سنة سبع وخمسين ومائتين
فيها وثب العلويّ قائد الزّنج على الأبلّة، فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفا، فساق لحربه سعيد الحاجب، فالتقوا فانهزم سعيد واستحر القتل [١] بأصحابه، ثم دخلت الزّنج البصرة، وخرّبوا الجامع، وقتلوا بها اثني عشر ألفا، فهرب باقي أهلها بأسوأ حال، فخربت ودثرت.
وفيها قتل [ميخائيل بن] توفيل [٢] طاغية الرّوم، قتله بسيل [٣] الصّقلبيّ.
وفيها توفي المحدّث المعمّر، أبو علي الحسن بن عرفة العبديّ البغداديّ المؤدّب، وله مائة وسبع سنين. سمع إسماعيل بن عيّاش وطبقته، وكان يقول: كتب عني خمسة قرون.
قال النسائيّ: لا بأس به.
стр. 1122
وفيها زهير بن محمد بن قمير المروزيّ، ثم البغداديّ، الحافظ.
سمع يعلى بن عبيد، ورحل إلى عبد الرزاق، وكان من أولياء الله تعالى، ثقة مأمونا.
قال البغويّ: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان [١] .
وفيها زيد بن أخزم [٢] الشهيد الطائيّ النبهانيّ البصريّ، أبو طالب، ثقة. حدّث عنه أصحاب الكتب [الستة] إلّا مسلما، وذبحته الزّنج.
وفيها الحافظ أبو داود سليمان بن معبد السّنجيّ [٣] المروزيّ. روى عن النّضر بن شميل، وعبد الرزاق، وكان أيضا مقدما في العربية.
والرّياشي، أبو الفضل، العبّاس بن الفرج، قتلته الزّنج بالبصرة وله ثمانون سنة. أخذ عن أبي عبيدة ونحوه، وكان إماما في اللغة والنحو، أخباريا علّامة ثقة.
خرّج له أبو داود في «سننه» .
وفيها أبو سعيد الأشجّ، عبد الله بن سعيد الكنديّ الكوفيّ الحافظ، صاحب التصانيف في ربيع الأول وقد جاوز التسعين. روى عن هشيم، وعبد الله بن إدريس، وخلق، وكان ثقة حجّة.
قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه.
وقال محمد بن أحمد الشّطوي: ما رأيت أحفظ منه.
стр. 1123
سنة ثمان وخمسين ومائتين
فيها توجه منصور بن جعفر فالتقى الخبيث قائد الزّنج وهو، فقتل منصور في المصاف، واستبيح ذلك الجيش، فسار أبو أحمد الموفق أخو الخليفة في جيش عظيم، فانهزمت الزّنج وتقهقرت، ثم جهز الموفق فرقة عليهم مفلح، فالتقوا الزّنج، فقتل مفلح في المصاف وانهزم النّاس، وتحيز الموفق إلى الأبلّة، فسيّر قائد الزّنج جيشا عليهم يحيى بن محمد، فانتصر المسلمون، وقتل في الوقعة خلق، وأسروا يحيى، فأحرق بعد ما قتل ببغداد، ثم وقع الوباء في جيش الموفق، وكثر [بالعراق] [١] ثم كانت وقعة هائلة بين الزّنج والمسلمين، فقتل خلق من المسلمين، وتفرق عن الموفق عامة جنده.
وفيها توفي أحمد بن بديل الإمام أبو جعفر الياميّ الكوفيّ، قاضي الكوفة، ثم قاضي همذان. روى عن أبي بكر بن عيّاش وطبقته، وخرّج له الترمذيّ وغيره، وكان صالحا عادلا في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة لعبادته.
قال الدارقطنيّ: فيه لين.
وقال في «المغني» [٢] : أحمد بن بديل الكوفي القاضي، مشهور غير متهم.
стр. 1124
قال ابن عدي: يكتب حديثه مع ضعفه.
وقال النسائي: لا بأس به [١] . انتهى.
وأبو علي أحمد بن حفص بن عبد الله السلميّ النيسابوري، قاضي نيسابور، روى عن أبيه وجماعة.
وفيها أحمد بن سنان القطّان، أبو جعفر الواسطيّ، الحافظ. سمع أبا معاوية وطبقته، وروى عنه أصحاب الكتب الستة إلّا الترمذي، وصنف «المسند» وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: هو إمام أهل زمانه.
وفيها أحمد بن الفرات، بن خالد، أبو مسعود [٢] الرّازيّ الثقة، أحد الأعلام في شعبان بأصبهان، طوّف النواحي، وسمع أبا أسامة وطبقته، وكان ينظّر بأبي زرعة الرّازي في الحفظ، وصنف «المسند» و «التفسير» . وقال:
كتبت ألف ألف وخمسمائة ألف حديث.
ومحمد بن سنجر، أبو عبد الله الجرجاني الحافظ، صاحب «المسند» في ربيع الأول بصعيد مصر. سمع أبا نعيم وطبقته، وكان ثقة خيرا.
ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، أبو بكر. الحافظ البغدادي.
الغزّال، مات في جمادى الآخرة ببغداد، وكان ثقة. رحل إلى عبد الرزاق فأكثر عنه وصنف.
ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله الذّهلي النيسابوري، أحد الأئمة الأعلام الثقات، سمع عبد الرّحمن [بن
стр. 1125
مهدي] [١] وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجلّه ويعظّمه.
قال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
وقال أبو بكر بن أبي داود: هو أمير المؤمنين في الحديث.
ويحيى بن معاذ الرّازيّ الزّاهد [العارف] [٢] ، حكيم زمانه وواعظ عصره، توفي في جمادى الأولى بنيسابور، وقد روى عن إسحاق بن سليمان الرّازي وغيره.
وقال السلميّ في «طبقات الصوفية» [٣] : يحيى بن معاذ بن جعفر الرّازي الواعظ، تكلم في علم الرجال [٤] فأحسن الكلام فيه.
وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى، وإبراهيم، وإسماعيل، أكبرهم سنا إسماعيل، ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكلّهم كانوا زهّادا.
وأخوه إبراهيم خرج معه إلى خراسان وتوفي بين نيسابور وبلخ، وأقام يحيى ببلخ مدة، ثم خرج إلى نيسابور ومات بها.
