ولي إمرة الكوفة سنة أربعٍ ومائتين، وحجّ بالنّاس سنة سبْعٍ، وكان موصوفًا بحُسْن الصّورة، وكمال الظرف، وله أدب وشعر جيد.
قَالَ الصُّوليّ [١] : حدَّثني عَبْد اللَّه بْن المعتز قَالَ: كَانَ أبو عيسى ابن الرشيد أديبًا ظريفًا، إذا عمل بيتين أو ثلاثة جوَّدَها.
فمن شعره:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نَمُوم بسِرّي مُذيعُ
فلولا دموعي كَتَمْتُ الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
وقال شيخ بْن حاتم العُكْليّ: ثنا إِبْرَاهِيم بْن محمد قَالَ: انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد. كان فيهم الأمين، وأبو عيسى. لم ير الناس أجمل منه قط. كان إذا أراد الركوب جلس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء [٢] .
وقال الغلابي: ثنا يعقوب بْن جعفر قَالَ: قَالَ الرشيد لابنه أَبِي عيسى وهو صبيّ: ليت جمالك لعبد اللَّه، يعني المأمون.
فقال: عَلَى أنّ حظَّه لي.
فعجب من جوابه عَلَى صغره، وضمّه إِلَيْهِ وقبّله [٣] .
وقيل إنّ المأمون كلّم أخاه أبا عيسى بشيء فأخجله فقال:
يكلّمني ويَعْبَثُ بالْبَنَان ... من التشويش مُنْكَسِر اللّسان
وقد لعِب الحياءُ بِوَجْنَتَيْه ... فصار بياضُها كالأُرْجُوان
وقال الصُّوليّ: ثنا الحُسين بْن فهم قَالَ: لما قَالَ أبو عيسى بْن الرشيد:
دهاني شهر الصَّوْمِ لا كَانَ من شَهْرِ ... ولا صُمْتُ شَهْرًا بعده آخِر الدَّهرِ
ولو كَانَ يُعْديني الإمامُ بقُدْرةٍ ... على الشّهر لاستعديت جهدي على الشهر
стр. 7597
فناله بعقب هذا صَرْعٌ. فكان يُصْرَع في اليوم مرّاتٍ حتّى مات، ولم يبلغ رمضانًا آخر [١] .
وقال محمد بْن عبّاد المُهَلّبيّ: كَانَ المأمون قد أهّل أخاه أبا عيسى للخلافة بعده.
وكان يَقُولُ: ما أجزع من قرب المنيّة حقّ الجزع لبلوغ أَبِي عيسى ما لعلّه يشتهيه.
وكان أبو عيسى ممّن لم يُرَ قط أجمل منه، فمات. فدخلت للتعزية، فنبذت عمامتي وجعلتها ورائي، لأنّ الخلفاء لا تُعزّى في العمائم، فقال المأمون: يا محمد حال الْقَدَرُ دون الوَطَرُ [٢] ، وأَلْوَتِ المَنِيَّة بالأُمْنية.
وكان المأمون يعرّفني ما لَهُ عنده وعزّمه فيه، فقلت:
يا أمير المؤمنين كل مصيبة أخطأتْك تَهُون، فجعل اللَّه الحزن لك لا عليك [٣] .
قَالَ صاحب «الأغاني» أبو الفَرَج [٤] : حدَّثني ابن أَبِي سعْد الورّاق: حدَّثني محمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر: حدَّثني أَبِي قَالَ: قَالَ أحمد بْن أَبِي داود: دخلت عَلَى المأمون في أول صحبتي إيّاه، وقد تُوُفّي أخوه أبو عيسى، وكان لَهُ مُحِبًّا، وهو يبكي ويتمثل:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تحن الجوانح
كأنْ لم يَمُتْ حيٌّ سواك ولم تُقَم [٥] ... عَلَى أحدٍ إلّا عليك النوائح
وقالت عَرِيبُ:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
стр. 7598
كأن بني العبّاس يوم وفاته ... نجوم سماءٍ خرّ من بينها البدر
فبكى المأمون وبكينا، ثم قَالَ لها: نُوحي.
فناحت، وردّ عليها الجواري، فبكينا أحرقَ بكاء، وبكى المأمون حتّى قلت قد جادت نفسه [١] .
وقال هبة اللَّه بْن إِبْرَاهِيم بْن المهديّ: مات أبو عيسى سنة تسع ومائتين، ونزل في قبره المأمون، وامتنع من الطعام أيّامًا [٢] .
وقال الصُّوليّ: كَانَ أبو عيسى يُسمّى أحمد أيضًا، وكانت أمّه بربريّة، وله جماعة إخوة اسمهم محمد سوى الأمين وسوى صاحب الترجمة، وهم: أبو عليّ محمد: تُوُفّي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وأبو العبّاس محمد: مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان أعمى القلب مغفَّلًا.
وأبو أحمد محمد: وكان طريفًا نديمًا فاضلًا، تُوُفّي [سنة] أربعٍ وخمسين، وهو آخر من مات من إخوته.
وأبو سليمان محمد: سمّاه ابن جرير الطَّبَريّ.
وأبو أيّوب محمد: وكان أديبًا شاعرًا.
وأبو يعقوب محمد. وكلّهم أولاد إماء. وهذا الأخير مات سنة ثلاث وعشرين، وسأترجم لأبي العبّاس، ولأبي أحمد إنّ شاء اللَّه تعالى.
٤٦٠- أبو يوسف الأعشى الكوفيّ [٣] .
واسمه يعقوب بْن محمد بْن خليفة المقرئ. أحد الكبار.
قرأ عَلَى: أَبِي بَكْر بْن عيّاش.
وتصدّر للإقراء مدّة، فقرأ عَلَيْهِ: أبو جعفر محمد بْن غالب الصّيرفيّ،
стр. 7599
ومحمد بْن حبيب الشمّونيّ.
وأخذ عَنْهُ الحروف: محمد بْن إِبْرَاهِيم الخواص، ومحمد بْن خَلَف التَّيْميّ، وأحمد بْن جُبَيْر، وعُبَيْد بْن نُعَيْم، وعَمْرو بْن الصّبّاح، وخلف بْن هشام البزّار، وطائفة سواهم.
