سنة أربع وتسعين ومائتين
فيها أخذ ركب العراق زكرويه القرمطي، وقتل الناس قتلا ذريعا، وسبى نساء، وأخذ ما قيمته ألفي ألف [١] دينار، وبلغت عدّة القتلى عشرين ألفا، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم هذا على المكتفي، فبعث الجيش لقتاله وعليهم وصيف بن صوارتكين، فالتقوا، فأسر زكرويه وخلق من أصحابه، وكان مجروحا، فمات إلى لعنة الله بعد خمسة أيام، فحمل ميتا إلى بغداد، وقتل أصحابه، ثم أحرقوا، وتمزق أصحابه في البرية.
وفيها توفي الحافظ الكبير، أبو علي صالح بن محمد بن عمرو الأسديّ البغداديّ، جزرة، محدّث ما وراء النهر، نزل بخارى وليس معه كتاب، فروى بها الكثير من حفظه، روى عن سعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد، وطبقتهما، ورحل إلى الشام، ومصر، والنواحي، وصنّف، وجرّح، وعدّل، وكان صاحب نوادر ومزاح.
قال ابن ناصر الدّين: حدّث عن خلق، منهم يحيى بن معين، وعنه مسلم خارج «صحيحه» وغيره، وهو ثقة ثبت. انتهى.
وفيها صباح بن عبد الرّحمن، أبو الغصن، العتقيّ الأندلسيّ المعمّر،
стр. 1262
مسند العصر بالأندلس. روى عن يحيى بن يحيى، وأصبغ بن الفرج، وسحنون.
قال ابن الفرضي: بلغني [١] أنه عاش مائة وثمانية عشر عاما، وتوفي في المحرم.
وعبيد العجل، الحافظ، وهو أبو علي الحسين بن محمد بن حاتم [٢] ، في صفر.
قال ابن ناصر الدّين: هو تلميذ يحيى بن معين، وحدّث عنه الطبرانيّ، وكان من الحفّاظ المتقنين.
وفيها محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه، القاضي، أبو الحسن.
روى عن أبيه، وعلي بن المديني. قتل يوم أخذ الركب شهيدا.
وفيها محمد بن أيوب بن يحيى بن الضّريس، الحافظ أبو عبد الله البجليّ الرّازيّ، محدّث الرّيّ، يوم عاشوراء، وهو في عشر المائة. روى عن مسلم بن إبراهيم، والقعنبي، والكبار، وجمع وصنّف، وكان ثقة.
ومحمد بن معاذ، درّان، الحلبيّ، محدّث تلك الناحية، أصله من البصرة. روى عن القعنبيّ، وعبد الله بن رجاء، وطبقتهما، ورحل إليه المحدّثون.
وفيها محمد بن نصر المروزيّ، الإمام، أبو عبد الله، أحد الأعلام، كان رأسا في الفقه، رأسا في الحديث، رأسا في العبادة، ثقة عدلا خيّرا.
قال الحافظ أبو عبد الله بن الأخرم [٣] : كان محمد بن نصر يقع على
стр. 1263
أذنه الذباب وهو في الصلاة فيسيل الدم ولا يذبّه. كان ينتصب كأنه خشبة.
وقال أبو إسحاق الشيرازيّ [١] : كان من أعلم النّاس بالاختلاف، وصنّف كتبا.
وقال شيخه في الفقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر عندنا إماما، فكيف بخراسان؟
وقال غيره: لم يكن للشافعية في وقته مثله. سمع يحيى بن يحيى، وشيبان بن فرّوخ، وطبقتهما، وتوفي في المحرم بسمرقند، وهو في عشر التسعين.
قال الإسنويّ في «طبقاته» : محمد بن نصر المروزيّ، أحد أئمة الإسلام، قال فيه الحاكم: هو الفقيه، العابد، العالم، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.
وقال الخطيب في «تاريخ بغداد» [٢] : كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم [في الأحكام] [٣] .
ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين، ونشأ بنيسابور، وتفقه بمصر على أصحاب الشافعيّ، وسكن سمرقند إلى أن توفي بها سنة أربع وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في «تهذيبه» [٤] ، نقل عنه الرافعيّ في مواضع منها، أنه قال: يكفي في صحة الوصية الإشهاد عليه بأن هذا خطي وما فيه وصيتي، وإن لم يعلم الشاهد ما فيه.
стр. 1264
وفي «طبقات العبادي» عنه، أنه يكفي الكتابة بلا شهادة بالكلية، والمعروف خلاف الأمرين، ومنها أن الإخوة ساقطون بالجدّ.
والمروزيّ نسبة إلى مرو، وزادوا عليها الزاي شذوذا، وهي إحدى مدن خراسان الكبار، فإنها أربعة: نيسابور، وهراة، وبلخ، ومرو، وهي أعظمها، وأما مرو الرّوذ، فإنها تستعمل مقيدة.
والرّوذ: براء مهملة مضمومة وذال معجمة، هو النهر بلغة فارس، والنسبة إلى الأولى مروزي، وإلى الثانية مروروذي بثلاث راآت، وقد يخفّف فيقال: مرّوذي، وبين المدينتين ثلاثة أيام. انتهى ما ذكره الإسنويّ ملخصا.
وفيها الإمام موسى بن هارون بن عبد الله، أبو عمران، البغداديّ البزّاز، الحافظ، ويعرف أبو بالحمّال. كان إمام وقته في حفظ الحديث وعلله.
قال أبو بكر الضّبعي: ما رأينا في حفّاظ الحديث أهيب ولا أورع من موسى بن هارون. سمع علي بن الجعد، وقتيبة، وطبقتهما.
وقال ابن ناصر الدّين: هو محدّث العراق. حدّث عنه خلق، منهم الطبرانيّ، وكان إماما، حافظا، حجة.
стр. 1265
سنة خمس وتسعين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن أبي طالب النيسابوريّ [١] الحافظ، أحد أركان الحديث. روى عن إسحاق بن راهويه وطبقته.
قال عبد الله بن سعد النيسابوري: ما رأيت مثل إبراهيم بن أبي طالب، ولا رأى مثل نفسه.
وقال أبو عبد الله بن الأخرم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجّاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة.
وإبراهيم بن معقل، أبو إسحاق السّانجنيّ- بفتح الجيم وسكون النون التي قبلها نسبة إلى سانجن قرية بنسف [٢]- كان قاضي نسف، وعالمها، ومحدّثها، وصاحب «التفسير» و «المسند» وكان بصيرا بالحديث، عارفا بالفقه والاختلاف. روى «الصحيح» عن البخاري، وروى عن قتيبة، وهشام بن عمّار، وطبقتهما.