ومن كلامه: من استفتح باب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين.
وقال: العبادة حرفة، وحوانيتها الخلوة، وآلاتها المخادعة [٥] ورأس مالها [٦]
стр. 1126
الاجتهاد بالسّنّة، وربحها الجنّة.
وقال: الصبر على الخلوة [١] من علامات الإخلاص.
وقال: الدّنيا دار الأشغال، والآخرة دار الأهوال، ولا يزال العبد متردّدا بين الأشغال والأهوال حتّى يستقر به القرار، إما إلى جنّة وإما إلى نار.
وقال: على قدر حبّك لله يحبّك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله تعالى يهابك الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق.
وسئل عن الرقص فقال:
دققنا الأرض بالرّقص ... على غيب معانيكا
ولا عيب على رقص ... لعبد هائم فيكا
وهذا دقّنا للأر ... ض إذ طفنا بواديكا [٢]
انتهى ملخصا.
وفيها الفضل بن يعقوب الرّخاميّ العالم الفاضل العلم الثقة.
стр. 1127
سنة تسع وخمسين ومائتين
كان طاغية الزّنج قد نزل البطيحة [١] ، وشق حوله الأنهار، وتحصّن، فهجم عليه الموفق، فقتل من أصحابه خلقا، وحرق أكواخه، واستنقذ من النساء خلقا كثيرا، فسار الخبيث إلى الأهواز، ووضع السيف في الأمة، فقتل خمسين ألفا، وسبى مثلهم، فسار لحربه موسى بن بغا، فحاربه بضعة عشر شهرا، وقتل خلق من الفريقين.
وفيها نزلت الرّوم- لعنهم الله- على ملطية، فخرج أحمد القابوس في أهلها، فالتقى الرّوم، فقتل مقدمهم الأقريطشي، فانهزموا، ونصر الله المسلمين.
وفيها استفحل أمر يعقوب بن اللّيث الصفّار، ودوّخ الممالك، واستولى على إقليم خراسان، وأسر محمد بن طاهر أمير خراسان.
وفيها توفي أحمد بن إسماعيل أبو حذافة، السهميّ المدنيّ، صاحب مالك ببغداد، وهو في عشر المائة، ضعفه الدّارقطنيّ وغيره، وهو آخر من حدّث عن مالك.
стр. 1128
وقال ابن عدي: حدّث بالبواطيل.
وفيها الإمام إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجانيّ صاحب التصانيف. سمع الحسين بن علي الجعفي، وشبابة، وطبقتهما، وكان من كبار العلماء، ونزل دمشق، وجرّح وعدّل، وهو من الثقات.
وحجّاج بن يوسف الشاعر، ابن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، أبو محمود، الحافظ الكبير الثقة المشهور، أحد الأثبات. سمع عبد الرزاق وطبقته.
وفيها عبّاسويه، وهو العبّاس بن يزيد بن أبي حبيب، أبو الفضل، البحرانيّ البصريّ، صدوق، ثبت، ثقة.
وفيها حيويه، وهو محمد بن يحيى بن موسى الإسفراييني [١] الحافظ، محدّث إسفرايين في ذي الحجة. سمع سعيد بن عامر الضّبعي وطبقته، وبه تخرّج الحافظ أبو عوانة.
وفيها إسحاق بن إبراهيم [بن موسى] [٢] العصّار، الوزدوليّ، أحد الثقات الأخيار [٣] .
وفيها الحافظ أبو الحسن محمود بن سميع الدمشقيّ، صاحب «الطبقات» وأحد الأثبات. سمع إسماعيل بن أبي أويس وطبقته.
قال أبو حاتم: ما رأيت بدمشق أكيس منه.
стр. 1129
سنة ستّين ومائتين
فيها كما قال في «الشذور» بلغ كرّ [١] الحنطة مائة وخمسين دينارا، ودام أشهرا.
وفيها صال يعقوب بن اللّيث وجال، وهزم الشجعان والأبطال، وترك النّاس بأسوأ حال، ثم قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، فالتقوا، فانهزم العلويّ وتبعه يعقوب في تلك الجبال، فنزلت على يعقوب كسرة سماوية، ونزل [٢] على أصحابه ثلج عظيم حتّى أهلكهم، ورجع إلى سجستان بأسوأ حال، وقد عدم من جيوشه أربعون ألفا، وذهبت عامّة خيله وأثقاله.
وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن محمد الصّبّاح الزّعفرانيّ، [٣] الفقيه الحافظ، صاحب الشافعي ببغداد. روى عن سفيان بن عيينة وطبقته، وكان من أذكياء العلماء. وروى عنه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ،
стр. 1130
وغيرهم، ونسبته إلى الزّعفرانيّة [١] قرية قرب بغداد، ودرب الزعفران ببغداد الذي فيه مسجد الشافعي ينسب إلى هذا الإمام.
قال الشيخ أبو إسحاق في «طبقاته» [٢] كنت أدرّس فيه.
والزّعفراني، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والكرابيسي، رواة قديم الشافعي، وروى الجديد: المزني، وحرملة، والبويطي، ويونس بن عبد الأعلى، والرّبيع الجيزي، والرّبيع المرادي.
وللزعفراني هذا عدّة مصنفات [٣] .
وفيها الحسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ، أحد الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة فيهم العصمة، وهو والد المنتظر محمد صاحب السرداب [٤] .
وفيها حنين [٥] بن إسحاق النّصرانيّ [٦] ، شيخ الأطباء بالعراق، ومعرّب الكتب اليونانية، ومؤلّف المسائل [٧] المشهورة.
وفيها مالك [٨] بن طوق التّغلبيّ [٩] أمير عرب الشام وصاحب الرّحبة وبانيها.
стр. 1131
سنة إحدى وستّين ومائتين
فيها كانت الفتن تغلي وتستعر بخراسان، بيعقوب بن اللّيث، وبالأهواز بقائد الزّنج، وتمّت لهما حروب وملاحم.
وفيها توفي أحمد بن سليمان الرّهاوي [أبو الحسين] [١] الحافظ، أحد الأئمة، طوّف وسمع زيد بن الحباب وأقرانه، وهو ثقة ثبت.
