَرَك]
فِيهَا قصد عزّ الدّين فرّخ شاه بْن شاهنشاه بلاد الكَرَك بالعساكر وخرّبها، وعاد [١] .
وكان ملك الفرنج برنْس- لعنه اللَّه- قد سوّلت لَهُ نفسه قَصْد المدينة النّبويّة ليتملّكها، فسار فرّوخ شاه إلى بلد المذكور ونَهبَه، فَآلَ الْبِرِنْسُ بالخيبة [٢] .
[ركوب الخليفة فِي موكب]
وفي رجب ركب الخليفة فِي موكبه إلى الكشك، فنزل به، وقدم إلى بغداد بزرافة من صاحب جزيرة قيس.
[معاتبة صلاح الدين على تسمّيه بالناصر]
وَفِيهَا أرسل من الدّيوان إلى السّلطان صلاح الدّين يأخذ عَلَيْهِ فِي أشياء، منها تَسَميه بالملك النّاصر، مع عِلْمه أنّ الْإِمَام اختار هذه السّمة لنفسه [٣] .
стр. 18705
[أخْذ عزّ الدين حلب]
وفي شعبان ساق عزّ الدّين مَسْعُود وأخذ حلب، وكان الصّالح إِسْمَاعِيل بْن نور الدّين قد أوصى لَهُ بها [١] .
[مقايضة سنجار بحلب]
وفي شوّال تزوَّج بأمّ الصّالح، ثمّ قايض أخاه عماد الدّين بسنجار، وقدم عماد الدّين فتسلّم حلب [٢] .
стр. 18706
سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
[رخاء الأسعار بالعراق]
فِيهَا تراخت الأسعار بالعراق.
[الوثوب على صاحب قلعة الماهكيّ]
وَفِيهَا وثب على عَبْد الوهّاب الكرديّ صاحب قلعة الماهكيّ ابن عمّه جوبان، فأخرجه منها، ونادى بشعار الدّولة العبّاسيّة، فأرسلت إليه الخِلْعة والتّقليد بولايتها [١] .
[الكتابة إلى صلاح الدين بالرحيل عَن الموصل]
وَفِيهَا وصل قاضي الموصل ووزيرها ابْن الشّهرزوريّ إلى الدّيوان العزيز يطلب أن يتقدّم إلى السّلطان صلاح الدّين بالارتحال عَن الموصل، فإنّه نزل محاصرا، ذاكرا أنّ الخليفة أقطعه إيّاها. فأجيب سؤاله، وكتب إلى السّلطان بالارتحال عَنْهَا. وسار إليه فِي الرسلية شَيْخ الشّيوخ صدر الدّين عَبْد الرحيم [٢] .
[فتح بلد كبير بالروم]
وفِيهَا افتتح ملك الروم قلِيج رسلان بْن مَسْعُود بلدا كبيرا بالروم كان للنَّصاري، وكُتِب إلى الدّيوان بالبِشارة.
стр. 18707
[فتح حرّان وسروج وسنجار وغيرها]
وافتتح فِيهَا صلاح الدّين حرّان، وسَرُوج، وسِنْجار، ونصيبين، والرّقّة، والبيرة، ونازلَ المَوْصِل وحاصرها، فبهره ما رَأَى من حصانتها، فرحل عَنْهَا، وقصده شاه أرمن [١] بعساكر جمّة، واجتمع فِي ماردين بصاحبها، وفتح آمِد [٢] .
[ملْك صلاح الدين حلب]
ثمّ رجع إلى حلب فملكها، وعوّض صاحبها سنجار [٣] .
[الخِلْعة بشرف الفتوّة]
وَفِيهَا تفتّى النّاصر لدين اللَّه إلى الشَّيْخ عَبْد الجبّار، ولُقَّب بشرف الفُتُوة عَبْد الجبّار، وخلع عَلَيْهِ. وكان النّقيب لهم أبو المكارم أحمد بن محمد بن داذي النّيليّ. وفتّى النّاصر لدين اللَّه فِي ذلك الوقت ولد رفيقه عليّ بْن عَبْد الجبّار، وخلع عَلَيْهِ وعلى النّقيب.
وكان عَبْد الجبّار هذا فِي بدء أمره شجاعا مشهورا، تهابه الفتيان، وتخافه الرجال، ثمّ ترك ذلك ولزِم العبادة، وبنى [٤] لنفسه موضعا، فأمر الخليفة بإحضاره حين تضوّع عبير أخباره، وتفتّى إليه، وجعل المعوّل في شرعها عليه [٥] .
стр. 18708
[الخروج الأخير لصلاح الدين من مِصْر]
وَفِيهَا خرج صلاح الدّين من مِصْر غازيا، وما تهيَّا لَهُ العَوْدُ إليها، وقد عاش بعد ذلك اثنتي عشر سنة [١] .
[دخول سيف الْإِسْلَام اليمن]
وَفِيهَا بعث صلاح الدّين أخاه سيف الْإِسْلَام طُغْتِكِين على مملكة اليمن، وإخراج نواب أخيه توران شاه منها، فدخل إليها، وقبض على متولّى زَبِيد حطّان بْن مُنقذ الكِناني. فيقال إنّه قتله سِرًّا وأخذ منه أموالا لَا تُحصى.