وفيها الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن شبيب المعمريّ، نسبة
стр. 1266
إلى جدّه لأمه محمد بن سفيان بن حميد المعمري، صاحب معمر ببغداد في المحرم. روى عن عليّ بن المديني، وجبارة بن المغلّس، وطبقتهما، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وله أفراد وغرائب مغمورة في سعة علمه.
قال ابن ناصر الدّين: كان من أوعية العلم، تكلم فيه عدّة، وقوّاه آخرون. انتهى.
وقال في «المغني» [١] : تفرّد برفع أحاديث تحتمل له. انتهى.
وفيها الحكم بن معبد الخزاعيّ الفقيه، مصنّف كتاب «السّنّة» بأصبهان. روى عن محمد بن حميد الرّازي، ومحمد بن المثنى، وطبقتهما، وكان من كبار الحنفية وثقاتهم.
وفيها أبو شعيب الحرّاني، عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الأمويّ المؤدّب، نزيل بغداد في ذي الحجة. روى عن يحيى البابلتي، وعفّان، وعاش تسعين سنة، وكان ثقة.
وأمير خراسان وما وراء النهر، إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، في صفر ببخارى، وكان ذا علم، وعدل، وشجاعة، ورأي، وكان يعرف بالأمير الماضي أبي إبراهيم، جمع بعض الفضلاء شمائله [وسيرته] [٢] في كتاب، وكان ذا اعتناء زائد بالعلم والحديث. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها أبو علي، عبد الله بن محمد بن علي البلخيّ الحافظ، أحد أركان الحديث ببلخ. سمع قتيبة وطبقته، وصنّف «التاريخ» و «العلل» .
وفيها المكتفي بالله، الخليفة أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن
стр. 1267
أبي أحمد الموفّق بن المتوكل بن المعتصم العباسيّ، وله إحدى وثلاثون سنة، وكان وسيما جميلا، بديع الجمال، معتدل القامة درّيّ اللون، أسود الشعر، استخلف بعد أبيه، وكانت دولته ست سنين ونصفا، وتوفي في ذي القعدة، وفيه يقول أحد أعيان الأدباء وقد أبان زوجته عن نشوز وعقوق:
قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخلاعة لا تفي
والله لا راجعتها ولو انّها ... كالبدر أو كالشّمس أو كالمكتفي [١]
وقيل للمكتفي في مرضه الذي مات فيه: لو وكّلت بعبد الله بن المعتز، ومحمد بن المعتمد، قال: ولم؟ قيل: لأن الناس يرجفون لهما بالخلافة بعدك، فتكون مستظهرا حتّى لا يخرج الأمر عن أخيك جعفر، فقال: وأيّ ذنب لهما؟ أليس هما من أولاد الخلفاء، وإن يكن ذلك، فليس بمنكر، والله يؤتي الملك من يشاء، فلا تتعرضوا لهما.
وكان المكتفي كثير العساكر، كثير المال، يخصّ أهل بيته بالكرامة والحباء الكثير، ولم يل الخلافة بعد النّبيّ ﷺ ، من اسمه علي إلّا علي بن أبي طالب، ﵁، والمكتفي بالله.
ولما توفي المكتفي ولي بعده أخوه المقتدر، وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبي قبله.
وفيها عيسى بن مسكين، قاضي القيروان وفقيه المغرب، أخذ عن سحنون، وبمصر عن الحارث بن مسكين، وكان إماما، ورعا، خاشعا، متمكّنا من الفقه والآثار، مستجاب الدعوة، يشبّه بسحنون في سمته وهيئته، أكرهه ابن الأغلب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقا، وكان يركب حمارا ويستقّي الماء لبيته، رحمه الله تعالى.
стр. 1268
ومحمد بن أحمد بن جعفر، الإمام أبو جعفر، التّرمذيّ الفقيه، كبير الشافعية بالعراق، قبل ابن سريج، في المحرم، وله أربع وتسعون سنة. وكان قد اختلط في أواخر أيامه، وكان زاهدا، ناسكا، قانعا باليسير، متعفّفا.
قال الدارقطنيّ: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس ولا أورع منه، وكان صبورا على الفقر. روى عن يحيى بن بكير وجماعة، وكان ثقة.
قال الإسنوي: كان أولا أبو جعفر حنفيا، فحجّ، فرأى ما يقتضي انتقاله لمذهب الشافعي، فتفقّه على الرّبيع وغيره من أصحاب الشافعي، وسكن بغداد، وكان ورعا، زاهدا، متقلّلا جدا، كانت نفقته في الشهر أربعة دراهم، نقل عنه الرّافعيّ مواضع قليلة، منها أن فضلات النّبيّ ﷺ ، طاهرة، وأن الساجد للتلاوة خارج الصلاة لا يكبّر للافتتاح لا وجوبا ولا استحبابا، وأنه إذا رمي إلى حربي فأسلم، ثم أصابه السهم فلا ضمان، والمعروف خلافه فيهنّ.
ولد في ذي الحجة، سنة ثمانين، وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين.
وترمذ مدينة على طريق نهر جيحون، وفيها ثلاثة أقوال:
الأول فتح التاء وكسر الميم، وهو المتداول بين أهلها.
والثاني كسرهما.
والثالث ضمّهما.
قال: وهو الذي يقول أهل المعرفة. انتهى ملخصا.
قال العلّامة ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
ثمّ الحكيم التّرمذيّ هواه ... في ذلك الجرح الذي رماه
لكنه مجهول عند الأكثر ... موتا وفيها كان حيّا حرر
стр. 1269
وقال في «شرحها» : أي في سنة خمس وثمانين، لأنه قدم فيها نيسابور، وأخذ عن علمائها المأثور، ومن حينئذ جهلت وفاته عند الجمهور، وهو محمد بن علي بن بشر الترمذيّ الحكيم، أبو عبد الله، الزّاهد الحافظ، كان له كلام في إشارات الصوفية، واستنباط معان غامضة من الأخبار النبوية، وبعضها تحريف عن مقصده، وبسبب ذلك امتحن، وتكلموا في معتقده، وله عدة مصنفات في منقول ومعقول، ومن أنظفها «نوادر الأصول» . انتهى.
وفيها، أي سنة خمس وتسعين، توفي الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، أحد المحدّثين الكبار بنيسابور، له تصانيف مجودة ورحلة واسعة. سمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمّار.
