تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ٢٧: ٨٢ [النمل: ٨٢] .
وقيل: رأى المتوكل في منامه رؤيا، فقصها على الفتح بن خاقان وزيره، فقال: يا أمير المؤمنين أضغاث أحلام، ولو تشاغلت بالشرب والغناء لسرّي عنك هذا، فقطع عامة نهاره بالتشاغل، فلما جاءه الليل أمر بإحضار الندماء والمغنين، وجلس بقصره المعروف بالجعفري وعنده الفتح، فقال للمغنّين:
غنّوا، فغنّوا، ثم قام ولده محمد المنتصر ومعه الحاجب يشيعه، فخلا الموضع، فدخل عليه خمسة من الأتراك، فقتلوه وقتلوا الفتح أيضا.
وفيها توفي سلمة [١] بن شبيب أبو عبد الرّحمن النيسابوريّ، الحافظ الموثق في رمضان بمكة. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وقد روى عنه من الكبار أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة إلّا البخاري.
وفيها، أو بعدها، محمد بن مسعود الحافظ، ابن العجميّ [٢] . سمع عيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطّان، وطبقتهما، ورابط بطرسوس.
قال محمد بن وضاح القرطبي: هو رفيع الشأن، فاضل، ليس بدون أحمد بن حنبل، يعني في العمل لا في العلم، والله أعلم. قاله في «العبر» [٣] .
стр. 1087
سنة ثمان وأربعين ومائتين
فيها، بل في التي قبلها كما جزم به في «الشذور» ، توفيت شجاع أمّ المتوكل، وكانت خيّرة كثيرة الرغبة في الخير، وخلّفت من العين خمسة آلاف ألف دينار وخمسين ألف دينار، ومن الجوهر قيمته ألف ألف دينار، ولا يعرف امرأة رأت ابنها وهو جدّ وثلاثة أولاد ولاة عهود إلّا هي. قاله في «الشذور» .
وفيها توفي الإمام العلم أبو جعفر أحمد بن صالح الطبريّ ثم المصريّ الحافظ. سمع ابن عيينة، وابن وهب، وخلقا. وكان ثقة.
قال محمد بن عبد الله بن نمير: إذا جاوزت الفرات فليس أحد مثل أحمد ابن صالح.
وقال ابن وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، وابن نمير بالكوفة، والنفيليّ بحرّان، هؤلاء أركان الدّين.
وقال يعقوب الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ حجتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل.
وفيها الحسين بن علي الكرابيسيّ الفقيه المتكلم أبو علي ببغداد، وقيل مات في سنة خمس وأربعين. تفقه على الشافعيّ، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة، وصنف التصانيف، وكان متضلّعا من الفقه والحديث والأصول ومعرفة الرّجال.
стр. 1088
والكرابيس الثياب الغلاظ.
وفيها بغا الكبير أبو موسى التركيّ، مقدّم قوّاد المتوكل، عن سنّ عالية، وكان بطلا شجاعا مقداما، له عدة فتوح ووقائع، باشر الكثير من الحروب فما جرح قطّ، وخلّف أموالا عظيمة.
وفيها أمير خراسان وابن أميرها، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ، في رجب، ولي إمرة خراسان بعد أبيه ثمان عشرة سنة. ووليها بعده ولده محمد بن طاهر عشرين سنة [١] . وقد حدّث طاهر عن سليمان بن حرب.
وفيها عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار، أبو بكر البصريّ ثم المكيّ العطّار. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث.
وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصريّ: سمع أباه، وابن وهب، وكان أحد الفقهاء.
وعيسى بن حمّاد زغبة التجيبيّ، مولاهم، المصريّ، راوية اللّيث بن سعد [٢] .
والقاسم بن عثمان الدمشقيّ الزّاهد المعروف بالجوعي [٣] ، من كبار الصوفية والعارفين، صحب أبا سليمان الدّاراني، وروى عنه سفيان بن عيينة وجماعة.
قال أبو حاتم [٤] : صدوق.
وفيها محمد بن حيمد الرّازيّ، أبو عبد الله، الحافظ. روى عن جرير
стр. 1089
ابن عبد الحميد، ويعقوب القمّي، وخلق، وكان من أوعية العلم، لكن لا يحتجّ به، وله ترجمة طويلة.
أثني عليه أحمد بن حنبل.
وقال ابن خزيمة: لو عرفه أحمد لما أثنى عليه.
وقد خرّج له أبو داود، والترمذي وغيرهما.
قال الذهبيّ في «المغني» [١] : محمد بن حميد الرّازي الحافظ، عن يعقوب القمّي [٢] وجرير، وابن المبارك، ضعّف لا من قبل الحفظ.
قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.
وقال البخاريّ: فيه نظر.
وقال أبو زرعة: يكذب.
وقال النسائيّ: ليس بثقة.
وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه، ومن ابن الشاذكوني.
انتهى ما قاله في «المغني» .
وفي ربيع الآخر المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم محمد بن الرّشيد [العبّاسي] [٣] بالخوانيق، وكانت خلافته سبعة أشهر [٤] وعاش ستا وعشرين سنة، وأمه رومية تسمى حبشيّة [٥] ، وكان ربعة جسيما، أعين، أقنى، بطينا، مليح الصورة، مهيبا، وكان كامل العقل محبا للخير، محسنا إلى آل عليّ، بارّا بهم.
стр. 1090
وقيل: إن أمراء الترك خافوه، فلما حمّ دسوا إلى طبيبه ابن الطيفوري [١] ثلاثين ألف دينار ففصده بريشة مسمومة، وقيل: سم في كمثرى. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن الأهدل: قيل: إن أمه جاءته عائدة فبكى وقال: يا أماه! عاجلت أبي فعوجلت، ثم أنشأ يقول:
فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الملك القدير أصير
وما لي شيء غير أنّي مسلم ... بتوحيد ربّي مؤمن [٣] وخبير [٤]
وبايع التّرك بعده لأحمد بن محمد بن المعتصم، خوفا منهم أن يبايعوا لأحد من أولاد المتوكل فيقتلهم بأبيه، وسمّوه المستعين. انتهى ما ذكره ابن الأهدل.
وقال ابن الفرات: قيل: رأى المنتصر بالله أباه المتوكل على الله في منامه، فقال له: ويحك يا محمد ظلمتني وقتلتني، والله لا متّعت بالدّنيا بعدي.
وقد أجمعوا على أن المنتصر بالله مات مسموما، وكان سبب ذلك أنه رأى باغر التركي في حفدته الأتراك، فقال: قتلني الله إن لم أقتلكم جميعا، فبلغهم
стр. 1091
الخبر، فسمّوه في ريشة الفاصد، ومات وله من العمر خمس وعشرون سنة.
وفيها محمد بن زنبور أبو صالح المكيّ. روى عن حمّاد بن زيد، وإسماعيل بن جعفر، وكان صدوقا.
وفيها [محدّث الكوفة] [١] أبو كريب محمد بن العلاء الهمدانيّ الحافظ في جمادى الآخرة. سمع ابن المبارك، وعبد الله بن إدريس، وخلائق، وكان ثقة مكثرا.
وفيها أبو هشام الرّفاعيّ محمد بن يزيد الكوفي القاضي، أحد أعلام القرآن، قرأ على سليم، وسمع من أبي خالد الأحمر، وابن فضيل وطبقتهما، وكان إماما مصنفا في القراءات. ولي القضاء ببغداد.
قال في «المغني» [٢] : محمد بن يزيد أبو هشام الرّفاعي.
قال أحمد العجلي: لا بأس به.
وقال غيره: صدوق.
وأما البخاريّ فقال: رأيتهم مجمعين على ضعفه.
وروى ابن عقدة عن مطين، عن ابن نمير، كان يسرق الحديث. انتهى.
стр. 1092
سنة تسع وأربعين ومائتين
فيها توفي الحسن بن الصّبّاح، الإمام أبو عليّ البزّار. سمع سفيان بن عيينة، وأبا معاوية وطبقتهما، وكان أحمد بن حنبل يرفع قدره، ويجلّه، ويحترمه.
وروى عنه البخاريّ، وقال: أبو حاتم صدوق. كانت له جلالة عجيبة ببغداد، رحمه الله تعالى.
والبزّار بالراء آخره، لعله منسوب إلى بيع البزر، وكذلك محمد بن السّكن البزّار، وبشر بن ثابت البزّار، وخلف بن هشام البزّار المقرئ، وكل من في البخاريّ ومسلم سوى هؤلاء الأربعة فهو البزّاز بزايين.
وفيها رجاء بن مرّحي [١] أبو محمد السّمرقنديّ الحافظ ببغداد. روى عن النّضر بن شميل فمن بعده.
قال الخطيب [٢] : كان ثقة، ثبتا، إماما في الحفظ والمعرفة.
وعبد بن حميد الحافظ، أبو محمد الكشّي، صاحب «المسند» و «التفسير» واسمه عبد الحميد، فخفف. سمع يزيد بن هارون، وابن أبي فديك، وطبقتهما، وكان ثقة ثبتا.
стр. 1093
وفيها أبو حفص عمرو بن علي الباهليّ البصريّ الصيرفيّ الفلّاس الحافظ، أحد الأعلام. سمع معتمر بن سليمان وطبقته، وصنف، وعني بهذا الشأن [١] .
قال النسائيّ: ثقة، حافظ.
وقال أبو زرعة: ذاك من فرسان الحديث.
وقال أبو حاتم: كان أوثق من علي بن المديني.
وفيها محمد بن عبد الله بن عبد الرّحيم بن سعيه [٢] بن أبي زرعة الزّهريّ، مولاهم، المصريّ، أبو عبيد الله بن البرقيّ. حدّث عنه أبو داود، والنسائي، وغيرهما، وهو صاحب «كتاب الضعفاء» . قاله ابن ناصر الدّين.
стр. 1094
سنة خمسين ومائتين
فيها توفي العلّامة أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن السّرح [١] المصريّ الفقيه، مولى بني أميّة.
روى عن ابن عيينة، وابن وهب، وشرح «الموطأ» .
وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وغيرهم.
وفيها أبو الحسن أحمد بن محمد البزّيّ المقرئ [٢] مؤذن المسجد الحرام، وشيخ الإقراء. ولد سنة سبعين ومائة، وقرأ على عكرمة بن سليمان، وأبي الإخريط [٣] . وقرأ عليه جماعة، وكان لين الحديث حجة في القرآن.
قال الذهبيّ في «المغني» [٤] : أحمد بن محمد بن عبد الله البزّيّ مقرئ مكّة. ثقة في القراءة، وأما في الحديث، فقال أبو جعفر العقيلي:
منكر الحديث، يوصل الأحاديث، ثم ساق له حديثا متنه: «الدّيك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي» [٥] .
стр. 1095
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، سمعت منه ولا أحدث عنه.
وقال ابن أبي حاتم: روى حديثا منكرا. انتهى ما أورده الذهبي في «المغني» .
وفيها الحارث بن مسكين، الإمام أبو عمرو، قاضي الدّيار المصرية وله ست وتسعون سنة. سأل اللّيث بن سعد [١] . وسمع الكثير من ابن عيينة، وابن وهب، وأخذ في المحنة فحبس دهرا حتّى أخرجه المتوكل وولاه قضاء مصر، وكان من كبار أئمة السّنّة الثقات.
قال السيوطيّ في «حسن المحاضرة» [٢] : الحارث بن مسكين بن محمد ابن يوسف الأموي أبو عمرو المصريّ الحافظ الفقيه العلّامة. روى عنه أبو داود، والنسائي.
قال الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، ثبتا، وله تصانيف. ولد سنة أربع وخمسين ومائة، ومات ليلة الأحد لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين. انتهى.
وفيها، ويقال في سنة خمس وخمسين، الإمام أبو حاتم السّجستانيّ [٣] سهل بن محمد، النحويّ المقرئ اللغويّ، صاحب المصنفات، حمل العربية عن أبي عبيدة، والأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب [٤] وكتب الحديث عن طائفة.
قوّمت كتبه يوم مات بأربعة عشر ألف دينار، واشتراها ابن السّكّيت بدون ذلك محاباة.
стр. 1096
وفيها عبّاد بن يعقوب الأسديّ الرّواجنيّ [١] الكوفيّ الحافظ. سمع من شريك، والوليد بن أبي ثور، والكبار.
