← История

История · id 12397

تاريخ الإسلام - ت تدمري

شمس الدين الذهبي

Полный текст (24 229 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

[وزارة ابنِ وهب] ثُمَّ هرب الْحَسَن إِلَى بغداد خوفًا من مُوسَى بْن بُغا. فاستوزر سُلَيْمَان بْن وهْب [١] . [إخراج ابنُ طاهر من نيسابور] وفيها غلب [أخو] شركُب على نيسابور وأخرج عَنْهَا الْحُسَيْن بْن طاهر [٢] . [انتصار المسلمين بالأندلس] وفيها كَانَتْ ملحمة كبيرة بالأندلس، نصر الله فيها الإسلام، واستشهد طائفة [٣] .

стр. 9907

سنة أربعٍ وستّين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وهْب، وأحمد بْن يوسف السُّلَميّ، وأبو إِبْرَاهِيم المُرّيّ، والحافظ أبو زُرْعة الرّازيّ، ويونس بْن عَبْد الأعلى. [وفاة مُوسَى بْن بُغا] وَفِي المُحرَّم خرج أبو أَحْمَد الموفق، ومعه مُوسَى بْن بُغا إِلَى قُتِلَ الزَّنْج. فَلَمَّا نزلا بغداد مات مُوسَى وحُمِل إِلَى سامُرّاء، فَدُفِن بها [١] . [وفاة قبيحة أمِّ المعتزّ] وَفِي ربيع الأوّل تُوُفيّت قبيحة أمُّ المعتز باللَّه بسامُرّاء، وكان المعتمد قد أعادها إليها من مكّة وأكرمها [٢] . [أسر الروم لعبد الله بْن رشيد بْن كاوس] وفيها أسرت الروم عَبْد الله بْن رشيد بْن كاوس، وكان قد دخل الروم فِي أربعة آلاف، فأوغلَ فيها وأسرَ وغنِم ورجع، فلمّا نزل البذندون أقام به ثمّ

стр. 9908

رحل. وتَبِعَتْه البطارقة من كلّ صَوْب وأحْدَقوا به، فنزل جماعة من المسلمين فعرقبوا دوابّهم وقاتلوا إلّا خمسمائة من المسلمين انهزموا، وأُسِر عَبْد الله بعد ما جُرِح جراحات [١] . [الوقعة بين محمد المولدّ والزنّج] وفيها ولي واسطًا محمد المولّد، فحاربته الزَّنْج، فهزمهم محمد، ثُمَّ غلبت الزَّنْج ودخلت واسطًا، فهرب أهلُها حُفاةً عراةً، ونهبها الزَّنْج وأحرقوها [٢] . [غضب المعتمد على الوزير ابنِ وهْب] وفيها غضب المعتمد على الوزير سُلَيْمَان بْن وهْب وقيّده وانتهب أمواله، واستوزر الْحَسَن بْن مَخْلَد [٣] . [عصيان الموفّق] وفيها أظهر أبو أَحْمَد الموفَّق العصيان، فشخَصَ من بغداد ومعه عَبْد الله بْن سُلَيْمَان بْن وهْب، فَلَمَّا قَرُب من سامُرّاء، تحوّل المعتمد إِلَى الجانب الغربيّ، فعسكر به. فنزل أَحْمَد بظاهر سامُراء، ثُمَّ تراسلا واصطلحا فِي آخر السنة، وأطلق سُلَيْمَان بْن وهبْ، وهرب الْحَسَن بْن مَخْلد، وأحمد بْن صالح بْن شيرزاد [٤] . [محنة الصُّوفيّة] وفيها كانت المحنة على الصّوفيّة بغلام خليل.

стр. 9909

سنة خمسٍ وستّين تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن مَنْصُورٌ الرّماديّ، وإبراهيم بْن الْحَارِث البغداديّ، وإبراهيم بْن هانئ النَّيْسابوريّ، وسَعْدان بْن نصر، وصالح بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد بْن أيّوب المُخَرّميّ، وعليّ بْن حرب الطائيّ، وأبو حَفْص النَّيسابوريّ الزّاهد عَمْرو بْن سَلْم، ومحمد بْن الحَسَن العسْكريّ من الأثني عشر، ومحمد بن هارون الفلّاس، وهارون بْن سُلَيْمَان الإصبهانيّ. [إيقاع ابنِ طولون بسيما الطويل فِي أنطاكية] وفيها خرج أَحْمَد بْن طولون أمير مصر إِلَى الشّام، فحصَر سيما الطّويل بأنطاكيّة إلى أن افتتحها وقتل سيما [١] .

стр. 9910

[التحاق المولدّ بابن الصّفّار] وفيها خامر محمد المولّد ولِحق بيعقوب بْن اللَّيْث وصار من خواصّه [١] . [القبض على سُلَيْمَان بْن وهب وابنه] وفيها قبض المعتمد على سُلَيْمَان بْن وهْب وابنه عُبَيْد الله واصطفى أموالهما، ثُمَّ صُولحا على تسعمائة ألف دينار [٢] . [وزارة ابنِ بُلْبُل] واستوزر إِسْمَاعِيل بْن بُلْبُل [٣] . [وفاة يعقوب بْن اللَّيْث] وفيها مات يعقوب بْن اللَّيْث الصّفّار المتغلّب على خُراسان، وغيرها. تُوُفيّ بالأهواز، فخلفه أخوه عَمْرو بْن اللَّيْث، ودخل فِي الطاعة [٤] . [إطلاق ملك الروم لعبد الله بْن كاوس] وفيها بعث ملك [الروم] بعبد الله بْن كاوس الَّذِي كان عامل الثغور فأسروه، مع عدّة مصاحف كانوا أخذوها من أَهْل أَذَنَة، إِلَى أحمد بْن طولون [٥] . [عصيان الْعَبَّاس على أَبِيهِ أَحْمَد بْن طولون] ولما خرج أَحْمَد بْن طولون إِلَى الشّام قام ابنه الْعَبَّاس وجماعة من أمرائه فأخذ أموال أَبِيهِ وحَشَمه، وتوجّه نحو برقة إلى إفريقية، فنهب وفتك، فانتدب

стр. 9911

لحربه إلياس بْن مَنْصُورٌ النقرشيّ رأس الإباضيّة فِي اثني عشر ألفًا، وبعث صاحب إفريقية إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد بن الأغلب جيشًا كثيفًا مع مولاه، فأطبق الجيشان على الْعَبَّاس فباشر الحرب بنفسه، وقُتِلت صناديده، ونُهِبَت خزائنه، وعاد إِلَى بَرْقَةَ. فبعث أَبُوهُ جيشًا فأسروه، وحملوه إِلَى أَبِيهِ، فقيَّده وحبسه، وقتل جماعة ممّن كان حسَّن له العصْيان [١] . [دخول الزَّنْج النُّعمانيّة] وفيها دخلت الزَّنْج النُّعمانيّة، فأحرقوا وسبوا وقتلوا [٢] . [استنابة الموفّق لعمرو بْن اللَّيْث على الولايات] وفيها استناب الموفّق عَمْرو بْن اللَّيْث على خُراسان، وكَرْمان، وفارس، وبغداد، وإصبهان، والسِّنْد، وسِجِسْتان، وبعث إليه بالتّقليد والخِلَع العظيمة [٣] . وَقِيلَ: إنّ تَرِكَةَ أَخِيهِ يعقوب بْن اللَّيْث بلغت ألف ألف دينار [٤] وخمسين ألف ألف درهم [٥] . ونُقل فَدُفِن بجُنْدَيْسابور وكُتِب على قبره: هَذَا قبر المسكين. وتحته: أحسَنْتَ ظنَّك بالأيّام إذ حَسُنَتْ ... ولم تَخَفْ سُوء ما يأتي به القَدَر فسالمَتْك اللّيالي فاغْتَرَرْت بها ... وعند صَفْوِ اللَّيَالِي يحدُثُ الكدر.