стр. 1270
سنة ست وتسعين ومائتين
دخلت والملأ يستصبون المقتدر، ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط أن لا يكون فيها حرب، وكان رأسهم محمد بن داود بن الجرّاح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر، ووزيره العبّاس بن الحسن، وفاتك الأمير، فلما كان في عاشر ربيع الأول، ركب الحسين بن حمدان، والوزير، والأمراء، فشدّ ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر فاتك قتله، فعطف على فاتك فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلّث بالمقتدر، وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الهيعة [١] ، فدخل وأغلقت الأبواب، ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء والقضاة، سوى خواصّ المقتدر، فبايعوه ولقّبوه الغالب بالله، فاستوزر ابن الجرّاح، واستحجب يمن الخادم، ونفذت الكتب بخلافته إلى البلاد، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحوّل من دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه غير مؤنس [٢] الخادم، ومؤنس الخازن، وخاله الأمير غريب، فتحصنوا، وأصبح الحسين بن
стр. 1271
حمدان على محاصرتهم، فرموه بالنشاب، وتناخوا [١] ، ونزلوا على حميّة، وقصدوا ابن المعتز، فانهزم كلّ من حوله، وركب ابن المعتز فرسا ومعه وزيره وحاجبه، وقد شهر سيفه، وهو ينادي: معاشر العامة، ادعوا لخليفتكم، وقصد سامرّا ليثبّت بها أمره، فلم يتبعه كثير [٢] أحد، وخذل، فنزل عن فرسه، فدخل دار ابن الجصّاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقتل جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سرّا، وصودر ابن الجصّاص، وقام بأعباء الخلافة الوزير ابن الفرات، ونشر العدل، واشتغل المقتدر باللعب.
وأما الحسين بن حمدان، فأصلح أمره، وبعث إلى ولاية قم، وقاشان.
رجع إلى الكلام على ابن المعتز.
قال ابن خلّكان رحمه الله تعالى [٣] : أبو العبّاس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرّشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب الهاشمي، أخذ الأدب عن أبي العبّاس المبرّد، وأبي العبّاس ثعلب، وغيرهما، وكان أديبا، بليغا، شاعرا، مطبوعا، مقتدرا على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيّد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطا للعلماء والأدباء، معدودا من جملتهم، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب، فخلعوا المقتدر يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وبايعوا عبد الله المذكور، ولقّبوه المرتضي بالله،
стр. 1272
وقيل: المنصف بالله، وقيل: الغالب بالله، وقيل: الراضي بالله، وأقام يوما وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزّبوا وتراجعوا، وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم، وأعادوا المقتدر إلى دسته، واختفى ابن المعتز في دار أبي عبد الله بن الحسين [بن عبد الله بن الحسين] [١] المعروف بابن الجصاص الجوهري، فأخذه المقتدر وسلّمه إلى مؤنس الخادم الخازن، فقتله وسلّمه إلى أهله ملفوفا في كساء، وقيل: إنه مات حتف أنفه، وليس بصحيح، بل خنقه مؤنس، وذلك يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره، رحمه الله تعالى.
ومولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين، وقال سنان بن ثابت:
سنة ست وأربعين ومائتين.
ثم قبض المقتدر على ابن الجصّاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار، وسلّم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار، وكان في ابن الجصّاص غفلة وبله، وتوفي يوم الثلاثاء [٢] لثلاث عشرة ليلة خلت من شوّال سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
ولعبد الله المذكور من التصانيف كتاب «الزهر والرياض» وكتاب «البديع» وكتاب «مكاتبات الإخوان بالشعر» وكتاب «الجوارح والصيد» وكتاب «السرقات» وكتاب «أشعار الملوك» وكتاب «الآداب» وكتاب «حليّ الأخبار» وكتاب «طبقات الشعراء» وكتاب «الجامع في الغناء» وأرجوزة في ذمّ الصّبوح.
ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى، ولم يطل سفر الكلام.
ورثاه علي بن بسام الشاعر بقوله:
стр. 1273
لله درّك من ملك [١] بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ، ولا لولا فتنقصه ... وإنّما أدركته حرفة الأدب [٢]
ولابن المعتز أشعار رائقة وتشبيهات بديعة، فمن ذلك قوله:
سقى المطيرة ذات الظلّ والشجر ... ودير عبدون هطّال من المطر
فطالما نبّهتني للصّبوح بها ... في غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدارع نعّارين في السّحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلا من الشّعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتّى استقاد له ... طوعا وأسلفني الميعاد بالنّظر
وجاءني في قميص اللّيل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت [٣] أفرش خدّي في الطريق له ... ذلّا وأسحب أذيالي [٤] على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
وكان ما كان ممّا لست أذكره ... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
وله في الخمر المطبوخة، وهو معنى بديع، وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب:
خليلي قد طاب الشّراب المورّد ... وقد عدت بعد النّسك والعود أحمد
فهات [٥] عقارا في قميص زجاجة ... كياقوتة في درّة تتوقّد
стр. 1274
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّة ... له حلق بيض تحلّ وتعقد
وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد [١]
وكان ابن المعتز شديد السمرة، مسنون الوجه يخضّب بالسواد.
ورأيت في بعض المجاميع، أن عبد الله بن المعتز كان يقول: أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد، وكان على الإلحاد، وأبو نواس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنّة وكان أهبّ من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة، وكان أحرص من كلب. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وفي سنة ست وتسعين، وصل إلى مصر أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب [٢] ، هاربا من المهدي عبيد الله وداعية أبي عبد الله الشيعي، فتوجّه [٣] إلى العراق.
وفيها أحمد بن حمّاد بن مسلم، أخو عيسى زغبة التجيبيّ بمصر، في جمادى الأولى. روى عن سعيد بن أبي مريم، وسعيد بن عفير، وطائفة، وعمّر أربعا وتسعين سنة.
стр. 1275
وفيها أحمد بن نجدة الهرويّ [١] المحدّث. روى عن سعيد بن منصور وطائفة.
وفيها أحمد بن يحيى الحلوانيّ، أبو جعفر، الرّجل الصالح ببغداد.
سمع أحمد بن يونس، وسعدويه، وكان من الثقات.
وأحمد بن يعقوب، أبو المثنى القاضي، أحد من قام في خلع المقتدر تديّنا، ذبح صبرا.
