← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مولى الزّهريين. روى السيرة عن ابن هشام، وكان ثقة وهو أخو [١] المحدّثين أحمد، ومحمد. وفيها عليّ بن عبد العزيز، أبو الحسن، البغوي المحدّث، بمكة. وقد جاوز التسعين. سمع أبا نعيم وطبقته، وهو عمّ البغوي عبد الله بن محمد، وكان فقيها مجاورا في الحرم، وشيخه، ثقة ثبتا. وفيها، بل في التي قبلها، كما جزم به ابن ناصر الدّين حيث قال في منظومته: كذا فتى سوادة السّلامي ... هلاكه رزيّة في العام وقال في «شرحها» : هو عبد الله بن أحمد بن سوادة الهاشميّ مولاهم البغداديّ، أبو طالب. كان صدوقا من المكثرين. انتهى. ثم قال في «المنظومة» : وبعده ثلاثة فجازوا [٢] ... ذا أحمد بن سلمة البزّار [٣] وتقدّم الكلام عليه [٣] . كذا الفتى محمّد بن سندي ... كالخشني القرطبي عدّ وقال في «شرحها» : محمد بن محمد بن رجاء بن السّنديّ الإسفراييني، أبو بكر، وكان حافظا ثبتا تقوم به الحجّة والاحتجاج، وله مستخرج على «صحيح مسلم بن الحجّاج» . والثاني هو: محمد بن عبد السّلام بن ثعلبة القرطبيّ، أبو الحسن، ثقة. انتهى.

стр. 1227

وفيها محمد بن وضّاح، الحافظ الإمام، أبو عبد الله، الأندلسيّ، محدّث قرطبة، وهو في عشر التسعين. رحل مرتين إلى المشرق، وسمع إسماعيل بن أبي [١] أويس، وسعيد بن منصور، والكبار، وكان فقيرا، زاهدا، قانتا لله، بصيرا بعلل الحديث. وفيها الكديميّ، وهو أبو العبّاس محمد بن يونس القرشيّ السّاميّ [٢] ، [البصريّ] [٣] ، الحافظ، في جمادى الآخرة، وقد جاوز المائة بيسير. روى عن أبي داود الطيالسي، وزوج أمه، روح بن عبادة، وطبقتهما، وله مناكير ضعّف بها. قال في «المغني» [٤] : هالك. قال ابن حبّان، وغيره: كان يضع الحديث على الثقات. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: كان من الحفّاظ الأعلام، غير أنه أحد المتروكين. وثّقه إسماعيل الخطبي، وكأنه خفي عليه أمره. انتهى.

стр. 1228

سنة سبع وثمانين ومائتين في المحرم قصدت طيء ركب العراق لتأخذه كعام أوّل بالمعدن، وكانوا في ثلاثة آلاف، وكان أمير الحاج أبو الأغر، فواقعهم يوما وليلة، والتحم القتال، وجدّلت الأبطال، ثم أيّد الله الوفد، وقتل رئيس طيء صالح بن مدرك، وجماعة من أشراف قومه، وأسر خلق، وانهزم الباقون. ثم دخل الركب بالأسرى والرؤوس على الرّماح. وفيها سار العبّاس الغنويّ في عسكر [١] ، فالتقى أبا سعيد الجنّابي [٢] فأسر العبّاس وانهزم عسكره، وقيل: بل أسر سائر العسكر، وضربت رقابهم، وأطلق العبّاس، فجاء وحده إلى المعتضد برسالة الجنّابي، أن كفّ عنّا واحفظ حرمتك. قال ابن الجوزي في «الشذور» : ومن العجائب أن المعتضد بعث العبّاس بن عمر الغنويّ في عشرة آلاف إلى حرب القرامطة، فقبض عليهم القرامطة، فنجا العبّاس وحده، وقتل الباقون. وفيها غزا المعتضد، وقصد طرسوس، وردّ إلى أنطاكية، وحلب. وفيها سار الأمير بدر، فبيّت القرامطة، وقتل منهم مقتلة عظيمة.

стр. 1229

وفيها توفي الإمام أبو بكر، أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النّبيل الشيبانيّ البصريّ الحافظ، قاضي أصبهان، وصاحب المصنفات، وهو في عشر التسعين، في ربيع الآخر. سمع من جدّه لأمه موسى بن إسماعيل، وأبي الوليد الطّيالسي، وطبقتهما. وكان إماما، فقيها، ظاهريّا، صالحا، ورعا، كبير القدر، صاحب مناقب. قال السخاوي في «طبقاته» : أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النّبيل، ورد أصبهان، وسكنها، وولي القضاء بعد وفاة صالح بن أحمد بن حنبل، وكان من الصيانة والعفّة بمحل عجيب، رؤي في النوم بعد موته بقليل، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: يؤنسني ربي. قال الرائي: فشهقت شهقة وانتبهت. وقال: ذهبت كتبي فأمليت من ظهر قلبي خمسين ألف حديث. وقيل له: أيّها القاضي! بلغنا أن ثلاثة نفر كانوا بالبادية وهم يلقمون الرمل، فقال واحد من القوم: إنك قادر على أن تطعمنا خبيصا [١] على لون هذا الرمل، فإذا هم بأعرابي وبيده طبق، فسلّم عليهم، ووضع بين أيديهم طبقا عليه خبيص حارّ، فقال ابن أبي عاصم: قد كان ذاك، وكان الثلاثة، عثمان بن صخر الزّاهد أستاذ أبي تراب النّخشبيّ، وأبو تراب، وأحمد بن عمرو، أي صاحب الترجمة. وهو الذي دعا. وقال أبو موسى المديني: جمع بين العلم، والفهم، والحفظ، والزّهد، والعبادة، والفقه، من أهل البصرة. قدم أصبهان، وصحب جماعة من النّسّاك، منهم: أبو تراب النّخشبيّ، وسافر معه، وقد عمّر، وكان فقيها ظاهريّ المذهب، وصنّف في الردّ على داود الظاهري، وكان بعد ما دخل في القضاء، إذا سئل عن مسألة الصوفية، يقول: القضاء والدنية والكلام في علم الصوفية محال.

стр. 1230

وكان يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع، ولا مدّع، ولا طعّان، ولا لعّان، ولا فاحش، ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعي وأصحاب الحديث، رحمه الله تعالى. وفيها زكريا بن يحيى السّجزيّ الحافظ، أبو عبد الرّحمن، خيّاط السّنّة، بدمشق، وقد نيّف على التسعين. روى عن شيبان بن فرّوخ وطبقته، وكان من علماء الأثر، ثقة، وقيل: توفي في سنة تسع وثمانين، وبه جزم ابن ناصر الدّين. وفيها يحيى بن منصور، أبو سعيد، الهرويّ الحافظ، شيخ هراة ومحدّثها، وزاهدها، في شعبان، وقيل: توفي سنة اثنتين وتسعين. وفي رجبها قطر النّدى بنت الملك خمارويه بن أحمد بن طولون زوجة المعتضد، وكانت شابة بديعة الحسن، عاقلة، رحمها الله تعالى .

