← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

الناس وتأهّبوا، وأعان كلٌ منهم صاحبه، وتضاربوا بالأيدي. فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بْن أَبِي خَالِد الحربيّ وقالوا: أنت شيخنا، وقد ركب الزواقيلُ منّا ما سَمِعْتُ، فاجمع أمرنا وإلا استذلّونا، فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم [١] عَلَى مثل هذه الحال. فاستعدّ الأبناء وأتوا الزّواقيل وهم غارّون، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة. فتنادى الزواقيل ولبسوا لأمَة الحرب. ونشبت الحرب بينهم، فوجّه عَبْد المُلْك رسولا يأمرهم بالكَفّ. فرموه بالحجارة. وكان عَبْد المُلْك مريضًا مُدْنَفًا، وقال: واذُلاه! تُستضام العربُ في دُورها وبلادها وتُقتل. فغضب مِن كَانَ أَمْسك عَنِ الشرّ مِن الأبناء، وتفاقم الأمرُ. وقام بأمر الأبناء الحسين بْن علي بْن عيسى بْن ماهان، وأصبح الزواقيل وقد جَيَّشوا بالرَّقّة، واجتمع الأبناء والخُراسانيّة بالرافقة. وقام رجلٌ مِن أهل حمص فقال: يا أهل حمص، الهربُ أهون مِن العطب، والموت أهون من الذلّ، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل [٢] ويعسر المهرب [٣] ، ثمّ قام نمر بْن كلب [٤] فقال نحو ذَلِكَ، فسار معه عامّة أهل الشام ورحلوا [٥] . وأقبل نصر بْن شبت في الزّواقيل، وهو يَقُولُ: فرسانَ قيسٍ اصبري [٦] للموت ... لا تُرْهِبُنّي عَنْ لقاء الفَوْت دعي التَّمنّي بعسى وليت [٧] . ثمّ حمل هو وأصحابه، فقاتل قتالا شديدًا، وكثُر القتل والبلاء في

стр. 6652

الزّواقيل، وحملت الأبناء فانهزمت الزّواقيل [١] . وفاة عَبْد المُلْك وعودة الرجّالة ثمّ تُوُفّي عَبْد المُلْك في هذه الأيام. فنادى الحسين بْن عليّ بْن عيسى في الْجُنْد، وصَيّر الرَّجَّالَةَ في السفن، والفُرسان عَلَى الظَّهْر، ووصّلهم حتى أخرجهم مِن بلاد الجزيرة في رجب، ودخل بغداد [٢] . فلمّا كان في جوف الليل طلبه الأمين، فقال للرسول: ما أَنَا مُغَنّ ولا مُسامِر ولا مُضْحك، ولا وُلِّيتُ لَهُ عملا، فلأيّ شيءٍ يريدني؟ انصرف فَمِن الغد آتيه. خطبة الحسين بْن عليّ في الأبناء قَالَ: فأصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع إِلَيْهِ النّاس، فأمر بإغلاق الباب الَّذِي يخرج منه إلى عُبَيْد الله [٣] بْن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إنّ خلافة الله لا تُجاوَر بالبَطر، وَنِعْمَةٌ لا تُسْتَصْحب بالتجبُّر، وإن محمدًا يريد أن يزيغ [٤] أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرق أمركم. وتاللَّه إنّ طالت يده [٥] ، وراجعه مِن أمره قوّة، ليَرجعّن وَبَالُ ذَلِكَ عليكم، ولتعرفّن ضرره. فاقْطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وَضَعُوا عزّه قبل أن يضع عزّكم. بيعة الحسين المأمون وخلعه الأمين ثمّ أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكّة باب خُراسان، واجتمعت الحربيّة وأهلُ الأرباض ممّا يلي بابَ الشام، فتسرّعت

стр. 6653

خيولٌ مِن خيول الأمين مِن الأعراب وغيرهم إلى الحسين، فاقتتلوا اقتتالا شديدًا، ثمّ استظهر عليهم الحسين وتَفَرّقوا. فخلع الحسينُ محمدًا لإحدى عشرة لَيْلَةً خَلَت مِن رجب، وبايع المأمونَ مِن الغد، ثمّ غدا إلى محمد. حبس الأمين وأمّه في قصر المنصور فوثب العبّاس بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ فدخل قصر الخُلْد وأخرج منه محمدًا إلى قصر المنصور، فحبسه هناك إلى الظهر. وأخرج أمّه، أمّ جعفر، بعد أنْ أبت، وقنعها بالسَّوط وسَبَّها [١] ، وأُدخلت إلى قصر المنصور [٢] . خطبة محمد بْن أبي خَالِد لاعتزال الحسين بْن عليّ فلمّا أصبح الناسُ مِن الغد طلبوا مِن الحسين بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان الأرزاق، وقد ماج الناس بعضهم في بعض. وقام محمد بْن أَبِي خَالِد كبير الأبناء بباب الشام فقال: أيّها الناس، والله ما أدري بأيّ سبب تَأمّر الحسين علينا؟ والله ما هُو بأكبرنا سنّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة وغَناء. وإنّ فينا مِن لا يرضي بالدَّنَيَّةِ، ولا ينقاد بالمخالفة، وإني أوّلكُم نقض عهده، وأنكر فِعله، فمن كَانَ رأيُه رأيي فلْيعتزلْ معي [٣] . وقام أسد الحربيّ فقال نحو مقالته [٤] . خطبة الشَّيْخ الكوفي وإخراج الأمين مِن حبسه وأقبل شيخ كبير مِن أبناء الكوفة فصاح: اسكتوا أيّها النّاس فسكتوا لَهُ، فقال: هَلْ تعتدون [٥] عَلَى محمدٍ بقطع أرزاقكم؟ قَالُوا: لا! قَالَ: فهل قصّر بأحدٍ مِن أعيانكم؟ قالوا: ما علمنا! قال: فهل عزل أحدا من قوّادكم؟

стр. 6654

قَالُوا: لا! قَالَ: فما بالكم خذلتموه وأَعَنْتُم عدوّه عَلَى اضطّهاده وأسْره؟ والله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلَّط الله عليهم السيف. انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عَنْهُ، وقاتِلوا مِن أراد خلعه. فنهضت الحربيّة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالا شديدًا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأُسِر الحسين. فدخل أسد الحربيّ [١] عَلَى الأمين، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة. فنظر محمد إلى قومٍ لَيْسَ عليهم لباس الْجُنْد، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا مِن الخزائن حاجتهم مِن السلاح، ووعدهم ومَنّاهم. الصفح عَنِ الحسين بْن عليّ وأحضروا الحسين، فلامَه عَلَى خِلافه وقال: ألم أقدّم أباك عَلَى الناس، وأُشرّف أقداركم؟ قَالَ: بلى! قَالَ: فما الَّذِي استحققتُ بِهِ منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب النّاس عَلَى قتالي؟ قَالَ: الثّقة بعفو أمير المؤمنين وحُسْن الظّنّ بصفحه. قَالَ: فإنّي قد فعلت ذَلِكَ، وولَّيْتُك الطلب بثأر أبيك. ثمّ خلع عَلَيْهِ وأمرَه بالمسير إلى حُلوان، فخرج [٢] . هرب الحسين بْن عليّ وقتله فلمّا خفَّ النّاس قطع الجسر، وهرب في نفر مِن حَشَمه ومواليه. فنادى الأمين في الناس فركبوا وأدركوه. فلما بُصر بالخَّيل نزل فصلّي ركعتين ثمّ تهيّأ، فلقِيهم وحمل عليهم حملات في محلّها يهزمهم، ثمّ عثر به فرسه

стр. 6655

فسقط فابتدره الناس فقتلوه، وذلك عَلَى فرسخ من بغداد لست من رجب. وأتوا برأسه [١] . وقيل إنّ الأمين لما عفى عَنْهُ استوزره ودفع إِلَيْهِ خاتمه [٢] . تجديد البيعة للأمين وصبيحة قتله جدّد الْجُنْد البيعة للأمين [٣] . هرب الفضل بْن الربيع وليلة قتله هرب الفضل بْن الربيع [٤] . مسير طاهر بْن الحسين لقتال محمد بْن يزيد المهلّبي ولما سار طاهر إلى الأهواز بلغه أنّ محمد بْن يزيد بْن حاتم المهلَّبيّ عامل الأمين عليها قد توجّه في جمع عازما النزول بجنديسابور وهو ما بين حَدّ الأهواز، والجبل، ليحمي الأهواز مِن أصحاب طاهر، فدعا طاهر عدّة أمراء مِن جُنْده بأن يكمّشوا السير [٥] . ثمّ سارت عساكره حتى أشرفوا عَلَى عسكر مُكْرَم، وبه محمد بْن يزيد، فرجع ودخل الأهواز. ثمّ عبّى أصحابه عَلَى بابها والتقوا، وطال الحرب بينهم [٦] .

