السنة الثالثة
في نصف رمضان منها ولد الحسن بن عليّ [١] ﵄، وأما الحسين فمقتضى ما ذكروه في مدّة عمرهما، وتاريخ ولادتهما، أن يكون ولد في الخامسة، ولم يظهر كما سيأتي من تاريخ وفاتهما ما يقتضي ما ذكروه فليتأمل.
وقال القرطبي: ولد الحسن في شعبان من الرابعة، وعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ويؤيده ما ذكره الواقدي، أن فاطمة علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وجزم النواويّ في «التهذيب» [٢] أن الحسن ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.
وقيل: لم يكن بين ولادتهما إلا طهر واحد [٣] .
стр. 107
وفي رمضان منها دخل ﷺ بحفصة، ودخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامريّة أمّ المساكين، وعاشت عنده نحو ثلاثة أشهر ثم توفيت.
وفيها تزوج عثمان أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
وفيها تحريم الخمر [١] .
стр. 108
ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها في الحادي عشر منه، وقتل فيها حمزة ﵁ عمّ النّبيّ ﷺ بعد أن قتل جماعة، وكان إسلامه في السنة الثانية، وقيل: في السادسة من المبعث، ولم يسلم من إخوته سوى العباس ﵁، وكانوا تسعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثني عشر، ولما وقف ﷺ يوم أحد ورأى ما به من المثلة حلف ليمثّلنّ بسبعين منهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ به ١٦: ١٢٦ [النحل: ١٢٦] الآية، فقال: «بل نصبر» وكفّر عن يمينه [١] .
وفي ذي القعدة منها [٢] . كانت غزوة بدر الصغرى [٣] ، وغزوة بني النّضير، والصواب أنها في الرابعة [٤] .
стр. 109
السنة الرابعة
في صفر منها غزوة بئر معونة [١] وكانوا سبعين، وقيل: أربعين [٢] .
وفي ربيع الأول منها غزوة بني النّضير [٣] نزلوا صلحا، وارتحلوا إلى خيبر.
وفي محرّمها غزوة ذات الرّقاع [٤] ، وغزوة الخندق عند بعضهم [٥] ، وكان مقام الأحزاب فيها خمسة عشر يوما، وقيل: أكثر من عشرين يوما.
وفيها نزل التميم، وقصة الإفك وبراءة عائشة ﵂.
стр. 110
السنة الخامسة
فيها صلاة الخوف عند بعضهم، وغزوة دومة الجندل [١] ، وغزوة ذات الرّقاع عند بعضهم [٢] ، وقيل: وغزوة الخندق [٣] ، ثم غزوة بني قريظة، وصحح في «الروضة» أن الخندق في الرابعة، وبني قريظة في الخامسة، وجزم ابن ناصر الدّين [٤] ، أنهما في الخامسة كما سيأتي، وهذا هو الصحيح، لأنه توجّه ﷺ إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه من الأحزاب.
وفيها توفي سعد بن معاذ سيّد الأوس، واهتزّ لموته عرش الرّحمن [٥] .
стр. 111
السنة السادسة
فيها بيعة الرضوان [١] ، وموت سعد بن خولة، الذي رثى له النّبيّ ﷺ أن مات بمكة [٢] .
قيل: وفيها غزوة بني المصطلق.
وفيها فرض الحج [٣] ، وقيل: سنة خمس.
وكسفت الشّمس.
ونزل حكم الظّهار [٤] [٥] .
стр. 112
السنة السابعة
فيها غزوة خيبر [١] ، وفتحها في صفر، وأكرم بالشهادة بضعة عشر.
стр. 113
وتزوج رسول الله ﷺ صفيّة [١] ، وميمونة [٢] ، وأمّ حبيبة [٣] ، وجاءته مارية القبطية [٤] .
وقدم جعفر ومهاجرة الحبشة ﵃.
وأسلم أبو هريرة [٥] ﵁.
وفيها عمرة القضاء.
стр. 114
السنة الثامنة
فيها غزوة مؤتة [١] ، واستشهد بها الأمراء الثلاثة: زيد بن حارثة، الذي نوّه القرآن بقدره، وذكره، وجعله النبيّ ﷺ [هو] [٢] وابنه [٣] كفؤا للعربيات والقرشيات.
ثانيهم جعفر بن أبي طالب الطيّار، واستشهد وله إحدى وأربعون سنة، ومناقبه عديدة، قال له النّبيّ ﷺ : «أشبهت خلقي وخلقي» [٤] ، وناهيك بها فضيلة.
