← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وبنوه بعده، في دار النّحر التي يعذب فيها في العذاب، ما بين عالم وعابد، ليردّهم عن الترضّي على [١] الصحابة، فاختار الموت أربعة آلاف رجل، وفي ذلك يقول بعضهم من قصيدة: وأحلّ دار النّحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات وقال ابن خلّكان [٢] : أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي، وجدت في نسبه اختلافا كثيرا. قال صاحب «تاريخ القيروان» : هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁. وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور. وقيل: هو عبيد الله بن التقي، وفيه اختلاف كثير، وأهل العلم بالأنساب المحقّقون ينكرون دعواه في النسب. وقيل: إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة [٣] ونما خبره إلى اليسع، وهو مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا الفتى يدعو إلى بيعة أبي عبد الله الشيعي بإفريقية، أخذه اليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعا كثيرا من كتامة [٤] وغيرها، وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهديّ في السجن، فلما دنت العساكر من البلد، هرب اليسع، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهديّ مقتولا وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن

стр. 1402

ينتقض عليه ما دبّره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج هذا الرجل وقال: [هذا] هو المهدي. وهو أول من قام بهذا الأمر من بيتهم، وادّعى الخلافة بالمغرب، وكان داعية أبا عبد الله الشيعي. ولما استتبّ [١] له الأمر قتله وقتل أخاه، وبنى المهدية بإفريقية ولما فرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلاثمائة بنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت إليه. وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم، ثم المعز بن المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهرا وملك الديار المصرية وبنى القاهرة، واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان صلاح الدّين رحمه الله تعالى. وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل: ستين ومائتين [وقيل: ست وستين ومائتين] [٢] بمدينة سلميّة، وقيل: بالكوفة، ودعي له بالخلافة على منابر رقّادة [٣] والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العبّاس. انتهى ما قاله ابن خلّكان ملخصا. وفيها أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدّيبلي [٤] محدّث مكّة، نسبة إلى ديبل [٥]- بفتح أوله وضم الباء مدينة قرب السّند- وتوفي في جمادى الأولى. روى عن محمد بن زنبور وطائفة.

стр. 1403

وفيها أبو جعفر محمد بن عمرو [العقيلي] [١] الحافظ صاحب «الجرح والتعديل» عداده في أهل الحجاز. روى عن: إسحاق الدّبري، وأبي إسماعيل الترمذي [٢] وخلق. وعنه: أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي، وأبو بكر بن المقرئ. قال الحافظ أبو الحسن القطّان: أبو جعفر ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدّم بالحفظ، وتوفي بمكّة في شهر ربيع الأول. وفيها الزاهد أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتّانيّ [٣] شيخ الصوفية المجاور بمكّة. أخذ عن أبي سعيد الخرّاز وغيره، وهو مشهور. قال السخاوي في «طبقاته» [٤] : قال المرتعش: الكتّانيّ سراج الحرم. صحب الجنيد. والخرّاز، والنّوري، وأقام بمكّة مجاورا إلى أن مات بها. ومن كلامه: روعة عند انتباه عن غفلة وانقطاع عن حظ من الحظوظ النفسانيّة، وارتعاد من خوف القطيعة [٥] أفضل من عبادة الثقلين. وقال: وجود العطاء من الحقّ شهود الحقّ بالحقّ، لأن الحقّ دليل على كل شيء، ولا يكون شي دونه دليل عليه.

стр. 1404

وقال: إذا صحّ الافتقار إلى الله صحّ الغنى [١] به، لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه. وقال: الشهوة زمام الشيطان فمن [٢] أخذ بزمامه كان عبده. وقال: العارف من يوافق معروفه في أوامره، ولا يخالفه في شيء من أحواله، ويتحبّب إليه بصحبة [٣] أوليائه، ولا يفتر عن ذكره طرفة عين. وقال: الصوفيّ من عزفت نفسه عن الدّنيا تطرّفا، وعلت همّته عن الآخرة، وسخت نفسه بالكلّ طلبا وشوقا لمن له الكلّ. وقال: من طلب الراحة عدم الراحة [٤] . انتهى ملخصا. وفيها أبو علي محمد بن أحمد بن القاسم الرّوذباري البغدادي [٥] الزاهد المشهور، الشافعي. قال الإسنويّ: وهو براء مضمومة وواو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة، ثم باء موحدة وبعد [٦] الألف راء مهملة وياء النسب. كان فقيها نحويا حافظا للأحاديث، عارفا بالطريقة، له تصانيف كثيرة، وأصله من بغداد، من أبناء الوزراء والكبار، يتصل نسبه بكسرى، فصحب الجنيد حتّى صار أحد أئمة الوقت وشيخ الصوفية، وكان يقول: أستاذي في التصوّف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن سريج، وفي النحو ثعلب. ومن شعره:

стр. 1405

ولو مضى الكلّ منّي لم يكن عجبا ... وإنما عجبي للبعض كيف بقي أدرك بقية روح فيك قد تلفت ... قبل الفراق فهذا آخر الرّمق [١] سكن مصر وتوفي بها، وقد اختلف في اسمه فقال الخطيب وابن السمعاني [٢] : إنه محمد، وقال ابن الصلاح في «الطبقات» : أحمد، وقيل: الحسن. انتهى ملخصا.

стр. 1406

سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فيها تمكّن الرّاضي بالله، بحيث أنه قلّد ولديه وهما صغيران [١] إمرة المشرق والمغرب. وفيها محنة ابن شنبوذ القارئ، كان يقرأ في المحراب بالشواذ، فطلبه الوزير ابن مقلة، وأحضر القاضي والقرّاء، وفيهم ابن مجاهد، فناظروه [٢] فأغلظ للحاضرين في الخطاب، ونسبهم إلى الجهل، فأمر الوزير بضربه لكي يرجع، فضرب سبع درر [٣] ودعا على الوزير بقطع اليد، فقطعت، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته إن شاء الله تعالى [٤] . وفيها هاشت الجند وطلبوا أرزاقهم، وأغلظوا لمحمد بن ياقوت، وأخرجوا المحبوسين، ووقع القتال والجد، ونهبت الأسواق، وبقي البلاء أياما، ثم أرضاهم ابن ياقوت، وبعد أيام قبض الراضي بالله على ابن ياقوت وأخيه المظفر، وعظم شأن الوزير ابن مقلة، وتفرد بالأمر [٥] ، ثم هاجت عليه الجند، فأرضاهم بالمال.

стр. 1407

وفيها استولت بنو عبيد الرافضة على مدينة جنوة بالسيف. وفيها فتنة البربهاري [١] ، شيخ الحنابلة، فنودي أن لا يجتمع اثنان من أصحابه، وحبس جماعة منهم، وهرب هو. وفيها وثب ناصر الدولة، الحسن بن عبد الله بن حمدان أمير الموصل على عمّه سعيد بن حمدان، فقتله لكونه أراد أن يأخذ منه الموصل، فسار لذلك ابن مقلة في الجيش، فلما قرب من الموصل، نزح عنها ناصر الدولة، ودخلها ابن مقلة، فجمع منها نحو أربعمائة ألف دينار، ثم أسرع إلى بغداد لتشويش الحال، ثم هزم ناصر الدولة جيش الخليفة ودخل الموصل. وفيها أخذ أبو طاهر القرمطي- لعنه الله- الركب العراقي، وانهزم الأمير لؤلؤ، وبه ضربات، وقتل خلق من الوفد، وسبيت الحريم، وهلك محمد بن ياقوت في السجن، وسلّم إلى أهله، وأخذ الراضي بالله ماله وأملاكه ومعاملاته، وأطلق أخاه المظفّر بن ياقوت بشفاعة الوزير ابن مقلة، بعد أن حلف له أن يواليه بخير ولا ينحرف عنه، ولا يسعى له، ولا لولده بمكروه، ثم غدر به، وقبض عليه بعد أن جمع عليه الحجرية، فاجتمعوا مع المظفّر بن ياقوت، وقبضوا على ابن مقلة في سنة أربع وثلاثين، وسعوا في عزله من الوزارة وقطع يده كما يأتي إن شاء الله تعالى [٢] . وفيها جمع محمد بن رائق أمير واسط، وحشد وتمكن، وأضمر الخروج. وفيها توفي الحافظ أبو بشر أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب الكندي المصعبي المروزي. روى عن محمود بن آدم وطائفة، وهو أحد

стр. 1408

الوضّاعين الكذّابين، مع كونه كان محدّثا إماما في السّنّة والرد على المبتدعة. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن ناصر الدّين في «بديعته» : كالواضع الموهن المكذّب ... ذاك الفقيه أحمد بن مصعب وفيها الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي [٢] . روى عن عبّاس الدّوري وطبقته، ورحل إلى أصحاب عبد الرزاق، وكان الدارقطني يقول: هو أستاذي. قال ابن ناصر الدّين: هو ثقة مأمون. وفيها نفطويه النحوي، أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة العتكيّ الواسطي [٣] ، صاحب التصانيف. روى عن شعيب بن أيوب الصّريفيني وطبقته، وعاش ثمانين سنة. وكان كثير العلم، واسع الرواية، صاحب فنون. ولد سنة أربع وأربعين أو سنة خمسين ومائتين بواسط، وسكن بغداد، ومات بها يوم الأربعاء لست خلون من صفر بعد طلوع الشمس بساعة، ودفن ثاني يوم بباب الكوفة. قال ابن خالويه: ليس في العلماء من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى نفطويه. ومن شعره ما ذكره أبو علي القالي في كتاب «الأمالي» وهو: قلبي أرقّ عليك [٤] من خدّيكا ... وقواي أوهى من قوى جفنيكا

стр. 1409

لم لا ترقّ لمن يعذّب [١] نفسه ... ظلما ويعطفه هواه عليكا وفيه يقول أبو عبد الله محمد بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور، صاحب كتاب «الإمامة» وكتاب «إعجاز القرآن الكريم» وغيرهما: من سرّه أن لا يرى فاسقا ... فليجتهد أن لا يرى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صراخا عليه وتوفي أبو عبد الله محمد المذكور سنة سبع، وقيل: ست وثلاثمائة. ونفطويه: بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح. قال الثعالبي [٢] : لقب نفطويه لدمامته وأدمته تشبيها [له] بالنّفط. وزيد ويه نسبة إلى سيبويه لأنه كان يجري على طريقته ويدرّس كتابه. وفيها الحافظ أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني [٣] الحافظ، الجوّال، الفقيه، الإستراباذي. سمع علي بن حرب، وعمر بن شبّة وطبقتهما. قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقوال الصحابة بخراسان من أبي نعيم الجرجاني، ولا بالعراق من أبي بكر بن زياد. وقال أبو علي النيسابوري: ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثل أبي نعيم، كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كلها [٤] كما نحفظ نحن المسانيد. انتهى.

стр. 1410

وله «كتاب الضعفاء» في عشرة أجزاء، وممّن أخذ عنه ابن صاعد مع تقدمه، وأبو علي الحافظ، وأبو سعيد الأزدي. قال الخطيب [١] : كان أحد الأئمة من الحفّاظ لشرائع الدّين، مع صدق وتيقظ وورع [٢] . انتهى. وفيها قاضي الكوفة، أبو الحسن، علي بن محمد بن هارون الحميري [٣] الكوفي الفقيه. روى عن أبي كريب، والأشج، وكان [ثقة] [٤] يحفظ عامة حديثه. وفيها علي بن الفضل بن طاهر بن نصر أبو الحسن البلخي [٥] الحافظ، الثقة، الجوّال. روى عن أحمد بن سيّار المروزي، وأبي حاتم الرّازي، وهذه الطبقة، وعنه: الدارقطني وقال: ثقة حافظ، وابن شاهين. قال الخطيب [٦] : كان ثقة، حافظا، جوّالا في الحديث، صاحب غرائب. وفيها أبو عبيد المحاملي، القاسم بن إسماعيل بن محمد الضبيّ [٧] القاضي الإمام العلّامة الحافظ البحر. ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين وأخذ عن الفلّاس، والدّورقي وغيرهما، وعنه: دعلج، والدارقطني، وابن جميع. وأثنى عليه الخطيب [٨] .

