← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة [١] بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني، أبو عبد الله. خرج من مرو حملا، وولد ببغداد، ونشأ بها ومات بها، ورحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكّة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة. وسمع من سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى بن سعيد القطّان، وهشيم بن بشير، ومعتمر [٢] بن سليمان، وإسماعيل بن عليّة، ووكيع ابن الجرّاح، وعبد الرّحمن بن مهدي، وخلق. وروى عنه عبد الرّزّاق بن همّام، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطّيالسي، وأبو عبد الله محمد بن إدريس [٣] الشّافعي، والأسود ابن عامر شاذان، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأكثر عنه في «كتاب السنن» . وروى الترمذيّ عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه. وروى النسائي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه، وعن محمد بن عبد الله عنه. وروى ابن ماجة عن محمد بن يحيى الذّهلي عنه. وإبراهيم الحربي، والأثرم [٤] وأبو بكر أحمد المرّوذيّ [٥] ، وعثمان بن

стр. 1052

سعيد الدّارمي [١] ومحمد بن يحيى الذّهلي النيسابوري، وخلق لا يحصون. قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبدا، يعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلّام ما أمثله إلّا بجبل نفخ [٢] فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث ما شبّهته إلّا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل، كأن الله- جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وعن الحسن بن العبّاس قال: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلم إلّا شابا بالمشرق، يعني أحمد بن حنبل. وقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثوري، والأوزاعي، ومالك، واللّيث بن سعد، لكان هو المقدّم. وقيل لقتيبة: يضم أحمد بن حنبل إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال يحيى بن معين: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقلت له: أوصني، فقال: لا تحدّث المسند إلّا من كتاب [٣] . وقال علي بن المديني: قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدّث إلا من كتاب. وقال يوسف بن مسلم: قال حدّث الهيثم بن جميل بحديث عن جميل بحديث عن هشيم فوهم فيه، فقيل له: خالفوك في هذا، فقال: من خالفني؟ قالوا: أحمد بن حنبل. قال: وددت أنه نقص من عمري وزيد في عمر أحمد ابن حنبل. (١١/ ٢٥٥) ، و «تهذيب الكمال» (١/ ٤٤٠) طبع مؤسسة الرسالة.

стр. 1053

وقيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ؟ قال: أحمد ابن حنبل، حزر كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغ اثني عشر حملا وعدلا، ما على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يحفظه من ظهر قلبه. وروي عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل إمام الحفاظ أنه قال: إذا جاء الحديث في فضائل الأعمال وثوابها وترغيبها تساهلنا في إسناده، وإذا جاء الحديث في الحدود، والكفّارات، والفرائض، تشددنا فيه. وقال إبراهيم بن شمّاس: خاض النّاس فقالوا: إن وقع أمر في أمة محمد- ﷺ فمن الحجّة على وجه الأرض، فاتفقوا كلهم على أن أحمد بن حنبل حجّة [١] . انتهى ما قاله في «الكمال» ملخصا. وقال ابن الأهدل: كان أحمد من خواص أصحاب الشافعي، وكان الشافعيّ يأتيه إلى منزله، فعوتب في ذلك فأنشد: قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالين له [٢] ﵄. وكان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. قال الرّبيع: كتب إليه الشّافعيّ من مصر، فلما قرأ الكتاب بكى، فسألته عن ذلك فقال: إنه يذكر أنه رأى النّبيّ- ﷺ وقال: «اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السّلام وقل له: إنك ستمتحن على القول بخلق القرآن فلا تجبهم، نرفع لك علما إلى يوم القيامة» . قال الربيع: فقلت له: البشارة، فخلع عليّ قميصه وأخذت جوابه، فلما

стр. 1054

قدمت على الشافعيّ وأخبرته بالقميص قال: لا نفجعك فيه [١] ولكن بلّه وادفع إليّ ماءه حتّى أكون شريكا لك فيه. وكان يخضب بالحناء خضابا [٢] ليس بالقاني. وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفا، وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود، والنصارى، والمجوس. وحكي عن إبراهيم الحربي قال: رأيت بشرا الحافي في النوم كأنه خارج من مسجد الرّصافة وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما هذا في كمك؟ فقال: نثر علينا لقدوم روح أحمد الدّر والياقوت، فهذا ما التقطته. انتهى ما ذكره ابن الأهدل ملخصا. وفيها توفي جبارة بن المغلّس الحمّانيّ الكوفيّ عن سن عالية. روى عن شبيب بن شيبة [وأبي بكر] النهشلي [٣] . قال في «المغني» [٤] : جبارة بن المغلّس شيخ ابن ماجة، واه. قال ابن نمير: صدوق، كان يوضع له الحديث، يعني فلا يدري. وقال البخاريّ: مضطرب الحديث. قال أبو حاتم: وقال ابن معين: كذّاب. انتهى. وفيها الحسن بن حمّاد الإمام أبو علي الحضرميّ البغداديّ سجّادة. روى عن أبي بكر بن عيّاش وطبقته، وكان ثقة صاحب سنة وله حلقة وأصحاب. وفيها أبو توبة [٥] الحلبيّ، واسمه الرّبيع بن نافع الحافظ. سمع

стр. 1055

معاوية بن سلّام، وشريكا، والكبار. وروى عنه أحمد وغيره بلا واسطة، والشيخان بواسطة. كان أحد الثقات، ونزل طرسوس، فكان شيخها وعالمها. وعبد الله بن منير أبو عبد الرّحمن المروزيّ الزّاهد القانت، الذي قال البخاريّ: لم أر مثله. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وكان ثقة. ويعقوب بن حميد بن كاسب المحدّث مدني مشهور. نزل مكّة وروى عن إبراهيم بن سعد وطبقته، وكان يكنى أبا يوسف. قواه البخاري، ووثقه ابن معين، وضعفه جماعة. وفيها عبيد الله بن سعيد [السّرخسيّ أبو قدامة اليشكريّ] [١] المولى الرّضي، العلّامة الثقة. روى عنه الشيخان، والنسائي، وابن خزيمة. أظهر السّنّة بسرخس ودعا إليها وحده. وفيها الحسن بن إسحاق بن زياد، حسنويه [٢] ، أحد الثقات. روى عنه البخاريّ، والنسائيّ، وغيرهما.

