← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ثم دعا آخر كذلك، حتّى قتل أربعة، ثم صاح النساء وتكاثروا على الخادم فقتلوه، وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة. وفيها سار عبيد الله المهدي المتغلّب على المغرب في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتّى بقي بينه وبين مصر أيام [١] ، ففجرت كبراء الخاصة النيل [٢] ، فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهديّ إلى برقة، بعد أن ملك الإسكندرية، والفيّوم. وفيها توفي أبو نصر أحمد بن الأمير إسماعيل بن أحمد السّامانيّ، صاحب ما وراء النهر، قتله غلمانه، وتملك بعده ابنه نصر. وفيها أبو بكر أحمد بن [محمد بن] [٣] عبد العزيز بن الجعد البغداديّ الوشّاء، الذي روى «الموطأ» عن سويد [٤] . وفيها المحدّث المعمّر [محمد] بن حبّان بن الأزهر أبو بكر الباهليّ البصريّ القطّان، نزيل بغداد. روى عن أبي عاصم النبيل، وعمرو بن مرزوق، وهو ضعيف. وفيها الأمير علي بن أحمد الرّاسبيّ، أمير جنديسابور [٥] ، والسوس، وخلّف ألف فرس، وألف ألف دينار، ونحو ذلك. وفيها- على ما قال ابن الأهدل- الوزير ابن الفرات، وكان عالما محبّا للعلماء، وبسببه سار الإمام الدارقطنيّ من العراق إلى مصر، ولم يزل

стр. 1297

عنده حتّى فرغ من تأليف «مسنده» وكان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارا ليس بينها وبين الضريح النبويّ إلّا جدار واحد ليدفن فيها، ولما مات حمل تابوته إلى مكة، ووقف به في مواقف الحج، ثم إلى المدينة، وخرجت الأشراف إلى لقائه لسالف إحسانه، ودفن حيث أمر، وقيل: دفن بالقرافة، رحمه الله تعالى [١] .

стр. 1298

سنة اثنتين وثلاثمائة فيها عاد المهديّ ونائبه حباسة إلى الإسكندرية، فتمّت وقعة كبيرة، قتل فيها حباسة، فردّ المهديّ إلى القيروان. وفيها صادر المقتدر أبا عبد الله الحسين بن الجصّاص الجوهري وسجنه، وأخذ من الأموال ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار. وأما أبو الفرج بن الجوزي فقال: أخذوا منه ما مقداره: ستة عشر ألف ألف دينار، عينا، وورقا، وقماشا، وخيلا. وقيل: كانت عنده ودائع عظيمة، لزوجة المعتضد قطر الندى بنت خمارويه. وقال بعض الناس: رأيت سبائك الذهب والفضة [١] تقبّن بالقبّان من بيت ابن الجصّاص. وفيها أخذت طيء الركب العراقي، وتمزّق الوفد في البرية، وأسروا من النساء مائتين وثمانين امرأة. وفيها توفي العلّامة فقيه المغرب، أبو عثمان الحداد الإفريقيّ المالكيّ، سعيد بن محمد بن صبيح، وله ثلاث وثمانون سنة. أخذ عن

стр. 1299

سحنون وغيره، وبرع في العربية والنظر، ومال إلى مذهب الشافعي، وأخذ يسمي «المدونة» المدوّدة، فهجره المالكية، ثم أحبّوه لما قام على أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السّنّة. وفيها إبراهيم بن شريك الأسديّ الكوفيّ، صاحب أحمد بن يونس ببغداد. وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، صاحب نعيم بن حمّاد ببغداد. وإبراهيم بن محمد بن الحسن بن متّويه، العلّامة، أبو إسحاق الأصفهاني، إمام جامع أصبهان، وأحد العبّاد والحفّاظ. سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وطبقتهما. وفيها محمد بن زنجويه القشيريّ النيسابوريّ، صاحب إسحاق بن راهويه. وفيها القاضي أبو زرعة، محمد بن عثمان الثقفيّ، مولاهم، قاضي دمشق بعد قضاء مصر [وكان جدّه يهوديا فأسلم، وولي أبو زرعة قضاء مصر] [١] ثمان سنين، والشام ما يزيد على العشرة، وكان ثبتا موثقا، وكان أكولا، يأكل سلّة عنب، وسلّة تين. قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» . وفيها محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطيّ، ثم البغداديّ، أبو بكر، الباغنديّ، ولتدليسه رمي بالتجريح، مع أنه كان حافظا بحرا. قال في «المغني» [٢] : فيه لين.

стр. 1300

قال ابن عدي: أرجو أنه كان لا يتعمد الكذب، وكان مدلّسا. انتهى. وفيها الإمام عبدوس، عبد الرّحمن بن أحمد بن عبّاد بن سعيد الهمذانيّ السّرّاج، أبو محمد، كان ثقة، فاضلا، نبيلا.

стр. 1301

سنة ثلاث وثلاثمائة فيها عسكر الحسين بن حمدان، والتقى هو ورائق، فهزم رائقا، فسار لحربه مؤنس الخادم، فحاربه، وتمّت لهما خطوب، ثم أخذ مؤنس يستميل أمراء الحسين، فتسرعوا إليه، ثم قاتل الحسين فأسره واستباح أمواله، وأدخل بغداد على جمل [هو] [١] وأعوانه، ثم قبض على أخيه أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وأقاربه. وفيها توفي الإمام، أحد الأعلام، صاحب المصنفات، التي منها «السنن» أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب بن علي النّسائي- نسبة إلى نسا مدينة بخراسان- توفي في ثالث عشر صفر، وله ثمان وثمانون سنة. سمع قتيبة، وإسحاق [٢] وطبقتهما، بخراسان، والحجاز، والشام، والعراق، ومصر، والجزيرة، وكان رئيسا، نبيلا، حسن البزّة، كبير القدر، له أربع زوجات يقسم لهنّ، ولا يخلو من سرّيّة لنهمته في التّمتّع، ومع ذلك كان يصوم صوم داود، ويتهجد. قال ابن المظفّر الحافظ: سمعتهم بمصر يصفون اجتهاد النّسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الغزو مع أمير مصر، فوصف من شهامته