قال أبو بَكْر النّقّاش: كَانَ أبو يوسف الأعشى صاحب قرآن وفرائض، ولست أقدم عَلَيْهِ أحدًا في القراءة عَلَى أَبِي بَكْر، ولا أقدّم في رواية الحروف أحدًا عَلَى يحيى بْن آدم، عَنْ أَبِي بَكْر [١] .
قَالَ أبو العبّاس بْن عُقْدة: ثنا القاسم بْن أحمد، أَنَا الشمونيّ، عَنْ أَبِي يوسف الأعشى قَالَ: قَالَ لي أبو بَكْر: يا أبا يوسف أَنَا أصلي خلف إمام بني السيد وهو يقرأ قراءة حمزة، فقد شككني في بعض الحروف التي أقرأها.
فاعرض علي عرضة تكون لك أحفظها عنك.
قال: فقعد له في أصحاب الشعر، فقرأ، واجتمع الناس حوله يكتبون الحروف [٢] ، والله أعلم [٣] .
стр. 7600
(بعون الله تعالى وتوفيقه تمّ إنجاز تحقيق هذا الجزء من «تاريخ الإسلام» للحافظ الذهبي، وضبط نصّه، وتخريج أحاديثه، والإحالة إلى مصادره، وتوثيق أخباره وتراجمه، على يد طالب العلم وخادمه الحاج الأستاذ الدكتور «أبو غازي عمر عبد السلام تدمري» الطرابلسي مولدا وموطنا، أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية، وذلك في مساء يوم السبت السابع من شهر رجب الفرد سنة ١٤١٠ هـ. / الموافق الثالث من شهر شباط (فبراير) ١٩٩٠ م.، في منزله بساحة النجمة بمدينة طرابلس الشام، حرسها الله، والحمد للَّه وحده) .
стр. 7601
[المجلد الخامس عشر (سنة ٢١١- ٢٢٠) ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطَّبَقَةُ الثانية والعشرون
دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
عبد الرّزّاق بن همّام الصَّنْعانيّ باليمن.
ومُعَلّى بن منصور الرازيّ الفقيه ببغداد.
وعليّ بن الحسين بن واقد، بمَرْو.
وعبد الله بن صالح العِجْليّ المقرئ.
والأحوص بن جوّاب أبو الجوّاب الضَّبّيّ.
وطَلْق بن غَنّام، ثلاثتهم بالكوفة.
وأبو العتاهية الشاعر، ببغداد.
[عودة عبد الله بن طاهر من مصر]
وفيها قدم الأمير عبد الله بن طاهر بن الحسين الخُزاعيّ بغدادَ، من الدّيار المصريّة، فتلقّاه العبّاس، ولد المأمون، وأبو إسحاق أخو المأمون. وقدم معه من المتغلّبين على الشام وغيرها ابن أبي الجمل، وابن السَّرْج [١] ، وابن [أبي] [٢] الصَّفْر [٣] .
[تشيُّع المأمون]
وفيها أمَر المأمون بأن يُنادى: برِئت الذّمة ممّن ذكر معاوية بخير أو فضّله
стр. 7602
على أحدٍ من الصَّحابة [١] . وإنّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ [٢] .
وكان المأمون يبالغ في التشيُّع، ولكنْ لم يتكلّم في الشيخين بسوء، بل كان يترضّى عنهما، ويعتقد إمامتهما، ﵄.
стр. 7603
سنة اثنتي عشرة ومائتين
فيها تُوفي:
أسد السُّنّة بن موسى، بمصر.
وأبو عاصم النبيل.
وعبد الرحمن بن حمّاد الشعبيّ.
وعون بن عمارة العبْدي، بالبصرة.
ومحمد بن يوسف الفِرْيابيّ، بقَيْسارية.
ومنبّه بن عثمان، بدمشق.
وأبو المغيرة عبد القُدوُّس الخَولانيّ، بحمص.
وزكريّا بن عديّ، ببغداد.
وعبد الملك بن عبد العزيز الماجِشُون الفقيه، بالمدينة.
وعليّ بن قادم، بالكوفة.
وخلّاد بن يحيى، بمكّة.
والحسين بن حفص الهمدانيّ، بإصبهان.
وعيسى بن دينار الغافقيّ الفقيه، بالأندلس.
[توجيه الطوسي لمحاربة بابَك]
وفيها وجّه المأمون محمد بن حُمَيد الطُّوسيّ لمحاربة بابَك الخُرَّميّ.
стр. 7604
[الولاية على اليمين]
واستعمل على اليمن: أبا الدّاريّ محمد بن عبد الحميد.
[إظهار المأمون خلق القرآن]
وفيها أظهر المأمون القول بخَلْق القرآن، مُضافًا إلى تفضيل عليّ على أبي بكر وعمر ﵄ [١] . فاشْمأزّت النُّفوس منه. ثم سار إلى دمشق فَصام بها رمضان.
[الحج هذا الموسم] [٢]
وتوجّه فحجّ بالناس.
стр. 7605
سنة ثلاث عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
عُبيد الله بن موسى العبْسيّ.
وخالد بن مَخْلَد القَطَوَانيّ، بالكوفة.
وعبد الله بن داود الخُرَيْبيّ.
وعمْرو بن عاصم الكِلابيّ، بالبصرة.
وأبو عَبْد الرَّحْمَن عَبْد الله بْن يزيد الْمُقْرِئ، بمكة.
وعَمْرو بن أبي سَلَمة التِّنِّيسيّ، بها.
والهيثم بن جميل الحافظ، بأنطاكية.
[خروج القيسية واليمانية في مصر وولاية المعتصم مصر والشام]
وفيها خرج عبد السلام [١] وابن حُلَيْس [٢] بمصر في القَيْسيّة واليَمَانيّة.
فاستعمل المأمون على مصر والشام أخاه أبا إسحاق المعتصم [٣] .
[ولاية الجزيرة]
واستعمل على الجزيرة ولده العباس.
стр. 7606
[تفريق المأمون للأموال]
وأمر لكلّ واحدٍ منهما بخمسمائة ألف دينار، وأمرَ بمثل ذلك لعبد الله بن طاهر، فقيل إنّه لم يُفرِّق ملِكٌ في يومٍ من المال مثل ذلك أبدًا [١] .