стр. 1056

سنة اثنتين وأربعين ومائتين وفيها على ما قاله في «الشذور» رجمت قرية يقال لها: السويداء بناحية مضر [١] بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، وزن منها حجر فكان عشرة أرطال، فحمل منها [٢] أربعة إلى الفسطاط، وواحد إلى تنّيس. وزلزلت الرّيّ، وجرجان، وطبرستان، ونيسابور، وأصبهان، وقم، وقاشان، كلها في وقت واحد، وتقطعت جبال، ودنا بعضها من بعض، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، وسار جبل كان باليمن عليه مزارع قوم إلى مزارع قوم آخرين فوقف عليها، وزلزلت الدّامغان، فسقط نصفها على أهلها، فهلك بذلك خمسة وعشرون ألفا، وسقطت بلدان كثيرة على أهلها، ووقع طائر أبيض دون الرّخمة [٣] وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر النّاس اتقوا الله، الله، الله، حتّى صاح أربعين صوتا، ثم طار وجاء من الغد، فصاح أربعين صوتا، وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز، فسقط طائر أبيض فصاح بالفارسية وبالحورية: إن الله قد غفر لهذا

стр. 1057

الميت ولمن شهده. انتهى ما ذكره ابن الجوزي في «الشذور» . وفيها توفي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزّهري الفقيه، قاضي المدينة ومفتيها، في رمضان، وله اثنتان وتسعون سنة. تفقه على مالك، وسمع منه «الموطأ» ولزمه مدة، وسمع من جماعة، وكان ثقة. قال الزّبير بن بكّار: مات وهو فقيه المدينة غير مدافع. وفيها القاضي أبو حسّان الزّيادي، وهو الحسن بن عثمان، في رجب ببغداد، وكان إماما، ثقة، أخباريا، مصنفا، كثير الاطلاع. سمع حمّاد ابن زيد وطبقته. قيل: إن الشّافعيّ نزل عليه ببغداد. وفيها الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الحلوانيّ الخلّال. سمع حسين بن علي الجعفي وطبقته. كان محدّث مكّة. ثقة مكثرا. قال إبراهيم بن أرومة: بقي اليوم في الدّنيا ثلاثة: محمد بن يحيى الذّهلي بخراسان، وأحمد بن الفرات بأصبهان، والحسن بن عليّ الحلواني بمكّة. وفيها الإمام أبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان المقرئ إمام جامع دمشق، قرأ على أيوب بن تميم، وسمع من الوليد بن مسلم وطائفة. قال أبو زرعة الدمشقي: ما في الوقت أقرأ من ابن ذكوان. وقال أبو حاتم: صدوق. قال في «العبر» [١] : قلت: عاش سبعين سنة. انتهى. وفيها الإمام الرّبّانيّ محمد بن أسلم الطّوسيّ الزّاهد، صاحب

стр. 1058

«المسند» و «الأربعين» ، وكان يشبّه في وقته بابن المبارك. رحل وسمع الحديث من يزيد بن هارون، وجعفر بن عون وطبقتهما. وروى عنه إمام الأئمة ابن خزيمة، وقال: لم تر عيناي مثله. وقال غيره: كان يعد من الأبدال، وكان يقال له: ربّانيّ هذه الأمة. قال ابن ناصر الدّين: قيل: إنه صلى عليه لما مات ألف ألف إنسان. وفيها أبو عبد الله محمد بن رمح التّجيبيّ مولاهم المصريّ الحافظ في شوّال. سمع اللّيث، وابن لهيعة. قال النسائيّ: ما أخطأ في حديث واحد. وقال ابن يونس: ثقة ثبت. كان أعلم الناس بأخبار بلدنا. وفيها محمد بن عبد الله بن عمّار الموصليّ الحافظ أبو جعفر، صاحب «التاريخ» و «علل الحديث» . سمع المعافي بن عمران، وابن عيينة، وطبقتهما، وكان عبيد العجلي يعظم أمره ويرفع قدره. قال النسائيّ: ثقة صاحب حديث. قال في «المغني» [١] : ثقة، أساء أبو يعلى القول فيه. انتهى. وفيها نوح بن حبيب [٢] القومسيّ الحافظ. في رجب. روى عن عبد الله بن إدريس، ويحيى القطّان، وطبقتهما، وكان ثقة صاحب سنّة. وفيها يحيى بن أكثم القاضي، أبو محمد المروزيّ ثم البغداديّ، أحد الأعلام، في آخر السنة بالرّبذة، منصرفا من الحج، وله بضع وسبعون

стр. 1059

سنة. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته، وكان فقيها مجتهدا مصنفا. قال طلحة الشاهد: يحيى بن أكثم أحد أعلام الدّنيا، قائم بكل معضلة، غلب على المأمون حتّى أخذ بمجامع [١] قلبه، وقلّده القضاء وتدبير مملكته، وكانت الوزراء لا تعمل الشيء إلّا بعد مطالعته. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن الأهدل: كان سنيّ العقيدة، غلب على المأمون فقلّده القضاء وتدبير مملكته، ثم عزله المعتصم بابن أبي دواد، ثم رده المتوكل وعزل ابن أبي دواد، حتّى طابت عقائد أهل السّنّة، وكان يحيى كثير المزاح، واختلف المحدّثون في توثيقه، ولي قضاء البصرة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقال له المأمون: كم سنك؟ فقال: كعتّاب بن أسيد حين أمّره النّبيّ- ﷺ على مكّة. وسئل أحمد عما يذكر عنه من الهنات فأنكره إنكارا شديدا. وله الأثر المحمود والمقام التام يوم نادى المأمون بتحليل المتعة، فردّه بصريح النقل حتّى رجع واستغفر، ولما استدعاه المأمون للقضاء، نظر إليه، وكان دميم الخلق، فعلم أنه استحقره، فقال: يا أمير المؤمنين، سلني إن كان القصد عليّ لا خلقي، فسأله عن المسألة المعروفة بالمأمونية، وهي أبوان وابنتان ولم تقسم التركة حتّى ماتت إحدى البنتين، عمن في المسألة، فقال: الميت الأول رجل أو امرأة، فقال له: إذا سألت عن الميت الأول فقد عرفتها. انتهى ما قاله ابن الأهدل ملخصا. قلت: لأن الميت الأول إن كان رجلا فالأب وارث في المسألة الثانية، لأنه أبو أب، وإلّا فلا، لأنه أبو أم.