стр. 1302

وإقامته السّنن في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس الأمير. وقال الدارقطنيّ: خرج حاجّا، فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكّة، فحمل، وتوفي بها في شعبان. قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث. قاله في «العبر» [١] . وقال السيوطيّ في «حسن المحاضرة» [٢] : الحافظ [الإمام] [٣] شيخ الإسلام، أحد الأئمة المبرّزين والحفاظ المتقنين [٤] والأعلام المشهورين، جال البلاد، واستوطن مصر، فأقام بزقاق القناديل. قال أبو علي النيسابوري: رأيت من أئمة الحديث أربعة في وطني وأسفاري: النسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن أبي طالب بنيسابور. وقال الحاكم: النسائيّ أفقه مشايخ أهل [٥] مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسّقيم من الآثار، وأعرفهم بالرّجال. وقال الذهبيّ: هو أحفظ من مسلم، له من المصنفات «السّنن الكبرى» و «الصّغرى» وهي إحدى الكتب الستة [٦] ، و «خصائص علي» و «مسند علي»

стр. 1303

و «مسند مالك» . ولد سنة خمس وعشرين ومائتين. قال ابن يونس: كان خروجه من مصر في سنة اثنتين وثلاثمائة، ومات بمكّة، وقيل: بالرملة. انتهى ما قاله السيوطي. وقال ابن خلّكان [١] : قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرّحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس، حتى يفضّل؟ وفي رواية [أخرى] [٢] ما أعرف له فضيلة إلا «لا أشبع الله بطنك» [٣] . وكان يتشيّع، فما زالوا يدافعونه في خصيتيه [٤] ، وداسوه، ثم حمل إلى مكّة فتوفي بها [٥] وهو مدفون بين الصّفا والمروة. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدّوس، فهو مقتول [٦] وكان صنّف كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، ﵁ وأهل البيت، وأكثر روايته [٧] فيه عن الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، فقيل له: ألا صنّفت في فضل الصحابة، ﵃، كتابا، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي رضي الله

стр. 1304

عنه كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب، وكان إماما في الحديث، ثقة، ثبتا، حافظا. انتهى ملخصا. وفيها الحافظ الكبير أبو العبّاس الحسن بن سفيان الشّيبانيّ النّسويّ نسبة إلى نسا مدينة بخراسان- صاحب «المسند» و «الأربعين» . تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وسمع من أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والكبار، وكان ثقة، حجة، واسع الرحلة. قال الحاكم: كان محدّث خراسان في عصره، مقدّما في التثبت، والكثرة، والفهم، والأدب، والفقه، توفي في رمضان. وقال ابن ناصر الدين: الحسن بن سفيان بن عامر، أبو العبّاس، الشيباني النسائي، ويقال: النسوي، صاحب «المسند» الكبير، و «كتاب الأربعين» وكان شيخ خراسان في وقته، مقدّما في حفظه، وفقهه، وأدبه، وثقته، وثبته. قلبت عليه أحاديث وعرضت، فردّها كما كانت ورويت. انتهى. وفيها أبو علي الجبّائي- بالضم والتشديد، نسبة إلى جبّى بالقصر قرية بالبصرة [١]- وهو محمد بن عبد الوهاب البصري، شيخ المعتزلة، وأبو شيخ المعتزلة أبي هاشم، وعن أبي علي أخذ شيخ زمانه أبو الحسن الأشعري، ثم رجع عن مذهبه، وله معه مناظرات في الثلاثة الأخوة وغيرها، دوّنها النّاس، وسيأتي شيء منها في ترجمة الأشعري [٢] إن شاء الله تعالى.

стр. 1305

وفيها أحمد بن الحسين بن إسحاق، أبو الحسين [١] البغداديّ، المعروف بالصّوفيّ الصغير. روى عن إبراهيم التّرجماني، وجماعة. قال في «المغني» [٢] : وثقه الحاكم وغيره، ولّينه بعضهم. انتهى. وفيها أبو جعفر أحمد بن فرح البغداديّ المقرئ الضرير، صاحب أبي عمرو الدّوري، تصدّر للإقراء مدة طويلة. وروى الحديث عن ابن المديني. وفيها إسحاق بن إبراهيم النيسابوري البشتي [٣] روى عن قتيبة وخلق. وقال ابن ناصر الدّين: هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر النيسابوري البشتي، أبو يعقوب، كان إماما حافظا. صنّف «المسند» في ثلاث مجلدات كبار وهو غير أبي محمد بن إسحاق بن إبراهيم البستي- بسين مهملة على الصحيح- وهذا أي الثاني يروي عن هشام بن عمّار. توفي سنة سبع وثلاثمائة، وقد بينت ذلك في [٤] كتابي «التوضيح» [٥] . انتهى. قلت: والبشتي: بضم الباء وسكون المعجمة، نسبة إلى بشت قرية بهراة، وبلدة بنيسابور [٦] منها صاحب الترجمة.

стр. 1306

وفيها إبراهيم بن إسحاق النيسابوري، أبو إسحاق الأنماطي [١] هو حافظ، ثبت، رحّال، وهو صاحب «التفسير» روى عن إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وكان الإمام أحمد ينبسط في منزله، ويفطر عنده. وفيها جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، أبو محمد النيسابوري، المعروف بالحصيري [٢] . سمع إسحاق بن راهويه، وكان حافظا عابدا. وعبد الله بن محمد بن يونس السّمناني [٣] أبو الحسين، أحد الثقات الرّحالة. سمع إسحاق، وعيسى زغبة [٤] وطبقتهما. وفيها عمر بن أيوب السّقطي [٥] ، ببغداد. روى عن بشر بن الوليد وطبقته. وفيها محمد بن العبّاس الدّرفس [٦] الغسّاني، أبو عبد الرحمن [٧] الدمشقي، الرجل الصالح. روى عن هشام بن عمّار، وعدة. ومحمد بن المنذر، أبو عبد الرّحمن الهروي الحافظ، المعروف بشكّر [٨] . طوّف وجمع، وروى عن محمد بن رافع وطبقته. قال ابن ناصر الدين: وشكّر، هو محمد بن المنذر بن سعيد بن عثمان ابن رجاء بن عبد الله بن العبّاس بن مرداس السّلمي الهروي القهندي، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الرحمن، ثقة. انتهى.