قال ابن حبّان: كان داعية إلى الرفض [٢] .
وقال ابن خزيمة: حدثنا الصدّوق في روايته، المتهم في دينه، عبّاد بن يعقوب.
وروى عنه البخاريّ مقرونا بآخر.
وفيها عمرو بن بحر الجاحظ، أبو عثمان البصريّ المعتزليّ، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، صنّف الكثير من الفنون. كان بحرا من بحور العلم، رأسا في الكلام والاعتزال، وعاش تسعين سنة، وقيل: بقي إلى سنة خمس وخمسين. أخذ عن القاضي أبي يوسف، وثمامة بن أشرس، وأبي إسحاق النّظّام.
قال في «المغني» [٣] : عمرو بن بحر الجاحظ المتكلم، صاحب الكتب.
قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون. انتهى.
وقال غيره: أحسن تآليفه وأوسعها فائدة «كتاب الحيوان» و «كتاب البيان والتبيين» وكان مشوّه الخلق. استدعاه المتوكل لتأديب ولده، فلما رآه ردّه وأجازه، وفلج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصّندل [٤] والكافور لفرط
стр. 1097
الحرارة، ونصفه الآخر لو قرض بالمقاريض ما أحسّ به لفرط البرودة، وسمي جاحظا لجحوظ عينيه، أي نتوئهما، وكان موته بسقوط مجلدات العلم عليه [١] .
وفيها الفضل بن مروان بن ماسرجس، كان وزير المعتصم، وهو الذي أخذ له البيعة ببغداد، وكان المعتصم يومئذ ببلاد الرّوم صحبة أخيه المأمون، فاتفق موت المأمون هناك، وتولى بعده واعتدّ له المعتصم [٢] بها يدا عنده، وفوّض إليه الوزارة يوم دخوله بغداد، وهو يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وخلع عليه، ورد أموره كلها إليه، فغلب عليه لطول خدمته وتربيته إياه، فاستقل بالأمور، وكذلك كان في أواخر دولة المأمون، وكان نصراني الأصل، قليل المعرفة بالعلم، حسن المعرفة بخدمة الخلفاء، وله ديوان رسائل، وكتاب «المشاهدات والأخبار» التي شاهدها.
ومن كلامه: مثل الكاتب كالدولاب، إذا تعطل انكسر، وكان قد جلس يوما لقضاء أشغال الناس، ورفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقة مكتوب فيها:
تفرعنت [٣] يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادتهم الأقياد والحبس والقتل
стр. 1098
وإنك قد أصبحت في النّاس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل [١]
أراد بالفضول الثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن سهل، والفضل بن الرّبيع.
وذكر المرزبانيّ، والزمخشري في «ربيع الأبرار» أن هذه الأبيات للهيثم ابن فراس السامي، من سامة بن لؤي.
وقال الصولي: أخذ المعتصم من داره لما نكبه ألف ألف دينار، وأخذ أثاثا وآنية بألف ألف دينار، وحبسه خمسة أشهر ثم أطلقه وألزمه بيته، واستوزر أحمد بن عمّار.
ومن كلام الفضل هذا أيضا: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل، فإن إقباله يعينه عليك، ولا تتعرض له وهو مدبر، فإن إدباره يكفيك أمره [٢] .
وفيها كثير من عبيد المذحجيّ الحذّاء، إمام جامع حمص، أمّه مدة ستين سنة، قيل: إنه ما سها في صلاة مدة ما أمّ. حدّث عن ابن عيينة، وبقيّة، وطائفة، وكان عبدا صالحا.
وأبو عمرو نصر بن علي الجهضميّ، وقيل: علي بن نصر الجهضميّ الصغير، البصريّ الحافظ الثقة، أحد أوعية العلم. روى عن يزيد ابن زريع وطبقته، وعنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم.
قال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعين طلب نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: حتّى أرجع فأستخير الله، فرجع وصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، ثم نام فنبّهوه، فإذا هو ميت، رحمه الله تعالى. مات في ربيع الآخر.
стр. 1099
سنة إحدى وخمسين ومائتين
فيها توفي إسحاق بن منصور الكوسج، الإمام الحافظ أبو يعقوب المروزيّ، بنيسابور، في جمادى الأولى. سمع ابن عيينة وخلقا، وتفقه على أحمد، وإسحاق، وكان ثقة نبيلا.
وفيها، بل في التي قبلها كما جزم به ابن خلّكان [١] وغيره، الحسين ابن الضّحّاك بن ياسر، الشاعر البصريّ المعروف بالخليع، سمّي خليعا لكثرة مجونه وخلاعته. كان مولى لولد سليمان بن ربيعة الباهلي الصحابي، ﵁، وأصله من خراسان، وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، اتصل بمنادمة الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إسحاق النديم، فإنه قاربه في ذلك وساواه، وأول من نادمه منهم محمد الأمين بن هارون الرّشيد، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين، وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين، وبينه وبين أبي نواس ماجريات لطيفة ووقائع حلوة، ومن شعره قوله:
صل بخدّي خدّيك تلق [٢] عجيبا ... من معان يحار فيها الضّمير
فبخدّيك للرّبيع رياض ... وبخديّ للدموع غدير
стр. 1100
وقوله:
إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلّون إدلال المقيم على العهد
صلوا وافعلوا فعل المدلّ بوصله ... وإلّا فصدّوا وافعلوا فعل ذي صدّ [١]
وعمّر نحو المائة.
وفيها حميد بن زنجويه، أبو أحمد النسائيّ الحافظ، صاحب التصانيف، منها كتاب «الآداب النبوية» و «الترغيب والترهيب» وغيرهما، وكان من الثقات. روى عن النّضر بن شميل وخلق بعده.
وفيها عمرو بن عثمان الحمصيّ، محدّث حمص. كان ثقة عدلا، روى عن إسماعيل بن عيّاش، وبقيّة، وابن عيينة.
قال أبو زرعة: كان أحفظ من محمد بن مصفّى.
وفيها أبو التّقى هشام بن عبد الملك اليزنيّ الحمصيّ الحافظ الثقة المتقن. روى عن إسماعيل بن عيّاش، وبقيّة، وكان ذا معرفة تامة.