وهرب منه عزّ الدّين عثمان ابن الزّنجيليّ [٢] . وتمكّن سيف الْإِسْلَام من اليمن [٣] .
[وفاة فرّوخ شاه]
وفيها مات عزّ الدّين فرّوخ شاه ابْن شاهنشاه بْن أيّوب، فبعث عمّه على نيابة دمشق شمس الدّين مُحَمَّد بْن المقدَّم [٤] .
стр. 18709
سنة تسع وسبعين وخمسمائة
[قدوم رسول ملك مازندران إلى الخليفة]
فِي المحرَّم قدِم رسول ملك مازَنْدران [١] ، فتُلقي وأكرِم، ولم يكن لمرسله عادةٌ بمراسلة الدّيوان، بلِ اللَّه هداه من غيّ هواه، وقدّمه هديّة.
[قتل مُستفتٍ سَبّ الشافعيّ]
وَفِيهَا جاء رَجُل إلى النّظاميّة يستفتي، فأفتي بخلاف غرضه، فسبَّ الشّافعيّ، فقام إليه فقيهان، لَكَمَهُ أحدُهما، وضربه الآخر بنعله، فمات ليومه، فحُبِس الفقيهان أيّاما، وأطلِقا عملا بمذهب أَبِي حنيفة.
[القبض على مجاهد الدين قايماز وإعادته]
وفي جَمادى الأولى قبض عزّ الدّين مَسْعُود صاحب الموصل على نائبة وأتابِكه مجاهد الدّين قايماز، وكان هُوَ سلطان تلك البلاد فِي المعنى، وعزّ الدّين معه صورة. ولكنْ تخرَّم عَلَيْهِ بإمساكه ( ... ) [٢] . ثمّ إنّه أَخْرَجَهُ وأعاده إلى رُتبته.
[مجيء الرُسلية إلى صلاح الدين]
وفي رَمَضَان جاء إلى صلاح الدّين بالرسلية شَيْخ الشّيوخ، وبشير الخادم [٣] .
стр. 18710
[الفراغ من رباط المأمونيّة]
وفي شوّال فُرِغ من رباط المأمونيّة وفتح إنشاءاته والدة النّاصر لدين اللَّه، ومُدَّ به سماط، وحضره أرباب الدّولة، والقُضاة، والأئمّة، والأعيان، ورتّب شهاب الدّين السُهْروردي شيخا به، ووُقِفَتْ عَلَيْهِ الوقوفُ النّفيسة [١] .
[قدوم الخُجَنْدي للحجّ]
وقدِم رئيس أصبهان صدر الدّين عَبْد اللّطيف الخُجَنْدي للحجّ، فتلقّى موكب الدّيوان، وأقيمت لَهُ الإقامات. وزعيم الحاج فِي هذه السّنين مُجِير الدّين طاشتكين.
[كتاب فاضليّ إلى الديوان بتشتيت الفرنج]
ومن كِتَاب فاضليّ إلى الدّيوان: «كان الفِرَنج قد ركبوا من الأمر نكْرا، وافتضّوا [٢] من البحر بِكرا، وعمّروا مراكب حربيّة شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد [٣] ، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز [٤] ، وأثخنوا [٥] وأوغلوا فِي البلاد (واشتدّت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهل القِبلة، لما أرمض إليهم من خلل الطّواف) [٦] وما [ظنّ] [٧] المسلمون إلَّا أنّها السّاعة، وقد نُشِر مطويّ أشراطها، و [طوي منشور بساطها. فثار] [٨] غضب اللَّه لفناء بيته المحرَّم (ومقام خليله الأكرم) [٩] ، وضريح نبيّه الأعظم [١٠] ﷺ (ورجوا أن يشحذ
стр. 18711
البصائر بنكاية هذا البيت) [١] ، إذ قصده أصحاب الفيل، ووكّلوا إلى اللَّه الأمر، فكان حَسْبُهُم ونِعْم الوكيل» [٢] .
وكان للفرنج مقصدان: أحدهما قلعة أيْلَة [٣] ، والآخر الخوض فِي هذا البحر الَّذِي تجاوره بلادهم من ساحله، وانقسموا فريقين. أمّا الّذين قصدوا أيلة، فإنّهم قدروا أن يمنعوا أهلها من مورد الماء، وأمّا الفريق القاصد سواحلَ الحجاز واليمن، فقدّروا أن يمنعوا طريق الحاجّ عَن حَجه، ويحول بينه وبين فَجه [٤] ، ويأخذ تجّار اليمن، وكارم، وعدن، ويلمّ بسواحل الحجاز فيستبيح، والعياذ باللَّه، المحارم. وكان الأخ سيف الدّين [٥] بمصر قد عُمَر مراكب، وفرّقها على الفريقين [٦] ، وأمرهم [٧] بأن تُطْوَى وراءهم الشُقَّتَين فأمّا السّائرة إلى قلعة أيلة، فإنّها انقضّت على مُرابطي الماء [٨] انقضاضَ الجوارح على بنات الماء، وقذفتها قذف شُهُب السّماء، [٩] فأخذت مراكب العدوّ برمّتها، قتلت أكثر مقاتلتها، [إلَّا من تعلّق [بسعف] [١٠] وما كاد، أو دخل فِي شعب وما عاد، فإنّ العربان اقتصّوا آثارهم، والتزموا إحضارهم.
