قال في «العبر» [١] : كان مغرى بالطرب والموسيقا. انتهى.
وقال ابن الأهدل: من شعره:
ميّزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة [٢] لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ... وكأنما حلفت لنا أن لا تفي
والله لا كلّمتها ولو انها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
قال اليافعي [٣] : يحسن استعارة هذه الأبيات لوصف الدنيا.
وفيها محمد بن عقيل بن الأزهر البلخي [٤] الحافظ، شيخ بلخ ومحدّثها. صنّف «المسند» و «التاريخ» وغير ذلك. وسمع علي بن خشرم، وعبّاد بن الوليد الغبري وطبقتهما. ومنه [محمد بن] عبد الله الهندواني، وعبد الرحمن بن أبي شريح. وكان حسن الحديث.
وفيها أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني [٥] الحافظ، صاحب «الصحيح المسند» . رحل إلى الشام، والحجاز، واليمن، ومصر، والجزيرة، والعراق، وفارس، وأصبهان. وروى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب وطبقتهما. وعنه أبو علي النيسابوري، والطبراني. ثقة جليل، وعلى قبره مشهد بإسفرايين، وكان مع حفظه فقيها شافعيا إماما.
стр. 1367
سنة سبع عشرة وثلاثمائة
فيها حجّ بالنّاس منصور الدّيلمي، فدخلوا مكّة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج قتلا ذريعا في المسجد، وفي فجاج مكة. وقتل أمير مكّة ابن محارب، وقلع باب الكعبة واقتلع الحجر الأسود وأخذه إلى هجر، وكان معه تسعمائة نفس، فقتلوا في المسجد ألفا وسبعمائة نسمة، وصعد على باب البيت وصاح:
أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وقيل: إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها زهاء ثلاثين ألفا، وسبي من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد.
قال محمود الأصبهاني: دخل قرمطيّ وهو سكران، فصفّر لفرسه فبال عند البيت، وقتل جماعة، ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسر منه قطعة، ثم قلعه، وبقي الحجر الأسود بهجر نيّفا وعشرين سنة [١] .
وفيها قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي [٢] ، شيخ
стр. 1368
حنفية بغداد. أخذ عنه أبو الحسن الكرخي، وقد ناظر مرة [١] داود الظاهري، فقطع داود. لكنه معتزلي.
وفيها الحافظ الشهيد أبو الفضل محمد الجارودي بن أحمد بن عمّار الجارودي الهروي [٢] قتل بباب الكعبة، وهو آخذ بحلقة الباب. روى عن أحمد بن نجدة وطبقته، ومات كهلا.
وفيها أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص بن مسلم أبو عمرو الجبّري [٣] نسبة إلى جبّر بالفتح والتشديد جد كان أحمد هذا مزكّى من كبار مشايخ نيسابور ورؤسائها. روى عن محمد بن رافع، والكوسج ورحل وطوّف، وتوفي في ذي القعدة.
وحرميّ بن أبي العلاء المكّي [٤] ، نزيل بغداد، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي خميصة الشّروطيّ [٥] كاتب أبي عمر القاضي. روى «كتاب النّسب» عن الزّبير بن بكّار.
стр. 1369
وفيها القاضي المعمّر، أبو القاسم، بدر بن الهيثم اللّخميّ الكوفيّ [١] ، نزيل بغداد. روى عن أبي كريب وجماعة.
قال الدارقطني: كان نبيلا، بلغ مائة وسبع عشرة سنة.
وفيها الحسن بن محمد أبو علي الدّاركي [٢] محدّث أصبهان في جمادى الآخرة. روى عن محمد بن حميد الرّازي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وطائفة.
وفيها البغويّ، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز [٣] ليلة عيد الفطر ببغداد، وله مائة وثلاث سنين وشهر، وكان محدّثا حافظا مجوّدا مصنّفا. انتهى إليه علوّ الإسناد في الدّنيا، فإنه سمع في الصغر بعناية جدّه لأمه، أحمد بن منيع، وعمّه علي بن عبد العزيز، وحضر مجلس عاصم بن علي، وروى الكثير عن علي بن الجعد، ويحيى الحمّاني، وأبي نصر التّمار، وعلي بن المديني، وخلق. وأول ما كتب الحديث سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان ناسخا مليح الخط، نسخ الكثير لنفسه ولجده [وعمّه] [٤] .
وفيها علي بن أحمد بن سليمان الصّيقل، أبو الحسن المصري، ولقبه علّان المعدّل [٥] روى عن محمد بن رمح وطائفة، وتوفي في شوّال عن تسعين سنة.
وفيها محمد بن أحمد بن زهير، أبو الحسن الطّوسي [٦] ، حافظ مصنّف، سمع إسحاق الكوسج، وعبد الله بن هاشم، وطبقتهما.
стр. 1370
وفيها محمد بن زبّان [١] بن حبيب أبو بكر المصري [٢] في جمادى الأولى. سمع زكريا بن يحيى كاتب العمري، ومحمد بن رمح، وعاش اثنتين وتسعين سنة.
وفيها المنجم المشهور صاحب الزّيج والأعمال، محمد بن جابر البتّاني [٣] توفي بموضع يقال له الحضر، وهي مدينة بقرب الموصل [٤] وهي مملكة السّاطرون [٥] وكان حاصرها أزدشير وقتله وأخذها. ذكره ابن هشام في «السيرة» [٦] .
وفيها نصر بن أحمد البصري [الخبز أرزّيّ] الشاعر [٧] وكان أميّا وله الأشعار الفائقة منها:
خليليّ هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن [٨] من مولى تمشّى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلّك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد
стр. 1371
سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
هبت ريح من المغرب في آذار، وحملت رملا أحمر يشبه رمل الصاغة، فامتلأت منه أسواق بغداد في الجانبين وسطحها ومنازلها. قاله في «الشذور» .
وفيها توفي القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول بن حسّان التّنوخيّ الحنفيّ الأنباري الأديب [١] أحد الفصحاء البلغاء، وله سبع وثمانون سنة. روى عن أبي كريب وطبقته، وولي قضاء مدينة المنصور عشرين سنة، وله مصنف في نحو الكوفيين.