ثالثهم عبد الله بن رواحة الخزرجيّ، أحد النقباء، الصادق في طلب الشهادة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 115
وفتح الله فيها على يد خالد بن الوليد، وهي أول مشاهده في الإسلام.
وفي رمضان منها فتح مكة.
وغزوة حنين في شوال.
ثم حصار الطائف، ونصب النبيّ ﷺ عليهم المنجنيق، ثم رحل عنها عن غير فتح، وأسلم أهلها في العام القابل.
وفيها غزوة ذات السّلاسل.
وفيها غلا السّعر فقالوا: يا رسول الله سعّر لنا، فقال ﷺ : «إن الله هو المسعّر، والقابض الباسط» [١] . وفيها ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، ووهب [٢] النبيّ ﷺ لأبي رافع [٣] لمّا بشّره بولادته عبدا، وتنازعت الأنصار في رضاعه، فدفعه ﷺ إلى أبي سيف [٤] ، وزوجته أمّ سيف [٥] .
وتوفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده ﷺ .
стр. 116
السنة [١] التاسعة
فيها غزوة تبوك في رجب [٢] .
وحجّ أبو بكر ﵁ بالنّاس.
ومات النّجاشيّ [٣] في رجب.
وتوفيت أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
وعبد الله بن أبي بن سلول [٤] رأس المنافقين، وكان موته في ذي القعدة، وهو القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فلما رجعوا من غزوة تبوك منعه ابنه عبد الله، المفلح، الصالح من دخول المدينة حتى يأذن له النبيّ ﷺ .
стр. 117
وفيها قتل عروة الثقفيّ، قتله قومه أن دعاهم إلى الإسلام، وكان من دهاة العرب.
وتوفي سهيل بن بيضاء الفهريّ، وصلى عليه رسول الله ﷺ في المدينة.
وقتل ملك الفرس، وملّكوا بوران [١]- بضم الباء الموحدة وبالراء- وإليها الإشارة بقوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [٢] .
стр. 118
السنة [١] العاشرة
فيها حجة الوداع [٢] ، ولم يحج ﷺ بعد الهجرة سواها [٣] ، ولم ينضبط عدد حجّاته قبلها، لكن كان نفلا، إذ فرض الحج كان في السنة السادسة كما تقدم [٤] .
وفيها توفي إبراهيم بن النّبيّ ﷺ ، وهو ابن سنة ونصف، وكسفت الشمس يوم مات [٥] .
ذكر بعض الشافعية أن كسوفها يوم مات إبراهيم يردّ على أهل الفلك، لأنه مات في غير يوم الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وهم يقولون لا تنكسف إلا فيهما.
قال اليافعي [٦] : وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، فإن العادة المستقرة المستمرة كسوفها في اليومين المذكورين.
стр. 119
وفيها أسلم جرير [١] ، وظهر الأسود العنسيّ [٢] ، وكان له شيطان يخبره بالمغيّبات فضلّ به كثير من النّاس، وكان بين ظهوره وقتله نحو من أربعة أشهر، ولكن استطارت فتنته استطارة النار، وتطابقت عليه اليمن والسواحل، كجاد عثر [٣] ، والشّرجة [٤] ، والحردة [٥] ، وغلافقة [٦] ، وعدن، وامتد إلى الطائف، وبلغ جيشه سبعمائة فارس، وكان عكّ [٧] بتهامة اليمن معترضين عليه، وقد كانوا أول مرتدّ [٨] بعد رسول الله ﷺ ، وتجمّعوا على غير [٩] رئيس بالأعلاب [١٠] وأوقع [١١] بهم الطاهر بن أبي هالة [١٢] ، ومعه
стр. 120
مسروق العكّي وبدّدهم، وسمّاهم أبو بكر ﵁ الأخابث [١] .
وكثرت الوفود فيها، وقيل: في التاسعة، وكانت غزواته ﷺ خمسا وعشرين، وقيل: سبعا وعشرين، وسراياه ستا وخمسين، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.
стр. 121
الحادية عشرة
فيها توفي النّبيّ ﷺ في وسط نهار الإثنين، في ربيع الأول، وما قيل:
إنه توفي في الثاني عشر فيه إشكال، لأنه ﷺ كانت وقفته في الجمعة في السنة العاشرة إجماعا، ولا يتصور مع ذلك وقوع الإثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول من السنة التي بعدها، فتأمل.
وبعث رسول الله ﷺ على رأس أربعين، فأقام بمكة ثلاث عشرة [١] ، وقيل: عشرا، وقيل: خمس عشرة، وأقام بالمدينة عشرا بالإجماع، وتوفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، وولد ﷺ عام الفيل في شعب بني هاشم، وتوفي جده عبد المطّلب وهو ابن ثمان على قول وشهد بناء قريش الكعبة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على قول.
