فانتبهت فزعة، فقال: إنما جئت لأوقظك للصلاة.
وقالت لي بنته يوما: اسجدي له، فقلت: أو يسجد أحد لغير الله، وهو يسمعني، فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض.
وقال ابن باكويه: سمعت أحمد [١] بن الحلاج يقول: سمعت أحمد بن فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاث من قتل والدي: رأيت ربّ العزّة في المنام، فقلت: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ قال: كاشفته بمعنى، فدعا الخلق إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت.
وقال يوسف بن يعقوب النّعماني: سمعت محمد بن داود بن علي الأصبهاني الفقيه يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيّه حقا [٢] ، فما يقول الحلاج باطل.
وعن أبي بكر بن سعدان، قال لي الحلّاج: تؤمن بي حتّى أبعث لك بعصفورة، تطرح من ذرقها [وزن حبّة] [٣] على كذا منّا نحاسا فيصير ذهبا.
قلت: أفتؤمن بي حتّى أبعث إليك بفيل يستلقي فتصير قوائمه في السماء، فإذا أردت أن تخفيه، أخفيته في عينك، فأبهته، وكان مموّها مشعوذا. انتهى كلام «العبر» [٤] بحروفه.
وفي «تاريخ ابن كثير» [٥] قال: وقد صحب الحلّاج جماعة من سادات المشايخ، كالجنيد، وعمرو بن عثمان المكّي، وأبي الحسين النوري.
قال الخطيب البغدادي [٦] : والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن
стр. 1332
يكون الحلّاج منهم [وأبى أن يعدّه فيهم] [١] ، وقبله أبو العبّاس بن عطاء [البغدادي] ومحمد بن خفيف [٢] الشيرازي، وأبو القاسم النّصرآباذي [النيسابوري] ، وصححوا حاله، ودوّنوا كلامه، حتّى قال ابن خفيف:
الحسين بن منصور عالم رباني [٣] .
وعوتب النّصرآباذي في شيء حكي عن الحلّاج في الروح، فقال: إن كان بعد النبيين والصدّيقين موحّد فهو الحلّاج.
وقال السّلميّ: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول:
كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر وكتمت.
قال الخطيب: والذي نفاه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده. وأجمع الفقهاء ببغداد أنه قتل كافرا، وكان ممخرقا مموّها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه، ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرّهم ظاهره ولم يطّلعوا على باطنه ولا باطن قوله. ولما أنشد لأبي عبد الله بن خفيف قول الحلّاج بن منصور:
سبحان من أظهر ناسوته ... سرّ سنا لاهوته الثّاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب
حتّى لقد عاينه خلقه ... كلحظة [٤] الحاجب بالحاجب
[٥]
стр. 1333
فقال ابن خفيف: على من يقول هذا لعنة الله؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلّاج، فقال: قد يكون مقولا عليه.
ولما كان يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة، أحضر الحلّاج إلى مجلس [١] الشرطة بالجانب الغربي فضرب نحو ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه وأحرقت جثته بالنّار. ونصب رأسه على سور الجسر الجديد، وعلّقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه.
وذكر السّلميّ بإسناده [٢] ، قال أبو بكر بن ممشاذ [٣] : حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلّاج عنوانه: من الرحيم الرحمن إلى فلان بن فلان يدعوه إلى الضلالة والإيمان به، فبعث بالكتاب إلى بغداد، فسئل الحلّاج عن ذلك فأقرّ أنه كتبه، وعلى هذا جرى ما جرى.
انتهى ما قاله ابن كثير، نقله عنه السخاوي.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدميّ [٤] الزاهد أحد مشايخ الصوفية القانتين الموصوفين بالاجتهاد في العبادة.
قيل: إنه كان ينام في اليوم والليلة ساعتين، ويختم القرآن كل يوم.
سئل ما المروءة؟ قال: أن لا يستكثر له عملا.
وقال: من ألزم نفسه آداب السّنّة نوّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب [ ﷺ ] [٥] في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه،
стр. 1334
والتأدّب بآدابه قولا وفعلا، وعزما، ونيّة، وعقدا.
وقال: العلم الأكبر، الهيبة والحياء، فمن عرّي منهما [١] عرّي عن الخيرات.
وقال: من حرم الآداب حرم جوامع الخيرات.
وقال: أصحّ العقول، عقل وافق التوفيق، وشرّ الطاعات طاعة أورثت عجبا، وخير الذنوب، ذنب أعقب توبة وندما.
توفي في ذي القعدة بالعراق.
وفيها حامد بن محمد بن شعيب أبو العبّاس البلخيّ [٢] المؤدّب ببغداد. روى عن سريج بن يونس [٣] وطائفة، وكان ثقة. عاش ثلاثا وتسعين سنة.
وعمر بن إسماعيل [٤] بن أبي غيلان، أبو حفص، الثقفيّ البغداديّ.
سمع علي بن الجعد وجماعة، ووثّقه الخطيب.
وفيها أبو بكر محمد بن الحسين بن المكرم [٥] البغداديّ بالبصرة، وكان أحد الحفّاظ المبرّزين. روى عن بشر بن الوليد وطبقته.
وفيها عبد الرّحمن بن عبد المؤمن بن خالد المهلّبيّ الأزديّ [٦] أبو محمد، وكان من الثقات الحفّاظ، والأثبات الأيقاظ.
стр. 1335
ومحمد بن خلف بن المرزبان [١] أبو بكر البغداديّ الأخباريّ، صاحب التصانيف. روى عن الزّبير بن بكّار وطبقته، وكان صدوقا.
وفيها محمد بن أحمد بن راشد بن معدان الثقفي [٢] ، مولاهم، أبو بكر، الأصبهاني، ابن معدان. كان حافظا رحّالا، كثير المصنفات.
