السنة الثالثة عشرة
فيها وقعة أجنادين [١] بقرب الرّملة، واستشهد فيها جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، ثم كان النصر والحمد لله.
وفيها بعث أبو بكر ﵁ أمراءه إلى الشام، منهم أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وبعث خالدا إلى العراق، فافتتح الأبلّة [٢] ، وأغار على السواد [٣] ، وحاصر عين التمر [٤] ،
стр. 142
وأرى الفرس ذلّا وهوانا، ثم سار من العراق إلى الشّام في بريّة ورمال لا يهتدى طريقها، ولحق بأمراء الشام، فكان له الأثر العظيم.
وفي جمادى الآخرة منها توفي الخليفة أبو بكر الصّدّيق عبد الله بن عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة، ومناقبه كثيرة لا تنكر [١] مشهورة، وفيه يقول أبو محجن الثقفيّ [٢] :
وسمّيت صدّيقا وكلّ مهاجر ... سواك يسمّى باسمه غير منكر
وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا ... وكنت رفيقا للنبيّ المطهّر
سبقت إلى الإسلام والله شاهد ... وكنت جليسا بالعريش المشهّر
ومناقبه وسوابقه في الإسلام لا تنحصر، وكان رئيسا في الجاهلية، وكان إليه الدّيات، ومعرفة الأنساب، وتأويل الرؤيا، وأسلم على يده جماعة، وأعتق أعبدا افتداهم من أيدي المشركين يعذّبونهم، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، ونص ﷺ أن سبقه لغيره بواقر وقر في صدره [٣] ، وجاء أنه كان إذا تنفّس يشم منه رائحة كبد مشوية، وبينه وبين مرة بن كعب
стр. 143
ستة آباء كالنبيّ ﷺ ، وأمه سلمى أم الخير [١] بنت صخر بن عامر، تيمية أيضا، ولد بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، وعاش بعد النبيّ ﷺ بعدد ما سبقه النبيّ ﷺ بالولادة، واستخلف عمر فلم يختلف عليه اثنان، والإجماع منعقد على صحة خلافته، ودلائلها أشهر من أن تذكر، لعن الله باغضيه.
قال محب الدين أبو جعفر محمد الطبري في كتابه «الرياض النضرة في فضائل العشرة ﵃» [٢] : وعن أبي ذر [٣] ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ منزل عائشة فقال: «يا عائشة ألا أبشّرك؟» قالت: بلى يا رسول الله، قال: «أبوك في الجنّة، ورفيقه إبراهيم الخليل ﵇، وعمر في الجنّة ورفيقه نوح ﵇، وعثمان في الجنّة ورفيقه أنا، وعليّ في الجنّة ورفيقه يحيى بن زكريّا [﵇] ، وطلحة في الجنّة ورفيقه داود ﵇، والزّبير في الجنّة ورفيقه إسماعيل ﵇، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة ورفيقه سليمان بن داود ﵇، وسعيد في الجنّة ورفيقه موسى بن عمران ﵇، وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة ورفيقه عيسى ﵇، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة ورفيقه إدريس ﵇» .
ثم قال: «يا عائشة أنا سيّد المرسلين وأبوك أفضل الصّدّيقين، وأنت أمّ المؤمنين» . أخرجه الملاء في «سيرته» [٤] ، انتهى.
стр. 144
وقال اللّقاني [١] في «شرح الجوهرة» : أفضل الصّحابة أهل الحديبية، وأفضل أهل الحديبية أهل أحد، وأفضل أهل أحد أهل بدر، وأفضل أهل بدر العشرة، وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وأفضل الأربعة أبو بكر الصّدّيق ﵃ أجمعين. انتهى.
وقال المحب الطبري في «الرياض» أيضا عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النّفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسّنتي ومأواه النار وبئس المصير» أخرجه أبو سعد في «شرف النبّوة» [٢] . وعن عبد الرحيم بن زيد العمّي قال: أخبرني أبي قال: أدركت أربعين شيخا من التابعين كلهم حدّثونا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ جميع أصحابي وتولّاهم واستغفر لهم جعله الله تعالى يوم القيامة معهم في الجنّة» ، خرجه ابن عرفة العبدي [٣] . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أصحابي وأزواجي وأهل بيتيّ ولم يطعن في أحد منهم، وخرج من الدّنيا على محبّتهم كان معي في درجتي يوم القيامة» ، أخرجه الملاء في «سيرته» [٤] .