وأمّا السّائرة إلى بحر الحجاز، فتمادت فِي السّاحل الحجازيّ، فأخذت تُجارًا، وأخافت رفاقا، ودلّها على عورات البلاد من هو أشدّ كفرا ونفاقا.
стр. 18712
وهناك وقع عليها أصحابُنا، وأُخذت المراكب بأسرها، وفرّ فِرَنْجُها) [١] ، فسلكوا فِي الجبال مهاوي المهالك، ومواطن [٢] المعاطب، وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب، يقتلون ويأسرون، حتّى لم يتركوا مُخْبِرًا، ولم يُبقُوا لهم أثرا [٣] ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً ٣٩: ٧١ [٤] ، فَقيد منهم إلى مِصْر مائة وسبعون أسيرا [٥] .
[تسلُم صلاح الدين حلبا]
وفي المحرَّم نزل صلاح الدّين على حلب، ثمّ تسلّمها صُلْحًا [٦] .
[أخْذ الغوري ملك الهند غَزْنَة]
وَفِيهَا سار شهاب الدّين الغوريّ بعد ما ملك جبال الهند، وعَظُم سلطانه إلى مدينة هاوور فِي جيش عظيم وبها السّلطان خسروشاه بن بهرام شاه السُبكتِكِيني الَّذِي كان صاحب غَزنة من ثلاثين سنة، فحاصره مدّة، ثمّ نزل بالأمان فأكرمه ووفى لَهُ. فورد رسول السّلطان غياث الدّين إلى أخيه يأمره بإرسال خُسرُوشاه إليه، فقال لَهُ: أَنَا لي يمين فِي عُنقك. فطيّب قلبه ومَنَّاه، وأرسله هُوَ وولده، فلم يجتمع بهما غياث الدّين بل بعثهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وهذا آخر ملوك بني سبكِتِكين. وكان ابتداء دولتهم من سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، فتبارك الله الّذي لا يزول ملكه [٧] .
стр. 18713
[عودة الرسليّة بالتقدمة إلى بغداد]
وَفِيهَا عاد شَيْخ الشّيوخ، وبشير من الرسْلية، ومعهم رسول صلاح الدّين بتقدُمه كان منها شمسيّة، يعني جزءا، وهي مصنوعة من ريش الطّواويس، لم يُرَ فِي حُسْنها، وعليها اسم المستنصر باللَّه مَعَد العُبيدي.
[وفاة نائب الوزارة وولاية ابْن صدقة]
وتُوفي الخلّال أَبُو المظفّر بْن البخاريّ نائب الوزارة، فولّي مكانه حاجب باب النّوبيّ عزّ الدّين أَبُو الفتوح بْن صَدَقة.
[ولاية الحجابة]
وولي الحجابة أَحْمَد بْن هُبَيرة.
[وفاة شَيْخ الشيوخ وبشير]
وعاد إلى الشّام شَيْخ الشّيوخ، وبشير على الفَور، فمرِضا، وطلبا الرجعة إلى العراق، فقال صلاح الدّين: أقيما. فلم يفعلا، وسارا فِي الحرّ، فماتا بالرحبة.
[منازلة صلاح الدين حلبا وتسلّمها]
ونازل السّلطان حلب، وحاصرها أشدّ حصار، ثمّ وقع الصُلْح بين صاحبها عماد الدّين وبين السّلطان، على أن يعوّضه عَنْهَا سِنْجار، ونصيبين، والرّقّة، وسَرُوج، والخابور. وتسلّم حلب فِي ثاني عشر صفر. وفيه يقول القاضي محيي الدّين ابْن القاضي زكيّ الدّين ابْن المنتخب يمدحه بأبياتٍ جاد منها قوله:
وفَتْحكُمُ حَلَبًا بالسّيف فِي صَفَر ... مبشِّرٌ بفتوح القدس في رجب
[١]
стр. 18714
[البشارة بفتح القدس]
وقد ذكر صاحب «الرَوْضَتَين» [١] أنّ الفقيه مجد الدّين بْن جميل الحلبيّ الشّافعيّ وقع إليه «تفسير القرآن» لأبي الحكم بْن بُرجان، فوجد فِيهِ عنَد قوله تعالى: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ ٣٠: ١- ٢ [٢] أنّ الرُوم يُغلبون فِي رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويفتَح البيت المقدس، ويصير دارا للإسلام إلى آخر الأبد.
واستدلّ بأشياء فِي كتابه. فلمّا فُتحت حلب على يد السّلطان صلاح الدّين، كتب إليه المجد بْن جميل ورقة يبشّره بفتح القدس على يديه، ويعيّن فِيهَا الزّمان، وأعطاها للفقيه عيسى، فلم يتجاسر أن يعرضها على السّلطان، وحدّث بما فِيهَا لمحيي الدّين، وكان واثقا بعقل المجد وأنّه لَا يقول هذا حتّى تحققه، فعمل القصيدة الّتي فِيهَا هذا البيت، فلمّا سمعه السّلطان بُهِت وتعجّب. فلمّا اتّفق لَهُ فتْحُ القُدس فِي رجب، سار المجد مهنّئا، وذكر لَهُ حديث الورقة، فتعجّب وقال: قد سبق إلى ذلك محيي الدّين، غير أنّي أجعل لك حظّا. ثمّ جمع لَهُ مَن فِي العسكر من الفُقَهاء والصُلحاء، ثمّ أدخله بيت المقدس والفِرَنج بعدُ فِيهِ لم يُنظف منهم، وأمره أن يذكر درسا على الصَّخْرة.
فدخل ودرّس هناك، وحظي بذلك.
ثمّ قَالَ أَبُو شامة: وقفت أَنَا على ما فسّره ابْن برُجان من أنّ البيت المقدس استولت عَلَيْهِ الروم عام سبعةٍ وثمانين وأربعمائة، وأشار إلى أنّه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة.
стр. 18715
قال أَبُو شامة: وهذا الَّذِي ذكره أَبُو الحَكم من عجائب ما اتّفق. وقد تكلّم عَلَيْهِ شيخنا السخَاوي فقال: وقع فِي «تفسير» أَبِي الحَكَم أخبار عَن بيت المقدس، وأنّه يُفْتَح فِي سنة ثلاثٍ وثمانين. قال: فقال لي بعض الفُقهاء: إنّه استخرج ذلك من فاتحة السُورة. فأخذتُ السُورةَ، وكشفتُ عَن ذلك، فلم أره أخَذَ ذلك من الحروف، وإنّما أخذه فيما زَعَم من غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ٣٠: ٢- ٤ [١] فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجّمون، ثمّ ذكر أنّهم يغلبون فِي سنة كذا، وفي سنة كذا، على ما تقضيه ووافر التّقدير. وهذه نجامة وافقت إصابة إنْ صحّ أنّه قَالَ ذلك قبل وقوعه، وليس ذلك من الحروف، وَلَا هُوَ من قبيل الكرامات. فإنّ الكرامات لَا تُكْتَسَب، وَلَا تفتقر إلى تاريخ، ولذلك لم يوافق الصّواب لمّا أراد الحساب على القراءة الأخرى الشّاذّة وهي (غَلَبَتْ) بالفتْح، ولو صحّ ذلك، لأنّه قَالَ فِي سورة القَدْر: لو عُلِم الوقتُ الَّذِي نزل فِيهِ القرآنُ لعُلِم الوقتُ الَّذِي يُرفع فِيهِ. فهذا ما ذكره.
[كتاب فاضلي بإبطال المكس بالرَّقة]
ومن كِتَاب إلى الدّيوان: أشقى الأمراء من سمّن كيسه وأهزل الخلْق، وأبعدهم مِن الحقّ من أخذ المكْس وسمّاه الحقّ. ولمّا فتحنا الرِّقة أشرفنا على سُحْتٍ يؤكل، وظُلْمٍ ممّا أمَرَ اللَّه أن يُقْطَع، وأمر الظّالمون أن يوصل، فأوحَينا إلى كافّة الولاة من قِبَلنا أن يضعوا هذه الرسوم بأسرها، ويكفوا الرعايا من سائر أيّام مِلكتِه بأسرها، ونعتق الرّقّة من ربّها، وتُسَد هذه الأبواب وتُعطل، وتُنْسَخ هَذه الأمور وتُبْطَل، [وتبقى] [٢] ماهيّة الأحكام، وأئمّة الخلود، خالدة الدّوام، تامّة البلاغ، يانعة التّمام، ملعون من يطمح إليها ناظره.
стр. 18716
ومنه: وإذا ولّاه أمير المؤمنين ثغرا لم يَبتْ فِي وسطه، ولم يقم فِي ظلّ غُرَفِه، بل يبيت السيفُ لَهُ ضجيعا، ويصبح ومُعْتَدَلُ القتال لَهُ ربيعا، لَا كالّذين يطلبون أبواب الخلافة [كالعباد] [١] وَلَا يؤامروها فِي تصرُفاتها مؤامرة الاستعباد، وكأنّ الدّنيا لهم إقطاع لَا إيداع، وكأنّ الإمارة لهم تخليدٌ لَا تقليد.
وكأنّ السّلاح عندهم زينة كليله ولابسه، وكأنّ مال اللَّه عندهم وديعة، لَا يَدِرُّ مانعة وَلَا كابسة، وكأنّهم فِي البيوت الدُمَى فِي لُزُوم خِدْرها، لَا فِي مُستحسنات صُوَرِها، راجين من الدّين بالعروة [الدّنيّة] [٢] ، ومن إعلاء كلمته بما يسمعونه على الدرَجَات الخشبيّة، ومن جهاد الخوارج باستحسان الأخبار المُهَلبية [٣] ، ومن قتال الكفّار بأنّه فرض كفاية، تقوم به طائفةٌ فيسقط عَن البقيّة.