стр. 9912

ومن سنة ستٍّ وستّين فيها تُوُفيّ: إِبْرَاهِيم بْن أُورَمَة الحافظ، وصالح بْن أَحْمَد بْن حنبل بخُلْف، وهذا أصّح، ومحمد بْن شجاع الثلْجيّ الفقيه، ومحمد بْن عَبْد الملك الدّقيقيّ، وأبو السّاج الأمير. [نيابة عُبَيْد الله بْن طاهر على شرطة بغداد] وفيها كتب عَمْرو بْن اللَّيْث الصّفّار إِلَى عُبَيْد الله بْن عَبْد الله بن طاهر بأن يكون نائبه على شرطة بغداد [١] . [وصول الروم إِلَى ديار ربيعة] وفيها وصلت عساكر الروم إِلَى ديار ربيعة، فقتلت جماعة من المسلمين، وهرب أَهْل الجزيرة والمَوْصِل [٢] . [استعمال ابنِ أبي الساج على الحَرَمَيْن] وفيها استعمل الموفّق على الحَرَمَيْن محمد بْن أبي السّاج [٣] .

стр. 9913

[وقعة الزَّنْج بعسكر الخليفة] وفيها كَانَتْ وقعة بين الزَّنْج وعسكر الخليفة، وظهرت الزَّنْج، لعنهم الله [١] . [مقتل الكرخي أمير حمص] وفيها قتل أَهْل حمص أميرهم الكرْخيّ [٢] . [دعوة الحسن الأصغر لنفسه] وفيها دعا [٣] الْحَسَن بْن محمد بْن جَعْفَر الأصغر أَهْل طَبَرِسْتان إِلَى نفسه [٤] . [هزيمة الْحَسَن بْن زَيْدٍ] وفيها سار أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ إِلَى الْحَسَن بْن زَيْدُ، فهزمه أَحْمَد [٥] . [مقتل ابنِ الأصغر] ثُمَّ سار الْحَسَن بْن زَيْدُ إِلَى الْحَسَن بن الأصغر، واحتال عليه حَتَّى قتله [٦] . [الحرب بين الخُجُسْتانيّ وابن اللَّيْث] وفيها حارب أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ عَمْرو بن اللَّيْث، وظهر على عَمْرو، ودخل نَيْسابور، وقتل جماعة ممّن كان يميل إلى عمرو [٧] .

стр. 9914

[انتهاب الأعراب كسوة الكعبة] وفيها وثبت الأعراب على كُسْوَة الكعبة فانتهبوها، وأصاب الوفد شدّة منهم [١] . [دخول الزَّنْج رامهُرْمُز] وفيها دخلت الزَّنْج رامهُرْمُز، فاستباحوها قتْلًا وَسَبْيًا [٢] ، فلا قوّة إلّا باللَّه.

стр. 9915

ومن سنة سبْعٍ وستّين فيها تُوُفيّ: إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الله السَّعْديّ، وإسماعيل بن عَبْد الله سَمّوَيْه، وإسحاق بْن إِبْرَاهِيم الفارسيّ شاذان، وبحر بن نصر الخولانيّ، وعبّاس الربعيّ، ومحمد بْن عزيز الَأيْليّ، ويحيى بْن الذُّهْليّ، ويونس بْن حبيب الإصبهانيّ. [وقْعة الزَّنْج] وفيها دخلت الزَّنْج واسطًا، فاستباحوها وأحرقوا فيها، فجهّز الموفّق ابنه أبا الْعَبَّاس فِي جيشٍ عظيم، فكان بينه وبين الزَّنْج وقْعة فِي المراكب فِي الماء، فهزمهم أبو الْعَبَّاس، وقتَل فيهم وأسر وغرَّق سُفُنَهم، وكان ذلك أوَّل النّصر. فنزل أبو الْعَبَّاس واسطًا. واجتمع قوّاد الخبيث صاحب الزَّنْج سُلَيْمَان بْن مُوسَى الشّعْرانيّ، وعليّ بْن أبان، وسليمان بْن جامع، وحشدوا وأقبلوا، فالتقاهم أبو الْعَبَّاس، فهزمهم وفرَّقهم، ثُمَّ واقَعَهم بعد ذلك، فهزمهم أيضًا ومزَّقهم. ثُمَّ دامت مُصابَرَة القتال بينهم شهرين، ثُمَّ قذف الله الرُّعْبَ فِي قلوب الزَّنْج من أبي العبّاس وهابوه.

стр. 9916

وتحصّن سُلَيْمَان بْن جامع بمكان، وتحصّن الشّعْرانيّ بمكانٍ آخر. فسار أبو الْعَبَّاس وحاصر الشّعْرانيّ، وجَرَت بينهم حروب صعْبة، إِلَى أن انهزمت الزَّنْج، ورجع أبو الْعَبَّاس بجيوشه سالمًا غانمًا. وكان أكثر قتالهم فِي المراكب والسّماريّات، وغرق من الزَّنْج خلْق سوى من قُتِلَ وأُسِر. ثُمَّ سار الموفَّق من بغداد فِي جيشه فِي السُّفُن والسّماريّات فِي هيئةٍ لم يُرَ مثلها إِلَى واسط. فتلّقاه ولده أبو الْعَبَّاس، ثُمَّ سارا إِلَى قتال الزَّنْج ليستأصلوهم، فواقعهم، فانهزم الزَّنْج واستُنْقِذ منهم من المسلمات نحو خمسة آلاف امْرَأَة [١] ، وهُدِمت مدينة الشَّعْرانيّ [٢] [فهرب] [٣] فِي نفرٍ يسير مسلوبًا من الأهل والمال، وَوَصَلَ إِلَى المذار، فكتب إِلَى الخبيث سلطان الزَّنْج بما جرى، فتردَّد الخبيث إِلَى الخلاء مرارًا فِي ساعة، ورجف قوّاده وتقطّعت كبدُه، وأيقن بالهلاك. ثُمَّ إنّ الموفَّق سَأَلَ عن أصحاب الخبيث، فَقِيلَ له: مُعْظَمهُم مع سُلَيْمَان بْن جامع فِي بلد طَهِيثا [٤] ، فسار الموفَّق إليها، وزحف عليها بجنوده، فالتقاه سُلَيْمَان بْن جامع وأحمد بْن مهديّ الْجُبائيّ فِي جموع الزَّنْج، ورتّب الكُمَنَاء واستحرَّ القتال، فرمى أبو الْعَبَّاس بْن الموفق لأحمد بْن مهديّ بسهمٍ فِي وجهه هلك منه بعد أيامٍ. وكان أبو الْعَبَّاس راميًا مذكورًا [٥] . ثُمَّ أصبح الموفَّق على القتال، وصلّى وابتهل إِلَى الله بالدّعاء، وزحف على البَلْدَة، وكان عليه خمسة أسوار، فَمَا كَانَتْ إلّا ساعة وانهزمت الزَّنْج، وعمل فيهم السّيف، وغرق أكثرهم. وهرب سُلَيْمَان بْن جامع [٦] . واستنقذ الموفَّق من طَهِيثا نحو عشرة آلاف [٧] أسير، فسيّرهنّ إلى واسط،

стр. 9917

وأخذ من المدينة تُحَفًا وأموالًا، بحيث استغنى عسكره، وأقام بها الموفَّق أيّامًا ثُمَّ هدَمها [١] . [مسير الموفَّق إِلَى الأهواز] وكان المهلَّبي مقيمًا بالأهواز فِي ثلاثين ألف من الزَّنْج، فسار إليها الموفَّق، فانهزم المهلَّبي وتفرَّق جَمْعُه، وانهزم بَهْبُوذ [٢] الزَّنْجي، وبعثوا يطلبون الأمان، لأنه كان قد ظفر بطائفةٍ كبيرة من أصحاب الخبيث وهو بنهر أبي الخصيب [٣] . [تمهيد الموفَّق للبلاد] ثُمَّ سار الموفَّق إِلَى جُنْدَيْسابور ثُمَّ إِلَى تُسْتَر فنزلَها، وأنفق فِي الْجُنْد والموالي، ثُمَّ رحل إِلَى عسكر مُكْرَم ومهّد البلاد، ثُمَّ رجع وبعث ابنه أَبَا الْعَبَّاس إِلَى نهر أبي الخصيب لقتال الخبيث. فبعث إليه الخبيث سُفُنًا، فاقتتلوا، فهزمهم أبو الْعَبَّاس، واستأمن إليه القائد مُنْتاب الزَّنْجيّ، فأحسنَ إليه [٤] . [موقعة المختارة] وكتب الموفَّق كتابًا إِلَى الخبيث يدعوه إِلَى التوبة إِلَى الله والإنابة إليه ممّا فعل من سَفْك الدّماء وسبي الحريم وانْتِحال النُّبُوَّة والوحي، فَمَا زاده الكتاب إلّا تجبرًا وعُتُوًّا. وَقِيلَ: إنه قَتَلَ الرَّسُول، فسار الموفَّق فِي جيوشه إِلَى مدينة الخبيث بنهر أبي الخّصِيب، فأشرف عليها، وكان قد سمّاها «المختارة» ، فتأمّلها الموفَّق ورأى حصانتها وأسوارها وخنادقها، فرأى شيئًا لم ير مثله، ورأى من كثرة المقاتلة ما استعظمه، ورفعوا أصواتهم، فارتجّت الأرض، فرشقهم ابنه أبو الْعَبَّاس بالنّشّاب، فرموه رميةً واحدة بالمجانيق والمقاليع والنّشّاب، فأذهلوا الموفَّق،