стр. 145
وعن الأعمش قال: خرجت في ليلة مقمرة أريد المسجد فإذا أنا بشيء عارضني، فاقشعرّ منه جسدي، فقلت [١] : أمن الجن أم من الإنس؟ فقال:
من الجن، فقلت: مؤمن أم كافر؟ فقال: بل مؤمن، فقلت: هل فيكم من هذه الأهواء والبدع شيء؟ قال: نعم، ثم قال: وقع بيني وبين عفريت من الجنّ اختلاف في أبي بكر وعمر، فقال العفريت: إنهما ظلما عليا واعتديا عليه، فقلت: بمن ترتضي حكما؟ فقال: بإبليس، فأتيناه فقصصنا عليه القصة، فضحك ثم قال: هؤلاء من شيعتي وأنصاري وأهل مودّتي، ثم قال:
ألا أحدّثكم بحديث؟ قلنا: بلى، قال: أعلمكم أني عبدت الله تعالى في السماء [٢] الدّنيا ألف عام فسمّيت فيها العابد، وعبدت الله في الثانية ألف عام فسميت فيها الزّاهد، وعبدت الله في الثالثة ألف عام فسميت فيها الرّاغب، ثم رفعت إلى الرابعة فرأيت فيها سبعين ألف صف من الملائكة يستغفرون لمحبي أبي بكر وعمر، ثم رفعت إلى الخامسة فرأيت فيها سبعين ألف ملك يلعنون مبغضي أبي بكر وعمر. انتهى.
وفي «الصحيحين» أنه ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلّا ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر ما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها [٣] .
стр. 146
ومات يوم وفاة أبي بكر أميره على مكّة عتّاب بن أسيد الأموي، وكان من مسلمة الفتح، وأمّره النبيّ ﷺ على مكّة حين خرج إلى حنين والطّائف، ولم يزل عليها حتّى توفّي النبيّ ﷺ ، ولما أن جاء الخبر بموت النبيّ ﷺ اختفى وخاف على نفسه، فقام سهيل بن عمرو وخطب خطبة بليغة ثبّت الله بها قلوب النّاس، فصحّ في سهيل قول رسول الله ﷺ : «عسى أن يقوم مقاما يحمد فيه» [١] .
стр. 147
سنة أربعة عشرة
فيها فتحت دمشق صلحا من أبي عبيدة، وعنوة من خالد، ثم أمضيت صلحا بعد مراجعة عمر، وعزل عمر خالدا بأبي عبيدة، فقال خالد: والله لو ولّي عمر على امرأة لسمعت وأطاعت [١] ، وكان قد رأى تلك الأيام أن قلنسوته سقطت، ففسرت بعزله.
وكان عمر قد أنفذه [٢] إلى العراق لشجاعته وإقدامه، ثم عزله لتعزيره بالمسلمين، مع أن عمر أشار على أبي بكر أن ينفذه لقتال أهل الردّة، وكان في صلح أبي عبيدة لأهل دمشق أنّ لهم ما حملت إبلهم، وأن لا يتبعوا إلى انقضاء ثلاثة أيام، فتبعهم خالد بعد الثلاث، فأدركهم بمرج الديباج [٣] ، فوضع فيهم السيف، وقتل أميرهم، وسبى بنت ملكهم [٤] ، فروجع عمر
стр. 148
فيها، وقد أرسل أبوها بمال عظيم في فدائها، فأمر عمر بإطلاقها بغير مال ليريهم أنه لا رغبة ولا رهبة له فيهم.
وفيها وقعة جسر أبي عبيد [١] على مرحلتين من الكوفة، واستشهد من المسلمين بها نحو ثمانمائة، منهم أبو عبيدة بن مسعود [٢] ، والد المختار الكذاب، وكان من أجلة الصحابة [٣] ﵃.
وفيها مصّر عتبة بن غزوان البصرة، وأمر ببناء مسجدها الأعظم.
وفتحت بعلبكّ، وحمص صلحا، وهرب هرقل عظيم الروم من أنطاكية إلى القسطنطينية.
وفيها توفّي أبو قحافة والد أبي بكر الصّدّيق، واسمه عثمان، وكان أسلم يوم الفتح، ومات عن أربع وتسعين سنة ﵁ وعن ولده وذرّيّته.