وفيها أحمد بن عبد الله بن صالح، أبو الحسن، العجليّ الكوفيّ، نزيل طرابلس المغرب، وصاحب «التاريخ» و «الجرح والتعديل» وله ثمانون سنة، نزح إلى المغرب أيام محنة القرآن وسكنها، روى عن حسين الجعفي، وشبابة وطبقتهما.
قال ابن ناصر الدّين: كان إماما، حافظا، قدوة، من المتقنين، وكان يعدّ كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وكتابه في الجرح والتعديل، يدلّ على سعة حفظه وقوة باعه الطويل. انتهى.
وفيها أبو بكر الأثرم، أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، الحافظ الثبت الثقة، أحد الأئمة المشاهير. روى عن أبي نعيم، وعفّان، وصنّف التصانيف، وكان من أذكياء الأمّة.
стр. 1132
قال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [١] : أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي الأثرم الإسكافي، أبو بكر، جليل القدر، حافظ، إمام، سمع حرميّ بن حفص، وعفّان بن مسلم، وأبا بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة القعنبي [٢] ، وإمامنا في آخرين. نقل عن إمامنا مسائل كثيرة وصنّفها ورتبها أبوابا. وروى عن الإمام قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسح على العمامة، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم. قال: أبو عبد الله ثبت من خمسة وجوه عن النّبيّ ﷺ .
وقال: كنت أحفظ الفقه والاختلاف، فلما صحبت أحمد بن حنبل تركت ذلك كله.
وكان معه تيقّظ عجيب حتّى نسبه يحيى بن معين، ويحيى بن أيوب المقابري، فقالا: أحد أبوي الأثرم جني.
وقال أبو القاسم بن الجيلي: قدم رجل فقال: أريد رجلا يكتب لي من كتاب الصلاة ما ليس في كتب ابن أبي شيبة. قال: فقلنا له: ليس لك إلّا أبو بكر الأثرم. قال: فوجّهوا إليه ورقا، فكتب ستمائة ورقة من كتاب الصلاة.
قال: فنظرنا فإذا ليس في كتاب ابن أبي شيبة منه شيء.
وقال الحسن بن علي بن عمر الفقيه: قدم شيخان من خراسان للحج فحدّثا، فلما خرجا طلب قوم من أصحاب الحديث تحديثهما، قال: فخرجا- يعني إلى الصحراء- فقعد هذا الشيخ ناحية معه خلق من أصحاب الحديث، والمستملي، وقعد الآخر ناحية، وقعد الأثرم بينهما، فكتب ما أملى هذا وما أملى هذا.
وقال الأثرم: كنت عند خلف البزّار يوم جمعة، فلما قمنا من المجلس
стр. 1133
صرت إلى قرب الفرات فأردت أن أغتسل للجمعة، فغرقت فلم أجد شيئا أتقرب به إلى الله أكثر عندي من أن قلت: اللهمّ إن نجّيتني لأتوبنّ من صحبة حارث، يعني المحاسبي.
قال الأثرم: كان حارث في عرس لقوم، فجاء يطّلع على النساء من فوق الدرابزين، ثم ذهب يخرجه- يعني رأسه- فلم يستطع، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: أردت أن أعتبر بالحور العين. انتهى ملخصا.
وفيها حاشد بن إسماعيل بن عيسى البخاريّ الحافظ بالشّاش [١] من إقليم التّرك. روى عن عبيد الله بن موسى، ومكّي بن إبراهيم، وكان ثبتا إماما.
والحسن بن سليمان أبو علي البصريّ المعروف بقبيطة. كان حافظا، ثقة، إماما نبيلا [٢] .
والحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، الأمويّ، قاضي المعتمد وكان أحد الأجواد الممدّحين.
وفيها شعيب بن أيوب، أبو بكر الصّريفيني [٣] ، مقرئ واسط وعالمها، قرأ على يحيى بن آدم، وسمع من يحيى القطّان وطائفة، وكان ثقة.
وأبو شعيب السّوسيّ، صالح بن زياد، مقرئ أهل الرّقّة وعالمهم، قرأ على يحيى اليزيدي، وروى عن عبد الله بن نمير وطائفة، وتصدّر للإقراء، وحمل عنه طوائف [٤] .
قال أبو حاتم: صدوق.
стр. 1134
وأبو يزيد البسطاميّ العارف الزّاهد المشهور، واسمه طيفور بن عيسى، وكان يقول: إذا نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتّى يرتفع في الهواء فلا تغترّوا به، حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الشريعة.
قال أبو عبد الرحمن السّلميّ في «طبقاته» [١] : طيفور بن عيسى بن سروسان [٢] البسطامي وسروسان [٢] كان مجوسيا فأسلم وكانوا ثلاثة إخوة: آدم أكبرهم، وطيفور أوسطهم، وعليّ أصغرهم، وكلّهم كانوا زهّادا عبّادا.
ومات عن ثلاث وسبعين سنة، وهو من قدماء مشايخ القوم، له كلام حسن في المعاملات، ويحكى عنه في الشطح أشياء منها ما لا يصحّ ويكون مقولا عليه.
قال أبو يزيد: من لم ينظر إلى شاهدي بعين الاضطرار، وإلى أوقاتي بعين الاغترار، وإلى أحوالي بعين الاستدراج، وإلى كلامي بعين الافتراء، وإلى عبراتي بعين الاجتراء، وإلى نفسي بعين الازدراء، فقد أخطأ النظر في.
ذكرت لأبي عثمان المغربي هذه الحكاية، فقال: لم أسمع لأبي يزيد حكاية أحسن منها، وإنما تكلم عن عين الفناء، أي قوله: سبحاني.
وقال أبو يزيد: لو صفا لي تهليلة ما باليت بعدها بشيء.
وكتب يحيى بن معاذ لأبي يزيد: سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته.
فكتب إليه أبو يزيد في جوابه: سكرت وما شربت من الدّور وغيرك قد
стр. 1135
شرب بحور السماوات والأرض، وما روي بعد، ولسانه خارج من العطش، ويقول: هل من مزيد.
وقال الجنيد: كل الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا.
وكان أبو يزيد إذا ذكر الله يبوّل الدم.
