← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال ابن الفرات: كان الواثق مشغوفا بحب الجواري، واتخاذ السراري، والتمتع بالأنكحة. روي أنه كان يحب جارية حملت إليه من مصر هدية، فغضبت يوما من شيء جرى بينه وبينها، فجلست مع صاحبات لها، فقالت لهن: لقد هجرته منذ أمس وهو يروم أن أكلّمه فلم أفعل، فخرج من مرقده على غفلة فسمع هذا القول منها، فأنشأ يقول: يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا ... هل أنت إلّا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجارينا على قدر ... وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى فاصطلحا، ولحّنته وجعلت تغنيه به بقية يومه ذلك. وقيل: كان مع جارية فظنها نامت، فقام إلى أخرى فشعرت به التي كان معها. فقامت مغضبة، فبعث إلى الخليع البصري [١] وأخبره بقصته فقال: غضبت إذ زرت [٢] أخرى خلسة ... فلها العتبى لدينا والرّضا يا فدتك النفس كانت هفوة ... فاغفريها واصفحي عمّا مضى واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا فلقد نبّهتني من رقدتي ... وعلى قلبي كنيران الغضا [٣]

стр. 1017

فاصطلحا وأجازه. وكان الواثق شديد الاعتزال، وقام في أيام المحنة بخلق القرآن القيام الكلّي، وشدد على النّاس في ذلك، وكان سبب موته أن طبيبه ميخائيل [١] عبر عليه ذات يوم فقال له: يا ميخائيل ابغ لي دواء للباه. فقال يا أمير المؤمنين خف الله في نفسك، النكاح يهد البدن. فقال: لا بد من ذلك. فقال: إذا كان ولا بد، فعليك بلحم السبع، اغله بالخلّ سبع غليات، وخذ منه ثلاثة دراهم على الشراب، وإيّاك أن تكثر منه تقع في الاستسقاء. ففعل الواثق ذلك، وأخذ منه فأكثر لمحبته في الجماع، فاستسقى بطنه فأجمع الأطباء أن لا دواء له إلّا أن يسجر له تنّور [٢] بحطب الزيتون، وإذا ملئ جمرا نحى ما في جوفه وألقي فيه على ظهره، ويجعل تحته وفوقه الأشياء الرطب، ويودع فيه ثلاث ساعات، وإذا طلب ماء لم يسق، فإن سقي كان تلفه فيه. فأمر الواثق فصنع به كذلك، وأخرج من التّنّور وهو في رأي العين أنه احترق، فلما أصاب جسمه روح الهواء اشتد عليه، فجعل يخور كما يخور الثور، ويصيح: ردّوني إلى [٣] التنور. فاجتمعت جواريه ووزيره محمد بن الزّيّات، فردوه إلى التّنّور، فلما ردوه إليه سكن صياحه وأخرج ميتا. وقد عدت ميتته هذه من فضائل الإمام أحمد بن حنبل- ﵁ فإن المعتصم لما امتحنه للمقالة بخلق القرآن كان الواثق يقول له: لم لا تقول بمقالة أمير المؤمنين؟ قال: لأنها باطلة. قال: لئن كان ما تقوله أنت حقا أحرقني الله بالنّار، فما مات حتّى حرق بالنّار. انتهى ما قاله ابن الفرات ملخصا.

стр. 1018

سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» رجفت دمشق رجفة شديدة من ارتفاع الضحى، أي إلى ثلاث ساعات كما قاله في «العبر» [١] فانتقضت منها البيوت وزالت الحجارة العظيمة، وسقطت عدة طاقات من الأسواق على من فيها فقتلت خلقا كثيرا، وسقط بعض شرفات الجامع، وانقطع ربع منارته، وانكفأت قرية من عمل الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إلّا رجل واحد، واشتدت الزلازل على أنطاكية، والموصل، ووقع أكثر من ألفي دار على أهلها فقتلتهم، ومات من أهلها عشرون ألفا، وفقد من بستان أكثر من مائتي نخلة من أصولها فلم يبق لها أثر. انتهى. وفيها توفي إبراهيم بن الحجّاج الشّاميّ المحدّث بالبصرة. روى عن الحمّادين وجماعة، وخرّج له النسائيّ. وفيها حبّان بن موسى المروزيّ. سمع أبا حمزة السّكري، وأكثر عن ابن المبارك، وكان ثقة مشهورا. وسليمان بن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل، أبو أيوب التميميّ الشاميّ الحافظ، محدّث دمشق في صفر وله ثمانون سنة. سمع إسماعيل بن عيّاش ويحيى بن حمزة وطبقتهما، وعني بهذا الشأن، وكتب عمّن دبّ ودرج.

стр. 1019

وسهل بن عثمان العسكريّ الحافظ أحد الأئمة، توفي فيها أو في حدودها. روى عن شريك وطبقته. وفيها القاضي أبو عبد الله محمد بن سماعة الفقيه ببغداد وقد جاوز المائة وتفقه على أبي يوسف، ومحمد، وروى عن اللّيث بن سعد، وله مصنفات واختيارات في المذهب، وكان ورده في اليوم والليلة مائتي ركعة. وفيها الحافظ أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقيّ الكاتب، صاحب المغازي والفتوح وغير ذلك من المصنفات المفيدة. روى عن إسماعيل بن عيّاش، والوليد بن مسلم، وخلق، وكان ناظر خراج الغوطة. وفيها الوزير أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن الزّيّات وزر [١] للمعتصم، والواثق، والمتوكل. ثم قبض عليه المتوكل وعذّبه وسجنه حتّى هلك. كان أديبا بليغا وشاعرا محسنا كامل الأدوات، جهميا. قال ابن الأهدل: كان أول أمره كاتبا، فاتفق أنّ المعتصم سأل وزيره أحمد بن عمّار البصري عن الكلأ ما هو؟ فقال: لا أدري. فقال المعتصم: خليفة أميّ ووزير عاميّ. انظروا من بالباب من الكتّاب؟ فوجدوا ابن الزّيّات، فسأله عن الكلأ، فقال: العشب على الإطلاق. فإن كان رطبا فهو الخلى، وإن كان يابسا فهو الحشيش، وشرع في تقسيم النبات. فاستوزره وارتفع شأنه. وظلم واتخذ تنورا من حديد يحبس فيه المصادرين، فإذا سئل الرّحمة، قال: الرّحمة خور [٢] في الطبيعة. فأمسكه المتوكل في خلافته وأدخله التنور وقيّده بخمسة عشر رطلا من حديد، فافتقده بعد حين فوجده ميتا فيه.