стр. 1336
سنة عشر وثلاثمائة
فيها كما قال [١] في «الشذور» انبثق بواسط تسعة عشر بثقا [٢] أصغرها مائتا ذراع وأكبرها ألف ذراع، وغرق من أمهات القرى ألف وثلاثمائة قرية. انتهى.
وفيها توفي الحافظ الكبير الثقة، أبو جعفر، أحمد بن يحيى [بن زهير التّستري] [٣] . سمع أبا كريب وطبقته، وروى عنه ابن حبّان، والطبراني، وكان مع حفظه زاهدا خيّرا.
قال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت أحفظ منه.
وقال ابن المقرئ فيه: حدّثنا تاج المحدّثين، فذكر حديثا.
وفيها إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن جميل، أبو يعقوب، الأصبهانيّ [٤] ، الرّاوي عن أحمد بن منيع «مسنده» عن سنّ عالية.
стр. 1337
قال حفيده عبيد الله بن يعقوب: عاش جدّي مائة وسبع عشرة سنة.
وفيها أبو شيبة داود بن إبراهيم بن روزبه البغدادي [١] بمصر. روى عن محمد بن بكّار بن الرّيّان وطائفة.
قال في «المغني» [٢] : داود بن إبراهيم بن روزبه، أبو شيبة. معروف صدوق، أخطأ ابن الجوزي ووهاه مرّة، على أنه لم يذكره في الضعفاء انتهى.
وفيها علي بن العبّاس البجلي الكوفي المقانعي [٣] ، أبو الحسن.
روى عن أبي كريب وطبقته.
وفيها على الصحيح، أو في سنة إحدى عشرة أو ست عشرة، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السّريّ بن سهل الزّجّاج [٤] النحوي.
قال ابن خلّكان [٥] : كان من أهل العلم والأدب والدين المتين [٦] ، وصنّف كتابا في معاني القرآن، وله كتاب «الأمالي» وكتاب «ما فسّر من جامع [٧] المنطق» وكتاب «الاشتقاق» وكتاب «العروض» وكتاب «النوادر» وكتاب «الأنواء» وغيرها.
وأخذ الأدب عن المبرّد، وثعلب، وكان يخرط الزّجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب، فنسب إليه. واختصّ بصحبة الوزير عبيد الله بن سليمان، وعلّم ولده
стр. 1338
القاسم الأدب. ولما استوزر القاسم أفاد بطريقته [١] مالا جزيلا.
وحكى أبو علي الفارسي النحوي قال: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق على القاسم بن عبيد الله الوزير، فورد الخادم فسارّه بسرّ استبشر له [٢] ، ثم نهض فلم يكن بأسرع من [أن] [٣] عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى القينات، فسمتها أن تبيعني إياها، فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إليّ رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما جاءت أعلمني الخادم بذلك، فنهضت مستبشرا لافتضاضها، فوجدتها قد حاضت، فكان منّي ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة وكتب:
فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن بالظّلم
رام أن يدمي فريسته ... فاتّقته من دم بدم
[٤] انتهى ملخصا.
وفيها أبو بشر الدّولابي، وهو محمد بن أحمد بن حمّاد الأنصاري الرّازي الحافظ [٥] صاحب التصانيف. روى عن بندار محمد بن بشّار وخلق.
وعاش ستّا وثمانين سنة.
قال أبو سعيد بن يونس: كان من أهل الصنعة، وكان يضعّف. وروى عنه ابن أبي حاتم، وابن حبّان، والطبراني.
стр. 1339
قال الدارقطني: تكلموا فيه.
وقال ابن عدي: ابن حمّاد متّهم. قاله ابن بردس.
توفي الدّولابيّ بين مكّة والمدينة.
وفيها الحبر البحر الإمام أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري [١] صاحب «التفسير» و «التاريخ» والمصنفات الكثيرة. سمع إسحاق بن [أبي] [٢] إسرائيل، ومحمد بن حميد الرّازي وطبقتهما. وكان مجتهدا لا يقلّد أحدا.
قاله في «العبر» .
قال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير.
وقال أبو حامد الإسفراييني [٣] الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين، حتّى يحصّل تفسير محمد بن جرير، لم يكن كثيرا.
وكذلك أثنى ابن تيميّة على تفسيره للغاية. ومولده بآمل طبرستان [٤] سنة أربع وعشرين ومائتين، وتوفي ليومين بقيا من شوّال، وكان ذا زهد وقناعة. وتوفي ببغداد.
وممّن أخذ عنه العلم، مخلد [بن جعفر] الباقرحي [٥] والطبراني، وخلق.
стр. 1340
قال الخطيب [١] : كانت الأئمة تحكم بقوله وترجع إلى رأيه لمعرفته وفضله [٢] جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وذكر له ترجمة طويلة.
وفيها على الصحيح، العالم المحدّث، أبو العبّاس، محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني [٣] محدّث فلسطين. روى عن صفوان بن صالح المؤذّن، ومحمد بن رمح والكبار. وعنه ابن عدي، وأبو علي النّيسابوري، وخلق. وكان حافظا ثقة ثبتا.
وفيها تقريبا، أبو عمران الرّقّي، موسى بن جرير [٤] المقرئ النحوي، صاحب أبي شعيب السّوسي [٥] تصدّر للإقراء مدة.
وفيها الوليد بن أبان الحافظ، أبو العبّاس، الأصبهاني [٦] بأصبهان، وكان ثقة. صنّف «المسند» و «التفسير» وطوّف الكثير، وحدّث عن أحمد بن الفرات الرّازي وطبقته. وعنه أبو الشيخ، والطبراني، وأهل أصبهان.
стр. 1341
سنة إحدى عشرة وثلاثمائة
فيها دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنّابي القرمطي البصرة في الليل، في ألف وسبعمائة فارس. نصبوا السلالم على السور ونزلوا، فوضعوا السيف في البلد، وأحرقوا الجامع، وهرب خلق إلى الماء فغرقوا، وسبوا الحريم، واستمروا سبعة عشر يوما يحملون ما أرادوا من الأموال والحريم، والله المستعان [١] .
وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن حمدان بن عليّ بن سنان الحيريّ النيسابوريّ [٢] ، الحافظ الزاهد المجاب الدّعوة. والد المحدّث أبي عمرو بن حمدان.
روى عن عبد الرّحمن بن بشر بن الحكم وطبقته، وصنّف «الصحيح» على شرط مسلم، وكان يحيي الليل.
وفيها أبو بكر الخلّال أحمد بن محمد بن هارون البغداديّ [٣] الفقيه الحبر الذي أنفق عمره في جمع مذهب الإمام أحمد وتصنيفه. تفقه على
стр. 1342
المرّوذي [١] . وسمع من الحسن بن عرفة وأقرانه. وروى عنه تلميذه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، يعرف بغلام الخلّال، ومحمد بن المظفّر الحافظ، وغير واحد.
قال ابن ناصر الدّين: هو رحّال، واسع العلم، شديد الاعتناء بالآثار.
له «كتاب السنّة» ثلاث مجلدات كبار، و «كتاب العلل» في عدّة أسفار، و «كتاب الجامع» وهو كبير جليل المقدار. انتهى.
وتوفي في ربيع الأول.
وفيها عبد الله بن إسحاق المدائني الأنماطي [٢] ببغداد. روى عن عثمان بن أبي شيبة وطبقته، وكان ثقة محدّثا.
وعبد الله بن محمود السّعديّ أبو عبد الرّحمن [٣] محدّث مرو.
وعبد الله بن عروة الهرويّ [٤] الحافظ أبو محمد. كان من الأثبات الثقات. صنّف. وسمع أبا سعيد الأشجّ وطبقته. وروى عنه أبو منصور اللّغوي، وأبو منصور الهروي، وآخرون.
وفيها الحافظ الكبير، أبو حفص، عمر بن محمد بن بجير الهمذانيّ السّمرقنديّ [٥] صاحب «الصحيح» و «التفسير» وذو الرّحلة الواسعة. روى عن عيسى بن حمّاد زغبة، وبشر بن معاذ العقدي، وطبقتهما. وعنه محمد بن محمد بن صابر، وأعين بن جعفر السّمرقندي، وعاش ثمانيا وثمانين سنة، وكان صدوقا.
стр. 1343
وفيها تقريبا [١] ، محمد بن إبراهيم بن شعيب، أبو الحسين، الغازي [٢] كان رحّالا ثقة.
قال ابن ناصر الدين في «بديعة البيان» :
وبعد بضع عشرة المجازي ... محمد الجرجاني ذاك الغازي
انتهى.
وفيها إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السّلميّ النيسابوريّ [٣] الحافظ. صاحب التصانيف. شيخ الإسلام. ولد سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وروى عن عليّ بن حجر، وابن راهويه، ومحمود بن غيلان، وخلق. وعنه البخاريّ ومسلم خارج «صحيحيهما» ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبو علي النيسابوري. قاله ابن بردس.
وهو حافظ ثبت إمام. رحل إلى الشام، والحجاز، والعراق، ومصر.
وتفقّه على المزني وغيره.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: لم أر مثل محمد بن إسحاق [٤] .
وقال أبو زكريا العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله ﷺ ، قول إذا صحّ الخبر عنه.
وقال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيّات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة.
وقال ابن حبّان: لم ير مثل ابن خزيمة في حفظ الإسناد والمتن.
وقال الدارقطنيّ: كان إماما معدوم النظير.
стр. 1344
وقال الإسنويّ في «طبقاته» [١] : صار ابن خزيمة إمام زمانه بخراسان، رحلت إليه الطلبة من الآفاق.
قال شيخه الرّبيع: استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا، وكان متقلّلا، له قميص واحد دائما، فإذا جدّد آخر، وهب ما كان عليه.
نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: أنه إن رجّع في الأذان، ثنّى الإقامة، وإلّا أفردها.
ومنها أن الركعة لا تدرك بالركوع. انتهى ملخصا.
وفيها أبو العبّاس محمد بن شادل [٢] النيسابوري [٣] سمع ابن راهويه، وأبا مصعب [٤] وخلقا. وكان يختم القرآن في كلّ يوم.
ومحمد بن زكريّا الرّازي [٥] الطبيب العلّامة، صاحب المصنّفات في الطب والفلسفة، وإنما اشتغل بعد أن بلغ الأربعين. وكان في صباه مغنيّا بالعود. قاله في «العبر» [٦] .
وقال ابن الأهدل: هو الطبيب الماهر، أبو بكر، محمد بن زكريا الرّازي، المشهور، وله في الطب كتاب «الحاوي» [٧]
стр. 1345
و «الأقطاف» [١] وكتاب «المنصوري» [٢] وحجمه صغير جمع فيه بين العلم والطب والعمل.
ومن قوله: مهما أمكن العلاج بالأغذية فلا يعالج بالأدوية، والمفرد أولى من المركب.
وكان شغله بالطب بعد أربعين من عمره. انتهى.
وفيها حامد بن العبّاس [٣] الوزير. كان يخدمه ألف وسبعمائة حاجب. قاله ابن الجوزي في «الشذور» .
стр. 1346
سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» ورد الخبر بأن أبا طاهر الجنّابي- نسبة إلى جنّابة بلد بالبحرين [١]- ورد إلى الهبير [٢] فلقي حاج سنة إحدى عشرة في رجوعهم، وأنه قتل منهم قتلا مسرفا، وسبى من اختار من الرجال، والنساء، والصبيان، والجمال. وكان الرجال ألفين ومائتين، والنساء نحوا من خمسمائة، وسار بهم إلى هجر [٣] وترك باقي الحاج مكانه بلا زاد ولا جمال، فماتوا بالعطش، وحصل له ما حزر بألف ألف دينار، ومن الطيب والأمتعة بنحو ألف ألف، وكان سنّه يومئذ سبع عشرة سنة [٤] .