стр. 1231

سنة ثمان وثمانين ومائتين فيها ظهر أبو عبد الله الشيعيّ [١] بالمغرب، فدعا العامّة إلى الإمام المهدي عبيد الله، فاستجابوا له. وفيها كان الوباء المفرط بأذربيجان، حتّى فقدت الأكفان، وكفّنوا باللّبّود، ثم بقي الموتى مطروحين في الطرق. ومات أمير أذربيجان، محمد بن أبي السّاج وسبعمائة من خواصّه وأقربائه [٢] . وفيها بشر بن موسى الأسديّ [أبو علي] [٣] ابن صالح بن شيخ بن عميرة البغداديّ، في ربيع الأول، ببغداد. روى عن هوذة بن خليفة، والأصمعي، وسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا، وكان ثقة محتشما، كثير الرّواية، عاش ثمانيا وتسعين سنة. وفيها ثابت بن قرّة بن هارون- ويقال: ابن هارون [٤]- الحاسب،

стр. 1232

الحكيم، الحرّانيّ. كان في مبدأ أمره بحرّان، ثمّ انتقل إلى بغداد، فاشتغل بعلوم الأوائل، فمهر فيها، وبرع في الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة، حتّى قال ابن خلّكان [١] : كان صابئيّ النّحلة وله تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفا، منها «تاريخ» حسن، وأخذ كتاب إقليدس [٢] ، فهذّبه، ونقّحه، وأوضح منه ما كان مشتبها، وكان من أعيان أهل عصره في الفضائل، وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب، فرفعوه [٣] إلى رئيسهم، فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حرّان ونزل كفرتوثا- قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية [٤]- وأقام بها مدة، إلى أن قدم محمد بن موسى من بلاد الرّوم راجعا إلى بغداد، فاجتمع به، فرآه فاضلا فصيحا، فاستصحبه إلى بغداد، وأنزله في داره، ووصله بالخليفة، فأدخله في جملة المنجّمين، فسكن بغداد وأولد أولادا [٥] منهم ولده: إبراهيم بن ثابت، بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذّاق الأطباء، ومقدّم أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرّة السّريّ الرّفّاء [٦] الشاعر، فأصاب العافية، فعمل فيه وهو أحسن ما قيل في طبيب:

стр. 1233

هل للعليل سوى ابن قرّة شافي [١] ... بعد الإله وهل له من كافي [٢] أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي ... أودى وأوضح رسم طبّ عافي [٣] فكأنّه عيسى ابن مريم ناطقا ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتنّ بين جوانحي وشغافي [٤] يبدو له الدّاء الخفيّ كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصّافي [٥] ومن حفدة ثابت المذكور: أبو الحسن ثابت بن سنان بن قرّة، وكان صابئيّ النّحلة أيضا، وكان في أيام معزّ الدولة بن بويه، وكان طبيبا عالما، نبيلا، يقرأ عليه كتاب بقراط، وجالينوس، وكان فكّاكا للمعاني، وكان سلك مسلك جدّه ثابت في نظره في الطب، والفلسفة، والهندسة، وجميع الصناعات الرياضية للقدماء، وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه. فائدة: الحرّاني: نسبة إلى حرّان، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة [٦] ، خرج منها علماء أجلّاء، منهم: بنو تيميّة وغيرهم. ذكر ابن جرير الطبري في «تاريخه» [٧] أن هاران عمّ إبراهيم الخليل وأبو زوجته سارة هو الذي عمرها، فسمّيت به، ثم عربت به، فقيل: حرّان، وكان لإبراهيم- صلى الله عليه وعلى نبيّنا وبقية الأنبياء وسلّم- أخ يسمى هاران [٨]

стр. 1234

أيضا، وهو والد لوط ﵇. وقال [الجوهريّ] في «الصحاح» [١] : وحرّان اسم بلد، والنسبة إليه حرنانيّ على غير قياس، والقياس حرّانيّ على ما عليه العامّة. انتهى. وفيها- أي سنة ثمان وثمانين- توفي مفتي بغداد، الفقيه عثمان بن سعيد بن بشّار، أبو القاسم البغداديّ الأنماطيّ، صاحب المزنيّ، في شوّال، وهو الذي نشر مذهب الشافعيّ ببغداد، وعليه تفقّه ابن سريج. قاله في «العبر» [٢] . وقال الإسنوي: والأنماطي منسوب إلى الأنماط، وهي البسط التي تفرش، أخذ الفقه عن المزنيّ، والرّبيع. وأخذ عنه ابن سريج. قال الشيخ أبو إسحاق [٣] : كان الأنماطي هو السبب في نشاط الناس للأخذ بمذهب الشافعيّ في تلك البلاد. قال: ومات ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين. زاد ابن الصلاح في «طبقاته» ، وابن خلّكان في «تاريخه» [٤] : أنه في شوّال. نقل عنه الرافعيّ في الحيض، وفي زكاة الغنم، وغيرهما. انتهى ما قاله الإسنوي. وفيها معلّى بن المثنى بن معاذ العنبريّ البصريّ المحدّث. روى عن

стр. 1235

القعنبيّ. وطبقته، وسكن بغداد، وكان ثقة عارفا بالحديث. وفيها الفقيه العلّامة أبو عمرو [١] يوسف بن يحيى المغاميّ [٢] الأندلسيّ، تلميذ عبد الملك بن حبيب، وصاحب التصانيف. ألّف كتابا في الردّ على الشافعيّ، واستوطن القيروان، وتفقّه به خلق كثير. قاله في «العبر» [٣] .

стр. 1236

سنة تسع وثمانين ومائتين قال في «الشذور» : فيها صلّى النّاس العصر يوم عرفة ببغداد في ثياب الصيف، ثم هبّت ريح، فبرد الهواء حتّى احتاجوا إلى التدفّي بالنّار، وجمد الماء. انتهى. وفيها خرج بالشّام يحيى بن زكرويه القرمطيّ، وقصد دمشق، فحاربه طغج بن جف متولّيها غير مرّة، إلى أن قتل يحيى في أول سنة تسعين. وفيها توفي المعتضد أبو العبّاس أحمد بن الموفق وليّ عهد المسلمين، أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم العبّاسيّ، في ربيع الآخر، ومرض أياما، وكانت خلافته أقلّ من عشر سنين، وعاش ستّا وأربعين سنة، وكان أسمر نحيفا معتدل الخلق، تغيّر مزاجه من إفراط الجماع، وعدم الحمية في مرضه، وكان شجاعا، مهيبا، حازما، فيه تشيّع، ويسمى السّفّاح الصغير، لأنه قتل أعداء بني العبّاس من مواليهم وغيرهم، وكان قد سلب [١] الدهر شطريه، وتأدب بصروف الزمان، وكان من أكمل الخلفاء المتأخرين، وولي الأمر بعده ولده المكتفي علي بن أحمد المعتضد. قال ابن الفرات: كان المعتضد بالله من أكمل النّاس عقلا، وأعلاهم همّة، مقداما، عالما، سخيّا. وضع عن الناس السقايا، وأسقط المكوس