стр. 1101
سنة اثنتين وخمسين ومائتين
قتل المستعين بالله أبو العبّاس أحمد بن المعتصم محمد بن الرّشيد العباسيّ، ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبويع بعد المنتصر، وكان أمراء الترك قد استولوا على الأمر وبقي المستعين مقهورا معهم، فتحول من سامراء إلى بغداد غضبان، فوجهوا يعتذرون إليه ويسألونه الرجوع فامتنع، [فعمدوا [١] إلى الحبس] [٢] فأخرجوا المعتزّ بالله وحلفوا له، وخلّفوه [٣] وجاء أخوه أبو أحمد لمحاصرة المستعين، فتهيأ المستعين ونائب بغداد ابن طاهر للحرب، وبنوا سور بغداد، ووقع القتال، ونصبت المجانيق، ودام الحصار أشهرا، واشتدّ البلاء، وكثرت القتلى [٤] ، وجهد أهل بغداد، حتّى أكلوا الجيف، وجرت عدة وقعات بين الفريقين، قتل في وقعة منها نحو الألفين من البغاددة [٥] إلى أن كلّوا وضعف أمرهم، وقوي أمر المعتز، ثم تخلى ابن طاهر عن المستعين لمّا رأى البلاء، وكاتب المعتز، ثم سعوا في الصلح على خلع المستعين،
стр. 1102
فخلع نفسه على شروط مؤكّدة في أول هذه السنة، ثم أنفذوه إلى واسط، فاعتقل تسعة أشهر، ثم أحضر إلى سامراء [فقتلوه بقادسية سامراء] [١] في آخر رمضان. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن الأهدل: اتفق الصلح على خلع المستعين، فخلع نفسه على شروط لم تف، وشاور أصحابه في أي البلاد يسكن، فأشار عليه بعضهم بالبصرة، فقيل: إنها حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة، فأقام حينئذ، ثم استدعاه المعتز وقتله وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وكانت مدته من يوم بويع إلى أن خلع ثلاث سنين وأشهرا، وبين خلعه وقتله تسعة أشهر، وفيه يقول حبيب [٣] الكاتب المعروف بالحاسة [٤] :
خلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أو يخلع
إيها بني العبّاس [٥] إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع
رقّعتم دنياكم فتمزّقت ... بكم الحياة تمزّقا لا يرقع [٦]
وكان يقول في دعائه: اللهم إذ خلعتني من الخلافة فلا تخلعني من رحمتك ولا تحرمني جنتك. انتهى.
وكان سبب قتله على ما ذكره ابن الفرات، أن المعتز بالله حين همّ بقتله، كتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فوجه أحمد بن طولون التركي في جيش، فأخرج المستعين، فلما وافى به القاطول [٧] قتله عليه وحمل رأسه إلى المعتز، وكفن ابن طولون جثته ودفنه.
стр. 1103
وقيل: بل كان أحمد بن طولون موكلا بالمستعين، فوجه المعتز سعيد بن صالح في جماعة فحمله وقتله بالقاطول.
وقيل: إنه أدخله إلى منزله بسرّ من رأى فعذبه حتّى مات.
وقيل: بل ركّبه معه في زورق وشدّ في رجليه حجرا وأغرقه.
وقيل: بل وكلّ به رجلا من الأتراك، وقال له: اقتله، فلما أتى إليه ليقتله، قال له: دعني حتّى أصلي ركعتين، فخلاه في الركعة الأولى، وضرب رأسه، وأتي المعتز برأسه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: دعوه حتّى أفرغ من الدست، فلما فرغ دعا به ونظر إليه وأمر بدفنه، وأمر لسعيد بن صالح بخمسين ألفا، وولاه البصرة. انتهى.
وكان المستعين ربعة خفيف العارضين، أحمر الوجه، مليحا، بوجهه أثر جدري، ويلثغ في السين نحو الثاء، وكان مسرفا في تبذير الخزائن والذخائر، سامحه الله تعالى.
وفيها إسحاق بن بهلول، أبو يعقوب التّنوخيّ الأنباريّ الحافظ.
سمع ابن عيينة وطبقته، وكان من كبار الأئمة. صنف في القراءات، وفي الحديث، والفقه.
قال ابن صاعد: حدّث إسحاق بن بهلول بنحو [١] خمسين ألف حديث من حفظه، وعاش ثمانيا وثمانين سنة.
وفيها أبو هاشم زياد بن أيوب الطّوسيّ ثم البغداديّ دلّويه، الحافظ.
سمع هشيما وطبقته، وحدّث عنه البخاريّ، وأحمد، وغيرهما، وكان ثقة ثبتا، وكان يقال له: شعبة الصغير، لإتقانه ومعرفته.
وفيها بندار محمد بن بشّار بن عثمان بن داود بن كيسان العبديّ
стр. 1104
البصريّ، أبو بكر، الحافظ الثقة، في رجب. سمع معتمر بن سليمان، وغندرا [١] وطبقتهما.
قال أبو داود: كتبت عنه خمسين ألف حديث.
وفيها محمد بن المثنّى بن عبيد بن قيس بن دينار، أبو موسى العنزي [٢] البصريّ الزّمن، في ذي القعدة، ومولده عام توفي حمّاد بن سلمة.
سمع معتمر بن سليمان، وسفيان بن عيينة، وطبقتهما. وروى عنه الأئمة الستة، وابن خزيمة، وغيرهم، وكان حجة حافظا.
وفيها يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم، أبو يوسف، العبديّ النّكريّ الدّورقيّ البغداديّ الحافظ الثقة الحجة.
سمع هشيما، وإبراهيم بن سعد، وطبقتهما. وروى عنه الستة وغيرهم.
وفيها، بل في التي قبلها، كما جزم به ابن ناصر الدّين، عليّ الأفطس بن الحسن الذّهليّ.
قال في «المغني» [٣] : علي بن الحسن الذّهليّ الأفطس النيسابوريّ.
عن ابن عيينة.
قال ابن الشرقي: متروك الحديث. انتهى.
стр. 1105
سنة ثلاث وخمسين ومائتين
فيها توفي أحمد بن سعيد بن صخر الحافظ، أبو جعفر الدّارميّ السّرخسيّ، أحد الفقهاء والأئمة في الأثر. سمع النّضر بن شميل وطبقته، وكان ثقة. روى عنه الأئمة إلّا النسائي.