стр. 1411

وفيها موسى بن العبّاس، أبو عمران الجويني [١] . حدّث عن جماعة وعنه جماعة، صنّف على «صحيح مسلم» مصنفا صار له عديلا، وكان حافظا، مجوّدا، ثقة، نبيلا، وكان يقوم الليل يصلي ويبكي طويلا. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمارة الدمشقي العطار [٢] وله ست وتسعون سنة. روى عن أبي هشام [٣] الرفاعي وطبقته. وفيها الحافظ محمد بن أحمد بن أسد الهروي الأصل السلامي البغدادي أبو بكر بن البستنبان [٤]- نسبة إلى حفظ البستان- كان إماما، ثقة، ثبتا.

стр. 1412

سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» اشتد الجوع وكثر الموت، فمات بأصبهان نحو مائتي ألف. وفيها ثارت الغلمان الحجرية، وتحالفوا واتّفقوا، ثم قبضوا على الوزير ابن مقلة وأحرقوا داره، ثم سلّم إلى الوزير عبد الرحمن [بن عيسى] [١] فضربه وأخذ خطه بألف ألف دينار، وجرى [٢] له عجائب من الضرب والتعليق، ثم عزل عبد الرحمن ووزر أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي. وكان ياقوت والد محمد والمظفر بعسكر مكرم يحارب عليّ بن بويه لعصيانه، فتمت له أمور طويلة، ثم قتل وقد شاخ، وتغلب ابن رائق وابن بويه على الممالك، وقلّت الأموال على الكرخي، فعزل بسليمان بن الحسن، فدعت الضرورة الراضي بالله إلى أن كاتب محمد بن رائق ليقدم، فقدم في جيشه إلى بغداد، وبطل حينئذ أمر الوزارة والدواوين، فاستولى ابن رائق على الأمور، وتحكم في الأموال، وضعف أمر الخلافة، وبقي الراضي معه صورة. قاله في «العبر» [٣] .

стр. 1413

وفيها توفي أحمد بن بقيّ بن مخلد، أبو عمر الأندلسي [١] قاضي الجماعة [في أيام] [٢] الناصر لدين الله. ولي عشرة أعوام، وروى الكتب عن أبيه. وفيها أبو الحسن جحظة البرمكي النديم، وهو أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك [٣] الأديب الأخباري، صاحب الغناء والألحان والنوادر. قال ابن خلّكان [٤] : كان فاضلا، صاحب فنون وأخبار، ونجوم ونوادر. وكان من ظرفاء عصره، وهو من ذرية البرامكة، وله الأشعار الرائقة، فمن شعره: أنا ابن أناس نوّل [٥] الناس جودهم ... فأضحوا حديثا للنّوال المشهّر فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريضهم [٦] بطن دفتر وله أيضا: فقلت لها بخلت عليّ يقظى ... فجودي في المنام لمستهام فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام وله أيضا: أصبحت بين معاشر هجروا النّدى ... وتقبّلوا [٧] الأخلاق من أسلافهم قوم أحاول نيلهم فكأنّما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم

стр. 1414

هات اسقينيها بالكبير وغنّني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم وله: يا أيّها الركب الذي ... ن فراقهم إحدى البليّه يوصيكم الصّبّ المقي ... م بقلبه خير الوصيّه ومن أبياته السائرة قوله: ورقّ الجو حتّى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان ولابن الرّومي فيه، وكان مشوّه الخلق: نبّئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان وا رحمتا لمنادميه تحمّلوا ... ألم العيون للذّة الآذان وتوفي بواسط، وقيل: حمل تابوته من واسط إلى بغداد. وجحظة: بفتح الجيم، لقب عليه، لقبه به عبد الله بن المعتز. انتهى ملخصا. وفيها ابن مجاهد مقرئ العراق، أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد [١] . روى عن سعدان بن نصر، والرّمادي [٢] وخلق. وقرأ على قنبل، وأبي الزّعراء، وجماعة، وكان ثقة بصيرا بالقراءات وعللها، عديم النظير. توفي في شعبان عن ثمانين سنة. وفيها ابن المغلّس الداودي [٣] ، وهو العلّامة أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلّس البغدادي الفقيه، أحد علماء الظاهر. له مصنفات كثيرة، وخرج له عدة أصحاب. تفقه على محمد بن داود الظاهري.

стр. 1415

وفيها ابن زياد النيسابوري، أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل [١] الفقيه الشافعي الحافظ. صاحب التصانيف والرحلة الواسعة. سمع محمد بن يحيى الذّهلي، ويونس [بن عبد الأعلى] الصّدفي، وغيرهما. ومنه: ابن عقدة، والدارقطني. قال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من ابن زياد، كان يعرف زيادات الألفاظ، وأثنى عليه الحاكم، وهو ثقة. قال الإسنوي: ولد في أول سنة ثمان وثمانين ومائتين، ورحل في طلب العلم إلى العراق، والشام، ومصر. وقرأ على المزني، وبرع في العلم، وسكن بغداد، وصار إماما للشافعية بالعراق. وسمع من جماعة كثيرة، وروى عنه جماعة، منهم الدارقطني، وقال: إنه أفقه المشايخ، وإنه لم ير مثله. أقام أربعين سنة لا ينام الليل ويصلي الصبح بوضوء العشاء. وصنّف كتبا، منها «كتاب الرّبا» . انتهى ملخصا. وفيها قاضي حمص، أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الكندي [٢] . روى عن محمد بن عوف الحافظ، وعمران بن بكّار، وطائفة. وجمع «التاريخ» [٣] . وفيها الإمام العلّامة، البحر الفهّامة، أبو الحسن الأشعري [٤] علي بن إسماعيل بن أبي بشر المتكلم البصري، صاحب المصنفات، وله بضع وستون سنة. أخذ [الحديث] عن زكريا السّاجي، وعلم الجدل والنظر عن أبي علي الجبّائي، ثم ردّ على المعتزلة.