стр. 6656

مصرع محمد بْن يزيد وما قِيلَ في رثائه ثمّ نزل محمد بْن يزيد هُوَ وغلمانه عن خيلهم وعرقبوهم، وقاتل حتى طعنه رَجُل برمح [١] . وذكر بعضهم مصرعَه ورثاه فقال: مِن ذاق طعم الرُّقاد مِن فرحٍ ... فإنّي قد أَضَرَّ بي سَهَري وليّ فتى الرُّشْد فافتقدتُ بِهِ ... قلبي وسمعي وغرَّني بصْريّ كَانَ غِياثًا لدى الْمُحُولِ فقد ... ولّي غمامُ الرّبيع والمطرِ [٢] . تولية طاهر العمال عَلَى البحرين وأخذ الطاعة مِن الكوفة والموصل وغيرها وأقام طاهر بالأهواز، وولّي عمّاله عَلَى اليَمامة والبحرين. ثمّ أخذ عَلَى طريق البَرّ متوجهًا إلى واسط، وبها يومئذٍ السّنْدي بْن يحيى الحَرَشيّ. وجعلت المسالح كلّما قُرب طاهر من واحدة هرب مِن يحفظها. فجمع السّنْديّ والهيثم بْن شُعبة أصحابهما وهَمّا بالقتال، ثمّ هربا عَنْ واسط، فدخلها طاهر، ووجّه إلى الكوفة أحمد بْن المهلّب القائد، وعليها يومئذٍ العبّاس بْن موسى الهادي، فبلغه الخبر، فخلع الأمين، وكتب بالطّاعة إلى طاهر. ونزلت خيله واسط ثمّ فم النيل، وكتب عاملُ البصرة، منصور بْن المهدي، إلى طاهر بالطّاعة. ثمّ نزل طاهر جرجرايا [٣] وخندق عَلَيْهِ [٤] . وكتب بالطّاعة أمير الموصل المطّلب بْن عَبْد الله بْن مالك للمأمون. كلّ ذَلِكَ في رجب [٥] .

стр. 6657

إقرار العمّال عَلَى أعمالهم ولمّا كتب هَؤلاءِ إلى طاهر بالطّاعة، أقرّهم عَلَى أعمالهم، واستعمل عَلَى مكّة والمدينة دَاوُد بْن عيسى بْن موسى الهاشميّ، وعلي اليمن يزيد بْن جرير القسْريّ [١] . هزيمة محمد البربريّ عند جسر صرصر ثمّ غلب طاهر عَلَى المدائن، ثمّ صار منها إلى نهر صَرْصَرٍ، فعقد عَلَيْهِ جسرًا [٢] ، فوجّه الأمين محمد بْن سليمان القائد، ومحمد بْن حمّاد البربريّ [٣] ليُبيّتا يَزَكَ [٤] طاهر، فكانت بينهم وقعة شديدة، فانهزم محمد القائد [٥] . انهزام الفضل بْن موسى عَنِ الكوفة ووجّه الأمين عَلَى الكوفة الفضل بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ وولاه عليها، فالتقاه محمد بْن العلاء ببعض قوّاد طاهر، فاقتتلوا وانهزم أصحاب فضل، وهمّ في أقفيتهم قتلا وأسرًا، فأسروا إسماعيل بْن محمد الْقُرَشِيّ وجمهور النّجّاريّ [٦] . إدبار أمر الأمين وبقي أمرُ الأمين كلّ يوم في إدبار، والناس معذورون في خلْعه، لكونه نكث وخلع أخويه المأمون والمؤتمن. وأقام بَدَلَهما ابنه طفلا رضيعًا، مَعَ ما هُوَ فيه مِن الانهماك على اللهو والجهل.

стр. 6658

ذكر خبر خلع دَاوُد بْن عيسى الأمين [١] وأما داود بْن عيسى الهاشميّ فإنه كَانَ عَلَى الحرمين، فأسرع في خلع الأمين [٢] . وبايع للمأمون وجوهُ أهل الحرمين، فاستخلف عليهما ولده سليمان [٣] ، وسار في حظيرة مِن أقاربه يريد المأمون بمَرْو. فلمّا قدِم عَلَيْهِ تيمّن المأمون ببركة مكّة والمدينة، إذ كانوا أوّل مِن بايعه بعد خراسان [٤] . ووصل داود بخمسمائة ألف درهم، ثمّ رجع مسرعًا ليقيم موسم الحجّ، ومعه ابن أخيه الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فمرّا بالعراق عَلَى طاهر، فبالغ في إكرامهما، ووجّه معهما يزيد بْن جرير بْن يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ، وقد عقد لَهُ طاهر عَلَى ولاية اليمن [٥] . إقامة الموسم وأقام الموسم العبّاس بْن موسى المذكور [٦] . وأحسن يزيد السيرة باليمن. انهزام عليّ بن نهيك أمام هَرْثَمَة وفي شَعْبان عقد الأمين لعليّ بْن محمد بْن عيسى بْن نهيك الإمرة على

стр. 6659

نحو أربعمائة قائد، وأمرَه بالمسير إلى هَرْثَمَة. فساروا بحُلوان [١] في رمضان، فهزمهم هَرْثَمَة وأسر أمير الجيش عليّ بْن محمد، وبعث بِهِ إلى المأمون. وزحف هَرْثَمَة فنزل النهروان [٢] . شغب الْجُنْد عَلَى طاهر وقتالهم لَهُ وأقام طاهر [عَلَى] [٣] نهر صَرْصَرٍ، فكان لا يأتيه جيش مِن جهة الأمين إلا هزمه. وأخذ الأمين يدسّ الجواسيس إلى قوّاد طاهر يعدهم ويمنّيهم، فشغبوا عَلَى طاهر، واستأمَن خلقٌ إلى الأمين فأسنى عطاياهم، ثمّ كرّوا إلى صَرْصَرٍ لحرب طاهر. فالتقوا ودام القتال. تفريق الأمين الخزائن والذخائر عَلَى الناس ثمّ انهزم جيش بغداد، وانتهَب أصحاب طاهر أثقالهم وأموالهم. فبلغ الأمينَ الخبرُ، فأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات، وجمَع أهل الأرباض. واعترض الناس عَلَى عينه، فكان لا يرى أحدًا وسيمًا حسن الرّواء إلا خلع عَلَيْهِ وأمّره، وغلّف لحيته بالغالية، فسُمّوا قوّاد الغالية. وأعطى كلّ واحد خمسمائة درهم وقارورة غالية [٤] . مكاتبة طاهر لقوّاد الأمين واستمالتهم ثمّ كاتب طاهرُ قوّادَ الأمين فاستمالهم، فشغبوا على الأمين، وذلك لست خلون مِن ذي الحجّة. فشاور قوّاده. فقيل لَهُ: تدارك أمرهم. فبذل

стр. 6660

فيهم بالعطاء وأسرف. ونزل معسكرًا بالبستان، ففتح أهل السجونِ السجونَ وخرجوا، ووثب على العامّة السواد، وساءت حال الناس وعظم الشرّ، وتواكل الفريقان [١] .