[استعمال غسّان بن عبّاد على السِّنْد]
واستعمل على السنْد الأمير غسّان بن عبّاد، وكان غسّان ذا رأيٍ وحزم ودهاء وخبرة تامّة وقد وُلّي إمرة خُراسان قبل طاهر بن الحسين [٢] .
стр. 7607
سنة أربع عشرة ومائتين
فيها توُفّي:
حسين بن محمد المَرْوَزِيّ، ببغداد.
وأحمد بن خالد الذهبيّ، بحمص.
وعبد الله بن عبد الحكم الفقيه، بمصر.
وسعيد بن سلام العطّار، بالبصرة.
ومحمد بن حُمَيد الطُّوسيّ [١] الأمير، قُتِل في حرب الخُرَّمِيّة.
وأبو الدّاري أمير اليمن، قُتِل أيضًا.
وعُمَيْر الباذَغيسي [٢] نائب مصر خلافةً عن المعتصم قُتِل بالحَوْف [٣] في حرب ابن حُلَيْس، وعبد السّلام، فسار أبو إسحاق المعتصم بنفسه إليهما فظفر بهما وقتلهما [٤] .
[خروج بلال الشاري ومقتله]
وفيها خرج بلال الشاري وقويت شوكته، فسار لحربه هارون بن أبي خلف
стр. 7608
فظفر به هارون وقتله [١] .
[ولاية أصبهان وآذربيجان والجبال]
وفيها ولي أصبهان وآذَرْبيجان والجبال وحرب بابك عليُّ بن هشام، فواقَعَ بابَكَ غير مرّة [٢] . والله أعلم.
стр. 7609
سنة خمس عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
أبو زيد الأنصاريّ، صاحب العربية، بالبصرة، واسمه سعيد بن أوس.
والعلاء بن هلال الباهليّ، بالرَّقَّة.
ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، القاضي بالبصرة.
ومكيّ بن إبراهيم الحنظليّ، ببلْخ.
وعليّ بن الحسن بن شقيق، بمرْو.
ومحمد بن المبارك الصُّوريّ، بدمشق.
وإسحاق بن عيسى الطّبّاع، ببغداد.
وقُبيصة بن عُقبة السُّوائيّ، بالكوفة.
[غزوة المأمون إلى الروم]
وفيها سار المأمون لغزو الروم في أول العام، واستخلف على بغداد الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب. وقدِم عليه محمد بن عليّ بن موسى الرّضا، فأكرمه وأجازه بمالٍ عظيم، وأمره بالدخول بأهله، وهي أمّ الفضل ابنة المأمون، فدخل بها ببغداد [١] .
ثم سار المأمون إلى دابق وأنطاكية، ثم دخل المِصِّيصة، وخرج منها إلى طَرَسُوس [٢] ، ثم دخل الروم في نصف جُمادَى الأولى، فنازل حصن قرّة [٣] حتّى
стр. 7610
فتحه عَنْوةً وهدمه، وافتتح حصن ماجدة، وتسلّم حصنين بالأمان [١] .
[تهذيب قواعد الديار المصرية]
وأمّا أخوه أبو إسحاق فإنّه هذّب قواعد الدّيار المصريّة، ورجع فقدِم واجتمع بأخيه المأمون بنواحي المَوْصِل [٢] .
[قدوم المأمون إلى دمشق]
وقدِم المأمون دمشق بعد غزوته المذكورة [٣] .
стр. 7611
سنة ستّ عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
حَبّان بن هلال.
وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ.
وهَوْذة بن خليفة.
ومحمد بن كثيّر المصِّيصيّ الصَّنْعانيّ.
والحسن بن سَوّار البَغَويّ.
وعبد الله بن نافع المدنيّ الفقيه.
وعبد الصَّمد بن النّعْمان البزّار.
ومحمد بن بكّار بن بلال قاضي دمشق.
ومحمد بن عبّاد بن عبّاد المهلّبيّ، أمير البصرة.
ومحمد بن سعيد بن سابق نزيل قزْوين.
وزُبيدة زوجة الرشيد وابنة عمّه.
[عودة المأمون لغزو الروم]
وفيها كرّ المأمون راجعًا إلى غزو الروم، لكونه بلغه أنّ ملك الروم قتل خلقًا [١] من أهل طَرَسُوس والمِصِّيصة، فدخلها في جُمَادَى الأولى، وأقام بها إلى نصف شعبان، وجهّز أخاه أبا إسحاق، فافتتح عدّة حصون [٢] .
стр. 7612
ثم وجّه يحيى بن أكثم فأغار وقتل وسبى، ثم رجع [١] .
[دخول المأمون الديار المصرية]
وفي آخر السنة توجّه المأمون من دمشق إلى الدّيار المصريّة ودخلها [٢] ، فهو أوّل من دخلها من الخلفاء العبّاسيّين.
стр. 7613
سنة سبْع عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
حَجّاج بن مِنْهال الأنماطيّ، بالبصرة.
وشُريْح بن النُّعْمان الجوهريّ.
وموسى بن داود الضّبّي الكوفيّ، ببغداد.
وهشام بن إسماعيل العطّار العابد، بدمشق.
وعمْرو بن مَسْعَدَة، أبو الفضل الصُّولِيُّ كاتب الإنشاء للمأمون.
وإسماعيل بن مَسْلَمَة أخو القَعْنَبيّ، بمصر.
[قتل عبدوس الفهري بمصر]
وفيها دخل المأمون مصر، فأحضر بين يديه عَبْدُوس الفِهْريّ فضُرِبَت عنقه [١] .
قال المسعوديّ [٢] : وكان قد تغلّب عليها.
[عودة المأمون إلى دمشق وغزو الروم]
وعاد إلى دمشق، ثمّ سار إلى أَذَنَة [٣] ، ودخل أرض الروم، فنزل على لُؤْلُؤَةَ وحاصرها مائة يوم، ثمّ رحل عنها، وخلّف عليها عُجَيْفًا، فخدعه أهلها وأسروه،
стр. 7614
ثم أطلقوه بعد جمعةٍ [١] .