стр. 1416

ذكر ابن حزم، أن للأشعري خمسة وخمسين تصنيفا، وأنه توفي في هذا العام. وقال غيره: توفي سنة ثلاثين، وقيل: بعد الثلاثين، وكان قانعا متعفّفا. قاله في «العبر» . قلت: ومما بيّض به وجوه أهل السّنّة النبوية، وسوّد به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبّائي، التي بها قصم ظهر كل مبتدع ومرائي [١] ، وهي كما قال ابن خلّكان [٢] : سأل أبو الحسن المذكور أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة، كان أحدهم مؤمنا برّا تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا فماتوا، فكيف حالهم؟ فقال الجبّائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال: الجبائي: لا، لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته [٣] الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال: ذلك التقصير [٤] ليس منّي، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبّائي: يقول الباري جلّ وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي. ولهذه المناظرة دلالة على أن الله تعالى خصّ من شاء برحمته، وخصّ آخر بعذابه. وإلى أبي الحسن انتهت رياسة

стр. 1417

الدّنيا في الكلام، وكان في ذلك المقدّم المقتدى الإمام. قال في كتابه «الإبانة في أصول الديانة» [١]- وهو آخر كتاب صنّفه وعليه يعتمد أصحابه في الذّبّ عنه عند من يطعن عليه-: فصل في إبانة قول أهل الحق والسّنّة: فإن قال [لنا] قائل، قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكلام ربنا [ ] وسنّة نبينا [ ﷺ ] ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول [به] أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال، وأوضح المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشكّ الشاكّين [٢] ، فرحمة الله عليه من إمام مقدّم، وجليل معظّم، وكبير مفخّم [٣] [وعلى جميع أئمة المسلمين] . وجملة قولنا: أنا نقرّ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله، ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله، ، إله واحد [٤] لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق. وأن الجنّة حق، وأن النّار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور. وأن

стр. 1418

الله مستو على عرشه كما قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ [طه: ٥] وأن له وجها [بلا كيف] [١] كما قال: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٥٥: ٢٧ [الرحمن: ٢٧] وأن له يدين بلا كيف كما قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ٣٨: ٧٥ [ص: ٧٥] وكما قال: [٢] بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ٥: ٦٤ [المائدة: ٦٤] وأن له عينين بلا كيف كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ٥٤: ١٤ [القمر: ١٤] . وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا. وندين بأن الله يقلّب القلوب [وأن القلوب] بين أصبعين من أصابع الله، ، [وأنه سبحانه] ، يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله، ﷺ [٣] [من غير تكييف] . وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلّم الروايات الصحيحة عن رسول الله، ﷺ ، التي رواها الثقات عدلا عن عدل. ونصدّق بجميع الروايات التي رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدّنيا، وأن الرّبّ، ، يقول: هل من سائل، هل من مستغفر، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافا لأهل الزيغ والتضليل. ونقول: إن الله [ ] يجيء يوم القيامة كما قال: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٨٩: ٢٢ [الفجر: ٢٢] وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ ٥٠: ١٦ [ق: ١٦٠] وكما قال: ثُمَّ دَنا ٥٣: ٨

стр. 1419

فَتَدَلَّى [١] فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ٥٣: ٨- ٩ [النجم: ٨- ٩] . انتهى ملخصا. وقد ذكر ابن عساكر في كتابه «الذبّ عن أبي الحسن الأشعري» [٢] ما يقرب من ذلك إن لم يكن بلفظه، ولعمري إن هذا الاعتقاد هو ما ينبغي أن يعتقد ولا يخرج عن شيء منه إلّا من في قلبه غش ونكد، وأنا أشهد الله على أنني أعتقده جميعه وأسأل الله الثبات عليه، وأستودعه عند من لا تضيع عنده وديعة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد معلّم الخيرات. وفيها علي بن عبد الله بن مبشّر أبو الحسن الواسطي [٣] المحدّث. سمع عبد الحميد بن بيان، وأحمد بن سنان [القطّان] .

стр. 1420

سنة خمس وعشرين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» صارت فارس في يد علي بن بويه، والرّيّ، وأصبهان، والجبل، في يد الحسن بن بويه، وديار بكر، ومضر، والجزيرة في يد بني حمدان. ومصر، والشام في يد محمد بن طغج، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الأموي، وخراسان في يد نصر بن أحمد، واليمامة وهجر، وأعمال البحرين في يد أبي طاهر القرمطي، وطبرستان، وجرجان في يد الدّيلم، ولم يبق في يد الخليفة غير مدينة السلام، وبعض السّواد [١] . وفيها أشار محمد بن رائق على الرّاضي بأن ينحدر معه إلى واسط ففعل، ولم تمكنه المخالفة، فدخلها يوم عاشوراء المحرم، وكانت الحجّاب أربعمائة وثمانين نفسا، فقرر ستين وأبطل عامّتهم، وقلّل أرزاق الحشم، فخرجوا عليه وعسكروا فالتقاهم ابن رائق فهزمهم، وضعفوا، وتمزقت الساجية والحجرية، فأشار حينئذ على الراضي بالتقدم إلى الأهواز وبها [أبو] عبد الله البريدي ناظرها، وكان شهما مهيبا حازما، فتسحب إليه خلف من المماليك والجند، فأكرمهم وأنفق فيهم الأموال ومنع الخراج، ولم يبق مع الراضي غير بغداد والسواد، مع كون ابن رائق يحكم عليه، ثم رجع إلى