стр. 1307

سنة أربع وثلاثمائة قال في «الشذور» : فيها استوزر أبو الحسن بن الفرات [١] ، فركب إلى داره، فسقى النّاس يومئذ في داره أربعين ألف رطل من الثلج. انتهى. وفيها غزا مؤنس الخادم بلاد الرّوم من ناحية ملطية، وافتتح حصونا وأثر أثرة [حسنة] [٢] . وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المخرّمي [٣] . روى عن عبيد الله القواريري وجماعة، ضعفه الدارقطني. وقال في «المغني» [٤] : قال الدارقطني: ليس بثقة، حدّث ببواطيل. انتهى. وإسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب المنجنيقي. روى عن داود بن رشيد وطبقته، وهو بغدادي نزل مصر، وكان يحدّث عن منجنيق بجامع مصر، فقيل له: المنجنيقي.

стр. 1308

قال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه النّسائيّ فيما قيل، وله كتاب «رواية الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء» . انتهى. وفيها مات الأمير زيادة الله بن عبد الله الأغلبي من أمراء القيروان. حارب المهديّ الذي خرج بالقيروان، ثمّ عجز عنه، وهرب إلى الشام، ومات بالرّقّة، وقيل: بالرّملة. وفيها الحافظ عبد الله بن مظاهر الأصبهاني شابا، وكان قد حفظ جميع «المسند» وشرع في حفظ أقوال الصحابة والتابعين. روى عن مطيّن يسيرا. وفيها القاسم بن اللّيث بن مسرور الرّسعنيّ العتّابيّ، أبو صالح، نزيل تنّيس. روى عن المعافي الرّسعني، وهشام بن عمّار. وفيها يموت بن المزرّع، أبو بكر العبدي البصري [١] الأخباري العلّامة، وهو في عشر الثمانين. روى عن خاله الجاحظ، وأبي حفص الفلّاس وطبقتهما. وقال ابن الأهدل: هو ابن أخت أبي عمرو الجاحظ. كان أديبا أخباريا، صاحب ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضا خشية أن يتطيروا باسمه، ومدحه منصور الضرير فقال: أنت تحيا والذي يك ... ره أن تحيا يموت [٢]

стр. 1309

أنت صنو النّفس بل أن ... ت لروح النّفس قوت [١] انتهى. وزاد ابن خلّكان بيتا وهو: أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت وقال ابن خلّكان [٢] : وكان يقول: بليت بالاسم الذي سمّاني به أبي [٣] فإني إذا عدت مريضا فاستأذنت عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن المزرع، وأسقطت اسمي. وقال ابن المزرع [٤] : رؤي قبر بالشام عليه مكتوب: لا يغترنّ أحد بالدّنيا فإني ابن من كان يطلق الرّيح إذا شاء ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر مكتوب عليه: كذب الماصّ بظر أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود، ﵉، إنما هو ابن حدّاد يجمع الريح في الزّق ثم ينفخ بها النّار [٥] . قال: فما رأيت قبلهما قبرين يتشاتمان. وكان له ولد يدعى أبا نضلة [٦] مهلهل بن يموت بن المزرع، وكان شاعرا مجيدا ذكره المسعودي في «مروج الذهب ومعادن الجوهر» [٧] فقال: هو من شعراء زمانه. وفيه يقول أبوه مخاطبا له:

стр. 1310

مهلهل قد حلبت شطور دهري ... وكافحني بها الزّمن العنوت وحاربت الرّجال بكلّ ربع ... فأذعن لي الحثالة والرّتوت فأوجع ما أجنّ [١] إليه قلبي ... كريم غشّه [٢] زمن عنوت [٣] كفي حزنا بضيعة ذي قديم ... وأبناء العبيد لها التّخوت [٤] وقد أسهرت [٥] عيني بعد غمض ... مخافة أن تضيع إذا فنيت وفي لطف المهيمن لي عزاء ... بمثلك إن فنيت وإن بقيت وفي لطف المهيمن لي عزاء ... بمثلك إن فنيت وإن بقيت فجب في الأرض وابغ بها علوما ... ولا تقطعك جائحة شتوت [٦] وإن بخل العليم عليك يوما ... فذلّ له وديدنك السّكوت وقل بالعلم كان أبي جوادا ... يقولوا من أبوك [٧] فقل يموت يقرّ لك الأباعد والأداني ... بعلم ليس يجحده البهوت ومن شعر مهلهل [٨] : جلّت محاسنه عن كلّ تشبيه ... وجلّ عن واصف في النّاس يحكيه انظر إلى حسنه واستغن عن صفتي ... سبحان خالقه، سبحان باريه النّرجس الغضّ والورد الجنيّ له ... والأقحوان النّضير النّضر في فيه دعا بألحاظه قلبي إلى عطبي ... فجاءه مسرعا طوعا يلبّيه مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السّراج فتلقي نفسها فيه

стр. 1311

وفيها توفي الشيخ الكبير، شيخ الرّيّ والجبال في التصوف، أبو يعقوب، يوسف بن الحسين الرّازي، كان نسيج وحده في إسقاط التصنّع. صحب ذا النّون [المصري] [١] وأبا تراب [النّخشبي] [٢] . ومن كلامه: لأن ألقى الله تعالى بجميع المعاصي، أحبّ إليّ من أن ألقاه بذرّة من التصنّع، وإذا رأيت المريد يشتغل بالرخص، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء. وكتب إلى الجنيد: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لا تذوق بعدها خيرا أبدا. وقال: علم القوم بأنّ الله يراهم، فاستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه [٣] . وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني نصحت النّاس قولا، وخنت نفسي فعلا، فهب لي خيانة نفسي بنصيحتي للنّاس. وروى عن أحمد بن حنبل، ودحيم، وطائفة.