وفيها ألحّ مؤنس الخادم، ونصر الحاجب، وهارون ابن خال المقتدر، على المقتدر، حتّى أذن في قتل علي بن محمد [بن موسى] بن الحسن بن الفرات [٥] ، وولده المحسّن، فذبحا، وعاش ابن الفرات إحدى
стр. 1347
وسبعين سنة، وعاش بعد حامد بن العبّاس نصف سنة، وكان جبّارا، فاتكا، كريما، سايسا، متموّلا. كان يقدر على عشرة آلاف ألف دينار. [وقد وزر للمقتدر ثلاث مرات، وقيل: كان يدخله من أملاكه في العام ألفا ألف [١] دينار] [٢] . قاله في «العبر» [٣] .
وكان علي بن الفرات هذا وأخوه أبو العبّاس آية في معرفة حساب الديوان، وكان ولده المحسّن متموّلا أيضا، وكان اختفى ثم ظفر به في زيّ امرأة قد خضب يديه، فعذّب، وأخذ خطه بثلاثة آلاف ألف دينار، وولي الوزارة عبيد الله بن محمد الخاقاني، فعذّب بني الفرات واصطفى أموالهم، فيقال: أخذ منهم ألفي ألف دينار.
وفيها افتتح المسلمون فرغانة إحدى مدائن التّرك.
وفيها توفي الحافظ أحمد بن عمرو بن منصور الأموي [٤] مولاهم الأندلسي، محدّث الأندلس، أبو جعفر. روى عن يونس بن عبد الأعلى، والرّبيع بن سليمان، وغيرهما. وكان بصيرا بعلل الحديث، إماما فيه.
وفيها الحسن بن علي بن نصر الطّوسي [٥] أبو علي الخراساني، يعرف بكردوش [٦] ، الحافظ المشهور. روى عن محمد بن رافع، وبندار،
стр. 1348
وإسحاق الكوسج. وعنه محمد بن جعفر البستي، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وأبو أحمد الحاكم. وله تصانيف تدل على معرفته.
قال في «المغني» [١] : قال أبو أحمد الحاكم: تكلموا في روايته «كتاب النسب» عن الزّبير. انتهى.
وفيها علي بن الحسن بن خلف بن قديد [٢] أبو القاسم المصري، المحدّث. وله بضع وثمانون سنة. روى عن محمد بن رمح، وحرملة [بن يحيى] [٣] .
وفيها عبد الرّحمن بن أحمد بن عبّاد الثقفي الهمذاني [٤] المعروف بعبدوس، الحافظ المجوّد، أبو محمد.
روى عن محمد بن عبيد الأسدي، ويعقوب الدّورقي.
وعنه أحمد بن عبيد الأسدي، وأبو أحمد الغطريفي، وأبو أحمد الحاكم وكان ثقة متقنا.
وفيها محمد بن سليمان بن فارس أبو أحمد الدلّال النيسابوري [٥] أنفق أموالا جليلة في طلب العلم، وأنزل البخاريّ عنده لما قدم نيسابور، وروى عن محمد بن رافع، وأبي سعيد الأشج، وكان يفهم ويذاكر.
стр. 1349
ومحمد بن محمد [١] بن سليمان، الحافظ الكبير، أبو بكر بن الباغندي [٢] أحد أئمة الحديث، في ذي الحجة ببغداد، وله بضع وتسعون سنة.
روى عن علي بن المديني، وشيبان بن فرّوخ.
وطوّف بمصر، والشام، والعراق.
روى أكثر حديثه من حفظه.
قال القاضي أبو بكر الأبهري: سمعته يقول: أجيب [٣] في ثلاثمائة ألف مسألة في حديث النّبيّ ﷺ .
وقال الإسماعيلي: لا أتّهمه، ولكنه خبيث التدليس، ومصحّف أيضا.
وقال الخطيب [٤] : رأيت كافة شيوخنا يحتجّون به.
وقال في «المغني» [٥] : قال ابن عدي: أرجو أنه كان لا يتعمّد الكذب.
وكان مدلّسا. انتهى.
وفيها أبو بكر بن المجدّر. وهو محمد بن هارون البغدادي [٦] . روى عن داود بن رشيد وطبقته، وكان معروفا بالانحراف عن عليّ ﵁.
قال في «المغني» [٧] : محمد بن هارون بن المجدّر، أبو بكر، صدوق مشهور، فيه نصب وانحراف. انتهى.
стр. 1350
سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» انقضّ كوكب قبل مغيب الشمس بأربع ساعات، من ناحية الجنوب إلى الشمال، فأضاءت منه الدّنيا، وكان له صوت كصوت الرعد [١] .
وفيها سار [الرّكب العراقي، ومعهم ألف فارس، فاعترضهم القرمطيّ بزبالة [٢] ، وناوشهم، فردّ الناس ولم يحجّوا] [٣] ونزل القرمطيّ على الكوفة، فقاتلوه، فغلب على البلد، ونهبه، فندب المقتدر مؤنسا، وأنفق في الجيش ألف ألف دينار. فسار القرمطيّ عن الكوفة، وتسلّم الأنبار، وعاث في البلاد وعظم ضرره ولم يقدر عليه.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن سابور الدّقّاق [٤] الثقة ببغداد. كان واسع الرحلة.
стр. 1351
روى عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي نعيم الحلبي، وعدّة.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي [١] .
سمع من جدّه لأمه، الحسن بن عيسى بن ماسرجس، وإسحاق، وشيبان بن فرّوخ.
وفيها جماهر بن محمد بن أحمد أبو الأزهر الأزدي الزّملكاني [٢] .
روى عن هشام بن عمّار وطبقته.
وفيها ثابت بن حزم السّرقسطي [٣] اللغوي العلّامة.
قال ابن الفرضي: كان مفتيا بصيرا بالحديث، والنحو، واللغة، والغريب، والشعر، وعاش خمسا وتسعين سنة. روى عن محمد بن وضّاح وطائفة.