стр. 1237

التي كانت تؤخذ بالحرمين، وضبط الأمر، وكانت الخلافة قد وهى أمرها وضعف، فأعزّها الله تعالى بالمعتضد، وأيّدها بتدبيره وسياسته، فكان يقال له: السّفّاح الثاني، وكانت أم المعتضد أمّ ولد تسمى ضرار [١] ، وكان له خادم يقال له: بدر، من أغزر النّاس مروءة، وأظرفهم وأحسنهم أدبا، وكان المعتضد يحبّه حبّا شديدا. قال أبو الحسن علي بن محمد الأنطاكي: كنت يوما بين يدي المعتضد- وهو مغضب- إذ دخل عليه خادمه بدر، فلما رآه تبسّم وقال لي: يا علي من هو قائل: في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيها أينما شفعا قلت: يقوله الحسن بن أبي القاسم البصري، فقال: لله درّه، أنشدني بقية هذا الشعر، فأنشدته قوله: ويلي على من أطار النّوم فامتنعا ... وزاد قلبي إلى أوجاعه وجعا كأنّما الشّمس من أعطافه لمعت ... يوما أو البدر من أزراره طلعا مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذّنوب ومعذور بما صنعا [٢] في وجهه شافع.... البيت قال: فلما فرغت من إنشاده، أجازني وانصرفت. قال ابن حمدون: كنت مع المعتضد يوما وقد انفرد من العسكر، وتوسطنا الصحراء، إذ خرج علينا أسد وقرب منّا وقصدنا، فقال لي: يا ابن حمدون فيك خير؟ قلت: لا والله يا سيدي. قال: ولا تلزم لي فرسي؟ قلت:

стр. 1238

بلى. فنزل عن فرسه ولزمتها، وتقدّم إلى الأسد وأنا أنظره، وجذب سيفه، فوثب الأسد عليه ليلطمه، فتلقاه بضربة وقعت في جبهته، فقسمها نصفين، ثم وثب الأسد ثانية وثبة ضعيفة فتلقاه بضربة أخرى أبان بها يده، ثم وثب المعتضد عليه، فركبه ورمى السيف من يده، وأخرج سكينا كانت في وسطه فذبحه من قفاه، ثم قام وهو يمسح السكين والسيف بشعر الأسد، وعاد وركب فرسه، وقال: إياك أن تخبر بهذا أحدا، فإنما قتلت كلبا. قال ابن حمدون: فما حدّثت بهذا إلّا بعد موت المعتضد. وكان الثوب يقيم عليه السنة والأقل والأكثر، لا ينزعه عن بدنه لكثرة اشتغاله بأمور الرّعية. ومات في يوم الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وقيل: مات ليلة الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الآخر، ولما حضرته الوفاة أنشد: تمتّع من الدّنيا [١] فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرّنقا [٢] ولا تأمننّ الدّهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقّا قتلت صناديد الرّجال ولم أدع ... عدوّا ولم أمهل على ظنّة [٣] خلقا وأخليت دار الملك من كلّ نازع ... فشرّدتهم غربا وشرّدتهم شرقا فلمّا بلغت النّجم عزّا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق لي أجمعا رقّا [٤] رماني الرّدى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى ولم يغن عنّي ما جمعت ولم أجد ... لدى ملك الأحياء في حيّها رفقا [٥]

стр. 1239

فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى [١] ... أفي نعمة الله [٢] أم ناره ألقى [٣] ويقال: إن إسماعيل بن بلبل وزير المعتضد سقاه سمّا فمات، ودفن ببغداد. انتهى ما ذكره ابن الفرات ملخصا. وفيها توفي بدر التّركيّ مولى المعتضد، ومقدّم جيوشه، عمل الوزير القاسم بن عبيد الله عليه [٤] ووحّش قلب المكتفي بالله عليه، وكان في جهة فارس يحارب، فطلبه المكتفي، وبعث إليه أمانا وغدر به، وقتله في رمضان. وفيها بكر بن سهل الدّمياطيّ المحدّث، في ربيع الأول. سمع عبد الله بن يوسف التّنّيسيّ وطائفة، ولما قدم القدس جمعوا له ألف دينار، حتّى روى لهم التفسير. وفيها حسين بن محمد أبو علي القبانيّ النيسابوريّ الحافظ، صاحب «المسند» و «التاريخ» . سمع إسحاق بن راهويه وخلقا من طبقته، وكان أحد أركان الحديث، واسع الرحلة، كثير السماع، يجتمع أصحاب الحديث إليه بنيسابور بعد مسلم. وفيها الحسين بن محمد بن فهم، أبو علي، البغداديّ الحافظ، أحد أئمة الحديث. أخذ عن يحيى بن معين، وروى «الطبقات» عن ابن سعد. قال ابن ناصر الدّين: الحسين بن محمد بن عبد الرّحمن بن فهم بن محرز البغدادي، أبو علي، الحافظ الكبير. كان واسع الحفظ، متقنا للأخبار، عالما بالرّجال والنسب والأشعار، لكنه ليس بالقوي في سيره عند الدارقطني وغيره. انتهى.

стр. 1240

وفيها علي بن عبد الصّمد الطّيالسي، ولقبه علّان. روى عن أبي معمر الهذلي وطبقته. وفيها عمرو بن اللّيث الصّفّار الذي كان ملك خراسان. قتل في الحبس عند موت المعتضد، لأنه كان له أياد على المكتفي بالله، فخاف الوزير أن يخرجه ويتمكّن، فينتقم من الوزير. وفيها محمد بن محمد أبو جعفر التمّار البصريّ، صاحب أبي الوليد الطّيالسيّ. وفيها محمد بن هشام [بن أبي الدّميك] [١] ، أبو جعفر الحافظ، صاحب سليمان بن حرب، ببغداد، وهو والذي قبله من أكابر مشايخ الطّبراني. وفيها يحيى بن أيوب العلّاف المصريّ من كبار شيوخ الطّبراني أيضا، وصاحب سعيد بن أبي مريم. وفيها يوسف بن يزيد بن كامل، أبو يزيد القراطيسيّ المصريّ، صاحب أسد [بن موسى، ويقال له: أسد] [٢] السّنّة، وهو أيضا من كبار شيوخ الطّبراني، والله أعلم.

стр. 1241

سنة تسعين ومائتين فيها زاد أمر القرامطة، وحاصر رئيسهم دمشق، ورئيسهم يحيى بن زكرويه، وكان زكرويه هذا يدّعي أنه من أولاد علي، ﵁، ويكتب إلى أصحابه من عبيد الله بن عبد الله المهدي، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذابّ عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله، ﷺ ، فقتل، وخلفه أخوه الحسين صاحب الشّامة، فجهز المكتفي عشرة آلاف لحربهم، عليهم الأمير أبو الأغر، فلما قاربوا حلب، كبستهم القرامطة ليلا، ووضعوا فيهم السيف [١] ، فهرب أبو الأغرّ في ألف نفس، ودخل حلب وقتل تسعة آلاف، ووصل المكتفي إلى الرّقّة، وجهّز الجيوش إلى أبي الأغر، وجاءت من مصر العساكر الطولونية، مع بدر الحمّامي، فهزموا القرامطة، وقتلوا منهم خلقا، وقيل: بل كانت الوقعة بين القرامطة والمصريين بأرض مصر، وأن القرمطي صاحب الشّامة انهزم إلى الشام، ومرّ على الرّحبة، وهيت [٢] ، ينهب، ويسبي الحريم [٣] ، حتّى دخل الأهواز.