стр. 1312

سنة خمس وثلاثمائة فيها على ما قاله في «الشذور» أهدى صاحب عمان للسلطان طرائف من البحر، فيها طائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية، أفصح من الببّغاء. انتهى. وفيها قدم رسول ملك الرّوم بطلب [١] الهدنة، فاحتفل المقتدر بجلوسه له. قال الصولي، وغيره: أقاموا الجيش بالسلاح من باب الشّمّاسية، وكان مائة وستين ألفا، ثم الغلمان، وكانوا سبعة آلاف، وكانت الحجّاب سبعمائة، وعلّقت ستور الدّيباج، فكانت ثمانية وثلاثين ألف ستر، ومن البسط وغيرها ما يذهب بالبصر حسنا، ومما كان في الدار مائة سبع مسلسلة، ثم أدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة فيها شجرة لها أغصان، عليها طيور مذهّبة، وورقها ألوان مختلفة، وكل طائر يصفّر لونا بحركات مصنوعة [تغنّي] [٢] ، ثم أدخل إلى داره المسمّاة [٣] بالفردوس، وفيها من الفرش والآلات ما لا يقوّم. وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن شيرويه بن أسد القرشيّ المطلبيّ النيسابوري [٤] ، أحد الحفاظ. سمع إسحاق بن

стр. 1313

راهويه، وأحمد بن منيع وطبقتهما، وصنف التصانيف، وكان ثقة. وفيها محدّث جرجان عمران بن موسى [١] . سمع هدبة بن خالد وطبقته، ورحل وصنّف، وكان من الثقات الأثبات، وتوفي في رجب. وفيها [٢] أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ البصريّ [٣] مسند العصر، في ربيع الآخر، وله مائة سنة إلا بعض سنة، وكان محدّثا، متقنا، ثبتا أخباريا، عالما. روى عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب وطبقتهما. وفيها علي بن سعيد العسكري [٤] نزيل الرّيّ. كان من الأثبات الحفاظ. وفيها القاسم بن زكريا أبو بكر المطرّز، ببغداد، روى عن سويد بن سعيد وأقرانه، وقرأ على الدّوري [٥] وأقرأ النّاس، وجمع وصنف، وكان ثقة. ومحمد بن إبراهيم بن أبان السّرّاج [٦] البغدادي. روى عن يحيى الحمّاني، وعبيد الله القواريري وجماعة. وفيها محمد بن إبراهيم بن نصر [٧] بن شبيب، أبو بكر، الأصبهاني. روى عن أبي ثور الكلبي وجماعة [٨] .

стр. 1314

وفيها محمد بن نصير [١] أبو عبد الله المدني [٢] روى عن إسماعيل ابن عمرو البجلي وجماعة، ووثقه الحافظ أبو نعيم. وفيها محمد بن إبراهيم بن حيّون الأندلسي الحجازي [٣] ، أبو عبد الله، ثقة، صدوق.

стр. 1315

سنة ست وثلاثمائة فيها وقبلها، أمرت أم المقتدر في أمور الأمة ونهت لركاكة ابنها، فإنه لم يركب للنّاس ظاهرا منذ استخلف إلى سنة إحدى وثلاثمائة، ثم ولّى ابنه عليا إمرة مصر وغيرها، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن الذي دخل على الأمة. ولما كان في هذا العام أمرت أمّ المقتدر ثمل [١] القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع وعليها خطها. وفيها أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد ثم رجع. وفيها توفي أحمد بن الحسن بن عبد الجبّار، أبو عبد الله الصوفي [٢] ببغداد. روى عن علي بن الجعد، ويحيى بن معين، وجماعة. وكان ثقة صاحب حديث، مات عن نيّف وتسعين سنة. وفيها القاضي أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي [٣] شيخ

стр. 1316

الشافعية وصاحب التصانيف، في جمادى الأولى، وله سبع وخمسون سنة وستة أشهر، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي قضاء شيراز، وله من المصنفات أربعمائة مصنف. روى الحديث عن الحسن بن محمد الزّعفراني وجماعة. قال الإسنوي: قال الشيخ أبو إسحاق: كان ابن سريج يفضّل على جميع أصحاب الشافعيّ حتّى على المزني. انتهى. وقال ابن خلّكان [١] : وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الإمام الشافعي في أكثر الآفاق. وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي، فقال له: أبلعتك دجلة. وقال له يوما: أمهلني ساعة، قال: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة. وقال له يوما: أكلمك من الرّجل فتجيبني من الرأس، فقال له: هكذا البقر، إذا جفّت [٢] أظلافها [٣] دهنت قرونها. وكان يقال له في عصره: إن الله تعالى بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة فأظهر كل سنّة وأمات كل بدعة، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشّافعيّ حتّى أظهر السّنّة وأخفى البدعة، ومن الله تعالى على رأس الثلاثمائة بك حتّى قويت كل سنّة وأضعفت كل بدعة. وكان له مع فضائله نظم حسن. انتهى كلام ابن خلّكان.