стр. 1060

وروى أبو القاسم القشيريّ [١] ، رحمه الله تعالى، في «الرسالة» [٢] قال: حكى أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد، قال: كان القاضي يحيى بن أكثم صديقا لي، وكان يودني وأوده، فمات، فكنت أشتهي أن أراه في المنام، فأقول له: ما فعل الله بك، فرأيته ليلة في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، إلّا أنه وبخني، ثم قال لي: يا يحيى خلّطت على نفسك في دار الدّنيا. فقلت: يا رب اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضّرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله- ﷺ ، إنك قلت: «إني لأستحي أن أعذّب شيبة بالنّار» . فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلّطت على نفسك في دار الدّنيا. انتهى كلامه. وأكتم بالمثناة والمثلثة: العظيم البطن.

стр. 1061

سنة ثلاث وأربعين ومائتين وفيها توفي أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرّباطيّ [الأشقر] [١] الحافظ بنيسابور، وقيل: في سنة خمس أو ست وأربعين. سمع [وكيعا ورحل إلى عبد الرزاق، وحدّث عنه الأئمة سوى ابن ماجة، وكان علّامة مفيدا متقنا. وفيها أبو عبد الله أحمد بن عيسى المصريّ، المعروف بابن التّستريّ. سمع ضمام بن إسماعيل و] [٢] ابن وهب، ونزل بغداد. وحدّث عنه الشيخان، والنسائي، وغيرهم. قال في «المغني» [٣] : عن ابن وهب، ثقة. كذّبه ابن معين، وقال النسائيّ: لا بأس به. انتهى. وفيها إبراهيم بن العبّاس الصوليّ البغداديّ، أحد الشعراء المجيدين [٤] والكتّاب المنشئين. كان موصوفا بالبلاغة والبراعة، وله ديوان مشهور فيه أشياء بديعة. قال دعبل: لو تكسّب إبراهيم بن العبّاس بالشعر لتركنا في غير شيء.

стр. 1062

وقال ابن خلّكان [١] : وله ديوان شعر كله نخب، وهو صغير، ومن رقيق شعره: دنت بأناس عن تناء زيارة ... وشطّت [٢] بليلى عن دنوّ مزارها وإنّ مقيمات بمنعرج اللّوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها [٣] وله نثر بديع، فمن ذلك ما كتبه عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو: أما بعد: فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقّب بعدها وعيدا، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام. وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع، فإنه ينشأ منه بيت شعر وهو: أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه وكان يقول: ما اتكلت في مكاتبتي [قطّ] [٤] إلّا على ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري. انتهى ما قاله ابن خلّكان ملخصا. وفيها الزّاهد الناطق بالحكمة: الحارث بن أسد المحاسبيّ، صاحب المصنفات في التصوف والأحوال. روى عن يزيد بن هارون وغيره. قال ابن الأهدل: كان أحد الخمسة الجامعين بين العلمين في واحد: هو، والجنيد، وأبو محمد، وأبو العبّاس بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي. وله مصنفات نفيسة في السلوك والأصول، ولم يأخذ من ميراث أبيه شيئا لأن أباه كان قدريّا.

стр. 1063

ومن قوله: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة [١] ، وحسن الإخاء مع الوفاء. وهو أحد شيوخ الجنيد. انتهى. وفيها الفقيه أبو حفص حرملة بن يحيى التّجيبيّ المصريّ الحافظ، مصنف «المختصر» و «المبسوط» وغيرهما. روى عن ابن وهب مائة ألف حديث، وتفقه بالشّافعيّ، وخرّج له مسلم، والنسائي. قال في «المغني» [٢] : هو شيخ مسلم، صدوق، يغرب. قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال عبد الله بن محمد الفرهياني [٣] : ضعيف. وقال ابن عدي: قد تبحرت في حديثه وفتشته الكثير، فلم أجد له ما يضعف من أجله. انتهى. وقال الإسنوي: حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة المصريّ التّجيبيّ نسبة إلى تجيب [٤] بتاء مثناة من فوق مضمومة، وقيل: مفتوحة، ثم جيم بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم موحدة، وهي قبيلة نزلت بمصر وأصلها اسم امرأة. كان حرملة إماما حافظا للحديث والفقه، صنف «المبسوط» و «المختصر» المعروف به. ولد سنة ست وستين ومائة، وتوفي في شوال سنة ثلاث وأربعين ومائتين. انتهى ملخصا.

стр. 1064

وفيها عبد الله بن معاوية الجمحيّ البصريّ وقد نيّف على المائة. روى عن القاسم بن الفضل الحدّانيّ، والحمّادين، وكان ثقة صاحب حديث. وفيها عقبة بن مكرم أبو عبد الملك العمّيّ البصريّ الحافظ. روى عن غندر [١] وطبقته، وكان ثبتا حجة. ومات قبله بأعوام [٢] عقبة بن مكرم الضّبّيّ الكوفيّ. روى عن ابن عيينة، ويونس بن بكير، ولم تقع له رواية في شيء من الكتب الستة. وفيها محمد بن يحيى بن أبي عمر، أبو عبد الله العدنيّ الحافظ، صاحب «المسند» بمكة، في آخر السنة. روى عن الفضيل بن عياض، والدّراوردي، وخلق. وكان عبدا صالحا، خيرا. وقال مسلم، وغيره: هو حجة صدوق. وفيها هارون بن عبد الله الحافظ أبو موسى البغداديّ البزّاز المعروف بالحمّال. رحل وسمع عبد الله بن نمير، وابن أبي فديك، وطبقتهما. قيل: إنه تزهد وصار يحمل بأجرة يتقوت بها. وفيها هنّاد بن السّريّ، الحافظ الزّاهد القدوة أبو السّريّ الدّارميّ الكوفيّ، صاحب كتاب «الزّهد» . روى عن شريك، وإسماعيل بن عيّاش، وطبقتهما فأكثر، وجمع، وصنف. وروى عنه [٣] أصحاب الكتب الستة إلّا البخاري [٣] .

стр. 1065

وفيها أبو همّام الوليد بن شجاع السّكونيّ الحافظ الكوفيّ. سمع شريكا، وابن جعفر، وطبقتهما. قال في «المغني» [١] : ثقة مشهور. قال أبو حاتم: لا يحتج به. انتهى.

