[سَرِيَّةُ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة إلى ذي القَصَّة] [١]
وبعث رسول الله ﷺ محمدَ بْن مسلمة، فِي عشرة، فكمن القومُ لهم حتى نام هُوَ وأصحابه، فما شعروا إلّا بالقوم. فقتل أصحابُ مُحَمَّد، وأفلت هُوَ جريحًا [٢] .
[سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى بني سُلَيْم بالجَمُوم] [٣]
قَالَ: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة [إلى بني سليم] [٤] بالجموم.
فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلّتهم على مكان فأصابوا مواشي وأسراء منهم زوجها. فوهبها النّبيّ ﷺ نفسَها وَزَوْجَها [٥] .
[سَرِيَّةُ زيد بْن حارثة إلى الطَّرف] [٦]
وفيها سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى الطّرف [٧] ، إلى بني ثعلبة في خمسة
стр. 912
عشر رجلا. فهربت الأعراب وخافوا، فأصاب من نَعَمِهم عشرين بعيرًا.
وغاب أربع ليالٍ [١] .
[سرية زيد بْن حارثة إلى العِيص] [٢]
وفيها كانت سرية زيد بْن حارثة إلى العيص [٣] ، فِي جُمَادى الأول، وأُخِذَت الأموال التي كانت مَعَ أَبِي العاص، فاستجار بزينب بِنْت رَسُول اللَّهِ ﷺ فأجارته [٤] .
[سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى حِسْمَى] [٥]
وحدثني موسى بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أقبل دِحْية الكلبي من عند قَيْصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كَانَ بحِسْمى [٦] ، فلقيَه ناسٌ من جُذام، فقطعوا عَلَيْهِ الطريق وسلبوه. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيدَ بْن حارثة إلى حِسْمى، وهي وراء وادي القُرَى وكانت في جمادى الآخرة [٧] .
стр. 913
[سَرِيَّةُ زيد إلى وادي القُرَى] [١]
ثُمَّ سَرِيَّةُ زيدٍ إلى وادي القُرَى [٢] فِي رجب [٣] .
[سَرِيَّةُ عليّ بْن أَبِي طَالِب إلى بني سعد بْن بَكْر بَفَدَكَ] [٤]
ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عبدَ اللَّهِ بْن جَعْفَر، عَنْ يعقوب بن عُتْبَة قَالَ: خرج عليّ ﵁ فِي مائةٍ إلى فَدَك إلى حيِّ من بني سعد بْن بَكْر. ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بلغه عَنْهُمْ أنّ لهم جَمْعًا يريدون أن يمدُّوا يهودَ خيبر. فسار إليهم اللّيل وكَمَنَ النّهار، وأصاب عيْنًا فأقرّ لَهُ أنّه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم عَلَى أن يجعلوا لهم تمر خيبر [٥] .
قَالَ الواقدي [٦] : وذلك فِي شعبان.
[سَرِيَّةُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل] [٧]
قَالَ الواقدي: وفيها سَرِيَّةُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل فِي شعبان. فقال لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أطاعوا فتزوّج ابنة ملكهم. فأسلم
يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [١] .
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: مِنْ عُكْلٍ، أَوْ عُرَيْنَةَ.
رَوَاهُ شُعبة، وَهَمَّام، وغيرهما، عَنْ قَتَادة فقال: من عُرَيْنَة، من غير شَكّ.
وكذلك قَالَ حُمَيْد، وثابت، وعبد العزيز بْن صُهَيْب، عَنْ أنس.
وقال زُهير: سِمَاك بْن حرب، عَنْ معاوية بْن قُرَّةَ، عَنْ أنس: إنَّ نَفَرًا من عُرَينة أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم- وهو البرسام [٢]- فقالوا: هذا الوجع قد وقع يَا رَسُولَ اللَّهِ، فلو أذِنْتَ لنا فرُحنا إلى الإِبل. قَالَ: فاخرجوا وكونوا فيها. فخرجوا، فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل. وجاء الآخر وقد جرح، قال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإِبل.
وعنده شُبَّان [٣] من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفًا [٤] يقتصّ أثرهم. فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وَسَمَرَ أعينهم.
أَخْرَجَهُ مُسْلِم [٥] . وقال أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قدم رَهْط من عُكْلَ فأسلموا فاجْتَوَوا المدينة، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أُتي بهم،
стр. 916
فأمر بمسامير فأُحميت لهم، فكواهم [١] وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يحسمهم [٢] وألقاهم فِي الْحَرَّةِ يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ [٣] .