وأقبل الملك تَوْفِيل في جيوش الروم، لعنهم الله، إلى حصن لؤلؤة فأحاط بعجُيَفْ. فبلغ ذلك المأمون، فجهّز الجنود لحربه، فارتحل تَوفْيِل وكتب كتابًا إلى المأمون يطلب الصُّلْح فبدأ بنفسه وأغلظ في المكاتبة. فاستشاط المأمون غضبًا وقصد الروم، وعزم على المسير إلى قُسْطنطينية، ثم فكّر في هجوم الشتاء فرجع [٢] .
[حريق البصرة]
وفيها وقع حريق عظيم بالبصرة يُقال إنّه أتى على أكثرها، وكان أمرا مزعجا يفوق الوصف [٣] .
стр. 7615
سنة ثمان عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
أبو مُسْهِر الغسّانيّ شيخ الشام.
ومُعَلّى بن أسد العمِّيّ.
ويحيى بن عبد الله البابْلُتّيّ على الصحيح.
ومحمد بن الصَّلْت الأَسَديّ الكوفيّ.
وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسيّ.
وحَجّاج بن أبي منيع الرَّصافيّ.
وإسحاق بن بكر بن مُضر المُضَري.
ومحمد بن نوح العِجْليّ.
والخليفة المأمون.
وحبيب كاتب مالك.
وبِشْر المَرِيسيّ.
[بناء طُوَانة]
وفيها اهتم المأمون ببناء طُوَانة من أرض الروم، وحشد لها الرجال والصُّنّاع، وأمر ببنائها ميلًا في ميل. وقرّر ولده العبّاس على بنائها، ولزِمه عليها أموال لَا يحصيها إلّا الله تعالى [١] ، وهي على فم الدَّرْب ممّا يلي طرسوس.
وافتتح عدّة حصون [٢] .
стр. 7616
ذِكر المِحْنة
في أثناء السنة كتب المأمون إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخُزَاعيّ، ابن عمّ طاهر بن الحُسين، في امتحان العلماء، كتابًا يقولُ فيه: «وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسَّواد الأكبر مِن حَشو الرَّعيّة، وسَفْلَة العامّة، ممّن لَا نظر له ولا رَوِيّة ولا استضاءة بنور العِلم وبرهانه، أهل جهالةٍ باللَّه تعالى وعَمًى عنه، وضلالةٍ عن حقيقة ديِنه، وقُصورٍ أن يَقْدُرُوا الله حق قَدْره، ويعرفوه كُنْه معرفته، ويُفرّقوا بينه وبين خلْقه. وذلك أنّهم ساوَوْا بين الله وبين خلْقِهِ، وبين ما أُنزل من القرآن. فأطبقوا على أنّه قديم لم يخلقْه الله ويخترعه. وقد قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ٤٣: ٣ [١] فكلّ ما جعله الله فقد خلقه كما قال: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ٦: ١ [٢] وقال: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ مَا قَدْ سَبَقَ ٢٠: ٩٩ [٣] فأخبر أنّه قصصٌ لأمور أحدثهُ بعدها. وقال: أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ١١: ١ [٤] ، والله مُحْكم كتابَه ومُفَصِّلُهُ، فهو خالقه ومُبْتَدِعُهُ. ثم انتسبوا إلى السُّنّة، وأنّهم أهل الحقّ والجماعة، وأنّ مَن سواهم أهل الباطل والكُفْر.
فاستطالوا بذلك وغرّوا به الجهّال، حتّى مال قوم من أهلِ السَّمْت الكاذب والتَّخَشُّع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحقّ إلى باطلهم، واتّخذوا دون الله وليجةً إلى ضلالهم» .
إلى أن قال: «فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمّة، المنقوصون من التّوحيد حظًا، أوعيةُ الجهل وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه مِن أهل دِين الله، وأحقُّ أن يُتَّهم في صِدْقه، وتُطرح شهادته، ولا يُوثَق به ذلك أعمى وأضلّ سبيلًا. ولَعَمْرو أمير المؤمنين، إنّ أكْذَب النّاس مَن كذب على الله ووحْيه. وتخرّص الباطل، ولم يعرف الله حقيقة معرفته. فاجْمَعْ مَن بحضرتك من القُضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما
стр. 7617
يقولون، واكشفهم عمّا يعتقدون في خلق الله وإحداثه. ولِعلمهم أنّي غير مستعينٍ في عملٍ ولا واثقٌ بمن لَا يوثق. فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا فمُرهم بنصّ مَن بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترْك شهادة مَن لم يُقِرّ أنّه مخلوق. واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك» [١] .
وكتب المأمون إليه أيضًا في إِشخاص سبعة أنفُس، وهم: محمد بن سعْد كاتب الواقديّ، ويحيى بن مَعِين، وأبو خَيْثَمَة، وأبو مسلم مُسْتملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ. فأُشْخِصوا إليه، فامتحنهم بخلْق القرآن فأجابوه، فردّهم من الرَّقّة إلى بغداد [٢] .
وسبب طَلَبهم أنّهم توقّفوا أولًا، ثم أجابوه تَقِيّةً. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون [٣] . فكان يحيى بن مَعِين وغيره يقولون: أَجَبْنا خوفًا من السيف [٤] .
ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحاق، وأمره بإحضار من امتنع، فأحضرَ جماعةً منهم: أحمد بن حنبل، وبِشْر بن الوليد الكِنْدِيّ، وأبو حسّان الزّياديّ، وعليّ بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر
стр. 7618
القَوَاريريّ، وعليّ بن الْجَعْد، وسَجّادة، والذّيّال بن الهيثم، وقُتَيبة بن سعيد وكان حينئذٍ ببغداد، وسَعْدويْه الواسطيّ، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهِرْش [١] ، وابن عُلَيّة الأكبر، ومحمد بن نوح العِجْليّ، ويحيى بن عبد الرحمن العُمَريّ، وأبو نصر التّمّار، وأبو مَعْمَر القطِيعيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وغيرهم.
وعُرِض عليهم كتاب المأمون فَعَرَّضوا ووَرَّوْا ولم يُجيبوا ولم يُنكروا.