стр. 6661

سنة سبَع وتسعين ومائة تُوُفّي فيها: أحمد بْن بشير، أبو بَكْر الكوفيّ، بقيّة بْن الوليد، أبو يُحْمد الكلاعيّ، إبراهيم بْن عُيَيْنة [١] ، أخو سُفْيان، بهز بْن أسد، مصريّ ثقة، ربعيّ بْن عُلَيّة [٢] ، أبو الحَسَن أخو إسماعيل، الحَسَن بْن حبيب بْن نَدْبه، بصْريّ، زيد بْن أَبِي الزرقاء المَوْصِليّ، سلامة بْن رَوْح الأيليّ، عَنْ عُقيل، شُعَيْب بن حرب المدائني الزّاهد، عبد الله بن وهب، أبو محمد، بمصر، عَبْد العزيز بْن حمران الزُّهْرِيّ الْمَدَنِيّ، الفضل بْن عَنْبَسَةَ الواسطيّ، ثقة، القاسم بْن يحيى بْن عطاء بْن مقدّم، حدّث فيها، محمد بْن فُلَيْح بْن سليمان المدنيّ، هشام بن يوسف الصّنعانيّ الفقيه،

стр. 6662

ورش المقرئ، واسمه عثمان بْن سَعِيد، وكيع بن الجرّاح الرّواسيّ الإمام، أبو سَعِيد مولى هاشم، هُوَ عَبْد الرَّحْمَن. التحاق المؤتمن ومنصور بالمأمون وفيها لحِق القاسم الملقّب بالمؤتمن، وهو أخو الأمين، ومنصور بْن المهديّ بالمأمون [١] . شكوى المسلمين مِن أعمال زهير بْن المسيبّ وفيها نزل زُهير بْن المسيّب الضّبيّ بكَلْواذي [٢] ، ونصب المجانيق، واحتفر الخندق. وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الْجُنْد بحرب طاهر، فيرمي بالمجانيق والعرّادات مِن أقبل وأدبر، ويعشّر أموال التّجار. وجعل يرمي المسلمين، فأتوا طاهرًا يشكون منه. وبلغ ذَلِكَ هَرْثَمَة بْن أَعْيَن، فأمدّه بالجنود [٣] . اشتداد الحصار عَلَى الأمين ببغداد ثم نزل هرثمة نهربين [٤] وبنى عَلَيْهِ حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق، وأنزل

стр. 6663

عُبَيْد الله بْن الوضّاح الشمّاسيّة. ونزل طاهر بن الحسين البستان الَّذِي بباب الأبناء، فضاق الأمين ذَرْعًا، وتفرّق ما كَانَ في يده مِن الأموال العظيمة. فأمر ببيع ما في الخزائن مِن الأمتعة، وضربَ آنية الذهب والفضّة دنانير ودراهم لينفقها [١] . دَرْس محاسن بغداد ثمّ أمر برمي الحربيّة بالنَّفط والمجانيق، وهلك جماعة، وكثُر الخراب والهدْم حتّى دُرست محاسن بغداد، وعُمِلت فيها المراثي [٢] . تسلُّم طاهر لقصر صالح ولم يزل طاهر مُصابرًا للأمين وجنده، حتَّى مل أهل بغداد قتاله، فاستأمن إلى طاهر الموكّلون للأمين بقصر صالح، وسلّموا إِلَيْهِ القصر بجميع ما فيه في جُمَادَى الآخرة في منتصفه. ثمّ استأمن إلى طاهر صاحب شُرَطة الأمين محمد بْن عيسى. فضعُف ركن الأمين واستسلم [٣] . مقتل جماعة في قصر صالح وقُتِل داخل قصر صالح: أبو العبّاس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي وجماعة من القوّاد، وقُتِل خلْق مِن أصحاب طاهر [٤] . التحاق جماعة مِن القادة والعباسيين بطاهر ثمّ لحِق بطاهر عَبْد الله بْن حُمَيْد الطّائيّ، وإخوته، وابن الحَسَن بْن قَحْطَبة، ويحيى بْن عليّ بْن ماهان، ومحمد بْن أَبِي العباس [٥] الطّائيّ. وكاتبه

стр. 6664

قوم في السّرّ مِن العباسيّين [١] . إقبال الأمين على اللهو والشرب وسوء حال أهل بغداد ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد عَلَى اللهو والشرب، ووكّل الأمر إلى محمد بْن عيسى بْن نَهيك وإلى الهِرْش. فأقبل أصحاب الهِرْش يؤذون الرعيّة وينهبونهم، فلجأ خلْق ولاذوا إلى طاهر، فرأوا مِن أصحابه الأمن والخير. وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال، وطال الأمر [٢] . ولبعضهم: بكيت دما على [٣] بغداد لمّا ... فقدت غضارة العيش الأنيقِ أصابتها [٤] مِن الحسّاد عينٌ ... فأفْنَتْ أهلَها بالمنجنيق وهي طويلة [٥] . قتال الغوغاء والعيّارين والحرافيش عَنِ الأمين وما قِيلَ فيهم وبقي يقاتل عَنِ الأمين غوغاء بغداد والعيّارون والحرافشة وأنكوا في أصحاب طاهر. وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء: خرّجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزارِ [٦] مَعْشَرًا في جواشن الصوف يَغْدون ... إلى الحرب كالأُسود [٧] الضَّواري وعليهم مغافر الخوص تجزى ... هم عن البيض والتّراس البواري [٨]

стр. 6665

ليس يدرون ما الفرار إذا الأب ... طال عاذوا مِن القَنا بالفرارِ واحدٌ منهم يُشدّ على أل ... فين [١] عُرْيَانُ ما لَهُ مِن إزارِ [٢] كم شريفٍ قد أخملِتْهُ وكم قد ... رفعتْ مِن مُقامرٍ عيّارِ [٣] . وقال آخر في غوغاء البغاددة: إذا حضروا قَالُوا بما يعرفونه [٤] ... وإن لم [٥] يروا شيئًا قبيحًا تخّرصوا ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدةٍ ... إذا ما رَأَى العريان يومًا يُبَصْبِصُ [٦] وقعة درب الحجارة ثمّ كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين عَلَى أصحاب طاهر، فقُتل فيها خلْق كثير [٧] . وقعة باب الشّماسية ثمّ كانت وقعة باب الشّماسيّة، وأُسِر فيها هَرْثَمَة، وانتصر فيها أصحاب محمد. وَأُسَرَ هَرْثَمَة رجلٌ مِن العُراة، ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هَرْثَمَة عَلَى الرجل فقطع يده وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبرهُ أهل عسكره

стр. 6666

فتقوضّ بما فيه، وهرب أهله نحو حُلوان. وكان عَلَى العُراة حاتم بْن الصّقْر [١] . وقعة العُراة وما قِيلَ فيهم ثمّ نَجَدَ هَرْثَمَة وأصحابَه طاهرُ بنُ الحسين وأصحابُه، وقتلوا مِن العُراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب مِن عنده عَبْد الله بْن خازم بْن خُزَيمة إلى المدائن في السُّفن بعياله [٢] . وقيل في قتل العُراة: كم قتيلٍ قد رأينا ... ما سألنا لأَيْش دارعًا تلقاه وعُريانٌ ... بجهلٍ وطيش حبشّيًا يقتل الناسَ ... عَلَى قطعة خَيْش مُرتدٍ بالشمس راضٍ ... بالمُنَى مِن كلٌ عيش يحمل الحملة لايق ... تل إلا رأس الجيش احْذرِ الرّميةَ يا طاهرُ ... مِن كفَّ الحُبَيش [٣] . ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرًا، هكذا، فلا قّوة إلا باللَّه. ظهور السفيانيّ بالشام وفيها أوفى السّفيانيّ بالشام، واستولى عَلَى سائرها باليَمانية، وهربت القيسيّة مِن الغوطة.

