جرم بن علقمة بن أنمار [١] .
ومنهم جرم بن ربّان [٢] . انتهى. [٣] .
وفيها فروة بن أبي المغراء الكوفيّ المحدّث. روى عن شريك وطبقته.
وفيها الأمير أبو دلف قاسم بن عيسى العجليّ صاحب الكرخ. أحد الأبطال المذكورين الممدوحين، والأجواد المشهورين، والشعراء المجيدين، وقد ولي إمرة دمشق للمعتصم.
يحكى عنه أنه قال يوما: من لم يكن مغاليا في التشيّع فهو ولد زنا.
فقال له ولده: يا أبت لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمّك [وعلقت بك] [٤] ما كنت بعد استبريتها، فهذا من ذاك.
وقال ابن الأهدل: مدحه أبو تمّام وغيره، وله صنعة في الغناء، وصنف «كتاب البزاة والصيد» و «السلاح» و «سياسة الملوك» [٥] . وغير ذلك. كان لكثرة عطائه قد ركبته الديون، فلما مات رآه ابنه دلف جالسا عريانا على أسوأ حال، وأنشده أبياتا منها:
стр. 982
ولو كنّا [١] إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كلّ شيّ [٢]
وكان أبو قد شرع في عمران مدينة الكرخ ثم أتمها هو، وكان بها أولاده وعشيرته. انتهى.
وفيها محمّد بن سلّام البيكنديّ الحافظ. رحل وسمع من مالك وخلق كثير، وكان يحفظ خمسة آلاف حديث، وقال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وفي نشر مثلها.
وقال ابن ناصر الدّين: به تخرّج البخاريّ. انتهى.
стр. 983
سنة ست وعشرين ومائتين
فيها كما قال في «الشذور» مطر أهل تيماء مطرا وبردا كالبيض، فقتل ثلاثمائة وسبعين إنسانا، وهدم دورا، وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك، ونظر إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع، وعرضها شبران، من الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت، فجعلوا يسمعون صوتا ولا يرون شخصا.
وفيها غضب المعتصم على الأفشين وسجنه وضيّق عليه، ومنع من الطعام حتّى مات أو خنق، ثم صلب إلى جانب بابك وأتي بأصنام من داره اتّهم بعبادتها فأحرقت، وكان أقلف [١] متّهما [٢] في دينه. وأيضا خافه المعتصم.
وكان من أولاد ملوك الأكاسرة، واسمه حيدر بن كاوس، وكان بطلا شجاعا مطاعا ليس في الأمراء أكبر منه.
وأيضا ظفر المعتصم بمازيار الذي فعل الأفاعيل بطبرستان وصلبه إلى جنب بابك والأفشين.
وفيها توفي أحمد بن عمرو الحرشيّ [٣] النيسابوريّ. سمع مسلم بن
стр. 984
خالد الزّنجي وطبقته، ولزم محمد بن نصر المروزي فأكثر عنه.
قال الحاكم: كان إمام عصره في العلم والحديث والزهد، ثقة.
وإسحاق بن محمد الفرويّ المدني [١] الفقيه. روى عن مالك وطبقته [٢] .
وإسماعيل بن أبي أويس [٣] الحافظ أبو عبد الله الأصبحيّ المدنيّ.
سمع من خاله مالك وطبقته، وفيه ضعف لم يؤخره عن الاحتجاج به عند صاحبي «الصحيحين» .
وقال ابن ناصر الدّين: أثنى عليه أحمد، والبخاريّ وتكلم فيه النسائيّ وغيره. انتهى.
وفيها سعيد بن كثير بن عفير، أبو عثمان المصريّ الحافظ العلّامة قاضي الدّيار المصرية. روى عن اللّيث، ويحيى بن أيوب والكبار، وكان فقيها نسابة أخباريّا شاعرا، كثير الاطلاع، قليل المثل، صحيح النقل، ثقة، روى عنه البخاريّ وغيره.
وفيها محدّث الموصل غسّان بن الرّبعى الأزديّ. روى عن عبد الرّحمن بن ثابت بن ثوبان وطبقته، وكان ورعا كبير القدر، [لكن] [٤] ليس بحجة.
وصدقة بن الفضل المروزيّ أبو الفضل، البحر في العلوم. روى عنه البخاريّ وغيره، وكان شيخ مرو على الإطلاق. قاله ابن ناصر الدّين [٥] .
стр. 985
وحسين بن داود المصّيصي المحتسب أبو علي الحافظ، لقبه سنيد، وبه اشتهر، أحد أوعية العلم والأثر، تكلم فيه أحمد وغيره، ووثقه ابن حبّان والخطيب البغدادي. قاله ابن ناصر الدّين.
ومحمد بن مقاتل المروزيّ شيخ البخاري بمكّة. روى عن ابن المبارك وطبقته.
وفيها شيخ خراسان الإمام يحيى بن يحيى بن بكر التميميّ النيسابوريّ في صفر بنيسابور [١] .
قال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى ولا أحسبه رأى مثل نفسه، ومات وهو إمام لأهل الدّنيا.
стр. 986
سنة سبع وعشرين ومائتين
. فيها قدم على إمرة دمشق أبو المغيث الرافعيّ [١] فخرجت عليهم قيس لكونه صلب منهم خمسة عشر رجلا وأخذوا خيل الدولة من المرج، فوجّه أبو المغيث إليهم جيشا فهزموه، ثم استفحل شرّهم وعظم جمعهم، وزحفوا على دمشق وحاصروها، فجاء رجاء الحضاري [٢] الأمير في جيش من العراق، ونزل بدير مرّان، والقيسية بالمرج. فوجه إليهم يناشدهم الطاعة، فأبوا إلّا أن يعزل أبو المغيث [٣] فأنذرهم القتال يوم الاثنين، ثم كبسهم يوم الأحد بكفر بطنا، وكان جمهور القيسية بدومة، فوضع السيف في كفر بطنا، وسقبا، وجسرين، حتّى قتل ألفا وخمسمائة، وقتلوا الصبيان [وجرحت النساء] [٤] ووقع النهب. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله اليربوعيّ الكوفيّ الحافظ. سمع الثّوريّ وطبقته، وعاش أربعا وتسعين سنة.
стр. 987
قال أحمد بن حنبل لرجل سأله عمّن أكتب؟ قال: اخرج إلى أحمد بن يونس اليربوعي، فإنه شيخ الإسلام. انتهى [١] .
وهو من الثقات الأثبات.
وإبراهيم بن بشّار [٢] الرّماديّ الزاهد، صاحب سفيان بن عيينة.