فقال لبِشْر بن الوليد: ما تقول؟
قال، قد عرَّفْتُ أميرَ المؤمنين غيرَ مرّة.
قال: وإن، فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب.
قال: أقول: كلام الله.
قال: لم أسألك عن هذا. أمخلوقٌ هو؟
قال: ما أحُسِنُ غيرَ ما قلت لك. وقد استعهدتُ أميرَ المؤمنين أن لَا أتكلم فيه.
ثم قال لعليّ بن أبي مقاتل: ما تقول؟
قال: القرآن كلام الله، وإنْ أمَرَنَا أميرُ المؤمنين بشيءٍ سمِعنا وأطعنا.
وأجاب أبو حسان الزّياديّ بنحو من ذلك.
ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟
قال: كلام الله.
قال: أمخلوقٌ هو؟
قال: هو كلام الله لَا أزيد على هذا.
ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم.
وقال ابن البكّاء الأكبر: أقول القرآن مجعولٌ ومُحْدَثٌ لوُرُود النّصّ بذلك.
فقال له إسحاق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟
قال: نعم.
قال: فالقرآن مخلوق؟
стр. 7619
قال: لَا أقول مخلوق [١] .
ثم وجّه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بَلَغَنا ما أجاب به مُتَصَنِعَةُ أهل القِبْلة، ومُلْتَمِسُوا الرئاسة، فيما ليسوا له بأهلٍ. فمن لم يُجِب أنّه مخلوق فامنعْه من الفتوى والرواية.
ويقول في الكتاب: فأمّا ما قال بِشْر فقد كذب. لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص، والقول بأنّ القرآن مخلوق. فادعُ به إليك، فإنْ تاب فأَشْهِرْ أمره، وإِنْ أصرّ على شِرْكه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكُفْره وإلحاده، فاضربْ عُنُقه، وابعث إلينا برأسه.
وكذلك إبراهيم بن المهْدي فامتَحِنْه، فإنْ أجاب، وإلّا فاضربْ عُنُقه.
وأمّا عليّ بن أبي مقاتل، فقُل له: ألستَ القائل لأمير المؤمنين: إنّك تحلِّل وتحرِّم.
وأما الذَّيّال، فأعلمه أنّه كان في الطّعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله.
وأمّا أحمد بن يزيد أبو العوّام وقوله إنّه لَا يُحْسِن الجواب في القرآن، فأَعْلِمْه أنّه صبيُّ، في عقله لَا في سِنِّه، جاهلٌ سيُحْسِن الجواب إذا أُدِّب. ثم إنْ لم يفعل كان السيفُ من وراء ذلك.
وأمّا أحمد بن حنبل، فأَعْلِمْه أنّ أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدّل على جَهْله وآفته بها.
وأمّا الفضل بن غانم، فأَعلْمِهْ أنّه لم يَخْفَ على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، يعني في ولايته القضاء.
وأمّا الزّياديّ، فأَعلِمْه أنّه كان مُنتحلًا ولا كأوّلِ دَعِيٍّ. فأنكر أبو حسّان أن يكون مولى لزياد بن أبيه، وإنّما قيل له الزّياديّ لأمرٍ من الأمور.
стр. 7620
قال: وأمّا أبو نصر التّمّار، فإنّ أمير المؤمنين شبَّه خساسة عقله بخساسة متجره.
وأمّا ابن نوح، وابن حاتم، فأعْلِمْهم أنّهم مشاغيل بأكل الرِّبا عن الوقوف على التوحيد، وإنّ أمير المؤمنين لو لم يستحلّ محاربتهم في الله إلّا لإربائهم، وما نزل به كتابُ الله في أمثالهم لَاستحلّ ذلك. فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شِرْكًا، وصاروا [١] للنَّصارى شَبَهًا؟
وأمّا ابن شجاع، فأَعْلِمْه أنّك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحلَّه من مال الأمير عليّ بن هشام.
وأمّا سَعدويْه الواسطيّ، فقل له: قبّح الله رجلًا بلغ به التصنُّع للحديث والحِرص على الرئاسة فيه، أنْ تمنّى وقت المحنة.
وأمّا المعروف بسَجّادة، وإنكاره أن يكون سمع ممّن كان يجالس من الفقهاء القولَ بأنّ القرآن مخلوق، فأَعْلِمْه أنّ في شُغله بإعداد النَّوَى، وحُكمه لإصلاح سجّادته، وبالودائع الّتي دفعها إليه عليّ بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد.
وأمّا القواريريّ ففيما انكشف من أحواله، وقبوله الرّشا والمصانعات، ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه.
وأمّا يحيى العُمريّ، فإنْ كان من ولد عمر بن الخطّاب فجوابه معروف.
وأمّا محمد بن الحسن بن عليّ بن عاصم، فإنّه لو كان مُقْتديًا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النِّحْلَةَ التي حُكِيَتْ عنه، وأنّه بعدَ صبيٌّ يحتاج إلى أن يُعلَّم.
وقد كان أمير المؤمنين وجّه إليك المعروف بأبي مُسْهِر، بعد أن نصّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها ولَجْلج فيها، حتّى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقرّ ذميمًا فأَنْصِصْه عن إقراره، فإنْ كان مقيمًا عليه فأشْهِر ذلك وأظْهِرْه. ومَن لم يرجع عن شِرْكه ممّن سمَّيتُ بعد بِشر، وابن المهديّ،
стр. 7621
فاحمِلْهم موثَّقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم. فإنْ لم يرجعوا حملهم على السيف [١] .
قال: فأجابوا كلّهم عند ذلك، إلّا أحمد بن حنبل، وسجّادة، ومحمد بن نوح، والقواريريّ. فأمرَ بهم إسحاق فقُيِّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجّادة. ثم عاودهم ثالثًا فأجاب القواريريّ ووجَّه بأحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح المضروب إلى طَرَسُوس. ثم بلغ المأمون أنهم إنما أجابوا مُكْرَهينَ، فغضِب وأمر بإحضارهم إليه. فلما صاروا إلى الرَّقَّةِ بَلَغَتهم وفاةُ المأمون . وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد [٢] . ولطف الله تعالى وفرج.