стр. 1421

بغداد ووقعت الوحشة بين ابن رائق وأبي عبد الله البريدي، وجاء القرمطي فدخل إلى الكوفة، فعاث ورجع، وأذن ابن رائق للراضي أن يستوزر أبا الفتح الفضل بن الفرات، فطلبه من الشام وولّاه، والتقى أصحاب ابن رائق وأصحاب البريدي غير مرة، وينهزم أصحاب ابن رائق، وجرت لهم أمور طويلة، ثم إن البريدي دخل إلى فارس فأجاره علي بن بويه، وجهز معه أخاه أحمد لفتح الأهواز، ودام أهل البصرة على عصيان ابن رائق لظلمه، فحلف إن ظفر بها ليجعلنها رمادا، فجدّوا في مخالفته، وقلّت الأموال على محمد بن رائق، فساق إلى دمشق، وزعم أن الخليفة ولّاه إياها، ولم يجسر أحد أن يحجّ خوفا من القرمطي. وفيها توفي وكيل أبي صخرة أبو بكر أحمد بن عبد الله البغدادي النّحّاس [١] وقد قارب التسعين. روى عن الفلّاس وجماعة. وفيها أبو حامد بن الشّرقي [٢] الحافظ البارع، الثقة، المصنّف، أحمد بن محمد بن الحسن، تلميذ مسلم. روى عن الذّهلي، وأحمد بن الأزهر، وأبي حاتم وخلق. وعنه ابن عقدة، والعسّال، وأبو علي. وكان حجّة، وحيد عصره حفظا، وإتقانا، ومعرفة. وحجّ مرات، وقد نظر إليه ابن خزيمة فقال: حياة أبي حامد [٣] تحجز بين الناس وبين الكذب على رسول الله ﷺ ، وتوفي في رمضان عن خمس وثمانين سنة. وفيها إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى بن محمد أبو علي الأمير أبو إسحاق الهاشمي [٤] في المحرم، وهو آخر من روى «الموطأ» عن أبي مصعب.

стр. 1422

وفيها أبو العبّاس الدّغولي محمد بن عبد الرحمن [١] الحافظ الثبت الفقيه. روى عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم [٢] ، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وطبقتهما. وعنه أبو علي الحافظ، والجوزقي، وكان من أئمة هذا الشأن ومن كبار الحفّاظ، أثنى عليه أبو أحمد بن عدي، وابن خزيمة، وغيرهما. وفيها مكّي بن عبدان أبو حاتم التميمي النيسابوري [٣] الثقة الحجة. روى عن عبد الله بن هاشم، والذّهلي، وطائفة، ولم يرحل. وفيها أبو مزاحم الخاقاني، موسى بن الوزير عبد الله بن يحيى بن خاقان البغدادي [٤] المقرئ المحدّث السّنّي. وفد على أبي بكر المروزي، وعبّاس الدّوري، وطائفة. وفيها الحافظ الثقة، أبو حفص عمر بن أحمد بن علي بن علّك المروزي والجوهري [٥] . روى عن سعيد بن مسعود، والدّوري. وعنه ابن المظفر، والدارقطني وابنه [أحفظ منه. وفيها الحافظ الثقة العدل، ممّوس، وهو إبراهيم بن محمد بن يعقوب الهمذاني [٦]] [٧] البزّاز، من كبار أئمة هذا الشأن.

стр. 1423

سنة ست وعشرين وثلاثمائة فيها أقبل البريدي في مدد من ابن بويه، فانهزم من بين يديه بجكم [١] لأن الأمطار عطّلت نشّاب جنده، وقسيّهم، وتقهقروا إلى واسط، وتمت فصول طويلة، وأما ابن رائق فإنه وقع بينه وبين ابن مقلة، فأخذ ابن مقلة يراوغ ويكاتب، فقبض عليه الراضي بالله وقطع يده، ثم بعد أيام قطع ابن رائق لسانه، لكونه كاتب بجكم [١] فأقبل بجكم [١] بجيوشه من واسط، وضعف عنه ابن رائق، فاختفى ببغداد ودخل بجكم [١] فأكرمه الراضي ولقبه أمير الأمراء، وولّاه الحضرة. وفيها توفي أبو ذر، أحمد بن محمد [بن محمد] [٢] بن سليمان الباغندي [٣] . روى عن عمر بن شبّة، وعلي بن إشكاب، وطائفة. وفيها عبد الرّحمن بن أحمد بن محمد بن الحجّاج أبو محمد الرشديني المهري [٤] ، المصري الناسخ، عن سن عالية. روى عن أبي الطاهر بن السّرح، وسلمة بن شبيب.

стр. 1424

وفيها محمد بن القاسم أبو عبد الله المحاربي الكوفي [١] . روى عن أبي كريب وجماعة، وفيه ضعف. قال في «المغني» [٢] : محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي، مشهور ضعيف. يقال: كان يؤمن [٣] بالرجعة. انتهى.

стр. 1425

سنة سبع وعشرين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» جاء مطر عظيم، وفيه برد، كل واحدة نحو الأوقيتين، فسقطت حيطان كثيرة ببغداد، وكان الحجّ قد بطل من سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى هذه السنة، فكتب أبو علي محمد بن يحيى [١] العلوي إلى القرامطة- وكانوا يحبّونه- أن يأذنوا [٢] للحجاج ليسير بهم ويعطيهم من كل جمل خمسة دنانير، ومن المحمل سبعة، فأذنوا لهم، فحجّ الناس، وهي أول سنة مكس فيها الحاج. انتهى. وفيها صاهر [٣] بجكم [٤] ناصر الدولة ابن حمدان. وفيها استوزر الرّاضي أبا عبد الله البريدي. وفيها توفي عبد الرّحمن بن أبي حاتم [٥] ، واسم أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر، الحافظ العلم الثقة، أبو محمد بن الحافظ الجامع التميمي الرازي، توفي بالرّيّ وقد قارب التسعين. رحل به أبوه في سنة

стр. 1426

خمس وخمسين ومائتين، فسمع من أبي سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، وطبقتهما. وروى عنه حسينك التميمي [١] وأبو أحمد الحاكم، وغيرهما. قال أبو يعلى الخليلي [٢] : أخذ علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال، صنّف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، ثم قال: وكان زاهدا يعدّ من الأبدال. وقال ابن الأهدل: هو صاحب «الجرح والتعديل» و «العلل» و «المبوب» على أبواب الفقه، وغيرها. وقال يوما: من يبني ما تهدم من سور طوس وأضمن له عن الله الجنّة، فصرف فيه رجل ألفا، فكتب له رقعة بالضمان، فلما مات دفنت معه، فرجعت إلى ابن أبي حاتم وقد كتب عليها: قد وفينا عنك ولا تعد. انتهى. وفيها أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الفرات الوزير بن حنزابة الكاتب [٣] وزر للمقتدر في آخر أيامه، ثم وزر للراضي بالله، ثم رأى لنفسه التروّح خوفا من فتنة ابن رائق، فأطمعه في تحصيل الأموال من الشام ليمدّ بها، وشخص إليها فتوفي بالرملة كهلا. وفيها محدّث حلب، الحافظ أبو بكر محمد بن بركة القنّسريني برداعس [٤] . روى عن أحمد بن شيبان الرّملي، وأبي أمية الطّرسوسي،