وفي «الصحيح» أنه كان ينقل معهم الحجارة وهو صغير، وكانوا يجعلون أزرهم على عواتقهم تقيهم الحجارة ففعل مثلهم، فسقط مغشيا عليه [٢] .
стр. 122
فإن حمل على أنّ قريشا بنت الكعبة مرتين، أو في أمر غير بناء الكعبة فلا إشكال، وإلا فأحد النقلين ساقط.
وتزوج خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي بنت أربعين على الصحيح فيهما، ورجّح كثيرون أنها ابنة ثمان وعشرين وفرضت الصلاة بمكة ليلة الإسراء بعد النّبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر [١] .
وفرض الصوم بعد الهجرة.
وفرضت الزكاة قبل الصوم، وقيل: بعده.
وهو ﷺ محمّد بن عبد الله، بن عبد المطّلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصيّ، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النّضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، ابن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان.
هذا المتفق عليه.
وجدّه هاشم هو الذي سنّ لقريش الرّحلتين للتجارة، ومات بغزّة [٢] من أرض الشام، البلدة التي ولد فيها الشافعيّ ﵀.
وفي السنة الحادية عشرة [٣] أيضا من الهجرة، توفّيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيها [ ﷺ ] بستة أشهر، تزوجها عليّ ﵁ وهي بنت خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصف، وعمره إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت، كأمّها لم يتزوج عليها النبيّ ﷺ حتى ماتت، وغسل فاطمة أسماء بنت عميس، وعليّ، ودفنها ليلا.
стр. 123
وفيها ماتت أمّ أيمن [١] حاضنة رسول الله ﷺ ، وأمّه بعد أمّه، ومنزلتها من النبيّ ﷺ ، ومنزلة زوجها وبنتها لا توصف ولا تكيّف [٢] ، وخرجت مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة، سمعت حسّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو برشاء [٣] أبيض معلّق فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.
وفيها مات عكّاشة الأسديّ [٤] أحد السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
وفيها قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة في رهط من قومه بني حنظلة ممن منع الزكاة، وكان مالك من دهاة العرب، وكان عرض على خالد الصلاة دون الزكاة، فقال خالد: لا نقبل [٥] واحدة دون الأخرى، فقال مالك: كذلك كان يقول صاحبك [٦] ، قال خالد: وما نراه لك صاحبا، والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، قال: أو كذلك أمر صاحبك، قال خالد: وهذه ثانية بعد تلك، والله لأقتلنك، فكلمه عبد الله بن عمر، وأبو قتادة [٧] في استبقائه فأبى، فقال له مالك: فابعثني إلى
стр. 124
أبي بكر فيكون هو الذي يحكم في، فقال خالد: يا ضرار [١] قم فاضرب عنقه، فقام فضرب عنقه واشترى زوجه [٢] من الفيء، وتزوّجها، فأنكر عليه عمر، والصحابة، وسأل عمر أبا بكر قتل خالد بمالك أو حدّه في زواج زوجته، فقال أبو بكر: إنه تأوّل فأخطأ، فسأله عزله، فقال: ما كنت لأشيم [٣] سيفا سلّه الله عليهم [٤] أبدا.