قال ابن عدي: سألت محمد بن أحمد الزريقي عنه، فقال: كان والله أزهد أهل زمانه.
وقال ابن حبّان: كان متقنا ضابطا.
وأبو النّضر إسحاق بن إبراهيم الدّمشقيّ الفراديسيّ، من أعيان الشيوخ بدمشق. روى عن سعيد بن عبد العزيز وجماعة.
قال في «المغني» [٣] : إسحاق بن إبراهيم أبو النّضر [٤] الفراديسيّ مشهور، ثقة.
قال ابن عديّ: له أحاديث غير محفوظة. انتهى.
وإسماعيل بن عمرو البجليّ محدّث أصبهان، وهو كوفيّ. روى عن مسعر [٥] وطبقته. وثقه ابن حبّان وغيره، وضعفه الدّارقطنيّ، وهو مكثر عالي الإسناد.
وفيها الربّانيّ القدوة أبو نصر بشر بن الحارث المروزيّ الزاهد، المعروف ببشر الحافي. سمع من حمّاد بن زيد، وإبراهيم بن سعد، وطبقتهما، وعني بالعلم، ثم أقبل على شأنه، ودفن كتبه [٦] . حدّث بشيء يسير.
وكان في الفقه على مذهب الثّوريّ، وقد صنف العلماء مناقب بشر وكراماته
стр. 988
رحمه الله، عاش خمسا وسبعين سنة، وتوفي ببغداد [١] في ربيع الأول. قاله في «العبر» [٢] .
وقال السخاويّ [٣] في «طبقات الأولياء» : قال ابن حبّان في «الثقات» : أخباره وشمائله في التقشّف وخفيّ الورع أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها. وكان ثوريّ المذهب في الفقه والورع جميعا.
وقال الخطيب [٤] : وهو ابن عم علي [٥] بن خشرم، وكان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد، وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة [واستقامة المذهب] [٦] وعزوف النفس، وإسقاط التكلف [٧] ، والفضول.
وكان كثير الحديث، إلّا أنه لم ينصب نفسه للرّواية، وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك.
وقال ابن الجوزي: هو مروزيّ [٨] الأصل، من قرية على ستة أميال من مرو، ويقال لها: ما ترسام بالتاء الفوقية [٩] وكان من أبناء الرؤساء والكتبة.
وولد في سنة خمسين ومائة بمرو، ولم يملك بشر بغداد ملكا قطّ، وكان
стр. 989
لا يأكل من غلّة بغداد ورعا، لأنها من أرض السواد التي لم تقسم، وكان في حداثته [١] يطلب العلم ويمشي في طلبه حافيا حتّى اشتهر بهذا الاسم.
قال مسعر: من طلب الحديث فليتقشف وليمش حافيا.
وصح عن رسول الله- ﷺ أنه قال: من اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله حَرَّمَهُمَا الله عَلَى النَّارِ [٢] فرأى بشر أن طالب العلم يمشي في سبيل الله، فأحب تعميم قدميه بالغبار.
ولم يتزوج بشر قط، ولم يعرف النساء. قيل له: لم لا تتزوج؟ قال: لو أظلني زمان عمر وأعطاني كنت أتزوج. وقيل له: لو تزوجت تم نسكك.
قال: أخاف أن تقوم بحقي ولا أقوم بحقها. قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ٢: ٢٢٨ [البقرة: ٢٢٨] . وكان يعمل المغازل ويعيش منها حتّى مات. وكان لا يقبل من أحد شيئا عطية أو هدية سوى رجل من أصحابه ربما قبل منه.
وقال: لو علمت أن أحدا يعطي لله لأخذت منه، ولكن يعطي بالليل ويتحدث بالنهار.
وقال لابن أخته عمر: يا بني اعمل فإن أثره في الكفين أحسن من أثر السجدة بين العينين.
وقال ليس شيء من أعمال البرّ أحبّ إليّ من السخاء، ولا أبغض إليّ من الضيق وسوء الخلق.
وسئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع فقال: أستغفر الله لا يحل لي أن أتكلم في الورع، أنا [٣] آكل من غلة بغداد، ولو [٤] كان بشر، صلح أن
стр. 990
يجيبك عنه، فإن كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد، يصلح أن يتكلم في الورع.
وقال بشر: إذا قلّ عمل العبد ابتلي بالهمّ.
وقال: ما من أحد خالط لحمه ودمه ومشاشه حب النّبيّ- ﷺ فيرى النّار.
وقال: كانوا لا يأكلون تلذّذا ولا يلبسون تنعّما، وهذا طريق الآخرة والأنبياء والصالحين، فمن زعم أن الأمر غير هذا فهو مفتون.
ونظر إلى الفاكهة فقال: ترك هذه عبادة، ثم التفت إلى سجن باب الشام فقال: ما هذا؟ قالوا: سجن، فقال: هذه الشهوات أدخلت هؤلاء هذا المدخل.
وقال: الفكرة في أمر الآخرة تقطع حب الدّنيا وتذهب شهواتها.
وقال: من طلب الدّنيا فليتهيأ للذلّ.
قال جميع ذلك ابن الجوزي في «مناقبه» .
وأسند الخطيب [١] عنه أنه قال: لو لم يكن في القناعة شيء إلا التمتّع بعزّ الغنى [٢] لكان ذلك يجزئ، ثم أنشد:
أفادتني القناعة أيّ عزّ ... ولا عزّ من القناعة
فخذ منها لنفسك رأس مال ... وصيّر بعدها التّقوى بضاعة
تحز حالين تغنى عن بخيل ... وتسعد [٣] في الجنان بصبر ساعه
وأسند الخطيب [٤] عن أحمد بن مسكين قال: خرجت في طلب بشر
стр. 991
[ابن الحارث] [١] من باب حرب، فإذا به جالس وحده، فأقبلت نحوه، فلما رآني مقبلا خطّ بيده على الجدار وولّى، فأتيت موضعه فإذا هو قد خط بيده.
الحمد لله لا شريك له ... في صبحه دائما وفي غلسه
لم يبق لي مؤنس فيؤنسني ... إلّا أنيس أخاف من أنسه
فاعتزل النّاس يا أخيّ ولا ... تركن إلى من تخاف من دنسه
قال عبد الله بن الإمام أحمد: مات بشر قبل المعتصم بستة أيام، وأسند عن أبي حسّان الزيادي قال: مات بشر سنة سبع وعشرين ومائتين عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأوّل وقد بلغ من السن خمسا وسبعين سنة، وحشد النّاس لجنازته، وكان أبو نصر التمّار [٢] وعليّ بن المديني يصيحان في الجنازة: هذا والله شرف الدّنيا قبل شرف الآخرة.