стр. 6667

حصار ابن بَيْهس لدمشق ثمّ إنّه توثّب عَلَيْهِ مسلمة بْن يعقوب الأموي المروانيّ، وقبض عَلَيْهِ في أثناء السَّنَةِ، وقيده. واستبدّ بالأمر وبايع لنفسه [١] ، فلم يبلع رِيقَه حتى حاصره ابن بَيْهَس بدمشق أيامًا، ثمّ نصب عَلَى السور السلالم، كما يأتي.

стр. 6668

سنة ثمانٍ وتسعين ومائة . تُوُفّي فيها: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، أيّوب بْن تميم التّميميّ المقرئ، بدمشق، سُفْيان بْن عُيَيْنَة، أبو محمد الهلالّي، صَفْوان بْن عيسى الزُّهْرِيّ، والأصحّ بعد ذَلِكَ، عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ، أبو سَعِيد، عُمَر بْن حفص العبديّ، في قَوْل، عَمْرو بْن الهيثم، أبو قطن، بصْريّ ثِقة، عَنْبَسة بْن خَالِد الأَيْليّ، مالك بْن سُعير بْن الخمس الكوفيّ، محمد بْن شعيب بْن شابور، في قَوْل، محمد بْن معن الغِفَاريّ المدنيّ، تقريبًا، مسكين بْن بُكَيْر الحرّانيّ الحدّاد، محمد بْن هارون الأمين الخليفة، قُتِل، معن بْن عيسى القزاز المدنيّ، يحيى بْن سَعِيد القطّان، يحيى بْن عبّاد الضُّبَعيّ البصريّ، ببغداد.

стр. 6669

ذكر استيلاء طاهر عَلَى بغداد وفيها الحصار كما هُوَ عَلَى بغداد، ففارق محمدًا خُزَيْمَة بْن خازم مِن كبار قوّاده. وقفز إلى طاهر بْن الحسين هُوَ ومحمد بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان، فوثبا عَلَى جسر دِجلة في ثامن المحرَّم فقطعاه، وركّزا أعلامهما، وخلعا الأمين، ودعيا للمأمون. فأصبح طاهر بْن الحسين وألحّ في القتال عَلَى أصحاب محمد الأمين، وقاتل بنفسه. فانهزم أصحاب محمد، ودخل طاهر قسْرًا بالسيف، ونادي مناديه: مِن لَزِم بيته فهو آمن [١] . ثمّ أحاط بمدينة المنصور، وبقصر زُبيدة، وقصر الخُلْد، فثبت عَلَى قتال طاهر حاتم بْن الصَّقْر والهِرْش والأفارقة. فنصب المجانيق خَلَف السّور وعلى القصرين ورماهم. فخرج محمد بأمّه وأهله مِن القصر إلى مدينة المنصور، وتفرّق عامة جُنْده وغلمانه، وقلّ عليهم القُوت والماء، وفنيت خزائنه عَلَى كثْرتها [٢] . ذِكر غناء الجارية ضَعْف وذُكِر عَنْ محمد بْن راشد: أخبرني إبراهيم بْن المهديّ أنّه كَانَ مَعَ محمد بمدينة المنصور في قصر باب الذهب، فخرج لَيْلَةً مِن القصر مِن الضَّيق والضَّنك، فصار إلى قصر القرار فطلبني، فأتيتُ، فقال: ما ترى طِيبَ هذه الليلة، وحُسن القمر، وضوءه في الماء، هَلْ لك في الشراب؟ قلت: شأنك. فدعا برطلٍ مِن نبيذ فشرِبه، ثمّ سُقيتُ مثله، وابتدأتُ أُغنّيه مِن غير أن يسألني، لِعِلمي بسوء خُلُقهِ، فغنّيت. فقال: ما تَقُولُ فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك.

стр. 6670

فدعا بجاريةٍ اسمها ضَعْف، فتطيّرت مِن اسمها. ثمّ غَنَّتْ بشِعر النّابغة الْجَعْديّ: كُلَيْبٌ لَعَمْري كَانَ أكثَرَ ناصرًا ... وأيْسَرَ ذَنبًا منك ضُرّج بالدَّم [١] فتطيّر مِن ذَلِكَ، وقال: غنّي غيرَ هذا، فغنّت: أبكَى فِراقُهُمُ عينيِ فأرّقها [٢] ... إنّ التفرُّقَ للأحباب بَكّاءُ ما زال يعدو عليهم رَيْبُ دهرهُم ... حتى تفانَوْا وريْبُ الدَّهْر عَدَّاءُ فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حتى أءوب وما في مُقلتي ماءُ [٣] فقال لها: لعنكِ الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننتُ أنّك تحبّ هذا! ثمّ غنّت: أما وَرَبّ السُّكُون والحَرَكِ ... إنّ المنايا كثيرةُ الشَّركِ ما اختلف اللَّيْلُ والنهار ولا ... وارت نجومُ السماء في الفلكِ [٤] إلا لنقل السلطان عَنْ ملْكٍ ... قد زال سلطانه الى ملك [٥]

стр. 6671

وَمُلْكُ ذيِ العرش دائمٌ أبدًا ... لَيْسَ بفانٍ ولا بمشتَركِ [١] فقال لها: قومي لعنك الله. فقامت فَتَعثّرت في قدح بِلَّور لَهُ قيمة فكسرته [٢] ، فقال: ويحْك يا إبراهيم، أما ترى، والله ما أظنّ أمري إلا وقد قرُب. فقلت: بل يُطيل الله عُمرك، ويُعز مُلكَك. فسمعتُ صوتًا مِن دجلة: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ١٢: ٤١ [٣] . فوثب محمد مغتمّا، ورجع إلى موضعه بالمدينة، وقُتِل بعد لَيْلَةٍ أو ليلتين [٤] . حكاية المسعودي عَنْ مقرطة الأمين وحكى «المسعودي» في «المروج» [٥] قَالَ: ذكر إبراهيم بْن المهديّ قَالَ: استأذنتُ عَلَى الأمين في شدّة الحصار، فإذا هُوَ قد قطع دِجلة بالشِباك، وكان في القصرِ برْكة عظيمة، يدخُل مِن دجلة إليها الماءُ في شُبّاك حديد. فسلّمتُ وهو مقيم عَلَى الماء، والخَدَم قد انتشروا في تفتيش الماء، وهو كالوَالِه، فقال: لا تؤذيني يا عمّ، فإنّ مقْرطتي قد ذهبت مِن البركة إلى دجلة. والمقرطة سمكة كانت قد صيدت لَهُ، وهي صغيرة، فقرطها بحلقتي ذهب،