ولمتمّم بن نويرة [٥] في أخيه مراث كثيرة مشهورة من أعجبها قوله:
لقد لامني عند القبور على البكا ... صحابي لتذرف الدّموع السّوافك
فقالوا: أتبكي كلّ قبر رأيته؟ ... لغير ثوى بين اللّوى والدكادك [٦]
فقلت لهم: إنّ الشّجا يبعث الشّجا ... دعوني فهذا كلّه قبر مالك [٧]
ولحافظ دمشق ابن ناصر الدّين [٨] قصيدة سمّاها «بواعث الفكرة في
стр. 125
حوادث الهجرة» أحببت أن أثبتها هنا لما فيها من الفوائد وهي:
سنوا هجرة المختار فيها حوادث ... فخذ نثرها من كلّ عام واحكم
مصلّى قبا في أول ثمّ مسجدا ... بني وبيوتا والصّلاة فأتمم
وخلف أذان جمعة مات أسعد ... براء وعبد الله أسلم فاسلم
وثان صيام فطرة أمّ كعبة ... وغزوة ودّان بواط المغنّم
عشير وبدر عرس عائش [١] مثله ال ... بتول وموت لابن مظعون أكرم
سويق سليم قينقاع ومسور ... ومروان والنّعمان سرّوا بمقدم
كذا ابن زبير مثل موت رقيّة ... أبو بنت هند أنمار كانت بمعلم
غزا أحدا في ثالث قتل حمزة ... وذا أمر والخمر ردّت فحرّم
وحمراء مع بدر أخيرا بناؤه ... بزينب ذات البرّ كسبا لمعدم
كذا حفصة مع أمّ كلثوم زوّجت ... أتى حسن قبل الحسين المقدّم
وفي رابع تزويج هند معونة ... نضير وقصر والتيمّم فافهم
مريسيع إفك والرّقاع وموعد ... ورجم وموت امّ المساكين عظّم
وصلّى لخوف ثم في الخمس خندق ... قريظة سعد مات دومة قدّم
ضمام أتى إسلام عمرو وخالد ... وعثمان الداري التزلزل فاعلم
وفي سادس لحيان ذو قرد به ... حديبية استسقى ابن خولة أعظم
مقوقس أهدى والظّهار وخاتم ... لشيرويه الطّاعون حجّ لمسلم
وخيبر في سبع صفيّة رملة ... زواجهما ذو الحبس آبوا بأنعم
قدوم أبي هرّ هدانا عطية ... قضا عمرة تزويج ميمونة أتمم
وثامن عام مؤتة الفتح أسلموا ... ومولد إبراهيم نجل المعظّم
стр. 126
حنين غلاء طائف نصب منبر ... وبنت رسول الله زينب سلّم
بتسع تبوك والوفود وجزية ... وحج أبي [١] بكر وموت أمّ كلثم
ومات ابن بيضا والنجاشي وعروة ... قتيل ثقيف والسّلوليّ فافهم
لعان وإيلاء وبوران ملّكت ... لقتل فتى شيرويه بتظلّم
وفي العاشر ابراهيم مات ومولد ... لنجل أبي بكر محمد أعظم
جرير اهتدى ضلّت بأسود عنسة ... كسوف بخلف حجة التّمّ أعجم
وسبع وعشرون المغازي ومثلها ... سراياه مع عشرين أرّخ لمقدم
أصبنا لإحدى عشرة بنبيّنا ... فيا عظمه رزءا لدى كلّ مسلم
بها بايعوا الصّدّيق ردّة وابكين ... لفاطمة مع أمّ أيمن واختم
انتهى ما أورده ابن ناصر الدّين، وما ذكره في منظومته تقدّم غالبه، وبقيته مفهوم سوى قصّة الظّهار أحببت إيرادها لما فيها من الفوائد فأقول:
قال العلّامة الشّيخ علي الحلبي في «سيرته» : وقبل خيبر، وقيل: بعد خيبر، نزلت آية الظّهار قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ٥٨: ١ [المجادلة: ١] ، وسبب ذلك أنّ أوس بن الصّامت، لا عبادة بن الصّامت، كما قيل، أي وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، وفي لفظ: كان به لمم [٢] ، أي نوع من الجنون، وكان فاقد البصر، قال لزوجته خولة بنت ثعلبة [٣] ، وفي لفظ بنت خويلد، وكانت بنت عمه [٤] ، وقد راجعته في شيء فغضب فقال لها: أنت
стр. 127
عليّ كظهر أمّي، وكان ذلك في زمن الجاهلية طلاقا، أي كالطلاق في تحريم النساء، ثم راودها عن نفسها، فقالت: كلا لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت، حتى أسأل رسول الله ﷺ .
وفي لفظ: إنه لما قال لها: أنت عليّ كظهر أمّي أسقط في يده، وقال:
ما أراك إلا قد حرمت عليّ، انطلقي إلى رسول الله ﷺ فاسأليه، فدخلت عليه وهو يمشط رأسه، أي عنده ماشطة، وهي عائشة تمشط رأسه.
وفي لفظ: كان الظّهار أشدّ الطّلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر الرجل من امرأته لم يرجع أبدا، فأخبرته، فقال لها: «ما أمرنا بشيء من أمرك ما أراك إلا قد حرمت عليه» ، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي، وأحبّ النّاس إليّ، فقال: «حرمت عليه» ، فقالت:
أشكو إلى الله فاقتي وتركي بغير أحد، وقد كبر سنّي، ودقّ عظميّ.
وفي لفظ أنها قالت: اللهم إني أشكو إليك شدّة وحدتي، وما شقّ عليّ من فراقه، وما نزل بي وبصبيتي.
قالت عائشة ﵂: فلقد بكيت وبكى من كان في البيت رحمة لها ورقّة عليها.