وفيها عبد الله بن زيدان بن بريد أبو محمد البجلي الكوفي [٤] عن إحدى وتسعين سنة. روى عن أبي كريب وطبقته.
قال محمد بن أحمد بن حمّاد الحافظ: لم تر عيني مثله. كان ثقة حجة. كان أكثر كلامه في مجلسه: يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على طاعتك.
[أخبرت أنه] [٥] مكث نحو ستين سنة لم يضع جنبه على مضرّبة، وكان صاحب ليل.
стр. 1352
وعلي بن عبد الحميد الغضائري [١]- نسبة إلى الغضار بالغين المعجمة وهو الإناء الذي يؤكل فيه- أبو الحسن [٢] بحلب في شوال. روى عن بشر بن الوليد، والقواريري، وعدّة.
وقال: حججت من حلب ماشيا أربعين حجّة.
وعلي بن محمد بن بشّار [٣] ، أبو الحسن، وأبو صالح، البغدادي الزاهد، شيخ الحنابلة. أخذ عن صالح بن أحمد بن حنبل، والمرّوذي [٤] .
وجاء عنه أنه قال: أعرف رجلا منذ ثلاثين سنة يشتهي أن يشتهي ليترك لله ما يشتهي فلا يجد شيئا يشتهي. قاله في «العبر» [٥] .
وقيل له: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: كما عصيت الله سرّا تطيعه سرّا، حتّى يدخل إلى قلبك لطائف البر.
وكان له كرامات ظاهرة وانتشار ذكر في الناس، يتبرك الناس بزيارته.
قاله السخاوي.
وقال ابن أبي يعلى في «الطبقات» [٦] : حدّثنا إسماعيل الصابوني، ثنا إسحاق بن إبراهيم العدل، ثنا محمد بن أحمد بن حمّاد الورّاق، ثنا أبو
стр. 1353
الحسن القتّات الصوفي، ثنا أبو صالح الحسن بن بشار العبد الصالح، حدّثني عبد الله بن أحمد قال: مرّت بنا جنازة ونحن قعود على مسجد أبي، فقال أبي: ما كان صنعة صاحب الجنازة؟ قالوا: كان يبيع على الطريق.
قال: في فنائه أو فناء غيره؟ قالوا: في فناء غيره. قال: عزّ عليّ، عزّ عليّ، إن كان في فناء يتيم أو غيره، فقد ذهبت أيامه عطلا. ثم قال: قم نصلّي عليه، عسى الله أن يكفّر عنه سيئاته. قال: فكبّر عليه أربع تكبيرات، ثم حملناه إلى قبره ودفناه، ونام أبي في تلك الليلة وهو مغتم به، فإذا نحن بامرأة قالت:
نمت البارحة، فرأيت صاحب الجنازة الذي مررت معه وهو يجري في الجنّة جريا وعليه حلّتان خضراوان [١] ، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غضبان عليّ وقت خروج روحي، فصلى عليّ أحمد بن حنبل، فغفر لي ذنوبي ومتّعني بالجنة.
وأنبأنا علي المحدّث، عن أبي عبد الله الفقيه، أنه قال: إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البربهاري، فاعلم أنه صاحب سنّة.
وكان ابن بشّار يقول: من زعم أن الكفّار يحاسبون، ما يستحيي [٢] من الله، ثم قال: من صلّى خلف من يقول هذه المقالة يعيد. انتهى ملخصا.
أي خلافا للسالمية، فإنهم يقولون بحساب الكفّار كالمسلمين، والحق أنهم تحصى أعمالهم ويطّلعون عليها ويقرّعون بها تقريعا من غير وزن وحساب، لقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ١٨: ١٠٥ [الكهف: ١٠٥] والله أعلم.
стр. 1354
وفيها محمد بن إبراهيم [بن زياد] الرّازي الطّيالسي [١] روى عن إبراهيم بن موسى الفرّاء، وابن معين، وخلق.
قال الدارقطني: متروك.
قال في «المغني» [٢] : محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي، عن ابن معين. قال الدارقطني: متروك، وضعّفه أبو أحمد الحاكم. انتهى.
[وأبو لبيد محمد بن إدريس السّامي السّرخسي] . روى عن سويد [٣] ، وأبي مصعب، وطبقتهما [٤] .
وفيها أبو العبّاس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السرّاج [٥] الحافظ، صاحب التصانيف. روى عن قتيبة، وإسحاق [٦] وخلق. وعنه الشيخان خارج «صحيحيهما» ، وكان إمام هذا الشأن.
قال أبو إسحاق المزكّي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله ﷺ ، اثني عشر ألف ختمة، وضحّيت عنه اثني عشر ألف أضحية [٧] .
قال محمد بن أحمد الدّقّاق: رأيت السرّاج يضحي كل أسبوع أو
стр. 1355
أسبوعين [١] أضحية، ثم يجمع [٢] أصحاب الحديث عليها. وقد ألّف السرّاج مستخرجا على «صحيح مسلم» وكان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر. عاش سبعا وتسعين سنة.
وفيها أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف القهستاني الأصم [٣] الحافظ المتقن الثقة الرحّال، صاحب المسندين [٤] على الرّجال وعلى الأبواب. أكثر التّطواف، وروى عن أحمد بن منيع وطبقته.
стр. 1356
سنة أربع عشرة وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقع حريق في نهر طابق [١] ، فاحترقت منه ألف دار، واشتد برد الهواء في كانون الأول، فتلف أكثر نخل بغداد وسوادها، وجمدت الخلجان والآبار، ثم جمدت دجلة، حتّى عبرت الدواب عليها.
وفيها أخذت الرّوم- لعنهم الله- ملطية عنوة واستباحوها، ولم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكّة عنها خوفا منهم.
وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر التيمي المنكدري الحجازي [٢] . نزيل خراسان. روى عن عبد الجبّار بن العلاء وخلق.
قال الحاكم: له أفراد وعجائب.