وفيها أحمد بن المقدام، أبو الأشعث البصريّ العجليّ المحدّث، في صفر. سمع حمّاد بن زيد وطائفة كثيرة.
قال في «المغني» [١] : ثقة ثبت، وإنما ترك أبو داود الرواية عنه لمزاحه، كان بالبصرة مجّان يلقون صرة الدراهم ويرقبونها، فإذا جاء من يرفعها، صاحوا به وخجّلوه، فعلّمهم أحمد أن يتخذوا صرة فيها زجاج، فإذا أخذوا صرة الدراهم فصاح صاحبها، وضعوا بدلها صرة الزجاج.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. انتهى كلام «المغني» .
وفيها السّريّ بن المغلّس السّقطيّ، أبو الحسن، البغداديّ، أحد الأولياء الكبار، وله نيّف وتسعون سنة. سمع من هشيم وجماعة، وصحب معروفا الكرخي [وله أحوال وكرامات.
قال ابن الأهدل: هو خال الجنيد، وأستاذه، وتلميذ معروف الكرخي] [٢] .
стр. 1106
قال الجنيد: دفع لي السريّ رقعة وقال: هذه خير لك من سبعمائة فضة، فإذا فيها:
ولما ادعيت الحبّ قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتّى يلصق الظهر بالحشا ... وتذبل حتّى لا تجيب المناديا
وتنحل حتّى لا يبقّي لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا [١]
انتهى.
وقال السخاويّ في «طبقات الأولياء» : هو إمام البغداديين في الإشارات، وكان يلزم بيته ولا يخرج منه، لا يراه إلّا من يقصده إلى بيته.
انقطع عن الناس وعن أسبابهم، وأسند عن الجنيد قال: ما رأيت أعبد من السّريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت.
وسئل عن المتصوف فقال: هو اسم لثلاثة معان، وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات من الله على هتك أستار محارم الله. انتهى ما ذكره السخاوي ملخصا.
وفيها الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ، نائب بغداد. كان جوادا ممدّحا [عالما] [٢] ، قوي المشاركة، جيد الشعر، مات بالخوانيق.
وفيها وصيف التركي، كان [من] [٣] أكبر أمراء الدولة، وكان قد استولى على المعتز، واصطفى الأموال لنفسه، وتمكن ثم قتل [٤] .
стр. 1107
سنة أربع وخمسين ومائتين
فيها قتل بغا الصغير الشّرابيّ، وكان قد تمرّد وطغى، وراح نظيره وصيف، فتفرد واستبد بالأمور، وكان المعتز بالله يقول: لا أستلذ بحياة ما بقي بغا، ثم إنه وثب فأخذ من الخزائن مائتي ألف دينار، وسار نحو السّنّ [١] فاختلف عليه أصحابه وفارقه عسكره فذل وكتب يطلب الأمان وانحدر في مركب فأخذته المغاربة وقتله وليد المغربي وأتى برأسه، فأعطاه المعتز عشرة آلاف دينار.
وفيها أبو الحسن علي بن الجواد محمد بن الرضا علي بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق العلويّ الحسنيّ، المعروف بالهادي، كان فقيها إماما متعبّدا، وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تعتقد غلاة الشيعة عصمتهم كالأنبياء. سعي به إلى المتوكل، وقيل له: إن في بيته سلاحا وعدة ويريد القيام، فأمر من هجم [٢] عليه [في] [٣] منزله فوجده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، يصلي ليس بينه وبين الأرض فراش، وهو يترنّم بآيات من
стр. 1108
القرآن في الوعد والوعيد، فحمل إليه ووصف له حاله، فلما رآه عظّمه وأجلسه إلى جنبه، وناوله شرابا، فقال: ما خامر لحمي ولا دمي فاعفني منه، فأعفاه وقال له: أنشدني شعرا، فأنشده أبياتا [١] أبكاه بها، فأمر له بأربعة آلاف دينار، وردّه مكرما.
وإنما قيل [له] [٢] العسكري، لأنه [لما] [٢] سعي به إلى المتوكل، أحضره من المدينة- وهي مولده- وأقرّه بمدينة العسكر، وهي سرّ من رأى، سميت بالعسكر لأن المعتصم حين بناها انتقل إليها بعسكره، فسميت بذلك، وأقام بها صاحب الترجمة عشرين سنة، فنسب إليها.
وفيها محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّميّ [٣] ، الحافظ أبو جعفر ببغداد. روى عن وكيع وطبقته. وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وكان من كبار الحفاظ الثقات المأمونين. لما قدم ابن المديني بغداد قال: وجدت أكيس القوم هذا الغلام المخرّمي.
وفيها أبو أحمد المرّار بن حمّوية الثقفيّ الهمذانيّ الفقيه. سمع أبا نعيم، وسعيد بن أبي مريم، وكان موصوفا بالحفظ وكثرة العلم [٤] .
وفيها العتبيّ [٥] صاحب «العتبيّة» [٦] في مذهب مالك، واسمه محمد
стр. 1109
ابن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأمويّ العتبيّ القرطبيّ الأندلسيّ الفقيه، أحد الأعلام [ببلده] [١] . أخذ عن يحيى [بن يحيى] [٢] ، ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون [٣] ، وبمصر عن أصبغ، وصنف «المستخرجة» [٤] وجمع فيها أشياء غريبة عن مالك.
وفيها مؤمّل بن إهاب، أبو عبد الرحمن، الحافظ في رجب بالرّملة.
روى عن ضمرة [٥] بن ربيعة، ويحيى بن آدم، وطبقتهما.
وفيها- على ما جزم به ابن ناصر الدّين- أبو عاصم خشيش بن أصرم بن الأسود النسائي، أخذ العلم عن الكبار، وحدّث عنه عدة، منهم أبو داود، والنسائي، وغيرهم، وكان ثقة [٦] .
стр. 1110
سنة خمس وخمسين ومائتين
فيها فتنة الزّنج، وخروج العلويّ قائد الزّنج بالبصرة، خرج بالبصرة فعسكر ودعا إلى نفسه، وزعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن الشهيد زيد بن علي [١] ولم يثبتوا نسبه، فبادر إلى دعوته عبيد أهل البصرة السودان، ومن ثم قيل: الزّنج، والتف إليه كل صاحب فتنة، حتّى استفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة، واستباح البصرة وغيرها، وفعل الأفاعيل، وامتدت أيامه إلى أن قتل إلى غير رحمة الله في سنة سبعين.