وخلف بن عمرو العكبريّ، محتشم نبيل، ثقة. روى عن الحميديّ، وسعيد بن منصور.
وفيها أبو حصين الوادعيّ [٢]- بكسر المهملة ثم مهملة نسبة إلى وادعة بطن من همدان- وهو القاضي محمد بن الحسين بن حبيب، في رمضان، صنّف «المسند» ، وكان من حفّاظ الكوفة الثقات، روى عن أحمد بن يونس وأقرانه.
وفيها محمد بن داود الكاتب، أبو عبد الله، الأخباريّ العلّامة، صاحب المصنفات. كان أوحد أهل زمانه في معرفة أيام النّاس. أخذ عن عمر بن شبّة [٣] وغيره، وقتل في فتنة ابن المعتز.
стр. 1276
سنة سبع وتسعين ومائتين
قال ابن الجوزي في «الشذور» : قال ثابت بن سنان المؤرّخ: رأيت في بغداد امرأة بلا ذراعين، ولا عضدين، ولها كفّان بأصابع معلقات برأس [١] كتفيها، لا تعمل بهما شيئا، وكانت تعمل أعمال اليدين برجليها، ورأيتها تغزل برجليها، وتمدّ الطاقة وتسوّيها. انتهى.
وفيها عبيد بن غنّام بن حفص بن غياث الكوفيّ، أبو محمد، راوية أبي بكر بن أبي شيبة، وكان محدّثا، صدوقا، خيّرا. روى عن جبارة بن المغلّس وطبقته.
وفيها محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، زهير بن حرب، أبو عبد الله، الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ.
قال محمد بن كامل: ما رأيت أحفظ من أربعة، أحدهم: محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، وكان أبوه يستعين به في تصنيف «التاريخ» . سمع أبا حفص الفلّاس وطبقته، ومات في عشر السبعين.
وفيها عمرو [٢] بن عثمان أبو عبد الله المكّيّ الزاهد، شيخ الصوفية وصاحب التصانيف في الطريق. صحب أبا سعيد الخرّاز، والجنيد. وروى عن يونس بن عبد الأعلى وجماعة.
стр. 1277
قال السخاويّ في «طبقاته» : عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص المكّيّ، أبو عبد الله، كان ينتسب إلى الجنيد، وكان قريبا منه في السن والعلم، وكان أحد الأعيان، ولما ولي قضاء جدّة، هجره الجنيد، فجاء إلى بغداد وسلّم عليه، فلم يجبه، فلما مات حضر الجنيد جنازته ولم يصل عليه إماما.
ومن كلامه: اعلم أن كل ما توهمه قلبك من حسن، أو بهاء، أو أنس، أو ضياء، أو جمال أو شبح، أو نور، أو شخص، أو خيال، فالله بعيد من ذلك كله، بل هو أعظم وأجلّ وأكبر، ألا تسمع إلى قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٢: ١١ [الشورى: ١١] .
وقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ١١٢: ٣- ٤ [الإخلاص:
٣- ٤] [١] .
وقال: المروءة التغافل عن زلل الإخوان، وقال: لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سرّ الله عند المؤمنين الموقنين. انتهى ملخصا.
وفيها محمد بن داود بن علي الظّاهريّ، الفقيه، أبو بكر، أحد أذكياء زمانه، وصاحب كتاب «الزّهرة» تصدّر للاشتغال [٢] ، والفتوى ببغداد بعد أبيه، وكان يناظر أبا العبّاس بن سريج، وله شعر رائق، وهو ممّن قتله الهوى، وله نيّف وأربعون سنة. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها مطيّن، وهو الحافظ أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرميّ الكوفيّ [٤] ، في ربيع الآخر بالكوفة، وله خمس وتسعون سنة،
стр. 1278
دخل على أبي نعيم، وروى عن أحمد بن يونس وطبقته.
قال الدارقطنيّ: ثقة جبل.
وقال في «الإنصاف» : نقل عن الإمام أحمد مسائل حسانا جيادا.
وفيها محمد بن عثمان بن أبي شيبة، الحافظ ابن الحافظ، أبو جعفر العبسيّ الكوفيّ، نزيل بغداد، في جمادى الأولى، وهو في عشر التسعين.
روى الكثير عن أبيه، وعمّه، وأحمد بن يونس، وخلق، وله تاريخ كبير، وثّقه صالح جزرة، وضعفه الجمهور.
وأما ابن عدي فقال: لم أر له حديثا منكرا فأذكره.
قال ابن ناصر الدّين: كذّبه عبد الله بن الإمام أحمد، وضعّفه آخرون، وقال بعضهم: هو عصا موسى تتلقف ما يأفكون. انتهى.
وفيها موسى بن إسحاق بن موسى الأنصاريّ الخطميّ- بالفتح والسكون نسبة إلى بني خطمة، بطن من الأنصار- القاضي، أبو بكر، الفقيه الشافعيّ بالأهواز، وله سبع وثمانون سنة. ولي قضاء نيسابور وقضاء الأهواز، وحدّث عن أحمد بن يونس وطائفة، وهو آخر من حدّث عن قالون [١] .
صاحب نافع القارئ، وكان يضرب به المثل في ورعه وصيانته في القضاء، وثّقه ابن أبي حاتم، وقطع ابن ناصر الدّين بتوثيقه.
قال الإسنويّ: وكان يضرب به المثل في ورعه وصيانته في القضاء، حتّى إن الخليفة أوصى وزيره به وبالقاضي إسماعيل، وقال: بهما يدفع البلاء عن أهل الأرض، وكان كثير السماع. سمع أحمد بن حنبل وغيره، وكان لا يرى متبسما قطّ، فقالت له يوما امرأته: لا يحلّ لك أن تحكم بين النّاس،
стр. 1279
فإن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا يحلّ للقاضي أن يقضيّ وهو غضبان» [١] فتبسم.
انتهى ملخصا.
وفيها يوسف بن يعقوب، القاضي أبو محمد الأزديّ، ابن عمّ إسماعيل القاضي، ولي قضاء البصرة وواسط، ثم ولي قضاء الجانب الشرقي [٢] ، وولد سنة ثمان ومائتين، وسمع في صغره من مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما، وصنّف «السّنن» وكان حافظا، ديّنا، عفيفا، مهيبا.
وقال ابن ناصر الدّين: ثقة.
стр. 1280
سنة ثمان وتسعين ومائتين
فيها ولي الحسين بن حمدان ديار بكر [١] ، وربيعة.