وأخرجت جنازته بعد صلاة الصبح ولم يحصّل في القبر إلّا في الليل، وكان نهارا صائفا.
وقال عمر بن أخته: كنت أسمع الجن تنوح على خالي في البيت الذي كان فيه غير مرّة.
وعن القاسم بن منبّه قال: رأيت بشرا في النوم فقلت [٣] : ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وقال: يا بشر قد غفرت لك ولكل من تبع جنازتك.
قال: فقلت: يا رب ولكل من أحبني. قال: ولكل من أحبك إلى يوم القيامة. انتهى ما أورده الخطيب مختصرا [٤] .
وفيها أبو عثمان سعيد بن منصور الخراسانيّ الحافظ، صاحب
стр. 992
«السنن» [١] . روى عن فليح بن سليمان، وشريك، وطبقتهما. وجاور بمكة وبها مات في رمضان، وقد روى البخاري عن رجل عنه، وكان من الثقات المشهورين.
وسهل بن بكّار البصري. روى عن شعبة وجماعة.
وفيها محمد بن الصّبّاح البغداديّ البزاز المزنيّ مولاهم الدولابيّ أبو جعفر. روى عن شريك وطبقته، وله «سنن» صغيرة، وهو ثقة. روى عنه أحمد، والشيخان، وغيرهم.
وفيها أبو الوليد الطّيالسيّ هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم البصريّ الحافظ، أحد أركان الحديث في صفر وله أربع وتسعون سنة. سمع عاصم بن محمد العمري، وهشام الدستوائي، والكبار.
قال أحمد بن سنان: كان أمير المحدّثين.
وقال أبو زرعة: كان إماما في زمانه جليلا عند النّاس.
وقال أبو حاتم: إمام، فقيه، عاقل، ثقة، حافظ. ما رأيت في يده كتابا قطّ.
وقال ابن وارة: ما أراني [٢] أدركت مثله.
وفيها يحيى بن بشر [٣] الحريريّ الكوفيّ. سمع بدمشق من معاوية ابن سلّام وجماعة، وعمّر دهرا، وهو مجهول [٤] .
وفي ربيع الأول الخليفة المعتصم، أبو إسحاق محمد بن هارون
стр. 993
الرّشيد بن المهدي العباسي وله سبع وأربعون سنة. وعهد إليه بالخلافة المأمون، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعا، مشرق اللون، قويا إلى الغاية، شجاعا، شهما، مهيبا، وكان كثير اللهو مسرفا على نفسه، وهو الذي افتتح عموريّة من أرض الرّوم. وكان يقال له: المثمّن لأنه ولد سنة ثمانين ومائة في ثامن شهر فيها، وهو شعبان وتوفي أيضا في ثامن عشر رمضان، وهو ثامن الخلفاء من بني العبّاس، وفتح ثمان فتوح عموريّة، ومدينة بابك، ومدينة الزّط [١] وقلعة الأجراف [٢] ، ومصر، وأذربيجان، وديار ربيعة، وإرمينية [٣] .
ووقف في خدمته ثمان [٤] ملوك: الأفشين، ومازيار، وبابك، وباطس ملك عمّورية، وعجيف ملك أشياحيج [٥] ، وصول صاحب أسبيجاب، وهاشم ناحور ملك طخارستان، وكناسة ملك السّند، فقتل هؤلاء سوى صول وهاشم، واستخلف ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وخلّف ثمانية بنين وثماني بنات، وخلّف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن الجمال والبغال مثل ذلك، ومن المماليك ثمانية آلاف [مملوك] [٦] وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور.
стр. 994
وكان له نفس سبعيّة إذا غضب لم يبال من قتل ولا ما فعل. وقام بعده ابنه الواثق. قال جميع ذلك في «العبر» [١] .
ومن عجيب ما اتفق له أنه كان قاعدا في مجلس أنسه والكأس في يده، فبلغه أن امرأة شريفة في الأسر عند علج من علوج الرّوم في عموريّة، وأنه لطمها على وجهها يوما فصاحت: وا معتصماه. فقال لها العلج: ما يجيء إليك إلّا على أبلق، فختم المعتصم الكأس وناوله للساقي، وقال: والله ما شربته إلا بعد فك الشريفة من الأسر وقتل العلج. ثم نادى في العساكر المحمدية بالرحيل إلى غزو عموريّة، وأمر العسكر أن لا يخرج أحد منهم إلّا على أبلق، فخرجوا معه في سبعين ألف أبلق، فلما فتح الله تعالى عليه بفتح عمّورية دخلها وهو يقول: لبيك لبيك، وطلب العلج صاحب الأسيرة الشريفة، وضرب عنقه، وفك قيود الشريفة، وقال للساقي: ائتني بكأسي المختوم، ففك ختمه وشربه، وقال: الآن طاب شرب الشراب، سامحه الله تعالى وجزاه خيرا.
стр. 995
سنة ثمان وعشرين ومائتين
فيها غلا السّعر بطريق مكّة، فبيعت راوية الماء بأربعين درهما، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجّاج.
وفيها توفي داود بن عمرو بن زهير بن عمرو بن جميل [١] الضبّيّ البغدادي. سمع نافع بن عمر الجمحي وطائفة، وكان صدوقا صاحب حديث.
قال ابن ناصر الدّين: كنيته أبو سليمان. حدّث عنه أحمد، ومسلم، وغيرهما. وكان ثقة مبرّزا على أصحابه، وكان أحمد بن حنبل إذا أراد أن يركب داود يأخذ له بركابه. انتهى.
وفيها حمّاد بن مالك الأشجعيّ الحرستاني [٢] ، شيخ معمر، مقبول الرواية، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والأوزاعي.
وفيها أبو نصر التمّار، عبد الملك بن عبد العزيز الزاهد ببغداد، في أول العام. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته، وكان ثقة، ثبتا، عالما، عابدا، قانتا، ورعا، يعد من الأبدال.
وعبيد الله بن محمد العيشيّ البصريّ الأخباريّ، أحد الفصحاء الأجواد. روى عن حمّاد بن سلمة.
قال يعقوب بن شيبة: أنفق ابن عائشة على إخوانه أربعمائة ألف دينار في الله.
стр. 996
وعن إبراهيم الحربي قال: ما رأيت مثل ابن عائشة.
وقال ابن خراش [١] : صدوق.
وقال ابن الأهدل: أمه عائشة بنت طلحة.