стр. 9918

فرجع عَنْهُمْ، وثبت أبو الْعَبَّاس. واستأمنَ جماعة من أصحاب الخبيث إِلَى أبي الْعَبَّاس فأحسن إليهم، ثُمَّ استأمن منهم بشرٌ كثير، فخلع على مقدَّمهم [١] . فَلَمَّا كان فِي اليوم الثّاني جهّز الخبيث بَهْبُوذ فِي السماريّات، فالتقاه أبو الْعَبَّاس، فاقتتلوا، فأصاب بهبوذ طعنتان ونشّاب، فهرب إِلَى الخبيث، ورجع أبو أَحْمَد إِلَى معسكره بنهر الْمُبَارَك ومعه خلق قد استأمنوا [٢] . فَلَمَّا كان في شعبان برز الخبيث في ثلاثمائة ألف فارس وراجل، فركب الموفَّق فِي خمسين ألفًا، وكان بينهم النَّهر، فنادى الموفَّق بالأمان لأصحاب الخبيث، فاستأمن إليه خلق كثير، ثُمَّ انفصل الجمعان عن غير قتال [٣] . [بناء الموفقيّة] ثُمَّ بنى الموفق مدينة بإزاء مدينة الخبيث على دجلة وسمّاها الموفَّقيّة، وجمع عليها خلائق من الصُّنّاع، وبنى بها الجامع والأسواق والدُّور، واستوطنها النّاس للمعاش [٤] . وكان عدد من استأمن فِي شهرين خمسين ألفًا من جيش الخبيث، ما بين أبيض وأسود [٥] . [الوقعة بين أبي الْعَبَّاس والخبيث] وَفِي شوّال كَانَت الوقعة بين أبي الْعَبَّاس والخبيث، قُتِلَ منهم خلْق كثير. وذلك لأن الخبيث انتخب من قوّاده خمسة آلاف، وأمرهم أن يعدّوا فيتبيّنوا عسكر الموفَّق، فَلَمَّا عبروا بلغ الموفَّق الخبر من ملّاح، فأمر ابنه بالنّهوض إليهم، فَنُصِر عليهم وصلبهم على السّفن، ورمى برءوس القتلى في المناجيق

стр. 9919

إِلَى مدينة الخبيث، فذُلّوا [١] . [اقتحام الموفق مدينة الخبيث] وَفِي ذي الحجة عبر الموفَّق بجيوشه إِلَى مدينة الخبيث، وكان الزَّنْج قبل ذلك قد ظهروا على أبي الْعَبَّاس، وقتلوا من أصحابه جماعة، فدخل الموفَّق بجميع جيوشه ودار حول المدينة، والزَّنْج يَرمونهم بالمجانيق وغيرها. فنصَبَ المسلمون السّلالم على السّور وطلعوا ونصبوا أعلام الموفَّق، فانهزم الزَّنْج، وملك أصحاب الموفَّق السّور، فأحرقوا المجانيق والسّتائر [٢] . وجاء أبو الْعَبَّاس من مكانٍ آخر، فاقتحم الخنادق، وثَلَم السُّور ثُلْمةً اتّسع منها الدّخول. وانهزم الخبيث وأصحابه، وجُنْدُ الموفَّق يتبعونهم إِلَى اللّيل. ثُمَّ عاد الخبيث إِلَى المدينة، وعدّى الموفَّق إِلَى عسكره، وتراجع أصحاب الخبيث، واستأمن إِلَى الموفَّق خلْق من قوّاده وفُرسانه. ثُمَّ رمّم الخبيث ما كان وَهَى من الأسوار والخنادق [٣] . [استيلاء الخُجُسْتانيّ على الولايات وضربه السكّة] وفيها استولى أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ على خُراسان، وكرْمان، وسِجِسْتان، وعزم على قصْد العراق، وضربَ السِّكّة باسمه، وعادَ على الوجه الآخر اسم المعتمد [٤] . [حبْس ابنُ المدبّر ومصادرته] وفيها حبس أَحْمَد بْن طولون أَحْمَد بْن المدبّر الكاتب وصادره، وأخذ منه ستّمائة ألف دينار. وكان يتولى خراج دمشق [٥] .

стр. 9920

ومن سنة ثمانْ وستّين ومائتين فيها تُوُفيّ: أبو الْحَسَن أَحْمَد بْن سيّار المَرْوَزِيّ، وأحمد بْن شَيْبَان الرمليّ، وأحمد بْن يُونُس الضَّبّيّ الإصبهانيّ، وعيسى بْن أَحْمَد العسقلانيّ البلخيّ، والفضل بْن عَبْد الجبّار المَرْوَزِيّ، ومحمد بْن عَبْد الله بن عبد الحَكَم الفقيه. [استئمان جَعْفَر بْن إِبْرَاهِيم للموفقّ] وَفِي المُحرّم استأمن إِلَى الموفَّق جَعْفَر بْن إِبْرَاهِيم السّجَان [١] ، وكان صاحب أسرار الخبيث وأحد خواصه، فخلع عليه الموفَّق وأعطاه مالًا كثيرًا، وأمر بحمله إِلَى قريب مدينة الخبيث. فَلَمَّا حاذى قصر الخبيث صاح: ويْحكم إِلَى مَتَى تصبرون على هَذَا الخبيث الكذّاب. وحدثهم بما اطَّلع عليه من كِذبه وفجوره، فاستأمن فِي ذلك اليوم خلْق كثير منهم. وتتابع النّاس فِي الخروج من عند الخبيث [٢] . [دخول جُند الموفَّق مدينة الزَّنْج] وَفِي ربيع الآخر زحف الموفَّق على مدينة الخبيث، وَهدم مِن السّور أماكن، ودخل الْجُنْد من كلّ ناحية واغترّوا، فخرج عليهم أصحاب الخبيث،

стр. 9921

فتحيَّروا فِي الخروج، وبعض النّاس طلب الشّطّ فغرقوا [١] . ورد الموفَّق إِلَى مدينة الموفّقيّة، وقد أُصيب أصحابه. ثُمَّ ضيّق على الخبيث، وقطع عَنْهُ الميرة، فضاق بأصحابه الأمر حَتَّى أكلوا لحوم الكلاب والموتى، وهرب خلْق، فسألهم الموفَّق، فقالوا له: لنا سنة ما أكلنا الخبز [٢] . [مقتل بَهْبُوذ] فَلَمَّا كان رجب قُتِلَ بَهْبُوذ، وكان أكبر قوّاد الخبيث [٣] . [دخول ابنِ حَوْشب اليمن] فِي هَذَا العام دخل أبو القاسم الْحَسَن بْن فرح بْن حَوْشب اليمن داعيًا من قبل عُبَيْد الله الَّذِي ملك المغرب، وتسمّى بالمهديّ [٤] . [عصيان لؤلؤ لابن طولون] وفيها عصى لؤلؤ مَوْلَى أَحْمَد بْن طولون وخامر على أستاذه، فنهب بالِس فِي الرَّقَّةِ وقَرْقِيسيا، وسار إِلَى العراق [٥] . [قَتْلُ ابْنِ صاحب الزَّنْج] وبلغ الخبيث أنّ ابنه يريد الهروب إِلَى الموفَّق فقتله [٦] . [قَتْلُ الخُجُسْتانيّ] وفيها قُتِلَ أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ الخارج بخراسان، قتله غلمان

стр. 9922

له فِي آخر السنة [١] . [غزوة خَلَف التركيّ ثغور الروم] وفيها غزا خلف التُّرْكيّ نائب أَحْمَد بْن طولون على ثغور الشّام، فقتل من الروم بضعة عشر ألفًا وغنِم، فبلغ السّهم أربعين دينارا [٢] .