стр. 149
سنة خمس عشرة
فيها وقعة اليرموك، وكان المسلمون ثلاثين ألفا، والروم أزيد من مائة ألف، الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا، فداستهم الخيل، وقيل: كان المسلمون خمسين ألفا، والروم ألف ألف، والرماة فيهم مائة ألف، ومعهم جبلة بن الأيهم الغسّاني في ستين ألفا من متنصّرة العرب، فقدمهم الروم، فانتقى لهم خالد ستين رجلا من أشراف العرب فقاتلوهم يوما كاملا، ثم نصر الله المسلمين وهرب جبلة، ولم ينج منهم إلا القليل، ثم التقى المسلمون مع الروم مرة بعد أخرى حتى أبادوهم بالقتل وهربت بقيتهم تحت الليل.
واستشهد في اليرموك جماعة من فضلاء المسلمين منهم عكرمة بن أبي جهل، وكان قد حسن إسلامه بحيث إنه لا يقدر يثبت بصره في المصحف من كثرة الدمع، وعيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وعبد الرّحمن ابن العوام، أخو الزّبير، وعامر بن أبي وقّاص أخو سعد، وأما عتبة بن أبي وقّاص فلم يكن مسلما، وهو الذي كسر رباعية النبيّ ﷺ ، وظهرت بها نجدة جماعة منهم الزّبير، والفضل بن العباس، وخالد بن الوليد، وعبد الرّحمن بن أبي بكر في آخرين ﵃.
وفي شوال منها وقعة القادسية، وقيل: كانت في ستة عشرة، وكان أمير
стр. 150
المسلمين سعد بن أبي وقّاص، ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس، وذو الحاجب، وكان المسلمون سبعة آلاف، والمجوس ستون ألفا، ومعهم سبعون فيلا، فحصرهم المسلمون في المدائن [١] ، وقتلوا رؤساءهم الثلاثة وخلقا.
واستشهد بها عمرو [٢] بن أم مكتوم الأعمى المذكور في قوله تعالى:
أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ٨٠: ٢ [عبس: ٢] ، وأبو زيد الأنصاري.
وافتتحت الأردنّ عنوة، إلا طبريّة صلحا.
وتوفي سعد بن عبادة سيد الخزرج بحوران، جعل [٣] يبول في جحر فخرّ ميّتا، وسمع يومئذ صائح من الجن في داره بالمدينة يقول:
نحن [٤] قتلنا سيّد الخز ... رج سعد بن عبادة
رميناه بسهمين [٥] ... فلم نخط فؤاده [٦]
стр. 151
سنة ست عشرة
افتتحت حلب، وأنطاكية صلحا.
واختطّ مصر [١] سعد بن أبي وقّاص، أي علم موضع البناء.
وحاصر المسلمون بيت المقدس مدّة، فقالوا للمسلمين: لا تتبعوا أنفسكم فلن يفتحها إلا رجل له علامة عندنا، فإن كان إمامكم [٢] بتلك العلامة سلّمناها من غير قتال، فلما وصل الخبر إلى عمر بذلك، ركب راحلته ومعه غلام له يعاقبه الركوب، وتزوّد شعيرا وتمرا وزيتا، ولبس مرقّعة، فلما قرب تلقّاه المسلمون وسألوه تغيير تلك الهيئة، ففعل قليلا، ثم قال:
أقيلوني، فرجع إلى هيئته الأولى، فلما رآه الكفّار كبّروا وفتحوها وقالوا: هو هذا.
وفيها ماتت مارية القبطيّة أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ .
стр. 152
سنة سبع عشرة
فيها استسقى عمر بالعباس ﵄ فسقوا، ثم خرج عمر إلى الشام فرجع [١] لما سمع بالطاعون بعد اختلاف بين الصحابة في الرجوع والقدوم على ما هو مقرر [٢] .
стр. 153
وفي سقياهم بالعباس يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعميّ سقى الله الحجاز وأهله ... عشيّة يستسقي بشيبته عمر
توجّه بالعبّاس في الجدب راغبا ... إليه فما إن رام [١] حتى أتى المطر
ومنّا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر [٢]
وفيها زاد عمر في المسجد النّبويّ.
وافتتح أبو موسى الأشعري [٣] الأهواز [٤] .
وفيها كانت وقعة جلولاء [٥] ، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وبلغت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، وقيل: ثمانين ألف ألف.
وتزوج عمر أمّ كلثوم بنت فاطمة الزهراء ﵃.
стр. 154
سنة ثماني عشرة
فيها طاعون عمواس [١] بناحية الأردنّ، سمّي بها لأنه منها ابتدأ، لم يسمع بطاعون مثله في الإسلام.