وفيها خرج على عبيد الله المهدي، داعياه: أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العبّاس، وجرت لهما معه وقعة هائلة، وذلك في جمادى الآخرة، فقتل الداعيان وأعيان جندهما، وصفا الوقت لعبيد الله، فعصى عليه أهل طرابلس، فجهّز لحربهم ولده القائم أبا القاسم، فأخذها بالسيف في سنة ثلاثمائة.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن مسروق الطّوسيّ الزاهد، ببغداد، في صفر، وكان من سادات الصوفية ومحدّثيهم. روى عن علي بن الجعد، وابن المديني، وجمع وصنّف، وهو من رجال «الرسالة القشيرية» [٢] وصحب المحاسبيّ، والسقطي، ومحمد بن منصور الفارسي، وغيرهم.
وقال جعفر الخلديّ: سألته عن مسألة في العقل، فقال: يا أبا محمد، من لم يحترز بعقله من عقله لعقله، هلك بعقله.
стр. 1281
وقال: الزاهد الذي لا يملك مع الله سببا.
وقال: لا يصلح السماع إلا لمذبوح النفس، محترق الطبع، ممحق الهوى، صافي السرّ، طاهر القلب، عالي الهمّة، دائم الوجد، تام العلم، كامل العقل، قوي الحال، وإلا خسر من حيث يلتمس الربح، وضلّ من حيث يطلب الهدى، وهلك بما يرجو به النجاة، وليس في علوم التصوّف علم ألطف ولا في طرقه طريق أدقّ من علم السماع، وطريق أهله فيه.
وقال: كثرة النظر في الباطن تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وتوفي في صفر، وله أربع وثمانون سنة، ودفن في مقابر باب حرب بغداد.
وفيها قاضي الأنبار وخطيبها البليغ المصقع، أبو محمد، بهلول بن إسحاق بن بهلول بن حسّان التنوخيّ- نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين- كان ثقة صاحب حديث. سمع بالحجاز سعيد بن منصور وإسماعيل بن أويس.
وفيها شيخ الصوفية، تاج العارفين، أبو القاسم، الجنيد بن محمد القواريريّ الخزّاز- بالزاي المكررة- صحب خاله السّريّ، والمحاسبيّ، وغيرهما من الجلّة، وصحبه أبو العبّاس بن سريج، وكان إذا أفحم مناظريه قال: هذا من بركة مجالستي للجنيد، وأصل الجنيد من نهاوند، ونشأ بالعراق، وتفقّه على أبي ثور، وقيل: كان على مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسّنّة.
وقال له خاله: تكلم على النّاس فاستصغر نفسه، فرأى رسول الله ﷺ ، يأمره بذلك، فلما جلس لذلك جاءه غلام نصراني وقال: ما معنى قوله ﷺ :
стр. 1282
«اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» [١] فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال له: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.
ولما صنّف عبد الله بن سعيد بن كلاب كتابه الذي ردّ فيه على جميع المذاهب، سأل عن شيخ الصوفية، فقيل له: الجنيد، فسأله عن حقيقة مذهبه، فقال: مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان، فقال ابن كلاب: هذا كلام لا يمكن فيه المناظرة، ثم حضر مجلس الجنيد، فسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على المعارف، ثم قال: أعد عليّ لا بتلك العبارة، ثم استعاده الثالثة، فأعاده بعبارة أخرى، فقال: أمله عليّ، فقال: لو كنت أجرّده كنت أمليه، فاعترف بفضله.
وقال الكعبيّ المعتزليّ لبعض الصوفية: رأيت لكم ببغداد شيخا يقال له: الجنيد، ما رأت عينيّ مثله، كان الكتبة يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة لدقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه، وكلامه ناء عن فهمهم.
وسئل السّريّ عن الشكر؟ والجنيد صبي يلعب، فأجاب الجنيد: هو أن لا يستعين بنعمه على معاصيه.
وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرّك وأنت ساكت.
وقال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل: وما هي؟
قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جارية تغني من دار، فأنصت لها، فسمعتها تقول:
стр. 1283
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحبّ
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولي بنيران الهوى شرف القلب
وإن قلت ما أذنبت قالت مجيبة ... وجودك [١] ذنب لا يقاس به ذنب [٢]
فصعقت وصحت، فبينما أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، وقال: ما هذا يا سيدي؟ فقلت له: مما سمعت، فقال: هي هبة منّي إليك، قلت: قد قبلتها وهي حرّة لوجه الله تعالى، ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرّباط [٣] ، فولدت له ولدا نبيلا.
ونشأ الجنيد أحسن نشء، وحجّ على قدميه ثلاثين حجّة.
وقال الجريريّ: كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يوم جمعة، ويوم نيروز الخليفة، وهو يقرأ القرآن، فقلت له: يا أبا القاسم، ارفق بنفسك. فقال لي: يا أبا محمد، أرأيت أحدا أحوج إليه منّي في هذا الوقت، وهو ذا تطوى صحيفتي، وكان قد ختم القرآن الكريم، ثم بدأ بالبقرة، فقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى.
ومناقبه كثيرة، ولو أرسلنا عنان القلم لسوّدنا أسفارا من مناقبه، ﵁، ودفن بالشونيزية عند خاله سري السقطي، ﵄.
وفيها العلّامة أبو يحيى زكريا بن يحيى النيسابوريّ المزكّيّ، شيخ الحنفية، وصاحب التصانيف بنيسابور في ربيع الآخر، وقد ناهز الثمانين.
روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة، وكان ذا عبادة وتقى.
وفيها الزاهد الكبير، أبو عثمان الحيريّ، سعيد بن إسماعيل، شيخ نيسابور. وواعظها، وكبير الصوفية بها، في ربيع الآخر، وله ثمان وستّون
стр. 1284
سنة. صحب العارف أبا حفص النيسابوري، وسمع بالعراق من حميد بن الربيع، وكان كبير الشأن، مجاب الدعوة. قاله في «العبر» [١] .
وقال السّلميّ في «التاريخ» [٢] هو رازيّ الأصل، ذهب إلى شاه الكرماني، ووردا جميعا إلى نيسابور زائرين لأبي حفص، ونزلا محلة الحيرة في دار علكان، وأقاما بها أياما، فلما أراد الشاه الخروج، خرجا جميعا إلى قرية أبي حفص على باب مدينة نيسابور، وهي قرية تسمى كورداباذ [٣] ، فقال أبو حفص لأبي عثمان: إن كان الشاه يرجع إلى طاعة أبيه، فأنت إلى أين تذهب، فنظر أبو عثمان إلى الشاه، فقال الشاه: أطع الشيخ، فرجع مع أبي حفص إلى نيسابور، وخرج الشاه وحده.