стр. 9923

ومن سنة تسعٍ وستّين ومائتين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن عَبْد الحميد الحارثيّ، وحُذَيْفة بْن غِياث، وإبراهيم بْن منقذ الخَوْلانيّ، وعبد الله بْن حمّاد الآمُليّ، ومحمد بْن إِبْرَاهِيم، أبو حَمْزَةَ الصُّوفيّ، وأبو فَروة يزيد بْن محمد بْن يزيد بْن سِنان. [كسوف الشمس والقمر] وَفِي المحرّم انكسفت الشمس والقمر [١] . [غارة الأعراب على الحجّاج] وفيها قطعت الأعراب الطريق على الحجّاج، فأخذت خمسمائة جمل بأحمالها [٢] . [وثوب خَلَف الفرغاني على يازمان الخادم] وفيها وثب خلف الفرغانيّ على يازمان خادم الفتح بْن خاقان، فحبسه بالثّغْر فوثب أَهْل الثّغر فخلَّصوه، وَهَمُّوا بقتل خَلَف، فهرب إلى دمشق، ولعنوا

стр. 9924

ابْنَ طولون على منابر الثَّغر، فسار أَحْمَد بْن طولون من مصر حَتَّى نزل أَذَنَةَ، وقد تحصّن بها يازمان الخادم، وفعل ذلك أَهْل طَرَسُوس، فأقام ابنُ طولون مدّة على أَذَنَة، فلم يظفْر بها بطائل، فعاد إِلَى دمشق [١] . [أَخْذُ لؤلؤ قرقيسيا من العُقَيليّ] وفيها افتتح لؤلؤ قرقيسيا عنوة، أخذها من ابن صفوان العقيلي، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق [٢] . [دخول الموفق مدينة صاحب الزنج] وفيها دخل الموفَّق مدينة الخبيث عَنْوَة. وكان الخبيث عند قُتِلَ بَهْبُوذ أَخَذَ تَرِكَتَه وأمواله، وضربَ أقاربه بالسِّياط، ففسدت نيّات خواصّه لذلك، فعبر الموفَّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بَهْبُوذ، فأحسنَ إليهم، ثُمَّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد، وقصدَ الدّار الّتي سماها الخبيث جامعًا، فقاتل أصحابه دونه أشدّ قتالٍ حَتَّى قُتِلَ منهم خلق، ثُمَّ هدم أصحاب الموفَّق فِي الدّار وهو يبذل الأموال فِي الْجُنْد لينصحوا، فهدموها وأتوا بالمِنْبَر الَّذِي للخبيث، ففرح وخرج إِلَى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث، وأحرق الأسواق والدُّور. وذلك فِي جمادى الأولى. وَرُمِيَ يومئذٍ الموفَّق بسهم فجرحه، ثُمَّ أصبح على القتال، فزاد عليه الألم بالحركة، وخيف عليه، وخافوا قوّة الخبيث عليهم، وأشاروا عليه بالرحيل إِلَى بغداد، فأبى وتصبَّر حَتَّى عُوفي وعاد لحرب الخبيث، وقد رمّم الخبيث ما وَهَى من مدينته [٣] . [عزم المعتمد على اللّحاق بمصر] وَفِي نصف جُمادى الأولى شخص المعتمد من سُرَّ من رَأَى يريد اللّحاق بابن طولون لأمر تقرّر بينهما.

стр. 9925

قَالَ أَحْمَد بْن يوسف الكاتب: خرج أَحْمَد بْن طولون من مصر، وحمل معه ابنه الْعَبَّاس معتَقَلًا، فقدِم دمشق، وخرج المعتمد من سامُراء على وجه التّنَزُّه، وقصْدُه دمشق لاتّفاقٍ جرى بينه وبين ابنُ طولون، فَلَمَّا بلغ ذلك الموفَّق كتب إِلَى إِسْحَاق بْن كُنْداج يقول: مَتَى استولى ابنُ طولون على المعتمد لم يبق منكم مَعْشَر الموالي اثنان [١] . فاجتهد فِي ردّه. وكان ابنُ كُنْداج فِي نصِّيبين فِي أربعة آلاف، فصار إِلَى المَوْصِل، فوجد حرّاقات المعتمد وقُوّاده بموضعٍ يُقَالُ له الدَّواليب، فوكَّل بهم هناك، وسار فلقي المعتمد بين المَوْصِل والحديثة، فخرج إليه نحرير الخادم، وسلَّم عليه واستأذن فأُذِنَ له، فدخل ابنُ كنْداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة، فسلَّم ووقف، وقَالَ: يا إِسْحَاق لِمَ منعت الحَشَم من الدّخول إِلَى المَوْصِل؟ وكان ينزلها أَحْمَد بْن خاقان وخطارمِش، فقال: يا أمير المؤمنين أخوك فِي وجه العدوّ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار مُلْكك، ومتى صحّ عنده هَذَا رجع عن مقاومة الخارجيّ، فيغلب عدوّك على دار آبائك. وهذا كتاب أخيك يأمرنا بردّك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ فقال: كلُّنا غلمانك ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك وقد عصيت الله فيما فعلت من خروجك، وتسليط عدوّك على المسلمين. ثُمَّ خرج من المضرب ووكّل به جماعة. ثُمَّ بعث إِلَى المعتمد يطلب ابنَ خاقان وخطارمِش لِيُنَاظِرهما. فبعث بهما إليه فقال: ما جنى أحد على الْإِسْلَام والخليفة ما جنيتم، فلِمَ أخرجتموه من دار مُلْكه فِي عدةٍ يسيرة، وهارون الشّاري بإزائكم فِي جمْعٍ كبير؟ فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسُبَّةً على الْإِسْلَام. ثُمَّ رسّم عليهم، وبعث إِلَى الخليفة يقول: ما هَذَا المُقام، فارجع. فقال المعتمد: فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني. فحلف له، وانحدر إِلَى سامراء، فتلقّاه صاعد بْن مَخْلد كاتب الموفَّق، فسلّمه إِسْحَاق إليه، فأنزله فِي دار أَحْمَد بْن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رجل يمنعون من الدّخول إليه [٢] .

стр. 9926

وأمّا الموفَّق فبعث إِلَى إِسْحَاق بِخلعٍ وأموالٍ، وأقطعه ضياع القُوّاد الذين كانوا مع المعتمد. وقَالَ الصُّوليّ: كان المعتمد قد [ضجر] [١] من أَخِيهِ الموفَّق، فكاتب ابنُ طولون واتّفقا، فذكر الحكاية. وقَالَ المعتمد: أليس من العجائب أنّ مثلي ... يَرَى ما قَلَّ ممتنعًا عليه؟ وتُوكَلُ [٢] باسمه الدُّنيا جميعًا ... وما من ذاك شيءٌ فِي يديه [٣] ؟ [تلقيب ذي الوزارتين وذي السَيفين] ولقّب الموفَّق صاعدًا: ذا الوزارتين، ولقب ابنُ كُنْداج: ذا السَّيْفين [٤] . وأقام صاعد فِي خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربْط. [مصادرة ابنُ طولون للقاضي بكار بْن قُتَيْبَةَ] ولمّا بلغ ابنُ طولون ذلك جمع القُضاة والأعيان وقَالَ: قد نكث الموفَّق أبو أَحْمَد بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد. فخلعوه إلّا القاضي بكّار بْن قُتَيْبة [٥] ، فقال: أنت أوردت عليَّ كتابًا من المعتمد بولاية العهد، فأورِدْ عليَّ كتابًا آخر منه بخلْعه. فقال: إنّه محجورٌ عليه ومقهور. فقال: لا أدري. فقال ابنُ طولون: أغرّك النّاس بقولهم: ما فِي الدُّنيا مثل بكّار، أنت شيخ قد خَرَّفْت. وحبسهُ وقيّدهُ، وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكان عشرة آلاف