واستشهد بها أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وأمير [٢] الأمراء بالشام، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
واستشهد فيه [٣] الفضل [٤] ، وكان من أشجع الناس قلبا، وأحسنهم
стр. 155
وجها، وأسخاهم يدا، وله في الجود مآثر يضيق عنها هذا المختصر.
وفيه أيضا [١] استشهد سلطان العلماء، وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ورد أن العلماء تأتي تحت رايته يوم القيامة [٢] ، وقال له النبيّ ﷺ : «إني أحبّك يا معاذ» [٣] ، وكان من فضلاء الصّحابة وفقهائهم، وهو الذي بنى مسجد الجند باليمن، وقيل: بني بعده، ومات عن ست، أو ثمان وثلاثين سنة [٤] .
وكان النبيّ ﷺ قسم اليمن على خمسة رجال، خالد ابن سعيد بن العاص على صنعاء، والمهاجر بن أميّة على كندة [٥] ، وزياد بن
стр. 156
لبيد على حضرموت، ومعاذ بن جبل على الجند [١] ، وأبو موسى على زبيد [٢] وعدن والساحل وغيرها [٣] .
وفيها، وقيل: في التي بعدها، مات يزيد بن أبي سفيان بن حرب أفضل إخوته، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه النبيّ ﷺ مائة ناقة وأربعين أوقية فضة، واستعمله أبو بكر على الشام، وعمر بعده، ثم استخلف بعده عمر أخاه معاوية، وأقره عثمان إلى أن استقرت له الخلافة ومات [٤] خليفة حقا ﵁.
وأبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري، وقصّته في صلح الحديبية مشهورة في «الصحيح» [٥] .
وسهيل بن عمرو والد أبي جندل، وكان من سادات قريش وخطبائهم، ومن حلمه وصحة إسلامه أنه قدم المدينة في شيوخ من قريش فيهم أبو سفيان، فاستأذنوا على عمر فأبطأ عليهم، واستأذن بعدهم فقراء من المسلمين فأذن لهم، فقال أبو سفيان: عجبا، يؤذن للمساكين والموالي، وكبار
стр. 157
قريش واقفين، فقال سهيل: اغضبوا على أنفسكم، فإن الله دعا هؤلاء فأسرعوا، ودعاكم فأبطأتم، والله إن الذي سبقوكم إليه من الخير خير من هذا الذي تنافسون فيه من هذا الباب، ولا أرى أحدا منكم يلحق بهم إلا أن يخرج إلى الجهاد، لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج سريعا إلى الشام، وكان يتردد في مكة إلى بعض الموالي يقرئه القرآن، فعيّره بعض قريش، فقال سهيل: هذا والله الكبر الذي حال بيننا وبين الخير، ولما رآه رسول الله ﷺ مقبلا يوم الحديبية، قال: «قد سهل لكم من أمركم» [١] أي تفاؤلا باسمه.
وفيها شرحبيل بن حسنة الكندي نسب إلى أمه، وأبوه عبد الله بن مطاع هاجر إلى الحبشة، واستعمله عمر على بعض الشام، مات في طاعون عمواس.
والحارث بن هشام بن المغيرة أخو أبي جهل بن هشام مات أيضا في الطاعون المذكور.
وفيها افتتحت حرّان [٢] ، والموصل، والسّوس [٣] ، وتستر [٤] .
стр. 158
سنة تسع عشرة
افتتحت تكريت [١] ، وقيساريّة [٢] .
وتوفي أبو المنذر أبي بن كعب الخزرجي سيد القراء، كان من علماء الصحابة، ومناقبه أكثر من أن تحصر، وقيل: توفي سنة اثنتين وعشرين [٣] .
стр. 159
سنة عشرين
فيها فتح عمرو بن العاص بعض ديار مصر [١] .
وتوفي بلال بن رباح الحبشي، وأمه حمامة [٢] ، مولى أبي بكر، ومؤذن رسول الله ﷺ ، كان صادق الإسلام، وعذّب في ذات الله أشدّ العذاب، وكانت امرأته عند موته تقول: واحرباه، فيقول: بل وا طرباه، غدا نلقى الأحبّة محمدا وصحبه، وكان موته بداريّا من أرض الشام، وقيل: بدمشق، ودفن عند الباب الصغير، وعمره ثلاث وستون سنة [٣] .