стр. 1066

سنة أربع وأربعين ومائتين فيها على ما قاله في «الشذور» اتفق عيد الأضحى، وعيد الفطير لليهود، وشعانين النصارى. وفيها توفي أحمد بن منيع الحافظ الكبير أبو جعفر البغويّ الأصم، صاحب «المسند» ببغداد في شوال. سمع هشيما وطبقته، وهو جد أبي القاسم البغوي لأمه. وقد خرّج له الجماعة، لكن البخاري بواسطة واحد، وكان أحد الثقات المشهورين. وإبراهيم بن عبد الله الهرويّ الحافظ ببغداد في رمضان. روى عن إسماعيل بن جعفر، وكان من أعلم الناس بحديث هشيم، وكان صوّاما، عابدا، تقيا. قال في «المغني» [١] : إبراهيم بن عبد الله الهرويّ شيخ الترمذي. قال النسائي: ليس بالقويّ. وقال أبو داود: ضعيف، وقد وثق. انتهى. وفيها إسحاق بن موسى الأنصاري الخطميّ المدنيّ ثم الكوفيّ، أبو موسى، قاضي نيسابور. روى عن ابن عيينة وطبقته. أطنب أبو حاتم الرّازي

стр. 1067

في الثناء عليه، وكان كثير الأسفار، فتوفي بجوسية [١] من أعمال حمص. والحسن بن شجاع أبو علي البلخيّ الحافظ، أحد أركان الحديث في شوال كهلا، ولم ينتشر [٢] حديثه. سمع عبيد الله بن موسى وطبقته، روى الترمذيّ عن رجل عنه. قال ابن ناصر الدّين: الحسن بن شجاع بن رجاء البلخيّ أبو علي. روى عنه البخاريّ، وغيره، وكان من نظراء أبي زرعة، لكن لم يشتهر لموته كهلا قبل أوان السماع. انتهى. وفيها أبو عمّار الحسين بن حريث المروزيّ الحافظ. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته ولم يرحل [٣] . وحمدويه، وهو حميد بن مسعدة بن المبارك السّاميّ البصريّ الثقة، قرأ وأقرأ، وسمع وحدّث. روى عنه أصحاب الكتب الستة إلّا البخاري [٤] . وفيها عبد الحميد بن بيان الواسطيّ. روى عن خالد الطحّان، وهشيم فأكثر [٥] . وفيها عليّ بن حجر الحافظ الإمام أبو الحسن السّعديّ المروزيّ، نزيل نيسابور في جمادى الأولى وله نحو من تسعين سنة. روى عن إسماعيل ابن جعفر، وشريك، وخلق، وكان من الثقات الأخيار. ومحمد بن أبان أبو بكر المستمليّ، مستملي وكيع، لقي ابن عيينة، وابن وهب، والكبار.

стр. 1068

وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ البصريّ في جمادى الأولى. سمع أبا عوانة وطبقته، وكان صاحب حديث. ولي القضاء جماعة من أولاده. وفيها يعقوب بن السّكّيت، النحويّ، أبو يوسف البغدادي، صاحب كتاب «إصلاح المنطق» و «تفسير دواوين الشعراء» وغير ذلك. سبق أقرانه في الأدب مع حظ وافر في السنن والدّين، وكان قد ألزمه المتوكل تأديب ابنه المعتز، فلما جلس عنده، قال له: يا بني بأي شيء يحب الأمير أن يبتدئ من العلوم. قال: بالانصراف، قال ابن السّكّيت: فأقوم. قال المعتز: أنا أخف نهوضا منك، فقام المعتز مسرعا، فعثر بسراويله فسقط، فالتفت خجلا، فقال ابن السّكّيت: يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل فعثرته بالقول تذهب رأسه ... وعثرته بالرّجل تبرا [١] على مهل [٢] فلما كان من الغد دخل على المتوكل، فقال له: قد بلغني البيتان، وأمر له بخمسين ألف درهم. وقال أحمد بن محمد بن شدّاد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة فقال: هل قلت شيئا؟ قلت: لا. قال: فأقول: أنا، ثم أنشد: نفسي تروم أمورا لست أدركها ... ما دمت أحذر ما يأتي به القدر ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرا ... لكن مقامك في ضرّ هو السّفر

стр. 1069

وقال ابن السّكّيت: كتب رجل إلى صديق له: قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت فألفاني منها حظي والباقي حظك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك، والسلام. وكان ابن السّكّيت يوما عند المتوكل، فدخل عليه ابناه المعتز، والمؤيد، فقال له: يا يعقوب! أيّما أحبّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن والحسين؟ فغض [١] من ابنيه، وذكر محاسن الحسن والحسين، فأمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، وحمل إلى داره فمات من الغد. وروي أنه قال له: والله إن قنبرا خادم عليّ خير منك ومن ابنيك، فأمر بسلّ لسانه من قفاه، ﵀ ورضي عنه. ويقال: إنه حمل ديته إلى أولاده.

стр. 1070

سنة خمس وأربعين ومائتين فيها كما قاله في «الشذور» زلزلت بلاد المغرب حتّى تهدمت الحصون، والمنازل، والقناطر، فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف ألف درهم في الذين أصيبوا بمنازلهم، وكانت بأنطاكية زلزلة ورجفة قتلت خلقا كثيرا وسقط منها ألف وخمسمائة دار، ووقع من سورها نيّف وتسعون برجا، وسمع أهلها أصواتا هائلة لا يحسنون وصفها، فتركوا المنازل وهرب الناس إلى الصحراء، وسمع أهل تنّيس [١] صيحة عالية دامت، فمات منها خلق كثير، وذهبت جبلة بأهلها. انتهى. وفيها توفي أحمد بن عبدة الضّبيّ بالبصرة. سمع حمّاد بن زيد، والكبار. وروى الكثير. وإسحاق بن أبي إسرائيل إبراهيم بن كامجرا [٢] المروزيّ الحافظ، في شوّال ببغداد وله خمس وتسعون سنة. سمع حمّاد بن زيد وطبقته، وكان من كبار المحدّثين.