وفي لفظ قالت: يا رسول إن زوجي أوس بن الصامت تزوّجني وأنا ذات مال وأهل، فلما أكل مالي، وذهب شبابي، ونفضت بطني، وتفرّق أهلي، ظاهر مني، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما أراك إلا قد حرمت عليه» ، فبكت وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقري، ووحدتي، وصبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وصارت
стр. 128
ترفع رأسها إلى السماء، فبينما فرغ ﷺ من شق رأسه، وأخذ في الآخر، أنزل الله عليه الآية، فسرّي عنه، وهو يبتسم، فقال لها:
«مريه فليحرّر رقبة» ، فقالت: والله ما له خادم غيري، قال: «فمريه فليصم شهرين متتابعين» ، فقالت: والله إنه لشيخ كبير، إنه إن لم يأكل في اليوم مرتين يندر بصره، أي لو كان مبصرا، فلا ينافي ما تقدّم أنه كان فاقد البصر، قال: «فليطعم ستين مسكينا» ، فقالت: والله ما لنا اليوم وقية، قال: «مريه فلينطلق إلى فلان- يعني شخصا من الأنصار- أخبرني أن عنده شطر وسق من تمر، يريد أن يتصدّق به، فليأخذه منه» . وفي رواية: «مريه فليأت أمّ المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق من تمر فليتصّدق به على ستين مسكينا وليراجعك» ، ثم أتته فقصّت عليه القصّة فانطلق ففعل.
أي وفي لفظ: قال رسول الله ﷺ : «فأنا سأعينه بعرق [١] من تمر» فبكت، وقالت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق [١] آخر، قال: «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا» . وفي رواية لما قال رسول الله ﷺ : «ما أعلم إلا قد حرمت عليه» ، قالت لها عائشة: وراءك، فتنحّت، فلما نزل عليه الوحي وسرّي عنه قال: «يا عائشة أين المرأة؟» ، قالت: ها هي هذه، قال: «ادعيها» [٢] ،
стр. 129
فدعتها، قال النبيّ ﷺ : «اذهبي فجيئي بزوجك» فذهبت فجاءت به وأدخلته على النبيّ ﷺ ، فإذا هو ضرير البصر، فقير، سيّء الخلق، فقال له: «أتجد رقبة؟» ، قال: لا، وفي لفظ قال:
ما لي بهذا من قدرة، قال: «أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» ، قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يغشى [١] عليّ، وفي لفظ إني إذا لم آكل في اليوم مرتين كلّ بصري، أي لو كان موجودا قال:
«فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» ، قال: لا، إلا أن تعينني بها، فأعانه رسول الله ﷺ ، فكفّر عنه. وفي رواية: أنه أعطاه مكتلا يأخذ خمسة عشر صاعا فقال: «أطعمه ستين مسكينا» . قال بعضهم: وكانوا يرون أن عند أوس مثلها حتى يكون لكلّ مسكين نصف صاع، وفيه أنه خلاف الروايات من أنه لا يملك شيئا، فقال: على أفقر مني، فو الله الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «اذهب به إلى أهلك» . وهذا أول ظهار وقع في الإسلام [٢] .
стр. 130
ومرّ عمر ﵁ بخولة هذه في أيام خلافته، فقالت: قف يا عمر، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها، وأطالت الوقوف، وأغلظت القول، أي قالت له: هيها يا عمر، عهدتك وأنت تسمّى عميرا، وأنت في سوق عكاظ ترعى القيان [١] بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سمّيت عمر، ثمّ لم تذهب الأيام حتى سمّيت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال لها الجارود [٢] : قد أكثرت أيّتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها.
وفي رواية فقال له قائل: حبست النّاس لأجل هذه العجوز، قال:
ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها. انتهى.
قلت: ومما يناسب المقام ذكر ابن صيّاد، فإن أخباره وقعت ولا بد بعد الهجرة، ولكني لم أقف على تاريخها، وسأثبته إن عثرت عليه، فلنورد ما ورد
стр. 131
فيه مختصرا وليكن لفظ «مشكاة المصابيح» فإنه من أجمع ما رأيت فيه، قال فيه: باب ابن الصياد.