стр. 1242

وفيها دخل عبيد الله- الملقّب بالمهدي- المغرب متنكّرا، والطّلب عليه من كل وجه، فقبض عليه متولّي سجلماسة، وعلى ابنه، فحاربه أبو عبد الله الشّيعي داعي المهدي، فهزمه ومزّق جيوشه، وجرت بالمغرب أمور هائلة، واستولى على المغرب المهديّ المنتسب إلى الحسين بن علي أيضا بكذبه، وكان باطنيّ الاعتقاد، وهو الذي بنى المهديّة [١] . والباطنية فرقة من المبتدعة، قالوا لظواهر القرآن بواطن مرادة غير ما عرف من معانيها اللغوية. وفيها الحافظ أبو عبد الرّحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل الذّهليّ الشيبانيّ، ببغداد، في جمادى الآخرة، وله سبع وسبعون سنة كأبيه، وكان إماما خبيرا بالحديث وعلله، مقدّما فيه، وكان من أروى الناس عن أبيه، وقد سمع من صغار شيوخ أبيه، وهو الذي رتب مسند والده. وروى عنه أبو القاسم البغوي، والمحاملي، وأبو بكر الخلّال، وغيرهم. وكان ثبتا، فهما، ثقة، ولد في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ومائتين. يقال: إن والده حفّظه خمسة عشر ألف حديث عن ظهر قلب، ثم قال له: لم يقل النّبيّ، ﷺ ، شيئا من هذا، فقال: ولم أذهبت أيامي في حفظ الكذب؟ قال: لتعلم الصحيح، فمن الآن احفظ الصحيح. وروى عبد الله عن أبيه أنه قال: قد روي عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: « [إنّما] نسمة المؤمن- إذا مات- طير تعلق [٢] في شجر الجنّة حتّى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» [٣] .

стр. 1243

وذكر أبو يعلى في «المعتمد» قال: روى عبد الله عن أبيه، قال: أرواح الكفّار في النّار، وأرواح المؤمنين في الجنة، والأبدان في الدّنيا، يعذّب الله من يشاء، ويرحم من يشاء، ولا نقول: إنهم تفنيان، بل هما على علم الله ، باقيتان. قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا، أن الأرواح تنعم وتعذب على الانفراد، وكذلك الأبدان. وقال عبد الله: كان في دهليزنا دكان، وكان إذا جاء إنسان يريد أبي أن يخلو معه أجلسه على الدكان، وإذا لم يرد أن يخلو معه أخذ بعضادتي الباب وكلّمه، فلما كان ذات يوم جاء إنسان، فقال لي: قل لأحمد، أبو إبراهيم السائح، فخرج إليه أبي فجلسا على الدكان، فقال لي أبي: سلّم عليه، فإنه من كبار المسلمين، أو من خيار المسلمين، فسلّمت عليه، فقال له أبي: حدّثني يا أبا إبراهيم، فقال له: خرجت إلى الموضع الفلاني بقرب الدّير الفلاني، فأصابتني علّة منعتني من الحركة، فقلت في نفسي: لو كنت بقرب الدّير الفلاني لعلّ من فيه من الرّهبان يداووني، فإذا أنا بسبع عظيم يقصد نحوي، حتّى جاءني، فاحتملني على ظهره حملا رفيقا، حتّى ألقاني عند الدّير، فنظر الرّهبان إلى حالي مع السّبع، فأسلموا كلهم، وهم أربعمائة راهب. ثم قال أبو إبراهيم لأبي: حدّثني يا أبا عبد الله، فقال له أبي: كنت قبل الحجّ بخمس ليال أو أربع ليال، فبينا أنا نائم، إذ رأيت النّبيّ ﷺ ، فقال لي: «يا أحمد حجّ» ، فانتبهت، ثم أخذني النوم، فإذا أنا بالنّبيّ ﷺ ، فقال لي: «يا أحمد حجّ» ، فانتبهت، وكان من شأني إذا أردت سفرا جعلت في مزودي [١] فتيتا، ففعلت ذلك، فلما أصبحت قصدت نحو الكوفة، فلما انقضى بعض النهار

стр. 1244

إذا أنا بالكوفة، فدخلت مسجد الجامع، فإذا أنا بشاب حسن الوجه، طيب الرّيح، فقلت: سلام عليكم، ثم كبّرت أصلّي، فلما فرغت من صلاتي قلت له: رحمك الله، هل بقي أحد يخرج إلى الحج؟ فقال لي: انتظر حتّى يجيء أخ من إخواننا، فإذا أنا برجل في مثل حالي، فلم نزل نسير، فقال الذي معي: رحمك الله، إن رأيت أن ترفق بنا، فقال له الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل فسوف يرفق بنا، فوقع في نفسي أنه الخضر، فقلت للذي معي: هل لك في الطعام؟ فقال لي: كل مما تعرف وآكل مما أعرف، ولما أصبنا من الطعام غاب الشاب من بين أيدينا، ثم رجع بعد فراغنا، فلما كان بعد ثلاث إذا نحن بمكة. ومات عبد الله يوم الأحد ودفن في آخر النهار لتسع بقين من جمادى الآخرة. وفيها على ما ذكره ابن ناصر الدّين، وهذا لفظ «بديعته» : بعد الإمام ابن الإمام المفضل ... ذاك الرّضى بن أحمد بن حنبل وأحمد الأبّار وابن النّضر ... ذا أحمد قرطمة كالبحر محمّد البوشنجي خذه الخامسا ... وعدّ بالآذان ذاك السّادسا فأما الأبّار، فهو أحمد بن عليّ بن مسلم النّخشبيّ البغداديّ محدّث بغداد، وكان ثقة، فاضلا، جامعا، محصّلا، كاملا. وأما ابن النّضر، فهو أحمد بن النّضر بن عبد الوهاب، أبو الفضل، النيسابوريّ. حدّث عنه البخاريّ، وهو أكبر منه، وكان البخاري ينزل عليه وعلى أخيه محمد بنيسابور، وتحديثه عنهما في «صحيحه» مشهور. وأما قرطمة، فهو محمد بن علي البغدادي [١] ، أبو عبد الله، وكان

стр. 1245

أحد الأئمة الرحّالين، والحفّاظ المجوّدين المعدلين، وهذا غير قرطمة ورّاق سفيان بن وكيع، فإن ذاك من المجروحين. وأما البوشنجيّ، فهو محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرّحمن بن موسى العبديّ، أبو عبد الله، الفقيه المالكي، كان رأسا في علم اللسان، حافظا، علّامة من أئمة هذا الشأن. قال في «العبر» [١] : البوشنجي الإمام الحبر، أبو عبد الله، شيخ أهل الحديث بخراسان. رحل وطوّف، وروى عن أحمد بن يونس، ومسدّد، والكبار، وكان من أوعية العلم. قد روى عنه البخاريّ حديثا في «صحيحه» عن النّفيلي، وآخر من روى عنه إسماعيل بن نجيد. انتهى. وأما أبو الآذان، فهو عمر بن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك الخوارزميّ، ثم البغداديّ [٢] ، نزيل سامرّاء، وكنيته أيضا أبو بكر، كان من الثقات الأخيار. وقال ابن ناصر الدّين في «بديعته» أيضا: وقبل تسعين قضى القويم ... العنبري الطّوسيّ إبراهيم قال في «شرحها» : هو إبراهيم بن إسماعيل الطوسيّ، أبو إسحاق وكان حافظا علّامة، له رحلة إلى عدّة أقطار، وصنّف «المسند» فأتقنه وأحكمه، وكان محدّث أهل عصره بطوس، وزاهدهم بعد شيخه محمد بن أسلم. انتهى. وفيها، أي سنة تسعين، محمد بن زكريا الغلابيّ [٣] الأخباريّ، أبو

стр. 1246

جعفر، بالبصرة. روى عن عبد الله بن رجاء الغداني وطبقته. قال ابن حبّان: يعتبر بحديثه إذا روى عن الثقات. وقال في «المغني» [١] : قال الدّارقطنيّ: يضع الحديث. انتهى. وفيها محمد بن يحيى بن المنذر، أبو سليمان، القزّاز بصري معمّر، توفي في رجب، وقد قارب المائة، أو كمّلها. روى عن سعيد بن عامر الضّبعيّ، وأبي عاصم، والكبار.