ومن كلامه: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك.
في مصيبتك أحسن من جزع. ووقف على قبر ابن له مات فقال:
إذا ما دعوت الصّبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصّبر
فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر [٢]
وعنه [٣] قال: ما أعرف كلمة بعد كلام الله ورسوله أخصر لفظا ولا أكمل وصفا [٤] ولا أعم نفعا من قول علي- كرم الله وجهه-: قيمة كل امرئ ما يحسن.
ومن قوله: أول الفراعنة سنان بن علوان بن عبيد بن عوج بن عمليق، وهو صاحب القضية مع سارة وإبراهيم وأخدمها هاجر.
والثاني صاحب يوسف، ريان بن الوليد وهو خيرهم. يرجع نسبه إلى عمرو بن عمليق. يقال: إنه أسلم على يد يوسف.
والثالث فرعون موسى، الوليد بن مصعب بن معاوية، وهو أخبثهم، يرجع إلى عمرو بن عمليق أيضا.
والرابع نوفل الذي قتله بختنصّر حين غزا مصر.
والخامس كان طوله ألفي ذراع، وكان قصيراه جسر نيل مصر [٥] . انتهى ما قاله ابن الأهدل.
стр. 997
وفيها علي بن عثّام بن علي العامريّ الكوفيّ، نزيل نيسابور. سمع مالكا وطبقته، وكان حافظا زاهدا فقيها أديبا كبير القدر، توفي مرابطا بطرسوس. روى مسلم في «صحيحه» عن رجل عنه.
وفيها أبو الجهم العلاء بن موسى الباهليّ ببغداد، وله جزء مشهور من أعلى المرويات، روى فيه عن اللّيث بن سعد وجماعة.
قال الخطيب [١] : صدوق.
وخرّج له الترمذي.
وقال في «المغني» : العلاء الباهلي الرّقّي.
قال البخاريّ وغيره: منكر الحديث.
فأما العلاء بن هلال البصري [عن شهر] [٢] فما فيه تخريج. انتهى.
وفيها محمد بن الصّلت أبو يعلى الثوريّ ثم البصريّ الحافظ. سمع الدّراوردي وطبقته.
قال أبو حاتم: كان يملي علينا التفسير من حفظه.
وفيها العتبيّ الأخباريّ [الشاعر] [٣] وهو أبو عبد الرّحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو الأمويّ، أحد الفصحاء الأدباء من ذرية عتبة بن أبي سفيان ابن حرب، وكان من أعيان الشعراء بالبصرة. سمع أباه، وسمع أيضا من سفيان بن عيينة عدة أحاديث. والأخبار أغلب عليه. قال في «العبر» [٤] .
وقال ابن الأهدل: روى عنه أبو الفضل الرّقاشي، وله عدة تصانيف، ومن قوله:
رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواضر
وكنّ متى أبصرنني أو سمعنني ... سعين يرفّعن اللّوا بالمحاجر
стр. 998
فإن عطفت عني أعنّة أعين ... نظرن بأحداق المها والجآذر
فإنّي من قوم كرام ثناؤهم ... لأقدامهم صيغة رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام في الشّرك قادة ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر [١]
وله وقد مات ولد له:
أضحت بخدّي للدّموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المواطن كلّها ... إلا عليك فإنّه مذموم [٢]
انتهى.
وفيها مسدّد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل ابن أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن المستورد الأسديّ بالسكون، ويقال بالتحريك.
كان يحيى بن معين إذا ذكر نسب مسدّد قال: هذه رقية عقرب.
قال ابن الأهدل في شرحه للبخاري: نسب مسدّد إذا أضيف إليه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١: ١ كانت رقية من العقرب، والخمسة الأول بصيغة المفعول، والثلاثة الأخيرة أعجمية. وكان [مسدد أحد الحفاظ الثقات، وهو ممن انفرد به البخاريّ دون مسلم. انتهى.
وقال في «العبر» [٣]] [٤] : مسدد بن مسرهد الحافظ، أبو الحسن البصري. سمع جويرية بن أسماء، وأبا عوانة، وخلقا. وله «مسند» في مجلد سمعت بعضه. انتهى.
وفيها نعيم بن حمّاد أبو عبد الله الفارض الأعور. منهم من وثقه، والأكثر منهم ضعفه.
стр. 999
قال في «المغني» [١] : نعيم بن حمّاد أحد الأئمة. وثقه أحمد بن حنبل وغيره، وابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: يشبّه له فيروي ما لا أصل له.
وقال النسائيّ: ليس بثقة.
وقال الدارقطنيّ: كثير الوهم.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
[وقال أبو زرعة الدمشقي: وصل أحاديث يوقفها الناس] [٢] .
وقال العبّاس بن مصعب: وضع كتبا في الرد على أبي حنيفة.
قال الأزديّ: كان يضع الحديث في تقوية السّنّة وحكايات مزوّرة في ثلب أبي حنيفة، كلها كذب، وكان من أعلم الناس بالفرائض. انتهى ملخصا.
وفيها نعيم بن الهيصم [٣] الهرويّ ببغداد. روى عن أبي عوانة وجماعة، وهو من ثقات شيوخ البغوي.
وفيها أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ الكوفيّ الحافظ أحد [٤] أركان الحديث.
قال ابن معين: ما كان بالكوفة من يحفظ معه. سمع قيس بن الرّبيع وطبقته، وهو ضعيف.
[قلت] [٥] : لكن وثقه ابن معين.
стр. 1000
سنة تسع وعشرين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو محمد خلف بن هشام البزّار [١] شيخ القراء والمحدّثين ببغداد. سمع من مالك بن أنس وطبقته، وله اختيار خالف فيه حمزة في أماكن، وكان عابدا صالحا كثيرا العلم صاحب سنة، رحمه الله تعالى.
وعبد الله بن محمد الحافظ أبو جعفر الجعفيّ البخاريّ المسنديّ لقّب بذلك لأنه كان يتتبّع [٢] المسند ويتطلّبه. رحل وكتب الكثير عن سفيان ابن عيينة وطبقته، وكان ثبتا.
روى عنه البخاريّ وغيره.
وفيها نعيم بن حمّاد الخزاعيّ المروزيّ الفرضيّ [٣] الحافظ. أحد
стр. 1001
علماء الأثر. سمع أبا حمزة السّكّري، وهشيما وطبقتهما، وصنف التصانيف، وله غلطات ومناكير مغمورة في كثرة ما روى. وامتحن بخلق القرآن فلم يجب [فحبس] [١] ، وقيّد ومات في الحبس، رحمه الله تعالى. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها يزيد بن صالح الفرّاء أبو خالد النّيسابوريّ العبد الصّالح.