[محاصرة السلطان الكَرَك]
وَفِيهَا سارَ السّلطان بجيوشه إلى الكَرَك فحاصرها، ونصب عليها المجانيق، ثمّ جاءته الأخبار باجتماع الفِرَنج، فترك الكَرَك، وسار إليهم بعد أن كان قد أشرف على أخْذِها، فخالفوه فِي الطّريق إلى الكَرَك، وأتوا إليها بجموعهم، فسار إلى نابلس، ثمّ إلى دمشق [٤] .
стр. 18717
وأعطى [١] أخاه نائب مِصْر الملكَ العادل سيفَ الدّين حلب وأعمالها، فإنّه ألحّ عليه فِي طلبها. فَسَارَ إليها، وانتقل منها الملك الظّاهر غازي، وقدِم على والده [٢] .
[نيابة الملك المظفّر بمصر]
وبعث السّلطان ابْن عمّه الملك المظفّر تقيّ الدّين عُمَر صاحب حماه على نيابة الدّيار المصريّة موضع الملك العادل [٣] .
стр. 18718
سنة ثمانين وخمسمائة
[جَعْلُ مشهد الكاظم أمنا]
فِيهَا جعل الخليفة النّاصر مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلْق، وحصل بذلك مفاسد [١] .
[موت رَجُل راهن على دفنه نصف يوم]
وفي صَفَر راهن رجلٌ ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غدوة إلى الظّهر، فدفن وأهيل عليه التُراب، ثمّ كُشِف عَنْهُ وقت الظُهْر، فوُجِد ميتا وقد عصفر سواعده من هَوْل ما رَأَى [٢] .
[كِتَابُ السُّلْطَانِ بِمَحَاسِنِ دِمَشْقَ]
وَفِيهَا كتب زين الدّين بن نَجِية [٣] الواعظ كتابا إلى صلاح الدّين يشوّقه إلى مِصْر ويصف محاسنها، ومواطن أنسها. فكتب إليه السّلطان، بإنشاء العماد فيما أظنّ: «ورد كِتَاب الفقيه زين الدّين: لَا ريب [٤] أنّ الشّام أفضل، وأنْ أجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إليه أميَل، وأنّ زُلالة البارد أعلَّ [٥] وأنْهَل، وأنّ الهواء فِي صيفه وشتائه أعْدَل، وأنّ الجمال فِيهِ أجمل
стр. 18719
وأكمل [١] ، وأنّ القلب به أرْوَح، وأنّ الروح به أقبَل. فدمشق عاشقها مُسْتَهَام، وما على مُحِبها مَلام. وما فِي رَبْوتها ريبة، ولكلّ نَوْرٍ فِيهَا شيبة [٢] ، وساجعاتها على منابر الورق خُطَبًا قُطْرب، وهزاراتها وبلابلها تُعْجم وتُعْرب، وكم فيها من جواري ساقيات، وسواقي جاريات، وأثمار بلا أثمان [٣] ، وفاكهة ورُمان، وخَيرات حِسان، وكونه تعالى أقَسم به فقال: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ٩٥: ١ [٤] يدلُ على فضله المكنون. وَقَالَ ﷺ : «الشَّامُ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ بِلَادِهِ، يَسُوقُ إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ» [٥] . وعامّة الصّحابة اختاروا به المُقام. وفتْح دمشق بكْر الْإِسْلَام. وما يُنكَر أنّ اللَّه تعالى ذكر مِصْر [٦] ، لكنّ ذلك خرج العَيْب [٧] لَهُ والذّمّ. ألا ترى أنْ يوسف ﵇ نقل منها إلى الشّام. ثمّ المُقام بالشّام أقرب إلى الرباط، وأوجب للنّشاط. وأين قطرب [٨] المقطّم [٩] من [سنا سنين] [١٠] ؟ وأين دار آصف [١١] لمن ذِرْوة الشّرف المنير [١٢] ؟، وأين لُبانة [لبنان] [١٣] من الهَرَمَين؟ وهل هما إلَّا مثل السلْعتَين؟ وهل للنّيل مع طول نَيله وطول ذَيله يرد بَرَدَى فِي نقع العليل [١٤] ؟ وما لذلك الكثير طلاوة هذا القليل.
стр. 18720
(وإن فاخرنا بالجامع وفيه النّسر [١] ، ظهر بذلك [٢] قصَر القَصْر) [٣] ، ولو كان لهم مثل بانياس، لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لَا نحقِر الوطنَ كما حَقَرتَه [٤] ، وحب الوطن من الْإِيمَان، ونحن لَا ننكر فضل مِصْر، وأنّه إقليم عظيم [٥] ، ولكن نقول كما قَالَ المجلس الفاضليّ: إنّ دمشق تصلُح أن تكون (بستانا لمصر) [٦] . والسّلام» [٧] .