وفيها توفيت أمّ المؤمنين زينب بنت جحش الأسدية، التي زوجها الله رسوله [٤] ، أسرع أزواج النبيّ ﷺ لحوقا به، وأطولهنّ يدا بالصدقة، وهي التي
стр. 160
كانت تسامي عائشة في الحظوة والمنزلة عند النبيّ ﷺ .
وفيها مات أبو الهيثم [١] بن التّيّهان الأنصاري الذي استضافه النبيّ ﷺ وأكرمه بذلك، فقال: «ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني» [٢] . وأسيد بن حضير الأنصاري الأشهلي، أحد النّقباء الذي شاهد السكينة عيانا، وكان إذا مشى سبقه نور عظيم.
روى البخاريّ، أن عبّاد بن بشر [٣] ، وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف السّوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما [٤] .
وعياض بن غنم الفهري نائب أبي عبيدة على الشام.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابن عمّ النبيّ ﷺ ، اسمه المغيرة، وهو الذي كان أخذ يوم حنين بلجام بغلة النبيّ ﷺ ، وثبت يومئذ معه، وهو أخو نوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث.
стр. 161
وسعيد بن عامر الجمحي [١] .
وهرقل ملك الروم، وقيل: إنه أسلم في الباطن [٢] .
стр. 162
سنة إحدى وعشرين
افتتحت مصر.
وتوفّي سيف الله خالد بن الوليد المخزوميّ عن ستين سنة على فراشه بعد ارتكابه عظيم الأخطار في طلب الشهادة، وفتحه الفتوحات العظيمة، ونكايته في أعداء الله تعالى، وفيه عبرة لكل جبان، وحاصر [حصنا] [١] فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السّمّ، فشربه ولم يضرّه [٢] .
وفيها وقعة نهاوند [٣] دامت المصافّ ثلاثة أيام، ثم نزل النّصر.
стр. 163
واستشهد أمير المؤمنين النّعمان بن مقرّن المزنيّ [١] ، وكان من سادة الصحابة، فنعاه عمر للناس يوم أصيب على المنبر، وأخذ حذيفة بن اليمان الراية من بعده، ففتح الله عليه.
واستشهد بها طليحة بن خويلد الأسديّ، وكان قد ارتدّ وادّعى النّبوة، وكانت دعوته النبوة بجبل سمرقند من نجد، ثم حسن إسلامه، وكان يعدّ بألف فارس.
وفيها ولّى عمر عمّار بن ياسر إمامة الصلاة بالكوفة، لما اشتكى أهلها سعد بن أبي وقّاص، وولّى عبد الله بن مسعود بيت المال.
وتوفّي العلاء بن الحضرميّ، كان عامل النبيّ ﷺ ، وكان يقول في دعائه: يا عليم، يا حليم، يا عليّ، يا عظيم، فيستجاب له، دعا الله بأنهم يسقون ويتوضّؤون لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء [٢] بعدهم فأجيب، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور عليه، فمرّ هو والعسكر بخيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللّحد.
стр. 164
سنة اثنتين وعشرين
فيها افتتحت أذربيجان [١] على يد المغيرة بن شعبة، ومدينة نهاوند صلحا، والدّينور مع همذان عنوة على يد حذيفة، وطرابلس المغرب [٢] على يد عمرو بن العاص.
وافتتحت جرجان.
وتوفي أبيّ بن كعب على خلاف تقدّم، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن، وأمر الله نبيّه أن يقرأ عليه سورة لَمْ يَكُنِ ٩٨: ١ [البينة: ١] ، وسماه له، وناهيك بها، وقال له: «ليهنك العلم [٣] يا أبا المنذر» [٤] .
стр. 165
سنة ثلاث وعشرين
فيها توفي أبو حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب القرشي العدوي شهيدا، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة في ليال بقين من ذي الحجة بعد مرجعه من الحج، وكان آدم شديد الأدمة طوالا صلبا [١] في دين الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ومناقبه أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وفي الأحاديث الصحاح من موافقة التنزيل له، وتزكية النبيّ ﷺ له في وجهه، وعزّ الإسلام بإسلامه، واتسعت دائرة الإسلام في خلافته، وبركاته، ومناقبه، وكراماته عديدة، ولما طعنه أبو لؤلؤة في صلاة الصبح جعل الأمر شورى بين من بقي من العشرة، وأخرج نفسه وبنيه من ذلك، فأفضى الأمر بعد التشاور إلى عثمان، وقد ثبت في «الصحيحين» عن النبيّ ﷺ أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون [٢] ، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» [٣] .