стр. 1020

وله ديوان شعر رائق. انتهى ملخصا. وقال ابن الفرات: قال صالح بن سليمان العبديّ: كان ابن الزّيّات يتعشّق جارية فبيعت من رجل من أهل خراسان وأخرجها. قال: فذهل عقل محمد بن الزّيّات حتّى خشي عليه ثم أنشأ يقول: يا طول ساعات ليل العاشق الدّنف ... وطول رعيته للنجم في السّدف ماذا تواري ثيابي من أخي حرق ... كأنّما الجسم منه دقّة الألف ما قال يا أسفي يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقى من الأسف من سرّه أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدلّ على الزّيّات وليقف [١] وفيها يحيى بن أيوب المقابريّ [٢] أبو زكريا البغداديّ العابد. أحد أئمة الحديث والسّنّة. روى عن إسماعيل بن جعفر وطبقته. توفي في ربيع الأول وله ست وسبعون سنة. وفيها الإمام أبو زكريا يحيى بن معين البغداديّ الحافظ. أحد الأعلام وحجّة الإسلام في ذي القعدة بمدينة النّبيّ- ﷺ متوجها إلى الحجّ، وغسل على الأعواد التي غسل عليها النّبيّ- ﷺ وعاش خمسا وسبعين سنة. سمع هشيما، ويحيى بن أبي زائدة، وخلائق. وحدّث عنه الإمام أحمد، والشيخان. وجاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث يعني بالمكرر. وقال أحمد بن حنبل: كلّ حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث. وقال ابن المديني: انتهى علم النّاس إلى يحيى بن معين.

стр. 1021

قال في «العبر» [١] : حديثه في الكتب الستة. وقال ابن الأهدل: كان بينه وبين أحمد مودّة، واشتراك في طلب الحديث ورجاله، وقيل: لما خرج من المدينة إلى مكّة سمع هاتفا في النوم يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جواري؟ فرجع وأقام بالمدينة ثلاثا ومات ﵀، وكان ينشد: المال يذهب حلّه وحرامه ... طوعا [٢] وتبقى في غد آثامه ليس التّقيّ بمتّق لإلهه ... حتّى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما تحوي [٣] وتكسب كفّه ... ويكون في حسن الحديث كلامه نطق النّبيّ لنا به عن ربّه ... فعلى النّبيّ صلاته وسلامه

стр. 1022

سنة أربع وثلاثين ومائتين قال في «الشذور» : هبّت ريح شديدة لم يعهد مثلها، فاتصلت نيفا وخمسين يوما وشملت بغداد، والبصرة، والكوفة، وواسط، وعبّادان، والأهواز، ثم إلى همذان، فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل، فمنعت النّاس من الانتشار، وعطلت الأسواق. وزلزلت هراة حتّى سقطت الدور. انتهى. وفيها توفي أحمد بن حرب النيسابوري الزّاهد الذي قال فيه يحيى بن يحيى: إن لم يكن من الأبدال فلا أدري من هم؟. رحل وسمع من ابن عيينة وجماعة، وكان صاحب غزو، وجهاد، ومواعظ، ومصنفات، في العلم. وخرّج له النسائيّ. قال في المغني [١] : عن ابن عيينة، له مناكير. قال أبو حاتم: وكان صدوقا. انتهى. وفيها الأمير إيتاخ [٢] التّركيّ مقدّم الجيوش وكبير الدولة. خافه المتوكّل وعمل عليه بكلّ حيلة حتّى قبض له عليه نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم، وأميت عطشا، وأخذ له المتوكل من الذهب ألف ألف دينار. وفيها الإمام أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي [٣] الحافظ ببغداد، في شعبان، وله أربع وسبعون سنة. رحل وكتب الكثير عن هشيم وطبقته،

стр. 1023

وصنف. وهو والد صاحب «التاريخ» أحمد بن أبي خيثمة. قال ابن ناصر الدّين: زهير بن حرب بن شدّاد الحرشي [١] مولاهم النسائي أبو خيثمة، ثقة. انتهى. وفيها أبو أيوب سليمان بن داود الشّاذكونيّ البصريّ الحافظ، الذي قال فيه صالح بن محمد: ما رأيت أحفظ منه. سمع حمّاد بن زيد وطبقته. وكان آية في كثرة الحديث وحفظه ينظّر بعلي بن المديني، ولكنه متروك الحديث. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن ناصر الدّين: سليمان بن داود الشّاذكونيّ المنقريّ أبو أيوب، كان من كبار الحفاظ، لكنه اتهم بالكذب. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال ابن عدي: سألت عبدان عنه فقال: معاذ الله أن يتّهم، إنما كان قد ذهبت كتبه، وكان يحدّث حفظا. انتهى. وفيها أبو جعفر النّفيليّ الحافظ، أحد الأعلام، عبد الله بن محمد بن عليّ بن نفيل الحرّانيّ، في ربيع الآخر، عن سن عالية. روى عن زهير بن معاوية والكبار. قال أبو داود: لم أر أحفظ منه. قال: وكان الشّاذكوني لا يقر لأحد بالحفظ إلا للنّفيليّ. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان النفيليّ رابع أربعة: وكيع، وابن المهدي، وأبو نعيم، وهو. وفيها أبو الحسن بن بحر بن برّي القطّان البغداديّ الحافظ بناحية الأهواز. كتب الكثير عن عبد العزيز الدراوردي وطبقته.

стр. 1024

وقال ابن ناصر الدّين: هو علي بن بحر بن برّي الفارسيّ البغداديّ. روى عنه أحمد وغيره، ووثق. انتهى. وفيها علي بن المديني، وهو الإمام أحد الأعلام، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعديّ مولاهم البصريّ الحافظ، صاحب التصانيف. سمع من حمّاد بن زيد، وعبد الوارث، وطبقتهما. قال البخاريّ: ما استصغرت نفسي عند أحد إلّا عند ابن المديني. وقال أبو داود: ابن المديني أعلم باختلاف الحديث من أحمد بن حنبل. وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله- ﷺ وخاصة بحديث سفيان بن عيينة. توفي في ذي القعدة وله ثلاث وسبعون سنة. وفيها محمد بن عبد الله بن نمير الحافظ أبو عبد الرّحمن الهمذانيّ الكوفيّ، أحد الأئمة، في شعبان. سمع أباه، وسفيان بن عيينة، وخلقا. قال أبو إسماعيل الترمذي [١] : كان أحمد بن حنبل يعظّم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيما عجيبا [٢] .