стр. 6672

فيها جوهرتان، وقيل ياقوتتان، فخرجت وأنا آيس مِن فَلاحه. شدّة بطش الأمين وكان محمد فيما نقل «المسعوديّ» ، في نهاية الشدّة والبطْش والحُسْن، إلا أنّه كَانَ مَهينًا، عاجز الرأي، ضعيف التدبير [١] . وحُكى أنّه اصطبح يومًا، فأتي بسبْعٍ هائلٍ عَلَى جمل في قفص، فوُضع بباب القصر، فقال: افتحوا القفص وخّلوه. فقيل: يا أمير المؤمنين، إنّه سبعٌ هائل أسود كالثور، كثير الشّعْر. قَالَ: خلّوا عَنْهُ. ففعلوا، فخرج فزأر وضرب بذَنَبه الأرضَ، فتهارب الناس، وأغلقت الأبواب، وبقي الأمين وحده غير مكترِث. فأتاه الأسد وقصَده ورفع يده، فجذبه الأمين وقبض عَلَى ذنبه، وغمزه وهزّه ورماه إلى الخلف، فوقع السَّبْع عَلَى عجزه ميتًا. وجلس الأمين كأنّه لم يعمل شيئًا. وإذا أصابعه قد تخلّعت. فشقّوا بطن الأسد فإذا مرارته قد انشقّت عَلَى كبده [٢] . الإشارة عَلَى الأمين بالخروج إلى الجزيزة والشام وعن محمد بْن عيسى الْجُلُودي قَالَ: دخل على محمد بْن زُبيدة: حاتمُ بْن صقْر، ومحمد بْن الأغلب الإفريقيّ، وقوّاده، فقالوا: قد آلت حالُنا إلى ما ترى، وقد رأينا أن تختار سبعة آلافِ رجلٍ مِن الْجُنْد فتحملهم عَلَى هذه السبعة آلاف فَرَس التي عندك، وتخرج ليلا، فإنّ الّليل لأهله، فتلحق بالجزيرة والشام، وتصير في مملكةٍ واسعة يتسارع إليك الناس. فعزم عَلَى ذَلِكَ، فبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بْن المنصور، والى محمد بْن عيسى بْن نَهِيك، والسّنْديّ بْن شاهك: لئن لم تَرُدُّوه عَنْ هذا الرأي لا تركتُ لكم ضيعة. فدخلوا عَلَى محمد، وخوّفوه مِن الذين أشاروا عَلَيْهِ أنّهم يأخذونه أسيرًا، ويتقرّبون بِهِ إلى المأمون. وضربوا له الأمثال، فخاف

стр. 6673

ورجع إلى قبول ما يبذلونه لَهُ مِن الأَيْمان، ويخرج إلى هَرْثَمَة [١] . النصح للأمين بالاستسلام لهَرْثَمَة وعن عليّ بْن يزيد قَالَ: وفارق محمدًا: سليمان بْن المنصور، وإبراهيم بْن المهديّ ولحِق بعسكر المهديّ. وقوي الحصار عَلَى محمد يوم الخميس والجمعة والسبت، وأشار عَلَيْهِ السّنْديّ بأنّه لَيْسَ لَهُ فرج إلا عند هَرْثَمَة. فقال: وكيف لي بهَرْثَمَة وقد أحاط الموتُ بي مِن كلّ جانب؟ فلمّا همّ بالخروج إِلَيْهِ مِن دون طاهر، اشتدّ ذَلِكَ عَلَى طاهر وقال: هُوَ في جُنْدي، وأنا أخرجته بالحرب، ولا أرضي أن يخرج إلى هَرْثَمَة دوني. فقالوا لَهُ: هُوَ خائف منك، ولكن يدفع إليك الخاتم والقضيب والبُردة، فلا يفسُد هذا الأمر. فرضي بذلك [٢] . وقوع الأمين في الأسر ثمّ إنّ الهِرْش لمّا علم بذلك أراد التقرُّب إلى قلب طاهر، فقال في كتاب إِلَيْهِ: الَّذِي قالوه لك مَكْرٌ، ولا يدفعون إليك شيئًا. فاغتاظ وكَمَن حول قصر أمّ جعفر في السلاح والرجال، وذلك لخمسٍ بقين مِن المحرّم. فلمّا خرج محمد وصار في الحرّاقة رموه بالنّشّاب والحجارة، فانكفأت الحرّاقة، وغرِق محمد وهَرْثَمَة، ومن كَانَ بها. فسبح محمد حتى صار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بْن حُمَيْد الطّاهريّ، فصاح بأصحابه، فنزلوا ليأخذوه، فبادر محمد الماء، فأُخذ برجْله وَحُمِلَ على برذون، وخلفه من يمسكه كالأسير [٣] .

стр. 6674

ما رُوِيَ حول أسر الأمين وعن خطّاب بْن زياد أنّ محمدًا وهَرْثَمَة لما غِرقا أتانا محمد بْن حُمَيْد، فأسَرَّ إلى طاهر أنّه أسَرَ محمدًا. فدعا طاهر بمولاه قريش الدَّنْدانيّ، وأمره بقتل محمد [١] . وأمّا المدائنيّ فروى عَنْ محمد بْن عيسى الْجُلُوديّ: أنّ محمدًا دعا بعد العِشاء بفَرَس أدهم كَانَ يسمّيه الزُّهَيريّ، وقبّل وَلَدَيْه، ودمعت عيناه. ثمّ ركب وخرجنا بين يديه، فرِكْبنا دوابَّنا، وبين يديه شمعة، وأنا أقِيه بيدي خوفًا مِن أن تَجيئه ضربةُ سيف بغَتةً. ففُتح لنا باب خُراسان، وخرجنا إلى المُشْرَعَة، فإذا حرّاقة هَرْثَمَة، فنزلنا ورجعنا بالفَرَس وغلّقنا باب المدينة، ثمّ سمعنا الضّجّة، فصعدنا إلى أعلى الباب [٢] . وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام صاحب المظالم قَالَ: كنت فيمن كان مع هرثمة من القُوّاد في الحرّاقة، فلمّا دخل محمد الحرّاقة قمنا لَهُ، وجثا هَرْثَمَة عَلَى رُكبتيه فقال: يا سيّدي، لم أقدر عَلَى القيام لمكان النَّقْرس. ثمّ قّبل يديه ورِجْلَيه، وجعل يَقُولُ: يا سيّدي ومولاي، وابن مولاي. وجعل يتصفَّح وجوهنا، ونظر إلى عُبَيْد الله بْن الوضّاح، فقال: أيُّهم أنت؟ قَالَ: عُبَيْد الله. قَالَ: جزاك الله خيرًا، فما أشكرني لِمَا كَانَ منك في أمر الثلج. فشدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحرّاقات، وصَبّحوا، وتعلّق بعضهم بالحرّاقة، وبعضهم يسوقها، وبعضهم يرمي بالآجُرّ والنّشّاب، فنُقبت الحرّاقة، ودخلها الماء وغرِقت. فعلِق الملاح بشعر هَرْثَمَة، فأخرجه وخرجنا. وشقّ محمد عَنْهُ ثيابه ورمى بنفسه. فطلعتُ فعلِق بي رجلٌ مِن أصحاب طاهر، وذهب بي إليه، فقال: ما فعل محمد؟ قلت: قد رَأَيْته حين شقّ ثيابَه وقذف بنفسه. فركِب، وأُخذتُ معهم وفي عنقي حبل، وأنا أعدو، فتعبتُ. فقال الَّذِي يجنُبني: هذا لَيْسَ يُصَاد. فقال: انزل فجزّ رأسه.