وفيها خرج غير واحد من العلوية، وحاربوا بالعجم وغيرها.
وفيها توفي الإمام الحبر، أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن التميميّ الدارميّ السمرقنديّ، الحافظ الثقة، صاحب «المسند» المشهور. رحل وطوّف، وسمع النّضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وطبقتهما.
قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا الدّارميّ بالحفظ والورع.
وقال رجاء بن مرجّى [٢] : ما رأيت أعلم بالحديث منه.
стр. 1111
وفيها قتل [١] المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل [على الله] [٢] جعفر بن المعتصم محمد بن الرّشيد العباسي، في رجب، خلعوه وأشهد على نفسه مكرها، ثم أدخلوه بعد خمسة أيام إلى حمام فعطش حتّى عاين الموت، وهو يطلب الماء فيمنع، ثم أعطوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتا، واختفت أمه قبيحة [٣] وسبب قتله، أن جماعة من الأتراك قالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالا فلم تعطه، وكانت ذات أموال عظيمة إلى الغاية، منها جوهر، وياقوت، وزمرّد، قوّموه بألفي ألف دينار، ولم يكن [بقي] [٤] إذ ذاك في خزائن الخلافة شيء، فحينئذ أجمعوا على خلعه، ورأسهم [٥] حينئذ، صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح، وأحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم، فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافيا ليخلع نفسه، فأجاب، وأحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه، المعتز بالله، وعاش المعتز ثلاثا وعشرين سنة، وكان من أحسن أهل زمانه، ولقّبوا محمدا بالمهتدي بالله. قاله في «العبر» [٦] .
وقال ابن الفرات: كانت وفاته في شعبان من هذه السنة، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته من يوم بويع له ببغداد- بعد خلع المستعين بالله نفسه- ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وأشهر ولد المعتز عبد الله بن المعتز الشاعر، وبه كان يكنى. انتهى.
стр. 1112
وفيها محمد بن عبد الرحيم، أبو يحيى، البغداديّ الحافظ البزّاز، ولقبه صاعقة.
سمع عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف وطبقته، وكان أحد الثقات [١] الأثبات المجوّدين.
وفيها محمد بن كرّام، أبو عبد الله السجستانيّ، الزّاهد، شيخ الطائفة الكرّامية، وكان من عبّاد المرجئة. قاله في «العبر» [٢] .
وقال في «المغني» [٣] : محمد بن كرّام السّجزي، العابد، المتكلم، شيخ الكرامية. أكثر عن الجويباري [٤] ، ومحمد بن تميم السعدي، وكانا ساقطين.
قال ابن حبّان: خذل حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها.
وقال أبو العبّاس السرّاج [٥] : شهدت البخاريّ ودفع إليه كتاب [من] [٦]
стр. 1113
ابن كرّام، يسأله عن أحاديث، فيها [١] الزّهري، عن سالم، عن أبيه، يرفعه «الإيمان لا يزيد ولا ينقص» . فكتب أبو عبد الله على ظهر كتابه: من حدّث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل.
وقال ابن حبّان: جعل ابن كرّام الإيمان قولا بلا معرفة.
وقال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن.
قلت [٢] : هذه أشنع بدعة. وقوله في الرّبّ: جسم لا كالأجسام. انتهى ما قاله الذهبيّ في «المغني في الضعفاء» .
وفيها موسى بن عامر المرّيّ الدّمشقيّ. سمع الوليد بن مسلم، وابن عيينة، وكان أبوه أبو الهيذام [٣] عامر بن عمارة سيد قيس وزعيمها وفارسها، وكان طلب من الوليد بن مسلم فحدث ابنه هذا بمصنفاته.
قال في «المغني» [٤] : موسى بن عامر المرّي صاحب الوليد بن مسلم، صدوق تكلّم فيه بلا حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد، فإنه يكثر عنه. انتهى.
стр. 1114
سنة ست وخمسين ومائتين
كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته، وقتل المعتز وظفر بأمه قبيحة [١] فصادرها حتّى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار، ونفاها إلى مكّة، ثم صار خاصّة المعتز وكتّابه، وهم: أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد، وأبو نوح عيسى بن إبراهيم [٢] ، ثم قتل أبا نوح، وأحمد، فلما دخلت هذه السنة أقبل موسى بن بغا وعبأ جيشه في أكمل أهبة، ودخلوا سامراء ملبّين، قد أجمعوا على قتل صالح بن وصيف، وهم يقولون: قتل المعتز، وأخذ أموال أمه، وأموال الكتّاب، وصاحت العامة:
يا فرعون جاءك موسى، ثم هجم موسى بمن معه على المهتدي بالله، وأركبوه فرسا، وانتهبوا القصر، ثم أدخلوا المهتدي دار باجور [٣] ، وهو يقول:
يا موسى ويحك، ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا نالك سوء، ثم حلّفوه لا يمالئ صالح بن وصيف عليهم، وبايعوه، وطلبوا صالحا يناظروه [٤] على
стр. 1115
أفعاله فاختفى، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح بن وصيف.
وفي رجب، قتل المهتدي بالله أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم [بالله] [١] محمد بن الرّشيد العبّاسي، وكانت دولته سنة، وعمره [٢] نحو ثمان وثلاثين سنة، وكان أسمر، رقيقا، مليح الصورة، ورعا، تقيا، متعبدا، عادلا، فارسا، شجاعا، قويا في أمر الله، خليقا للإمارة، لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير. وقيل: إنه سرد الصوم مدة إمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وزيت وخلّ، وكان يشبّه بعمر بن عبد العزيز.
وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد فيه بالليل، وكان قد سدّ باب الملاهي والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل حساب الدواوين بين يديه، ثم إن الأتراك خرجوا عليه فلبس السلاح وشهر سيفه [٣] ، وحمل عليهم فجرح، ثم أسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله ورضوانه، وأقاموا بعده المعتمد على الله. قاله في «العبر» [٤] .
وقال ابن الفرات: أرادوا أن يبايعوا المهتدي بالله على الخلافة، فقال:
لا أقبل مبايعتكم حتّى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه، فأدخلوه عليه، فسلّم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فقال له الأمراء: ارتفع، فقال: لا أرتفع إلّا أن يرفعني الله، ثم قال للمعتز: يا أمير المؤمنين خلعت أمر الرعية من عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها، فقال المعتز من الخوف: نعم، فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله، ثم ارتفع حينئذ إلى
стр. 1116
صدر المجلس، وكان أول من بايعه، وكان المهتدي ورعا، زاهدا، صوّاما، لم تعرف له زلّة، وكان سهل الحجاب، كريم الطبع، يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه، ويجلس للمظالم، ويلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده، وكان من العدل على جانب عظيم.
حكي أن رجلا من الرّملة تظلّم إلى المهتدي بالله من عاملها، فأمر بإنصافه، وكتب إليه كتابا بخطه، وختمه بيده، وسلّمه إلى الرجل، وهو يدعو له، فشاهد الرجل من رحمة المهتدي وبره بالرعية، وتوليته أمورهم بنفسه ما لم ير مثله، فاهتز ووقع مغشيا عليه، والمهتدي يعاينه، فلما أفاق قال له المهتدي: ما شأنك، أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله، ولكني ما رجوت أن أعيش حتّى أرى مثل هذا العدل، فقال له المهتدي: كم أنفقت منذ خرجت من بلدك؟ فقال: أنفقت عشرين دينارا، فقال المهتدي: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة، وإذا أنفقت ذلك فهذه خمسون دينارا من بيت المال، فإني لا أملك مالا، فخذها لنفقتك واجعلنا في حل من تعبك وتأخّر حقك، فبكى الرجل حتّى غشي عليه ثانيا، وبهت بعض الناس، وبكى بعضهم، فقال أحد الجماعة: أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى [١] :
حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزّاهر
لا يقبل الرّشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر [٢]
فقال المهتدي: أمّا أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به، ولكني أذكر قول الله :
стр. 1117
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ٢١: ٤٧ [الأنبياء: ٤٧] ، فما بقي في المجلس إلّا من استغرق بالدعاء له بطول العمر ونفاذ الأمر، وكان يقول: لو لم يكن الزّهد في الدّنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلّفته، فإن منصبي يقتضيه، لأني خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسول الله- ﷺ النائب عنه في أمته، وإني لأستحيي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز، وليس لبني العبّاس مثله، وهم آل الرّسول ﷺ . انتهى.
وفيها الزّبير بن بكّار، الإمام أبو عبد الله الأسديّ الزّبيريّ، قاضي مكّة، في ذي القعدة. سمع سفيان بن عيينة فمن بعده، وصنف «كتاب النسب» [١] وغير ذلك، وكان ثقة ولا يلتفت إلى من تكلم فيه كما قال ابن ناصر الدّين.
وفيها ليلة عيد الفطر، الإمام، حبر الإسلام، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه [٢] البخاريّ مولى الجعفيين، صاحب «الصحيح» والتصانيف. ولد سنة أربع وتسعين ومائة، وارتحل سنة عشر ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم، وأبا عاصم النّبيل، وأحمد بن حنبل، وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكان من أوعية العلم، يتوقد ذكاء، ولم يخلف
стр. 1118
بعده مثله. قاله في «العبر» [١] .
وقال الحافظ عبد الغني في كتابه «الكمال» ما ملخصه: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، يكنى أبا عبد الله، وبردزبة مجوسي مات عليها، والمغيرة أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى، ويمان هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان، وهذا هو الإمام أبو عبد الله الجعفي مولاهم البخاري صاحب «الصحيح» إمام هذا الشأن، والمقتدى به فيه [٢] ، والمعوّل على كتابه بين أهل الإسلام. رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق كلها، وبالحجاز، والشام، ومصر.
قال ابن وضّاح، ومكي بن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول:
كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلّا عمّن قال: الإيمان قول وعمل.
وعن أبي إسحاق الريحاني، أن البخاري كان يقول: صنفت «كتاب الصحيح» بست عشرة سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
وقال محمد بن سليمان بن فارس: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: رأيت النّبيّ، ﷺ ، كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبّ عنه، فسألت بعض المعبرين فقال: إنك تذبّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج «الصحيح» .
وقال أبو حامد أحمد بن حمدون الأعمشي: سمعت مسلم بن الحجّاج
стр. 1119
يقول لمحمد بن إسماعيل البخاري: لا يعيبك إلّا حاسد، وأشهد أن ليس في الدّنيا مثلك.
وقال أحمد بن حمدون الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، كأنه يقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ١١٢: ١ [الإخلاص: ١] .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري.
وروى أبو إسحاق المستملي، عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب «الصحيح» من محمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، وما بقي أحد يروي عنه غيري.
وقال محمد بن إسماعيل: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلّا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول.
وقال النسائيّ: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل.
وقال بكر بن منير: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول:
أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا.
وقال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: رأيت النّبيّ، ﷺ ، في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع ذكره، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: ما يوقفك يا رسول الله؟ قال: «أنتظر محمّد بن إسماعيل البخاري» فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرنا فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النّبيّ، ﷺ ، فيها.
وقال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل
стр. 1120
إلى خرتنك- قرية من قرى سمرقند على فرسخين- وكان له أقرباء فنزل عليهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول:
اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتّى قبضه الله ، وقبره بخرتنك.
ولد البخاريّ يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر لغرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما. انتهى ما لخصته من «الكمال» .
وقال ابن الأهدل- بعد الإطناب في ذكره-: أجمع النّاس على صحة كتابه، حتّى لو حلف حالف بطلاق زوجته ما في «صحيح البخاري» حديث مسند إلى رسول الله ﷺ ، إلّا وهو صحيح عنه كما نقله، ما حكم بطلاق زوجته، نقل ذلك غير واحد من الفقهاء وقرّروه.
ونقل الفربريّ عنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلّا وقد اغتسلت قبله وصليت ركعتين. انتهى.
وفيها يحيى بن حكيم البصريّ المقوّم أبو سعيد الحافظ، سمع سفيان بن عيينة وغندرا، وطبقتهما.
قال أبو داود: كان حافظا متقنا.
стр. 1121
سنة سبع وخمسين ومائتين
فيها وثب العلويّ قائد الزّنج على الأبلّة، فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفا، فساق لحربه سعيد الحاجب، فالتقوا فانهزم سعيد واستحر القتل [١] بأصحابه، ثم دخلت الزّنج البصرة، وخرّبوا الجامع، وقتلوا بها اثني عشر ألفا، فهرب باقي أهلها بأسوأ حال، فخربت ودثرت.
وفيها قتل [ميخائيل بن] توفيل [٢] طاغية الرّوم، قتله بسيل [٣] الصّقلبيّ.
وفيها توفي المحدّث المعمّر، أبو علي الحسن بن عرفة العبديّ البغداديّ المؤدّب، وله مائة وسبع سنين. سمع إسماعيل بن عيّاش وطبقته، وكان يقول: كتب عني خمسة قرون.
قال النسائيّ: لا بأس به.
стр. 1122
وفيها زهير بن محمد بن قمير المروزيّ، ثم البغداديّ، الحافظ.
سمع يعلى بن عبيد، ورحل إلى عبد الرزاق، وكان من أولياء الله تعالى، ثقة مأمونا.
قال البغويّ: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان [١] .
وفيها زيد بن أخزم [٢] الشهيد الطائيّ النبهانيّ البصريّ، أبو طالب، ثقة. حدّث عنه أصحاب الكتب [الستة] إلّا مسلما، وذبحته الزّنج.
وفيها الحافظ أبو داود سليمان بن معبد السّنجيّ [٣] المروزيّ. روى عن النّضر بن شميل، وعبد الرزاق، وكان أيضا مقدما في العربية.
والرّياشي، أبو الفضل، العبّاس بن الفرج، قتلته الزّنج بالبصرة وله ثمانون سنة. أخذ عن أبي عبيدة ونحوه، وكان إماما في اللغة والنحو، أخباريا علّامة ثقة.
خرّج له أبو داود في «سننه» .
وفيها أبو سعيد الأشجّ، عبد الله بن سعيد الكنديّ الكوفيّ الحافظ، صاحب التصانيف في ربيع الأول وقد جاوز التسعين. روى عن هشيم، وعبد الله بن إدريس، وخلق، وكان ثقة حجّة.
قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن أحمد الشّطوي: ما رأيت أحفظ منه.
стр. 1123
سنة ثمان وخمسين ومائتين
فيها توجه منصور بن جعفر فالتقى الخبيث قائد الزّنج وهو، فقتل منصور في المصاف، واستبيح ذلك الجيش، فسار أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم، فانهزمت الزّنج وتقهقرت، ثم جهز الموفق فرقة عليهم مفلح، فالتقوا الزّنج، فقتل مفلح في المصاف وانهزم النّاس، وتحيز الموفق إلى الأبلّة، فسيّر قائد الزّنج جيشا عليهم يحيى بن محمد، فانتصر المسلمون، وقتل في الوقعة خلق، وأسروا يحيى، فأحرق بعد ما قتل ببغداد، ثم وقع الوباء في جيش الموفق، وكثر [بالعراق] [١] ثم كانت وقعة هائلة بين الزّنج والمسلمين، فقتل خلق من المسلمين، وتفرق عن الموفق عامة جنده.
وفيها توفي أحمد بن بديل الإمام أبو جعفر الياميّ الكوفيّ، قاضي الكوفة، ثم قاضي همذان. روى عن أبي بكر بن عيّاش وطبقته، وخرّج له الترمذيّ وغيره، وكان صالحا عادلا في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته.
قال الدارقطنيّ: فيه لين.
وقال في «المغني» [٢] : أحمد بن بديل الكوفي القاضي، مشهور غير متهم.
стр. 1124
قال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه.
وقال النسائي: لا بأس به [١] . انتهى.
وأبو علي أحمد بن حفص بن عبد الله السلميّ النيسابوري، قاضي نيسابور، روى عن أبيه وجماعة.
وفيها أحمد بن سنان القطّان، أبو جعفر الواسطيّ، الحافظ. سمع أبا معاوية وطبقته، وروى عنه أصحاب الكتب الستة إلّا الترمذي، وصنف «المسند» وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: هو إمام أهل زمانه.
وفيها أحمد بن الفرات، بن خالد، أبو مسعود [٢] الرّازيّ الثقة، أحد الأعلام في شعبان بأصبهان، طوّف النواحي، وسمع أبا أسامة وطبقته، وكان ينظّر بأبي زرعة الرّازي في الحفظ، وصنف «المسند» و «التفسير» . وقال:
كتبت ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.
ومحمد بن سنجر، أبو عبد الله الجرجاني الحافظ، صاحب «المسند» في ربيع الأول بصعيد مصر. سمع أبا نعيم وطبقته، وكان ثقة خيرا.
ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، أبو بكر. الحافظ البغدادي.
الغزّال، مات في جمادى الآخرة ببغداد، وكان ثقة. رحل إلى عبد الرزاق فأكثر عنه وصنف.
ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله الذّهلي النيسابوري، أحد الأئمة الأعلام الثقات، سمع عبد الرّحمن [بن
стр. 1125
مهدي] [١] وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجلّه ويعظّمه.
قال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث.
ويحيى بن معاذ الرّازيّ الزّاهد [العارف] [٢] ، حكيم زمانه وواعظ عصره، توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وقد روى عن إسحاق بن سليمان الرّازي وغيره.
وقال السلميّ في «طبقات الصوفية» [٣] : يحيى بن معاذ بن جعفر الرّازي الواعظ، تكلم في علم الرجال [٤] فأحسن الكلام فيه.
وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى، وإبراهيم، وإسماعيل، أكبرهم سنا إسماعيل، ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكلّهم كانوا زهّادا.
وأخوه إبراهيم خرج معه إلى خراسان وتوفي بين نيسابور وبلخ، وأقام يحيى ببلخ مدة، ثم خرج إلى نيسابور ومات بها.
ومن كلامه: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين.
وقال: العبادة حرفة، وحوانيتها الخلوة، وآلاتها المخادعة [٥] ورأس مالها [٦]