[مهاجمة السلطان نابلس]
وفيها هجم السّلطان نابلس، وكان قد وصل لنجدته عسكر ديار بَكْر، وعسكر آمِد، والحصن، والعادل من حلب، وتقيّ الدّين من حماه، ومظفّر الدّين صاحب إربل. هكذا ذكر أَبُو المظفّر فِي «مرآته» [٨] . قَالَ: نازل الكَرَك ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفِرَنْج من كلّ فَج، وأجْلَبوا وطلبوا. واغتنم السّلطان خُلُوَّ السّاحل منهم، ورأى أنْ حصارها يطول، فسار ونزل الغَوْر وهجم نابلس، فقتل وسبى، وطلع على عَقَبة [فيق] [٩] ، ودخل دمشق [١٠] .
стр. 18721
[منازلة الكَرَك]
وأمّا ابن الأثير فقال [١] : نازل الكَرَك، ونَصَب المنجنيقات على رَبضه ومَلَكه، وبقي الحصن وهو والرّبض على سطح واحدٍ، إلَّا أنْ بينهما خندقا عظيما، عمقه نحو ستّين ذراعا، فأمر السّلطان بإلقاء الأحجار والتُراب فِيهِ ليطمّه، فلم يقدروا على الدُنُو منه لكثرة النّشّاب وأحجار المجانيق، فأمر أن يُبنَى من الأخشاب واللبِن ما يمكن للرجال يمشون تحت السّقائف، فيلقون فِي الخندق ما يُطمه، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلا ونهارا، فاجتمعت الفرنج عَن آخرها، وساروا عَجِلِين، فوصل صلاح الدّين إلى طريقهم يتلقّاهم، فقرُب منهم، ولم يمكن الدُنُو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك، فأقام ينتظر خروجهم إليه، فلم يبرحوا منه، فتأخّر عَنْهُمْ، فساروا إلى الكَرَك، فعلم صلاح الدّين أنّه لَا يتمكّن منهم حينئذٍ، وَلَا يبلغ غَرَضَه، فسار إلى نابلس، ونهب كلّ ما على طريقه من قرى الفرنج، وأحرق نابلس وأسر وسبى، واستنقذ الأسرى. وبثَّ السّرايا يمينا وشمالا.
[خروج ابْن غانية الملثّم بالمغرب]
قال [٢] : وفي شعبان خرج ابْن غانية الملثّم وهو عليّ بْن إِسْحَاق، من كبار الملثَّمين الّذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذٍ صاحب مَيُورقَة، إلى بِجاية فَمَلَكَها بقتال يسير. وذلك إثر موت يوسف بْن عَبْد المؤمن، فقويت نفس ابْن غانية وكثُر جموعه، ثمّ التقاه متولّي بِجاية، وكان غائبا عَنْهَا. وكَسَرَ عليّ متولّي بِجاية، وانهزم إلى مَراكُش، واستولى ابن غانية على أعمال بجّاية
стр. 18722
سوى قَسَنْطينة [١] الهوى، فحصرها إلى أن جاء جيش الموحّدين فِي صَفَر سنة إحدى وثمانين فِي البرّ والبحر إلى بِجاية، فهرب منها أخَوَا ابْن غانية فلِحقا به، فترحّل عَن قسنطينة، وسار إلى إفريقية، فحشد وجمع، والتفّ عليه سليم، ورياح، والتّرك الّذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش، وبعدها، وصاروا في جيش عظيم، فتملّك بهم ابْن غانية جميعَ بلاد إفريقية، سوى تونس، والمَهْدية [٢] ، حفظتهما عساكر الموحّدين على شدةٍ وضيقٍ نالهم، وانضاف إلى ابْن غانية كلُ مُفْسِدٍ وكلّ حراميّ، وأهلكوا البلاد والعباد، ونزل على جزيرة باشرا وهي بقرب تونس، تشمل على قُرى كثيرة، فطلب أهلها الأمان فأمّنهم، فلمّا دخل عسكره نهبوها وسلبوا النّاس، وامتدَّت أيديهم إلى الحريم والصّبيان، وَاللَّه المستعان.
[إقامة الخطبة العباسية بإفريقية]
وأقام ابْن غانية بإفريقية الخطْبة العبّاسيّة، وأرسل إلى النّاصر لدين اللَّه يطلب منه تقليدا بالسَّلْطَنة. ونازل قفصة فِي سنة اثنتين وثمانين، فتسلّمها من نُواب ابْن عَبْد المؤمن بالأمان وحصّنها. فجهّز يعقوب بْن يوسف بْن عَبْد المؤمن جيوشه، وسار فِي سنة ثلاثٍ لحربه، فوصَلَ إلى تونس، وبعث ابْن أخيه فِي ستّة آلاف فارس، فالتقوا، فانهزم الموحّدون لأنّهم كانوا معهم جماعة من التّرك، فخامروا عليهم حال المصافّ، وَقُتِلَ جماعةٌ من كبار الموحّدين، وكانت الوقعة فِي ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ. فسار يعقوب بنفسه، فالتقوا فِي رجب بالقُرب من مدينة قابس فانهزم ابْن غانية، واستَمَر القتْل بأصحابه فتمزّقوا، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها، وأخذ منها أهل قراقوش، فبعثهم إلى مَراكُش. ونازل قفصة فحاصرها ثلاثة أشهر، وبها التّرك، فسلّموها بالأمان. وبعث بالأتراك ففرّقهم فِي الثّغور لِما رَأَى من شجاعتهم. وقتل طائفة من الملثّمين، وهدم أسوار قَفْصة، وقطّع أشجارها.