روى عن إبراهيم بن طهمان، وقيس بن الرّبيع، وطائفة. وكان ورعا قانتا مجتهدا في العبادة.
قال في «المغني» [٣] : يزيد بن صالح اليشكريّ النيسابوريّ الفراء، مجهول.
قلت [٤] : بل مشهور صدوق. انتهى.
стр. 1002
سنة ثلاثين ومائتين
وفيها توفي إبراهيم بن حمزة الزّبيريّ المدنيّ الحافظ. روى عن إبراهيم بن سعد وطبقته ولم يلق مالكا.
وفيها سعيد بن محمد الجرميّ الكوفيّ. روى عن شريك، وحاتم ابن إسماعيل، وطائفة، وكان صاحب حديث.
خرّج له الشيخان، وأبو داود، [وغيرهم.
قال في «المغني» [١] : سعيد بن محمد الجرمي، عن حاتم بن إسماعيل، ثقة إلا أنه شيعي. ووثقه أبو داود] [٢] وخلق. انتهى.
وفيها أمير المشرق أبو العبّاس عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ وله ثمان وأربعون سنة، وكان شجاعا، مهيبا، عاقلا، جوادا، كريما، يقال: إنّه وقّع مرّة على قصص [٣] بصلات بلغت أربعة آلاف ألف درهم، وقد خلّف من الدراهم خاصة أربعين ألف درهم، وقد تاب قبل موته وكسر آلات اللهو [٤] واستفك أسرى بألفي ألف درهم، وتصدق بأموال كثيرة،
стр. 1003
وفيه يقول أبو تمام- وقد قصده من العراق- من قصيدته المشهورة:
أمطلع الشّمس تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلت كلّا ولكن مطلع الجود [١]
وفي سفرة أبي تمام هذه ألّف كتاب «الحماسة» فإنه حكم عليه البرد هناك، ووقع على خزانة كتب فاختار منها «الحماسة» .
وفيها علي بن الجعد أبو الحسن الهاشميّ مولاهم البغداديّ الجوهريّ الحافظ. محدّث بغداد، في رجب، وله ست وتسعون سنة. روى عن شعبة، وابن أبي ذئب، والكبار، فأكثر، وكان يحدّث من حفظه.
قال البغويّ: أخبرت أنه مكث ستين سنة يصوم يوما ويفطر يوما.
وقال ابن ناصر الدّين: هو شيخ بغداد، وصاحب العالي من الإسناد.
خرّج عنه البخاريّ وغيره. وكان ثقة عجبا في حفظه، لم يرو عنه مسلم لبدعة وتجهّم كان فيه. انتهى.
وفيها علي بن محمد بن إسحاق أبو الحسن الطّنافسيّ الكوفيّ الحافظ محدّث قزوين، وأبو قاضيها الحسين. سمع سفيان بن عيينة وطبقته فأكثر.
وثقه أبو حاتم وقال: هو أحبّ إليّ من [أبي بكر] بن أبي شيبة في الفضل والصلاح.
وعون بن سلّام الكوفيّ وله تسعون سنة. سمع أبا بكر النّهشلي، وزهير بن معاوية.
قال في «المغني» [٢] : صدوق وقد ليّن.
وفيها محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصريّ الحافظ المجاهد.
روى عن معتمر بن سليمان وطبقته.
стр. 1004
وفيها الإمام الحبر أبو عبد الله محمد بن سعد الحافظ كاتب الواقدي وصاحب «الطبقات» و «التاريخ» ببغداد في جمادى الآخرة، وله اثنتان وستون سنة. روى عن سفيان بن عيينة، وهشيم، وخلق كثير.
قال أبو حاتم: صدوق.
قال ابن الأهدل: قيل: إنه مكث ستين سنة يصوم يوما ويفطر يوما.
وفيها أبو غسّان مالك بن عبد الواحد المسمعيّ البصريّ المحدّث.
روى عن معتمر بن سليمان وطبقته.
وفي حدود الثلاثين إبراهيم بن موسى الرّازيّ الفرّاء الحافظ أبو إسحاق، أحد أركان العلم. رحل وسمع أبا الأحوص، وخالد بن عبد الله الواسطي، وطبقتهما.
قال أبو زرعة الحافظ: كتبت عنه مائة ألف حديث، وهو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصحّ حديثا.
стр. 1005
سنة إحدى وثلاثين ومائتين
فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة يأمره بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في امتحان الناس.
وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعيّ الشهيد، كان من أولاد الأمراء فنشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة، وحمل عن هشيم مصنفاته وما كان يحدّث. و [كان] يزري على نفسه، قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن، ولكونه أغلظ للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي.
وكان رأسا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام معه خلق من المطوّعة واستفحل أمرهم، فخافت الدولة من فتق يتمّ بذلك.
قال ابن الأهدل: روي أنه صلب فاسودّ وجهه، فتغيرت قلوب الناس، ثم ابيض سريعا فرؤي في النوم فقال: لما صلبت رأيت رسول الله- ﷺ فأعرض عني بوجهه فاسود وجهي غضبا، فسألته- ﷺ عن سبب إعراضه، فقال: «حياء منك، إذ قتلك واحد من أهل بيتي» فابيضّ وجهي [١] . انتهى.
وفيها إبراهيم بن محمد بن عرعرة الشاميّ البصريّ، أبو إسحاق الحافظ، ببغداد، في رمضان. سمع جعفر بن سليمان الضّبعي.
стр. 1006
وعبد الوهّاب الثقفي، وطائفة.
قال عثمان بن خرّزاذ: ما رأيت أحفص من أربعة، فذكر منهم إبراهيم هذا.
وفيها أميّة بن بسطام أبو بكر العيشيّ البصريّ، أحد الأثبات. روى عن ابن عمه يزيد بن زريع وطبقته.
وفيها عبد الله بن محمد بن أسماء الضّبعيّ البصريّ أحد الأئمة.
روى عن عمه جويرية بن أسماء وجماعة.
قال أحمد الدّورقي: لم أر بالبصرة أحفظ منه [١] .
وذكر لعلي بن المديني فعظّمه.
وقال ابن ناصر الدّين: كنيته أبو عبد الرّحمن، وهو حجة ثقة.
وفيها كامل بن طلحة [الجحدريّ، البصريّ] [٢] وله ست وثمانون سنة. روى عن مبارك بن فضالة وجماعة.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال في «المغني» [٣] : قال أبو داود: رميت بكتبه.