стр. 1247

سنة إحدى وتسعين ومائتين فيها خرجت التّرك في جيش لجب [١] ، فاستنفر إسماعيل بن أحمد النّاس عامة، وكبس التّرك في الليل، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وكانت من الملاحم الكبار، ونصر الله تعالى المسلمين [٢] ، لكن أصيب المسلمون من جهة أخرى، خرجت الرّوم في مائة ألف، فوصلوا إلى الحدث [٣] فقتلوا، وسبوا، وأحرقوا، ورجعوا سالمين، فنهض جيش من طرسوس، عليهم غلام زرافة، فوغلوا في الرّوم، حتّى نازلوا أنطالية [٤]- مدينة صغيرة قريبة من قسطنطينية العظمى- فافتتحوها عنوة، وقتلوا من الرّوم نحو خمسة آلاف، وغنموا غنيمة لم يعهد مثلها، بحيث إنه بلغ سهم الفارس ألف دينار، ولله الحمد. وأما القرمطيّ، صاحب الشامة، واسمه حسين، فعظم به الخطب، والتزم له أهل دمشق بمال عظيم، حتّى ترحّل عنهم، وتملّك حمص، وسار إلى حماة، والمعرّة، فقتل وسبى، وعطف إلى بعلبك، فقتل أكثر أهلها، ثم سار فأخذ سلميّة وقتل أهلها قتلا ذريعا، حتّى ما ترك بها عينا تطرف، وجاء

стр. 1248

جيش المكتفي، فالتقاهم بقرب حمص، فكسروه، وأسر خلق من جنده، وركب هو وابن عمّه الملقّب بالمدّثر، وآخر، فاخترقوا ثلاثتهم البريّة، فمرّوا بداليّة بن طوق، فأنكرهم، وإلى تلك الناحية فقرّرهم، فاعترف صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي، فقتلهم وأحرقهم [١] . وقام بأمر القرامطة بعدهم أخوهما أبو الفضل، وسار إلى أذرعات [٢] وبصرى من حوران، والبثنيّة [٣] من أعمال دمشق، فخرج إليه السلطان حمدان بن حمدون التغلبي، فهزمه القرمطي، وسار إلى هيت وحرّقها بالنّار بعد قتل أهلها، ورجع إلى ناحية البر، فأنفذ المكتفي جيشا عظيما، فخاف أصحاب القرمطي إحاطة الجيوش بهم، فقتله رجل منهم يعرف بأبي الذّيب غيلة، وحمل رأسه إلى المكتفي، ثم خرج بعدهم من القرامطة زكرويه بن مهرويه، وقيل: هو أبو من تقدّم ذكره، وعاث في البلاد فأكثر فيها الفساد، وقتل ثلاثة ركوب راجعة من الحج، وبلغ عدد المقتولين منهم خمسين ألفا. وقيل: إن هذا العدد في الركب الثالث وحده. وخذلهم الله على يدي وصيف بن صول الجزري، وأسر زكرويه جريحا، ومات من الغد، وحمل رأسه إلى المكتفي ببغداد. وفيها توفي علّامة الأدب أبو العبّاس، ثعلب، أحمد بن يحيى بن يزيد الشيبانيّ مولاهم العبسيّ البغداديّ، شيخ اللغة والعربية. حدّث عن غير واحد، وعنه غير واحد، منهم الأخفش الصغير. وسمع من القواريري مائة ألف حديث، فهو من المكثرين، وسيرته في الدّين والصلاح مشهورة. قاله ابن ناصر الدّين.

стр. 1249

وقال ابن مجاهد المصري: قال ثعلب: اشتغل أهل القرآن والحديث والفقه بذلك ففازوا، واشتغلت بزيد وعمرو، ليت شعري ما يكون حظّي في الآخرة. قال ابن مجاهد: فرأيت النّبيّ ﷺ ، في المنام، فقال لي: «أقرئ أبا العبّاس ثعلب عنّي السّلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل» . قال العبد الصالح أبو عبد الله الرّوذباري: أراد ﷺ ، أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم تفتقر إليه. صنّف ثعلب التصانيف المفيدة، منها «كتاب الفصيح» وهو صغير الحجم، كبير [١] الفائدة، و «كتاب القراءات» و «كتاب إعراب القرآن» ، وغير ذلك، وكان ثقة صالحا، مشهورا بالحفظ والمعرفة، وكان أصمّ، فخرج من الجامع بعد العصر وفي يده كتاب ينظر إليه وهو يمشي، فصدمته فرس فألقته في هوّة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فمات في اليوم الثاني، وكان حنبليا. قال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [٢] : قال ثعلب: كنت أحبّ أن أرى [٢] أحمد بن حنبل، فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال لي: فيم تنظر؟ فقلت في النحو والعربية. فأنشدني أبو عبد الله أحمد بن حنبل: إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبنّ الله يغفل ما مضى ... ولا أنّ ما تخفي [٣] عليه يغيب لهونا عن الأيّام حتّى تتابعت ... ذنوب على آثارهنّ ذنوب فيا ليت أنّ الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توباتنا فنتوب انتهى.

стр. 1250

وفيها علي بن الحسين بن الجنيد الرّازيّ، الحافظ الكبير الثقة، أبو الحسن، في آخر السنة، ويعرف بالمالكي لتصنيفه حديث مالك. طوّف الكثير، وسمع أبا جعفر النّفيلي وطبقته، وعاش نيفا وثمانين سنة. وقنبل قارئ أهل مكة، وهو أبو عمرو [١] محمد بن عبد الرّحمن المخزوميّ [٢] ، مولاهم، المكيّ، وله ست وتسعون سنة. شاخ وهرم، وقطع الإقراء قبل موته بسبع سنين. قرأ على أبي الحسن القوّاس، ورحل إليه القرّاء، وجاوروا وحملوا عنه. وفيها القاسم بن عبيد الله الوزير ببغداد، وزر للمعتضد وللمكتفي، وكان أبوه أيضا وزير المعتضد، وكان القاسم قليل التقوى، كثير الظلم، وكان يدخله من ضياعه في العام سبعمائة ألف دينار، ولما مات أظهر الناس الشّماتة بموته. وفيها محمد بن أحمد بن البراء القاضي، أبو الحسن، العبديّ ببغداد. روى عن ابن المديني وجماعة. وفيها محمد بن أحمد بن النّضر بن سلمة الجاروديّ أبو بكر الأزديّ، ابن بنت معاوية بن عمرو، وله خمس وتسعون سنة. روى عن جدّه، والقعنبي، وكان إماما، حافظا، ثقة، من الرؤساء. وفيها محدّث مكّة محمد بن علي بن زيد الصّائغ، في ذي القعدة، وهو في عشر المائة. روى عن القعنبيّ، وسعيد بن منصور. وفيها مقرئ أهل دمشق هارون بن موسى بن شريك، المعروف بالأخفش، صاحب ابن ذكوان، في عشر المائة.

стр. 1251

سنة اثنتين وتسعين ومائتين فيها خرج عن الطاعة صاحب مصر هارون بن خمارويه الطولوني، فسارت جيوش المكتفي لحربه، وجرت لهم وقعات، ثم اختلف أمراء هارون واقتتلوا، فخرج ليسكّنهم، فجاءه سهم فقتله، ودخل الأمير محمد بن سليمان قائد جيش المكتفي، فتملّك الإقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل [من آل طولون] [١] بضعة عشر رجلا، وحبس طائفة، وكتب بالفتح إلى المكتفي، وقيل: إنه همّ بالمضيّ إلى المكتفي- أعني هارون- فامتنع عليه أمراؤه، وشجّعوه، فأبى، فقتلوه غيلة، ولم يمتع محمد بن سليمان، فإنه أرعد وأبرق، وخيف من غيلته وغلبته على بلاد مصر [٢] وكاتب وزير المكتفي القواد فقبضوا عليه. وفيها خرج الخلنجيّ القائد بمصر، وحارب الجيوش، واستولى على مصر. وفيها توفي القاضي الحافظ، أبو بكر المروزيّ أحمد بن علي بن سعيد، قاضي حمص [٣] ، في آخر السنة. روى عن ابن الجعد وطبقته، وحدّث عنه الطبرانيّ وغيره، وكان ثقة، أحد أوعية العلم.

стр. 1252

وفيها الحافظ أبو بكر البزّار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير، في ربيع الأول بالرّملة [١] . روى عن هدبة بن خالد وأقرانه، وحدّث في آخر عمره بأصبهان، والعراق، والشام. قال الدارقطنيّ: ثقة يخطئ ويتّكل على حفظه. وقال في «المغني» [٢] : أحمد بن عمرو، أبو بكر البزّار الحافظ، صاحب «المسند» ، صدوق. قال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن. انتهى. وفيها، أحمد بن محمد بن الحجّاج بن رشدين بن سعد الحافظ، أبو جعفر، المهديّ المصريّ المقرئ. قرأ القرآن على أحمد بن صالح، وروى عن سعيد بن عفير وطبقته، وفيه ضعف. قال ابن عدي: يكتب حديثه. وأبو مسلم الكجّيّ، إبراهيم بن عبد الله البصريّ الحافظ، صاحب «السّنن» ومسند الوقت، في المحرم، وقد قارب المائة أو كمّلها [٣] . سمع أبا عاصم النبيل، والأنصاري، والكبار. وثّقة الدارقطني، وكان محدّثا، حافظا، محتشما، كبير الشأن. قيل: إنه لما فرغوا من سماع «السّنن» عليه عمل لهم مأدبة [٤] غرم عليها ألف دينار، تصدّق بجملة منها، ولما قدم بغداد ازدحموا عليه، حتّى حزر مجلسه بأربعين ألفا وزيادة، وكان في المجلس سبعة مستملين، كل واحد يبلّغ الآخر.

стр. 1253

وفيها إدريس بن عبد الكريم، أبو الحسن الحدّاد المقرئ المحدّث، يوم الأضحى ببغداد، وله نحو من تسعين سنة. روى عن عاصم بن علي وطبقته، وقرأ القرآن على خلف، وتصدّر للإقراء والعلم. قال الدارقطني: هو فوق الثقة بدرجة. وفيها محدّث واسط بحشل، وهو الحافظ أبو الحسن أسلم بن سهل الرزّاز، روى عن جدّه لأمّه وهب بن بقيّة وطبقته، وصنّف التصانيف، وهو ثقة ثبت. وفيها قاضي القضاة، أبو حازم، عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي ببغداد، وكان من القضاة العادلة، له أخبار ومحاسن، ولما احتضر، كان يقول: يا رب من القضاء إلى القبر، ثم يبكي، روى عن بندار. وفيها عيسى بن محمد بن عيسى الطّعمانيّ المروزيّ اللغويّ. ذكر عنه ابن السبكي في «طبقاته الكبرى» [١] قصة مطوّلة ملخصها، قال الحاكم: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا العبّاس [٢] عيسى بن محمد بن عيسى الطّهمانيّ المروزيّ يقول: إني وردت في سنة ثمان وثلاثين ومائتين مدينة من مدائن خوارزم تدعى هزاراسب [٣] فخبّرت أن بها امرأة من نساء الشهداء، رأت رؤيا كأنها أطعمت شيئا في منامها، فهي لا تأكل شيئا، ولا تشرب من حين ذلك، ثم مررت بتلك المدينة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فرأيتها، وحدّثتني بحديثها، فلم أستقص عليها لحداثة سنّي، ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فرأيتها باقية، ووجدت حديثها شائعا مستفيضا، وهذه المدينة على مدرجة

стр. 1254

القوافل، وكان الكثير ممّن ينزلها إذا بلغتهم قصتها أحبّوا أن ينظروا إليها، فلا يسألون عنها رجلا، ولا امرأة، ولا غلاما إلّا عرفها ودلّ عليها، فلما وافيت الناحية طلبتها، فوجدتها غائبة على عدّة فراسخ، فمضيت في أثرها من قرية إلى قرية فأدركتها بين قريتين، تمشي مشية قوية، وإذا هي امرأة نصف، جيدة القامة، حسنة البدن، ظاهرة الدم، متورّدة الخدّين، ذكية الفؤاد، فسايرتني وأنا راكب، فعرضت عليها مركبا فلم تركبه، وأقبلت تمشي معي بقوة. وكان ذكر لي الثقات من أهل تلك الناحية أنه كان من يلي خوارزم من العمّال يحصرونها الشهر والشهرين والأكثر في بيت يغلقونه عليها، ويوكّلون بها من يراعيها، فلا يرونها تأكل ولا تشرب، ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط، فيبرّونها ويكسونها، ويخلون سبيلها. فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها، استقصصتها [١] عن حديثها، وسألتها عن اسمها وشأنها كلّه، فذكرت أن اسمها رحمة بنت إبراهيم، وأنه كان لها زوج نجّار فقير، معيشته من عمل يده، لا فضل في كسبه عن قوت أهله، وأن لها منه عدّة أولاد، وأن الأقطع ملك التّرك قتل من قريتهم خلقا كثيرا، من جملتهم زوجها، ولم يبق دار إلا حمل إليها قتيل. قالت: فوضع زوجي بين يدي قتيلا، فأدركني من الجزع ما يدرك المرأة الشابة على زوج أبي الأولاد. قالت: واجتمع النساء من قراباتي والجيران يسعدنني [٢] على البكاء، وجاء الصبيان- وهم أطفال لا يعقلون من الأمر شيئا- يطلبون الخبز، وليس عندي ما أعطيهم، فضقت صدرا بأمري، ثم إني سمعت أذان المغرب، ففزعت إلى الصلاة، فصلّيت ما قضى لي ربي، ثم سجدت أدعو وأتضرّع إلى الله، أسأله الصبر، وأن يجبر يتم صبياني، فنمت في سجودي، فرأيت