стр. 1427

وطبقتهما. وعنه: شيخه عثمان بن خرّزاذ [١] الحافظ، وأبو بكر الربعي، وعدد كثير. وكان من علماء هذا الشأن. وصفه بالحفظ ابن ماكولا [٢] والحاكم أبو أحمد [٣] ، وضعفه الدارقطني [٤] . وفيها أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي السامري [٥] مصنّف «مكارم الأخلاق» [٦] و «مساوئ الأخلاق» وغيرها. سمع الحسن بن عرفة، وعمر بن شبّة [٧] وطبقتهما، وتوفي بفلسطين في ربيع الأول وقد قارب التسعين. وفيها محدّث الأندلس محمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن محمد الأموي أبو عبد الله البيّانيّ [٨] القرطبي [٩] . أكثر عن أبيه، وبقيّ بن مخلد، ومحمد بن وضّاح، ومطيّن، والنسائي. وعنه: ولده أحمد بن محمد، وخالد بن سعيد، وسليمان بن أيوب، وكان عالما ثقة، ورحل بآخرة، فسمع من مطيّن، والنسائي وأكثر، وتوفي في آخر العام. وفيها أبو نعيم الرّملي [١٠] ، وهو محمد بن جعفر بن نوح، الحافظ. كان علّامة ثبتا. قاله ابن ناصر الدّين.

стр. 1428

وفيها إسحاق بن إبراهيم بن محمد الجرجاني البحري [١] الحافظ الثقة، محدّث جرجان أبو يعقوب. روى عن محمد بن بسّام، وإسحاق الدّبري [٢] ، والحارث بن أبي أسامة. وعنه: ابن عدي، والإسماعيلي. قال الخليلي: حافظ ثقة مذكور. قاله ابن بردس [٣] . وفيها مبرمان النّحوي [٤] ، مصنف «شرح سيبويه» وما أتمّه. وهو أبو بكر محمد بن علي العسكري، أخذ عن المبرّد، وتصدّر بالأهواز، وكان مهيبا، يأخذ من الطلبة ويلح، ويطلب طبليّة حمّال [٥] ، فيحمل إلى داره من غير عجز، وربما انبسط وبال على الحمال، ويتنقّل بالتمر، ويخذف بنواه الناس. قاله في «العبر» [٦] .

стр. 1429

سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فيها كما قال في «الشذور» انبثق بثق بنواحي الأنبار، فاجتاح القرى، وغرق النّاس، والبهائم، والسباع، وانصبّ في الصراة، ودخل الشوارع في الجانب الغربي، وتساقطت الدّور والأبنية. انتهى. وفيها التقى سيف الدولة بن حمدان الدّمستق- لعنه الله- وهزمه [١] وفيها عزل البريدي [٢] من الوزارة بسليمان بن مخلد، بإشارة بجكم [٣] . وفيها استولى الأمير محمد بن رائق على الشام، فالتقاه الإخشيذ محمد بن طغج، [فانكسر ابن رائق، ووصل إلى دمشق في سبعين فارسا، ثم التقى أبا نصر بن طغج] [٤] فانهزم أبو نصر، وأسر كبار أمرائه، ثم قتل أبو نصر في المصاف. وفيها توفي الوزير أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب، أبو

стр. 1430

العبّاس الخصيبي [١] ، وزر غير مرّة بالعراق. وفيها أبو علي محمد بن علي بن حسن بن مقلة [٢] الكاتب، صاحب الخط المنسوب، وقد وزر للخلفاء غير مرّة، ثم قطع يده ولسانه وسجن حتى هلك، وله ستون سنة. قاله في «العبر» [٣] . وقال غيره: كان سبب موت ابن مقلة أنه أشار على الراضي بمسك ابن رائق، فبلغ ابن رائق، فحبس ابن مقلة، ثم أخرج وقطعت يده، فكان يشدّ القلم عليها ويكتب، ويتطلب الوزارة أيضا. ويقول: إن قطع يده لم يكن في حدّ ولم يعقه عن عمله، ثم بلغ ابن رائق دعاؤه عليه وعلى الراضي، فقطع لسانه وحبس إلى أن مات في أسوأ حال، ودفن مكانه، ثم نبشه أهله فدفنوه في مكان آخر، ثم نبش ودفن في موضع آخر، فمن الاتفاقات الغريبة أنه ولي الوزارة ثلاث مرّات لثلاث خلفاء، المقتدر، والقاهر، والراضي، وسافر ثلاث مرات، ودفن ثلاث مرات. وقال ابن خلّكان [٤] : وأقام ابن مقلة في الحبس مدة طويلة، ثم لحقه ذرب [٥] ولم يكن له من يخدمه، فكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجذب بيده اليسرى جذبة وبفمه جذبة، وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره إليه [٦] ورثى يده [٧] فمن ذلك قوله:

стр. 1431

ما سئمت الحياة لكن توثّق ... ت بأيمانهم فبانت يميني بعت ديني لهم بدنياي حتّى ... حرموني دنياهم بعد ديني ولقد حطت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني ليس بعد اليمين لذّة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني ومن شعره أيضا: وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة ... في شامخ من عزّة المترفّع قالت لي النفس العروف بقدرها ... ما كان أولاني بهذا الموضع وله: إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإنّ البعض من بعض قريب [١] وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة. [ومن كلامه: إني إذا أحببت تهالكت، وإذا بغضت أهلكت، وإذا رضيت آثرت، وإذا غضبت أثّرت] [٢] . ومن كلامه: يعجبني من يقول الشعر تأدّبا لا تكسّبا، ويتعاطى الغناء تطرّبا لا تطلّبا. وله كل معنى مليح في النظم والنثر. وكان ما أصابه نتيجة دعاء أبي الحسن بن شنبوذ عليه بقطع اليد. وقد تقدم ذكر سبب ذلك، ويأتي قريبا في هذه السنة. وكانت ولادة ابن مقلة يوم الخميس بعد العصر، حادي عشري شوال سنة اثنتين وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.