الفصل الأول
عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان في أطم [١] بني مغالة [٢] ، وقد قارب ابن صيّاد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال: «أتشهد أني رسول الله؟» فنظر إليه فقال: أشهد أنك رسول الأميّين، ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرصّه [٣] النبيّ ﷺ ثم قال: «آمنت بالله وبرسله» ثم قال لابن صيّاد: «ما ترى؟» [٤] ، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال رسول الله ﷺ : «خلّط عليك الأمر» [ثم] [٥] قال رسول الله ﷺ : «إني خبّأت لك خبيئا» وخبّأ له: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ٤٤: ١٠ [الدخان: ١٠] ، فقال هو
стр. 132
الدّخّ [١] ، فقال [ ﷺ ] : «اخسأ فلن تعدو قدرك» [٢] قال عمر:
يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله ﷺ :
«إن يكن هو لا تسلّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله» . قال ابن عمر: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبيّ بن كعب الأنصاريّ يؤمّان النخل التي فيها ابن صيّاد، وطفق رسول الله ﷺ يتّقي بجذوع النخل وهو يختل [٣] أن يسمع [٤] من ابن صيّاد شيئا قبل أن يراه، وابن صيّاد مضطجع على فراشه في قطيفة [٥] ، له فيها زمزمة [٦] ، فرأت أمّ ابن صيّاد النبيّ ﷺ وهو يتّقي بجذوع النخل، فقالت: أي صاف- وهو اسمه- هذا محمد، فتناهى [٧] ابن صيّاد، قال رسول الله ﷺ : «لو تركته بيّن» . قال عبد الله بن عمر: قام رسول الله ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ ذكر الدّجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلّا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور وإن الله ليس بأعور» متفق عليه [٨] .
стр. 133
وعن أبي سعيد الخدريّ [١] قال: لقيه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر- يعني ابن صيّاد- في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : «أتشهد أنّي رسول الله؟» ، فقال هو: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ماذا ترى؟» قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله ﷺ : «ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟» ، قال: أرى صادقين وكاذبا، أو كاذبين وصادقا، فقال رسول الله ﷺ : «لبس [٢] عليه فدعوه» رواه مسلم [٣] . وعنه [٤] أن ابن صيّاد سأل النبيّ ﷺ عن تربة الجنة فقال: «درمكة بيضاء مسك خالص» رواه مسلم [٥] . وعن نافع [٦] قال: لقي ابن عمر ابن صيّاد في بعض طرق المدينة، فقال له قولا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السّكّة [٧] ، فدخل ابن عمر على
стр. 134
حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك! الله ما أردت من ابن صيّاد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يخرج من غضبة يغضبها؟» ، رواه مسلم [١] . وعن أبي سعيد الخدري قال: صحبت ابن صيّاد إلى مكّة، فقال لي:
أما قد لقيت [٢] من النّاس يزعمون أنّي الدّجّال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه لا يولد له» ، وقد ولد لي، أليس قد قال:
«هو كافر» وأنا مسلم، أو ليس قد قال: «لا يدخل المدينة ولا مكة؟» وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة، ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو [الآن] [٣] ، وأعرف أباه وأمّه، قال: فلبسني، قال [٤] : قلت [له] [٥] : تبا لك سائر اليوم، قال: وقيل له: أيسرّك أنّك ذاك الرّجل؟ [٦] ، قال: فقال: لو عرض عليّ ما كرهت. رواه مسلم [٧] .
وعن ابن عمر قال: لقيته وقد نفرت [٨] عينه فقلت: متى فعلت عينك
стр. 135
ما أرى؟ قال: لا أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك [هذه] [١] ، قال: فنخر [٢] كأشدّ نخير حمار سمعت. رواه مسلم [٣] .
وعن محمّد بن المنكدر [٤] قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنّ ابن الصيّاد الدّجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبيّ ﷺ ، فلم ينكره النبيّ ﷺ ، متفق عليه [٥] .
الفصل الثاني
عن نافع قال: كان ابن عمر يقول: والله ما أشكّ أنّ المسيح الدّجال [٦] ابن صيّاد. رواه أبو داود، والبيهقي في كتاب «البعث والنشور» [٧] .
وعن جابر قال: فقدنا ابن صيّاد يوم الحرّة [٨] رواه أبو داود [٩] .
стр. 136
وعن أبي بكرة [١] قال: قال رسول الله ﷺ : «يمكث أبوا الدّجال ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد، ثم يولد [لهما] [٢] غلام أعور أضرس [٣] وأقلّه منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه فقال: «أبوه طوّال، ضرب اللحم، كان أنفه منقار، وأمّه امرأة فرضاخيّة [٤] طويلة اليدين» ، فقال أبو بكرة: فسمعنا بمولد في اليهود بالمدينة [٥] ، فذهبت أنا والزّبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما، فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاما، لا يولد لنا ولد، ثمّ ولد لنا غلام أعور أضرس، وأقلّه منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه، قال: فخرجنا من عندهما، فإذا هو منجدل [٦] في الشّمس في قطيفة وله همهمة، فكشف عن رأسه، فقال: ما قلتما؟ قلنا:
وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم، تنام عيناي ولا ينام قلبي. رواه الترمذي [٧] .