وقال أبو عثمان: صحبت أبا حفص وأنا شاب، فطردني مرّة وقال: لا تجلس عندي، فقمت من عنده، ولم أولّ ظهري عليه، وانصرفت أمشي إلى وراء، ووجهي إلى وجهه، حتّى غبت عنه، وجعلت في نفسي أن أحفر على بابه حفرة وأدخل فيها ولا أخرج منها إلا بأمره، فلما رأى ذلك منّي أدناني، وقرّبني، وجعلني من خواصّ أصحابه.
وقال أبو عمرو بن نجيد [٤] : في الدّنيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام.
ومن كلامه: من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن
стр. 1285
أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ٢٤: ٥٤ [النور: ٥٤] .
وقال: موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم.
ودفن بنيسابور في مقبرة الحيرة على الشارع مع قبر أستاذه أبي حفص.
وفيها فقيه قرطبة، ومسند الأندلس، أبو مروان عبيد الله بن الإمام، يحيى بن يحيى اللّيثيّ، في عاشر رمضان، وكان ذا حرمة عظيمة وجلالة.
روى عن والده «الموطأ» وحمل عنه بشر كثير.
وفيها محمد بن يحيى بن سليمان، أبو بكر المروزيّ، في شوّال ببغداد. روى عن عاصم بن علي، وأبي عبيد.
وفيها محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ، أبو العبّاس الأمير ببغداد، ودفن عند عمّه محمد بن عبد الله. سمع من إسحاق بن راهويه وغيره، وولي إمرة خراسان بعد والده، سنة ثمان وأربعين وهو شاب، ثم خرج عليه يعقوب الصّفّار وحاربه، وأسره يعقوب في سنة تسع وخمسين، ثم خلّص من أسره سنة اثنتين وستين، ثم بقي خاملا إلى أن مات.
стр. 1286
سنة تسع وتسعين ومائتين
فيها قبض المقتدر على الوزير ابن الفرات، ونهبت دوره، ووقع النهب والخبطة في بغداد.
وفيها توفي شيخ نيسابور، أبو عمرو أحمد بن نصر الخفّاف، الزّاهد الحافظ. سمع إسحاق بن راهويه وجماعة.
قال الضّبعيّ: كنّا نقول: إنه يفي بمذاكرة مائة [١] ألف حديث.
وقال ابن خزيمة، يوم وفاته: لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه.
وقال يحيى العنبري: لمّا كبر أبو عمرو، وأيس من الولد، تصدّق بأموال يقال: قيمتها خمسون ألفا [٢] .
وقال ابن ناصر الدّين: أحمد بن نصر بن إبراهيم الخفّاف النيسابوري، أبو عمرو، الحافظ الملقب بزين الأشراف، وكان طوّافا حافظا، صائم الدهر، كثير البرّ، تصدّق حين كبر بأموال لها شأن. انتهى.
وقال العلّامة ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
ثمّ احمد بن نصر الخفّاف ... صالحهم راوية طوّاف
стр. 1287
ومثله عليّك ذاك عليّ ... فتى سعيد بن بشير أجمل
وقال في «شرحها» : عليك هو علي بن سعيد بن بشير بن مهران، أبو الحسين الرّازي. كان حافظا لم يكن بذاك، وكان والي قرية بمصر. انتهى.
وقال في «المغني» [١] : قال الدارقطني: ليس بذاك، تفرّد بأشياء.
انتهى.
وأبو الحسن، محمد بن أحمد بن كيسان البغداديّ النحويّ، صاحب التصانيف في القراءات، والغريب، والنحو. كان أبو بكر بن مجاهد يعظّمه ويقول: هو أنحى من الشيخين، يعني ثعلبا والمبرد، توفي في ذي القعدة.
ومحمد بن يزيد بن عبد الصّمد المحدّث، أبو الحسن. روى عن صفوان بن صالح وطبقته، وكان صدوقا.
وفيها محمد بن يحيى، المعروف بحامل كفنه.
قال ابن الجوزي في «الشذور» : كان قد حدّث عن أبي بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو منصور القزّاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: بلغني أن المعروف بحامل كفنه، توفي، وغسّل، وصلّي عليه، ودفن، فلما كان الليل جاءه نبّاش فنبش عنه، فلما أحلّ أكفانه ليأخذها، استوى قاعدا، فهرب النبّاش، فقام وحمل كفنه، وجاء إلى منزله وأهله يبكون، فطرق الباب، فقالوا: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقالوا: يا هذا لا يحلّ لك أن تزيدنا على ما بنا، فقال: يا قوم افتحوا فأنا والله فلان، فعرفوا صوته، ففتحوا، فعاد حزنهم فرحا، وسمّي حامل كفنه.
ومثل هذا، سعيد بن الخمس الكوفيّ، فإنه لما دلّي في قبره اضطرب، فحلّت عنه الأكفان، فقام ورجع إلى منزله، وولد له بعد ذلك ابنه مالك. انتهى ما ذكره ابن الجوزي في «الشذور» .
стр. 1288
سنة ثلاثمائة
قال في «الشذور» أيضا: فيها كثرت الأمراض ببغداد في النّاس، وكلبت الكلاب [١] والدواب في البادية، وكانت تطلب النّاس والدواب، فإذا عضّت إنسانا هلك. انتهى.
وفيها توفي صاحب الأندلس، أبو محمد، عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرّحمن بن معاوية الأمويّ المروانيّ، في ربيع الآخر، وكانت دولته خمسا وعشرين سنة. ولي بعد أخيه المنذر في سنة خمس وسبعين، وكان ذا صلاح، وعبادة، وعدل، وجهاد، يلتزم الصلوات في الجامع، وله غزوات كبار، أشهرها غزوة ابن حفصون، وكان ابن حفصون قد نازل حصن بلي [٢] في ثلاثين ألفا، فخرج عبد الله من قرطبة في أربعة عشر ألفا، فالتقيا، فانكسر ابن حفصون، وتبعه عبد الله يأسر ويقتل، حتّى لم ينج منهم أحد، وكان ابن حفصون من الخوارج، وولي
стр. 1289
الأندلس بعده حفيده الناصر لدين الله، عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله، فبقي في الإمرة خمسين عاما.