وأمّا محمد بن نوح فكان عديلًا لأحمد بن حنبل في المَحْمل، فمات.
فوليه أحمد بالرَّحْبة وصلّى عليه ودفنه، رحمه الله تعالى.
[وفاة المأمون]
وأما المأمون فمرض بالروم، فلما اشتدّ مرضه طلب ابنَه العبّاس لِيَقْدم عليه، وهو يظنّ أنّه لَا يدركه، فأتاه وهو مجهود، وقد نفذت الكُتُب إلى البلدان، فيها: مِن عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده، بهذا النّصّ.
فقيل إنّ ذلك وُقِّع بأمر المأمون.
وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غَشْيٍ أصابه، فأقام العبّاس عنده أيّامًا حتّى مات [٣] .
[ذِكر وصيّة المأمون]
«هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين أنّ الله وحده لَا شريك له في مُلكه، وأنّه خالقٌ وما سواه مخلوق. ولا يخلو القرآن من أن يكون
стр. 7622
شيئًا له مثلٌ، والله لَا مثل له» إلى أن قال: «والبعث حقّ، وإنّي مذنب أرجو وأخاف، فإذا متُّ فوجّهوني وليُصّلّ عليّ أقربكم منّي نَسَبًا، وليُكبّرْ خمسًا» .
وذكر وصايا من هذا النّوع، إلى أن قال: «فرحِم الله عبدًا اتَّعظ وفكّر فيما حتّم الله على جميع خلقه من الْفَنَاءِ، وقضى عليهم من الموت الذي لَا بدّ منه.
فالحمد للَّه الّذي توحّد بالبقاء. ثم لينظُر المرءُ ما كنت فيه من عزّ الخلاقة، هل أغنى عنّي شيئًا إذا جاء أمر الله؟ لَا والله. ولكن أضعِف به عليّ الحسنات. فيا لَيْتَ عبد الله بن هارون لم يكن بَشَرًا، بل ليته لم يكن شيئًا.
يا أبا إسحاق ادْنُ منّي واتَّعِظْ بما ترى، وخُذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذ طوّقَكَها اللَّهُ تعالى عمل المريد للَّه، الخائف من عقابه، ولا تغترّ باللَّه وتَمْهيله، فكأنْ قد نزل بك الموت. ولا تغفل عن أمر الرعيّة، الرعيّةَ الرعيّةَ، الْعَوَامَّ الْعَوَامَّ، فإنّ المُلْك بهم، اللَّهَ اللَّهَ فيهم وفي غيرهم.
يا أبا إسحاق عليك عهد الله، لتقَومّن بحقّ الله في عباده، ولتؤثِرَنّ طاعة الله على معصيته.
قال: اللَّهمّ نعم.
قال: فانظُر مَن كنت تسمعني أُقَدِّمه فأضْعِف له في التقدمة. وعبد الله بن طاهر أقرّه على عمله، وقد عرفت بلاءه وغَنَاءه.
وأبو عبد الله بن أبي دُؤاد لَا يُفارقك، وأشْرِكْه في المشورة في كل أمرك، ولا تتّخذنّ بعدي وزيرًا، فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس، وخُبْث سريرته حتّى أبعدْتُهُ. هؤلاء بنو عمّك من ذُرِّيَّة أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه أحسِنْ صُحْبتهم، وتجاوَزْ عن مُسِيئهم، وأَعطهِم الصِّلات [١] .
ثم تُوُفّي في رجب، ودفن بطرسوس [٢] .
стр. 7623
[خلافة المعتصم]
وكان أول من بايع المعتصم: العبّاسُ بنُ المأمون.
[ما ذكره المسبّحي عن المحنة في مصر]
قال محمد بن عُبيد الله المُسبّحي في «تاريخ مصر» : كتب المعتصم إلى نائبه على مصر كُنْدر [١] ، وإلى قاضي مصر هارون بن عبد الله الزُّهْريّ كتابًا بخطّ الفضل بن مروان يمتحن فيه الناس بخلْق القرآن. فأحضرهم القاضي هارون، فأجاب عامّة الشهود وأكثر الفقهاء، إلّا من هرب منهم. وكان هارون إذا شهد عندَه عدلْان سألهما عن القرآن، فإنْ أقرّا أنّه مخلوق قبلهما وأخذ بذلك المؤذِّنون والمحدّثون. وأُقِرّ المعلّمون أنّ تعلّمه الصّبيان كتعليم القرآن، يعني القول بخلق القرآن. وبقيت المحنة إلى أن وُلِّيَ الخلافةَ المتوكّل سنة اثنتين وثلاثين [٢] .
[الوباء والغلاء بمصر]
وفيها وقع الوباء العظيم بمصر، فمات أكثرهم، وغلا السِّعر هذه السنة وبعض سنة تسع عشرة.
قال: ولم تبقَ دارٌ ولا قرية إلّا مات أكثر أهلها. ولم يبق بمصر رئيس ولا شريف مشهور. وولّت الدنيا عمّن بقي من أولادهم، وركبهم الذّلّ، وجفاهم
стр. 7624
السلطان لأنّهم خرجوا غير مرّة وأثاروا الفتنة.
ثم سَرَدَ مَن مات من أشرافهم من أول دولة المأمون إلى آخرها، فسمَّى من كبارهم أبا نصر الوليد بن يعفر بن الصّبّاح بن أبرهة، تُوُفّي سنة سبْعٍ وتسعين ومائة، وإبراهيم بن حوّى تُوُفّي فيها، وإبراهيم بن نافع الطّائيّ، تُوُفّي سنة ثمانٍ وتسعين، وعثمان بن بلادة فيها، وهاشم بن خُدَيْج، ومحمد بن حسّان بن عتاهية سنة تسعٍ وتسعين، وهُبيرة بن هاشم بن خُدَيْج، وزُرْعة بن معاوية سنة مائتين.
ثم سمَّى عددًا كثيرًا لَا نعرفهم كان لهم جاه وحشمة في عصرهم بمصرهم، انْمحت آثارهم وانطوت أخبارهم.
[هدم الطُّوانة]
وفيها أمر المعتصم بهدم طُوَانة الّتي قدمنا أنّ المأمون أمر ببنائها، ثم حُمِل ما بها من الآلات والسلاح، وتفرّق ما تعب عليه المأمون. وسافر الناس الذين أُسكنِوا بها إلى بلادهم، ثم انصرف المعتصم إلى بغداد، فدخلها في أول رمضان من السنة [١] .
[اشتداد أمر الخُرَّمِيّة]
وفيها عظُم الخَطْب واشتدّ الأمر بالخُرّميّة، لعنهم الله، ودخل في دِينهم خلق من أهل بلاد هَمذان وبلاد إصبهان، وجيّشوا بأرض همذان، فسار لحربهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب في ذي القعدة، فظفر بهم وقتل منهم ملحمة عُظمى. فيُقال إنّه قُتِل منهم ببلاد همذان ستّين ألفًا، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم [٢] . وكان المصافّ بأرض همذان مما يلي الرّيّ.
وبعضهم يقول: قُتِل منهم فوق المائة ألف، وكانت ملحمة هائلة.
стр. 7625
سنة تسع عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي:
عليّ بن عيّاش الأَلهاني، بحمص.
وأبو بكر عبد الله بن الزُّبير الحُمَيْديّ، بمكة.
وأبو نُعَيم الفضل بن دُكين.
وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النَّهْديّ، بالكوفة.
وعَمرو بن حكّام.
وإبراهيم بْن حُميد الطويل.
وسعد بْن شُعْبَة بْن الحَجّاج، بالبصرة.
وأبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبّار، بمصر.
وسليمان بن داود الهاشميّ.
وغسّان بن الفضل الغلابيّ، ببغداد.
[ظهور محمد بن القاسم بالطالقان]
وفيها ظهر محمد بن القاسم العلويّ الحُسينيّ بالطّالَقان [١] يدعوا إلى الرِّضا من آل محمد. فاجتمع عليه خلْق، فسار لقتاله جيش من قِبل عبد الله بن طاهر، فجرت بينهم وقعات عديدة، ثم انهزم محمد بن القاسم فقصد بعض كُوَر خُراسان، فظفر به متولّي نَسَا [٢] ، فقيّده وبعث به إلى ابن طاهر، فحبسه
стр. 7626
المعتصم. ثم إنّه هرب من السجن ليلة عيد الفطر، ونزل في حبلٍ دُلّي له.
فنودي عليه: مَن أحضره فله مائة ألف درهم، فلم يقعوا به [١] .
[قدوم السبْي من الخُرَّميّة]
وفي جُمادَى الأولى قدِم بغداد، إسحاق بن إبراهيم بسبْيٍ عظيم من الخُرَّميّة الذين أوقع بهم بهمذان [٢] .
[إفساد الزُّطّ بالبصرة]
وفيها عاثت الزُّطّ بنواحي البصرة، فانتدب لحربهم عُجَيْف بن عَنْبَسة، فظفر بهم وقتل منهم نحو الثمانمائة. ثم جرت له معهم حروب. وكان عدّتهم خمسة عشر ألفا [٣] .
стр. 7627
ثم دخلت سنة عشرين ومائتين
فيها تُوُفّي: عفّان ببغداد.
وقالون بن عيسى بن مينا.
ومُطَرِّف بن عبد الله، بالمدينة.
وأبو حُذَيْفة المَرْوزِيّ.
وعاصم بن يوسف اليَرْبُوعيّ.
وخلّاد بن خالد القارئ، بالكوفة.
وعثمان بن الهيثم المؤذّن.
والخليل بن عمر بن إبراهيم العبْديّ.
وعبد الله بن رجاء، بالبصرة.
وآدم بن أبي أياس، بعسقلّان.
وعبد الله بن جعفر الرَّقّي، بالرَّقّة.
وقَرعوس بن العبّاس الثقفيّ صاحب مالك، بالأندلس.
ومحمد الجواد ولد عليّ بن موسى الرّضا، ببغداد.
[دخول الزُّطّ بغداد]
ويوم عاشوراء دخل عُجَيف بغدادَ بسبي الزُّطِّ وأَسْراهم، فعبّأهم على هيئتهم في الحرب، وكان يومًا مشهودًا. ثم نفدوا إلى عين زَرَبة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم حتّى لم ينج منهم أحد [١] .
стр. 7628
[مسير الأفشين لحرب بابك]
وفيها عقد المعتصم على حرب بابك وعلى بلاد الجبل للأفشين، واسمه حيد بن كاوس. ثم وجّه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل لعمارة الحصون الّتي خرّبها بابَك ففعل ذلك. وكان محمد بن البُعيث صديق بابَك في قلعة شاهي وحصن تبريز من بلاد أَذرَبْيَجْان، فبعث بابَكُ قائده عصمة، فنزل بابن البُعيث [١] فأكرمه وأنزل إليه الإقامات وأضافه وسقاه خمرًا وأسره، وقتل جماعة من مقدّميه، فهرب عسكره.
وجعل ابن البُعيث يناصح المعتصم، ودلّه على عورة بلاد بابَك، ثم كانت وقعة كبيرة بين بابَك والأفشين انهزم فيها بابَك، وقُتِل من أصحابه نحو الألف، وهرب إلى مُوقان [٢] ، ومنها إلى مدينته التي تسمى البذّ. وبعث الأفشين بالرءوس والأسارى إلى بغداد [٣] .
[محنة الإمام أحمد]
وفي رمضانها كانت محنة الإمام أحمد، وضُرِب بالسّياط، ولم يُجِب [٤] .
وسيأتي ذلك في ترجمته.
[إنشاء المعتصم لمدينة سُرّ من رأى]
وفي ذي القعدة نزل المعتصم بالقاطول [٥] وأمر بإنشاء مدينة سرّ من رأى،
стр. 7629
فاشترى أرضها من رُهبان لهم دير هناك. وقد كان الرشيد ينزل بالقاطول لِطيبه.
واستخلف المعتصم على بغداد ولده الواثق [١] .
[غضب المعتصم على وزيره الفضل]
وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وصادره، وأخذ منه أموالًا عظيمة تفوق الوصف، حتّى قيل إنّه أخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، واستأصله وأهل بيته ونفاه إلى السّنّ [٢] ، قرية بطريق الموصل [٣] .
ووُليّ بعده الوزارة محمد بن عبد الملك الزّيّات.
[عناية المعتصم باقتناء التُّرْك]
واعتنى المعتصم باقتناء التُّرْك، فبعث إلى سمرقند وفَرغانة والنّواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الدِّيباج ومناطق الذهب. فكانوا يطردون خيلهم ببغداد ويُؤْذُون الناس. فربّما ثار أهل البلد بالتركيّ فقتلوه عند صدْمه للمرأة والشيخ [٤] . فعزم المعتصم على التحوّل من بغداد وتنقل على دجلة، والقاطول هو نهر منها، فانتهى إلى موضع سامرّاء، وفي مكانها دير عالٍ لرهبان.
فرأى فضاءً واسعًا جدًّا وهواءً طَيِّبًا فاستمرأه، وتصيّد ثلاثًا فوجد نفسه تطلب أكثر من أكله، فعلم أنّ ذلك لتأثير الهواء والتُّرْبة والماء. فاشترى من أهل الدَّيْر أرضهم بأربعة آلاف دينار، وأسّس قصره بالوزيريّة التي يُنسب إليها التّين الوزيريّ العديم النظير في الحسن. وجمع عليها الفَعَلَةَ والصُّنّاع من الممالك.
ونقل إليها أنواع الأشجار والغُرُوس، واختُطَّت الخِطّط والدُّروب، وجدّوا في
стр. 7630
بنائها، وشُيّدت القصور، واستُنْبِطت المياه من دجله وغيرها وتَسَامع النّاس وقصدوها، وكثُرت بها المعايش [١] .
стр. 7631
ذكر أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ عَلَى الْحُرُوفِ
[حَرْفُ الأَلِفِ]
١- أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق [١]- م. د. ت. ن. - أبو إسحاق الحضرميّ، مولاهم البصْريّ، أخو المقرئ يعقوب.
كان أسن من يعقوب.
روى عن: عِكْرمة بن عمّار، وحمّاد بن سَلَمَةَ، وهَمَّام، ووُهَيْب، وأبي عَوَانة، وجماعة.
وعنه: إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وإبراهيم الْجُوزَجَانيّ، وإسحاق الحربيّ، وأبو خَيْثمة، وولده أحمد بن أبي خَيْثمة، والحارث بن أبي أسامة، وعبد بن حميد، وطائفة.
وثّقه أبو حاتم [٢] ، والنّسائيّ [٣] .
стр. 7632
ومات سنة إحدى عشرة [١] ، وكان يحفظ حديثه [٢] .
٢- أحمد بن إشكاب الصّفّار [٣]- خ- أبو عبد الله كوفيّ نزل مصر.
قيل: اسمه أحمد بن مَعْمَر بن إشْكاب، وقيل: أحمد بن عبد الله بن إشْكاب.
سمع: شَرِيكًا، وعبد السّلام بن حرب، ورِفاعة بن إياس الضَّبِّيّ، ومحمد بن فُضَيْلٍ، وأبا بكر بن عيّاش، وجماعة.
وعنه: خ [٤] ، ويعقوب الفَسَويّ، وأحمد بن عيسى اللّخْميّ الخشّاب، وبكر بن سهل الدِّمياطيّ، وعبّاس الدُّوريّ، وأبو حاتم الرّازيّ، وجماعة.
стр. 7633
قال أبو حاتم: [١] : ثقة مأمون [٢] .
وقال ابن يونس في تاريخه: تُوُفّي سنة سبْع أو ثمان عشرة [٣] .
٣- أحمد بن أوفى الأهْوازيّ [٤] .
عن: عَبّاد بن منصور [٥] ، وشُعْبة.
وعنه: مَعْمَر بن سهل، وغيره [٦] .
٤- أحمد بن أيّوب السّمرقنديّ [٧] .
стр. 7634
نزيل مَرْو.
عن: أبي حمزة السُّكَّريّ.
وعنه: إسحاق بنُ راهَوَيْه، والنَّضْر بن سَلَمَةَ، وغيرهما [١] .
٥- أحمد بن تَوْبة السُّلَميّ المَرْوَزيّ المُطَّوَّعيّ.
الغازي الأمير المجاهد البطل الزّاهد.
سمع: ابن المبارك، وإبراهيم بن المغيرة، وسُفْيان بن عُيَيْنَة، وحَرْمَلَة بن عبد العزيز.
وعنه: إسحاق الكَوْسَج، وعبد الله بن أحمد بن شَبوَيْه، ويحيى بن المُثَنَّى.
ذكره ابن ماكولا فقال: لم يتهدف للتحديث.
قال: وكان يقال إنه مستجاب الدعوة. فتح استيجاب في أربعين رجلا.
وبها أولادهم تعرف بأولاد الأربعين، يشار إليهم في استيجاب.
قال غُنْجار: سكن أحمد بن توبة بِيكَنْد، وبها تُوُفّي.
٦- أحمد بن جعفر [٢] .
أبو عبد الرحمن الوكيعيّ الكوفيّ الضّرير الحافظ.
عَنْ: حفص بن غياث، ووكيع، وغيرهما.
стр. 7635
وكان أبو نعيم يقول: ما رأيت أحفظ منه [١] .
وعنه: إبراهيم الحربيّ، وقال: كان يحفظ مائة ألف حديث، وما أحسبه سمع حديثًا إلا وحفظه [٢] .
قلت: وروى عنه أحمد بن القاسم الأنماطي [٣] .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحربيّ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لأَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْوَكِيعِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي لأُحِبُّكَ [٤] . حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عبيد، عن المقدام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ» [٥] . وَقَالَ أَبُو داود: كَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَكِيعِيُّ يَحْفَظُ الْعِلْمَ عَلَى الْوَجْهِ [٦] .
وَقَالَ الَّدارقُطْنيُّ: هُوَ ثِقَةٌ، وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ ثِقَةٌ [٧] .
وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ [٨] .
٧- أحمد بن حفص [٩] .
أبو حفص البخاريّ الفقيه الحنفيّ. عالم أهل بُخارى في زمانه. ووالد شيخ بُخَارى أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حفص الفقيه. لم أظفر بأخباره،