وعن جابر، أن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلاما ممسوحة عينه،
стр. 137
طالعة نابه، فأشفق رسول الله ﷺ أن يكون الدّجّال، فوجده تحت قطيفة يهمهم [١] ، فآذنته أمّه فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم، فخرج من القطيفة، فقال رسول الله ﷺ : «ما لها قاتلها الله؟ لو تركته لبيّن» . فذكر مثل معنى حديث ابن عمر، فقال عمر ابن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله فأقتله، فقال رسول الله ﷺ : «إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى بن مريم، وإلّا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلا من أهل العهد» ، فلم يزل رسول الله ﷺ مشفقا أنه [٢] هو الدّجال، رواه في «شرح السنة» [٣] . انتهى ما ذكره في «مشكاة المصابيح» بلفظه.
وقال أبو عبد الله الذهبي في كتابه «تجريد الصحابة» ما لفظه: عبد الله ابن صيّاد، أورده ابن شاهين وقال: هو ابن صائد، وكان أبوه يهوديا فولد له عبد الله أعور مختونا، وهو الذي قيل إنه الدّجّال، ثمّ أسلم، فهو تابعيّ له رؤية [٤] .
قال أبو سعيد الخدري: صحبني ابن صيّاد إلى مكّة فقال: لقد هممت
стр. 138
أن آخذ حبلا فأوثقه [١] إلى شجرة ثم أختنق مما يقول النّاس في، وذكر الحديث، وهو في مسلم [٢] .
انتهى ما قاله الذهبي [٣] [٤] .
стр. 139
السنة الثانية عشرة [١]
فيها غزوة اليمامة، وقتل مسيلمة الكذّاب، وفتحت اليمامة صلحا على يد خالد بن الوليد بعد أن استشهد من الصحابة ﵃ نحو أربعمائة وخمسين، وقيل: ستمائة، وجملة القتلى من المسلمين ألف رجل ومائتا رجل، وكان رأي أهل الردة على منع الزكاة دون غيرها، فأجمع رأي أبي بكر على قتالهم، وأبى سائر الصحابة، واحتجّوا عليه بقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصّموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله تعالى» ، فقال أبو بكر: الزّكاة حقّ المال، وقال: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزّكاة [٢] .
стр. 140
قال الشيخ أبو إسحاق الشّيرازي [١] : فانظر كيف منع من التعلّق بعموم الخبر من وجهين:
أحدهما: أنه بيّن أن الزكاة حقّ المال فلم يدخل مانعها في الخبر.
والثاني: أنه خصّ الخبر في الزكاة، كما خصّ في الصّلاة، فخصّ مرة بالخبر، وأخرى بالنّظر، وهذا غاية ما ينتهي إليه المجتهد المحقّق، والعالم المدقّق.
وفي ذي الحجة منها توفي صهر النبيّ ﷺ زوج ابنته زينب- أبو العاص بن الربيع العبشمي [٢] ابن أخت خديجة، هالة بنت خويلد، وكان النبيّ ﷺ يثني عليه، ولما أسلم لم يجدّد له النبيّ ﷺ النكاح على بنته، بل أبقاهما على نكاحهما.
стр. 141
السنة الثالثة عشرة
فيها وقعة أجنادين [١] بقرب الرّملة، واستشهد فيها جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، ثم كان النصر والحمد لله.
وفيها بعث أبو بكر ﵁ أمراءه إلى الشام، منهم أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وبعث خالدا إلى العراق، فافتتح الأبلّة [٢] ، وأغار على السواد [٣] ، وحاصر عين التمر [٤] ،
стр. 142
وأرى الفرس ذلّا وهوانا، ثم سار من العراق إلى الشّام في بريّة ورمال لا يهتدى طريقها، ولحق بأمراء الشام، فكان له الأثر العظيم.