стр. 1025

وقال علي بن الحسين بن الجنيد الحافظ: ما رأيت بالكوفة مثله، قد جمع العلم، والسّنّة، والزّهد، وكان فقيرا يلبس في الشتاء [١] لبّادة. وقال ابن صالح المصري: ما رأيت بالعراق مثله ومثل أحمد بن حنبل جامعين، لم أر مثلهما بالعراق [٢] . وفيها محمد بن أبي بكر [٣] بن علي بن عطاء بن مقدّم مولى ثقيف، الحافظ أبو عبد الله المقدّميّ البصريّ. توفي في أول السنة. روى عن حمّاد ابن زيد وطبقته. وفيها المعافى بن سليمان الرّسعنيّ، محدّث رأس العين. روى عن فليح بن سليمان، وزهير بن معاوية، وكان صدوقا. وفيها شيخ الأندلس يحيى بن يحيى بن كثير الفقيه، أبو محمد اللّيثيّ، مولاهم، الأندلسيّ في رجب. وله اثنتان وثمانون سنة. روى «الموطأ» عن مالك سوى فوت من الاعتكاف. وانتهت إليه رياسة الفتوى ببلده. وخرج له عدة أصحاب. وبه انتشر مذهب مالك بناحيته، وكان إماما كثير العلم، كبير القدر، وافر الحرمة، كامل العقل، خيّر النفس [٤] كثير العبادة والفضل. كان يوما عند مالك فقدم فيل وخرج النّاس ينظرون إليه ولم يخرج، فقال له مالك: لم لا تخرج تنظره فإنه ليس ببلدك فيل؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم هديك وعلمك، فقال له: أنت عاقل الأندلس، رحمه الله تعالى.

стр. 1026

سنة خمس وثلاثين ومائتين فيها كما قاله في «الشذور» : أمر المتوكل بأخذ أهل الذّمّة بلبس الطيالس العسلية والزنانير، وترك ركوب السروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين، وأن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلّمهم مسلم. وفي ذي الحجّة تغير ماء دجلة إلى الصفرة فبقي ثلاثة أيام، ففزع النّاس لذلك ثم صار في لون الورد. انتهى. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم الموصليّ النديم، أبو محمد. كان رأسا في صناعة الطرب والموسيقا [١] أديبا، عالما، أخباريا، شاعرا، محسنا، كثير الفضائل. سمع من مالك وهشيم وجماعة، وعاش خمسا وثمانين سنة، وكان نافق السوق عند الخلفاء إلى الغاية، يعدّ من الأجواد. وثقه إبراهيم الحربي. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن الأهدل: كان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق من الشهرة بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى، وأعفّ، وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة، لكن طعن فيه الخطابيّ كما نقله النواوي عنه وقال: إنه معروف بالسخف، والخلاعة، وإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمعن في تلك الأباطيل، لم يرض بما تزود من إثمها حتّى صدّر كتابه بذم أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون. انتهى.

стр. 1027

وقال ابن الفرات: كان إسحاق- ﵀ من العلماء باللغة، والفقه، والكلام، والأشعار، وأخبار الشعراء، وأيام النّاس، وكان كثير الكتب، حتّى قال ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب كلها سماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي، وهو صاحب كتاب «الأغاني» الذي يرويه عنه ابنه حمّاد، وقد روى عنه أيضا الزّبير بن بكّار، ومصعب بن عبيد الزّبيري، وأبو العيناء، وميمون بن هارون، وغيرهم. وقال عون بن محمد الكلبي: حدثنا محمد بن عطية العطويّ الشاعر، أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع النّاس فيه، فرآني إسحاق بن إبراهيم، فأخذ يناظر أهل الكلام حتّى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس، واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، فأقبل على يحيى وقال: أعزّ الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا. وكان إسحاق قد عمي قبل وفاته بسنتين. حدّث أبو عبد الله النديم قال: لقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعد ما كفّ بصره، فسألني عن أخبار النّاس والسلطان، فأخبرته. ومن أخباره ما روي عنه أنه قال: أخبرني رجل من بني تميم أنه خرج في طلب ناقة له، قال: فوردت على ماء من مياه طيء فإذا خباءان أحدهما قريب من الآخر، وإذا في أحد الخباءين شاب كأنه الشّنّ [١] البالي، فدنوت منه فرأيت من حاله ما رثيت له، فسألته عن خبره؟ فأعلمني أنه عاشق لابنة عمّ له. وقد كان يأتيها فيتحدث معها، وقد منع من لقائها [٢] فنحل لذلك جسمه وطال همّه، وأنشأ يقول:

стр. 1028

ألا ما للخليلة [١] لا تعود ... أبخل بالخليلة [٢] أم صدود مرضت فعادني أهلي جميعا ... فما لك لم أر فيمن يعود وما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من بني عمّي عديد فلو كنت السقيمة جئت أسعى ... إليك ولم ينهنهني [٣] الوعيد قال: فسمعت كلامه الذي عناها به، فخرجت من ذلك الخباء كالبدر ليلة تمّه وهي تقول: وعاق لأن أزورك يا خليلي ... معاشر كلّهم واش حسود أشاعوا ما علمت من الدّواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد فلا يا حبّ ما طابت حياتي ... وأنت ممرّض فرد وحيد [٤] فتبادر النساء إليها وتعلقن بها، وأحس بها فوثب إليها، فتبادر الرجال نحوه فتعلقوا به، فجعلت تجذب نفسها والشاب يجذب نفسه حتّى تخلصا، فالتقيا واعتنقا، ثم شهقا شهقة واحدة وخرّا من قامتيهما متعانقين ميتين، فخرج شيخ من تلك الأخبية فوقف عليهما وقال: رحمكما الله، أما والله لئن لم أجمع بينكما في حياتكما لأجمعن بينكما بعد وفاتكما، ثم أمر بهما فغسلا وكفنا في كفن واحد، وحفر لهما قبرا واحدا ودفنهما فيه، فسألته عنهما؟ فقال: ابنتي وابن أخي، بلغ بهما الحب إلى ما رأيت، ففارقته وانصرفت. ومن شعر إسحاق النديم- ﵀ ما كتبه إلى هارون الرشيد ﵀ من أبيات: أرى النّاس خلّان الجواد [٥] ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل

стр. 1029

وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا [١] أن يكون ينيل [٢] عطائي عطاء المكثرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل [٣] انتهى ما أورده ابن الفرات ملخصا. وفيها الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعيّ، ابن عم طاهر ابن الحسين. ولي بغداد أكثر من عشرين سنة، وكان يسمى صاحب الجسر، وكان صارما سايسا حازما، وهو الذي كان يطلب العلماء ويمتحنهم بأمر المأمون، مات في آخر السنة. وفيها سريج بن يونس البغداديّ أبو الحارث، الجمّال [٤] العابد، أحد أئمة أصحاب الحديث. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته، وهو الذي رأى ربّ العزّة في المنام [٥] . وهو جدّ أبي العبّاس بن سريج. وفيها شيبان بن فروخ الأبلّي [٦] وهو من كبار الشيوخ وثقاتهم. روى عن جرير بن حازم وطبقته. قال عبدان: كان عنده خمسون ألف حديث.