وفيها أحمد بن محمد بن المغلّس البزّاز [٢] ، أخو جعفر. كان ثقة نبيلا، روى عن لوين، وعدة.
وفيها إسماعيل بن داود بن وردان المصري [٣] . روى عن زكريّا كاتب العمري، ومحمد بن رمح، وتوفي في ربيع الآخر عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها أبو بكر الحسن بن علي بن بشّار بن العلّاف البغدادي
стр. 1372
المقرئ [١] صاحب الدّوري، وكان أديبا ظريفا نديما للمعتضد، ثم شاخ وعمي.
قال ابن خلّكان [٢] : كان من الشعراء المجيدين. وحدّث عن أبي عمرو الدّوري المقرئ، وحميد بن مسعدة [٣] البصري وغيرهما، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله.
وحكى قال: بتّ ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادمه ليلا وقال: يقول أمير المؤمنين: أرقت الليلة بعد انصرافكم، فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدّار قفر [٤] والمزار بعيد
وقال: قد أرتج عليّ تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة.
قال: فأرتج على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم [إليه] ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول: لقد أحسنت، و [قد] أمر لك بجائزة.
وكان لأبي بكر المذكور هرّ يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل أفراخها [٥] وكثر ذلك منه، فأمسكه أربابها وذبحوه، فرثاه بهذه القصيدة.
стр. 1373
وقد قيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز، وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها، لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهرّ وعرّض به في أبيات منها، وكانت بينهما صحبة أكيدة.
وذكر صاعد اللغوي في كتاب «الفصوص» قال: حدّثني أبو الحسن المرزباني قال: هويت جارية لعلي بن عيسى غلاما لأبي بكر بن العلّاف الضرير، ففطن بهما فقتلا جميعا وسلخا وحشيت [١] جلودهما تبنا. فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه [بها] وكنى عنه بالهرّ. وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعددها خمسة وستون بيتا، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها، وأولها:
يا هرّ فارقتنا ولم تعد ... وكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفكّ عن هواك وقد ... صرت [٢] لنا عدّة من العدد
تطرد عنّا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حيّة ومن جرد [٣]
وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السّدد
يلقاك في البيت منهم مدد ... وأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك منفلتا ... منهم ولا واحد من العدد
وكان يجري ولا سداد لهم ... أمرك في بيتنا على السّدد
حتّى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الرّدى بظلمهم ... ومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعدا ... وأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متّئدا ... وتبلع الفرخ غير متئد [٤]
стр. 1374
أطعمك الغيّ لحمها فرأى ... قتلك أصحابها [١] من الرّشد
حتّى إذا داوموك واجتهدوا ... وساعد النصر كيد مجتهد
صادوك غيظا عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يرعووا إلى أحد
فلم تزل للحمام مرتصدا ... حتى سقيت الحمام بالرّصد
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
وكنت بدّدت شملهم زمنا ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد [٢]
كأنّ حبلا حوى بجودته ... جيدك للخنق كان من مسد
كأنّ عيني تراك مضطربا ... فيه وفي فيك رغوة الزّبد
وقد طلبت الخلاص منه فلم ... تقدر على حيلة [٣] ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بها ... أنت ومن لم يجد بها تجد
فما سمعنا بمثل موتك إذ ... متّ ولا مثل عيشك [٤] النّكد
عشت حريصا يقوده طمع ... ومتّ ذا قاتل بلا قود
فلم تخف وثبة الزّمان كما ... وثبت في البرج وثبة الأسد [٥]
عاقبة الظلم لا تنام وإن ... تأخّرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدّهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما ... أعزّه في الدّنوّ والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تصعّدك [٦] ال ... برج ولو كان جنّة الخلد
стр. 1375
قد كنت في نعمة وفي دعة ... من العزيز المهيمن الصّمد
تأكل من فأر بيتنا [١] رغدا ... وأين بالشّاكرين للرّغد
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا.
ومات عن مائة سنة.
وفيها أبو عروبة الحسين بن أبي معشر محمد بن مودود السّلميّ الحرّاني [٢] الحافظ، محدّث حرّان، وهو في عشر المائة. روى عن إسماعيل بن موسى السّدّي وطبقته. وعنه أبو حاتم بن حبّان، وأبو أحمد الحاكم، وكان عارفا بالرّجال. رحل إلى الجزيرة، والشام، والعراق. ورحل إليه النّاس.
وفيها سعيد بن عبد العزيز أبو عثمان الحلبيّ الزاهد [٣] نزيل دمشق.
صحب سريّا السّقطي. وروى عن أبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي، وأحمد بن أبي الحواري وطبقتهما.
قال أبو أحمد الحاكم: كان من عباد الله الصالحين.
وفيها أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني [٤] الحافظ المصنّف، وله ثمانون سنة. روى عن الحسن بن محمد الزعفراني [والذّهلي] [٥] ، وطبقتهما ورحل الكثير، وكان ثبتا مجوّدا.
وفيها محمد بن إبراهيم الحافظ الأوحد العلّامة أبو بكر بن إبراهيم بن
стр. 1376
المنذر النيسابوري [١] شيخ الحرم [٢] . روى عن محمد بن ميمون، ومحمد بن إسماعيل الصائغ وخلق، وعنه ابن المقرئ، ومحمد بن يحيى الدمياطي، وغيرهما. وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، وله تآليف حسان.
قال ابن ناصر الدّين: هو شيخ الحرم ومفتيه، ثقة مجتهد فقيه.
وفيها محمد بن إبراهيم بن نيروز [٣] ، أبو بكر الأنماطي [٤] سمع أبا حفص [الفلّاس] وطبقته.
وفيها يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ الثقة الحجّة أبو محمد البغدادي [٥] مولى بني هاشم، في ذي القعدة، وله تسعون سنة. عني بالأثر، وجمع وصنّف، وارتحل إلى الشام، والعراق، ومصر، والحجاز. وروى عن لوين وطبقته.
قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد في فهمه، والفهم عندنا أجلّ من الحفظ، وهو فوق أبي بكر بن أبي داود في الفهم والحفظ. انتهى.
وممّن روى عنه: أبو القاسم البغوي، والدارقطني، وخلق.
وقال الدارقطني: هو ثقة ثبت حافظ.
стр. 1377
سنة تسع عشرة وثلاثمائة
فيها على ما قاله في «الشذور» قدم مؤتمن الخادم، وكان قد خاف من الهجري، فضلّ بالقافلة عن الجادة، فحدّث أصحابه أنهم رأوا في البرية آثارا عجيبة وصورا لناس من حجارة، ورأوا امرأة قائمة على تنّور، وهي من حجر والخبز من حجر. انتهى.
وفيها استولى مرداويج الدّيلمي على همذان، وبلاد الجبل، إلى حلوان، وهزم عسكر الخليفة.
وفيها استوحش مؤنس الخادم من الوزير والمقتدر، فأخذ يتعنت على المقتدر ويحتكم عليه في إبعاد ناس [١] وتقديم غيرهم، ثم خرج مغاضبا بأصحابه [٢] إلى الموصل، فاستولى الوزير على حواصله، وفرح المقتدر بالوزير، وكتب اسمه على السّكّة، وكان مؤنس في ثمانمائة، فحارب جيش الموصل، وكانوا ثلاثين ألفا، فهزمهم وملك الموصل في سنة عشرين، ولم يحجّ أحد من بغداد، وأخذ الدّيلمي الدّينور، وفتك بأهلها ووصل إلى بغداد من انهزم، ورفعوا المصاحف على القصب، واستغاثوا وسبّوا المقتدر، وغلّقت الأسواق، وخافوا من هجوم القرامطة.
стр. 1378
وفيها توفي أبو الجهم أحمد بن الحسين بن أحمد بن طلّاب الدمشقي المشغراني [١] خطيب مشغرى [٢] . وقع من على [٣] الدابة فمات لوقته. روى عن هشام بن عمّار وطائفة.
وفيها الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان القرشي الدمشقي [٤] محدّث دمشق في رجب. روى عن موسى بن عامر المرّيّ، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهما.
وفيها قاضي الجماعة، أبو الجعد، أسلم بن عبد العزيز الأموي الأندلسي المالكي [٥] ، في رجب، وهو من أبناء التسعين، وكان نبيلا رئيسا كبير الشأن. رحل فسمع من يونس بن عبد الأعلى، والمزني، وصحب بقيّ بن مخلد مدّة، وأضرّ بآخر عمره [٦] وضعف من الكبر.
وفيها أبو سعيد، الحسن بن علي بن زكريا البصري العدوي الكذّاب [٧] ببغداد. روى بوقاحة عن عمرو بن مرزوق، ومسدّد، والكبار.
стр. 1379
قال ابن عدي [١] : كان يضع الحديث. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها الكعبي، شيخ المعتزلة، أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي [٣] .
قال ابن خلّكان [٤] : أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، العالم المشهور. كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم: «الكعبية» وهو صاحب مقالات، ومن مقالاته [٥] أن الله ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها.
وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام. انتهى [٦] .
وفيها القاضي أبو عبيد بن حربويه [٧] البغدادي علي بن الحسين بن حرب [٨] ، الفقيه الشافعي، قاضي مصر، وهو من أصحاب الوجوه. روى عن أحمد بن المقدام، والزّعفراني، وطبقتهما.
قال أبو سعيد بن يونس: كان شيئا عجبا ما رأينا مثله، لا قبله ولا بعده، وكان تفقه [٩] على مذهب أبي ثور.
وفيها محمد بن الفضل البلخيّ [١٠] الزاهد، أبو عبد الله، نزيل سمرقند، وكان إليه المنتهى في الوعظ والتذكير.
стр. 1380
يقال: إنه مات في مجلسه أربعة أنفس.
صحب أحمد بن خضرويه [١] البلخي، وهو آخر من روى عن قتيبة، وقد أجاز لأبي بكر بن المقرئ.
وقال السخاوي [٢] : هو محمد بن الفضل بن العباس بن حفص، أبو عبد الله، أصله من بلخ، خرج منها لسبب المذهب، فدخل سمرقند ومات بها، وهو من جلّة مشايخ خراسان، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه.
وقال أبو عثمان: لو وجدت في نفسي قوّة، لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل، فأستروح سرّي برؤيته.
قال ابن الفضل: الدّنيا بطنك فبقدر زهدك في بطنك زهدك في الدنيا.
وقال: العجب ممّن يقطع الأودية والقفار والمفاوز، حتّى يصل إلى بيته وحرمه وكعبته [٣] لأن فيه آثار أنبيائه. كيف لا ينقطع عن نفسه وهواه، حتى يصل إلى قلبه، فإنّ فيه آثار مولاه، وتوحيده ومعرفته.
وقال: أنزل نفسك منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بدّ له منها، فإن من ملك نفسه عزّ ومن ملكته نفسه ذلّ.
وقال: ستّ خصال يعرف بها الجاهل: الغضب من غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطيّة في غير موضعها، وإفشاء السّرّ، والثقة بكل أحد، وألّا يعرف [٤] صديقه من عدوه.
стр. 1381
وقال: خطأ العالم أضرّ من عمد [١] الجاهل.
وقال: من ذاق حلاوة العلم لا يصبر [٢] عنه. ومن ذاق حلاوة المعاملة أنس بها.
وقال: العلوم ثلاثة: علم بالله، وعلم من الله، وعلم مع الله.
فالعلم بالله، معرفة صفاته ونعوته.
والعلم من الله، علم الظاهر والباطن، والحلال والحرام، والأمر والنهي، والأحكام.
والعلم مع الله، هو علم الخوف والرجاء والمحبة والشوق.
وقال: ثمرة الشّكر الحبّ لله والخوف من الله.
وقال: ذكر اللسان كفّارات [٣] ودرجات، وذكر القلب زلف [٤] وقربات، وذكر السّرّ مشاهدة ومناجاة [٥] . انتهى ملخصا.
وفيها محدّث الأندلس، أبو عبد الله محمد بن فطيس بن واصل الغافقي الإلبيري [٦] الفقيه الحافظ. روى عن محمد بن أحمد العتبي، وأبان بن عيسى، ورحل وسمع من أحمد ابن أخي ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهم. وصنّف، وجمع، وسمع بأطرابلس المغرب [٧] ، من أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الحافظ.
стр. 1382
قال [ابن] الفرضي [١] : كان ضابطا، نبيلا، صدوقا، وكانت الرحلة إليه [بإلبيرة] [٢] حدّثنا عنه غير واحد. وتوفي في شوال عن تسعين سنة.
وفيها المؤمّل بن الحسن بن عيسى بن ما سرجس [٣] ، الرئيس أبو الوفاء النيسابوري، لم يدرك الأخذ عن أبيه، وأخذ عن إسحاق الكوسج، والحسين الزعفراني، وطبقتهما. وكان صدر نيسابور. وروي أن أمير خراسان ابن طاهر اقترض منه ألف ألف درهم.
وقال أبو علي النيسابوري: خرّجت [٤] لأبي الوفاء عشرة أجزاء، وما رأيت أحسن من أصوله، فأرسل إليّ مائة دينار وأثوابا.
стр. 1383
سنة عشرين وثلاثمائة
لما استفحل أمر مرداويج الدّيلمي، لاطفه الخليفة، وبعث إليه بالعهد واللواء والخلع، وعقد له على أذربيجان، وإرمينية، وأرّان [١] ، وقمّ، ونهاوند، وسجستان.
وفيها نهب الجند دار الوزير [٢] ، فهرب، وسخّم [٣] الهاشميون وجوههم، وصاحوا: الجوع الجوع! للغلاء، لأن القرمطي ومؤنسا منعوا الجلب، وتسلل الجند إلى مؤنس، وتملك الموصل، ثم تجهزوا في جمع [٤] عظيم، فأمر المقتدر هارون بن غريب أن يلتقي بهم، فامتنع ثم قالت الأمراء للمقتدر: أنفق في العساكر، فعزم على التوجّه إلى واسط في الماء، ليستخدم منها، ومن البصرة، والأهواز، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله ولا تسلّم بغداد بلا حرب، فلما أصبحوا، ركب في موكبه وعليه البردة، وبيده القضيب، والقرّاء والمصاحف حوله، والوزير خلفه، فشقّ بغداد إلى الشمّاسيّة، وأقبل مؤنس في جيشه، وشرع القتال، فوقف المقتدر على تلّ، ثم جاء إليه ابن ياقوت، وأبو العلاء بن حمدان، فقالا: تقدم، فأبى، فألحّوا
стр. 1384
عليه، فتقدّم وهم يستدرجونه، حتّى صار في وسط المصافّ [١] ، في طائفة قليلة، فانكشف أصحابه، وأسر منهم جماعة، وأبلى ابن ياقوت، وهارون بن غريب بلاء حسنا، وكان معظم جيش مؤنس الخادم البربر، فجاء علي بن بليق [٢] فترجّل وقال: مولاي أمير المؤمنين، وقبّل الأرض، فعطف جماعة [من البربر] [٣] إلى نحو المقتدر، فضربه رجل من خلفه ضربة سقط إلى الأرض، وقيل: رماه بحربة وحزّ رأسه بالسيف، وحمل على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مهتوك العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له حفرة، فطم وعفا أثره، وذلك لثلاث بقين من شوال.
وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم العباسي [٤] ، وفي أيامه اضمحلت دولة الخلافة العباسية وصغرت، وسمع أمير الأندلس بذلك، فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين، فلقّب نفسه أمير المؤمنين الناصر لدين الله عبد الرحمن، وبقي في الخلافة إلى سنة خمسين وثلاثمائة. ولا شك أن حرمته ودولته كانت أمتن من دولة المقتدر ومن بعده، وقد خلع المقتدر مرتين وأعيد، وكان ربعة جميل الصورة، أبيض مشربا حمرة، أسرع الشيب إلى عارضيه، وعاش ثمانيا وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة إلا أياما، وكان جيد العقل والرأي، لكنه كان يؤثر اللعب والشهوات، غير ناهض بأعباء الخلافة. كانت أمّه، وخالته، والقهرمانة يدخلن في الأمور الكبار، والولايات، والحلّ، والعقد.
стр. 1385
قال الوزير علي بن عيسى: ما هو إلّا أن يترك [١] النبيذ خمسة أيام [متتابعة حتى يصح ذهنه] ، وكان ربما يكون في إصابة الرأي كأبيه، وكالمأمون.
ومن العجائب أنه لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلّا هو والمتوكل، وكلاهما قتل في شوال.
وندم مؤنس على قتله وقال: لنقتلنّ كلنا، ثم بايعوا القاهر، فصادر بعض خواص المقتدر، وعذب أمه، حتّى ماتت معلّقة، وبالغ في الظلم، واستوزر ابن مقلة، وكان المقتدر مسرفا مبذّرا [ناقص الرأي] [٢] محق الذخائر حتّى إنه أعطى بعض جواره الدرة اليتيمة، التي وزنها ثلاثة مثاقيل، ويقال:
إنه ضيّع من الذهب ثمانين ألف ألف دينار، وكان في داره عشرة آلاف خصيّ من الصقالبة، وأهلك نفسه بيده بسوء تدبيره، وخلّف عدة أولاد، منهم:
الراضي بالله محمد، والمتقي لله إبراهيم، والأمير إسحاق ولد القادر، والمطيع لله، وذكر طبيبه ثابت بن سنان في «تاريخه» أن المقتدر أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار.
وفيها توفي الحافظ، محدّث الشام، أبو الحسن، أحمد بن عمير [٣] بن يوسف بن موسى بن جوصا [٤] . سمع كثير بن عبيد، وطبقته. وعنه الطبراني، وحمزة الكتاني، وأبو علي الحافظ، والحاكم [٥] . حطّ عليه حمزة الكتاني، وأثنى عليه الدارقطني، وجمع وصنّف وتبحر في الحديث.
قال أبو علي النيسابوري: كان ركنا من أركان الحديث.
стр. 1386
وقال محمد بن إبراهيم: كان ابن جوصا بالشام كابن عقدة بالكوفة.
وقال غيره: كان ابن جوصا كثير الأموال، يركب البغلة، وتوفي في جمادى الأولى.
وقال الدارقطني: تفرّد بأحاديث، ولم يكن بالقويّ.
وفيها أبو بكر أحمد بن القاسم بن نصر [١] أخو أبي اللّيث الفرائضي، ببغداد، في ذي الحجّة، وله ثمان وتسعون سنة. روى عن لوين، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وعدّة [٢] .
وفيها الحافظ الجوّال، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد بن جهينة الشهرزوريّ [٣] روى عن أبي زرعة الرّازي، والزعفراني. وعنه أهل الرّيّ، وقزوين، منهم: أحمد بن علي بن حسن الرّازي، وأبو بكر بن يحيى الفقيه، وغيرهما. قاله ابن بردس [٤] .
وفيها أبو العبّاس عبد الله بن عتّاب بن الزّفتي [٥] محدّث دمشق، وله ست وتسعون سنة. روى عن هشام بن عمّار، وعيسى بن حمّاد زغبة، وخلق.
قال أبو أحمد الحاكم: رأيناه ثبتا.
وفيها الحافظ الثقة أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الكريم ابن
стр. 1387
أخي أبي زرعة الرّازي [١] . روى عن يونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن منصور الرّمادي، وطبقتهما.
وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربريّ [٢] صاحب البخاري، وقد سمع من علي بن خشرم لمّا رابط بفربر، وكان ثقة ورعا، توفي في شوال، وله تسع وثمانون سنة. وكانت ولادته سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ورحل إليه الناس، وسمعوا منه «صحيح البخاري» وهو أحسن من روى الحديث عن البخاري.
وفربر: بفتح الفاء [٣] والراء وسكون الباء الموحدة، وفي آخره راء ثانية، وهي بليدة على طرف جيحون مما يلي بخارى. قاله ابن خلّكان [٤] .
وفيها أو قبلها أو بعدها، توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى العدني [٥] قاضي عدن، ونزيل مكة. سمع منه مسلم بن الحجّاج، والترمذي. وروى عن سفيان بن عيينة وطبقته. روى عنه الترمذيّ أنه قال:
حججت ستين حجّة ماشيا على قدمي. قاله ابن الأهدل [٦] .
وفيها الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد النيسابوري [٧] الثقة الإمام. روى عن الذهلي، وعيسى بن أحمد، والربيع
стр. 1388
المرادي. وعنه محمد بن صالح بن هاني، وأبو علي الحافظ. ووثقه الحاكم. قاله ابن بردس [١] .
وفيها قاضي القضاة أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل الأزدي مولاهم البغدادي [٢] وكان من خيار القضاة حلما، وعقلا، وجلالة، وذكاء، وصيانة.
ولد بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وروى عن زيد بن أخزم [٣] ، والحسن ابن أبي الربيع، وجماعة حمل عنهم في صغره، وولي قضاء مدينة المنصور في خلافة المعتضد، ثم ولي قضاء الجانب الشرقي للمقتدر، ثم ولي قضاء القضاة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان له مجلس في غاية الحسن كان يقعد للإملاء، والبغويّ [٤] عن يمينه، وابن صاعد عن يساره، وابن زياد النيسابوري بين يديه. وقد حفظ من جده حديثا وهو ابن أربع سنين.
وفيها ميمون بن عمر الإفريقي [٥] المالكي، أبو عمر، الفقيه قاضي القيروان، وقاضي صقلّيّة. عاش مائة سنة أو أكثر، وكان آخر من روى بالمغرب عن سحنون، وعن أبي مصعب الزّهريّ [٦] وزمن [٧] في آخر عمره وهرم [٨] .
стр. 1389
وفيها أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي [١] .
قال الإسنوي: كان إماما جليلا وربما كان يعيب على ابن سريج في القضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا إنما كان في أصحاب أبي حنيفة. وطلبه الوزير ابن الفرات بأمر الخليفة للقضاء فامتنع فوكل ببابه وختم عليه بضعة عشر يوما حتّى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا بمناولة بعض الجيران، فبلغ، الخبر إلى الوزير، فأمر بالإفراج عنه، وقال: ما أردنا بالشيخ أبي علي إلا خيرا، أردنا أن يعلم أن في مملكتنا رجلا يعرض عليه قضاء القضاة شرقا وغربا وفعل به مثل هذا وهو لا يقبل، توفي- رحمه الله تعالى- يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة. انتهى ملخصا.
وتفقه به جماعة.
وفيها أبو عمرو [٢] الدمشقي [٣] الزاهد من كبار مشايخ الصوفية وساداتهم. روي عنه أنه قال: كما فرض الله تعالى على الأنبياء إظهار [الآيات و] [٤] المعجزات، [كذلك] [٤] فرض الله على الأولياء كتمان الكرامات، لئلا يفتتنوا بها [٥] .
стр. 1390
سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
فيها بدت من القاهر شهامة وإقدام، فتحيّل حتّى قبض على مؤنس الخادم وبليق، وابنه علي بن بليق، ثم أمر بذبحهم، وطيف برؤوسهم ببغداد، ثم أمر بذبح يمن، وابن زيرك [١] فاستقامت بغداد، وأطلقت أرزاق الجند، وعظمت هيبة القاهر في النفوس، ثم أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنّين، ونفى المخانيث، وكسر آلات الطرب، إلا أنه كان لا يكاد يصحو [٢] من السّكر ويسمع [٣] القينات. قاله في «العبر» [٤] .
وفيها توفي أبو حامد، ويقال: أبو تراب، أحمد بن حمدون بن أحمد بن عمارة بن رستم الأعمشي النيسابوري [٥] الحافظ، وأبوه حمدون القصّار كان أعمى من الموثقين، وكان قد جمع حديث الأعمش كله وحفظه، فلقب بذلك.
سمع محمد بن رافع، وأبا سعيد الأشج، وطبقتهما. ومنه: أبو الوليد الفقيه [٦] وأبو علي الحافظ، و [أبو أحمد] الحاكم.
стр. 1391
قال ابن بردس [١] : لا بأس به، وكان صاحب بسط ودعابة.
وفيها أحمد بن عبد الوارث بن جرير الأسواني العسّال [٢] في جمادى الآخرة، وهو آخر من حدّث عن محمد بن رمح، ووثّقه ابن يونس.
وفيها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطّحاويّ الحنفي [٣] الأزديّ الحجريّ المصري [٤] شيخ الحنفية، الثقة الثبت. سمع هارون بن سعيد الأيلي، وطائفة من أصحاب ابن عيينة، وابن وهب، ومنه: أحمد بن القاسم الخشّاب [٥] ، والطبراني [٦] ، وصنّف التصانيف، منها «العقيدة السّنيّة السّنيّة» [٧] ، وبرع في الفقه والحديث. توفي في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون سنة.
قال ابن يونس: كان ثقة ثبتا لم يخلف مثله.
وقال الشيخ أبو إسحاق [٨] : انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وقرأ أولا على المزني.
قيل: وكان ابن أخته، فقال له يوما: والله لا جاء منك شيء. فغضب وانتقل إلى جعفر بن عمران الحنفي، ففاق أهل عصره، وكان يقول بعد:
стр. 1392
رحم الله أبا إبراهيم- يعني المزني- لو كان حيّا لكفّر عن يمينه. وصنّف كثيرا. ونسبته إلى طحا، قرية بصعيد مصر [١] .
وفيها أبو علي أحمد [بن محمد] بن علي بن رزين الباشاني [٢] بهراة. روى عن علي بن خشرم، وسفيان بن وكيع، وطائفة من الثقات.
وفيها الأمير تكين الخاصة [٣] ولي دمشق ثم مصر وبها مات، ونقل إلى بيت المقدس.
وفيها أبو يزيد، حاتم بن محبوب الشامي [٤] بهراة. حج وسمع محمد بن زنبور، وسلمة بن شبيب وكان ثقة.
والحسن بن محمد بن النّضر [٥] أبو علي بن أبي هريرة [٦] بأصبهان.
روى عن إسماعيل بن يزيد القطان، وأحمد بن الفرات. وعنه: ابن مندة وهو من أكبر شيوخه [٧] .
وفيها أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب البصري الجبّائي [٨] شيخ المعتزلة وابن شيخهم. توفي في شعبان ببغداد.
وفيها أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي البصري [٩] اللغوي العلّامة، صاحب التصانيف. أخذ عن الرّياشي، وأبي حاتم
стр. 1393
السّجستاني، وابن أخي الأصمعي. وعاش ثمانيا وتسعين سنة.
قال أحمد بن يوسف الأزرق: ما رأيت أحفظ من ابن دريد، ما رأيته قرئ عليه ديوان إلّا وهو يسابق في قراءته.
وقال الدّارقطني: تكلموا فيه. قاله في «العبر» .
وقال ابن خلّكان [١] : إمام عصره في اللغة، والآداب، والشعر الفائق.
قال المسعوديّ في كتاب «مروج الذهب» [٢] في حقه: كان ابن دريد ببغداد ممّن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، لم يوجد مثله في فهم كتب المتقدمين، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فطورا يجزل، وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه، فمن جيّد شعره قصيدته المقصورة التي أولها:
إمّا تري رأسي حاكى لونه ... طرّة صبح تحت أذيال الدّجى
واشتعل المبيضّ في مسودّه ... مثل اشتعال النّار في جمر [٣] الغضا
وكان من تقدم من العلماء يقول: إن ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر العلماء.
ومن مليح شعره قوله:
غرّاء لو جلت الخدور [٤] شعاعها ... للشمس عند شروقها [٥] لم تشرق
غصن على دعص تأوّد فوقه ... قمر تألّق تحت ليل مطبق
стр. 1394
لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطق
فكأننا من فرعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق
تبدو فيهتف بالعيون ضياؤها ... الويل حلّ بمقلة لم تطبق
وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها وتعلم فيها، وسكن عمان وأقام بها ثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس، وصحب ابني ميكال، وكانا يومئذ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب «الجمهرة» وقلداه ديوان فارس، فكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد معهما أموالا عظيمة، وكان لا يمسك درهما سخاء وكرما، ومدحهما بقصيدته المقصورة، فوصلاه بعشرة آلاف درهم، ثم انتقل إلى بغداد، وعرف الإمام المقتدر بالله خبره ومكانه من العلم [١] ، فأمر أن يجرى عليه خمسون دينارا في كل شهر، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته.
وكان واسع الرواية، لم ير أحفظ منه. وسئل عنه الدارقطني أثقة هو أم لا؟ فقال: تكلموا فيه.
وقيل: إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له.
وقال أبو منصور الأزهري [٢] : دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه.
وقال ابن شاهين: كنّا ندخل عليه فنستحي [٣] [مما نرى] من العيدان المعلّقة والشراب المصفّى. وذكر أن سائلا سأله شيئا فلم يكن عنده غير دنّ [٤]
стр. 1395
من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه أحد غلمانه، وقال: تتصدق بالنبيذ؟ فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشر دنان من النبيذ، فقال لغلامه: أخرجنا دنّا فجاءنا عشرة. وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير.
وعرض له فالج، فسقي الترياق فشفي [منه] ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضارّ تناوله، فبطل من محزمه إلى قدميه، وكان مع هذا الحال ثابت العقل صحيح الذهن [١] يردّ فيما يسأل ردّا صحيحا.
وقال المرزباني: قال لي ابن دريد: سقطت من منزلي بفارس، فانكسرت ترقوتي، فسهرت ليلتي، فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا [٢] دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب وقال:
أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا أبو ناجية من أهل الشام، وأنشدني:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
فقلت له: أسأت. فقال: ولم؟ قلت: لأنك قلت: «حمراء» فقدمت الحمرة، ثم قلت: «بين ثوبي نرجس وشقائق» فقدمت الصفرة، فهلّا قدّمتها على الأخرى. فقال: وما هذا الاستقصاء يا بغيض؟.
وتوفي يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان.
ودريد: بضم الدال المهملة، وفتح الراء، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها دال مهملة، وهو تصغير أدرد، والأدرد: الذي ليس فيه سن،
стр. 1396
وهو تصغير ترخيم لحذف الهمزة من أوله، كما تقول في تصغير أسود: سويد، و [تصغير] أزهر زهير. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وفيها محمد بن هارون أبو حامد الحضرمي [١] محدّث بغداد في وقته، وله نيّف وتسعون سنة. روى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، وأبي همّام السّكوني.