стр. 1071

قال ابن ناصر الدّين: هو ثقة لكن تكلّم فيه. انتهى. وفيها إسماعيل بن موسى الفزاريّ الكوفيّ الشيعيّ المحدّث، ابن بنت السّدّي. روى عن مالك وطبقته، وروى عن عمر بن شاكر عن أنس بن مالك. وخرّج له أبو داود، والترمذي، وغيرهما. قال في «المغني» [١] : إسماعيل بن موسى الفزاريّ السّدّيّ يترفّض، وقال أبو داود: يتشيع. انتهى. وفيها ذو النّون المصريّ أبو الفيض ثوبان، ويقال: الفيض بن إبراهيم، أحد رجال الطريقة، وواحد وقته. كان أبوه نوبيّا، سعي به إلى المتوكل فسجنه، وأهدي له طعام في السجن فكرهه لكون السجان حمله بيده. ولما أطلق اجتمع عليه الصوفية ببغداد في الجامع واستأذنوه في السماع، وحضر حضرته القوّال، فأنشد: صغير هواك عذّبني ... فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركا [٢] فتواجد ذو النون، وسقط فانشج [٣] رأسه، وقطر منه دم، ولم يقع على الأرض، فقام شابّ يتواجد، فقال له ذو النّون: الذي يراك حين تقوم، فقعد الشاب. قال بعضهم: كان ذو النون صاحب إسراف، والشاب صاحب إنصاف.

стр. 1072

ومن كلامه: علامة محب الله متابعة الرّسول في كل ما أمر به. قال السيوطي في كتاب «حسن المحاضرة» [١] : ذو النون المصري، ثوبان بن إبراهيم، أبو الفيض، أحد مشايخ الطريق المذكورين في رسالة القشيري، وهو أول من عبّر عن علوم المنازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدثت [٢] علما لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة، وأحضروه من مصر على البريد، فلما دخل سرّ من رأى، وعظه، فبكى المتوكل، وردّه مكرّما. وكان مولده بإخميم [٣] . وحدّث عن مالك، واللّيث، وابن لهيعة. وروى عنه الجنيد، وآخرون. وكان أوحد وقته علما، وورعا، وحالا، وأدبا، مات في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب التسعين. قال السّلميّ: كان أهل مصر يسمونه بالزّنديق، فلما مات أظلّت الطير الخضر جنازته ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره. انتهى ما ذكره السيوطي. وفيها سوّار بن عبد الله بن سوّار التميميّ العنبريّ البصريّ، أبو عبد الله [قاضي الرّصافة ببغداد. روى عن يزيد بن زريع وطبقته. قال في «المغني» [٤] : سوّار بن عبد الله] [٥] بن قدامة العنبريّ ليس بشيء. انتهى. وكان من الشعراء المجيدين.

стр. 1073

ودحيم الحافظ الحجّة، أبو سعيد عبد الرّحمن بن إبراهيم الدمشقي، قاضي فلسطين والأردن، وله خمس وسبعون سنة. سمع ابن عيينة، والوليد ابن مسلم، وطبقتهما. وروى عنه البخاريّ وغيره. قال أبو داود: لم يكن في زمانه مثله. وفيها أبو تراب النّخشبيّ [١] العارف، واسمه عسكر بن الحصين، من كبار مشايخ القوم، صحب حاتم الأصم وغيره. قال السخاويّ في «طبقاته» : عسكر بن حصين أبو تراب النّخشبيّ، ويقال: عسكر بن محمد بن حصين، أحد فتيان خراسان، والمذكورين بالأحوال السنية الرفيعة، وأحد علماء هذه الطائفة، صحب حاتم الأصم حتّى مات، ثم خرج إلى الشّام، وكتب الحديث الكثير، ونظر في كتب الشافعي، ثم نزل مكّة، ثم كان يخرج إلى عبّادان، والثغر، ويرجع إلى مكّة، ومات بين المسجدين، ودخل البصرة وتزوج بها، وصحب شقيقا البلخي. قال أبو تراب: من كان غناه بماله لم يزل فقيرا، ومن كان غناه في قلبه لم يزل غنيا، ومن كان غناه بربه فقد قطع عنه اسم الفقر والغنى، لأنه دخل في حيز ما لا وصف له. وقال ابن الجلاء [٢] : قال أبو تراب: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله صحبتها الوقيعة في الأولياء. وقال: أشرف القلوب قلب حيّ بنور الفهم عن الله . وقال: ليس في العبادات شيء أنفع من إصلاح خواطر القلوب.

стр. 1074

وقال: إن الله ينطق العلماء في كل زمان بما يشاكل [١] أعمال ذلك الزمان. وقال: من أشغل مشغولا بالله عن الله، أدركه المقت من ساعته. دخل بغداد مرّات، واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل، فجعل الإمام أحمد يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال له أبو تراب: لا تغتب العلماء، فالتفت إليه الإمام أحمد وقال له: ويحك هذا نصيحة ليس هذا غيبة. انتهى ما ذكره السخاويّ ملخصا. وفيها محمد بن رافع أبو عبد الله القشيريّ مولاهم النيسابوريّ الحافظ. سمع ابن عيينة، ووكيعا، وخلائق. وروى عنه الشيخان، وغيرهما، وكان ثقة، زاهدا، صالحا، قد أرسل إليه عبد الله بن طاهر [٢] نوبة خمسة آلاف درهم، فردّها، ولم يكن لأهله يومئذ خبز. وفيها محمد بن هشام التميميّ السعديّ. قال ابن الأهدل: كان ممدوحا بالحفظ وحسن الرّويّة. قال مؤرّج [٣] : أخذ منّي كتابا فحبسه ليلة ثم جاء به وقد حفظه. وقال له سفيان بن عيينة: لا أراك تخطئ شيئا مما تسمع، ثم قال له: حدّثني الزّهري عن عكرمة، عن ابن عبّاس أنه قال: يولد في كل سبعين سنة

стр. 1075

من يحفظ كل شيء. قال: وضرب بيده على جنبي وقال: أراك منهم. انتهى [١] . وفيها هشام بن عمّار الإمام أبو الوليد السّلميّ، خطيب دمشق، وقارئها، وفقيهها، ومحدّثها في سلخ المحرم، عن سنتين وتسعين سنة. روى عن مالك وطبقته، وقرأ على عراك، وأيوب بن تميم عن قراءتهما على يحيى الذّماري صاحب ابن عامر. قال في «المغني» [٢] : هشام بن عمّار، خطيب دمشق ومقرئها، ثقة مكثر، له ما ينكر. قال أبو حاتم: صدوق وقد تغير، فكان كلما لقنه تلقّن. وقال أبو داود: حدّث بأربعمائة حديث لا أصل لها. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرّة: كيّس كيّس. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الدارقطني: صدوق كبير المحل [٣] . وقال صالح جزرة: كان يأخذ على الرّواية. انتهى كلام «المغني» .

стр. 1076

سنة ست وأربعين ومائتين فيها كما قاله في «الشذور» مطرت سكّة ببلخ دما عبيطا [١] . وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن كثير أبو عبد الله العبديّ البغداديّ الدّورقيّ [٢] الحافظ الثقة. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته، وصنف التصانيف الحسنة المفيدة. وفيها أحمد بن أبي الحواري الزّاهد الكبير، أبو الحسن الدّمشقيّ [٣] . سمع أبا معاوية وطبقته، وكان من كبار المحدّثين والصوفية، وأجلّ أصحاب أبي سليمان الدّاراني، وله كلام في الحقائق، منه: ما ابتلى الله عبدا بشيء أشد من القسوة والغفلة. وقالت له زوجته رابعة الشامية: أحبك حب الإخوان لا حب الأزواج. وكانت زوجته أيضا من كبار الصالحات الذاكرات، وكانت تطعمه الطيّب وتطيّبه وتقول: اذهب بنشاطك إلى أهلك، وتقول عند تقريبها الطعام إليه: كل فما نضج إلّا بالتسبيح. وتقول إذا قامت من الليل:

стр. 1077

قام المحبّ إلى المؤمّل قومة ... كاد الفؤاد من السّرور يطير [١] وقال السخاويّ في «طبقات الأولياء» : أحمد بن أبي الحواري، كنيته أبو الحسن، وأبو الحواري، اسمه ميمون من أهل دمشق، صحب أبا سليمان الدّاراني، وسفيان بن عيينة، وأبا عبد الله النياحي، وغيرهم، وله أخ يقال له: محمد، يجري مجراه في الزّهد والوّرع، وابنه عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري من الزّهاد، وأبو أيضا كان من العارفين والورعين، فبيتهم بيت الوّرع والزّهد، ومن كلامه: من عمل بلا اتّباع سنة فعمله باطل. وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية، فيحار عقلي وأعجب من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بتدبير الدّنيا وهم يتلون كلام الرّحمن، أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما رزقوا ووفّقوا. وقال الحافظ الذّهبيّ في «التهذيب» [٢] : قال محمد بن عوف الحمصي: رأيت أحمد بن أبي الحواري صلى العتمة ثم قام يصلي، فاستفتح ب الْحَمْدُ ١: ٢ إلى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ١: ٥ [الفاتحة: ٥- ١] فطفت الحائط كله ثم رجعت، فإذا هو لا يجاوز إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ١: ٥ ثم نمت ومررت به سحرا، وهو يقرأ [٣] : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ١: ٥ فلم يزل يردّدها إلى الصبح. انتهى ملخصا. وفيها أبو عبد الله الحسين بن الحسن المروزيّ الحافظ، صاحب ابن المبارك بمكة، وقد سمع من هشيم والكبار. وفيها أبو عمر الدّوري القارئ [٤] شيخ المقرئين في عصره، وله

стр. 1078

ستّ وتسعون سنة. وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان المقرئ قرأ على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، ويحيى اليزيدي، وحدّث عن طائفة، وصنف في القراءات، وكان صدوقا. قرأ عليه خلق كثير. قال: أدركت حياة نافع، ولو كان عندي شيء لرحلت إليه. وفيها دعبل بن علي الخزاعيّ [١] الشاعر المشهور الرافضيّ، مدح الخلفاء والملوك، وكان يحب الهجاء [٢] . وقد أجازه عبد الله بن طاهر على أبيات ستين ألف درهم. قال ابن خلّكان [٣] : قيل: إن دعبلا لقب، واسمه الحسن. وقيل: عبد الرحمن، وقيل: محمد، وكنيته أبو جعفر، وقيل [٤] : إنه كان أطروشا [٥] وفي قفاه سلعة [٦] . كان شاعرا مجيدا، إلا أنه بذيء اللسان مولعا بالهجاء [٧] والحطّ من أقدار النّاس، وهجاء الخلفاء ومن دونهم، وطال عمره، فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك. وكان بين دعبل، ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج

стр. 1079

دعبل في الشعر، فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خراسان، وهي جرجان، فقصده دعبل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وقال: غششت الهوى حتّى تداعت أصوله ... بنا وابتدلت الوصل حتّى تقطّعا وأنزلت من بين الجوانح والحشا ... ذخيرة ودّ طالما قد تمنّعا فلا تعذلنّي ليس لي فيك مطمع ... تخرّقت حتّى لم أجد لك مرقعا وهبك يميني استأكلت فقطعتها ... وصبّرت قلبي بعدها فتشجّعا [١] ومن شعره في الغزل: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى يا ليت شعري كيف نومكما [٢] ... يا صاحبيّ إذا دمي سفكا لا تأخذا بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا [٣] ولما مات دعبل- وكان صديقا للبحتريّ، وكان أبو تمام قد مات قبله- رثاهما البحتريّ فقال: قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل [٤] في أبيات. انتهى ملخصا.

стр. 1080

وفيها العبّاس بن عبد العظيم، أبو الفضل العنبريّ البصريّ الحافظ، أحد علماء السّنّة. سمع يحيى القطّان وطبقته، وتوفي في رمضان، وكان من الثقات الأخيار. ولوين، واسمه محمد بن سليمان، أبو جعفر الأسديّ البغداديّ ثم المصّيصيّ. سمع مالكا، وحمّاد بن زيد، والكبار، وعمّر دهرا طويلا وجاوز المائة، وكان كثير الحديث ثقة. قاله في «العبر» [١] . وفيها محمد بن يحيى بن فيّاض الزّمّانيّ البصريّ. روى عن عبد الوهّاب الثقفي وطبقته فأكثر، وحدّث في آخر عمره بدمشق، وبأصبهان. والمسيّب بن واضح الحمصيّ. روى عن إسماعيل بن عيّاش والكبار، وتوفي في آخر السنة. قال أبو حاتم: صدوق يخطئ. وفيها المفضّل [٢] بن غسّان الغلابي ببغداد. روى عن عبد الرّحمن ابن مهدي وطبقته، وله «تاريخ» مفيد [٣] .

стр. 1081

سنة سبع وأربعين ومائتين فيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهريّ أبو إسحاق البغداديّ الحافظ، مصنف «المسند» . روى عن هشيم وخلق كثير. مات مرابطا بعين زربة [١] وكان من أركان الحديث. خرّج «مسند أبي بكر الصّدّيق» في نيف وعشرين جزءا. وفيها أبو عثمان المازنيّ النحويّ، صاحب التصانيف، واسمه بكر بن محمد. قال تلميذه المبرّد: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان المازني بالنحو. قال ابن خلّكان [٢] : كان في غاية الورع. ومما رواه المبرّد، أن بعض أهل الذّمّة قصده ليقرأ عليه «كتاب سيبويه» وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك. قال: فقلت له: جعلت فداك أتردّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله- ولست

стр. 1082

أرى أن أمكّن منها ذمّيا غيرة على كتاب الله- وخشية له [١] . قال: فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق بقول العرجيّ: أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السّلام تحية ظلم [٢] فاختلف من بالحضرة في إعراب رجلا [٣] فمنهم من نصبه وجعله اسم «إن» ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرّة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن. قال: أيّ الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ فقلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال باسمك [٤] ، لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب [٥] به ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: أظلوم إن مصابكم رجلا» البيت. أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك [٦] ؟ فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدا ظلم، فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول [٧] : ظلم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير

стр. 1083

المؤمنين بنيّة، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: أنشدت قول الأعشى [١] : أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنّا بخير إذا لم ترم أرانا إذا اضمرتك البلا ... د، نجفى وتقطع منّا الرّحم [٢] قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح [٣] قال: على النجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردّني مكرما. قال المبرّد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العبّاس؟ رددنا لله مائة فعوّضنا ألفا. انتهى ما ذكره ابن خلّكان ملخصا. وفيها في شوال، قتل المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، فتكوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر، وعاش أربعين سنة، وكان أسمر نحيفا، مليح العينين، خفيف العارضين، ليس بالطويل، وهو الذي أحيا السّنّة، وأمات التجهّم، ولكنه كان فيه نصب ظاهر، وانهماك على اللذّات والمكاره، وفيه كرم وتبذير، وكان قد عزم على ابنه المنتصر وتقدم إليه بتقديم المعتز عليه لفرط محبته لأمه، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد، واتفق مصادرة المتوكل لوصيف، فتعاملوا عليه، ودخل عليه خمسة

стр. 1084

في جوف الليل فنزلوا عليه بالسيوف، فقتلوه وقتلوا وزيره الفتح بن خاقان معه، ولما قتلا أصبح النّاس يقولون: قتل المتوكل والفتح بن خاقان دبّر عليهما المنتصر ولد المتوكل، وكان النّاس على لسان واحد يقولون: والله لا عاش المنتصر إلا ستة أشهر كما عاش شيرويه بن كسرى حيث قتل أباه، فكان الأمر كذلك، وكان قتله ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال. وكان للمتوكل خمسمائة وصيفة للفراش، ولم يكن فيهن أحظى من صبيحة أم ولده المعتز، وبسبب ميله إليها أراد يقدم ولدها بالعهد، وكان أصغر من المنتصر، وكان تقدم منه العهد للمنتصر، ثم لأخويه من بعده، وفي ذلك يقول السّلميّ: لقد شدّ ركن الدّين بالبيعة الرّضا ... وسار بسعد جعفر بن محمّد لمنتصر بالله أثبت عهده ... وأكّد بالمعتز ثم المؤيّد [١] ورزق المتوكل من الحظ من العامة لتركه الهزل واللهو إلا أنه كان يتشبه في الغضب بخلق الجبابرة، وبلغ المتوكل أن صالح بن أحمد بن حنبل رأى في نومه قائلا يقول: ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضّل بالعفو ليس بحائر [٢] فصدقه بذلك. وروى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى له الناس على أقدارهم، فأهدى له محمد بن عبد الله بن طاهر ثلاثمائة جارية من أصناف الجواري، وكان فيهن جارية يقال لها: محبوبة، وقد نشأت بالطائف، فوقعت من قلب المتوكل موقعا عظيما، وحلّت من نفسه محلا جسيما، وكانت تسامره ولا تفارقه، فغاضبها يوما وأمرها بلزوم مقصورتها، وأمر أن لا يدخل الجواري عليها.

стр. 1085

قال علي بن الجهم: فبينا أنا عنده جالس يوما إذ قال لي: يا علي، رأيت البارحة كأنني صالحت محبوبة، فقلت: أقر الله عينك وجعله حقيقة في اليقظة، وإنا لفي ذلك، إذ أقبلت وصيفة كانت تقف على رأسه، فقالت: يا أمير المؤمنين، سمعت الساعة في منزل محبوبة غناء، فقال لي: يا علي، قم بنا الساعة، فإنا سنرد على بوادر ظريفة، فأخذ بيدي وجعلنا نمشي رويدا لئلا يسمع حسنا، فوقف على باب المقصورة، وإذا بها تضرب بالعود وتغني: أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلّمني حتّى كأنّي جنيت معصية ... ليست لها توبة تخلّصني فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني حتّى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني [١] فنفر المتوكل طربا ونفرت معه لنفيره، فأحست بنا، فخرجت حافية ثم أكبت على رجلي أمير المؤمنين ويديه ورأسه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت البارحة في النوم كأني قد صالحتك. قال لها: وأنا والله رأيت مثل ذلك. قالت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يتمم المنة فهو المنعم على كل حال، فقال: ادخل فإنا سنرد على ما نحب. قال: فمكثنا ثلاثة أيام ونحن كأننا في بعض رياض الجنة، ووصلني بعد ذلك ببدرة، فأخذتها وانصرفت. قيل: قرئ على المتوكل كتاب فيه ملاحم، فمر القارئ فيه على موضع فيه: إن الإمام العاشر من بني العبّاس يقتل في مجلسه على فراشه، فقال: ليت شعري من الشقي الذي يقتله، ثم وجم، فقيل له: أنت الحادي عشر، وعدوا إبراهيم بن المهدي من جملة الخلفاء فسرّي عنه. وقيل: رأى المتوكل في منامه كأن دابّة تكلّمه، فقال لبعض جلسائه: ما تفسره، ففسره له بشيء آخر، ثم قال لبعض من حضر سرا: حان رحيله لقوله