وحكي عنه أنه قال: نوديت في سرّي فقيل لي: خزائننا مملوءة من الخدمة، فإن أردتنا فعليك بالذلّ والافتقار.
وحكى عنه صاحبه أبو بكر الأصبهاني، أنه أذّن مرّة فغشي عليه، فلما أفاق قال: العجب ممّن لا يموت إذا أذّن. انتهى ملخصا.
وفيها الإمام مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ [١] القشيريّ النيسابوريّ، صاحب «الصحيح» أحد الأئمة الحفّاظ وأعلام المحدّثين. رحل إلى الحجاز، والعراق، والشام، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن مسلمة، وغيرهم، وقدم بغداد غير مرّة، فروى عنه أهلها، وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين، وروى عنه الترمذيّ، وكان من الثقات المأمونين.
قال محمد الماسرجسي: سمعت مسلم بن الحجّاج يقول: صنّفت هذا «المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصحّ من كتاب مسلم في علم الحديث.
وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل عن البخاري حتّى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذّهلي بسببه.
стр. 1136
وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم من الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، فنادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه، حتّى هجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة، وقطعه أكثر النّاس غير مسلم، فإنه لم يتخلّف عن زيارته، فانتهى [١] إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجّاج على مذهبه قديما وحديثا، وأنه عوقب على ذلك بالحجاز، والعراق، ولم يرجع عنه، فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال باللفظ فلا يحلّ له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس النّاس وخرج عن مجلسه، وجمع كل ما كتب منه وبعث به على ظهر حمّال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة وتخلّف عنه وعن زياراته.
ومحمد هذا هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذّهلي النيسابوري، كان أحد الحفّاظ الأعيان. روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وكان ثقة مأمونا، وكان سبب الوحشة بينه وبين البخاري، أنه لما دخل البخاريّ مدينة نيسابور شنّع [٢] عليه محمد بن يحيى في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه، فلم يمكنه ترك الرواية عنه، وروى عنه في الصوم، والطب، والجنائز، والعتق، وغير ذلك، مقدار ثلاثين موضعا، ولم يصرّح باسمه، لا يقول [٣] : حدّثنا محمد بن يحيى الذّهلي، بل يقول: حدّثنا محمد، ولا يزيد عليه أو يقول [٤] : محمد بن عبد الله [فينسبه إلى
стр. 1137
جدّه] [١] وينسبه [أيضا] لجدّ أبيه. انتهى من ابن خلّكان [٢] ملخصا.
قلت: وقد مرّت ترجمة محمد المذكور، والله أعلم [٣] .
وقال في «العبر» [٤] : مسلم بن الحجّاج، أبو الحسين القشيريّ النيسابوريّ الحافظ، أحد أركان الحديث، وصاحب «الصحيح» وغير ذلك، في رجب، وله ستّون سنة، وكان صاحب تجارة بخان بحمس بنيسابور [٥] وله أملاك وثروة، وقد حجّ سنة عشرين ومائتين، فلقي القعنبيّ وطبقته.
стр. 1138
سنة اثنتين وستّين ومائتين
لما عجز المعتمد على الله عن يعقوب بن اللّيث، كتب إليه بولاية خراسان وجرجان، فلم يرض حتّى يوافي باب الخليفة، وأضمر في نفسه الاستيلاء على العراق، والحكم على المعتمد، فتحوّل عن سامرّا إلى بغداد، وجمع أطرافه وتهيأ للملتقى، وجاء يعقوب في سبعين ألفا، فنزل واسط فتقدّم المعتمد، وقصده يعقوب، فقدّم المعتمد أخاه الموفّق بجمهرة الجيش، فالتقيا في رجب، واشتد القتال، فوقعت الهزيمة على الموفّق، ثم ثبت وأسرعت الكسرة [١] على أصحاب يعقوب، فولّوا الأدبار، واستبيح عسكرهم، وكسب أصحاب الخليفة ما لا يحدّ ولا يوصف، وخلّصوا محمد بن طاهر، وكان مع يعقوب في القيود، ودخل يعقوب إلى فارس، وخلع المعتمد على محمد بن طاهر أمير خراسان، وردّه إلى عمله، وأعطاه خمسمائة ألف درهم، وعاثت [٢] جيوش الخبيث [٣] عند اشتغال العساكر، فنهبوا البطيحة [٤] وقتلوا وأسروا، فسار عسكر [الموفّق] [٥] لحربهم فهزمهم، وقتل منهم مقدّم كبير يعرف بالصعلوك.
стр. 1139
وفيها توفي عمر بن شبّة، أبو زيد النميريّ البصريّ، الحافظ العلّامة الأخباريّ، الثقة، صاحب التصانيف. حدّث عن عبد الوهاب الثقفي، وغندر وطبقتهما، وكان ثقة. وشبّة لقب أبيه، واسمه زيد، لقّب بذلك، لأن أمّه كانت ترقّصه وتقول:
يا ربّ ابني شبّا ... وعاش حتّى دبّا
شيخا كبيرا خبّا [١]
كذا رواه محمد بن إسحاق السرّاج عن عمر بن شبّة.
وفيها أبو سيّار محمد بن عبد الله بن المستورد، أبو بكر، البغداديّ، يعرف بأبي سيّار، ثقة خيّر. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها، وجزم ابن ناصر الدّين أنه في التي قبلها، محمد بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان العامري، أبو جعفر بن إشكاب البغداديّ. حدّث عنه عدة، منهم: البخاريّ، وأبو داود، والنسائي، وكان صدوقا حافظا، ثقة [٢] .
وفيها محمد بن عاصم الثقفيّ أبو جعفر الأصبهانيّ العابد. سمع سفيان بن عيينة، وأبا أسامة، وطبقتهما.
قال إبراهيم بن أورمة [٣] : ما رأيت مثل ابن عاصم، ولا رأى مثل نفسه.
стр. 1140
وفيها يعقوب بن شيبة السّدوسيّ البصريّ الحافظ، أحد الأعلام، وصاحب «المسند المعلل» الذي ما صنّف أحد أكبر منه [١] ولم يتمّه، وكان سريّا محتشما، عيّن لقضاء القضاة، ولحقه على ما خرّج من «المسند» نحو عشرة آلاف مثقال، وكان صدوقا. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن ناصر الدّين:
يعقوب نجل شيبة بن صلت ... سادهم رواية بثبت
وقال في «شرحها» : ابن صلت بن عصفور، أبو يوسف، السّدوسيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة. انتهى.