стр. 1255

كأني في أرض خشناء [١] ، ذات حجارة، وأنا أطلب زوجي، فناداني رجل: أيّتها الحرّة، خذي ذات اليمين، فأخذت ذات اليمين، فرفعت إلى أرض [سهلة] طيبة الثرى، ظاهرة العشب، وإذا قصور وأبنية لا أحفظ أن أصفها، أو لم أر مثلها، وإذا أنهار تجري على وجه الأرض، ليس لها حافات، فانتهيت إلى قوم جلوس حلقا، حلقا [٢] عليهم ثياب خضر، وقد علاهم النور، فإذا هم الذين قتلوا في المعركة، يأكلون على موائد بين أيديهم، فجعلت أتخلّلهم وأتصفّح وجوههم، أبغي زوجي، فناداني: يا رحمة، يا رحمة، فيممت الصوت، فإذا أنا به في مثل حال من رأيت من الشهداء، ووجهه مثل القمر ليلة البدر، وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه، فقال لأصحابه: إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم، أفتأذنون [لي] أن أناولها شيئا تأكله؟ فأذنوا له، فناولني كسرة خبز، أشدّ بياضا من الثلج واللبن، وأحلى من العسل والسكر، وألين من الزبد والسمن، فأكلتها، فلما استقرت في جوفي، قال: اذهبي، كفاك الله مؤونة الطعام والشراب ما حييت في الدّنيا. فانتبهت من نومي شبعاء ريّاء، لا أحتاج إلى طعام ولا شراب، وما ذقتهما من ذلك اليوم إلى يومي هذا، ولا شيئا تأكله الناس. قلت: فهل تتغذّي بشيء، أو تشربي شيئا غير الماء؟ فقالت: لا. فسألتها هل يخرج منها ريح أو أذى كما يخرج من النّاس؟ فقالت: لا. قلت: والحيض؟ وأظنها قالت: انقطع بانقطاع الطّعم. قلت: فهل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال [٣] ؟ قالت: أما تستحي منّي، تسألني عن مثل هذا. قلت: أي لعلّي أحدّث الناس عنك، ولا بدّ أن أستقصي، قالت: لا أحتاج. قلت: أفتنامين؟ قالت: نعم أطيب نوم. قلت: فما ترين في منامك؟ قالت: مثل

стр. 1256

ما ترون. قلت: فتجدي لفقد الطعام وهنا في نفسك؟ قالت: ما أحسست بالجوع منذ طعمت ذلك الطعام. وذكرت لي أن بطنها لاصق بظهرها، فأمرت امرأة من نسائنا فنظرت، فإذا بطنها كما وصفت، وإذا بها قد اتخذت كيسا ضمنته القطن وشدّته على بطنها كي لا ينقصف ظهرها إذا مشت. هذا ملخص ما أورده ابن السبكي. وقال ابن الأهدل: وفيها- أي سنة اثنتين وتسعين ومائتين- عيسى بن محمد المروزيّ اللغويّ، وهو الذي رأى بخوارزم امرأة بقيت نيفا وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب. وروى اليافعي [١] عن الشيخ صفي الدّين، أنه ذكر أن امرأة بجيزة مصر [٢] ، قامت ثلاثين سنة لا تأكل ولا تشرب في مكان واحد لا تتألم بحرّ ولا برد. انتهى ما قاله ابن الأهدل بحروفه. وقال في «العبر» [٣] : وفيها- أي سنة ثلاث وتسعين- عيسى بن محمد أبو العبّاس الطّهمانيّ المروزيّ اللغويّ، كان إماما في العربية. روى عن إسحاق بن راهويه، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفا وعشرين سنة، لا تأكل ولا تشرب. وفيها محمد بن أحمد بن سليمان الإمام، أبو العبّاس، الهرويّ فقيه محدّث، صاحب تصانيف. رحل إلى الشام والعراق، وحدّث عن أبي حفص الفلّاس وطبقته. وفيها يحيى بن منصور الهرويّ. أبو سعد، أحد الأئمة الثقات في العلم والعمل، حتّى قيل: إنه لم ير مثل نفسه. روى عن سويد بن نصر وطبقته.

стр. 1257

سنة ثلاث وتسعين ومائتين فيها التقى الخلنجيّ [١] المتغلّب على مصر، وجيش المكتفي بالعريش، فهزمهم أقبح هزيمة. وفيها عاثت القرامطة بالشام، وقتلوا وسبوا، وما أبقوا ممكنا في حوران [٢] ، وطبريّة، وبصرى، ودخلوا السّماوة، فطلعوا إلى هيت فاستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الملعونة على زعيمها أبي غانم فقتلوه، ثم جمع رأس القوم زكرويه، والد صاحب الشامة جموعا، ونازل الكوفة فقاتله [٣] أهلها، ثم جاءه جيش الخليفة، فالتقاهم وهزمهم، ودخل الكوفة يصيح قومه: يا ثارات الحسين، يعنون صاحب الشّامة [٤] ، ولد زكرويه، لا ﵀. قاله في «العبر» [٥] . وفيها سار فاتك المعتضديّ، فالتقى الخلنجيّ [٦] فانهزم الخلنجيّ،

стр. 1258

وكثر القتل في جيشه، واختفى الخلنجيّ [١] ، فدلّ عليه رجل، فبعثه فاتك في عدّة من قوّاده إلى بغداد، فأدخلوا على الجمال وحبسوا. وفيها توفي أبو العبّاس الناشئ الشاعر المتكلّم عبد الله بن محمد بمصر. قال ابن خلّكان [٢] : أبو العباس عبد الله بن محمد الناشيّ [٣] الأنباريّ، المعروف بابن شرشير، الشاعر، كان من الشعراء المجيدين، وهو في طبقة ابن الرّومي، والبحتري، وأنظارهما، وهو الناشيّ الأكبر، وكان نحويا، عروضيا، متكلّما، أصله من الأنبار، وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم خرج إلى مصر، وأقام بها إلى آخر عمره، وكان متبحّرا في علوم من جملتها علم المنطق. وكان بقوة علم الكلام نقض علل النّحاة، وأدخل على قواعد العروض شبها، ومثّلها بغير أمثلة الخليل، وكلّ ذلك لحذقه وقوة فهمه وفطنته [٤] . وله قصيدة في فنون من العلم على رويّ واحد، تبلغ أربعة آلاف بيت، وله تصانيف جميلة، وله أشعار كثيرة في جوارح الصيد وآلاته، [والصّيود] [٥] وما يتعلق بها، كأنه كان صاحب صيد، وقد استشهد كشاجم [٦] بشعره في كتاب «المصايد والمطارد» في مواضع، فمن ذلك قوله في طريدة في وصف باز: لمّا تفرّى الليل عن أثباجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه

стр. 1259

غدوت أبغي الصّيد في منهاجه ... يا قمرا أبدع في نتاجه ألبسه الخالق من ديباجه ... وشيا يحار الطرف في اندراجه في نسق منه وفي انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه بزينة كفته نظم تاجه ... منسره ينبئ [١] عن خلاجه وظفره ينبئ عن علاجه ... لو استضاء المرء في إدلاجه بعينه كفته عن [٢] سراجه ومن شعره في جارية مغنية بديعة الجمال: فديتك لو أنهم أنصفوك ... لردّوا النواظر عن ناظريك تردّين أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العين إلّا إليك وهم جعلوك رقيبا علينا ... فمن ذا يكون رقيبا عليك ألم يقرؤوا ويحهم ما يرو ... ن من وحي حسنك في وجنتيك وشرشير: بكسر الشينين المعجمتين وبينهما راء ساكنة ثم ياء مثناة من تحتها وبعدها راء: اسم طائر يصل إلى الديار المصرية في البحر في زمن الشتاء، وهو أكبر من الحمام بقليل، وهو كثير الوجود بساحل دمياط، وباسمه سمي الرجل، والله أعلم. انتهى ملخصا. وفيها محمد بن أسد المديني، أبو عبد الله الزاهد. كان يقال: إنه مجاب الدعوة، عمر أكثر من مائة سنة. وحدّث عن أبي داود الطّيالسي بمجلس واحد. قال في «المغني» [٣] : محمد بن أسد المدينيّ الأصبهاني، آخر أصحاب أبي داود الطيالسي.