وقال أحمد: ما أعلم أحدا يدفعه بحجة.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم، وغيره: لا بأس به.
وقال الدّارقطنيّ: ثقة. انتهى.
وفيها ابن الأعرابي صاحب اللغة، وهو أبو عبد الله محمد بن زياد، توفي بسامرّاء وله ثمانون سنة، وكان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب.
стр. 1007
قال ابن الأهدل: هو مولى بني العبّاس. أخذ عن أبي معاوية الضرير، والكسائي، وأخذ عنه الحربيّ، وثعلب، وابن السّكّيت. واستدرك على من قبله. وله بضعة عشرة مصنفا، منها: «كتاب النوادر» و «كتاب الخيل» و «كتاب تفسير الأمثال» و «كتاب معاني الشعر» وكان يحضر مجلسه مائة مستفيد. انتهى.
وفيها محمد بن سلّام الجمحيّ البصريّ الأخباريّ الحافظ أبو عبد الله. روى عن حمّاد بن سلمة. وجماعة، وصنف كتبا منها «كتاب الشعراء» [١] وكان صدوقا.
وفيها أبو جعفر محمد بن المنهال البصريّ الضرير الحافظ. روى عن أبي عوانة، ويزيد بن زريع، وجماعة. وكان أبو يعلى الموصلي يفخّم أمره ويقول: كان أحفظ من بالبصرة وأثبتهم في وقته.
وهو من الثقات.
قال في «العبر» [٢] : قلت: ومات قبله بيسير أو بعده، محمد بن المنهال [البصريّ] [٣] العطّار، أخو حجّاج بن منهال. روى عن يزيد بن زريع وجماعة، وكان صدوقا. روى عن [الرجلين] [٣] أبو يعلى الموصلي. انتهى.
وفيها منجاب بن الحارث الكوفيّ. روى عن شريك وأقرانه.
وفيها أبو علي هارون بن معروف [٤] الضرير ببغداد. روى عن
стр. 1008
عبد العزيز الدّراوردي وطبقته، وكان من حفاظ الوقت، صاحب سنة.
وفيها الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ مولاهم المصريّ في صفر. سمع مالكا، واللّيث، وخلقا كثيرا، وصنف التصانيف.
وسمع «الموطأ» من مالك سبع عشرة مرّة.
قال ابن ناصر الدّين: هو صاحب مالك والليث، ثقة، وإن كان أبو حاتم والنسائي تكلما فيه، فقد احتج البخاريّ ومسلم في «صحيحهما» بما يرويه. انتهى.
وفيها العلّامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ الفقيه صاحب الشافعي، ببغداد في السجن والقيد ممتحنا بخلق القرآن، وكان عابدا مجتهدا دائم الذّكر كبير القدر.
قال الشافعيّ: ليس في أصحابي أعلم من البويطي.
وقال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنة. وسمع أيضا من [١] ابن وهب.
وقال الإسنويّ في «طبقاته» : كان ابن أبي اللّيث الحنفي يحسده، فسعى به إلى الواثق بالله أيام المحنة بالقول بخلق القرآن، فأمر بحمله إلى بغداد مع جماعة من العلماء، فحمل إليها على بغل مغلولا مقيّدا مسلسلا في أربعين رطلا من حديد، وأريد منه القول بذلك فامتنع، فحبس ببغداد على تلك الحالة إلى أن مات يوم الجمعة قبل الصلاة. وكان في كل جمعة يغسل ثيابه، ويتنظف، ويغتسل، ويتطيب، ثم يمشي إذا سمع النداء إلى باب السجن، فيقول له السجّان: ارجع رحمك الله، فيقول البويطي: اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني. انتهى ملخصا.
وفيها أبو تمام الطائيّ حبيب بن أوس الحورانيّ، مقدّم شعراء العصر، توفي في آخر السنة [بالموصل] [٢] كهلا.
سئل الشريف الرضي عن أبي تمام، والبختري، والمتنبي، فقال: أما
стр. 1009
أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر [١] وأما المتنبي فقائد عسكر.
وقال أبو الفتح بن الأثير في كتاب «المثل السائر» [٢] يصف الثلاثة:
[وهؤلاء الثلاثة] [٣] هم لات الشعر، وعزّاه، ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين، وفصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء [٤] .
أما أبو تمّام فربّ معان وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي يبرز فيه على الأضراب، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلّا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرّجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام: فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلّم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما البحتريّ، فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنّى، ولقد حاز طرفي الرّقّة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف، نجد، حتّى يتشبّب [٥] بريف العراق.
وسئل أبو الطيب عنه، وعن أبي تمّام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري.
قال [٦] : ولعمري لقد أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه من
стр. 1010
الأفهام، وما أقول إلّا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فأراد أن يسلك مسلك أبي تمّام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر [من قياده] ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختصّ بالإبداع في وصف مواقف القتال.
قال [١] : وأنا أقول قولا لست فيه متأثّما، ولا منه متلثّما [٢] ، وذلك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتّى تظن الفريقين فيه تقابلا، والسلاحين فيه تواصلا، وطريقه في ذلك يضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان، فيصف لسانه، وما أدّى إليه عيانه. ومع هذا فإني رأيت النّاس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط فيه وإما مفرّط، وهو وإن انفرد في طريق وصار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه كان خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إنّ الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتّى أحمد الصّم
انتهى ما قاله ابن الأثير.
وقال ابن الأهدل: ألّف أبو تمّام كتاب «الحماسة» وكتاب «فحول الشعراء» جمع فيه بين الجاهليين، والمخضرمين، والإسلاميين، وكتاب
стр. 1011
«الاختيارات من شعر الشعراء» وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة غير القصائد والمقاطيع. وجاب البلاد، ومدح الخلفاء وغيرهم، وكان قصد البصرة في جماعة من أتباعه وبها شاعرها عبد الصّمد بن المعذّل [١] فخاف عبد الصمد أن يميل النّاس إليه فكتب إليه قبل قدومه:
أنت بين اثنتين تبرز للنّا ... س وكلتاهما بوجه مذال
أيّ ماء يبقى بوجهك هذا [٢] ... بين ذلّ الهوى وذلّ السؤال [٣]
فلما وقف عليه رجع، وكتب على ظهر ورقته:
أفيّ تنظم قول الزّور والفند ... وأنت أنقض [٤] من لا شيء في العدد
أسرجت قلبك من غيظ على حنق [٥] ... كأنّها حركات الرّوح في الجسد
أقدمت ويحك من هجوي على خطر ... كالعير يقدم من خوف على الأسد
قيل: إن العير إذا شمّ رائحة الأسد وثب عليه فزعا.
ومدح أبو تمّام الخليفة بحضرة أبي يوسف الفيلسوف الكنديّ [٦] فقال:
стр. 1012
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس [١]
فقال له الفيلسوف: أتشبّه الخليفة بأجلاف العرب؟ فقال: نور الله سبحانه شبّه بمصباح في مشكاة للتقريب [٢] فقال للخليفة: أعطاه ما سأل فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوما، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر.
وقيل: قال: إنه يموت قريبا أو شابا. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال:
رأيت فيه من الذكاء والفطنة ما علمت أن النفس الروحاني تأكل جسمه كما يأكل السيف المهنّد غمده. فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ قال: الموصل فأعطاه إياها، فمات سريعا وقد نيّف على الثلاثين، وبين عليه أبو نهشل بن حميد [٣] قبّة، ورثاه جماعة منهم: أبو نهشل بن حميد، الذي ولاه الموصل فقال:
فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطّائي
ماتا معا فتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء
ورثاه محمد بن عبد الملك الزّيّات وزير المعتصم فقال:
نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لمّا ألمّ مقلقل الأحشاء
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
انتهى ما قاله ابن الأهدل.
стр. 1013
قلت: ومن شعر أبي تمّام هذه الأبيات الثلاثة وتطلب المناسبة بينها وهي:
لولا العيون وتفّاح الخدود [١] إذا ... ما كان يحسد أعمى من له بصر [٢]
قالوا أتبكي على رسم فقلت لهم ... من فاته العين يذكي شوقه [٣] الأثر
إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا [٤]
стр. 1014
سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
. وفيها توفي الحكم بن موسى أبو صالح القنطريّ البغداديّ الحافظ أحد العبّاد في شوال. سمع إسماعيل بن عيّاش وطبقته.
وفيها عبد الله بن عون الخرّاز الزّاهد، أبو محمد البغداديّ المحدّث، وكان يقال: إنه من الأبدال. وروى عن مالك وطبقته. توفي في رمضان.
قال السخاويّ في «طبقاته» : عبد الله الخرّاز من كبار مشايخ الرّيّ ومن كبار فتيانهم.
قال عبد الله بن عبد الوهّاب: كان عبد الله الخرّاز إذا دخل مكّة يقول المجاورون: طلعت شمس الحرم.
وقال الجنيد: لا يأتينا من هذه الناحية مثل عبد الله الخرّاز.
وقال يوسف بن الحسين: لم أر مثل عبد الله الخرّاز، ولا رأى عبد الله مثل نفسه. انتهى.
وفيها عمرو بن محمّد النّاقد الحافظ أبو عثمان البغداديّ نزيل الرّقّة وفقيهها ومحدّثها. سمع هشيما وطبقته. توفي في ذي الحجّة ببغداد.
وفيها أبو يحيى هارون بن عبد الله الزّهريّ العوفيّ المكيّ المالكيّ، الإمام القاضي نزيل بغداد. تفقه بأصحاب مالك.
قال أبو إسحاق الشيرازيّ [١] : هو أعلم من صنّف الكتب في مختلف قول مالك.
стр. 1015
وقال الخطيب [١] : إنه سمع من مالك، وإنه ولي قضاء العسكر [٢] ثم قضاء مصر.
وفيها يوسف بن عديّ الكوفيّ نزيل مصر، أخو زكريا بن عدي.
حدّث عن مالك، وشريك. وكان محدّثا تاجرا.
وفي ذي الحجّة توفي الواثق بالله أبو جعفر، وقيل: أبو القاسم هارون ابن المعتصم محمد بن الرّشيد بن المهدي العبّاسي عن بضع وثلاثين سنة.
وكانت أيامه خمس سنين وأشهرا. ولّي بعهد من أبيه، وكان أديبا شاعرا، أبيض، تعالوه صفرة، حسن اللّحية، في عيينة نكتة. دخل في القول بخلق القرآن وامتحن النّاس. وقوّى عزمه ابن أبي داود [٣] القاضي، ولما احتضر ألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل، فأظهر السّنّة، ورفع المحنة، وأمر بنشر أحاديث الرؤية والصّفات. قاله في «العبر» [٤] .
قال ابن الجوزي في «الشذور» : وسلّم على المتوكل بالخلافة ثمانية كلهم أولاد خليفة، المنتصر ابنه، ومحمد بن الواثق، وأحمد بن المعتصم، وموسى بن المأمون، وعبد الله بن الأمين، وأبو أحمد بن الرّشيد، والعبّاس ابن الهادي، ومنصور بن المهدي، وكانت عدة كل نوبة من نوب الفرّاشين في دار المتوكل أربعة آلاف فرّاش. انتهى.
стр. 1016
قال ابن الفرات: كان الواثق مشغوفا بحب الجواري، واتخاذ السراري، والتمتع بالأنكحة. روي أنه كان يحب جارية حملت إليه من مصر هدية، فغضبت يوما من شيء جرى بينه وبينها، فجلست مع صاحبات لها، فقالت لهن: لقد هجرته منذ أمس وهو يروم أن أكلّمه فلم أفعل، فخرج من مرقده على غفلة فسمع هذا القول منها، فأنشأ يقول:
يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا ... هل أنت إلّا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر ... وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى
فاصطلحا، ولحّنته وجعلت تغنيه به بقية يومه ذلك.
وقيل: كان مع جارية فظنها نامت، فقام إلى أخرى فشعرت به التي كان معها. فقامت مغضبة، فبعث إلى الخليع البصري [١] وأخبره بقصته فقال:
غضبت إذ زرت [٢] أخرى خلسة ... فلها العتبى لدينا والرّضا
يا فدتك النفس كانت هفوة ... فاغفريها واصفحي عمّا مضى
واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا
فلقد نبّهتني من رقدتي ... وعلى قلبي كنيران الغضا [٣]
стр. 1017
فاصطلحا وأجازه.
وكان الواثق شديد الاعتزال، وقام في أيام المحنة بخلق القرآن القيام الكلّي، وشدد على النّاس في ذلك، وكان سبب موته أن طبيبه ميخائيل [١] عبر عليه ذات يوم فقال له: يا ميخائيل ابغ لي دواء للباه. فقال يا أمير المؤمنين خف الله في نفسك، النكاح يهد البدن. فقال: لا بد من ذلك.
فقال: إذا كان ولا بد، فعليك بلحم السبع، اغله بالخلّ سبع غليات، وخذ منه ثلاثة دراهم على الشراب، وإيّاك أن تكثر منه تقع في الاستسقاء. ففعل الواثق ذلك، وأخذ منه فأكثر لمحبته في الجماع، فاستسقى بطنه فأجمع الأطباء أن لا دواء له إلّا أن يسجر له تنّور [٢] بحطب الزيتون، وإذا ملئ جمرا نحى ما في جوفه وألقي فيه على ظهره، ويجعل تحته وفوقه الأشياء الرطب، ويودع فيه ثلاث ساعات، وإذا طلب ماء لم يسق، فإن سقي كان تلفه فيه. فأمر الواثق فصنع به كذلك، وأخرج من التّنّور وهو في رأي العين أنه احترق، فلما أصاب جسمه روح الهواء اشتد عليه، فجعل يخور كما يخور الثور، ويصيح: ردّوني إلى [٣] التنور. فاجتمعت جواريه ووزيره محمد بن الزّيّات، فردوه إلى التّنّور، فلما ردوه إليه سكن صياحه وأخرج ميتا.
وقد عدت ميتته هذه من فضائل الإمام أحمد بن حنبل- ﵁ فإن المعتصم لما امتحنه للمقالة بخلق القرآن كان الواثق يقول له: لم لا تقول بمقالة أمير المؤمنين؟ قال: لأنها باطلة. قال: لئن كان ما تقوله أنت حقا أحرقني الله بالنّار، فما مات حتّى حرق بالنّار. انتهى ما قاله ابن الفرات ملخصا.
стр. 1018
سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
فيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» رجفت دمشق رجفة شديدة من ارتفاع الضحى، أي إلى ثلاث ساعات كما قاله في «العبر» [١] فانتقضت منها البيوت وزالت الحجارة العظيمة، وسقطت عدة طاقات من الأسواق على من فيها فقتلت خلقا كثيرا، وسقط بعض شرفات الجامع، وانقطع ربع منارته، وانكفأت قرية من عمل الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إلّا رجل واحد، واشتدت الزلازل على أنطاكية، والموصل، ووقع أكثر من ألفي دار على أهلها فقتلتهم، ومات من أهلها عشرون ألفا، وفقد من بستان أكثر من مائتي نخلة من أصولها فلم يبق لها أثر. انتهى.
وفيها توفي إبراهيم بن الحجّاج الشّاميّ المحدّث بالبصرة. روى عن الحمّادين وجماعة، وخرّج له النسائيّ.
وفيها حبّان بن موسى المروزيّ. سمع أبا حمزة السّكري، وأكثر عن ابن المبارك، وكان ثقة مشهورا.
وسليمان بن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل، أبو أيوب التميميّ الشاميّ الحافظ، محدّث دمشق في صفر وله ثمانون سنة. سمع إسماعيل بن عيّاش ويحيى بن حمزة وطبقتهما، وعني بهذا الشأن، وكتب عمّن دبّ ودرج.
стр. 1019
وسهل بن عثمان العسكريّ الحافظ أحد الأئمة، توفي فيها أو في حدودها. روى عن شريك وطبقته.
وفيها القاضي أبو عبد الله محمد بن سماعة الفقيه ببغداد وقد جاوز المائة وتفقه على أبي يوسف، ومحمد، وروى عن اللّيث بن سعد، وله مصنفات واختيارات في المذهب، وكان ورده في اليوم والليلة مائتي ركعة.
وفيها الحافظ أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقيّ الكاتب، صاحب المغازي والفتوح وغير ذلك من المصنفات المفيدة. روى عن إسماعيل بن عيّاش، والوليد بن مسلم، وخلق، وكان ناظر خراج الغوطة.
وفيها الوزير أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن الزّيّات وزر [١] للمعتصم، والواثق، والمتوكل. ثم قبض عليه المتوكل وعذّبه وسجنه حتّى هلك.
كان أديبا بليغا وشاعرا محسنا كامل الأدوات، جهميا.
قال ابن الأهدل: كان أول أمره كاتبا، فاتفق أنّ المعتصم سأل وزيره أحمد بن عمّار البصري عن الكلأ ما هو؟ فقال: لا أدري. فقال المعتصم:
خليفة أميّ ووزير عاميّ. انظروا من بالباب من الكتّاب؟ فوجدوا ابن الزّيّات، فسأله عن الكلأ، فقال: العشب على الإطلاق. فإن كان رطبا فهو الخلى، وإن كان يابسا فهو الحشيش، وشرع في تقسيم النبات. فاستوزره وارتفع شأنه.
وظلم واتخذ تنورا من حديد يحبس فيه المصادرين، فإذا سئل الرّحمة، قال:
الرّحمة خور [٢] في الطبيعة. فأمسكه المتوكل في خلافته وأدخله التنور وقيّده بخمسة عشر رطلا من حديد، فافتقده بعد حين فوجده ميتا فيه.
стр. 1020
وله ديوان شعر رائق. انتهى ملخصا.
وقال ابن الفرات: قال صالح بن سليمان العبديّ: كان ابن الزّيّات يتعشّق جارية فبيعت من رجل من أهل خراسان وأخرجها. قال: فذهل عقل محمد بن الزّيّات حتّى خشي عليه ثم أنشأ يقول:
يا طول ساعات ليل العاشق الدّنف ... وطول رعيته للنجم في السّدف
ماذا تواري ثيابي من أخي حرق ... كأنّما الجسم منه دقّة الألف
ما قال يا أسفي يعقوب من كمد ... إلا لطول الذي لاقى من الأسف
من سرّه أن يرى ميت الهوى دنفا ... فليستدلّ على الزّيّات وليقف [١]
وفيها يحيى بن أيوب المقابريّ [٢] أبو زكريا البغداديّ العابد. أحد أئمة الحديث والسّنّة. روى عن إسماعيل بن جعفر وطبقته. توفي في ربيع الأول وله ست وسبعون سنة.
وفيها الإمام أبو زكريا يحيى بن معين البغداديّ الحافظ. أحد الأعلام وحجّة الإسلام في ذي القعدة بمدينة النّبيّ- ﷺ متوجها إلى الحجّ، وغسل على الأعواد التي غسل عليها النّبيّ- ﷺ وعاش خمسا وسبعين سنة. سمع هشيما، ويحيى بن أبي زائدة، وخلائق. وحدّث عنه الإمام أحمد، والشيخان.
وجاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث يعني بالمكرر.
وقال أحمد بن حنبل: كلّ حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث.
وقال ابن المديني: انتهى علم النّاس إلى يحيى بن معين.