стр. 1141
سنة ثلاث وستّين ومائتين
فيها توفي أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط، أبو الأزهر، النيسابوري الحافظ، وقيل: سنة إحدى وستّين. رحل وسمع أبا ضمرة أنس بن عياض وطبقته، ووصل إلى اليمن.
قال النسائيّ: لا بأس به.
قال ابن ناصر الدّين: كان حافظا صدوقا من المهرة، أنكر عليه ابن معين أربعين حديثا ثم عذره. انتهى.
وفيها الحسن بن أبي الرّبيع الجرجانيّ الحافظ ببغداد. سمع أبا يحيى الحمّاني، ورحل إلى عبد الرزاق وأقرانه.
وفيها الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وقد نفاه المستعين إلى برقة، ثم قدم بعد المستعين فوزر للمعتمد إلى أن مات.
وفيها محمد بن علي بن ميمون الرّقّيّ العطار الحافظ. روى عن محمد بن يوسف الفريابي، والقعنبي، وأقرانهما.
قال الحاكم: كان إمام أهل الجزيرة في عصره، ثقة مأمون.
وفيها معاوية بن صالح الحافظ، أبو عبيد الله الأشعري الدمشقي، روى عن عبيد الله بن موسى، وأبي مسهر، وسأل يحيى بن معين، وتخرّج به
.
стр. 1142
سنة أربع وستّين ومائتين
فيها أغارت الزّنج على واسط، وهجّ أهلها حفاة عراة، ونهبت ديارهم وأحرقت، فسار لحربهم الموفّق.
وفيها غزا المسلمون الرّوم، وكانوا أربعة آلاف، عليهم ابن كاوس، فلما نزلوا البذندون [١] تبعتهم البطارقة، وأحدقوا بهم، فلم ينج منهم إلّا خمسمائة، واستشهد الباقون، وأسر أميرهم جريحا.
وفيها مات الأمير موسى بن بغا الكبير، وكان من كبار القواد وشجعانهم كأبيه.
وفيها أحمد بن عبد الرّحمن بن وهب، أبو عبيد الله المصريّ المحدّث. روى الكثير عن عمّه عبد الله، وله أحاديث مناكير، وقد احتجّ به مسلم. قاله في «العبر» [٢] .
стр. 1143
وفيها أحمد بن يوسف السّلميّ النيسابوريّ [١] الحافظ، أحد الأثبات، ويلقب حمدان. كان ممّن رحل إلى اليمن، وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته، وكان يقول: كتبت عن عبيد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث، وكان ثقة.
وفيها المزنيّ الفقيه، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المصريّ، صاحب الشافعي في ربيع الأول، وهو في عشر التسعين.
قال الشافعيّ: المزنيّ ناصر مذهبي.
وكان زاهدا عابدا يغسّل الموتى حسبة. صنّف «الجامع الكبير» و « [الجامع] الصغير» ومختصره «مختصر المزني» و «المنثور» و «المسائل المعتبرة» و «الترغيب في العلم» و «كتاب الوثاق» وغيرها، وصلّى لكل مسألة في مختصره ركعتين، فصار أصل الكتب المصنفة في المذهب، وعلى منواله رتّبوا، ولكلامه فسّروا وشرحوا، وكان مجاب الدعوة، عظيم الورع، حكي عنه أنه كان إذا فاتته الجماعة صلّى منفردا خمسا وعشرين مرّة، ولم يتقدم عليه أحد من أصحاب الشافعي، وهو الذي تولى غسله يوم مات. قيل:
وعاونه الرّبيع، ودفن إلى جنبه بالقرافة الصغرى، ونسبته إلى مزينة بنت كلب بن وبرة أمّ القبيلة المشهورة. انتهى.
وفيها أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم القرشيّ مولاهم الرّازيّ الحافظ، أحد الأئمة الأعلام في آخر يوم من السنة. رحل وسمع من أبي نعيم، والقعنبي وطبقتهما.
قال أبو حاتم: لم يخلّف بعده مثله علما، وفقها، وصيانة، وصدقا، وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم في المشرق والمغرب من كان يفهم هذا
стр. 1144
الشأن [١] مثله.
وقال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل.
وقال محمد بن مسلم: حضرت أنا وأبو حاتم عند أبي زرعة- والثلاثة رازيّون- فوجدناه في النزع، فقلت لأبي حاتم: إني لأستحيي من أبي زرعة أن ألقّنه الشهادة، ولكن تعال حتّى نتذاكر الحديث، لعله إذا سمعه يقول، فبدأت فقلت: حدّثني محمد بن بشار، أنبأنا أبو عاصم النبيل، أنا عبد الحميد بن جعفر، فأرتج عليّ الحديث، كأني ما سمعته ولا قرأته، فبدأ أبو حاتم فقال: حدّثنا محمد بن بشّار، أنا أبو عاصم النبيل، أنا عبد الحميد بن جعفر [فأرتج عليه كأنه ما سمعه، فبدأ أبو زرعة فقال: حدّثنا محمد بن بشّار، أنا أبو عاصم النبيل، أنا عبد الحميد، عن جعفر] [٢] عن صالح بن أبي عريب [٣] عن كثير بن مرّة، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ ، «من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله، فخرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول، دخل الجنّة» [٤] . وقال محمد أبو العبّاس المرادي [٥] : رأيت أبا زرعة في المنام فقلت:
ما فعل الله بك؟ فقال: لقيت ربّي فقال: يا أبا زرعة إني أوتى بالطفل فآمر به إلى الجنة، فكيف بمن حفظ السنن على عبادي؟ فأقول له:
تبوأ من الجنة حيث شئت.
стр. 1145
قال: ورأيته مرة أخرى يصلّي بالملائكة في السماء الرابعة. فقلت: يا أبا زرعة بم نلت أن تصلّي بالملائكة؟ قال: برفع اليدين.