стр. 6675

فقلت: جُعلتُ فِداك، وَلِمَ؟ وأنا رجلٌ مِن الله في نعمة، ولم أقدر عَلَى الْعَدْوِ، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم. فقال: وأين هِيَ؟ فقلت: حتى نُصبح أَنَا أرسلُ مِن ترى أنتَ إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهديّ، فإنْ لم يأتِكَ بالعشرة آلاف فاقتلني. فأمر بحملي فحُملت رِدفًا، وردّوني إلى منزلتهم. وبعد هُويّ مِن اللَّيْلِ إذا نَحْنُ بحركة الْخَيْلِ، ثمّ دخلوا وهم يقولون: «يُسَر زُبيدة» [١] . فأُدخِل عليّ رجلٌ عُريان عَليْهِ سراويل وعمامة ملثَّم بها، وعلى كِتَفْيه خرقة خَلقة، وصيّروه معي، ووكّلوا بنا، فلمّا حسَر العمامة عَنْ وجهة إذا هُوَ محمد. فاستعبرتُ واسترجعت في نفسي. ثمّ قَالَ: مِن أنت؟ قلت: أَنَا مولاك أحمد بْن سلام. فقال: أعرفكَ كنتَ تأتيني بالرَّقَّة. قلت: نعم. قَالَ: كنت تأتيني وتُلْطفني كثيرًا، لستَ مولاي بل أنتَ أخي ومنّي. أُدْنُ مِنّي، فإنّي أجدُ وحشةً شديدة. فضممته إليّ، ثمّ قَالَ: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قلت: هُوَ حيّ. قَالَ: قبّح الله صاحب البريد ما أكذبه، كَانَ يَقُولُ لي قد مات. قلت: بل قبّح الله وزراءك. قَالَ: لا تقُل، فما لَهُم ذنب، ولست أول مِن طلب أمرًا فلم يقدر عَلَيْهِ. ثمّ قَالَ: ما تراهم يصنعون بي؟ يقتلوني أو يَفُون لي بأمانهم؟ قلت: بل يَفُون لك يا سيّدي. وجعل يمسك الخِرْقة بعضُدَيْه، فنزعتُ مبطَّنةً عليّ وقلت: أَلْقِها. فقال: ويْحك! دعني، فهذا مِن الله لي في هذا الموضع خير كثير.

стр. 6676

ذكر خبر قتل الأمين ثمّ قمت أوتِر، فلمّا انتصف اللَّيْلُ دخل الدار قوم مِن العجم بالسيوف، فقام وقال: إنّا للَّه وإنّا إِلَيْهِ راجعون، ذَهَبَتْ والله نفسي في سبيل الله، أما مِن حيلةٍ، أما مِن مُغيث. فأحجموا عَنِ التقدُّم، وجعل بعضهم يَقُولُ لبعض: تقدَّم، ويدفع بعضُهم بعضًا، فقمت وصرتُ وراء الحُصُر المُلَفَّفة. وأخذ محمدٌ بيده وسادة وقال: ويحكم إنّي ابن عمّ رسول الله، أَنَا ابن هارون، أَنَا أخو المأمون، الله الله في دَمي. فوثب عَلَيْهِ خمارويه، غلام لقريش الدنْدانيّ، فضربه بالسيف عَلَى مقدَّم رأسه، فضربه محمد بالوسادة واتّكى عَلَيْهِ ليأخذ السيف مِن يده. فصاح خمارويه: قتلني قتلني، فتكاثروا عَلَيْهِ فذبحوه مِن قفاه، وذهبوا برأسه إلى طاهر [١] . وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام في هذه القصّة قَالَ: فلقَّنْته لما حدَّثته ذِكَر الله والاستغفارَ، فجعل يستغفر. قَالَ: ونُصِب رأسه عَلَى حائط بستان. وأقبل طاهر يَقُولُ: هذا رأس المخلوع محمد. ثمّ بعث بِهِ مَعَ البُرْد والقضيب والمصلّي، وهو مِن سَعَفٍ مُبطّن، مَعَ ابن عمّه محمد بْن مُصْعَب، فأمر لَهُ بألف درهم. ولما رَأَى المأمون الرأس سجد [٢] .

стр. 6677

رثاء إبراهيم بْن المهديّ للأمين ولما بلغ إبراهيم بن المهدب قتْلُ محمد، وأنّ جثته جُرَّت بحبلٍ بكى طويلا، ثمّ قَالَ: عُوجا بمغْنَى طلل [١] داثرٍ ... بالخُلْد ذات الصخر والأجُرِ والمَرْمَر المسنونِ [٢] يُطلَى بِهِ ... والبابِ باب الذَّهَب الناضرِ [٣] وأبلِغا عنِّي مقالا إلى ... المولى عَنِ [٤] المأمور وَالآمِرِ قولا لَهُ: يا ابنَ وليّ الهُدى [٥] ... طهّر بلاد الله مِن طاهرِ لم يكفه أن جَزَّ [٦] أوداجَه ... ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازرِ حتى أتى تُسحبُ [٧] أوصاله [٨] ... في شَطَنٍ يُفْني بِهِ السّائِرِ [٩] قد برد الموتُ عَلَى جفنه [١٠] ... فطرفُه منكسِرُ الناظرِ [١١] وبلغ ذَلِكَ المأمونَ فاشتدّ عَلَيْهِ. وثوب الْجُنْد بطاهر ثمّ إنّ طاهرًا صلّي بالناس يوم الجمعة، وخطبهم خطبةً بليغة. ثمّ إنّ الْجُنْد وثبوا بِهِ للأرزاق، ولم يكن في يديه مال، وضاق بِهِ أمره، فخشي وهرب مِن البُستان، وانتهبوا بعض متاعه، وأحرق الْجُنْد باب الأنبار، وحملوا السلاح يومهم. ومن الغد نادوا: «موسى يا منصور» . ثمّ تعبّى طاهر ومن معه

стр. 6678

لقتالهم، فأتاه الوجوه، واعتذروا بأنّ ما جرى مِن فعل السُّفَهاء الأحداث، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، ووصل البريد إلى المأمون في ستّة عشر يومًا وهو بمَرْو [١] . ما قِيلَ في رثاء الأمين وممّا قِيلَ في الأمين: لِمَ نُبَكّيك لماذا لِلطَّربْ ... يا أبا موسى وترْويج اللُّعَبْ ولِتَرْك الخَمْس في أوقاتها ... حرصًا مِنك عَلَى ماء الْعِنَبْ وشنَيفٍ أَنَا لا أبكى لَهُ ... وعلى كوثَر لا أخشى الْعَطَبْ لم تكن تصلُح للمُلْك ولم ... تُعْطكَ الطّاعة بالمُلك الْعَرَبْ لِمَ نُبَكّيك لما عرَّضْتَنا ... للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ [٢] وساق ابن جرير [٣] عدّة قصائد في مراثيه. ولخُزَيْمَة بْن الحَسَن عَلَى لسان أمّ جعفر قصيدة يَقُولُ فيها: أتى طاهرٌ لا طهّر الله طاهرًا ... فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهَّرِ [٤] قد [٥] خرّجني [٦] مَكشوفَةَ الوجه حاسرًا ... وأَنْهَبَ أموالي وأحرق [٧] آدُري يَعُزُّ عَلَى هارون ما قد لِقيتُهُ ... وما مرّ بي [٨] مِن ناقص الخلق أعور تَذَكَّرْ أميرَ المؤمنينَ قَرابتي ... فديتك من ذي حرمة متذكّر [٩]

стр. 6679

ذكر إسراف الأمين في اللهو والإنفاق قَالَ ابن جرير [١] : ذُكِر عَنْ حُمَيْد بْن سَعِيد بْن بحر قَالَ: لما ملك محمد، ابتاع الخِصْيان، وغالى بهم وصيّرهم لخلْوته، ورفض النّساء والجواري. وقال حُمَيْد: لما ملك وجَّه إلى البُلدان في طلب المُلهين [٢] ، وأجرى لهم الأرزاق، واقتني الوحوش والسباع والطيور، واحتجب عَنْ أهل بيته وأمرائه، واستخفّ بهم، ومَحَقَ ما في بيوت الأموال، وضيّع الجواهر والنفائس. وبنى [٣] عدّة قصور لِلَّهْوِ في أماكن. وعمل خمس حرّاقات عَلَى خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيّة والفَرَس، وأنفق في عملها أموالا. فقال أبو نُواس: سَخَّر الله للأمين مطايا ... لم تُسخَّر لصاحب المحرابِ فإذا ما رِكابُه سِرْنَ برًّا ... سار في الماء راكبًا ليث غابِ أسدًا باسِطًا ذراعيه يهوي [٤] ... أهْرَتَ الشَّدْق كالحَ الأنيابِ [٥] وعن الحسين بْن الضّحّاك قَالَ: ابتنى الأمين سقيفةً عظيمة، أنفق في عملها نحو ثلاثة آلاف ألف درهم [٦] . وعن أحمد بْن محمد البرمكيّ، أنّ إبراهيم بْن المهديّ غنّي محمد بْن زبيدة:

стр. 6680

هجرتُكِ حتى قلتِ [١] : لا يعرف الهوى [٢] ... وزُرْتك حتى قِيلَ [٣] : لَيْسَ لَهُ صبرُ [٤] فطرِب محمد وقال: أوقِروا لَهُ زَورقه ذَهَبًا [٥] . وجاء عَنْهُ أخبار في مثل هذا، وكان كثير الأكل. رجاء ابن حنبل الرحمة للأمين قَالَ أحْمَد بْن حنبل: إنّي لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره عَلَى إسماعيل بن عُلَيَّة، فإنّه أُدخل عَلَيْهِ فقال لَهُ: يا ابنَ الفاعلة، أنت الَّذِي تَقُولُ: كلام الله مخلوق [٦] ؟! استيلاء ابن بَيْهَس عَلَى دمشق وفيها قوي محمد بْن صالح بْن بَيْهَس الكلابيّ، وظهر عَلَى السُّفيانيّ الَّذِي خرج بدمشق، وحاصرها، ثمّ نصب عليها السلالم وتسوّرها أصحابه. وكان قد تغلّب عَلَى دمشق مَسْلَمة بْن يعقوب الأُمويّ، فهربَ وعمد إلى أَبِي العُمَيْطِر، وكان في حبْسه، ففكّ قيده، ثمّ خرجا بزيّ النّساء في السرّ إلى المِزَّة. واستولى ابن بَيْهَس عَلَى البلد. ثم جرى بينه وبين أهل

стр. 6681

المِزّة ودَارَيّا حرب. وبقي حاكمًا عَلَى دمشق مدّة مِن جهة المأمون إلى سنة ثمانٍ ومائتين [١] . ذكر خروج ابن الهِرش في سِفْلة الناس وفي ذي الحجّة خرج الحَسَن الهِرش في سِفْلة الناس وخلْق مِن الأعراب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد. وأتى النّيل، وجبى الخراج، وصادر التّجّار، ونهب القرى والمواشي [٢] . استعمال المأمون للحسن بْن سهل عَلَى جميع البلاد المفتوحة وفيها استعمل المأمون الحَسَن بْن سهل أخا الفضل عَلَى جميع ما افتتحه طاهر بْن الحسين مِن كُوَر الجبال والعراق والحجاز واليمن [٣] . ولاية طاهر الجزيرة والشام ومصر والمغرب وكتب إلى طاهر أن يسير إلى الرَّقَّةِ لحرب نصر بْن شبث، وولاه، الجزيرة والشام ومصر والمغرب [٤] . وأمر هَرْثَمَة أن يردّ إلى خراسان [٥] .

стр. 6682

ذِكر ثورة أهل قُرْطُبَة وفي رمضان ثار أهل قُرْطُبَة بأميرهم الحَكَم بْن هشام الأمويّ وحاربوه لجوره وفسْقه، وتُسمّى وقعة الرَّبَض. وخرج عَلَيْهِ أهل رَبَض البلد، وشهروا السلاح، وأحاطوا بالقصر، واشتدّ القتال، وعظُم الخطْب، واستظهروا عَلَى أهل القصر. فأمر الحَكَم أمراءه فحملوا عليهم، وأمر طائفةً فَنَقبوا السُّور، وخرج منه عسكر، فأتوا القوم مِن وراء ظهورهم، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ونهبوا الدُّور، وأسَروا وعملوا كلّ قبيح، ثمّ لقوا الحَكَم، فانتقى مِن الأسرى ثلاثمائة مِن وجوه البلد، فصُلبوا عَلَى النهر مُنَكَّسِين. وبقي النَّهْب والسَّلْب والحريق في أرباض قُرْطُبَة ثلاثة أيام ثمّ أمّنهم، فهجّ أهل قُرْطُبَة وتفرّقوا أيادي سبأ في الطُّرُق، ومضى خلْق منهم إلى الإسكندريّة فسكنها [١] .

стр. 6683

سنة تسعٍ وتسعين ومائة تُوُفّي فيها: إِسْحَاق بْن سليمان الرّازيّ، أبو يحيى، إبراهيم بْن عُيَيْنَة، في قَوْل، وقد مّر، حفص بْن عبد الرَّحْمَن قاضي نَيْسابور، الحَكَم بْن عَبْد الله، أَبُو مطيع البلْخيّ، سليمان بْن المنصور [١] أَبِي جعفر، في صَفَر، سيّار بْن حاتم، شُعيب بْن اللَّيْثُ بْن سعْد، في صَفَر، عَبْد الله بْن نُمَيْر الخارفي الكوفيّ، عُمَر بْن حفص العبْديّ، بصْريّ، عَمْرو بْن محمد العنقزيّ الكوفي، محمد بْن شُعيب بْن شابور، ببيروت، الهيثم بْن مروان العنْسيّ الدّمشقيّ، يونس بْن بُكَيْر الكوفيّ، راوي المغازي. وفيها قِدم الحَسَن بْن سهل مِن عند المأمون إلى بغداد، ففرّق عماله في البلاد [٢] .

стр. 6684

وجهّز أزهر بْن زهير بْن المسيّب إلى الهِرش في المحرَّم فقتل الهِرش [١] . خروج ابن طباطبا بالكوفة وفي جُمَادَى الآخرة خرج بالكوفة محمد بْن إبراهيم بْن طباطبا واسمه إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة. وكان القائم بأمره أبو السرايا سريّ بْن منصور الشَّيْبانيّ. فهاجت الفِتَن، وتسرّع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت لَهُ الكوفة. وأتاه الأعراب وأهل النواحي، فجهّز الحَسَن بْن سهل لحربه زهير بْن المسيّب في عشرة آلاف، فالتقوا، فَهُزِم زُهير واستباحوا عسكره، وغنِموا السلاح والخيل، وقووا في ذَلِكَ في سلخ جُمَادَى الآخرة. ذكر أمر أَبِي السرايا فلمّا كَانَ مِن الغد أصبح محمد بن إبراهيم بن طباطبا ميتًا فجأة. وقيل أنّ أبا السرايا سمّه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة ولم يُحسن جائزة أَبِي السرايا، أو لغير ذَلِكَ. وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شابا أمرد اسمه محمد بْنُ زَيْدِ [٢] بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب [٣] . ثمّ جهّز الحَسَن بْن سهل جيشًا، عليهم عَبْدُوس بْن محمد المَرْوَرُوذيّ لحرب أَبِي السرايا. فالتقوا في رجب، فقُتِل عَبْدُوس، وأُسِر عمّه هارون بن