وفيها أبو الحسن علي بن سعيد العسكريّ الحافظ، أحد أركان الحديث، روى عن محمد بن بشّار وطبقته، وتوفي بخراسان.
стр. 1290
تمّ المجلد الثالث من كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وكان الفراغ من تحقيقه والتعليق عليه في ظهيرة يوم الثلاثاء التاسع من شهر جمادى الآخرة لعام (١٤٠٧) هـ، ونسأل الله أن يعيننا على إتمام تحقيق بقية مجلداته بفضله وكرمه، إنه خير مسؤول.
محمود الأرناؤوط
стр. 1291
[المجلد الرابع]
سنة إحدى وثلاثمائة
فيها أدخل الحلّاج بغداد مشهورا على جمل، وعلّق مصلوبا، ونودي عليه [١] : هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس وظهر أنه ادّعى الإلهية، وصرّح بحلول اللّاهوت في الأشراف [٢] وكانت مكاتباته تنبئ بذلك، فاستمال أهل الحبس بإظهار السّنّة، فصاروا يتبركون به. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها كما قال العلّامة ابن ناصر الدّين في «بديعته» [٤] :
وبكر بن أحمد بن مقبل ... أفاد شأن الأثر المبجّل
وتسعة مثاله ذا أحمد ال ... برديجي البردعي [٥] والمسند
محمد بن مندة فسلم ... كذا فتى العبّاس نجل الأخرم
مثل فتى ناجية ذا البربري ... كالفريابي الدّينوريّ جعفر
شبه الحسين ذا فتى إدريس ... مثل الهسنجاني الرضى الرئيس
والهروي محمد ذا السّامي ... كالفرهياني العارف الإمام
فأما الأول، فهو: بكر بن أحمد بن مقبل، البصريّ الحافظ الثبت
стр. 1292
المجود. روى عن عبد الله بن معاوية الجمحيّ وطبقته.
وأما الثاني فهو: أحمد بن هارون بن روح أبو بكر البردعيّ [١] ، نزيل بغداد. كان من الثقات الأخيار ومشاهير علماء الأمصار.
وأما الثالث فهو: محمد بن يحيى بن إبراهيم مندة [٢] بن الوليد بن سندة بن بطة بن استندار، واسمه فيرازان بن جهاربخت العبديّ، مولاهم، الأصبهانيّ، أبو عبد الله، جدّ الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق. روى عن لوين، وأبي كريب، وخلق. وحدّث عنه الطبرانيّ وغيره، وكان من الثقات.
قال أبو الشيخ: كان أستاذ شيوخنا وإمامهم.
وقيل: إنه كان يجاري أحمد بن الفرات وينازعه.
وأما الرابع، فهو محمد بن العبّاس بن أيوب بن الأخرم، أبو جعفر الأصبهانيّ، كان حافظا، نبيها، محدّثا، فقيها.
وأما الخامس، فهو عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجية، أبو محمد البربريّ البغداديّ، كان حافظا مسندا. صنف مسندا في مائة واثنين [٣] وثلاثين جزءا.
وأما السادس، فهو جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض التركيّ، أبو بكر الفريابيّ، قاضي الدّينور. كان إماما حافظا علامة من النقادين، وهو صاحب التصانيف. رحل من بلاد التّرك إلى مصر، وعاش أربعا وتسعين سنة، وكان من أوعية العلم. روى عن علي بن المديني، وأبي جعفر النّفيلي وطبقتهما، وأول سماعه سنة أربع وعشرين ومائتين.
قال ابن عدي: كنّا نحضر مجلسه وفيه عشرة آلاف أو أكثر.
стр. 1293
وأما السابع، فهو الحسين بن إدريس بن المبارك بن الهيثم الأنصاريّ الهرويّ، أبو علي بن حزم. وثقه الدارقطنيّ، وجزم ابن ناصر الدّين بتوثيقه، وكان حافظا من المكثرين. رحل وطوّف وصنف، وروى عن سعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وخلق.
وأما الثامن، فهو إبراهيم بن يوسف بن خالد بن إسحاق الرّازيّ الهسنجانيّ- بكسر الهاء والمهملة، وسكون النون الأولى، وجيم، نسبة إلى هسنجان قرية بالرّيّ [١]- كان إماما، عالما، محدّثا، ثقة.
وأما التاسع، فهو محمد بن عبد الرّحمن الهرويّ السّاميّ الحافظ، في ذي القعدة. طوّف، ورحل، وروى عن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يونس، والكبار، ويكنى أبا أحمد، ويقال: أبا عبد الله.
وأما العاشر، فهو عبد الله بن محمد بن سيّار الفرهيانيّ، ويقال:
الفرهاذانيّ، كان عالما خيّرا من الأثبات.
وفيها، وجزم صاحب «العبر» [٢] وغيره، أنه في التي قبلها [٣] أحمد بن يحيى بن الرّاونديّ الملحد، لعنه الله، ببغداد، وكان يلازم الرافضة والزنادقة.
قال ابن الجوزي: كنت أسمع عنه بالعظائم حتّى رأيت في كتبه ما لم يخطر على قلب أنه يقوله عاقل، فمن كتبه كتاب «نعت الحكمة» وكتاب «قضيب الذهب» وكتاب «الزمردة» .
وقال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنّف «الدامغ» [٤] يدمغ به
стр. 1294
القرآن، و «الزمردة» يزري بها على النبوات. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن الأهدل ما ملخصه: له مقالات في علم الكلام، وينسب إليه الإلحاد، وله مائة وبضعة عشر كتابا، وله كتاب «نصيحة المعتزلة» ردّ فيه عليهم، وأصحابنا ينسبونه إلى ما هو أصل من مذهبهم، عاش نحوا من أربعين سنة- وراوند قرية من قرى قاسان بالمهملة من نواحي أصبهان [٢]- قيل: وهو الذي لقّن اليهود القول بعدم نسخ شريعتهم، وقال لهم: قولوا: إن موسى أمرنا أن نتمسك بالسبت ما دامت السماوات والأرض، ولا تأمر الأنبياء إلا بما هو حق. انتهى.
والعجب من ابن خلّكان كيف يترجمه [٣] ترجمة العلماء ساكتا عن عواره مع سعة اطلاع ابن خلّكان ووقوفه على إلحاده، وقد اعترض جماعات كثيرة على ابن خلّكان من أجل ذلك، حتّى قال العماد بن كثير [٤] : هذا على عادته، من تساهله وغضّه عن عيوب مثل هذا الشقي، والله أعلم.