ومحمد بن محمد بن [عبد الله بن] النّفّاح بن بدر الباهلي [٣] أبو
стр. 1357
الحسن، بغدادي حافظ خيّر متعفّف. توفي بمصر في ربيع الآخر. روى عن إسحاق بن أبي إسرائيل وطبقته.
وفيها محمد بن عمر بن لبابة، أبو عبد الله، القرطبي [١] مفتي الأندلس. كان رأسا في الفقه، محدّثا، أديبا، أخباريا، شاعرا، مؤرّخا. توفي في شعبان، وولد سنة خمس وعشرين ومائتين. روى عن أصبغ [بن الخليل] ، والعتبي وطبقتهما من أصحاب يحيى بن يحيى، وتفقه به خلق.
وفيها نصر بن القاسم أبو اللّيث البغدادي الفرائضي [٢] روى عن شريح بن يونس وأقرانه، وكان ثقة من فقهاء أهل الرّيّ.
стр. 1358
سنة خمس عشرة وثلاثمائة
فيها كان أول ظهور الدّيلم، وأول من غلب منهم على الرّيّ لبكي بن النّعمان [١] .
وفيها أخذت الرّوم سميساط، واستباحوها، وضربوا الناقوس في الجامع، فسار مؤنس بالجيوش، ودخل الرّوم، وتمّ مصاف كثيرة، هزمت فيها الرّوم، وقتل منهم خلق.
وأما القرامطة فنازلت الكوفة، فسار يوسف بن أبي السّاج فالتقاهم، فأسر يوسف، وانهزم عسكره، وقتل منهم عدّة، وسار القرمطي إلى أن نزل غربي الأنبار، فقطع المسلمون الجسر، فأخذ يتحيل في العبور، ثم عبروا وأوقع بالمسلمين [٢] ، فخرج نصر الحاجب، ومؤنس، فعسكروا بباب الأنبار، وخرج أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته، ثم ردّت القرامطة، فما جسر العسكر عليهم، وهذا خذلان إلهي، فإن القرامطة كانوا ألفا وسبعمائة من فارس وراجل، والعسكر أربعين ألف فارس.
ثم إن القرمطيّ قتل ابن أبي السّاج وجماعة منهم. ثم سار إلى هيت،
стр. 1359
فبادر العسكر وحصّنوها [١] ، فردّ القرمطي إلى البرّية، فدخل الوزير ابن عيسى على المقتدر، وقال: قد تمكّنت هيبة هذا الكافر من القلوب، فخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش، وإلّا فمالك إلّا أقاصي خراسان، فأخبر أمه، فأخرجت خمسمائة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلاثمائة ألف دينار، ونهض ابن عيسى في استخدام العساكر، وجدّدت على بغداد الخنادق، وعدمت هيبة المقتدر من القلوب، وشتمته الجند. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها توفي الحافظ أبو بكر، أحمد بن علي بن شهريار الرّازي ثم النيسابوري [٣] ، صاحب التصانيف، وله أربع وخمسون سنة. رحل وأدرك إبراهيم بن عبد الله القصّار وطبقته بخراسان، والرّيّ، وبغداد، والكوفة، والحجاز.
وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني [٤] الفقيه، قاضي دمشق ثم قاضي الرّملة. روى عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته، وكان له حلقة بمصر للفتوى.
قال ابن يونس: خلّط ووضع أحاديث.
وقال في «المغني» [٥] : كذبه الدارقطني.
وفيها أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي النحوي، وهو الأخفش الصغير [٦] . روى عن ثعلب والمبرّد.
стр. 1360
قال ابن خلّكان [١] : روى عن المبرّد، وثعلب، وغيرهما. وروى عنه المرزبانيّ، وأبو الفرج المعافى [الجريري] وغيرهما، وهو غير الأخفش الأكبر والأخفش الأوسط. وكان بين ابن الرّومي وبين الأخفش المذكور منافسة، وكان الأخفش يبادر [٢] داره ويقول عند بابه كلاما يتأذى به، وكان ابن الرّومي كثير التطيّر، فإذا سمع كلامه لا يخرج ذلك اليوم من بيته، فكثر ذلك منه، فهجاه ابن الرّومي بأهاج كثيرة، وهي مثبتة في «ديوانه» ، وكان الأخفش يحفظها ويوردها استحسانا لها في جملة ما يورده، وافتخارا أنه نوّه بذكره إذ هجاه، فلما علم ابن الرّومي ذلك أقصر عنه.
وقال المرزباني: لم يكن الأخفش المذكور بالمتّسع في الرواية للأخبار [٣] والعلم بالنحو، وما علمته صنّف شيئا البتة، ولا قال شعرا، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله.
ومات [٤] فجأة ببغداد، ودفن بمقبرة قنطرة بردان.
والأخفش: هو صغير العين مع سوء بصرها. انتهى ملخصا.
وفيها محمد بن الحسين، أبو جعفر الخثعميّ الكوفيّ الأشنانيّ [٥] .
أحد الأثبات. روى ببغداد عن أبي كريب وطبقته.
وفيها محمد بن الفيض أبو الحسن الغسّاني [٦] محدّث دمشق. روى
стр. 1361
عن صفوان بن صالح [المؤذّن] [١] والكبار، وتوفي في رمضان عن ست وتسعين سنة.
ومحمد بن المسيب الأرغياني [٢] الحافظ الجوّال، الزاهد المفضال، شيخ نيسابور، الإسفنجيّ. روى عن محمد بن رافع، وبندار، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وطبقتهم. وكان يقول: ما أعلم منبرا من منابر الإسلام بقي عليّ لم أدخله لسماع الحديث.
وقال: كنت أمشي في مصر وفي كمّي مائة جزء، في الجزء ألف حديث.
قال الحاكم: كان دقيق الخط، وكان [٣] هذا كالمشهور من شأنه، وعاش اثنتين وتسعين سنة.