وفيها يونس بن عبد الأعلى الإمام أبو موسى الصدفيّ المصريّ الفقيه المقرئ المحدّث، وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن ابن عيينة، وابن وهب، وتفقّه على الشافعيّ، وكان الشافعيّ يصف عقله [١] . وقرأ القرآن على ورش، وتصدّر للإقراء والفقه، وانتهت إليه مشيخة بلده، وكان ورعا، صالحا، عابدا، كبير الشأن.
قال ابن ناصر الدّين: كان ركنا من أركان الإسلام.
стр. 1146
سنة خمس وستّين ومائتين
فيها توفي أحمد بن الخصيب [١] ، الوزير، أبو العبّاس، وزر للمنتصر وللمستعين، ثم نفاه المستعين إلى المغرب، وكان أبوه أمير مصر في دولة الرّشيد.
وفيها أحمد بن منصور، أبو بكر، الرّماديّ الحافظ ببغداد، وكان أحد من رحل إلى عبد الرزّاق. وثّقه أبو حاتم وغيره.
وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا عمدة.
وفيها إبراهيم بن هانئ النيسابوريّ الثقة العابد. رحل وسمع من يعلى بن عبيد وطبقته.
قال أحمد بن حنبل: إن كان أحد من الأبدال، فإبراهيم بن هانئ.
وفيها سعدان بن نصر أبو عثمان الثقفيّ البغداديّ البزّاز. رحل في الحديث وسمع من ابن عيينة، وأبي معاوية، والكبار، ووثّقه الدارقطنيّ [٢] .
وفيها صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانيّ الإمام، أبو الفضل، قاضي أصبهان في رمضان وله اثنتان وستّون سنة. سمع من عفّان وطبقته، وتفقّه على أبيه.
стр. 1147
قال ابن أبي حاتم: صدوق.
وفيها علي بن حرب، أبو الحسن، الطائيّ الموصليّ المحدّث الأخباريّ، صاحب «المسند» في شوّال. سمع ابن عيينة، والمحاربي، وطبقتهما، وعاش تسعين سنة.
وتوفي قبله أخوه أحمد بن حرب بسنتين [١] .
وفيها أبو حفص النيسابوريّ الزّاهد، شيخ خراسان، واسمه عمرو بن مسلم، وكان كبير القدر، صاحب أحوال وكرامات، وكان عجبا في الجود والسماحة، وقد نفّذ مرّة بضعة عشر ألف دينار يستفكّ [٢] بها أسارى، وبات وليس له عشاء. وكان يقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء أو لمحه [٣] بقلبه.
وقال: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، والفتوّة أداء الإنصاف وترك طلب الانتصاف، ومن لم يربّ أفعاله وأحواله كل وقت بالكتاب والسّنّة ولم يتّهم خواطره فلا تعدّه من الرّجال.
والإمام محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ أبو القاسم، الذي تلقّبه الرافضة بالخلف وبالحجّة، وبالمهدي، وبالمنتظر، وبصاحب الزّمان، وهو خاتمة الاثني عشر إماما عندهم، ويلقبونه أيضا بالمنتظر، فإنهم يزعمون أنه أتى السرداب بسامرا فاختفى، وهم ينتظرونه [٤] إلى الآن، وكان عمره لمّا عدم تسع سنين أو دونها، وضلال الرافضة ما عليه مزيد، قاتلهم الله تعالى.
стр. 1148
وفيها العلّامة محمد بن سحنون [١] المغربيّ المالكيّ مفتي القيروان.
تفقّه على أبيه، وكان إماما مناظرا كثير التصانيف معظّما بالقيروان خرّج له عدة أصحاب وما خلّف بعده مثله.
وفيها يعقوب بن اللّيث الصّفّار، الذي غلب على بلاد الشرق، وهزم الجيوش، وقام بعده أخوه عمرو بن اللّيث، وكانا شابّين صفّارين، فيهما شجاعة مفرطة، فصحبا صالح بن النّضر، الذي كان يقاتل الخوارج بسجستان، فآل أمرهما إلى الملك، فسبحان من له الملك، ومات يعقوب بالقولنج في شوّال بجنديسابور [٢] وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين، وقيل: إن الطبيب قال له: لا دواء لك إلّا الحقنة، فامتنع منها، وخلّف أموالا عظيمة، منها من الذهب ألف ألف دينار، ومن الدراهم خمسين ألف ألف درهم، وقام بعده أخوه بالعدل والدخول في طاعة الخليفة، وامتدت أيامه.
стр. 1149
سنة ست وستّين ومائتين
فيها أخذت الزّنج رامهرمز [١] فاستباحوها قتلا وسبيا.
وفيها خرج أحمد بن عبد الله الخجستاني [٢] ، وحارب عمرو بن اللّيث الصّفّار، فظهر عليه، ودخل نيسابور [٣] فظلم وعسف.
وفيها خرجت جيوش الرّوم ووصلت إلى الجزيرة، فعاثوا وأفسدوا.
وفيها توفي إبراهيم بن أورمة أبو إسحاق الأصبهاني الحافظ، أحد أذكياء المحدّثين [في ذي الحجة ببغداد. روى عن عبّاس العنبري وطبقته، ومات قبل أوان الرواية.
قال ابن ناصر الدّين] [٤] : فاق أهل عصره في الذكاء والحفظ.
ومحمد بن شجاع بن الثّلجيّ، فقيه العراق وشيخ الحنفية، سمع من إسماعيل بن عليّة، وتفقّه بالحسن بن زياد اللّؤلؤي، وصنّف واشتغل، وهو
стр. 1150
متروك الحديث، توفي ساجدا في صلاة العصر [١] وله نحو من تسعين سنة، قاله في «العبر» [٢] .
وقال في «المغني» [٣] : محمد بن شجاع بن الثلجي الفقيه.
قال ابن عديّ: كان يضع الأحاديث في التشبيه ينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك.
وفيها محمد بن عبد الملك بن مروان، أبو جعفر، الدقيقيّ الواسطيّ في شوّال. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وكان إماما [٤] ثقة صاحب حديث.