стр. 1317

قلت: وإليه تنسب المسألة السريجية، وهي أن يقول الرجل لزوجته: كلما، أو إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم يقول: أنت طالق. قال ابن سريج: لا يقع شيء للدور. قال البلقيني بجواز تقليد مصحح الدور في السريجية ومقلده لا يأثم، وإن كنت لا أفتي بصحته لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها، وإن ذلك ينفع عند الله تعالى، ذكره عنه ابن حجر الهيتمي، والله أعلم. وقال ابن الأهدل: ومن غرائب ابن سريج أنه كان يقول بلزوم الحكم بالحكاية. انتهى. وفيها أبو عبد الله بن الجلّاء [١] الزاهد المشهور، شيخ الصوفية، واسمه أحمد بن يحيى [٢] . صحب ذا النّون المصري والكبار، وكان قدوة أهل الشام. توفي في رجب. وقد سئل عن المحبة فقال: ما لي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة. قال السخاوي في «طبقاته» [٣] : أحمد بن يحيى بن الجلّاء بغدادي الأصل، أقام بالرّملة ودمشق، وكان من جلّة مشايخ الشام. صحب أباه يحيى بن الجلّاء، وأبا تراب النّخشبي، وذا النّون المصري، وأبا عبيد البسري، وكان أستاذ محمد بن داود الدّقّي. وكان عالما ورعا. كان يقال: إن في الدّنيا ثلاثة من أئمة الصوفية، لا رابع لهم: الجنيد ببغداد، وأبو عثمان الحيري بنيسابور، وأبو عبد الله أحمد بن الجلّاء بالشام.

стр. 1318

قال ابن الجلّاء: من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها، ومن بلغ بالله ثبت عليها. وسئل: على أيّ شيء تصحب الخلق [١] ؟ فقال: إن لم تبرّهم فلا تؤذهم، وإن لم تسرّهم فلا تسؤهم. وقال: لا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه من المودّة والصداقة، فإن الله تعالى فرض لكل مؤمن حقوقا لا يضيّعها إلا من لم يراع حقوق الله عليه. وقال: من استوى عنده المدح والذمّ فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلّها من الله [ ] فهو موحّد. وسئل: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله [ ] . قيل: فإن مات؟ قال: الدّيّة على القاتل [٢] . وقال: اهتمامك بالرزق يزيلك عن الحق، ويفقرك إلى الخلق. وسئل مرة عن علم الصفات: فقال: كيفية المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفيّة الجبّار في القدم هو الذي أحدث الأشياء مبتدعا ... فكيف يدركه مستحدث النسم انتهى. وفيها حاجب [بن مالك] [٣] بن أركين الفرغاني الضّرير المحدّث. روى عن أحمد بن إبراهيم الدّورقي وجماعة، وله جزء مشهور.

стр. 1319

والحسين بن حمدان التّغلبي [١] ذبح في حبس المقتدر بأمره. وفيها الإمام أبو محمد، عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي [٢] ، الحافظ الثقة، صاحب التصانيف. سمع سهل بن عثمان، وأبا بكر بن أبي شيبة، وطبقتهما، وكان يحفظ مائة ألف حديث، ورحل إلى البصرة ثماني عشرة مرّة. توفي في آخر السنة، وله تسعون سنة وأشهر. وفيها محمد بن خلف بن [حيّان بن صدقة] [٣] ، وكيع القاضي [٤] أبو بكر الأخباري، صاحب التصانيف. روى عن الزّبير بن بكّار وطبقته، وولي قضاء الأهواز. قال في «المغني» [٥] : مشهور، له تآليف [٦] . قال ابن المنادي: فيه لين. انتهى. وفيها الفقيه الإمام أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي [٧] [المصري] الضّرير. أصله من رأس عين، بلدة بالجزيرة [٨] له مصنفات في مذهب الشافعي حسان، وشعر جيد، أصابته فاقة في سنة قحط، فنادى بأعلى صوته فوق داره:

стр. 1320

الغياث الغياث يا أحرار ... نحن فقراء [١] وأنتم تجار إنما تحسن المواساة في الش ... دة لا حين ترخص الأسعار [٢] فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة حمل برّ. قال الإسنويّ: كان فقيها متصرفا في علوم كثيرة، لم يكن في زمانه في مصر مثله. قال الشيخ أبو إسحاق [٣] : قرأ على أصحاب الشافعي، وأصحاب أصحابه، وله مصنفات في الفقه [٤] مليحة، منها «الهداية» و «المسافر» و «الواجب» و «المستعمل» وغيرها. وله شعر مليح، وكان شاعرا خبيث اللسان في الهجو، وكان جنديا، ومن شعره: لي حيلة فيمن ينمّ ... وليس في الكذّاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله [٥] وله أيضا: الكلب أحسن عشرة ... وهو النهاية في الخساسة ممّن ينازع في الرّيا ... سة قبل أوقات الرّياسه [٦] نقل عنه الرافعي في الجنايات أن مستحق القصاص يجوز له استيفاؤه بغير إذن الإمام. انتهى ملخصا.

стр. 1321

سنة سبع وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» : انقضّ كوكب عظيم وتقطّع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد عظيم هائل من غير غيم. وفيها كانت الحروب والأراجيف الصعبة بمصر، ثم لطف الله وأوقع المرض في المغاربة، ومات جماعة من أمرائهم، واشتدت علّة القائم محمد بن المهدي. وفيها دخلت القرامطة البصرة، فنهبوا وسبوا. وفيها توفي أبو العبّاس الأشناني، أحمد بن سهل [١] المقرئ المجوّد، صاحب عبيد بن الصبّاح، وكان ثقة. روى الحديث عن بشر بن الوليد وجماعة. وفيها أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنّى بن يحيى التميمي [٢] الحافظ، صاحب «المسند» [٣] روى عن علي بن الجعد،