وفيها محمد بن مكحول البيروتي [٢] وهو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عبد السلام الحافظ الثقة الثبت. سمع محمد بن هاشم البعلبكي، وأبا عمير بن النّحّاس، وطبقتهما بمصر، والشام، والجزيرة، وعنه: أبو سليمان بن زين، وأبو محمد بن ذكوان البعلبكي، والحاكم.
وفيها محمد بن نوح الحافظ أبو الحسن الجنديسابوري [٣] الثقة.
روى عن الحسن بن عرفة وغيره، وعنه: الدارقطني وغيره.
وفيها مؤنس الخادم [٤] الملقب بالمظفّر، عن نحو تسعين سنة. وكان أميرا معظّما شجاعا منصورا، لم يبلغ أحد من الخدّام منزلته، إلا كافور صاحب مصر.
стр. 1397
سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
فيها انفرد عن مرداويج الدّيلمي أحد قواده، الأمير علي بن بويه، والتقى هو ومحمد بن ياقوت أمير فارس، فهزم محمدا واستوى على مملكة فارس، وهذا أول ظهور بني بويه، وكان بويه من أوساط الناس، يصيد السمك بين الدّيلم، فملك أولاده الدّنيا، وكنية بويه أبو شجاع، ونسبه متصل إلى أزدشير بن بابك [١] من الأكاسرة، وكان له ثلاثة أولاد شجعان في خدمة ابن كالي الدّيلمي، وأسماؤهم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة الحسن، ومعزّ الدولة الحسين.
وفيها قتل القاهر الأمير أبا السّرايا نصر بن حمدان، والرئيس إسحاق بن إسماعيل النّوبختي- بالضم، نسبة إلى نوبخت جد- وقيل: قتلهما ابن أخيه أبو أحمد بن المكتفي بلا ذنب، وتفرعن وطغى، وأخذ أبو علي بن مقلة وهو مختف يراسل الخواصّ من المماليك ويجسّرهم [٢] على القاهر، ويوحشهم منه، فما برح على أن اجتمعوا على الفتك به، فركبوا إلى الدار والقاهر سكران نائم، وقد طلعت الشمس، فهرب الوزير في إزار، وسلامة
стр. 1398
الحاجب، فوثبوا على القاهر، فقام مرعوبا وهرب، فتبعوه إلى السّطح، وبيده سيف، فقالوا: انزل، فأبى، فقالوا: نحن عبيدك، فلم تستوحش منّا، فلم ينزل، ففوّق واحد منهم سهما وقال: انزل وإلا قتلتك، فنزل، فقبضوا عليه في جمادى الآخرة، وأخرجوا محمد بن المقتدر ولقّبوه الراضي بالله ووزر ابن مقلة.
قال الصولي: كان القاهر أهوج سفّاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير الاستحالة، مدمن الخمر، كان له حربة يحملها، فلا يضعها حتّى يقتل إنسانا، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل، وستأتي بقية ترجمته عند ذكر وفاته في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة [١] إن شاء الله تعالى.
وفيها هلك مرداويج الدّيلمي بأصبهان، وكان قد عظم سلطانه، وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وكان له ميل إلى المجوس، وأساء إلى أصحابه، فتواطؤا على قتله في الحمام، وبعث الراضي بالعهد إلى علي بن بويه على البلاد التي استولى عليها، والتزم بحمل ثمانية آلاف ألف درهم في العام.
وفيها اشتهر محمد بن علي الشّلمغاني ببغداد، وشاع أنه يدّعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، وكثر أتباعه، فأحضره ابن مقلة عند الراضي بالله، فسمع كلامه، وأنكر الإلهيّة، وقال: إن لم تنزل العقوبة بعد ثلاثة أيام وأكثره تسعة أيام، وإلّا فدمي حلال، وكان هذا الشقي قد أظهر الرفض، ثم قال بالتناسخ والحلول، ومخرق على الجهّال، وضلّ به طائفة، وأظهر شأنه الحسين بن روح زعيم الرافضة، فلما طلب هرب إلى الموصل، وغاب سنين ثم عاد وادعى الإلهيّة، فتبعه فيما قيل الذي وزر للمقتدر، الحسين بن الوزير القاسم ابن الوزير عبيد الله بن وهب، وابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، فلما قبض عليه ابن مقلة كبس بيته فوجد فيه رقاعا وكتبا مما قيل عنه يخاطبونه في
стр. 1399
الرّقاع بما لا يخاطب به البشر، وأحضر فأصرّ على الإنكار فصفعه ابن عبدوس، وأما ابن أبي عون فقال: إلهي وسيدي ورازقي. فقال الراضي للشّلمغاني: أنت زعمت أنك لا تدّعي الربوبية، فما هذا؟ فقال: وما عليّ من قول ابن أبي عون، ثم أحضروا غير مرّة، وجرت لهم فصول، وأحضرت الفقهاء والقضاة، ثم أفتى الأئمة بإباحة دمه، فأحرق في ذي القعدة، وضربت عنق ابن أبي عون، ثم أحرق، وهو فاضل مشهور صاحب تصانيف أدبية، وكان أعني ابن أبي عون- من رؤساء الكتّاب.
وشلمغان: بالشين والغين المعجمتين من أعمال واسط.
وقتل الحسين بن القاسم الوزير [١] ، وكان في نفس الراضي منه.
ولم يحج أحد من بغداد إلى سنة سبع وعشرين خوفا من القرامطة.
وفيها توفي أبو عمر أحمد بن خالد بن الجبّاب [٢] القرطبي [٣] حافظ الأندلس، وكان أبوه يبيع الجباب [٤] . روى عن بقي بن مخلد وطائفة. وعنه:
ولده محمد، ومحمد بن أبي دليم [٥] .
قال القاضي عياض: كان إماما في فقه مالك، وكان في الحديث لا ينازع، وارتحل إلى اليمن فأخذ عن إسحاق الدّبري، وعاش بضعا وسبعين سنة، وصنّف التصانيف.
وفيها قاضي مصر، أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة [٦] .
стр. 1400
حدّث بكتب أبيه كلّها من حفظه بمصر، ولم يكن معه كتاب، وهي أحد وعشرون مصنّفا، وولي قضاء مصر شهرا ونصفا [١] .
وفيها العارف الزاهد القدوة خير النّسّاج [٢] أبو الحسن البغدادي، وكانت له حلقة يتكلم فيها، وعمّر دهرا، فقيل: إنه لقي سريّا السقطي، وله أحوال وكرامات.
وفيها المهديّ عبيد الله [٣] والد الخلفاء الباطنيّة العبيدية الفاطمية.
افترى أنه من ولد جعفر الصادق، وكان بسلميّة [٤] فبعث دعاته إلى اليمن، والمغرب، وحاصل الأمر أنه استولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعا وعشرين سنة، ومات في ربيع الأول بالمهدية التي بناها، وكان يظهر الرّفض ويبطن الزندقة.
قال أبو الحسن القابسي صاحب «الملخّص» [٥] : الذي قتله عبيد الله
стр. 1401
وبنوه بعده، في دار النّحر التي يعذب فيها في العذاب، ما بين عالم وعابد، ليردّهم عن الترضّي على [١] الصحابة، فاختار الموت أربعة آلاف رجل، وفي ذلك يقول بعضهم من قصيدة:
وأحلّ دار النّحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات
وقال ابن خلّكان [٢] : أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي، وجدت في نسبه اختلافا كثيرا.
قال صاحب «تاريخ القيروان» : هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁.
وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور.
وقيل: هو عبيد الله بن التقي، وفيه اختلاف كثير، وأهل العلم بالأنساب المحقّقون ينكرون دعواه في النسب.
وقيل: إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة [٣] ونما خبره إلى اليسع، وهو مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا الفتى يدعو إلى بيعة أبي عبد الله الشيعي بإفريقية، أخذه اليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعا كثيرا من كتامة [٤] وغيرها، وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهديّ في السجن، فلما دنت العساكر من البلد، هرب اليسع، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهديّ مقتولا وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن
стр. 1402
ينتقض عليه ما دبّره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج هذا الرجل وقال: [هذا] هو المهدي.
وهو أول من قام بهذا الأمر من بيتهم، وادّعى الخلافة بالمغرب، وكان داعية أبا عبد الله الشيعي. ولما استتبّ [١] له الأمر قتله وقتل أخاه، وبنى المهدية بإفريقية ولما فرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلاثمائة بنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت إليه.
وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم، ثم المعز بن المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهرا وملك الديار المصرية وبنى القاهرة، واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان صلاح الدّين رحمه الله تعالى.
وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل: ستين ومائتين [وقيل:
ست وستين ومائتين] [٢] بمدينة سلميّة، وقيل: بالكوفة، ودعي له بالخلافة على منابر رقّادة [٣] والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العبّاس. انتهى ما قاله ابن خلّكان ملخصا.
وفيها أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدّيبلي [٤] محدّث مكّة، نسبة إلى ديبل [٥]- بفتح أوله وضم الباء مدينة قرب السّند- وتوفي في جمادى الأولى.
روى عن محمد بن زنبور وطائفة.
стр. 1403
وفيها أبو جعفر محمد بن عمرو [العقيلي] [١] الحافظ صاحب «الجرح والتعديل» عداده في أهل الحجاز. روى عن: إسحاق الدّبري، وأبي إسماعيل الترمذي [٢] وخلق. وعنه: أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي، وأبو بكر بن المقرئ.
قال الحافظ أبو الحسن القطّان: أبو جعفر ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدّم بالحفظ، وتوفي بمكّة في شهر ربيع الأول.
وفيها الزاهد أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتّانيّ [٣] شيخ الصوفية المجاور بمكّة. أخذ عن أبي سعيد الخرّاز وغيره، وهو مشهور.
قال السخاوي في «طبقاته» [٤] : قال المرتعش: الكتّانيّ سراج الحرم.
صحب الجنيد. والخرّاز، والنّوري، وأقام بمكّة مجاورا إلى أن مات بها.
ومن كلامه: روعة عند انتباه عن غفلة وانقطاع عن حظ من الحظوظ النفسانيّة، وارتعاد من خوف القطيعة [٥] أفضل من عبادة الثقلين.
وقال: وجود العطاء من الحقّ شهود الحقّ بالحقّ، لأن الحقّ دليل على كل شيء، ولا يكون شي دونه دليل عليه.
стр. 1404
وقال: إذا صحّ الافتقار إلى الله صحّ الغنى [١] به، لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه.
وقال: الشهوة زمام الشيطان فمن [٢] أخذ بزمامه كان عبده.
وقال: العارف من يوافق معروفه في أوامره، ولا يخالفه في شيء من أحواله، ويتحبّب إليه بصحبة [٣] أوليائه، ولا يفتر عن ذكره طرفة عين.
وقال: الصوفيّ من عزفت نفسه عن الدّنيا تطرّفا، وعلت همّته عن الآخرة، وسخت نفسه بالكلّ طلبا وشوقا لمن له الكلّ.
وقال: من طلب الراحة عدم الراحة [٤] . انتهى ملخصا.
وفيها أبو علي محمد بن أحمد بن القاسم الرّوذباري البغدادي [٥] الزاهد المشهور، الشافعي.
قال الإسنويّ: وهو براء مضمومة وواو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة، ثم باء موحدة وبعد [٦] الألف راء مهملة وياء النسب.
كان فقيها نحويا حافظا للأحاديث، عارفا بالطريقة، له تصانيف كثيرة، وأصله من بغداد، من أبناء الوزراء والكبار، يتصل نسبه بكسرى، فصحب الجنيد حتّى صار أحد أئمة الوقت وشيخ الصوفية، وكان يقول: أستاذي في التصوّف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن سريج، وفي النحو ثعلب. ومن شعره:
стр. 1405
ولو مضى الكلّ منّي لم يكن عجبا ... وإنما عجبي للبعض كيف بقي
أدرك بقية روح فيك قد تلفت ... قبل الفراق فهذا آخر الرّمق
[١] سكن مصر وتوفي بها، وقد اختلف في اسمه فقال الخطيب وابن السمعاني [٢] : إنه محمد، وقال ابن الصلاح في «الطبقات» : أحمد، وقيل:
الحسن. انتهى ملخصا.