стр. 9927

دينار، فَقِيلَ: إنّها وُجدت فِي بيت بكّار بختمْها وحالها. وبلغ الموفَّق فأمر بلعنة ابنُ طولون على المنابر [١] . [سير ابنُ طولون إِلَى المصّيصة وتراجعه] وفيها سار ابنُ طولون إِلَى المصَّيصة. وبها يازمان الخادم، فتحصّن ونزل ابنُ طولون بالمرج والبرد شديد. فشقّ عليه يا زمان نهر طَرَسُوس، فغرق المرج وهلك عسكر ابنُ طولون، فرحل وهو خائف، وخرج أَهْل طَرَسُوس فنهبوا بقايا عسكره، ومرِض فِي طريقه مرضته الّتي مات فيها مغبونًا [٢] . [ولاية ابنُ كُنْداج] وولّي الموفَّق إِسْحَاق بْن كُنْداج المغرب كلّه والعراق كلّه، وما كان بيد أَحْمَد بْن طولون. [إحراق قطعة من بلد الزَّنْج] وفيها عبر الموفَّق إِلَى الخبيث وأحرق قطعة من البلد، وجرح ابنُ الخبيث وكاد يتلف [٣] . [الوقعة بين الموفق وبين الزنج] وَفِي شوّال كَانَتْ بين الموفَّق والخبيث وقعةٌ عظيمة. ولمّا رَأَى الخبيث أنّ الميرة قد انقطعت عَنْهُ وصعُب أمره، وقلّ عنده الشيء، حَتَّى كان أحدهم إذا وقع بامرأة أو صبيّ ذبحه وأكله. وكان الخبيث يعاقب من يفعل ذلك لكنْ بحبسه. ثُمَّ إنّ الموفَّق أحرق عامّة البلد وقصر الإمارة، وخافت الزَّنْج، فقاتلوا قتالًا شديدًا، ثُمَّ انهزموا، وعبر الخبيث إِلَى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، واستأمن إِلَى الموفَّق جماعة من القُوّاد أصحاب الخبيث وخاصّته، وفتحوا سجنا

стр. 9928

كبيرًا كان للخبيث فِيهِ خلْق من عساكر المسلمين وأصحاب الموفَّق، فأطلقوهم [١] . [دخول المعتمد واسط] وَفِي ذي القعدة دخل المعتمد إلى واسط [٢] . [دخول الموفَّق مدينة صاحب الزَّنْج وتخريب داره] وفيه سارت السُّفن والسّماريات وجيوش الموفَّق على ترتيب لم يُرَ مثله كثْرةً وأُهْبة، فَلَمَّا رَأَى الخبيث ذلك بَهره وزال عقله. وزحف الجيش نحو الخبيث، فالتقاهم فِي جيشه، والْتحم القتال، وحمل الموفَّق وابنه والخواصّ، فهزموا الزَّنْج، وقتلوا منهم مقتلةً هائلة، وأسروا خلقًا، فَضُرِبَتْ أعناقهم. وقصد الموفَّق دار الخبيث، وقد التجأ إليها، وانتخب أنجاد أصحابه ليدافعوا عَنْهَا، فَلَمَّا لم يُغْنوا عَنْهُ شيئًا أسلمها، وتفرّق عَنْهُ أصحابه، ونُهِبَتْ داره وحُرَمُه وأولاده، فهرب الخبيث نحو دار المهلّبيّ قائده. وأُتِيَ بحريمه وذُرِّيّته فكان عددهم أكثر من مائة، فأمر الموفَّق بحملهم إِلَى الموفَّقيّة وأحسن إليهم، وأمر بإحراق دار الخبيث. وكان عنده نساء علويّات وحرائر قد استباحهنّ، وجاءه منهنّ أولاد [٣] .

стр. 9929

سنة سبعين ومائتين فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن طولون صاحب مصر، وأحمد بْن عَبْد الله بْن البَرْقيّ، وأحمد بْن المقدام الهَرَويّ، وإبراهيم بْن مرزوق البصريّ، وأسد بْن عاصم، وبكّار بْن قُتَيْبَةَ القاضي، والحسن بْن عليّ بْن عفان العامريّ، وداود الظّاهريّ الفقيه، والربيع بْن سُلَيْمَان المراديّ، وزكريّا بْن يحيى المَرْوَزِيّ، وعبّاس بْن الْوَلِيد البَيروتيّ، وأبو البَخْتَرِيّ عَبْد الله بْن محمد بْن شاكر، ومحمد بن إِسْحَاق الصّغانيّ، ومحمد بْن ماهان، ومحمد بْن مُسْلِم بْن وَارَةَ، ومحمد بْن هشام بْن ملّاس، [مقتل صاحب الزَّنْج] وفيها وصل لؤلؤ الطُّولونيّ فِي جيشٍ عظيم نجدةً للموفق فِي المحرّم، فكانت بين الموفَّق وبين الخبيث وقعةٌ أوهنت الخبيث، ثُمَّ وَقْعَةٌ أخرى قُتِلَ فيها

стр. 9930

الخبيث وعجل الله بروحه إِلَى النّار. وهو عليّ بْن محمد المدَّعي أنّه علويّ، وَقِيلَ: اسمه بَهْبُوذ. قد ذكرنا وقائعه مع الموفَّق وحصاره الزّمن الطّويل له، إِلَى أن اجتمع مع الموفّق زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل مطَّوّعة وَفِي الديوان. فَلَمَّا كان فِي ثاني صفر، وقد التجأ الخبيث إِلَى جبلٍ ثُمَّ تراجع هُوَ وأصحابه إِلَى مدينتهم خُفْية، وجاءت مقدّمات الموفَّق، فَلَمَّا وصلوا إِلَى المدينة لم يَدْرُوا أنّهم قد رجعوا إليها، فأوقعوا بهم، فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفَّق يأسرون ويقتلون، وانقطع الخبيث فِي جماعةٍ من قوّاده وفرسانه، وفارقه ابنه انكلائي، وسليمان بْن جامع، فظفر أبو الْعَبَّاس بن الموفَّق بابن جامع، فكبّر النّاس لمّا أتى به إِلَى أَبِيهِ. ثُمَّ شدّ الخبيث وأصحابه، فأزال النّاس عن مواقفهم، فحمل عليه الموفَّق فانهزموا وتَبِعهم إِلَى آخر نهر أبي الخصيب، فبينا القتال يعمل إذ أتى فارس من أصحاب لؤلؤ إِلَى الموفَّق برأس الخبيث فِي يده، فلم يصدّقه فعرضه على جماعةٍ فعرفوه. فترجل الموفَّق وابنه والأمراء وخرّوا سُجَّدًا للَّه، وكبّروا وحمدوا الله تعالى. وَقِيلَ: إنّ أصحاب الموفَّق لمّا أحاطوا به لم يبق معه إلّا المهلَّبيّ، ثُمَّ ولّى وتركه، فقذف نفسه فِي النّهر فقتلوه. وسار أبو الْعَبَّاس ومعه رأس الخبيث على رُمحٍ فدخل به بغداد، وعُمِلت قِباب الزّينة، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفق وولده. وكان يومًا مشهودًا. وأمِن النّاس وتراجعوا إِلَى المدن الّتي أخذها الخبيث. وكان ظهوره من سنة خمس وخمسين [١] . قَالَ الصُّوليّ إنّه قتَل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ [٢] ، وقتل فِي يومٍ واحدٍ بالبصرة ثلاثمائة ألف [٣] . وكان له منبرٌ فِي مدينته يصعد عليه ويسبّ عُثْمَان وعليّ ومعاوية وطلحة والزَّبير وعائشة، وهو رأي الأزارقة.

стр. 9931

وكان ينادى على المرأة العلوية بِدرْهَمين وثلاثةٍ فِي عسكره [١] ، وكان عند الواحد من الزَّنْج العشرة من العلويّات يطئوهنّ وتخدمن نساءهنّ. ومدح الشعراء الموفَّق [٢] . [عودة المعتمد إِلَى سامُرّاء] وَفِي نصف شعبان أعيد المعتمد إِلَى سامراء، ودخل بغداد ومحمد بْن طاهر بْن يديه بالحربة والحسن فِي خدمته كأنْ لم يُحْجَر عليه [٣] . [انبثاق بثق بنهر عِيسَى] وفيها انبثق ببغداد فِي الجانب الغربي فِي نهر عِيسَى [بثْقٌ] ، فجاء الماء إِلَى الكَرْخ، فهدم سبعة آلاف دار [٤] . [ظهور الحسني بالصعيد ومقتله] وفيها ظهر أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن إبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بْن الحسني بالصعيد، وتبعه خلْق. فجهّز أَحْمَد بن طولون لحربه جيوشًا، وكانت بينهم وقعات وظفروا به وأتوا ابنُ طولون فقتله. ومات بعده ابنُ طولون بيسير [٥] . [ظهور دعوة المهديّ باليمن] وفيها ظهرت دعوة المهديّ باليمن، وكان قبلها بنحو سنين قد سيّر والدهُ عُبَيْد، جدّ بني عُبَيْد الخلفاء المصرييّن الرَّوافض المَلاحِدة الَّذِي زعم أنّه ابنُ محمد بْن إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الصادق، داعين لولده عبد الله المهديّ، أحدهما