стр. 1151
سنة سبع وستّين ومائتين
فيها دخلت الزّنج واسط، فاستباحوها ورموا النّار فيها، فسار لحربهم أبو العبّاس، وهو المعتضد، فكسرهم، ثم التقاهم ثانيا بعد أيام فهزمهم، ثم واقعهم ونازلهم، وتصابروا على القتال شهرين فذلّوا، ووقع في قلوبهم رعب [١] من أبي العبّاس بن الموفّق ولجأوا [٢] إلى الحصون، وحاربهم في المراكب، فغرق منهم خلق، ثم جاء أبوه الموفّق في جيش لم ير مثله، فهزموا [الزّنج] [٣] ، هذا وقائدهم العلوي غائب عنهم، فلما جاءته الأخبار بهزيمة جنده مرات [٤] ذلّ واختلف إلى الكنيف مرارا، وتقطّعت كبده، ثم زحف عليهم أبو العبّاس، وجرت لهم حروب يطول شرحها، إلى أن برز الخبيث قائد الزّنج بنفسه في ثلاثمائة ألف فارس [٥] [وراجل، والمسلمون في خمسين ألفا] [٦] ونادى الموفّق بالأمان، فأتاه خلق، ففتّ ذلك في عضد
стр. 1152
الخبيث، ولم تجر وقعة لأن النهر فصل بين الجيشين. قاله في «العبر» [١] .
وقال في «الشذور» : حارب أبو أحمد الموفّق الزّنج، وكان بعض لطلب الدنيا قد استغوى جماعة من المماليك، وقال: إنكم في العذاب والخدمة فتخلصوا، فصاروا ينهبون البلاد ويقتلون العباد، فجاء بهم الموفّق، فاستنقذ من أيديهم زهاء خمسة عشر ألف امرأة من المسلمات كانوا قد تغلبوا عليهنّ، فجئن منهم بالأولاد. انتهى.
وفيها توفي إسماعيل بن عبد الله الحافظ، أبو بشر العبديّ الأصبهانيّ، سمويه. سمع بكر بن بكّار، وأبا مسهر، وخلقا من هذه الطبقة.
قال أبو الشيخ: كان حافظا متقنا يذاكر بالحديث.
وقال ابن ناصر الدّين: ثقة.
وفيها المحدّث إسحاق بن إبراهيم الفارسي شاذان [٢] في جمادى الآخرة بشيراز. روى عن جدّه قاضي شيراز سعد بن الصّلت وطائفة. وثّقه ابن حبّان.
وفيها بحر بن نصر بن سابق الخولانيّ المصريّ. سمع ابن وهب وطائفة، وكان أحد الثقات الأثبات. روى النسائي في جمعه لمسند مالك، عن رجل، عنه.
وفيها حمّاد بن إسحاق بن إسماعيل الفقيه، أبو إسماعيل القاضي، وأخو إسماعيل القاضي، تفقّه على أحمد بن محمد المعذل [٣] ، وحدّث عن القعنبي، وصنّف التصانيف، وكان بصيرا بمذهب مالك.
стр. 1153
وفيها عبّاس التّرقفي [١] ببغداد أحد الثقات العبّاد. سمع محمد بن يوسف الفريابي [٢] وطبقته [٣] .
وفيها عبد العزيز [بن] منيب، أبو الدرداء، المروزيّ، الحافظ، رحل وطوّف وحدّث عن مكّي بن إبراهيم وطبقته.
وفيها محمد بن عزيز الأيلي بأيلة. روى عن سلامة بن روح وغيره.
قال في «المغني» [٤] : قال النسائي: صويلح. وقال أبو أحمد الحاكم:
فيه نظر. انتهى.
ويحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الله [٥] الذّهلي الحافظ، شيخ نيسابور. بعد أبيه، ويقال له: حيكان. رحل وسمع من سليمان بن حرب وطبقته، وكان أمير المطوعة المجاهدين، ولما غلب أحمد الخجستاني [٦] على نيسابور، وكان ظلوما غشوما، فخرج منها هاربا، فخافت النيسابوريون كرته فاجتمعوا على باب حيكان وعرضوا في عشرة آلاف مقاتل، فردّ إليهم أحمد، فانهزموا واختفى حيكان، وصحب قافلة، ولبس عباءة فعرف، وأتي به إلى أحمد فقتله.
стр. 1154
قال ابن ناصر الدّين: هو ثقة.
وفيها يونس بن حبيب، أبو بشر، العجليّ مولاهم الأصبهاني، راوي «مسند الطّيالسي» . كان ثقة ذا صلاح وجلالة.
стр. 1155
سنة ثمان وستين ومائتين
فيها غزا نائب الثغور الشّامية خلف التركي الطولوني، فقتل من الرّوم بضعة عشر ألفا، وغنموا غنيمة هائلة، حتّى بلغ السهم أربعين دينارا.
وفيها كان المسلمون يحاصرون الخبيث مقدّم الزّنج [١] في مدينته المسمّاة بالمختارة.
وفيها توفي الإمام محدّث مرو، أحمد بن سيّار المروزيّ الحافظ، مصنّف «تاريخ مرو» في منتصف شهر ربيع الآخر ليلة الاثنين. سمع إسحاق بن راهويه، وعفّان، وطبقتهما، وكان يشبّه في عصره بابن المبارك علما وزهدا، وكان صاحب وجه في مذهب الإمام الشافعي. نقل عنه الرّافعيّ أنه أوجب الأذان للجمعة دون غيرها، وأن الواجب من الأذانين لها هو الذي يفعل بين يدي الخطيب [٢] .
وفيها أبو عبد المؤمن أحمد بن شيبان الرّمليّ في صفر. روى عن ابن عيينة وجماعة، ووثّقه الحاكم، وقال ابن حبّان: يخطئ.
стр. 1156
وأحمد بن يونس [١] الضّبّيّ الكوفيّ بأصبهان. روى عن حجّاج الأعور وطبقته، وكان ثقة محتشما.
وفي شوّال أحمد بن عبد الله الخجستاني [٢] كان من أمراء يعقوب الصّفّار، وكان جبّارا عنيدا، خرج على يعقوب، وأخذ نيسابور، وله حروب ومواقف مشهورة، ذبحه غلمانه وقد سكر.
وفيها عيسى بن أحمد العسقلانيّ الحافظ، وهو بغدادي، نزل عسقلان محلّة ببلخ [٣] . روى عن ابن وهب، وبقية، وطبقتهما.
ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، الإمام أبو عبد الله المصري، مفتي الديار المصرية، تفقّه بالشافعي وأشهب، وروى عن ابن وهب وعدّة.
قال ابن خزيمة: ما رأيت أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه. وله مصنفات كثيرة، وتوفي في نصف ذي القعدة.
стр. 1157
سنة تسع وستين ومائتين
فيها ظفر المسلمون بمدينة الخبيث [١] وحصروه في قصره فأصاب الموفّق سهم فتألم منه ورجع بالجيش، حتّى عوفي، فحصن الخبيث مدينته وبين ما تهدم.
وفيها تخيّل المعتمد على الله من أخيه الموفّق، ولا ريب في أنه كان مقهورا مع الموفّق، فكاتب أحمد بن طولون، واتفقا، وسافر المعتمد في خواصه من سامرّا، يريد اللحاق بابن طولون في صورة متنزّه متصيّد، فجاء كتاب الموفّق إلى إسحاق بن كنداخ [٢] يقول: متى اتفق ابن طولون مع المعتمد لم يبق منكم باقية. وكان إسحاق على نصيبين في أربعة آلاف، فبادر إلى الموصل، فإذا بحرّاقات المعتمد وأمراؤه، فوكّل بهم، وتلقى المعتمد بين الموصل والحديثة فقال: يا إسحاق لم منعت الحشم [من] [٣] الدخول إلى الموصل؟ فقال: أخوك يا أمير المؤمنين في وجه العدو، وأنت تخرج من مستقرك، فمتى علم رجع عن قتال الخبيث، فيغلب عدوّك على دار آبائك،
стр. 1158
ثم كلّم المعتمد بكلام قويّ ووكّل به وساقه وأصحابه إلى سامرّا، فتلقاه صاعد كاتب الموفّق، فتسلمه من إسحاق وأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من دخول دار الخلافة، ووكّل بالدار خمسمائة، يمنعون من يدخل إليه، وبقي صاعد يقف في خدمته، ولكن ليس له حلّ ولا ربط.
وأما ابن طولون، فجمع الأمراء والقضاة، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلّا القاضي بكّار، فقيّده وحبسه، وأمر بلعنة الموفّق على المنابر.
وفيها توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري، صاحب ابن وهب، وكان ثقة.
وفيها الأمير عيسى بن الشيخ الذّهلي، وكان قد ولي دمشق، فأظهر الخلاف في سنة خمس وخمسين، وأخذ الخزائن وغلب على دمشق، فجاء عسكر المعتمد، فالتقاهم ابنه ووزيره فهزموا، وقتل ابنه وصلب وزيره، وهرب عيسى، ثم استولى على آمد، وديار بكر مدة.
стр. 1159
سنة سبعين ومائتين
فيها التقى المسلمون والخبيث علي بن محمد العبقسيّ المدّعي أنه علويّ، فاستظهروا عليه. ثم وقعة أخرى قتل فيها، وعجّل الله بروحه إلى النّار، ولقد طال قتال المسلمين له، واجتمع مع الموفّق نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، أجناد ومطوّعة، وفي آخر الأمر التجأ الخبيث إلى جبل، ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينتهم، فحاربهم المسلمون، فانهزم الخبيث، وتبعهم أصحاب الموفّق يأسرون ويقتلون، ثم استقبل هو وفرسانه، وحملوا على النّاس فأزالوهم، فحمل عليه الموفّق والتحم القتال، فإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده، فلم يصدّقه، فعرفه جماعة من الناس، فحينئذ ترجّل الموفّق وابنه المعتضد والأمراء فخرّوا سجّدا لله، وكبّروا، وسار الموفّق فدخل بالرأس بغداد، وعملت القباب، وكان يوما مشهودا، وأمن الناس وشرعوا يتراجعون إلى الأمصار التي أخذها الخبيث، وكانت أيامه خمس عشرة سنة.
قال الصولي: قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف. قال: وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان يصعد على المنبر فيسبّ عثمان، وعليّا، ومعاوية، وعائشة، وهو اعتقاد الأزارقة، وكان ينادي في عسكره على العلوية بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد من الزّنج العشر من العلويات يفترشهنّ، وكان الخبيث خارجيّا يقول: لا حكم إلّا لله.
стр. 1160
وقيل: كان زنديقا يتستر بمذهب الخوارج، وهو أشبه، فإن الموفّق كتب إليه وهو يحاربه في سنة سبع وستّين، يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله، مما فعل من سفك الدماء، وسبي الحريم، وانتحال النّبوّة والوحي، فما زاده الكتاب إلّا تجبّرا وطغيانا.
ويقال: إنه قتل الرسول، فنازل الموفّق مدينته المختارة، فتأملها فإذا [هي] مدينة حصينة محكمة الأسوار، عميقة الخنادق، فرأى شيئا مهولا، ورأى من كثرة المقاتلة ما أذهله، ثم رموه رمية واحدة بالمجانيق والمقاليع والنّشّاب، وضجوا ضجة [١] ارتجّت منها الأرض، فعمد الموفّق إلى مكاتبة قوّاد الخبيث واستمالهم، فاستجاب له عدد منهم، فأحسن إليهم.
وقيل: كان الخبيث منجما يكتب الحروز، وأول شيء كان بواسط، فحبسه محمد بن أبي عون ثم أطلقه، فلم يلبث أن خرج بالبصرة واستغوى السودان، والزبّالين، والعبيد، فصار أمره إلى ما صار. ذكر جميع ذلك في «العبر» [٢] .
وفيها، في ذي القعدة، توفي أمير الدّيار المصرية والشامية أبو العبّاس أحمد بن طولون وهو في عشر الستين. [وخلّف عشرة آلاف دينار، وكان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريما، شجاعا، مهيبا، حازما، لبيبا] [٣] .
قال القضاعي: كان طائش السيف، فأحصي من قتله صبرا، أو مات في سجنه، فكانوا ثمانية عشر ألفا، وكان يحفظ القرآن، وأوتي حسن الصوت به، وكان كثير التلاوة، وكان أبوه من مماليك المأمون، مات سنة أربعين