وفي جمادى الآخرة منها توفي الخليفة أبو بكر الصّدّيق عبد الله بن عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة، ومناقبه كثيرة لا تنكر [١] مشهورة، وفيه يقول أبو محجن الثقفيّ [٢] :
وسمّيت صدّيقا وكلّ مهاجر ... سواك يسمّى باسمه غير منكر
وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا ... وكنت رفيقا للنبيّ المطهّر
سبقت إلى الإسلام والله شاهد ... وكنت جليسا بالعريش المشهّر
ومناقبه وسوابقه في الإسلام لا تنحصر، وكان رئيسا في الجاهلية، وكان إليه الدّيات، ومعرفة الأنساب، وتأويل الرؤيا، وأسلم على يده جماعة، وأعتق أعبدا افتداهم من أيدي المشركين يعذّبونهم، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، ونص ﷺ أن سبقه لغيره بواقر وقر في صدره [٣] ، وجاء أنه كان إذا تنفّس يشم منه رائحة كبد مشوية، وبينه وبين مرة بن كعب
стр. 143
ستة آباء كالنبيّ ﷺ ، وأمه سلمى أم الخير [١] بنت صخر بن عامر، تيمية أيضا، ولد بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، وعاش بعد النبيّ ﷺ بعدد ما سبقه النبيّ ﷺ بالولادة، واستخلف عمر فلم يختلف عليه اثنان، والإجماع منعقد على صحة خلافته، ودلائلها أشهر من أن تذكر، لعن الله باغضيه.
قال محب الدين أبو جعفر محمد الطبري في كتابه «الرياض النضرة في فضائل العشرة ﵃» [٢] : وعن أبي ذر [٣] ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ منزل عائشة فقال: «يا عائشة ألا أبشّرك؟» قالت: بلى يا رسول الله، قال: «أبوك في الجنّة، ورفيقه إبراهيم الخليل ﵇، وعمر في الجنّة ورفيقه نوح ﵇، وعثمان في الجنّة ورفيقه أنا، وعليّ في الجنّة ورفيقه يحيى بن زكريّا [﵇] ، وطلحة في الجنّة ورفيقه داود ﵇، والزّبير في الجنّة ورفيقه إسماعيل ﵇، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة ورفيقه سليمان بن داود ﵇، وسعيد في الجنّة ورفيقه موسى بن عمران ﵇، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة ورفيقه عيسى ﵇، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة ورفيقه إدريس ﵇» .
ثم قال: «يا عائشة أنا سيّد المرسلين وأبوك أفضل الصّدّيقين، وأنت أمّ المؤمنين» . أخرجه الملاء في «سيرته» [٤] ، انتهى.
стр. 144
وقال اللّقاني [١] في «شرح الجوهرة» : أفضل الصّحابة أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية أهل أحد، وأفضل أهل أحد أهل بدر، وأفضل أهل بدر العشرة، وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة أبو بكر الصّدّيق ﵃ أجمعين. انتهى.
وقال المحب الطبري في «الرياض» أيضا عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النّفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسّنتي ومأواه النار وبئس المصير» أخرجه أبو سعد في «شرف النبّوة» [٢] . وعن عبد الرحيم بن زيد العمّي قال: أخبرني أبي قال: أدركت أربعين شيخا من التابعين كلهم حدّثونا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ جميع أصحابي وتولّاهم واستغفر لهم جعله الله تعالى يوم القيامة معهم في الجنّة» ، خرجه ابن عرفة العبدي [٣] . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أصحابي وأزواجي وأهل بيتيّ ولم يطعن في أحد منهم، وخرج من الدّنيا على محبّتهم كان معي في درجتي يوم القيامة» ، أخرجه الملاء في «سيرته» [٤] .
стр. 145
وعن الأعمش قال: خرجت في ليلة مقمرة أريد المسجد فإذا أنا بشيء عارضني، فاقشعرّ منه جسدي، فقلت [١] : أمن الجن أم من الإنس؟ فقال:
من الجن، فقلت: مؤمن أم كافر؟ فقال: بل مؤمن، فقلت: هل فيكم من هذه الأهواء والبدع شيء؟ قال: نعم، ثم قال: وقع بيني وبين عفريت من الجنّ اختلاف في أبي بكر وعمر، فقال العفريت: إنهما ظلما عليا واعتديا عليه، فقلت: بمن ترتضي حكما؟ فقال: بإبليس، فأتيناه فقصصنا عليه القصة، فضحك ثم قال: هؤلاء من شيعتي وأنصاري وأهل مودّتي، ثم قال:
ألا أحدّثكم بحديث؟ قلنا: بلى، قال: أعلمكم أني عبدت الله تعالى في السماء [٢] الدّنيا ألف عام فسمّيت فيها العابد، وعبدت الله في الثانية ألف عام فسميت فيها الزّاهد، وعبدت الله في الثالثة ألف عام فسميت فيها الرّاغب، ثم رفعت إلى الرابعة فرأيت فيها سبعين ألف صف من الملائكة يستغفرون لمحبي أبي بكر وعمر، ثم رفعت إلى الخامسة فرأيت فيها سبعين ألف ملك يلعنون مبغضي أبي بكر وعمر. انتهى.
وفي «الصحيحين» أنه ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلّا ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر ما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها [٣] .