стр. 9932

أبو القاسم بْن حَوْشَب الكوفي [١] ، والآخر أبو الْحَسَن، فَدَعَوْا إِلَى المهدي سرًّا. ثُمَّ سيّر والد المهديّ داعيًا آخر يُسمّى أَبَا عَبْد الله، فأقام باليمن إِلَى سنة ثمانٍ وسبعين، فحجّ تلك السنة، واجتمع بقبيلة من كُتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوّة، فصحبهم إِلَى المغرب، فكان ذلك أوّل شأن المهديّ [٢] . [هزيمة الروم عند طَرَسُوس] وفيها نازلت الرّوم طَرَسُوس فِي مائة ألف وبها يازمان الخادم، فبيَّتهم ليلًا وقتل مقدّمهم وسبعين ألفًا. وأخذ منهم صليبهم الأكبر وعليه جواهر لا قيمة لها، وأخذ من الخيل والأموال والأمتعة ما لا ينحصر، ولم يُفِلت منهم إلّا القليل، وذلك فِي ربيع الأوّل [٣] . وكان فتحا عظيما عديم المثيل مَنَّ الله به على الْإِسْلَام يوازي قتل الخبيث. والحمد للَّه وحده.

стр. 9933

تراجم أَهْل هَذِهِ الطبقة حرف الألف ١- أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم [١] . أبو الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ ورّاق خَلَف بن هشام البزّار. سمع: خَلَفًا، ومسدّدًا، ومسلم بْن إِبْرَاهِيم القعنبيّ، وطائفة. وعنه: أبو عِيسَى بْن قَطَن، وإسحاق بْن أبي حسّان الأنماطيّ، وحمزة السِّمْسار. قَالَ الخطيب [٢] : كان ثقة. صنَّف فِي عدد الآي. قلت: وكان أحد الحُذّاق فِي القراءة. تلا على خَلَف، وعلى أبي عُبَيْد، ومحمد بْن إِسْحَاق، وهشام بْن عمّار، وغيرهم. ٢- أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم [٣] . أبو علي القُهسْتانيّ. حافظ، نزل بغداد. عن: يحيى بْن يحيى، وابن نُمَيْر، وإبراهيم بْن المنذر. وعنه: ابنُ مَخْلَد، ومحمد بْن جَعْفَر المَطِيريّ، وجماعة. وُثِّق [٤] . تُوُفيّ سنة سبْعٍ وستّين ومائتين.

стр. 9934

٣- أَحْمَد بْن الأزهر بْن مَنِيع بْن سَليِط [١]- ن. ق. - أبو الأزهر العبديّ النّيسابوريّ الحافظ. حجّ ورأى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، وسمع: عَبْد الله بْن نُمَيْر، وأسباط بْن محمد، ومالك بْن سُعَيْر بن الخِمْس [٢] ، ومحمدا، وَيَعْلَى بْن عُبَيْد، ويعقوب بْن إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ، وعبد الرّزّاق، ووهْب بْن جرير، وأبا ضَمرة، وطائفة. وعنه: ن. ق.، ومحمد بْن يحيى، ومحمد بن رافع وهما من أقرانه، وابن خُزَيْمَة، وأبو حامد بْن الشَّرْقيّ، ومحمد بْن الْحُسَيْن القطان، وخلْق كثير. قال ابن الشّرقيّ: سمعته يقول: كتب عنيّ يحيى بْن يحيى [٣] . وكان أبو الأزهر ثقة بصيرا بهذا الشّأن، روى عن عَبْد الرّزّاق حديثًا مُنْكَرًا هُوَ منه إنّ شاء الله بريء العهدة. وهو: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: «أَنْتَ سَيِّدٌ فِي الدُّنْيَا سَيِّدٌ فِي الآخِرَةِ. مَنْ أَحَبَّكَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَحَبِيبِي حَبِيبُ اللَّهِ. وَعَدُوُّكَ عَدُوِّي، وَعَدُوِّي عَدُوُّ الله، والويل لمن أبغضك من بعدي» .

стр. 9935

قَالَ أَحْمَد بْن يحيى بْن زُهير السَّريّ: لمّا حدّث أبو الأزهر بهذا الحديث أُخْبِر يحيى بْن معين بِذَلِك، فقال: مَن هَذَا الكذاب النَّيْسابوريّ الَّذِي حدَّث بهذا؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أَنَا. فتبسَّم ابنُ معين وقَالَ: أما إنّك لست بكذّاب. وتعجّب من سلامته، وقَالَ: الذَّنْب لغيرك فِي هَذَا الحديث [١] . قَالَ أبو حامد بْن الشَّرْقيّ، هَذَا حديث باطل، وكان لمعمر ابنُ أخٍ رافضيّ، وكان ابنُ مُعَمَّر [٢] يمكِّنه من كُتُبه، فأدخل عليه هَذَا. وكان مُعَمَّر رجلًا مهيبًا، لا يقدر عليه أحد فِي السّؤال والمراجعة، فسمعه عَبْد الرّزّاق فِي كتابه [٣] . وقَالَ غير واحد، عن مكّيّ بْن عَبْدان: سمعت أَبَا الأزهر يقول: خرج عَبْد الرّزّاق إِلَى قريته، فبكَّرت إليه قبل الصُّبح، فَلَمَّا رآني قَالَ: كنت البارحة هنا؟ قلت: لا، ولكن خرجت فِي اللّيل. فأعجبه ذلك. فَلَمَّا فرغ من صلاة الصُّبْح دعاني وقرأ عليّ هَذَا الحديث، وخصّني به دون أصحابي [٤] . وروى أبو محمد بْن الشَّرْقيّ، عن أبي الأزهر قَالَ: كان عَبْد الرّزّاق يخرج إِلَى قريته، فذهبت خلفه، فرآني أشتدّ، فقال: تعال. فأركبني خلفه على البغْل، ثُمَّ قَالَ لي: ألا أخبرك حديثًا غريبًا؟ قلت: بلى. فَحَدَّثَنِي الحديث. فَلَمَّا رجعت إِلَى بغداد أنكر عليّ ابنُ مَعِين وهؤلاء، فحلفت أن لا أحدث به حتى أتصدق بدرهم. وقد رواه محمد بْن عليّ بْن سُفْيَان النّجّار، عن عَبْد الرّزّاق. قَالَ أبو حامد بْن الشّرْقيّ: قَيِل لي لِمَ لا ترحل إِلَى العراق؟ قلت: وما أصنع وعندنا من بنادرة [٥] الحديث ثلاثة: محمد بن يحيى، وأبو الأزهر،

стр. 9936

وأحمد بن يوسف السُّلَميّ [١] . قَالَ النَّسائيّ: أبو الأزهر لا بأس به [٢] . وعن أبي الأزهر قَالَ: لمّا أنكر عليَّ ابنُ معين هَذَا الحديث حلفت أن لا أحدث به حتى أتصدق بدرهم [٣] . وقال الدّار الدّارقطنيّ: لا بأس به، قد أخرج فِي الصَّحيحين عمّن هُوَ دونه. قَالَ الْحُسَيْن بْن محمد القبّانيّ: تُوُفيّ سنة ثلاثٍ وستين [٤] . وقَالَ أبو حاتم [٥] : صدوق [٦] . ٤- أَحْمَد بْن حرب بْن محمد بْن عليّ بْن حَيّان بْن شاذان بْن الغَضُوبة [٧] . أبو بَكْر الْمَوْصِلِيّ. أخو عليّ بْن حرب. سمع: سُفْيان بْن عُيَيْنَة، وأبا مُعَاوِيَة، وطائفة. وعنه: س.، وقَالَ: هُوَ أحبُّ إليَّ من أَخِيهِ، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، ومكحول البَيْروتيّ، وآخرون. وقَالَ الأزْديّ فِي تاريخه: كان ورِعًا فاضلًا، رابط بأَذَنَه، وبها مات [٨] . ٥- أحمد بن الحسن السّكّريّ الحافظ.

стр. 9937

تُوُفيّ بمصر سنة ثمانٍ وستّين. لا أعرفه، وذكره مختصر. ٦- أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن مُجَالد الضرير. مَوْلَى المعتصم. أَخَذَ عن: جَعْفَر بْن مبشّر عِلْم الكلام. وكان من دُعاة المعتزلة. هلك سنة تسعٍ وتسعين، وَقِيلَ: قبلها بعام. ٧- أَحْمَد بْن حمدون. أبو عبد الله الْبَغْدَادِيّ الكاتب الإخباريّ، الشّاعر، أَحَدُ الموصوفين بالظُّرْف والأدب. نادَمَ الخلفاء، وقد مدحه البُحْتُريّ. تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين. روى عَنْهُ: ابنُ أَخِيهِ عليّ بْن بسّام، وجعفر بْن قُدامة، وأحمد بن الطَّيّب السّرْخَسيّ. ٨- أَحْمَد بْن الخصيب بْن عَبْد الحميد [١] . الوزير أبو الْعَبَّاس الْجَرْجَرائيّ. وَزَر للمنتصر وللمستعين، ثُمَّ نفاه المستعين إِلَى الغرب فِي سنة ثمانٍ وأربعين. وأبوه ولي إمرة الدّيار المصريّة.

стр. 9938

وَقِيلَ: إنّ أَحْمَد كان فِيهِ حِدة وتسُّرع. قَالَ أَحْمَد بْن أبي طاهر الكاتب: كان يحتدّ علي من يُراجعه، ويُخْرِج رِجْله من الرِّكاب، فيرفس من يراجعه، ففيه أقول من أبيات: قل للخليفة يا بْن عم محمد ... أَشْكِلْ [١] وزيركَ إنّه محلول [٢] فلِسانُهُ قد جال [٣] فِي أعراضِنا ... وَالرِّجْلُ منه فِي الصُّدورِ تجول [٤] وذكر الصُّوليّ، عن الْحُسَيْن بْن يحيى، أنّ أَحْمَد بْن الخصيب كان يتصدّق كل يومٍ بخمسين دينارًا، إِلَى أن نُكِب، فكان يمنع نفسه القوت، ويتصدَّق بخمسين درهمًا. تُوُفيّ أَحْمَد سنة خمسٍ وستين. ٩- أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك [٥] . أبو الْحُسَيْن الرّهاويّ الحافظ، أحد الأئمّة. رحل وطوَّف، وسمع: زَيْدَ بْن الحُباب، ويحيى بْن آدم، وجعفر بْن عَوْن، وهذه الطبقة. وعنه: س. فأكثر، وأبو عَرُوبة، ومكحول، وآخرون. تُوُفيّ سنة إحدى وستّين. قَالَ س [٦] : ثقة مأمون، صاحب حديث [٧] .

стр. 9939

١٠- أحمد بن سيّار بن أيّوب [١]- ن. - أبو الحسن المروزيّ الحافظ الفقيه، أحد الأعلام. سمع: عفّان، وسليمان بْن حرب، وعَبْدان، ومحمد بْن كثير، وصَفْوان بْن صالح الدّمشقيّ، وإسحاق بْن راهويْه، ويحيى بْن بُكَيْر، وطبقتهم. وعنه: ن. ووثّقه [٢] ، وَقِيلَ: إنّ خ. روى عَنْهُ، عن محمد بْن أبي بَكْر المقدّميّ، وروى عَنْهُ: محمد بْن نصر المَرْوزيّ، وابن خُزَيْمَة، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، ومحمد بْن عَقِيل البلْخيّ، وأبو الْعَبَّاس محمد بْن أَحْمَد بْن محبوب، وحاجب بْن أَحْمَد الطُّوسيّ، وطائفة. وهو مصنّف «تاريخ مَرْو» . وقَالَ عَبْد الرحمن بْن أبي حاتم [٣] : ثنا عَنْهُ عليّ بْن الْجُنَيْد، ورأيت أبي يُطْنب فِي مدحه، ويذكره بالعِلم والفِقه. قلت: وهو أحد أصحاب الوجوه من الشّافعية، أوجَب الأذان للجمعة دون غيرها، وأوجب رَفْع اليدين فِي تكبيرة الإحرام كداود الظَّاهريّ، وكان بعض العلماء يُشَبِّهه فِي زمانه بابن الْمُبَارَك عِلْمًا وفضلًا [٤] .

стр. 9940

تُوُفيّ فِي ربيع الآخر سنة ثمانٍ وستّين، وقد استكمل سبعين سنة. ١١- أَحْمَد بْن طولون [١] . الأمير أبو العبّاس التُّركيّ، صاحب مصر، وُلِد بسامرّاء. ويقال: إنّ طولون تبنّاه، وكان ظاهر النّجابة من صِغره. وكان طولون قد أهداه نوح عامل بخارى إِلَى المأمون فِي جملة غلمان، وذلك فِي سنة مائتين. فمات طولون فِي سنة أربعين ومائتين، ونشأ ابنه على مذهب جميلٍ فحفظ القرآن وأتْقنه. وكان مِن أطيب النّاس صوتًا به، مع كثرة الدّرس وطلب العلم.

стр. 9941

وحصل وتنقّلت به الأحوال إلى أن ولي إمرة الثغور، وولي إمرة دمشق وديار مصر. وأوّل دخوله مصر سنة أربعٍ وخمسين ومائتين وعمره أربعون سنة، فملكها بضع عشرة سنة. وبَلَغَنا أنّه خلّف من الذَّهَب الأحمر عشرة آلاف ألف دينار، وأربعة وعشرين ألف مملوك [١] . ويقال إنه خلف ثلاثة وثلاثين ولدا ذكورا وإناثا، وستّمائة بغل ثقل. وقيل: إنّ خراج مصر بلغ فِي العام فِي أيّامه أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار [٢] . وكان شجاعًا حازمًا مهيبًا خليقًا للمُلْك، جوادًا ممدَّحًا. وَقِيلَ: بلغت نفقته كلّ يوم ألف دينار. إلّا أنه كان سفّاكًا للدّماء، ذا سَطْوةٍ وجَبَرُوت. قَالَ القُضاعيّ: أُحْصِيَ مَن قتله صبْرًا، فكان جملتهم مع من مات فِي سجنه ثمانية عشر ألفًا. وأنشأ الجامع المشهور، وغرِم على بنائه أكثر من مائة ألف دينار [٣] . وكان الخليفة مشغولًا عَنْهُ بحرب الزَّنْج. وكان فيما قَيِل حسَّن له بعض التّجّار التّجارة، فدفع إليه خمسين ألف دينار، فرأى فِي النوم كأنّه يمشمش عظْمًا. فدعى المعَبّر وقصّ عليه فقال: لقد سَمَت هِمَّةُ مولانا إِلَى مكسبٍ لا يُشبَّه خَطَرُه. فأمر صاحب صدقته أن يأخذ الخمسين ألف دينار من التّاجر ويتصدق بها. وكان، سامحه الله تعالى، قد ضبط الثغور وعمّرها. وكان صحيح الْإِسْلَام معظِّمًا للحُرُمات، محبّا للجهاد والرّباط. قَالَ أَحْمَد بْن خاقان، وكان تِرْبًا لأحمد بْن طولون: وُلِد أَحْمَد سنة أربع عشرة ومائتين، ونشأ فِي الفِقْه والتصوُّف، فانتشر له حُسْن الذّكر، وكان شديد الإزراء على الأتراك فيما يرتكبونه، إِلَى أن قَالَ لي يومًا: يا أخي، إِلَى كم نقيم على الإثم، لا نطأ مَوْطئًا إلّا كُتِب علينا فِيهِ خطيئة. والصّواب أن نسأل الوزير

стр. 9942

عبيد الله بن يحيى أن يكتب لنا بأرزاقنا إِلَى الثّغر ونقيم به فِي ثوابه. ففعلنا ذلك، فَلَمَّا صرنا بطَرَسُوس سُرَّ بما رَأَى من الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر، ثُمَّ عاد إِلَى العراق وارتفع محلُّه. قَالَ محمد بْن يوسف الهَرَوِيّ، نزيل دمشق: كنّا عند الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان سنة ثمانٍ وستّين، إذ جاء رسول أَحْمَد بْن طولون بكيسٍ فِيهِ ألف دينار، وقَالَ لي عَبْد الله القيروانيّ: بل كان سبعمائة دينار، وصرّة فيها ثلاثمائة دينار، لابنه أبي الطّاهر. فدعى الرَّبِيع ابنه حتّى جاءه فأمره بقبض المال [١] . ذكر محمد بْن عَبْد الملك الهَمْدانيّ أنّ أَحْمَد بْن طولون جلس يأكل، فرأى سائلًا، فأمر له بدجاجةٍ ورغيفٍ وحلوى. فجاء الغلام وقَالَ: ناولته فَمَا هش له. فقال: عليَّ به. فَلَمَّا مَثُلَ بين يديه لم يضطّرب من الهيبة، فقال: أحضِر الكُتُب الّتي معك وأصْدِقْني، فقد ثبت عندي أنّك صاحب خبر. وأحضر السِّياط فاعترف فقال بعض من حضر: هَذَا والله السِّحْر. قَالَ: ما هُوَ بِسحْر، ولكنّه قياس صحيح. رَأَيْت سوء حاله، فسيّرت له طعامًا يُسَرُّ له الشَّبْعان، فَمَا هشَّ، فأحضرته فتلقّاني بقوَّة جأش، فعِلمت أنّه صاحب خبر. قَالَ أبو الْحُسَيْن الرّازيّ: سمعت أَحْمَد بْن حميد بْن أبي العجائز وغيره من شيوخ دمشق قَالُوا: لمّا دخل أَحْمَد بْن طولون دمشق وقع فيها حريق عند كنيسة مريم، فركب إليه أَحْمَد ومعه أبو زُرْعة البصْريّ، وأبو عبد الله محمد بْن أَحْمَد الواسطيّ كاتبه، فقال ابنُ طولون لأبي زُرْعة: ما يُسمّى هَذَا الموضع؟ فقال: كنيسة مريم. فقال أبو عبد الله: وكان لمريم كنيسة؟ قَالَ: ما هِيَ من بناء مريم، إنّما بَنَوْها على اسمها. فقال ابنُ طولون: ما لك والاعتراض على الشَّيْخ. ثمّ أمر بسبعين ألف دينار من ماله، وأن يُعطى كلّ من احترق له شيء، ويُقبَل قوله ولا يُسْتَحْلف. فأعطوا وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار. ثُمَّ أمر ابن طولون بمالٍ عظيمٍ ففُرق فِي فقراء أَهْل دمشق والغوطة. وأقلّ

стр. 9943

من أصابه من المستورين دينار. وعن محمد بْن عليّ المادَرَائي قَالَ: كنت أجتاز بتُربة أَحْمَد بْن طولون فأرى شيخًا ملازمًا للقبر، ثُمَّ إني لم أره مدّة. ثُمَّ رَأَيْته فسألته، فقال: كان له علينا بعض العدل إنْ لم يكن الكلّ فأحببت أن أصِله بالقراءة. قلت: فلِمَ انقطعت؟ قَالَ: رَأَيْته في النَّوم وهو يقول: أحبّ أن لا يُقْرأ عندي، فَمَا آية إلّا قُرِعْتُ بها وَقِيلَ لي: ما سمعت هَذِهِ؟ تُوُفيّ بمصر فِي ذي القعدة سنة سبعين، وتملّك بعده ابنه خُمَارَوَيْه. ١٢- أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن صالح بْن مُسْلِم [١] . أبو الْحَسَن الكوفي العجلي الحافظ الطرابلسي المغربي. سمع: الحسين بْن عليّ الْجُعْفيّ، ومحمدا، وَيَعْلَى بْن عُبَيْد الطّنافسيّ، ومحمد بْن يوسف الفِرْيابيّ، وشَبَابة بْن سَوّار، وخلْقًا سواهم. روى عَنْهُ ابنه صالح كتابه المصنف بالجرح والتعديل، وهو كتاب مفيد يدلّ على إمامه الرجل وسعة حفظه. قَالَ عبّاس [٢] الدُّوريّ: إنّما كنّا نَعُدُّه مثل أَحْمَد بْن حنبل، ويحيى بن مَعِين [٣] . قلت: ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة. ونزح إِلَى الغرب أيّام المحنة بخلْق القرآن [٤] . وتُوُفيّ سنة إحدى وستّين ومائتين بطرابلس. وآخر من روى عَنْهُ مُسْنِد الأندلسي محمد بن فطيس الغافقيّ.

стр. 9944

وروى عنه: سعيد بن عثمان، وسعيد بْن إِسْحَاق، وعثمان بن حديد الأكسريّ، وجماعة. وكان يقول: مَن آمن بالرجعة فهو كافر، ومَن قَالَ: القرآن مخلوق فهو كافر. وَقَالَ بعض الأئمة: لم يكن له عندنا شبيه بالمغرب، ولا نظير فِي زمانه فِي معرفة الحديث وإتقانه، وَفِي زُهْده وورعه [١] . وقَالَ المؤرخ أبو العرب محمد بْن تميم الحافظ بالقيروان: سُئل مالك بْن عِيسَى القفصيّ الحافظ: مَن أعلم من رَأَيْت بالحديث؟ قَالَ: أمّا بالشيوخ فأحمد بْن عَبْد الله العِجْليّ [٢] . وقَالَ محمد بْن أَحْمَد بْن تميم الحافظ: سمعت أَحْمَد بن مغيث، مقريء ثقة، يقول: سُئل يحيى بْن مَعِين عن أَحْمَد بْن عَبْد الله العِجِليّ فقال: هُوَ ثقة ابنُ ثقة ابنُ ثقة [٣] . وقَالَ بعضهم: إنّما سكن أَحْمَد بطرابلس طلبًا للتفرُّد والعبادة [٤] . وقبره هناك على الساحل، وقبر ابنه صالح بجنبه [٥] . وتوفّي صالح سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وقَالَ أَحْمَد: رحلت إِلَى أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ، فمات قبل قدومي بيوم. وكان أَبُوهُ من أصحاب حَمْزَةَ الزّيّات. ١٣- أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن القاسم [٦] . أبو بَكْر التميمي الوراق الحافظ. سمع: عُبَيْد الله بْن مُعاذ العنبريّ، وصالح بْن حاتم بْن وردان. وعنه: ابنُ مَخْلَد العطّار، وأبو سَعِيد بْن الأعرابيّ. وكان بصْريًا يعرف بالرّغيف.

стр. 9945

تُوُفيّ سنة تسعٍ وستّين [١] . ١٤- أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ [٢] . الأمير المتغلّب على نيسابور. كان جبّارًا ظالمًا غاشمًا من أتباع يعقوب بْن اللَّيْث الَّذِي ستأتي أخباره. ثُمَّ خرج عن طاعته، فاستولى على نيسابور. من أبناء سنة إحدى وستّين ومائتين. وأخذ يُظْهر المَيْل إِلَى بني طاهر ليستميل بِذَلِك قلوب الرعية. وبقي يكتب أَحْمَد بْن عَبْد الله الطّاهريّ [٣] . ثُمَّ كاتَب رافع بْن هَرْثمَة، فقدم عليه وتلقّاه وجعله أتابكه [٤] . وله حُروب وأمور، وهو الَّذِي قَتَلَ يحيى بْن الذُّهْليّ، فرآه بعضهم فِي النوم فقال: أَنَا لم أُقْتَلْ ولم أجد حرّ القتْل، ولكن الله أشقى الخُجُسْتانيّ بي. قلت: اتفق على الخُجُسْتانيّ اثنان من غلمانه فذبحاه وهو سَكْران لستٍّ بقين من شوال سنة ثمانٍ وستّين [٥] . وقَالَ محمد بْن صالح بْن هانئ: لمّا قُتِلَ محمد بْن يحيى حيكان ترك أبو عَمْرو أَحْمَد بْن الْمُبَارَك المستملي اللّباس الغضّة، فكان يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ فَرْوًا بِلا قَمِيصٍ، وَفِي الصَّيف مَسْحًا، فقدِم يوما إلى أحمد بن عبد الله فأخذ بعنانه وقَالَ: يا ظالم- قلت: الْإِمَام ابنُ الْإِمَام العالم ابن العالم- فارتعد أَحْمَد بْن عَبْد الله ونَفَرت دابّتُه فأتت الرّجّالة لتضربه فقال: دعوه دعوه. قَالَ عن أبي حاتم نوح، قَالَ: قَالَ لي الخُجُسْتانيّ: والله ما فزعت من أحدٍ فَزَعي من صاحب الفَرْوَة، ولقد ندِمت حينئذٍ على قتِل حيكان. خُجُسْتان: من جبل هَرَاة [٦] . ومن عسفه فِي مصادرته للرعيّة أنّه نصب رمحا لزمهم أن يغطّوا أسنانه بالدّراهم.
следующие страницы →