إسلام أبي العاص مبسوطًا
أسلم أَبُو الْعَاصِ بْن الرَّبِيعِ بْن عَبْد العُزَّى بْن عَبْد شمس بن عبد مناف ابن قُصَيّ العَبْشَمي، خَتَنِ [٤] رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى ابنته زينب، أمّ أُمامة، فِي وسط سنة ستٍ. واسمه لقيط، قاله ابن مَعِين والفلّاس. وقال ابن سعد:
اسمه مِقْسَم [٥] وأمّه هالة بِنْت خُوَيْلِد خالة زوجته، فهما أبناء خالة. تزوّج بِهَا قبل المبعث، فولدت لَهُ عليًّا فمات طفلًا، وأُمامة التي صلّى النَّبِيّ ﷺ وهو حاملها وهي التي تزوّجها عليّ بعد موت خالتها فاطمة ﵂ وكان أَبُو العاص يُدْعَى جَرْوٌ البطْحاء، وأُسر يوم بدر، وكانت زينب بمكة.
قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير، عن أبيه، عن عائشة،
стр. 917
قَالَتْ: فَبَعَثَتْ فِي فِدَائِهِ بِمَالٍ مِنْهُ قِلَادَةٌ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِلَادَةَ رق لها وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لَهَا أَسيَرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فَافْعَلُوا» [١] . فَفَعَلُوا. فَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سرّا. وقال ابن إسحاق [٢] : فبعث رسول ﷺ زيد بن حارثة ورجلا [٥٦ ب] [من الأنصار] [٣] ، فقال: كونا ببطن يأجج [٤] حتى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ. وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ. قال: وكان أبو العاص من رجال قريش المعدودين مالا وأمانة وتجارة [٥] . وكان الإسلام قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْنَبَ، إِلا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ يونس، عَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ [٦] : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْر بْن حزم قَالَ: خرج أَبُو العاص تاجرًا إلى الشام، وكان رجلًا مأمونًا. فكانت معه بضائع لقريش. فأقبل فلقيته سريةٌ للنّبيّ ﷺ ، فاستاقوا عِيرَه وهرب. وقدِموا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بما أصابوا فقسمه بينهم. وأتى أَبُو العاص حتى دخل عَلَى زينب فاستجار بِهَا، وسألها أن تطلب لَهُ من رَسُول اللَّهِ ﷺ ردّ ماله عَلَيْهِ. فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ السَّريَّة فقال لهم: إنّ هذا الرجل منا حيث قد علمتم. وقد أصبتم لَهُ مالًا ولغيره ممن كَانَ معه، وهو فَيْءٌ، فإنْ رأيتم أن تردّوا عَلَيْهِ فافعلوا، وإنْ كرهتم فأنتم وحقّكم: قَالُوا: بل نردّه عليه. فردّوا
стр. 918
والله عَلَيْهِ ما أصابوا، حتى إنّ الرجل ليأتي بالشّنَّة، والرجل بالإِداوة [١] وبالجبل. ثُمَّ خرج حتى قدِم مكة، فأدّى إلى النّاس بضائعهم. حتى إذا فرغ قَالَ: يا معشر قريش، هَلْ بقي لأحدٍ منكم معي مال؟ قَالُوا: لا فجزاك الله خيرًا. فَقَالَ أما والله ما معنى أن أسلم قبل أن أقدِم عليكم إلّا تخوُّفًا أن تظنُّوا أَنّي إنّما أسلمت لأذهب بأموالكم. فإنّي أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله [٢] . وأما موسى بْن عُقْبة فذكر أنّ أموال أَبِي العاص إنّما أخذها أَبُو بَصير فِي الهدنة بعد هذا التاريخ.
وقال ابن نُمَيْر [٣] ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قَالَ قدِم أَبُو العاص من الشّام ومعه أموال المشركين. وقد أسلمت امرأته زينب وهاجَرَت. فقيل لَهُ: هَلْ لك أن تُسْلم وتأخذ هذه الأموال التي معك؟
فقال: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. وكفلت عَنْهُ امرأته أن يرجع فيؤديّ إلى كلّ ذي حقٍ حقَّه، فيرجع ويُسْلم. ففعل. وما فرَّق بينهما، يعني النَّبِيّ ﷺ [٤] .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ أَنْ خُذِي لِي أَمَانًا مِنْ أَبِيكِ. فَأَطْلَعَتْ رأسها من باب
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةِ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرْيَشٍ. وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ [١] قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ أَتَاهُ عَيْنُه الْخُزَاعِيُّ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
أَشِيرُوا عَلَيَّ. أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ؟
فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوتُورِينَ وَإِنْ لَجُّوا تكن عنقا [٢] قطعها [٥٨ أ] اللَّهُ. أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُ ورسوله أعلم، إنّما جئنا معتمرين ولم نجيء لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتَ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: فَرُوحُوا إِذًا [٣] . قَالَ الزُّهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : إن خَالِد بْن الوليد بالغميم فِي خيلٍ لقُرَيْش طليعةً فخذوا ذات اليمين. فو الله ما شعر بهم خَالِد حتى إذا هُمْ بقترة الجيش [٤] ، فانطلق يركض نذيرًا [٥] لقريش. وسار النَّبِيّ ﷺ حتى إذا كَانَ بالثنية [٦] التي يهبط عليهم منها بركتْ راحلتُه فقال النّاس: حَلْ حَلْ، فألحت، فقالوا: خلأت
стр. 925
القصواء خلأت القصواء [١] . قال: فرحوا إذًا [٢] قَالَ الزُّهري: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ما رَأَيْت أحدًا كَانَ أكثر مشاورة لأصحابه من رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ المِسْوَر ومروان فِي حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قَالَ النَّبِيّ ﷺ : إن خَالِد بْن الوليد بالغميم في خيل لقريش- رجع الحديث إلى موضعه- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا خَلأت القصواء وما ذاك لَهَا بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل [٣] » . ثُمَّ قَالَ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» . ثُمَّ زجرها فوَثَبَتْ بِهِ. قَالَ: فَعَدل حتى نزل بأقصى الحُدَيْبية عَلَى ثمد [٤] قليل الماء، إنّما يتبرّضه النّاس تبرُّضًا [٥] ، فلم يُلَبِّثْه النّاس أنْ نَزَحُوه، فشكوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ العطش. فانتزع سهمًا من كِنانته ثُمَّ أمرهم [أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا] [٦] عَنْهُ.
فبينما هُمْ كذلك إذ جاءه بُدَيْل بْن وَرْقاء الخُزَاعي فِي نفرٍ من خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْحٍ [٧] لرَسُول اللَّهِ ﷺ من أهل تِهَامة. فقال: إنّي تركت كعب ابن لُؤَيّ وعامر بْن لُؤَيّ نزلوا أعداد [٨] مياهِ الحديبيّة، معهم العوذ
стр. 926
المطافيل [١] ، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عَنِ البيت، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أنا لم نجيء لقتال أحدٍ ولكّنا جئنا معتمرين، وإنّ قُريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرَّتْ بهم فإنْ شاءوا مادَدْتُهُم مدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين النّاس [٢] ، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فِيهِ النّاس فعلوا، وإلّا فقد جَمُّوا [٣] ، وإنْ هم أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقاتلّنهم عَلَى أمري هذا حتى تنفرد سالفتي [٤] أو ليُنْفِذَنَّ الله أمْرَه. فقال بُدَيْلٌ: سأبلّغهم ما تَقُولُ. فانطلق حتى أتى قُرَيْشًا فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يَقْولُ قولًا، فإنْ شئتم نعرضه عليكم فعلْنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا فِي أن تحدّثنا عَنْهُ بشيء. وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سَمِعْتُهُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْولُ كذا وكذا. فحدّثهم بما قَالَ النَّبِيّ ﷺ . فقام عُرْوة بْن مَسْعُود الثَّقَفي فقال: أي قوم أَلَسْتُم بالوالد؟ قالوا:
بلى. قال: ألست بالولد؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: هَلْ تتّهموني؟ قَالُوا: لا.
قَالَ: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ فلما بلّحوا عليّ [٥] [٥٧ ب] جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: فإنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ ، فقال نحوًا من قوله لبُدَيْلٍ. فقال: أي مُحَمَّد أرأيت إنْ استأصلت قومَك هَلْ سَمِعْتُ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى
стр. 927
فو الله إني لأرى وجوهًا وأرى أَوْباشا [١] من النّاس خلقا أن يفرّوا وَيَدعوك.
فقال لَهُ أَبُو بَكْر ﵁: أَمْصَصْ بَظْرَ الّلات [٢] . أنحن نفرّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ قَالَ: من ذا؟ قَالَ أَبُو بَكْر. قَالَ: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجْزِك بِهَا لأجَبْتُك. قَالَ: وجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ ، كلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بْن شُعبة قائمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ السيف وعليه المغفر، فكلّما أهوى عُرْوة إلى لحية النَّبِيّ ﷺ ، ضرب يده بنَعْل السّيف وقال: أخِّرْ يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قَالُوا: المغيره بْن شُعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى فِي غدرتك؟ قَالَ: وكان المغيرة صحب قومًا فِي الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثُمَّ جاء فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : أمّا الإِسلام فأقْبَل، وأما المال فلستُ منه فِي شيء [٣] . ثُمَّ إنّ عُرْوة جعل يَرْمُق صحابة النَّبِيّ ﷺ ، فو الله ما تَنَخَّم رَسُول اللَّهِ ﷺ نُخامةً إلّا وقعت فِي كفّ رجلٍ منهم يدلك بِهَا وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون عَلَى وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون [٤] إِلَيْهِ النَّظَرَ تعظيمًا لَهُ. فرجع عُرْوة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وَفَدتُ عَلَى قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشيّ، والله إنْ رَأَيْت ملكًا قطّ يعظّمه أصحابُه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا [٥] . والله إنْ تنخّم نُخامةً إلّا وقعت فِي كفّ رجلٍ منهم فدلك بِهَا وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على
стр. 928
وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدُّون إِلَيْهِ النّظر تعظيمًا له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رُشدٍ فاقبلوها [١] . فقال رَجُل من بني كِنانة:
دعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلمّا أشرف عَلَى النَّبِيّ ﷺ وأصحابه، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : هذا فلان وهو من قومٍ يعظِّمون البُدْن [٢] ، فابعثوها لَهُ. فبُعِثَت لَهُ. واستقبله القوم يلبُّون. فلما رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عَنِ البيت [٣] ، فلما رجع إلى أصحابه قَالَ: رَأَيْت البُدْنَ قد قُلِّدت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عَنِ البيت. فقام رَجُل منهم يقال لَهُ مِكْرَز بْن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قَالَ النَّبِيّ ﷺ الله [٤٩ أ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا مِكْرَز وهو رجلٌ فاجر. فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ . فبينا هُوَ يكلّمه إذ جاء سُهَيْل بْن عَمْرو. قَالَ مَعمَر: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ [٤] . قَالَ الزُّهري فِي حديثه: فجاء سُهَيْلُ بْن عَمْرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتبَ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «أكتُبْ بسم الله الرَّحْمَن الرحيم» . فقال سهيل: أمّا الرحمن فو الله ما أدرى ما هُوَ، ولكن اكتب [باسمك اللَّهمّ] [٥] كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرَّحْمَن الرحيم. فقال النَّبِيّ ﷺ : «اكتب باسمك الّلهمّ» ثُمَّ قَالَ:
«هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ محمدٌ رَسُول اللَّهِ» . فقال سُهَيْل: والله لو كنّا نعلم أنّك رَسُول اللَّهِ ما صدَدْناك عَنِ البيت ولا قاتَلْناك، ولكنْ أكتب محمد بن
стр. 929
عَبْد الله. فقال النَّبِيّ ﷺ : إنّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كذَّبْتُموني، أكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الله.
قَالَ الزُّهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ : عَلَى أنْ تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال:
والله لا تتحدث العرب أنّا أُخِذْنا ضغطة [١] ، ولكن ذَلِكَ من العام المقبل.
فكتب. فقال سُهَيْل: عَلَى أنّه لا يأتيك منّا رَجُل وإنْ كَانَ عَلَى دينك إلّا رَدَدْتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هُمْ كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو [يوسف] [٢] فِي قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظْهُر المسلمين. فقال سُهَيْل: وهذا أول ما أقاضيك عَلَيْهِ أن تردّه. فقال النَّبِيّ ﷺ : إنّا لم نقض الكتاب بعد. قال: فو الله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النّبيّ ﷺ :
فأجره لي. قَالَ: ما أَنَا بمُجِيره لك. قَالَ: بلى، فافعل قَالَ: ما انا بفاعل.
قَالَ مِكْرَز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أردُّ إلى المشركين وقد جئت مُسلِمًا، ألا تَرَوْن ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا فِي الله.
فقال عُمَر: والله ما شَكَكْتُ منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ [٣] ، فأتيت النَّبِيّ، ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألستَ نبيَّ الله؟ قَالَ: «بلى» قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قَالَ: «بلى» قلت: فلم نُعْطي الدَّنِيَّة فِي ديننا إذًا؟ قَالَ: «إنّي رَسُول اللَّهِ ولست أعصيه وهو ناصري» . قلت: أو لست
стр. 930
كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيتَ فنطوف حقًّا؟ قال: «بلى، أفأخبرتك [١] أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قَالَ: فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ. قَالَ: فأتيت أَبَا بَكْر فقلت: يا أَبَا بَكْر أليس هذا نبيّ الله حقًا؟ قَالَ: بلى. قلت: أَلَسنا عَلَى الحقّ وعدوّنا عَلَى الباطل؟ قَالَ: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرجل إنّه رَسُول اللَّهِ وليس يعصي الله [٥٩ ب] وهو ناصره، فاستمسك بغرزه [٢] حتى تموت. فو الله إنّه لَعَلَى الحقّ. قلت: أَوَ لَيْسَ كَانَ يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قَالَ: بلى فأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قَالَ: فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ [٣] .
قَالَ: الزّهري. قال عمر: فعملت ملك أعمالًا.
فلما فرغ من قضيّة الكتاب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فو الله ما قام منهم رجلٌ حتى قَالَ ثلاث مرّات. فلما لم يقم منهم [أحد] [٤] ، قام فدخل عَلَى أَم سَلَمَةَ فذكر لَهَا ما لقي من النّاس. فقالت: يا نبيّ الله أتحبّ ذَلِكَ؟ خرج ثُمَّ لا تكلّم أحدًا كلمةً حتى تنحر بُدْنك، ثُمَّ تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلّم أحدًا حتى فعل ذَلِكَ. فلما رأوا ذَلِكَ قاموا فنحروا وجعل بعضُهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا. ثُمَّ جاء نسوةٌ مؤمنات، وأنزل الله: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ٦٠: ١٠ حتى بلغ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ ٦٠: ١٠
стр. 931
الْكَوافِرِ ٦٠: ١٠ [١] . فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانت لَهُ فِي الشِّرْك، فتزوّج إحداهما معاويةُ، والأخرى صَفْوان بْن أُمّية [٢] .
ثُمَّ رجع رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى المدينة، فجاءه أَبُو بصير [٣] ، رجلٌ من قريش، وهو مُسْلِم، فأرسلوا فِي طلبه رجلين فقالوا: العهد الَّذِي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا بِهِ حتى بلغا بِهِ ذا الحُلَيْفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم. فقال أَبُو بصير لأحد الرَّجلين. والله إنّي لأرَى سيفك هذا جيّدًا حَدًّا. فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل [٤] ، والله إنّه لجيّد، لقد جرَّبتُ بِهِ ثُمَّ جرَّبت. فقال أَبُو بصير: أرني إِلَيْهِ. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد. وفرّ الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنّبيّ ﷺ : قُتل والله صاحبي وإنّي لَمَقْتُول. قَالَ: فجاء أَبُو بَصِير فقال: يا نبيّ الله قد أوفى [الله] [٥] ذمَّتك، والله قد رَدَدْتني إليهم ثُمَّ أنجاني الله بسيفهم. فقال النَّبِيّ ﷺ :
«ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ [٦] لو كَانَ لَهُ أحد» . فلما سَمِعَ ذَلِكَ عرف أَنَّهُ سيردّه إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت [٧] منهم أَبُو جَنْدَل بْن سُهَيْل فلحق بابي بصير، فلا يخرج من قريش رَجُل قد أسلم إلّا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.
стр. 932
قال: فو الله لا يسمعون بعيرٍ لقريش خرجت [١] إلى الشام إلّا اعترضوا لَهَا فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشدُه الله [٢] والرَّحِم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النَّبِيّ ﷺ إليهم فأنزل: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ٤٨: ٢٤ حتى بلغ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ٤٨: ٢٦ [٣] . وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقرُّوا بنبيّ الله ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرَّحْمَن الرحيم، وحالوا بينهم وبين الموت. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، عَنِ الْمُسْنِدِي، عَنْ عَبْد الرزّاق، عَنْ مَعْمَر، بطُوله [٤] .
وَقَالَ قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله [٦٠ أ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ، ثِنَّيةَ الْمُرَارِ [٥] ، فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ. ثُمَّ تَبَادَرَ النَّاسُ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ. فَقُلْنَا:
تعالى يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ. وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ [٧] عُبَيْدُ [٨] اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كان فتح مكة فتحا، ونحن نعدّ