стр. 18723
واستقامت له إفريقية بعد ما كادت تخرج عَن بيت عَبْد المؤمن [١] .
وامتدّت أيّام ابْن غانية إلى حدود عام ثلاثين وستّمائة.
[منازلة السلطان الكَرَك]
وفي جُمادى الأولى جمع السّلطان الجيوش، وسار إلى الكَرَك فنازلها، ونزل بواديها، ونصب عليها تسعة مجانيق قُدام الباب، فهدّمت السّور، ولم يبق مانع إلَّا الخندق العميق، ولم يكن حيلة إلَّا ردمه، فضرب اللّبن، وجُمِعت الأخشاب، وعملوا مثل درب مسقوف يمرّون فِيهِ، ويرمون التُراب فِي الخندق، إلى أن امتلأ، بحيث أنّ أسيرا رمى بنفسه من السُور إليه ونجا.
وكانت فِرَنج الكَرَك وسائر ملوكهم وفرسانهم يستمدّون بهم، فأقبلوا من كلّ فجّ في حدّهم وحديدهم، فنزلوا بمضائق الوالة، فرحل السّلطان، ونزل على البلقاء، وأقام ينتظر الملتَقَى، فما تغيّروا، فتقهقر على حسبان فراسخ.
فوصلوا إلى الكَرَك، فقصد السّلطان السّاحل لخُلُوه، ونهب كلّ ما فِي طريقه، وأسر وسبى، فأكثر وبدّع بسَبَسْطِية [٢] ، وجينين، ثمّ قدِم دمشق [٣] .
[حصار الكَرَك فِي كِتَاب للعماد]
ومن كِتَاب عماديّ فِي حصار الكَرَك يقول: لولا الخندق الَّذِي هُوَ وادٍ لسهل مشرع، فعملنا دبّابات قدّمناها، وبنينا إلى سفيرة ثلاثة أسراب باللِبن وسقفناها، وشرعنا فِي الطّمّ، وتسارع النّاس، ولم يبق إلَّا من يستبشر بالعمل، وتجاسروا حتّى ازدحموا نهارا، كازدحامهم يوم العيد ليلا، كاجتماعهم فِي جامع دمشق ليلة النّصف السّعيد، وهم من الجراح سالمون، وبنصر اللَّه موقنون، وإنْ أبطأ العدوّ عَن النّجدة. والنصر قريب سريع،
стр. 18724
والحصن بمن فِيهِ صريع، قد خرقت الحجارة حجابه، وقُطِعت بهم أسبابه، وناولته من الأجَل كتابه، وحَسَرَت لِثامَ سُوره وخلعت نِقابَه، فَألوف الأبراج مجدوعة، وثنايا الشُرفات مقلوعة ورءوس الأبدان مخروزة، وخروق العوامل مهموزة، وبطون السُقُوف مبقورة، وعصا الأساقف معقورة، ووجوه [الْجُدُر] [١] مسلوخة، وجلود البواشير مبشورة، والنّصر أشهر من نارٍ على عَلَم، والحرب قَدم من ساقٍ على قَدَم.
[وفاة رسولي الخليفة بالشام]
وقدِم السّلطان وبدمشق الرسولان شيخ الشّيوخ صدر الدّين والطّواشيّ بشير، فمرضا، ومات جماعة من أصحابهما. وكان الشَّيْخ نازلا بالمنبع، فكان السّلطان يعوده فِي كلّ يوم. وكان قدومهما فِي الصُلح بين السّلطان وبين عزّ الدّين صاحب المَوْصِل، فلم ينبرم أمرٌ، فطلبا العَوْد إلى بغداد، وعادا، فمات بشير بالسّخنة، وشيخ الشّيوخ بالرحَبة [٢] .
[الإذْن للجيوش بالعودة إلى أوطانها]
وأذِن السّلطان للجيوش بالرجوع إلى أوطانهم.
[خِلْعة السلطان على صاحب حصن كيفا]
وخلع على نور الدّين بْن قُرا رسلان صاحب حصن كيفا الخِلْعة الّتي جاءته هذه المرّة من الخليفة بعد أن لبسها السّلطان.
[كتابة منشور لصاحب إربل]
ثمّ كتب لزين الدّين يوسف بْن زين الدّين عليّ صاحب إربل منشورا بإربل وأعمالها لمّا اغتدى إليه، وفارق صاحب المَوْصل.