стр. 6685

أَبِي خَالِد، وقُتِل أكثر جيشه وأُسِروا. وقوي الطالبيّون، وضرب أبو السرايا على الدراهم: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ٦١: ٤ [١] . الآية [٢] . ثمّ سار أبو السرايا قُدُمًا حتى نزل بقصر ابن هُبَيرة، وجهّز جيوشًا إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وأوقعوا أمير واسط مِن جهة الحَسَن بْن سهل فهزمه، وانحاز إلى بغداد، وعظُم ذَلِكَ عَلَى الحَسَن، فبعث بردّ هَرْثَمَة بْن أَعْيَن مِن حلوان لحرب أَبِي السرايا، فامتنع، فأرسل إِلَيْهِ ثانيًا يلاطفه، فرجع هَرْثَمَة، وعقد لَهُ الحَسَن بْن سهل عَلَى حرب أَبِي السرايا، وجهّز معه منصور بْن المهديّ. فَعَسكر بنهر صَرْصَرٍ بإزاء أَبِي السرايا، والنهر بينهما. ثمّ تقهقر أبو السرايا فطلبه هَرْثَمَة، وقتل مِن تطرّف مِن جُنْده. وقعة قصر ابن هبيرة ثمّ كانت وقعة عند قصر ابن هبيرة، قُتِل فيها خلْق مِن أصحاب أَبِي السرايا، فتحيّز إلى الكوفة، وعمد محمد بْن محمد والطالبيّون إلى دُور العباسيّين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم مِن الكوفة [٣] . توجيه أَبِي السرايا عمّاله عَلَى المدينة ومكة ثمّ وجّه أبو السرايا عَلَى المدينة محمد بْن سليمان بْن داود بْن الحَسَن بْنِ الْحُسَيْنِ [٤] بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فدخلها ولم يقاتلْه أحد. ووجّه عَلَى مكّة والموسم حُسين بْن حسن الأفطس بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب [٥] ، فلمّا قرُب توقّف عَنْ مكّة هيبةً لمن فيها، وأميرها داود بن

стр. 6686

عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ العبّاسيّ، فلمّا بلغ أميرها داود ذَلِكَ، جمع موالي بني العباسي وعبيد حوائطهم [١] . ذكر خروج داود بْن عيسى مِن مكّة وكان مسرور الخادم قد حجّ في تِلْكَ السُّنَّةِ في مائتي فارس، فقال لداود: أقِم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم. فقال دَاوُد: لا أستحلٌ القتال في الحرم، ولئن دخلوا مِن هذا الفجّ لأخرجنّ مِن الفجّ الآخر. فقال: تُسلَّم مكّة وولايتك إلى عدوّك؟ فقال داود: أيّ حال لي؟ والله لقد أقمت معكم حتى شختُ، فما وُلِّيتُ ولايةً حتى كبرتُ وفني عُمري، فولّوني مِن الحجاز ما فيه القوت. وإنّما هذا المُلْك لك ولأشباهك، فقاتلْ عَليْهِ أو دَعْ. ثمّ انحاز داود إلى جهة المُشاش بأثقاله، فوجّه بها عَلَى درب العراق، وافتعل كتابًا مِن المأمون بتولية ابنه محمد بْن داود عَلَى صلاة الموسم وقال لَهُ: أخرج فَصَلّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبتْ بمنى، وصلَّ الصبح، ثمّ اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفَة، وخُذ عَلَى يسارك في شِعْب عَمْرو حتى تأخذ طريق المُشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر. ففعل ذَلِكَ، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الوفد بعَرَفَة. فلمّا زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم مِن أهل مكّة، فقال أحمد بْن محمد بْن الوليد الأزرقيّ [٢] ، وهو المؤذّن وقاصُّ الجماعة: إذا لم تحضر الوُلاة يا أهل مكّة، فليُصَلِ قاضي مكّة محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي، ولْيخُطبْ بهم. قَالَ: فلمن أدعو، وقد هرب هَؤلاءِ، وأطلّ هَؤلاءِ عَلَى الدخول؟ قَالَ: لا تَدْعُ لأحد.

стр. 6687

قَالَ: بل تقدّم أنت. دخول حسين بْن حسن مكّة وظُلم أهلها فأبي الأزرقيّ، حتى قدّموا رجلا فصلّي الصلاة بلا خطبة، ثمّ مضوا فوقفوا بعَرَفَة. ثمّ دفعوا بلا إمام. وحسين بْن حسن متوقّف بسَرف، فبلغه خُلُوّ مكّة، وهروب داود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وَسَعَوْا، ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلا، فوقفوا ساعة، وأتى مُزْدلفة فصلّي بالناس الفجر [١] . ثمّ إنه أقام بمكة وعسَف وظلم وصادر التجار، وكانت أعوانه تهاجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتّهمون البريء ويعذّبونه وأخذ ما في خزائن الكعبة مِن مال [٢] . ذكر انهزام أَبِي السرايا وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانيًا فانكسر، ثمّ ثبت وانهزم أصحاب أَبِي السرايا، ثمّ أخذ هَرْثَمَة يكاتب رؤساء الكوفة [٣] . وثوب عليّ بْن محمد بالبصرة وفيها وثب عليّ بْن محمد بْن جعفر الصّادق بالبصرة، واستولى عليها مِن غير حرب [٤] .

стр. 6688

ظهور إبراهيم بْن عليّ باليمن وظهر باليمن إبراهيم بْن عليّ بْن موسى [١] الرضا، فنفى عاملها عَنْهَا، وسبي، وأخذ الأموال. وكان يقال لَهُ الجزّار لكثرة ما قتل [٢] . والله أعلم.

стр. 6689

سنة مائتين تُوُفّي فيها: أسباط بْن محمد الكوفيّ، في المحرَّم، أُمَيَّة بْن خَالِد البصْريّ، أخو هدْبة، أيّوب بْن المتوكّل البصْريّ المقرئ، أنس بن عِياض، أبو حمزة اللَّيْثي، سَلْم بْن قُتَيْبة الخُراسانيّ، بالبصرة، سيّار بْن حاتم العَقديّ، فيها بخُلْف، صَفْوان بْن عيسى الزُّهْرِيّ البصْريّ، عُمَر بْن عَبْد الواحد السُّلَميّ الدّمشقيّ، عَبْد المُلْك بْن الصّبّاح المسمعيّ، بصْريّ، عِمارة بْن بِشْر، فيها، حدّث بدمشق، قَتَادة بْن الفضيل الرَّهاوي، مبشّر بْن إسماعيل الحلبيّ، محمد بْن إسماعيل بْن أَبِي فُدَيْك المدنيّ، محمد بْن الحَسَن الأسديّ ابن التَّلّ، محمد بْن حُمَيْد السُّليحيّ الحمصيّ، محمد بْن شُعيب بْن شابور [١] ، قاله دحيم،

стр. 6690

مُعَاذ بْن هشام الدَّسْتُوائيّ، معروف الكرْخيّ العابد، عَلَى الأصحّ، المغيرة بْن سَلَمَةَ المخزوميّ، بصْريّ، أبو البَخْتَرِيّ القاضي وهْب بْن وهْب. مقتل أَبِي السرايا وفيها هرب أبو السرايا والطالبيّون مِن الكوفة في المحرَّم إلى القادسيّة، فدخلها هَرْثَمَة ومنصور بْن المهديّ وأمّنوا أهلها. ثمّ أتى أبو السرايا إلى ناحية واسط، ثمّ مضى حتى أتى السُّوس وأنفق الأموال. فجاءهم الحَسَن بْن عليّ الباذغيسيّ فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فلا حاجة لي في قتالكم، ولست بتابعكم. فأتى أبو السرايا إلى قتاله، فاتقوا، فهزمهم الحَسَن واستباح عسكرهم، وجُرح أبو السرايا، وهرب هُوَ ومحمد بْن محمد، وأبو الشوك، وطلبوا رأس العين والجزيرة. فلمّا انتهوا إلى جَلُولا عثر بهم حمّاد الكُنْدُغُوش [١] فأخذهم، وجاء بهم إلى الحَسَن بْن سهل وهو بالنهْروان، فقتل أبا السرايا في عاشر ربيع الأوّل، وبعث محمد بْن زيد بْن عليّ إلى مَرْو إلى المأمون [٢] . افتتاح البصرة واختفاء الطالبيين وسار عليّ بْن أبي سَعِيد إلى البصرة فافتتحها، وكان بها زيد بن
следующие страницы →