стр. 1086

تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ٢٧: ٨٢ [النمل: ٨٢] . وقيل: رأى المتوكل في منامه رؤيا، فقصها على الفتح بن خاقان وزيره، فقال: يا أمير المؤمنين أضغاث أحلام، ولو تشاغلت بالشرب والغناء لسرّي عنك هذا، فقطع عامة نهاره بالتشاغل، فلما جاءه الليل أمر بإحضار الندماء والمغنين، وجلس بقصره المعروف بالجعفري وعنده الفتح، فقال للمغنّين: غنّوا، فغنّوا، ثم قام ولده محمد المنتصر ومعه الحاجب يشيعه، فخلا الموضع، فدخل عليه خمسة من الأتراك، فقتلوه وقتلوا الفتح أيضا. وفيها توفي سلمة [١] بن شبيب أبو عبد الرّحمن النيسابوريّ، الحافظ الموثق في رمضان بمكة. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وقد روى عنه من الكبار أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة إلّا البخاري. وفيها، أو بعدها، محمد بن مسعود الحافظ، ابن العجميّ [٢] . سمع عيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطّان، وطبقتهما، ورابط بطرسوس. قال محمد بن وضاح القرطبي: هو رفيع الشأن، فاضل، ليس بدون أحمد بن حنبل، يعني في العمل لا في العلم، والله أعلم. قاله في «العبر» [٣] .

стр. 1087

سنة ثمان وأربعين ومائتين فيها، بل في التي قبلها كما جزم به في «الشذور» ، توفيت شجاع أمّ المتوكل، وكانت خيّرة كثيرة الرغبة في الخير، وخلّفت من العين خمسة آلاف ألف دينار وخمسين ألف دينار، ومن الجوهر قيمته ألف ألف دينار، ولا يعرف امرأة رأت ابنها وهو جدّ وثلاثة أولاد ولاة عهود إلّا هي. قاله في «الشذور» . وفيها توفي الإمام العلم أبو جعفر أحمد بن صالح الطبريّ ثم المصريّ الحافظ. سمع ابن عيينة، وابن وهب، وخلقا. وكان ثقة. قال محمد بن عبد الله بن نمير: إذا جاوزت الفرات فليس أحد مثل أحمد ابن صالح. وقال ابن وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، وابن نمير بالكوفة، والنفيليّ بحرّان، هؤلاء أركان الدّين. وقال يعقوب الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل. وفيها الحسين بن علي الكرابيسيّ الفقيه المتكلم أبو علي ببغداد، وقيل مات في سنة خمس وأربعين. تفقه على الشافعيّ، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة، وصنف التصانيف، وكان متضلّعا من الفقه والحديث والأصول ومعرفة الرّجال.

стр. 1088

والكرابيس الثياب الغلاظ. وفيها بغا الكبير أبو موسى التركيّ، مقدّم قوّاد المتوكل، عن سنّ عالية، وكان بطلا شجاعا مقداما، له عدة فتوح ووقائع، باشر الكثير من الحروب فما جرح قطّ، وخلّف أموالا عظيمة. وفيها أمير خراسان وابن أميرها، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ، في رجب، ولي إمرة خراسان بعد أبيه ثمان عشرة سنة. ووليها بعده ولده محمد بن طاهر عشرين سنة [١] . وقد حدّث طاهر عن سليمان بن حرب. وفيها عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار، أبو بكر البصريّ ثم المكيّ العطّار. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث. وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصريّ: سمع أباه، وابن وهب، وكان أحد الفقهاء. وعيسى بن حمّاد زغبة التجيبيّ، مولاهم، المصريّ، راوية اللّيث بن سعد [٢] . والقاسم بن عثمان الدمشقيّ الزّاهد المعروف بالجوعي [٣] ، من كبار الصوفية والعارفين، صحب أبا سليمان الدّاراني، وروى عنه سفيان بن عيينة وجماعة. قال أبو حاتم [٤] : صدوق. وفيها محمد بن حيمد الرّازيّ، أبو عبد الله، الحافظ. روى عن جرير

стр. 1089

ابن عبد الحميد، ويعقوب القمّي، وخلق، وكان من أوعية العلم، لكن لا يحتجّ به، وله ترجمة طويلة. أثني عليه أحمد بن حنبل. وقال ابن خزيمة: لو عرفه أحمد لما أثنى عليه. وقد خرّج له أبو داود، والترمذي وغيرهما. قال الذهبيّ في «المغني» [١] : محمد بن حميد الرّازي الحافظ، عن يعقوب القمّي [٢] وجرير، وابن المبارك، ضعّف لا من قبل الحفظ. قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو زرعة: يكذب. وقال النسائيّ: ليس بثقة. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه، ومن ابن الشاذكوني. انتهى ما قاله في «المغني» . وفي ربيع الآخر المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم محمد بن الرّشيد [العبّاسي] [٣] بالخوانيق، وكانت خلافته سبعة أشهر [٤] وعاش ستا وعشرين سنة، وأمه رومية تسمى حبشيّة [٥] ، وكان ربعة جسيما، أعين، أقنى، بطينا، مليح الصورة، مهيبا، وكان كامل العقل محبا للخير، محسنا إلى آل عليّ، بارّا بهم.

стр. 1090

وقيل: إن أمراء الترك خافوه، فلما حمّ دسوا إلى طبيبه ابن الطيفوري [١] ثلاثين ألف دينار ففصده بريشة مسمومة، وقيل: سم في كمثرى. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن الأهدل: قيل: إن أمه جاءته عائدة فبكى وقال: يا أماه! عاجلت أبي فعوجلت، ثم أنشأ يقول: فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الملك القدير أصير وما لي شيء غير أنّي مسلم ... بتوحيد ربّي مؤمن [٣] وخبير [٤] وبايع التّرك بعده لأحمد بن محمد بن المعتصم، خوفا منهم أن يبايعوا لأحد من أولاد المتوكل فيقتلهم بأبيه، وسمّوه المستعين. انتهى ما ذكره ابن الأهدل. وقال ابن الفرات: قيل: رأى المنتصر بالله أباه المتوكل على الله في منامه، فقال له: ويحك يا محمد ظلمتني وقتلتني، والله لا متّعت بالدّنيا بعدي. وقد أجمعوا على أن المنتصر بالله مات مسموما، وكان سبب ذلك أنه رأى باغر التركي في حفدته الأتراك، فقال: قتلني الله إن لم أقتلكم جميعا، فبلغهم
следующие страницы →