стр. 18725
[خروج السلطان بقصْد الموصل]
ثمّ وصلت رُسُل زَين الدّين يوسف إلى السّلطان بأنّ عسكر الموصل وعسكر قزل صاحب العجم نازلوا إربل مع مجاهد الدّين قايماز. وأنّهم نهبوا وأحرقوا، وأنّه نُصِر عليهم وكسرهم، فكان هذا ممّا حرَك عزْمَ السّلطان على قصد الموصول هذه المرَّة. فسار السّلطان على طريق البقاع وَبَعْلَبَكَّ، ثمّ حمص وحماه، فأقام بحماه إلى انسلاخ السّنة [١] .
[وفاة صاحب ماردين]
وَفِيهَا مات صاحب ماردِين قُطْب الدّين إيلغازي بْن نجم الدّين الأرتقيّ، رحمه الله تعالى [٢] .
انتهت هذه الطبقة وللَّه الحمد
стр. 18726
بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صبرا
المتوفّون في هذه الطبقة
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
- حرف الألف -
١- أَحْمَد بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس [١] .
الشّريف أَبُو جَعْفَر بْن المقشوط، الهاشميّ، البغداديّ.
تُوفي فِي ربيع الآخر.
- حرف الحاء -
٢- الْحَسَن بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد.
أَبُو مُحَمَّد القيسيّ الدّمشقيّ الواعظ.
سمع: ابْن الأكفانيّ، وغيره.
وعنه: أَبُو القاسم بْن صَصْرَى.
٣- الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن نَمِير [٢] .
أَبُو الْحَسَن الإشبيليّ، الضّرير، الفقيه الظّاهريّ.
قال الأبّار: كان يُجتَمع إليه ويناظر عليه.
أخذ عنه: مفرّج بْن حسين الضّرير، وغيره.
- حرف الطاء -
٤-[طُغدي] [٣] بن خمارتكين.
стр. 18727
أَبُو مُحَمَّد التُركي، من شَيْوخ بغداد.
سمع: أَبَا القاسم الرَّبعي، وابن بدران الحلوانيّ.
روى عَنْهُ: ابْن الأخضر، ومنصور بْن السَّكَن، وغيره.
تُوفي فِي ذي الحِجّة.
- حرف العين -
٥- عَبْد اللَّه بْن حمزة بْن مُحَمَّد بْن سماوة.
أَبُو الفَرَج الكرْماني، ثمّ الجيرُفْتي [١] ، ثمّ الدّمشقيّ.
تفقّه على جمال الْإِسْلَام السُلمي، وولي خطابة دُومَة [٢] زمانا.
وروى عَن جمال الْإِسْلَام.
روى عنه: أبو المواهب بن صصرى، وقال: كان ثقة صالحا.
تُوفي فِي ربيع الآخر وهو فِي عَشْر الثّمانين.
وروى عَنْهُ أَيْضًا أَبُو القاسم بن صصرى.
٦- عبد الله بن محمد بْن سهل [٣] .
أَبُو مُحَمَّد الغَرْناطي الضّرير، المقرئ. ويُعرف بوجه نافخ.
أخذ القراءات عَن أَبِي مُحَمَّد بْن دُري ولازمَه.
وعن عَبْد الرحيم بْن الفَرَس.
وسمع منهما، ومن: غالب بْن عطيّة، وجماعة.
وأجاز لَهُ أَبُو عليّ بْن سُكَّرة، وغيره.
قال الأبّار: كان بارعا فِي العربيّة.
حدّث عَنْهُ: ابنه أَبُو عَبْد اللَّه، وابن عيّاد.
سمع: أَبَا الْحَسَن بْن العلّاف، وابن فتحان الشّهرزوريّ، وابن بيان.
روى عَنْهُ: ابْن الأخضر، وغيره.
١٠- عليّ بْن إِبْرَاهِيم بْن عيسى بْن سعد الخير [١] .
أبو الحسن البلسيّ الْأَنْصَارِيّ، النّحويّ.
قال الأبّار [٢] : سمع من أَبِي مُحَمَّد النّيليّ، وأبي الوليد بْن الدّبّاغ.
ولازم أَبَا الْحَسَن بْن النّعمة وتأدّب به، وكان عالما بالعربيّة واللّغة، إماما فِي ذلك. أقرأها حياته كلّها.
وكان بارع الخطّ، كاتبا بليغا، شاعرا مُجِيدًا، مولّدا. وكانت فِيهِ غَفْلة معروفة، وَلَهُ مُصَنف على كِتَاب «الكامل» للمبرّد، وغير ذلك [٣] .
стр. 18730
تُوفي بإشبيليّة فِي ربيع الأوّل. وقيل: تُوفي سنة سبعين.
١١- علي بْن الْحَسَن بْن هبة اللَّه بْن عَبْد اللَّهِ بْن الحُسَيْن [١] .
الحافظ الكبير أَبُو القاسم، ثقة الدّين ابْن عساكر الدّمشقيّ، الشّافعيّ، صاحب «تاريخ دمشق» .
أحد الأعلام في الحديث.