стр. 1260

قال أبو عبد الله بن مندة: حدّث عن أبي داود بمناكير. انتهى. وفيها محمد بن عبدوس، واسم عبدوس، عبد الجبار بن كامل السرّاج الحافظ، ببغداد، في رجب. روى عن علي بن الجعد وطبقته، وحدّث عنه الطبرانيّ، وهو ثقة. وفيها أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغداديّ. روى عنه ابن قانع والطبراني وغيرهما، وكان إماما حافظا ذا دراية. وعبدان، عبد الله بن محمد بن عيسى بن محمد المروزيّ، الحافظ النبيه. حدّث عنه الطبراني وغيره، وكان من الأئمة الحفّاظ.

стр. 1261

سنة أربع وتسعين ومائتين فيها أخذ ركب العراق زكرويه القرمطي، وقتل الناس قتلا ذريعا، وسبى نساء، وأخذ ما قيمته ألفي ألف [١] دينار، وبلغت عدّة القتلى عشرين ألفا، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم هذا على المكتفي، فبعث الجيش لقتاله وعليهم وصيف بن صوارتكين، فالتقوا، فأسر زكرويه وخلق من أصحابه، وكان مجروحا، فمات إلى لعنة الله بعد خمسة أيام، فحمل ميتا إلى بغداد، وقتل أصحابه، ثم أحرقوا، وتمزق أصحابه في البرية. وفيها توفي الحافظ الكبير، أبو علي صالح بن محمد بن عمرو الأسديّ البغداديّ، جزرة، محدّث ما وراء النهر، نزل بخارى وليس معه كتاب، فروى بها الكثير من حفظه، روى عن سعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد، وطبقتهما، ورحل إلى الشام، ومصر، والنواحي، وصنّف، وجرّح، وعدّل، وكان صاحب نوادر ومزاح. قال ابن ناصر الدّين: حدّث عن خلق، منهم يحيى بن معين، وعنه مسلم خارج «صحيحه» وغيره، وهو ثقة ثبت. انتهى. وفيها صباح بن عبد الرّحمن، أبو الغصن، العتقيّ الأندلسيّ المعمّر،

стр. 1262

مسند العصر بالأندلس. روى عن يحيى بن يحيى، وأصبغ بن الفرج، وسحنون. قال ابن الفرضي: بلغني [١] أنه عاش مائة وثمانية عشر عاما، وتوفي في المحرم. وعبيد العجل، الحافظ، وهو أبو علي الحسين بن محمد بن حاتم [٢] ، في صفر. قال ابن ناصر الدّين: هو تلميذ يحيى بن معين، وحدّث عنه الطبرانيّ، وكان من الحفّاظ المتقنين. وفيها محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه، القاضي، أبو الحسن. روى عن أبيه، وعلي بن المديني. قتل يوم أخذ الركب شهيدا. وفيها محمد بن أيوب بن يحيى بن الضّريس، الحافظ أبو عبد الله البجليّ الرّازيّ، محدّث الرّيّ، يوم عاشوراء، وهو في عشر المائة. روى عن مسلم بن إبراهيم، والقعنبي، والكبار، وجمع وصنّف، وكان ثقة. ومحمد بن معاذ، درّان، الحلبيّ، محدّث تلك الناحية، أصله من البصرة. روى عن القعنبيّ، وعبد الله بن رجاء، وطبقتهما، ورحل إليه المحدّثون. وفيها محمد بن نصر المروزيّ، الإمام، أبو عبد الله، أحد الأعلام، كان رأسا في الفقه، رأسا في الحديث، رأسا في العبادة، ثقة عدلا خيّرا. قال الحافظ أبو عبد الله بن الأخرم [٣] : كان محمد بن نصر يقع على

стр. 1263

أذنه الذباب وهو في الصلاة فيسيل الدم ولا يذبّه. كان ينتصب كأنه خشبة. وقال أبو إسحاق الشيرازيّ [١] : كان من أعلم النّاس بالاختلاف، وصنّف كتبا. وقال شيخه في الفقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر عندنا إماما، فكيف بخراسان؟ وقال غيره: لم يكن للشافعية في وقته مثله. سمع يحيى بن يحيى، وشيبان بن فرّوخ، وطبقتهما، وتوفي في المحرم بسمرقند، وهو في عشر التسعين. قال الإسنويّ في «طبقاته» : محمد بن نصر المروزيّ، أحد أئمة الإسلام، قال فيه الحاكم: هو الفقيه، العابد، العالم، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب في «تاريخ بغداد» [٢] : كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم [في الأحكام] [٣] . ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين، ونشأ بنيسابور، وتفقه بمصر على أصحاب الشافعيّ، وسكن سمرقند إلى أن توفي بها سنة أربع وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في «تهذيبه» [٤] ، نقل عنه الرافعيّ في مواضع منها، أنه قال: يكفي في صحة الوصية الإشهاد عليه بأن هذا خطي وما فيه وصيتي، وإن لم يعلم الشاهد ما فيه.

стр. 1264

وفي «طبقات العبادي» عنه، أنه يكفي الكتابة بلا شهادة بالكلية، والمعروف خلاف الأمرين، ومنها أن الإخوة ساقطون بالجدّ. والمروزيّ نسبة إلى مرو، وزادوا عليها الزاي شذوذا، وهي إحدى مدن خراسان الكبار، فإنها أربعة: نيسابور، وهراة، وبلخ، ومرو، وهي أعظمها، وأما مرو الرّوذ، فإنها تستعمل مقيدة. والرّوذ: براء مهملة مضمومة وذال معجمة، هو النهر بلغة فارس، والنسبة إلى الأولى مروزي، وإلى الثانية مروروذي بثلاث راآت، وقد يخفّف فيقال: مرّوذي، وبين المدينتين ثلاثة أيام. انتهى ما ذكره الإسنويّ ملخصا. وفيها الإمام موسى بن هارون بن عبد الله، أبو عمران، البغداديّ البزّاز، الحافظ، ويعرف أبو بالحمّال. كان إمام وقته في حفظ الحديث وعلله. قال أبو بكر الضّبعي: ما رأينا في حفّاظ الحديث أهيب ولا أورع من موسى بن هارون. سمع علي بن الجعد، وقتيبة، وطبقتهما. وقال ابن ناصر الدّين: هو محدّث العراق. حدّث عنه خلق، منهم الطبرانيّ، وكان إماما، حافظا، حجة.

стр. 1265

سنة خمس وتسعين ومائتين فيها توفي إبراهيم بن أبي طالب النيسابوريّ [١] الحافظ، أحد أركان الحديث. روى عن إسحاق بن راهويه وطبقته. قال عبد الله بن سعد النيسابوري: ما رأيت مثل إبراهيم بن أبي طالب، ولا رأى مثل نفسه. وقال أبو عبد الله بن الأخرم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجّاج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة. وإبراهيم بن معقل، أبو إسحاق السّانجنيّ- بفتح الجيم وسكون النون التي قبلها نسبة إلى سانجن قرية بنسف [٢]- كان قاضي نسف، وعالمها، ومحدّثها، وصاحب «التفسير» و «المسند» وكان بصيرا بالحديث، عارفا بالفقه والاختلاف. روى «الصحيح» عن البخاري، وروى عن قتيبة، وهشام بن عمّار، وطبقتهما. وفيها الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن شبيب المعمريّ، نسبة
следующие страницы →