стр. 1432

وفيها أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء الجوزجاني [١] ببغداد، وله ثلاث وتسعون سنة. وكان ثقة صالحا بكّاء. روى عن أحمد [ابن] المقدام [العجلي] [٢] وجماعة. وفيها محدّث دمشق، أبو الدحداح، أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي [٣] . سمع موسى بن عامر، ومحمد بن هاشم البعلبكي وطائفة. وقال الخطيب: كان مليّا بحديث الوليد بن مسلم. وفيها أحمد بن محمد بن عبد ربّه القرطبي [٤] وقرطبة مدينة كبيرة دار مملكة الأندلس، وكان ابن عبد ربّه أحد الفضلاء، وهو أموي بالولاء، وحوى كتابه «العقد» كل شيء، وله ديوان وشعر جيد. قاله ابن الأهدل. وقال في «العبر» [٥] : مات وله اثنتان وثمانون سنة، وشعره في الذّروة العليا. سمع من بقيّ بن مخلد، ومحمد بن وضاح. انتهى. وفيها العلّامة أبو سعيد الإصطخري [٦] الحسن بن أحمد بن يزيد، شيخ الشافعية بالعراق. روى عن سعدان بن نصر وطبقته، وصنّف التصانيف، وعاش نيّفا وثمانين سنة، وكان موصوفا بالزهد والقناعة، وله وجه في المذهب. قال الإسنوي: كان هو وابن سريج شيخي الشافعية ببغداد. صنّف كتبا

стр. 1433

كثيرة، منها: «آداب القضاء» [١] استحسنه الأئمة، وكان زاهدا متقلّلا من الدّنيا، وكان في أخلاقه حدّة. ولّاه المقتدر بالله سجستان ثم حسبة بغداد. ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. زاد ابن خلّكان [٢] أنه توفي يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة، وقيل: رابع عشر، ودفن بباب حرب. وإصطخر: بكسر الهمزة وفتح الطاء، وجوّز بعضهم فتح الهمزة، حكاه النووي في الحيض من «شرح المهذب» [٣] . وفيها الحسين بن محمد أبو عبد الله بن المطبقي [٤] البغدادي، ثقة. روى عن محمد بن منصور الطّوسي وطائفة. وفيها أبو محمد بن الشّرقي [٥] عبد الله بن محمد بن الحسن، أخو الحافظ أبي حامد، وله اثنتان وتسعون سنة. سمع عبد الرحمن بن بشر، وعبد الله بن هاشم، وخلقا. قال الحاكم: رأيته وكان أوحد وقته في معرفة الطب، لم يدع الشراب إلى أن مات، فضعّف بذلك. وقال في «المغني» [٦] : تكلموا فيه لإدمانه المسكر. انتهى. وفيها قاضي القضاة ببغداد، أبو الحسين عمر بن قاضي القضاة أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي [٧] كان بارعا في مذهب مالك، عارفا

стр. 1434

بالحديث، صنّف مسندا متقنا، وسمع من جدّه ولم يتكهّل، وكان من أذكياء الفقهاء. وفيها أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ المقرئ [١] أحد أئمة الأداء. قرأ على محمد بن يحيى الكسائي الصغير، وإسماعيل بن عبد الله النحاس، وطائفة كثيرة. وعني بالقراءات أتم عناية، وروى الحديث عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، ومحمد بن الحسين الحنيني، وتصدّر للإقراء [٢] ببغداد، وقد امتحن في سنة ثلاث وعشرين كما مرّ [٣] ، وكان مجتهدا فيما فعل ﵀. قاله في «العبر» . وقال ابن خلّكان [٤] : كان من مشاهير القرّاء وأعيانهم، وكان ديّنا، وفيه سلامة صدر، وفيه حمق، وقيل: إنه [٥] كان كثير اللحن قليل العلم، وتفرد بقراءات شواذ، وكان [٦] يقرأ بها في المحراب. فأنكرت عليه، وبلغ ذلك الوزير ابن مقلة الكاتب المشهور، وقيل له: إنه يغيّر حروفا من القرآن ويقرأ بخلاف ما أنزل، فاستحضره [٧] في أول شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، واعتقله في داره أياما، فلما كان يوم الأحد سابع الشهر المذكور استحضر الوزير المذكور [القاضي] أبا الحسين [٨] عمر بن محمد، وأبا بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد المقرئ، وجماعة من أهل القرآن،

стр. 1435

وأحضر ابن شنبوذ المذكور ونوظر بحضرة الوزير، فأغلظ في الجواب للوزير والقاضي، وأبي بكر بن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وعيّرهم بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى [القاضي] أبا الحسين [١] المذكور، فأمر الوزير أبو علي بضربه، فأقيم فضرب سبع درر، فدعا وهو يضرب على الوزير [ابن مقلة] [٢] بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، فكان الأمر كذلك، ثم أوقفوه على الحروف التي كان يقرأ بها، فأنكر ما كان شنيعا، وقال فيما سواه: إنه قرأه قوم [٣] فاستتابوه فتاب، وقال: إنه قد رجع عمّا كان يقرؤه، وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان، ﵁، وبالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس. فكتب الوزير عليه محضرا بما قاله، وأمره أن يكتب خطّه في آخره، فكتب ما يدل على توبته، ونسخة المحضر: «سئل محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ عمّا حكي عنه أنه يقرؤه، وهو إذا نُودِيَ للصّلَاهِ من يَوْم الجُمعَةِ فَامْضوا إلى ذِكْرِ الله فاعترف به، وعن وَتَجْعَلُوْنَ شُكْرَكم أَنَكم تَكْذِبُونَ فاعترف به، وعن فاليَوْمَ نُنَجّيْكَ بَبَدنِكَ [٤] فاعترف به، وعن تبّت يدا أبي لهب وقد تب فاعترف به، وعن إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض فاعترف به، وعن ولتكن منكم فئة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله [٥] على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون فاعترف به، وعن إلا تفعلوه تكن فتنة في