стр. 1322

وغسّان بن الرّبيع، والكبار. وصنّف التصانيف، وكان ثقة صالحا متقنا. توفي وله تسع وتسعون [١] سنة. وفيها أبو يحيى زكريا بن يحيى السّاجي [٢] البصري الحافظ، محدّث البصرة. روى عن هدبة بن خالد وطبقته. وله كتاب في علل الحديث. قال الإسنوي: منسوب إلى السّاج، وهو نوع من الخشب. كان أحد الأئمة الفقهاء الحفّاظ الثقات. ذكره الشيخ أبو إسحاق في «طبقاته» [٣] فقال: أخذ [الفقه] عن الرّبيع، والمزني. وصنّف كتاب «اختلاف الفقهاء» وكتاب «علل الحديث» وتوفي بالبصرة. انتهى. وفيها أبو بكر عبد الله بن مالك بن سيف التّجيبي [٤] مقرئ الدّيار المصرية. روى عن محمد بن رمح، وتلا على أبي يعقوب الأزرق صاحب ورش، وحدّث عنه ابن يونس، وتوفي في جمادي الآخرة، وعمّر دهرا طويلا. وفيها أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريح العكبري [٥] المحدّث. روى عن جبارة بن المغلّس وطائفة. وفيها محمد بن علي بن مخلد بن فرقد الدّاركي الأصبهاني [٦] آخر أصحاب إسماعيل بن عمرو البجلي، وآخر أصحابه أبو بكر بن المقرئ. وفيها محمد بن هارون أبو بكر الرّوياني [٧] الحافظ الكبير، صاحب

стр. 1323

«المسند» . روى عن أبي كريب وطبقته، وله تصانيف في الفقه، وكان من الثقات. وفيها أبو عمران الجوني موسى بن سهل [١] بالبصرة، وسكن بغداد، وكان ثقة رحّالا حافظا. سمع محمد بن رمح، وهشام بن عمّار وطبقتهما. وفيها الحافظ أبو محمد الهيثم بن خلف الدّوري [٢] ببغداد. روى عن عبيد الله بن عمر القواريري وطبقته، وجمع وصنّف، وكان ثقة. ويحيى بن زكريّا النيسابوري أبو زكريّا الأعرج [٣] أحد الحفّاظ بمصر، وهو عمّ محمد بن عبد الله بن زكريّا بن حيّويه [٤] النيسابوري. دخل مصر على كبر السن، وروى عن قتيبة، وابن راهويه.

стр. 1324

سنة ثمان وثلاثمائة فيها ظهر اختلال الدولة العباسية، وجيّشت الغوغاء ببغداد، فركب الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العبّاس، فقصدت العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، فدام القتال أياما، وقتل عدد كثير، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب في بغداد. وجرت فيها فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، فجزعت الخلق وشرعوا في الهرب. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن سراج بن أبي الأزهر المصري [١] ، وكان من الضعفاء لفسقه بشرب المسكر. قال الحافظ ابن ناصر الدّين في «بديعة البيان» : ثمّ علي بن سراج المصري ... حوّله شرابه ففرّ أي: حوّله عن العدالة إلى الفسق وعدم قبول الرّواية. شربه المسكر ففرّ، أي: انفر منه وهو أمر من الفرار.

стр. 1325

وفيها إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه أبو إسحاق النيسابوري [١] الرجل الصالح، راوي «صحيح مسلم» . روى عن محمد بن رافع، ورحل وسمع ببغداد، والكوفة، والحجاز، وقيل: كان مجاب الدعوة. قاله في «العبر» [٢] . وفيها أبو محمد إسحاق بن أحمد الخزاعي [٣] مقرئ أهل مكّة وصاحب البزّي. روى «مسند العدني» [٤] عن المصنّف [٥] وتوفي في رمضان وهو في عشر التسعين. وعبد الله بن [محمد بن] وهب الحافظ الكبير، أبو محمد الدّينوري [٦] ، سمع الكثير، وطوّف الأقاليم، وروى عن أبي سعيد الأشجّ وطبقته. قال ابن عدي [٧] : سمعت عمر بن سهل يرميه بالكذب. وقال الدار قطنّي: متروك.

стр. 1326

وقال أبو علي النيسابوري: بلغني أن أبا زرعة [١] كان يعجز عن مذاكرته. وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا رحّالا لكنه عند الدارقطني وغيره من المتروكين، وقد قبله قوم وصدقوه فيما ذكره ابن عدي وعنه نقلوه. انتهى. وفيها أبو الطيب محمد بن المفضّل بن سلمة بن عاصم الضّبيّ [٢] ، الفقيه الشافعيّ، صاحب ابن سريج. أحد الأذكياء. صنّف الكتب، وهو صاحب وجه، وكان يرى تكفير تارك الصلاة، ومات شابا، وأبوه وجدّه من أئمة العربية. وفيها المفضّل بن محمد أبو سعيد الجندي [٣] ، محدّث مكّة. روى عن إبراهيم بن محمد الشافعي، والعدني، وجماعة، ووثّقه أبو علي النيسابوري. وفيها أبو الفرج يعقوب بن يوسف [٤] وزير العزيز بن المعتز العبيدي، صاحب مصر، وكان يعقوب أولا يهوديا يزعم أنه من ولد السّموأل بن عادياء صاحب حصن الأبلق باليمن، وكان في خدمة كافور الإخشيدي، وبعد وفاة كافور ولي الوزارة للعزيز، وكان يحب العلم والعلماء. وقال له العزيز في مرضه: لو كنت تشترى لاشتريتك بملكي وولدي، ولما مات صلى عليه ودخل قبره. قاله ابن الأهدل، وهي من غلطاته، فإنه في هذا التاريخ لم يكن وجد، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى [٥] .

стр. 1327

سنة تسع وثلاثمائة فيها أخذت الإسكندرية، واستردّت إلى نوّاب الخليفة، ورجع العبيديّ إلى المغرب. وفيها قتل أبو عبد الله الحسين بن منصور بن محمّى الفارسي الحلّاج، وكان محمّى مجوسيا. قال في «العبر» [١] : تصوّف [٢] الحلّاج وصحب سهل بن عبد الله التّستري، ثم قدم بغداد، فصحب الجنيد، والنّوري، وتعبّد فبالغ في المجاهدة والتّرقب [٣] ، ثم فتن ودخل عليه الداخل من الكبر والرئاسة، فسافر إلى الهند وتعلم السّحر، فحصل له به حال شيطاني، وهرب منه الحال الإيماني، ثم بدت منه كفريات أباحت دمه وكسّرت صنمه، واشتبه على النّاس السّحر بالكرامات، فضلّ به خلق كثير، كدأب من مضى ومن يكون، إلى مقتل الدجال الأكبر [٤] والمعصوم من عصمه الله [٥] وقد جال هذا الرجل بخراسان، وما وراء النهر، والهند، وزرع في كل ناحية زندقة، فكانوا

стр. 1328

يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد التّرك بالمقيت، لبعد الدّيار [١] عن الإيمان. وأما البلاد القريبة فكانوا يكاتبونه من خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوزستان [٢] بالشيخ حلّاج الأسرار، وسمّاه أشياعه ببغداد المصطلم، وبالبصرة المحير [٣] ، ثم سكن بغداد في حدود الثلاثمائة وقبلها، واشترى أملاكا [٤] وبنى دارا، وأخذ يدعو النّاس إلى أمور، فقامت عليه الكبار، ووقع بينه وبين الشّبلي، والفقيه محمد بن داود الظاهري، والوزير علي بن عيسى، الذي كان في وزارته، كابن هبيرة في وزارته، علما، ودينا، وعدلا، فقال ناس: ساحر فأصابوا، وقال ناس: به مسّ من الجن، فما أبعدوا، لأن الذي كان يصدر منه لا يصدر من عاقل، إذ ذلك موجب حتفه، أو هو كالمصروع أو المصاب، الذي يخبر بالمغيّبات، ولا يتعاطى بذلك حالا، ولا أنّ ذلك من قبيل الوحي ولا الكرامات. وقال ناس من الأغتام [٥] : بل هذا رجل عارف، وليّ لله، صاحب كرامات، فليقل ما شاء، فجهلوا من وجهين أحدهما أنه وليّ، والثاني أن الولي يقول ما شاء، فلن يقول إلا الحق، وهذه بليّة عظيمة، ومرضة مزمنة، أعيا الأطباء داؤها [٦] ، وراج بهرجها، وعزّ ناقدها، والله المستعان. قال أحمد بن يوسف التنوخي الأزرق: كان الحلّاج يدعو كل وقت إلى شيء، على حسب ما يستبله طائفة.

стр. 1329

أخبرني جماعة من أصحابه، أنه لما افتتن به الناس بالأهواز لما يخرج لهم من الأطعمة في غير وقتها والدراهم، ويسمّيها دراهم القدرة، حدّث الجبائيّ بذلك فقال: هذه الأشياء تمكن [١] الحيل فيها، ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم، وكلّفوه أن يخرج منه جرزتي شوك، فبلغ الحلّاج قوله، فخرج من الأهواز. وروي عن عمرو بن عثمان المكّي، أنه لعن الحلّاج وقال: قرأت آية من القرآن، فقال: يمكنني أن أؤلّف مثلها. وقال أبو يعقوب الأقطع: زوّجت بنتي بالحلّاج فبان لي بعد أنه ساحر محتال. وقال الصّولي: جالست الحلّاج، فرأيت جاهلا يتعاقل، وعييا [٢] يتبالغ، وفاجرا يتزهد. وكان ظاهره أنه ناسك، فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال صار معتزليا، أو يرون التشيّع تشيّع، أو يرون التّسنّن تسنّن، وكان يعرف الشعبذة، والكيمياء، والطب، ويتنقل في البلدان، ويدّعي الربوبية، ويقول للواحد من أصحابه: أنت آدم، ولذا أنت نوح، ولهذا أنت محمد، ويدّعي التناسخ، وأن أرواح الأنبياء انتقلت إليهم. وقال الصّولي أيضا: قبض عليّ الرّاسبي أمير الأهواز على الحلّاج في سنة إحدى وثلاثمائة، وكتب إلى بغداد، يذكر أن البيّنة قامت عنده أن الحلّاج يدّعي الربوبية ويقول بالحلول، فحبس مدة، وكان يري الجاهل شيئا من

стр. 1330

شعبذته، فإذا وثق به، دعاه إلى أنه إله، ثم قيل: إنه سنّي وإنما يريد قتله الرافضة، ودافع عنه نصر الحاجب قال: وكان في كتبه إنه مغرق قوم نوح، ومهلك عاد وثمود. وكان الوزير حامد، قد وجد له كتابا فيه: أن المرء إذا عمل كذا وكذا من الجوع والصدقة ونحو ذلك، أغناه ذلك [١] عن الصوم، والصلاة، والحج، فقام عليه حامد فقتل. وأفتى جماعة من العلماء بقتله، وبعث حامد بن العبّاس بخطوطهم إلى المقتدر، فتوقف المقتدر، فراسله، أن هذا قد ذاع كفره وادّعاؤه الربوبية، وإن لم يقتل افتتن به الناس، فأذن في قتله، فطلب الوزير صاحب الشرطة، وأمره أن يضربه ألف سوط، فإن لم يمت وإلا قطع أربعته [٢] ، فأحضر وهو يتبختر في قيده، فضرب ألف سوط ثم قطع يده ورجله، ثم حزّ رأسه وأحرقت جثته. وقال ثابت بن سنان: انتهى إلى حامد في وزارته أمر الحلّاج، وأنه قد موّه على جماعة من الخدم والحشم وأصحاب المقتدر، بأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون إليه ما يريد، وكان محبوسا بدار الخلافة فأحضر جماعة إلى حامد، فاعترفوا أن الحلّاج إله، وأنه يحيي الموتى، ثم وافقوه وكاشفوه [فأنكر] [٣] . وكانت زوجة السمري عنده في الاعتقال، فأحضرها حامد فسألها، فقالت: قد قال مرّة: زوّجتك بابني وهو بنيسابور، فإن جرى [٤] منه ما تكرهين فصومي واصعدي على السطح على الرماد، وأفطري على الملح، واذكري ما تكرهينه، فإني أسمع وأرى. قالت: وكنت نائمة وهو قريب منّي، فما أحسست إلا وقد غشيني،

стр. 1331

فانتبهت فزعة، فقال: إنما جئت لأوقظك للصلاة. وقالت لي بنته يوما: اسجدي له، فقلت: أو يسجد أحد لغير الله، وهو يسمعني، فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض. وقال ابن باكويه: سمعت أحمد [١] بن الحلاج يقول: سمعت أحمد بن فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاث من قتل والدي: رأيت ربّ العزّة في المنام، فقلت: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ قال: كاشفته بمعنى، فدعا الخلق إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت. وقال يوسف بن يعقوب النّعماني: سمعت محمد بن داود بن علي الأصبهاني الفقيه يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيّه حقا [٢] ، فما يقول الحلاج باطل. وعن أبي بكر بن سعدان، قال لي الحلّاج: تؤمن بي حتّى أبعث لك بعصفورة، تطرح من ذرقها [وزن حبّة] [٣] على كذا منّا نحاسا فيصير ذهبا. قلت: أفتؤمن بي حتّى أبعث إليك بفيل يستلقي فتصير قوائمه في السماء، فإذا أردت أن تخفيه، أخفيته في عينك، فأبهته، وكان مموّها مشعوذا. انتهى كلام «العبر» [٤] بحروفه. وفي «تاريخ ابن كثير» [٥] قال: وقد صحب الحلّاج جماعة من سادات المشايخ، كالجنيد، وعمرو بن عثمان المكّي، وأبي الحسين النوري. قال الخطيب البغدادي [٦] : والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن

стр. 1332

يكون الحلّاج منهم [وأبى أن يعدّه فيهم] [١] ، وقبله أبو العبّاس بن عطاء [البغدادي] ومحمد بن خفيف [٢] الشيرازي، وأبو القاسم النّصرآباذي [النيسابوري] ، وصححوا حاله، ودوّنوا كلامه، حتّى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني [٣] . وعوتب النّصرآباذي في شيء حكي عن الحلّاج في الروح، فقال: إن كان بعد النبيين والصدّيقين موحّد فهو الحلّاج. وقال السّلميّ: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر وكتمت. قال الخطيب: والذي نفاه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده. وأجمع الفقهاء ببغداد أنه قتل كافرا، وكان ممخرقا مموّها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه، ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرّهم ظاهره ولم يطّلعوا على باطنه ولا باطن قوله. ولما أنشد لأبي عبد الله بن خفيف قول الحلّاج بن منصور: سبحان من أظهر ناسوته ... سرّ سنا لاهوته الثّاقب ثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب حتّى لقد عاينه خلقه ... كلحظة [٤] الحاجب بالحاجب [٥]

стр. 1333

فقال ابن خفيف: على من يقول هذا لعنة الله؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلّاج، فقال: قد يكون مقولا عليه. ولما كان يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة، أحضر الحلّاج إلى مجلس [١] الشرطة بالجانب الغربي فضرب نحو ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه وأحرقت جثته بالنّار. ونصب رأسه على سور الجسر الجديد، وعلّقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه. وذكر السّلميّ بإسناده [٢] ، قال أبو بكر بن ممشاذ [٣] : حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلّاج عنوانه: من الرحيم الرحمن إلى فلان بن فلان يدعوه إلى الضلالة والإيمان به، فبعث بالكتاب إلى بغداد، فسئل الحلّاج عن ذلك فأقرّ أنه كتبه، وعلى هذا جرى ما جرى. انتهى ما قاله ابن كثير، نقله عنه السخاوي. وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدميّ [٤] الزاهد أحد مشايخ الصوفية القانتين الموصوفين بالاجتهاد في العبادة. قيل: إنه كان ينام في اليوم والليلة ساعتين، ويختم القرآن كل يوم. سئل ما المروءة؟ قال: أن لا يستكثر له عملا. وقال: من ألزم نفسه آداب السّنّة نوّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب [ ﷺ ] [٥] في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه،

стр. 1334

والتأدّب بآدابه قولا وفعلا، وعزما، ونيّة، وعقدا. وقال: العلم الأكبر، الهيبة والحياء، فمن عرّي منهما [١] عرّي عن الخيرات. وقال: من حرم الآداب حرم جوامع الخيرات. وقال: أصحّ العقول، عقل وافق التوفيق، وشرّ الطاعات طاعة أورثت عجبا، وخير الذنوب، ذنب أعقب توبة وندما. توفي في ذي القعدة بالعراق. وفيها حامد بن محمد بن شعيب أبو العبّاس البلخيّ [٢] المؤدّب ببغداد. روى عن سريج بن يونس [٣] وطائفة، وكان ثقة. عاش ثلاثا وتسعين سنة. وعمر بن إسماعيل [٤] بن أبي غيلان، أبو حفص، الثقفيّ البغداديّ. سمع علي بن الجعد وجماعة، ووثّقه الخطيب. وفيها أبو بكر محمد بن الحسين بن المكرم [٥] البغداديّ بالبصرة، وكان أحد الحفّاظ المبرّزين. روى عن بشر بن الوليد وطبقته. وفيها عبد الرّحمن بن عبد المؤمن بن خالد المهلّبيّ الأزديّ [٦] أبو محمد، وكان من الثقات الحفّاظ، والأثبات الأيقاظ.

стр. 1335

ومحمد بن خلف بن المرزبان [١] أبو بكر البغداديّ الأخباريّ، صاحب التصانيف. روى عن الزّبير بن بكّار وطبقته، وكان صدوقا. وفيها محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي [٢] ، مولاهم، أبو بكر، الأصبهاني، ابن معدان. كان حافظا رحّالا، كثير المصنفات.
следующие страницы →