стр. 166
وفي الترمذي وغيره عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» [١] . وفي الترمذي أيضا: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر» [٢] . وفي حديث آخر: «إن الله ضرب [٣] الحقّ على لسان عمر وقلبه» [٤] . وكان عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: ما كنا [٥] نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبي [٦] .
стр. 167
وقال ابن عمر: وما كان عمر يقول لشيء إني لأراه كذا إلا كان كما يقول.
وعن قيس بن طلق: كنّا نتحدّث أن عمر ينطق على لسان ملك، وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تنجلي لهم أمور صادقة.
وهذه الأمور التي أخبر أنها تنجلي للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله لهم.
فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات، ومكاشفات [١] ولا شك أن أفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر ﵁، واستشهد وله ثلاث وستون سنة [٢] ، وقيل: خمس وستون، ومدة خلافته عشر سنين، وسبعة أشهر، وخمس ليال، وقيل: غير ذلك، ودفن مع صاحبيه بإذن عائشة ﵂.
وفي آخر خلافته توفيت أمّ المؤمنين سودة بنت زمعة القرشيّة العامريّة [٣] ، تزوجها ﷺ بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وكانت قبله تحت السّكران [٤] ابن عمها أخي سهيل بن عمرو، وكانت طويلة جسيمة، ووهبت نوبتها من القسم لعائشة رجاء أن تموت في عصمة النبيّ ﷺ ، فتم لها ذلك.
стр. 168
والصحيح أنها توفيت سنة خمس وخمسين في خلافة معاوية، والله أعلم [١] .
وفيها مات قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي، الذي رد النبيّ ﷺ عينه يوم أحد حين سقطت، وكانت أحسن عينيه.
وسببه أن رماة المشركين كانوا يقصدونه ﷺ بالرمي، وكان أصحابه يقف الواحد منهم بعد الواحد في وجهه ﷺ يتلقى عنه الرمي يفدّيه بنفسه، حتى قتل عشرة، وكان قتادة الحادي عشر، فلما استتم أمر الوقعة وقد سالت عينه، قال له: إن لي زوجة وأنا ضنين بها، محبّ لها، وإنها تقذرني إذا رأتني على هذه الحال، وأنا ما فعلت ما فعلت إلا لأنال الشهادة، أو كلاما هذا معناه، فردها ﷺ ، فكانت أضوأ عينيه وأحسنهما، وفي ذلك يقول ابنه: وقد وفد على بعض خلفاء الأمويين فقال له: من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ
стр. 169
سنة أربع وعشرين
في أولها بويع ذو النّورين عثمان بن عفّان الأموي بالخلافة بإجماع من المسلمين، وكيفيتها مقرّرة في «صحيح البخاري» [١] وغيره، وهو من أهل السوابق والقدم في الإسلام، هاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وتزوج الابنتين، وجهز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأقتابها، وأحلاسها، وألف دينار، وغير ذلك، وقال النبيّ ﷺ : «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» [٢] . وتلاوته للقرآن في الصلاة، [وصدقاته] [٣] ، وعبادته، وحياؤه، وحب النبيّ ﷺ له أمر معلوم.
وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم [٤] المدني، المذكور في حديث الهجرة [٥] ،
стр. 170
وكان نازلا بقديد [١] ، وهو منزل أمّ معبد، المذكورة أيضا في حديث الهجرة، ولكليهما جرى معجزات من معجزات النّبوّة، منها ما ذكره في «ربيع الأبرار» [٢] عن هند بنت الجون: نزل رسول الله ﷺ على خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ في
стр. 171
عوسجة [١] إلى جانب الخيمة، فأصبحنا وهي كأعظم دوحة [٢] ، وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس [٣] ورائحة العنبر، وطعم الشّهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا ودرّ لبنها، فكنّا نسمّيها المباركة، وكان من البوادي [٤] من يستشفي بها ويتزود منها، حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، واصفرّ ورقها ففزعنا، فما راعنا إلا نعي رسول الله ﷺ ، ثم إنها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك من أسفلها إلى أعلاها، وتساقط ثمرها، وذهبت نضارتها، فما شعرنا إلا بمقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فما أثمرت بعد ذلك اليوم، فكنّا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينا نحن فزعين مهمومين إذ أتانا خبر مقتل الحسين، ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت.
والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة في قصة هي من أعلام القصص انتهى [٥] .
стр. 172
سنة خمس وعشرين
فيها انتقض أهل الرّيّ، فغزاهم أبو موسى الأشعريّ، وانتقض أهل الإسكندرية، فغزاهم عمرو بن العاص، فقتل، وسبى.
واستعمل فيها عثمان على الكوفة أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
وجهز سليمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفا إلى برذعة [١] فقتل، وسبى [٢] .
стр. 173
سنة ست وعشرين
فيها فتحت سابور [١] على يد عثمان بن أبي العاص، فصالحهم على ثلاثة آلاف درهم.
قيل: وفيها زاد عثمان ﵁ في المسجد [٢] [٣] .
стр. 174
سنة سبع وعشرين
فيها ركب معاوية البحر [١] ، لغزو قبرس [٢] .
وعزل عمرو بن العاص بعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسبب العزل أنه غزا الإسكندرية ظانا نقض العهد، فقتل، وسبى، ولم يصح عند عثمان نقضهم للعهد، فأمر برد السبي، وعزله، فاعتزل عمرو في ناحية فلسطين، وكان ذلك بدء المخالفة.
وغزا عبد الله بن سعد إقليم إفريقية [٣] ، وافتتحها، وأصاب الراجل ألف دينار، والفارس ثلاثة آلاف، وقتل ملكهم جرجير [٤] .
وتوفيت أمّ حرام بنت ملحان بقبرس في هذه الغزاة، وكانت مع زوجها عبادة بن الصامت.
стр. 175
سنة ثمان وعشرين
فيها انتقض أهل أذربيجان [١] ، فغزاهم الوليد بن عقبة ثم صالحوه [٢] .
وقيل: فيها غزوة قبرس [٣] [٤] .
стр. 176
سنة تسع وعشرين
فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز مدينة إصطخر [١] عنوة بعد قتال عظيم.
وعزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس، وجمعهما [٢] لعبد الله بن عامر، وهو ابن خال عثمان، وأمّره، وهو ابن أربع وعشرين سنة، فافتتح فارس، وخراسان [٣] جميعا في سنة ثلاثين، وروي أنه لما ولد أتي به النبيّ ﷺ فتفل في فيه فبلعه، فقال له النبيّ
стр. 177
صلى الله عليه وسلم: «إنّك لمسقى» [١] فكان لا يعالج أرضا إلّا ظهر له ماؤها، وهو الذي عمل الساقيات [٢] بعرفة، وشق نهر البصرة، وكان من الأجواد، وهو مجهول الوفاة.
стр. 178
سنة ثلاثين
فيها توفّي حاطب بن أبي بلتعة صاحب القصّة في غزوة الفتح، نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ٦٠: ١ [الممتحنة: ١] الآية، وهو الرسول إلى المقوقس، ولما قال له المقوقس: إن كان رسولا فما له لم يدع على قومه حين كذّبوه وأخرجوه، قال له حاطب:
فعيسى بن مريم أخذه قومه ليقتلوه ويصلبوه، فما له لم يدع عليهم، فقال له:
أحسنت، أنت حكيم [جاء] [١] من عند حكيم، فأهدى للنبيّ ﷺ مارية [٢] ، وبعث معها طرفا وهدايا جميلة [٣] .
وفيها افتتح عبد الله بن عامر [٤] سجستان [٥] ، مع فارس، وخراسان،
стр. 179
وهرب كسرى.
واعتمر عبد الله بن عامر.
واستخلف الأحنف بن قيس على خراسان، فاجتمعوا جمعا لم يسمع بمثلهم، فهزمهم الأحنف، وكثرت الفتوحات [١] في هذا العام، والخراج، فاتخذ عثمان الخزائن، وكان يأمر للرجل بمائة ألف.
стр. 180
سنة إحدى وثلاثين
فيها توفّي أبو سفيان بن حرب، والد معاوية ﵄، وهو أموي، وقيل: توفي سنة ثلاث وثلاثين [١] .
وفي «صحيح مسلم» أنه قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ [٢] قال: «نعم» فسأله تزويج أم حبيبة ابنته، وأن يجعل معاوية كاتبه، وأن يؤمّره [٣] فيقاتل الكفّار كما قاتل المسلمين، قال ابن عباس [٤] : لولا أنه طلب ذلك من رسول الله ﷺ لم يعطه، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: نعم [٥] .