стр. 1436

الأرض وفساد عريض [١] فاعترف به وتاب [٢] عن ذلك. وكتب الشهود الحاضرون شهادتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه. وكتب ابن شنبوذ بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر على نفسي بذلك، ومتى خالفت ذلك أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حلّ من دمي وسعة، وذلك يوم الأحد سابع ربيع الآخر، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وشنبوذ: بفتح الشين المعجمة والنون، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وبعدها ذال معجمة. انتهى ملخصا. وفيها محدّث الشام أبو العبّاس محمد بن جعفر بن محمد بن هشام بن ملّاس النّميريّ مولاهم الدمشقي [٣] في جمادى الأولى. روى عن موسى بن عامر، وأبي إسحاق الجوزجاني، وخلق. وهو من بيت حديث. وفيها أبو علي الثّقفي محمد بن عبد الوهاب النيسابوري [٤] الفقيه الواعظ [٥] ، أحد الأئمة، وله أربع وثمانون سنة. سمع في كبره من موسى بن نصر الرّازي، وأحمد بن ملاعب، وطبقتهما. وكان له جنازة لم يعهد مثلها، وهو من ذرّيّة الحجّاج. قال أبو الوليد الفقيه: دخلت على ابن سريج، فسألني على من درست الفقه؟ قلت: على أبي علي الثّقفي. قال: لعلك تعني الحجّاجي الأزرق؟

стр. 1437

قلت: نعم. قال: ما جاءنا من خراسان أفقه منه. وقال أبو بكر الضّبعي: ما عرفنا الجدل والنظر، حتّى ورد أبو علي الثقفي من العراق. وذكره السلمي في «طبقات الصوفية» [١] . قاله في «العبر» . وقال السخاوي في «طبقات الأولياء» [٢] : لقي أبا حفص، وحمدون القصّار. وكان إماما في علوم الشرع. قال لبعض أصحابه: لا تفارق هذه الخلال الأربع: صدق القول، وصدق العمل، وصدق المودّة، وصدق الأمانة. وقال: من صحب الأكابر على غير طريق الحرمة حرم فوائدهم وبركات نظرهم، ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء. وقال: من غلبه هواه توارى عنه عقله. وقال: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم، ولا تأديب من لا يتأدّب. وقال: يا من باع كلّ شيء بلا شيء، واشترى لا شيء بكل شيء. وتوفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى ودفن في مقبرة قر بنيسابور، وهو ابن تسع وثمانين سنة، ووعظ مرّة فذمّ الدّنيا والركون إليها، ثم تمثّل بقول بعضهم: من نال من دنياه أمنية ... أسقطت الأيّام منها الألف انتهى.

стр. 1438

وفيها الإمام العلّامة ابن الأنباري [١] أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار النحويّ اللّغويّ، صاحب المصنفات، وله سبع وخمسون سنة. سمع في صغره من الكديمي، وإسماعيل القاضي، وأخذ عن أبيه، وثعلب، وطائفة. وعنه الدار قطنّي وغيره [٢] . قال أبو علي القالي: كان شيخنا أبو بكر يحفظ فيما قيل ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن. وقال محمد بن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من ابن الأنباري، ولا أغزر بحرا، حدّثوني عنه أنه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا. قال: وحدّثت عنه أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها [٣] . وقيل عنه: إنه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة [٤] . قاله في «العبر» [٥] . وقال ابن ناصر الدّين: كان في كل فن إمامه، وكان إملاؤه من حفظه. ومن أماليه المدققة «غريب الحديث» في خمسة وأربعين ألف ورقة [٦] . انتهى. وكان سائر ما يصنفه ويمليه من حفظه لا من [٧] دفتر ولا كتاب.

стр. 1439

وفيها أبو الحسن المزيّن علي بن محمد البغدادي [١] شيخ الصوفية، صحب الجنيد، وسهل بن عبد الله، وجاور بمكة. قال السّلميّ في «طبقاته» [٢] : أقام بمكّة مجاورا بها، ومات بها، وكان من أورع المشايخ وأحسنهم حالا. قال: الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب. والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة. وقال: ملاك القلب في التبرّي من الحول والقوة. ورؤي يوما متفكّرا وأغر ورقت عيناه، فقيل له: ما لك، أيها الشيخ! فقال: ذكرت أيام تقطّعي في إرادتي، وقطعي [٣] المنازل يوما فيوما، وخدمتي لأولئك السادة من أصحابي، وتذكرت ما أنا فيه من الفترة عن شريف الأحوال، وأنشد: منازل كنت تهواها وتألفها ... أيّام كنت على الأيّام منصورا [٤] وقال: المعجب بعمله مستدرج، والمستحسن لشيء من أحواله ممكور به. والذي يظن أنه موصول فهو مغرور. ورؤي وهو يبكي بالتنعيم يريد أن يحرم بعمرة وينشد لنفسه: أنافعي دمعي فأبكيكا [٥] ... هيهات مالي طمع فيكا فلم يزل كذلك إلى أن مات بمكّة، شرّفها الله تعالى.

стр. 1440

وأسند الخطيب عنه [١] أنه قال: الكلام من غير ضرورة مقت من الله للعبد. وفيها أبو محمد المرتعش عبد الله بن محمد النيسابوري [٢] الزاهد، أحد مشايخ العراق. صحب الجنيد [٣] وغيره، وكان يقال: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات الخلدي. قاله في «العبر» . وقال السخاوي في «طبقاته» : عبد الله بن محمد النيسابوري من محلة بالحيرة، صحب أبا حفص، وأبا عثمان، والجنيد، وأقام ببغداد حتّى صار أحد مشايخ العراق. كانوا يقولون: عجائب بغداد في التصوف ثلاث: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش [٤] ، وحكايات الخلدي، وكان مقيما في مسجد الشّونيزيّة. مات ببغداد. ومن كلامه: سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله في الدّنيا. وقال: ذهبت حقائق الأشياء وبقيت أسماؤها، فالأسماء موجودة، والحقائق مفقودة، والدعاوى في السرائر مكنونة، والألسنة بها فصيحة، والأمور عن حقوقها مصروفة. وعن قريب تفقد هذه الألسنة وهذه الدّعاوى، فلا يوجد لسان صادق ولا مدّع صادق [٥] . وقال: الوسوسة تؤدّي إلى الحيرة، والإلهام يؤدّي إلى زيادة فهم وبيان.
следующие страницы →