وفيها، أو في التي قبلها، كما جزم به في «العبر» [٥] حيث قال:
محمد بن أحمد بن جعفر الكوفيّ أبو العلاء الذّهلي الوكيعيّ بمصر، عن ست وتسعين سنة، روى عن علي بن المديني وجماعة.
стр. 1295
وفيها محمد بن الحسن بن [موسى بن] [١] سماعة الحضرميّ الكوفيّ في جمادى الأولى.
ومحمد بن جعفر القتّات الكوفي أبو عمر [٢] في جمادى الأولى أيضا.
رويا كلاهما على ضعف فيهما عن أبي نعيم [٣] .
وفيها محمد بن جعفر الرّبعيّ البغداديّ، أبو بكر، المعروف بابن الإمام، في آخر السنة بدمياط، وهو في عشر المائة. روى عن إسماعيل بن أبي أويس، وأحمد بن يونس.
وفيها أبو الحسن مسدّد بن قطن [٤] النيسابوري. روى عن جدّه لأمه بشر بن الحكم وطبقته بخراسان والعراق.
قال الحاكم: كان مزنيّ عصره، والمقدّم في الزّهد والورع. انتهى.
فعدّ هؤلاء في الثلاثمائة.
وفيها- أي سنة إحدى وثلاثمائة- الحسن بن بهرام أبو سعيد الجنّابيّ القرمطيّ صاحب هجر، قتله خادم له صقلبيّ راوده في الحمام، ثم خرج فاستدعى رئيسا من خواص الجنابي، وقال: السيد يطلبك، فلما دخل قتله،
стр. 1296
ثم دعا آخر كذلك، حتّى قتل أربعة، ثم صاح النساء وتكاثروا على الخادم فقتلوه، وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة.
وفيها سار عبيد الله المهدي المتغلّب على المغرب في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتّى بقي بينه وبين مصر أيام [١] ، ففجرت كبراء الخاصة النيل [٢] ، فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهديّ إلى برقة، بعد أن ملك الإسكندرية، والفيّوم.
وفيها توفي أبو نصر أحمد بن الأمير إسماعيل بن أحمد السّامانيّ، صاحب ما وراء النهر، قتله غلمانه، وتملك بعده ابنه نصر.
وفيها أبو بكر أحمد بن [محمد بن] [٣] عبد العزيز بن الجعد البغداديّ الوشّاء، الذي روى «الموطأ» عن سويد [٤] .
وفيها المحدّث المعمّر [محمد] بن حبّان بن الأزهر أبو بكر الباهليّ البصريّ القطّان، نزيل بغداد. روى عن أبي عاصم النبيل، وعمرو بن مرزوق، وهو ضعيف.
وفيها الأمير علي بن أحمد الرّاسبيّ، أمير جنديسابور [٥] ، والسوس، وخلّف ألف فرس، وألف ألف دينار، ونحو ذلك.
وفيها- على ما قال ابن الأهدل- الوزير ابن الفرات، وكان عالما محبّا للعلماء، وبسببه سار الإمام الدارقطنيّ من العراق إلى مصر، ولم يزل
стр. 1297
عنده حتّى فرغ من تأليف «مسنده» وكان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارا ليس بينها وبين الضريح النبويّ إلّا جدار واحد ليدفن فيها، ولما مات حمل تابوته إلى مكة، ووقف به في مواقف الحج، ثم إلى المدينة، وخرجت الأشراف إلى لقائه لسالف إحسانه، ودفن حيث أمر، وقيل: دفن بالقرافة، رحمه الله تعالى [١] .
стр. 1298
سنة اثنتين وثلاثمائة
فيها عاد المهديّ ونائبه حباسة إلى الإسكندرية، فتمّت وقعة كبيرة، قتل فيها حباسة، فردّ المهديّ إلى القيروان.
وفيها صادر المقتدر أبا عبد الله الحسين بن الجصّاص الجوهري وسجنه، وأخذ من الأموال ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار.
وأما أبو الفرج بن الجوزي فقال: أخذوا منه ما مقداره: ستة عشر ألف ألف دينار، عينا، وورقا، وقماشا، وخيلا.
وقيل: كانت عنده ودائع عظيمة، لزوجة المعتضد قطر الندى بنت خمارويه.
وقال بعض الناس: رأيت سبائك الذهب والفضة [١] تقبّن بالقبّان من بيت ابن الجصّاص.
وفيها أخذت طيء الركب العراقي، وتمزّق الوفد في البرية، وأسروا من النساء مائتين وثمانين امرأة.
وفيها توفي العلّامة فقيه المغرب، أبو عثمان الحداد الإفريقيّ المالكيّ، سعيد بن محمد بن صبيح، وله ثلاث وثمانون سنة. أخذ عن
стр. 1299
سحنون وغيره، وبرع في العربية والنظر، ومال إلى مذهب الشافعي، وأخذ يسمي «المدونة» المدوّدة، فهجره المالكية، ثم أحبّوه لما قام على أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السّنّة.
وفيها إبراهيم بن شريك الأسديّ الكوفيّ، صاحب أحمد بن يونس ببغداد.
وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، صاحب نعيم بن حمّاد ببغداد.
وإبراهيم بن محمد بن الحسن بن متّويه، العلّامة، أبو إسحاق الأصفهاني، إمام جامع أصبهان، وأحد العبّاد والحفّاظ. سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وطبقتهما.
وفيها محمد بن زنجويه القشيريّ النيسابوريّ، صاحب إسحاق بن راهويه.
وفيها القاضي أبو زرعة، محمد بن عثمان الثقفيّ، مولاهم، قاضي دمشق بعد قضاء مصر [وكان جدّه يهوديا فأسلم، وولي أبو زرعة قضاء مصر] [١] ثمان سنين، والشام ما يزيد على العشرة، وكان ثبتا موثقا، وكان أكولا، يأكل سلّة عنب، وسلّة تين. قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» .
وفيها محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطيّ، ثم البغداديّ، أبو بكر، الباغنديّ، ولتدليسه رمي بالتجريح، مع أنه كان حافظا بحرا.
قال في «المغني» [٢] : فيه لين.
стр. 1300
قال ابن عدي: أرجو أنه كان لا يتعمد الكذب، وكان مدلّسا. انتهى.
وفيها الإمام عبدوس، عبد الرّحمن بن أحمد بن عبّاد بن سعيد الهمذانيّ السّرّاج، أبو محمد، كان ثقة، فاضلا، نبيلا.