قال ابن ناصر الدّين: حدّث عن خلق، وعنه خلق، وكان من العبّاد المجتهدين، والزهّاد البكّائين. انتهى.
стр. 1362
سنة ست عشرة وثلاثمائة
فيها دخل القرمطي الرحبة بالسيف واستباحها، ثم نازل الرّقّة وقتل جماعة بربضها، وتحوّل إلى هيت، فرجموه [١] بالحجارة، وقتلوا صاحبه أبا الزوّار، فسار إلى الكوفة [٢] ، ثم انصرف وبنى دارا سمّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهديّ، وتسارع إليه كل مريب، ولم يحج أحد، ووقع بين المقتدر وبين مؤنس الخادم، واستعفى ابن عيسى من الوزارة، وولي بعده أبو علي بن مقلة الكاتب.
وفيها توفي بنان الحمّال بن محمد بن حمدان بن سعيد، أبو الحسن [٣] الزاهد الواسطي، نزيل مصر وشيخها. كان ذا منزلة عظيمة في النفوس، وكانوا يضربون بعبادته المثل. صحب الجنيد، وحدّث عن الحسن بن محمد الزّعفراني وجماعة. وثّقه أبو سعيد بن يونس وقال: توفي [٤] في رمضان وخرج في جنازته أكثر أهل مصر، وكان شيئا عجيبا.
وقال السيوطي في «حسن المحاضرة» [٥] : جاءه رجل فقال: لي على
стр. 1363
رجل مائة دينار، وقد ذهبت الوثيقة، وأخشى أن ينكر، فادع لي. فقال له:
إني رجل قد كبرت، وأنا أحبّ الحلوى، فاذهب فاشتر لي رطلا وأتني به حتّى أدعو لك، فذهب الرجل فاشترى، فوضع له البائع الحلوى في ورقة، فإذا هي وثيقته بالمائة دينار، فجاء إلى الشيخ فأخبره، فقال: خذ الحلوى فأطعمها صبيانك.
وقال السخاوي [١] : هو من جلّة المشايخ، والقائلين بالحق، له المقامات المشهورة، والآيات المذكورة. كان أستاذ أبي الحسن النّوري.
قال بنان: من كان يسرّه ما يضرّه متى يفلح؟.
وقال: إن أفردته [٢] بالرّبوبية، أفردك بالعناية. والأمر بيدك، إن نصحت صافوك، وإن خلّطت جافوك [٣] .
وقال: أجلّ أحوال الصوفية الثّقة بالمضمون، والقيام بالأوامر، ومراعاة السّر، والتخلّي عن الكونين بالتشبّث بالحق.
وقال: رؤية الأسباب على الدوام قاطعة عن مشاهدة المسبب والإعراض عن الأسباب جملة [٤] يؤدّي بصاحبه إلى ركوب البواطل.
وقال: ليس بمتحقّق في الحبّ من راقب أوقاته، أو تحمّل [٥] في كتمان حبه، حتّى يهتك [٦] ويفتضح ويخلع العذار، ولا يبالي عمّا يرد عليه
стр. 1364
من جهة محبوبه أو بسببه، ويتلذذ بالبلاء [في الحبّ] [١] كما يتلذذ [٢] الأغيار بأسباب النعم.
وأنشد على أثره:
لحاني العاذلون فقلت مهلا ... فإنّي لا أرى في الحبّ عارا
وقالوا قد خلعت فقلت لسنا ... بأول خالع خلع العذارا
وأسند في «الحلية» [٣] عن أبي علي الرّوذباري قال: كان سبب دخولي مصر حكاية بنان، وذلك أنه أمر ابن طولون بالمعروف، فأمر أن يلقى بين يدي السبع، فجعل السبع يشمّه ولا يضرّه، فلما أخرج من بين يدي السبع، قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمّك السبع؟ قال: كنت أتفكر في اختلاف الناس في سؤر السباع ولعابها.
واحتال عليه أبو عبيد الله القاضي، حتّى ضرب سبع درر، فقال له:
حبسك الله بكل درّة سنة. فحبسه ابن طولون سبع سنين.
ومن كلامه: الحرّ عبد ما طمع، والعبد حر ما قنع [٤] .
وبنان: بضم الباء الموحدة ونون، وبعد الألف نون، ولقّب بالحمّال لأنه خرج إلى الحج سنة وحمل على رقبته زاده، وكان متوكلا، فرأته عجوز في البادية فقالت: أنت حمّال ما أنت متوكل. ما ظننت أن الله يرزقك حتّى حملت إلى بيته.
وفيها أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث الحافظ السّجستاني [٥] بن الحافظ. ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين، ونشأ بنيسابور
стр. 1365
وغيرها وسمع من محمد بن أسلم الطّوسي، وعيسى بن زغبة، وخلائق بخراسان، والشام، والحجاز، ومصر، والعراق، وأصبهان. وجمع وصنّف، وكان عنده عن أبي سعيد الأشجّ ثلاثون ألف حديث. وحدّث بأصبهان من حفظه بثلاثين ألف حديث.
وقال ابن شاهين: كان ابن أبي داود يملي علينا من حفظه، وكان يقعد على المنبر بعد ما عمي، ويقعد تحته بدرجة ابنه أبو معمر، وبيده كتاب يقول له: حديث كذا، فيسرد من حفظه، حتّى يأتي على المجلس.
وقال محمد بن عبد الله بن الشّخّير: كان زاهدا ناسكا.
وقال عبد الأعلى بن أبي بكر بن أبي داود: صلّي على أبي ثمانين مرة.
وممّن روى عنه ابن المظفر، والدارقطني، وأبو أحمد الحاكم وغيرهم.
وقال في «المغني» [١] : عبد الله بن سليمان السجستاني، ثقة، كذبه أبوه في غير حديث. انتهى [٢] .
وفيها محمد بن خريم أبو بكر العقيلي [٣] محدّث دمشق، في جمادى الآخرة، روى عن هشام بن عمّار وجماعة.