стр. 1030

وفيها أبو بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام أحد الأعلام، عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، صاحب التصانيف الكبار، توفي في المحرم وله بضع وسبعون سنة. سمع من شريك فمن بعده. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه. وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، أسردهم له، وابن معين، وهو أجمعهم له، وابن المديني، وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفا. قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة عديم النظير. وخرّج له الشيخان. وفيها عبد الله بن عمر القواريريّ البصريّ الحافظ أبو سعيد ببغداد في ذي الحجة. روى عن حمّاد بن زيد وطبقته فأكثر. وقال صالح جزرة: هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة. وقال ابن ناصر الدّين: هو عبيد الله [١] بن عمر بن ميسرة، ثقة. وفيها، وقيل سنة ست وعشرين، أبو الهذيل العلّاف، محمّد بن هذيل بن عبيد الله البصريّ، شيخ المعتزلة، ورأس البدعة، وله نحو من مائة سنة. قاله في «العبر» [٢] . وكان يقول بفناء أهل النّار.

стр. 1031

سنة ست وثلاثين ومائتين قال في «الشذور» : فيها حجت شجاع [١] أمّ المتوكل، فشيّعها المتوكل إلى النجف، فلما صارت إلى الكوفة أمرت لكل رجل من الطالبيين والعباسيين بألف درهم، ولأبناء المهاجرين بخمسمائة درهم، وأمرت لكل امرأة من الهاشميات بخمسمائة درهم. وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وكان كثير البغض في علي بن أبي طالب- ﵁ ولكنه منع من [٢] القول بخلق القرآن. انتهى. وفيها توفي إبراهيم بن المنذر الحزاميّ المدنيّ الحافظ، أبو إسحاق محدّث المدينة. روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وطبقتهما فأكثر. وفيها، أو في التي قبلها، وجزم به ابن ناصر الدّين، السّمين محمد ابن حاتم بن ميمون المروزيّ ثم البغداديّ القطيعيّ، أبو عبد الله، وله كتاب «تفسير القرآن» وكان إماما، حافظا من الموثقين. وثقه ابن عدي، والدارقطني، وليّنه يحيى بن معين، وخرّج له مسلم، وأبو داود. وفيها أبو معمر القطيعيّ، إسماعيل بن إبراهيم ببغداد. روى عن شريك وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث وسنة.

стр. 1032

وفيها وزير المأمون وحموه أبو محمد الحسن بن سهل، وله سبعون سنة، وكان سمحا إلى الغاية جوادا ممدّحا. يقال: إنه أنفق على عرس بنته بوران على المأمون أربعة آلاف ألف دينار. قال ابن الأهدل: الحسن بن سهل السّرخسيّ- وسرخس مدينة من خراسان [١]- وكان موته لغلبة المرّة السوداء لشدة حزنه على أخيه الفضل حين قتل معافصة [٢] في الحمام، وكان عالي الهمّة ممدّحا، ودام في الوزارة كأخيه مدة طويلة، وفيهما قال الشاعر: تقول حليلتي لمّا رأتني ... أشدّ مطيّتي من بعد حلّ أبعد الفضل ترتحل المطايا ... فقلت نعم إلى الحسن بن سهل [٣] انتهى. وفيها مصعب بن عبد الله بن مصعب، الحافظ أبو عبد الله الأسديّ الزّبيريّ المدنيّ النسابة الأخباريّ. سمع مالكا وطائفة. قال الزّبير: كان عمّي مصعب وجه قريش، مروءة، وعلما، وشرفا، وبيانا، وقدرا، وجاها. وكان نسّابة قريش. عاش ثمانين سنة، وكان ثقة. وفيها هدبة بن خالد القيسيّ البصريّ أبو خالد الحافظ. سمع حمّاد ابن سلمة، ومبارك بن فضالة، والكبار، فأكثر. قال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلي خلف هدبة مما يطوّل. كان يسبّح في الركوع والسجود نيفا وثلاثين تسبيحة، وكان من أشبه خلق الله بهشام بن عمّار، لحيته ووجهه وكل شيء منه حتّى صلاته.

стр. 1033

سنة سبع وثلاثين ومائتين فيها على ما قال [١] في «الشذور» تمّ جامع سرّ من رأى، فبلغت النفقة عليه ثلاثمائة ألف وثمانية آلاف ومائتين واثني عشر دينارا. انتهى. وفيها وثبت بطارقة إرمينية على متوليها يوسف بن محمّد فقتلوه، فجهز المتوكل لحربهم بغا الكبير، فالتقوا عند أردبيل [٢] فكسرهم بغا، وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا وسبى، وغنم، ونزل بناحية تفليس. وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دواد القاضي وآله وصادرهم، وأخذ منهم ستة عشر ألف ألف درهم. وفيها توفي حاتم الأصمّ، أبو عبد الرّحمن الزّاهد، صاحب المواعظ والحكم بخراسان، وكان يقال له: لقمان هذه الأمة. قال أبو عبد الرحمن السّلمي في «طبقاته» [٣] : حاتم الأصم البلخي [٤] . وهو حاتم بن عنوان، ويقال: حاتم بن يوسف، كنيته أبو عبد الرّحمن، وهو من

стр. 1034

قدماء مشايخ خراسان، ومن أهل بلخ [١] ، صحب شقيق بن إبراهيم، وكان أستاذ أحمد بن حضرويه، وهو مولى للمثنّى بن يحيى المحاربي [٢] وله ابن يقال له: خشنام بن حاتم. مات عند رباط يقال له: رأس سرود على جبل فوق واشجرد. قال حاتم: من دخل في مذهبنا هذا فليجعل على نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر. فالموت الأبيض: الجوع. والموت الأسود: احتمال الأذى [٣] . والموت الأحمر: مخالفة النّفس. والموت الأخضر: طرح الرّقاع بعضها على بعض. وقال: من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء، فهو يتقلّب في رضا الله. أولها الثقة بالله، ثم التّوكّل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلها تتم بالمعرفة. وقال: الواثق من رزقه من لا يفرح بالغنى [٤] ولا يغتم بالفقر [٥] ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر. وقال: يعرف الإخلاص بالاستقامة، والاستقامة بالرّجاء، والرّجاء بالإرادة، والإرادة بالمعرفة. وقال: أصل الطاعة ثلاثة أشياء:

стр. 1035

الخوف، والرّجاء، والحبّ. وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحسد، والحرص. وقال: إذا أمرت النّاس بالخير فكن أنت أولى به وأحقّ، واعمل فيما تأمر، وكذا فيما تنهى. وأسند في «الحلية» [١] قال: مرّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم. قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبّر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلّم بالسبل والسّنّة، وأسلمها بالإخلاص لله- وأرجع على نفسي بالحق [٢] ، وأخاف أن لا تقبل مني، واحفظه عني إلى الموت. قال: تكلم فأنت تحسن تصلي. انتهى ما ذكره السلميّ ملخصا. قال ابن الجوزي: ولم يكن أصم، وإنما كانت امرأة [٣] تسأله فخرج منها صوت، فخجلت، فقال: ارفعي صوتك حتّى أسمع، فزال خجلها، وغلب عليه هذا الاسم. وفيها عبد الأعلى بن حمّاد [النّرسيّ] [٤] الحافظ في جمادى الآخرة. روى عن حمّاد بن سلمة، ومالك، وخلق، وكان ممن قدم على المتوكل فوصله بمال.

стр. 1036

وعبيد الله [١] بن معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ سمع أباه، ومعتمر [٢] ابن سليمان. قال أبو داود: كان فصيحا يحفظ نحو أربعة آلاف حديث. والفضيل بن الحسين [٣] الجحدريّ، ابن أخي كامل بن طلحة. سمع حمّاد بن سلمة والكبار، وكان له حفظ ومعرفة. وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العبّاس بن عثمان المطّلبيّ، ابن عم الشّافعي. سمع الفضيل بن عياض وطائفة، وكان كثير الحديث ثقة. وفيها وثيمة بن موسى الوشّاء، سمي به لبيعه الوشي، وهو نوع من ثياب الإبريسم، وكان وثيمة أحد الحفاظ، صنف كتاب «أخبار الردة» أجاد فيه وأوسع. قال في «المغني» [٤] : قال ابن [أبي] [٥] حاتم: يحدّث عن سلمة بن الفضل بأحاديث موضوعة. انتهى.

стр. 1037

سنة ثمان وثلاثين ومائتين فيها جاءت الرّوم في ثلاثمائة مركب، وأحرقوا كثيرا من ديار المسلمين ومسجد الجامع بدمياط، وسبوا نساء مسلمات عدّتهنّ ستمائة. قاله [١] في «العبر» [٢] . قال ابن حبيب: وفي صفر وجّه عبد الله بن طاهر إلى المتوكل حجرا سقط بناحية طبرستان وزنه ثمانمائة وأربعون درهما، أبيض فيه صدع، وذكروا أنه سمع لسقوطه هدة أربعة فراسخ في مثلها، وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع. ذكره [٣] في «الشذور» . وفيها توفي إسحاق بن راهويه، وهو الإمام عالم المشرق أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظليّ المروزيّ ثم النيسابوريّ الحافظ، صاحب التصانيف. سمع الدراوردي، وبقيّة، وطبقتهما، وعاش سبعا وسبعين سنة، وقد سمع من ابن المبارك وهو صغير فترك الرّواية عنه لصغره. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم بالعراق له نظيرا، وما عبر الجسر مثل إسحاق. وقال محمد بن أسلم: ما أعلم أحدا كان أخشى لله من إسحاق، ولو كان سفيان حيا لاحتاج إلى إسحاق.

стр. 1038

وقال أحمد بن سلمة: أملى علي إسحاق التفسير عن [١] ظهر قلبه. وجاء من غير وجه أن إسحاق كان يحفظ سبعين ألف حديث. قال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق. توفي إسحاق ليلة نصف شعبان بنيسابور. قاله في «العبر» [٢] . وناظر الشافعيّ في بيع دور مكة، فلما عرف فضله صحبه وصار من أصحاب الشافعي، ﵁. قاله ابن الأهدل. وفيها بشر بن الحكم العبديّ النّيسابوريّ الفقيه، والد عبد الرّحمن، توفي قبل إسحاق [٣] بشهر. قال أبو زرعة: ما رؤي أحد أحفظ منه، وقد رحل قبله ولقي مالكا والكبار، وعني بالأثر. وفيها بشر بن الوليد الكنديّ، القاضي العلّامة أبو الوليد ببغداد، في ذي القعدة، وله سبع وتسعون سنة. تفقه على أبي يوسف، وسمع من مالك وطبقته، وولي قضاء مدينة المنصور، وكان محمود الأحكام كثير العبادة والنوافل. وفيها الحسين بن منصور أبو علي السّلميّ النيسابوريّ الحافظ. رحل وأكثر عن ابن عيّاش، وابن عيينة، وطبقتهما، وعرض عليه قضاء نيسابور فاختفى، ودعا الله فمات في اليوم الثالث. وفيها طالوت بن عبّاد أبو عثمان البصريّ، له نسخة [٤] مشهورة عالية. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته، وكان ثقة، ولم يخرّجوا له شيئا. وعمرو بن زرارة الكلابيّ النّيسابوريّ، وله ثمان وسبعون سنة. روى عن

стр. 1039

هشيم وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث. وعبد الملك بن حبيب مفتي الأندلس ومصنف «الواضحة» وغير ذلك في رابع رمضان، وله أربع وستون [١] سنة تفقه بالأندلس على أصحاب مالك، زياد بن عبد الرّحمن شبطون وغيره، وحج سنة ثمان ومائتين، فحمل عن عبد الملك بن الماجشون وطائفة، وهو في الحديث ليس بحجة. قال في «المغني» [٢] : عبد الملك بن حبيب القرطبيّ الفقيه، كثير الوهم، صحفيّ [٣] وقد اتهم [٤] . انتهى. وفيها عبد الرّحمن بن الحكم بن هشام بن الدّاخل الأمويّ، صاحب الأندلس، وقد نيّف على الستين، وكانت أيامه اثنتين وثلاثين سنة، وكان محمود السيرة عادلا جوادا مفضّلا، له نظر في العقليات، ويقيم للناس الصلوات، ويهتم بالجهاد. وفيها محمد بن بكّار بن الرّيّان، ببغداد في ربيع الآخر. سمع فليح ابن سليمان، وقيس بن الرّبيع، والكبار. وفيها أبو جعفر محمد بن الحسين البرجلانيّ، مصنف «الزهديات» وشيخ ابن أبي الدّنيا. وفيها محمّد بن عبيد بن حساب الغبريّ [٥] بالبصرة. روى عن

стр. 1040

حمّاد بن زيد، وطبقته، وكان ثقة حجة. ومحمد بن أبي السّري العسقلانيّ في شعبان. سمع الفضيل بن عياض، وطبقته. وفيها أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفيّ الكوفيّ المقرئ الحافظ، نزيل مصر، وقيل: في السنة التي قبلها. سمع عبد العزيز الدّراوردي وطبقته.

стр. 1041

سنة تسع وثلاثين ومائتين فيها على ما قاله في «الشذور» أخذ المتوكل أهل الذّمّة بلبس رقعتين عسليتين على الأقبية والدّراريع، وأن يصبغ النساء مقانعهن عسليات، وأن يقتصروا على ركوب البغال، والحمير، دون الخيل، والبراذين. وغزا بلاد الرّوم علي بن يحيى الأرمينيّ فقتل عشرة آلاف علج، وسبى عشرة آلاف فارس، ومن الدواب سبعة آلاف دابة، وأحرق أكثر من ألف قرية، ورجفت طبرية بالليل [١] حتّى مادت الأرض واصطكت الجبال، ثم انقطع من الجبل المطلّ عليها قطعة ثمانين ذراعا طولا في خمسين ذراعا، فمات منها خلق كثير. انتهى. وفيها على ما قاله في «العبر» [٢] غزا المسلمون وعليهم عليّ الأرمني، حتّى شارفوا القسطنطينيّة، فأغاروا وأحرقوا ألف قرية، وقتلوا وسبوا. وفيها عزل يحيى بن أكثم من القضاء وصودر، وأخذ منه مائة ألف درهم [٣] .

стр. 1042

وفيها توفي مفتي بلخ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الباهليّ البلخيّ الحنفيّ الفقيه، في جمادى الأولى. أخذ عن أبي يوسف، وسمع من مالك وجماعة، وكان رئيسا مطاعا فأخرج قتيبة من بلخ لعداوة بينهما. وخرّج له النسائيّ، وهو شيخه. قال في «المغني» [١] : ثقة فقيه. قال أبو حاتم: لا يشتغل به. انتهى. وفيها داود بن رشيد أبو الفضل الخوارزميّ ببغداد في شعبان. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته، وكان ثقة واسع الرّواية. وفيها صفوان بن صالح، أبو عبد الملك مؤذّن جامع دمشق. روى عن الوليد بن مسلم وطبقته، وكان حنفيّ المذهب. [٢] والصّلت بن مسعود الجحدريّ قاضي سامرّاء في صفر. روى عن حمّاد بن زيد وطبقته. وفيها عبد الله بن عمر بن أبان [الكوفيّ مشكدانة] [٣] روى عن أبي الأحوص وجماعة كثيرة [٤] . وفيها عثمان بن محمد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ الحافظ، وكان أكبر من أخيه أبي بكر. رحل، وطوّف، وصنف «التفسير» و «المسند» ، وحضر مجلسه ثلاثون ألفا. روى عن شريك، وأبي الأحوص، وخلق. وروى عنه

стр. 1043

الشيخان وغيرهما، وكان ثقة. وفيها محمد بن مهران [١] أبو جعفر الرّازي الجمّال الحافظ، رحل وطوّف، وروى عن فضيل بن عياض، وخلق كثير، وحدّث عنه الشيخان وغيرهما، وكان ثقة. وفيها محمد بن يحيى بن أبي سمينة [٢] أبو جعفر، البغداديّ التمّار الحافظ، في ربيع الأول. سمع المعافى بن عمران وطائفة. وفيها محمود بن غيلان أبو أحمد المروزيّ الحافظ، محدّث مرو. حجّ وحدّث ببغداد عن الفضل بن موسى، وابن عيينة، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالحديث صاحب سنّة. حبس بسبب القرآن. وقال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه الشيخان، والترمذي، والنسائيّ، وابن ماجة، وغيرهم، وكان حافظا ثقة. انتهى. وفيها وهب بن بقيّة الواسطيّ، ويقال له: وهبان. روى عن هشيم وأقرانه.

стр. 1044

سنة أربعين ومائتين فيها كما قاله في «الشذور» أخذ أهل الذّمّة بتعليم أولادهم العبرانية، والسريانية، ومنعوا من العربية، ونادى المنادي بذلك، فأسلم منهم خلق كثير. وفيها خرجت ريح من بلاد التّرك، فمرّت بمرو، فقتلت خلقا كثيرا بالزّكام، ثم صارت إلى نيسابور، وإلى الرّيّ، وإلى همذان، وحلوان، ثم إلى العراق، وأصاب أهل بغداد، وسرّ من رأى، حمّى، وسعال، وزكام. وقال محمد بن حبيب: جاءت الكتب من المغرب أن ثلاثة عشر قرية من القيروان خسف بها، فلم ينج من أهلها إلّا اثنان وأربعون رجلا سود الوجوه، فأتوا القيروان، فأخرجهم أهلها، فقالوا أنتم مسخوط عليكم [١] ، فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها. انتهى ما ذكره في «الشذور» . وفيها توفي أحمد بن أبي دواد- على وزن فؤاد- قاضي القضاة أبو عبد الله الإياديّ، وله ثمانون سنة. وكان فصيحا، مفوّها، شاعرا، جوادا، ممدّحا، رأسا في التجهّم، وهو الذي شغب على الإمام أحمد بن حنبل وأفتى بقتله. قاله في «العبر» [٢] .

стр. 1045

وقال ابن الأهدل: كان عالما، جوادا، ممدّحا، معتزليا، وكان له القبول التام عند المأمون والمعتصم، وهو أول من بدأ الخلفاء بالكلام وكانوا لا يكلّمون حتّى يتكلموا، وبسببه وفتياه امتحن الإمام أحمد وأهل السّنّة بالضرب والهوان على القول بخلق القرآن، وابتلي ابن أبي دواد بعد ذلك بالفالج نحو أربع سنين، ثم غضب عليه المتوكل فصادره [١] هو وأهله وأخذ منهم ستة عشر ألف ألف درهم، وأخذ من والده مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجوهرا بأربعين ألف دينار، وقيل: إنه صالحه على ضياعه وضياع أبيه بألف ألف دينار. ولأحمد بن أبي دواد عطايا جزيلة وشفاعة إلى الخلفاء مقبولة، وفيه يقول الشاعر: لقد أنست مساوئ كلّ دهر ... محاسن أحمد بن أبي دواد وما سافرت في الأقطار إلّا ... ومن جدواك راحلتي وزادي [٢] وكان بينه وبين ابن الزّيّات شحناء ومهاجاة عظيمة. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وفيها أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ البغداديّ الفقيه أحد الأعلام. تفقه [بالشّافعيّ] [٣] ، وسمع من ابن عيينة وغيره، وبرع في العلم، ولم يقلّد أحدا. قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالسّنّة منذ خمسين سنة. وهو عندي في صلاح سفيان الثوري. انتهى. قال ابن الأهدل: صنف فجمع في تصنيفه بين الحديث والفقه،

стр. 1046

واستعمل أولا مذهب أهل الرّأي حتّى قدم الشافعيّ العراق وصحبه فاتبعه، وهو غير مقلّد لأحد. وقال له محمد بن الحسن: غلبنا عليك هذا الحجازيّ- يعني الشافعيّ- فقال: أجد الحق معه. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة مأمون مجتهد. انتهى. والحسن بن عيسى بن ماسرجس أبو علي النيسابوريّ. توفي في أول السنة بطريق مكّة، وكان ورعا ديّنا ثقة، أسلم على يد ابن المبارك، وسمع الكثير منه، ومن أبي الأحوص، وطائفة، ولما مرّ ببغداد حدّث بها، وعدوا في مجلسه اثني عشر ألف محبرة. وفيها أبو عمرو [١] خليفة بن خيّاط [العصفريّ] [٢] البصريّ الحافظ شباب [٣] ، صاحب «التاريخ» و «الطبقات» وغير ذلك. سمع من يزيد بن زريع [٤] وطبقته، وحدّث عنه البخاريّ وغيره، وكان ثبتا يقظا. وسويد بن سعيد أبو محمد الهرويّ ثم الحدثانيّ، نسبة إلى الحديثة [٥] التي تحت عانة. سمع مالكا وشريكا وطبقتهما، وكان مكثرا حسن الحديث، بلغ مائة سنة. قال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس. قال في «المغني» [٦] : سويد بن سعيد الحدثانيّ شيخ مسلم. محدّث نبيل، له مناكير.

стр. 1047

قال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد: متروك. وقال النسائيّ: ليس بثقة. وقال البخاريّ: عمي وكان يقبل التلقين. انتهى. وسويد بن نصر المروزيّ. رحل وكتب عن ابن المبارك، وابن عيينة، وعمّر تسعين سنة. وسحنون مفتي القيروان وقاضيه، أبو سعيد عبد السّلام بن سعيد بن حبيب التنوخيّ الحمصيّ الأصل ثم المغربي المالكيّ [١] صاحب «المدوّنة» . أخذ عن ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وله عدة أصحاب، وعاش ثمانين سنة. وعبد الواحد بن غياث المربديّ [٢] البصريّ. سمع حمّاد بن سلمة وطبقته. وفيها محدّث خراسان أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفيّ مولاهم البلخيّ ثم البغلانيّ [٣] الحافظ، واسمه يحيى، وقيل: علي، ولقبه قتيبة [٤] . سمع مالكا، واللّيث، والكبار. ورحل العلماء إليه من الأقطار، وكان من الأغنياء. قال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه أصحاب الكتب إلّا ابن ماجة، وروى عنه أحمد، وابن معين. إليه المنتهى في الثقة. انتهى.

стр. 1048

وأبو بكر الأعين محمد بن أبي عتّاب [١] الحسن بن طريف البغداديّ الحافظ في جمادى الأولى. سمع زيد بن الحباب وطبقته، ورحل إلى الشام، ومصر، وجمع وصنف. واللّيث بن خالد أبو الحارث المقرئ الكبير، صاحب الكسائي، وكان من أعيان أهل الأداء ببغداد، وتوفي قبل الأربعين ومائتين تقريبا. وسليمان بن أحمد الدمشقيّ ثم الواسطيّ الحافظ. روى عن الوليد ابن مسلم وجماعة، وهو مضعّف [٢] . قال البخاريّ: فيه نظر. وفيها عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ [٣] المكيّ. سمع من سفيان بن عيينة، وناظر بشرا المريسي [٤] في مجلس المأمون بمناظرة عجيبة غريبة، فانقطع بشر وظهر عبد العزيز، ومناظرتهما مشهورة مسطورة، وعبد العزيز هو صاحب كتاب «الحيدة» [٥] وهو معدود في أصحاب الشافعيّ. وفيها نصير [٦] بن يوسف الرّازيّ النحويّ المقرئ، تلميذ الكسائي.

стр. 1049

وعمر بن زرارة الحدثيّ. ثقة، له نسخة [١] مشهورة. روى عن شريك وجماعة. وفيها أبو يعقوب الأزرق صاحب ورش، وكان مقرئ ديار مصر في زمانه، واسمه يوسف بن عمرو بن يسار [٢] . قال في «حسن المحاضرة» [٣] : أبو يعقوب الأزرق يوسف بن عمرو بن يسار المدنيّ ثم المصريّ. لزم ورشا مدة طويلة، وأتقن عنه الأداء وخلفه في الإقراء بالدّيار المصرية، وانفرد عنه بتغليظ اللّامات وترقيق الراءات. قال أبو الفضل الخزاعي: أدركت أهل مصر والمغرب على أبي يعقوب عن ورش [٤] لا يعرفون غيرها. انتهى. وفيها أحمد بن المعدّل بن غيلان العبديّ البصريّ الفقيه المالكيّ المتكلم، صاحب عبد الملك الماجشون. كان فصيحا مفوها. له عدة مصنفات. وعليه تفقه إسماعيل القاضي، والبصريون.

стр. 1050

سنة إحدى وأربعين ومائتين فيها على ما قاله في «الشذور» ماجت النجوم في السماء وجعلت تطاير شرقا وغربا كالجراد من قبل غروب الشفق إلى قريب من الفجر، ولم يكن مثل هذا إلّا عند ظهور رسول الله- ﷺ انتهى. وفيها توفي في ثاني عشر ربيع الأول بكرة الجمعة، شيخ الأمة وعالم أهل العصر، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذّهليّ الشيبانيّ المروزيّ ثم البغداديّ، أحد الأعلام ببغداد، وقد تجاوز سبعا وسبعين سنة بأيام، وكان أبوه جنديا فمات شابّا أول طلب أحمد للعلم، في سنة تسع وسبعين ومائة، فسمع أحمد من هشيم، وإبراهيم بن سعد، وطبقتهما. وكان شيخا أسمر مديد القامة، مخضوبا، عليه سكينة ووقار، وقد جمع ابن الجوزي أخباره في مجلد، وكذلك البيهقيّ، وشيخ الإسلام الهرويّ، وكان إماما في الحديث وضروبه، إماما في الفقه ودقائقه، إماما في السّنّة ودقائقها [١] ،، إماما في الورع وغوامضه، إماما في الزّهد وحقائقه. قاله في «العبر» [٢] . وقال الحافظ عبد الغني في كتابه «الكمال في أسماء الرّجال» : أحمد ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان بن

стр. 1051

عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة [١] بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني، أبو عبد الله. خرج من مرو حملا، وولد ببغداد، ونشأ بها ومات بها، ورحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكّة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة. وسمع من سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى بن سعيد القطّان، وهشيم بن بشير، ومعتمر [٢] بن سليمان، وإسماعيل بن عليّة، ووكيع ابن الجرّاح، وعبد الرّحمن بن مهدي، وخلق. وروى عنه عبد الرّزّاق بن همّام، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطّيالسي، وأبو عبد الله محمد بن إدريس [٣] الشّافعي، والأسود ابن عامر شاذان، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأكثر عنه في «كتاب السنن» . وروى الترمذيّ عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه. وروى النسائي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه، وعن محمد بن عبد الله عنه. وروى ابن ماجة عن محمد بن يحيى الذّهلي عنه. وإبراهيم الحربي، والأثرم [٤] وأبو بكر أحمد المرّوذيّ [٥] ، وعثمان بن

стр. 1052

سعيد الدّارمي [١] ومحمد بن يحيى الذّهلي النيسابوري، وخلق لا يحصون. قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبدا، يعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلّام ما أمثله إلّا بجبل نفخ [٢] فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث ما شبّهته إلّا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل، كأن الله- جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وعن الحسن بن العبّاس قال: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلم إلّا شابا بالمشرق، يعني أحمد بن حنبل. وقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثوري، والأوزاعي، ومالك، واللّيث بن سعد، لكان هو المقدّم. وقيل لقتيبة: يضم أحمد بن حنبل إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال يحيى بن معين: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقلت له: أوصني، فقال: لا تحدّث المسند إلّا من كتاب [٣] . وقال علي بن المديني: قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدّث إلا من كتاب. وقال يوسف بن مسلم: قال حدّث الهيثم بن جميل بحديث عن جميل بحديث عن هشيم فوهم فيه، فقيل له: خالفوك في هذا، فقال: من خالفني؟ قالوا: أحمد بن حنبل. قال: وددت أنه نقص من عمري وزيد في عمر أحمد ابن حنبل. (١١/ ٢٥٥) ، و «تهذيب الكمال» (١/ ٤٤٠) طبع مؤسسة الرسالة.

стр. 1053

وقيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ؟ قال: أحمد ابن حنبل، حزر كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغ اثني عشر حملا وعدلا، ما على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يحفظه من ظهر قلبه. وروي عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل إمام الحفاظ أنه قال: إذا جاء الحديث في فضائل الأعمال وثوابها وترغيبها تساهلنا في إسناده، وإذا جاء الحديث في الحدود، والكفّارات، والفرائض، تشددنا فيه. وقال إبراهيم بن شمّاس: خاض النّاس فقالوا: إن وقع أمر في أمة محمد- ﷺ فمن الحجّة على وجه الأرض، فاتفقوا كلهم على أن أحمد بن حنبل حجّة [١] . انتهى ما قاله في «الكمال» ملخصا. وقال ابن الأهدل: كان أحمد من خواص أصحاب الشافعي، وكان الشافعيّ يأتيه إلى منزله، فعوتب في ذلك فأنشد: قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالين له [٢] ﵄. وكان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. قال الرّبيع: كتب إليه الشّافعيّ من مصر، فلما قرأ الكتاب بكى، فسألته عن ذلك فقال: إنه يذكر أنه رأى النّبيّ- ﷺ وقال: «اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السّلام وقل له: إنك ستمتحن على القول بخلق القرآن فلا تجبهم، نرفع لك علما إلى يوم القيامة» . قال الربيع: فقلت له: البشارة، فخلع عليّ قميصه وأخذت جوابه، فلما

стр. 1054

قدمت على الشافعيّ وأخبرته بالقميص قال: لا نفجعك فيه [١] ولكن بلّه وادفع إليّ ماءه حتّى أكون شريكا لك فيه. وكان يخضب بالحناء خضابا [٢] ليس بالقاني. وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفا، وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود، والنصارى، والمجوس. وحكي عن إبراهيم الحربي قال: رأيت بشرا الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرّصافة وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما هذا في كمك؟ فقال: نثر علينا لقدوم روح أحمد الدّر والياقوت، فهذا ما التقطته. انتهى ما ذكره ابن الأهدل ملخصا. وفيها توفي جبارة بن المغلّس الحمّانيّ الكوفيّ عن سن عالية. روى عن شبيب بن شيبة [وأبي بكر] النهشلي [٣] . قال في «المغني» [٤] : جبارة بن المغلّس شيخ ابن ماجة، واه. قال ابن نمير: صدوق، كان يوضع له الحديث، يعني فلا يدري. وقال البخاريّ: مضطرب الحديث. قال أبو حاتم: وقال ابن معين: كذّاب. انتهى. وفيها الحسن بن حمّاد الإمام أبو علي الحضرميّ البغداديّ سجّادة. روى عن أبي بكر بن عيّاش وطبقته، وكان ثقة صاحب سنة وله حلقة وأصحاب. وفيها أبو توبة [٥] الحلبيّ، واسمه الرّبيع بن نافع الحافظ. سمع

стр. 1055

معاوية بن سلّام، وشريكا، والكبار. وروى عنه أحمد وغيره بلا واسطة، والشيخان بواسطة. كان أحد الثقات، ونزل طرسوس، فكان شيخها وعالمها. وعبد الله بن منير أبو عبد الرّحمن المروزيّ الزّاهد القانت، الذي قال البخاريّ: لم أر مثله. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وكان ثقة. ويعقوب بن حميد بن كاسب المحدّث مدني مشهور. نزل مكّة وروى عن إبراهيم بن سعد وطبقته، وكان يكنى أبا يوسف. قواه البخاري، ووثقه ابن معين، وضعفه جماعة. وفيها عبيد الله بن سعيد [السّرخسيّ أبو قدامة اليشكريّ] [١] المولى الرّضي، العلّامة الثقة. روى عنه الشيخان، والنسائي، وابن خزيمة. أظهر السّنّة بسرخس ودعا إليها وحده. وفيها الحسن بن إسحاق بن زياد، حسنويه [٢] ، أحد الثقات. روى عنه البخاريّ، والنسائيّ، وغيرهما.
следующие страницы →