وفيها العلّامة أبو بكر بن السّرّاج، واسمه محمد بن السّريّ [٤] البغدادي النحوي، صاحب الأصول في العربية. له مصنفات كثيرة، منها «شرح كتاب سيبويه» أخذ عن المبرّد وغيره، وأخذ عنه السيرافي وغيره، ونقل عنه الجوهري في «صحاحه» .
стр. 1366
قال في «العبر» [١] : كان مغرى بالطرب والموسيقا. انتهى.
وقال ابن الأهدل: من شعره:
ميّزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة [٢] لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ... وكأنما حلفت لنا أن لا تفي
والله لا كلّمتها ولو انها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
قال اليافعي [٣] : يحسن استعارة هذه الأبيات لوصف الدنيا.
وفيها محمد بن عقيل بن الأزهر البلخي [٤] الحافظ، شيخ بلخ ومحدّثها. صنّف «المسند» و «التاريخ» وغير ذلك. وسمع علي بن خشرم، وعبّاد بن الوليد الغبري وطبقتهما. ومنه [محمد بن] عبد الله الهندواني، وعبد الرحمن بن أبي شريح. وكان حسن الحديث.
وفيها أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني [٥] الحافظ، صاحب «الصحيح المسند» . رحل إلى الشام، والحجاز، واليمن، ومصر، والجزيرة، والعراق، وفارس، وأصبهان. وروى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب وطبقتهما. وعنه أبو علي النيسابوري، والطبراني. ثقة جليل، وعلى قبره مشهد بإسفرايين، وكان مع حفظه فقيها شافعيا إماما.
стр. 1367
سنة سبع عشرة وثلاثمائة
فيها حجّ بالنّاس منصور الدّيلمي، فدخلوا مكّة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج قتلا ذريعا في المسجد، وفي فجاج مكة. وقتل أمير مكّة ابن محارب، وقلع باب الكعبة واقتلع الحجر الأسود وأخذه إلى هجر، وكان معه تسعمائة نفس، فقتلوا في المسجد ألفا وسبعمائة نسمة، وصعد على باب البيت وصاح:
أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وقيل: إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها زهاء ثلاثين ألفا، وسبي من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد.
قال محمود الأصبهاني: دخل قرمطيّ وهو سكران، فصفّر لفرسه فبال عند البيت، وقتل جماعة، ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسر منه قطعة، ثم قلعه، وبقي الحجر الأسود بهجر نيّفا وعشرين سنة [١] .
وفيها قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي [٢] ، شيخ
стр. 1368
حنفية بغداد. أخذ عنه أبو الحسن الكرخي، وقد ناظر مرة [١] داود الظاهري، فقطع داود. لكنه معتزلي.
وفيها الحافظ الشهيد أبو الفضل محمد الجارودي بن أحمد بن عمّار الجارودي الهروي [٢] قتل بباب الكعبة، وهو آخذ بحلقة الباب. روى عن أحمد بن نجدة وطبقته، ومات كهلا.
وفيها أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص بن مسلم أبو عمرو الجبّري [٣] نسبة إلى جبّر بالفتح والتشديد جد كان أحمد هذا مزكّى من كبار مشايخ نيسابور ورؤسائها. روى عن محمد بن رافع، والكوسج ورحل وطوّف، وتوفي في ذي القعدة.
وحرميّ بن أبي العلاء المكّي [٤] ، نزيل بغداد، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي خميصة الشّروطيّ [٥] كاتب أبي عمر القاضي. روى «كتاب النّسب» عن الزّبير بن بكّار.
стр. 1369
وفيها القاضي المعمّر، أبو القاسم، بدر بن الهيثم اللّخميّ الكوفيّ [١] ، نزيل بغداد. روى عن أبي كريب وجماعة.
قال الدارقطني: كان نبيلا، بلغ مائة وسبع عشرة سنة.
وفيها الحسن بن محمد أبو علي الدّاركي [٢] محدّث أصبهان في جمادى الآخرة. روى عن محمد بن حميد الرّازي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وطائفة.
وفيها البغويّ، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز [٣] ليلة عيد الفطر ببغداد، وله مائة وثلاث سنين وشهر، وكان محدّثا حافظا مجوّدا مصنّفا. انتهى إليه علوّ الإسناد في الدّنيا، فإنه سمع في الصغر بعناية جدّه لأمه، أحمد بن منيع، وعمّه علي بن عبد العزيز، وحضر مجلس عاصم بن علي، وروى الكثير عن علي بن الجعد، ويحيى الحمّاني، وأبي نصر التّمار، وعلي بن المديني، وخلق. وأول ما كتب الحديث سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان ناسخا مليح الخط، نسخ الكثير لنفسه ولجده [وعمّه] [٤] .
وفيها علي بن أحمد بن سليمان الصّيقل، أبو الحسن المصري، ولقبه علّان المعدّل [٥] روى عن محمد بن رمح وطائفة، وتوفي في شوّال عن تسعين سنة.
وفيها محمد بن أحمد بن زهير، أبو الحسن الطّوسي [٦] ، حافظ مصنّف، سمع إسحاق الكوسج، وعبد الله بن هاشم، وطبقتهما.
стр. 1370
وفيها محمد بن زبّان [١] بن حبيب أبو بكر المصري [٢] في جمادى الأولى. سمع زكريا بن يحيى كاتب العمري، ومحمد بن رمح، وعاش اثنتين وتسعين سنة.
وفيها المنجم المشهور صاحب الزّيج والأعمال، محمد بن جابر البتّاني [٣] توفي بموضع يقال له الحضر، وهي مدينة بقرب الموصل [٤] وهي مملكة السّاطرون [٥] وكان حاصرها أزدشير وقتله وأخذها. ذكره ابن هشام في «السيرة» [٦] .
وفيها نصر بن أحمد البصري [الخبز أرزّيّ] الشاعر [٧] وكان أميّا وله الأشعار الفائقة منها:
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن [٨] من مولى تمشّى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلّك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد