الأرض وفساد عريض [١] فاعترف به وتاب [٢] عن ذلك. وكتب الشهود الحاضرون شهادتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه.
وكتب ابن شنبوذ بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر على نفسي بذلك، ومتى خالفت ذلك أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حلّ من دمي وسعة، وذلك يوم الأحد سابع ربيع الآخر، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
وشنبوذ: بفتح الشين المعجمة والنون، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وبعدها ذال معجمة. انتهى ملخصا.
وفيها محدّث الشام أبو العبّاس محمد بن جعفر بن محمد بن هشام بن ملّاس النّميريّ مولاهم الدمشقي [٣] في جمادى الأولى. روى عن موسى بن عامر، وأبي إسحاق الجوزجاني، وخلق. وهو من بيت حديث.
وفيها أبو علي الثّقفي محمد بن عبد الوهاب النيسابوري [٤] الفقيه الواعظ [٥] ، أحد الأئمة، وله أربع وثمانون سنة. سمع في كبره من موسى بن نصر الرّازي، وأحمد بن ملاعب، وطبقتهما. وكان له جنازة لم يعهد مثلها، وهو من ذرّيّة الحجّاج.
قال أبو الوليد الفقيه: دخلت على ابن سريج، فسألني على من درست الفقه؟ قلت: على أبي علي الثّقفي. قال: لعلك تعني الحجّاجي الأزرق؟
стр. 1437
قلت: نعم. قال: ما جاءنا من خراسان أفقه منه.
وقال أبو بكر الضّبعي: ما عرفنا الجدل والنظر، حتّى ورد أبو علي الثقفي من العراق.
وذكره السلمي في «طبقات الصوفية» [١] . قاله في «العبر» .
وقال السخاوي في «طبقات الأولياء» [٢] : لقي أبا حفص، وحمدون القصّار.
وكان إماما في علوم الشرع.
قال لبعض أصحابه: لا تفارق هذه الخلال الأربع: صدق القول، وصدق العمل، وصدق المودّة، وصدق الأمانة.
وقال: من صحب الأكابر على غير طريق الحرمة حرم فوائدهم وبركات نظرهم، ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء.
وقال: من غلبه هواه توارى عنه عقله.
وقال: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم، ولا تأديب من لا يتأدّب.
وقال: يا من باع كلّ شيء بلا شيء، واشترى لا شيء بكل شيء.
وتوفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى ودفن في مقبرة قر بنيسابور، وهو ابن تسع وثمانين سنة، ووعظ مرّة فذمّ الدّنيا والركون إليها، ثم تمثّل بقول بعضهم:
من نال من دنياه أمنية ... أسقطت الأيّام منها الألف
انتهى.
стр. 1438
وفيها الإمام العلّامة ابن الأنباري [١] أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار النحويّ اللّغويّ، صاحب المصنفات، وله سبع وخمسون سنة. سمع في صغره من الكديمي، وإسماعيل القاضي، وأخذ عن أبيه، وثعلب، وطائفة.
وعنه الدار قطنّي وغيره [٢] .
قال أبو علي القالي: كان شيخنا أبو بكر يحفظ فيما قيل ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن.
وقال محمد بن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من ابن الأنباري، ولا أغزر بحرا، حدّثوني عنه أنه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
قال: وحدّثت عنه أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها [٣] .
وقيل عنه: إنه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة [٤] .
قاله في «العبر» [٥] .
وقال ابن ناصر الدّين: كان في كل فن إمامه، وكان إملاؤه من حفظه.
ومن أماليه المدققة «غريب الحديث» في خمسة وأربعين ألف ورقة [٦] .
انتهى.
وكان سائر ما يصنفه ويمليه من حفظه لا من [٧] دفتر ولا كتاب.
стр. 1439
وفيها أبو الحسن المزيّن علي بن محمد البغدادي [١] شيخ الصوفية، صحب الجنيد، وسهل بن عبد الله، وجاور بمكة.
قال السّلميّ في «طبقاته» [٢] : أقام بمكّة مجاورا بها، ومات بها، وكان من أورع المشايخ وأحسنهم حالا.
قال: الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب. والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
وقال: ملاك القلب في التبرّي من الحول والقوة.
ورؤي يوما متفكّرا وأغر ورقت عيناه، فقيل له: ما لك، أيها الشيخ! فقال: ذكرت أيام تقطّعي في إرادتي، وقطعي [٣] المنازل يوما فيوما، وخدمتي لأولئك السادة من أصحابي، وتذكرت ما أنا فيه من الفترة عن شريف الأحوال، وأنشد:
منازل كنت تهواها وتألفها ... أيّام كنت على الأيّام منصورا [٤]
وقال: المعجب بعمله مستدرج، والمستحسن لشيء من أحواله ممكور به. والذي يظن أنه موصول فهو مغرور.
ورؤي وهو يبكي بالتنعيم يريد أن يحرم بعمرة وينشد لنفسه:
أنافعي دمعي فأبكيكا [٥] ... هيهات مالي طمع فيكا
فلم يزل كذلك إلى أن مات بمكّة، شرّفها الله تعالى.
стр. 1440
وأسند الخطيب عنه [١] أنه قال: الكلام من غير ضرورة مقت من الله للعبد.
وفيها أبو محمد المرتعش عبد الله بن محمد النيسابوري [٢] الزاهد، أحد مشايخ العراق. صحب الجنيد [٣] وغيره، وكان يقال: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات الخلدي. قاله في «العبر» .
وقال السخاوي في «طبقاته» : عبد الله بن محمد النيسابوري من محلة بالحيرة، صحب أبا حفص، وأبا عثمان، والجنيد، وأقام ببغداد حتّى صار أحد مشايخ العراق. كانوا يقولون: عجائب بغداد في التصوف ثلاث:
إشارات الشبلي، ونكت المرتعش [٤] ، وحكايات الخلدي، وكان مقيما في مسجد الشّونيزيّة. مات ببغداد.
ومن كلامه: سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله في الدّنيا.
وقال: ذهبت حقائق الأشياء وبقيت أسماؤها، فالأسماء موجودة، والحقائق مفقودة، والدعاوى في السرائر مكنونة، والألسنة بها فصيحة، والأمور عن حقوقها مصروفة. وعن قريب تفقد هذه الألسنة وهذه الدّعاوى، فلا يوجد لسان صادق ولا مدّع صادق [٥] .
وقال: الوسوسة تؤدّي إلى الحيرة، والإلهام يؤدّي إلى زيادة فهم وبيان.
стр. 1441
وقال: أصول التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالرّبوبية، والإقرار له بالوحدانيّة، ونفي الأنداد عنه جملة.
وسئل: بماذا ينال العبد حبّ الله تعالى؟ قال: ببغض ما أبغض الله، وهو [١] الدّنيا والنفس.
وسئل: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: رؤية فضل الله ، وأنشد:
إنّ المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم [٢]
وقيل له: إن فلانا يمشي على الماء! فقال: عندي إنّ [من] [٣] مكّنه الله من مخالفة هواه، فهو أعظم من المشي على الماء [٤] .
قال أبو عبد الله الرّازي: حضرت وفاته في مسجد الشّونيزيّة، فقال:
انظروا ديوني، فنظروا فقالوا: بضعة عشر درهما، فقال: انظروا خريقاتي، فلما قرّبت منه قال: اجعلوها في ديوني وأرجو أن الله يعطيني الكفن، ثم قال: سألت الله ثلاثا عند موتي فأعطانيها، سألته أن يميتني على الفقر رأسا برأس، وسألته أن يجعل موتي بهذا [٥] المسجد، فقد صحبت فيه أقواما. وسألته أن يكون حولي من آنس به وأحبه. وغمض عينيه ومات بعد ساعة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه وعنّا وعن جميع المسلمين. انتهى ملخصا.
وفيها محمد بن قاسم بن محمد بن سيّار الحافظ الإمام، أبو عبد الله البيّانيّ [٦] القرطبي. عن أبيه، وبقيّ بن مخلد، ومحمد بن وضّاح، ومطيّن،
стр. 1442
والنسائي. وعنه: ولده أحمد بن محمد، وخالد بن سعيد، وسليمان بن أيوب، وكان عالما ثقة. قاله ابن بردس [١] .
وفيها على ما قاله ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
وحامد بن أحمد الزّيديّ ... كلامه حلاوة شهديّ
قال في شرحها: هو حامد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو أحمد المروزيّ [٢] نزيل طرسوس. قيل له: الزيديّ لجمعه حديث زيد بن أبي أنيسة دون غيره من المحدّثين. انتهى.
стр. 1443
سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
في ربيع الأول استخلف المتقي لله، فاستوزر أبا الحسن [١] أحمد بن محمد بن ميمون، فقدم أبو عبد الله البريدي من البصرة وطلب الوزارة، فأجابه المتقي وولّاه، ومشى إلى بابه ابن ميمون، وكانت وزارة ابن ميمون شهرا، فقامت الجند على أبي عبد الله يطلبون أرزاقهم، فخافهم وهرب بعد أيام، ووزر بعده أبو إسحاق محمد بن أحمد القراريطي، ثم عزل بعد ثلاثة وأربعين يوما ووزر الكرخيّ، فعزل بعد ثلاثة وخمسين يوما، فلم ير أقرب من مدة هؤلاء، وهزلت الوزارة وضؤلت لضعف الدولة وصغر الدائرة.
وأما بجكم [٢] التركي، فنزل واسط واستوطنها، وقرر مع الراضي أنه يحمل إلى خزانته في كل سنة ثمانمائة ألف دينار بعد أن يريح الغلة من مؤنة خمسة آلاف فارس يقيمون بها، وعدل وتصدق، وكان ذا عقل وافر وأموال عظيمة، ونفس غضبّة [٣] ، خرج يتصيّد، فأساء إلى أكراد هناك [٤] ، فاستفرد
стр. 1444
به عبد أسود، فطعنه برمح فقتله في رجب. وكان قد أظهر العدل، وبنى دار ضيافة بواسط، وابتدأ بعمل المارستان، وهو الذي جدده عضد الدولة بالجانب الغربي، وكانت أمواله كثيرة، فكان يدفنها في داره، وفي الصحارى، وكان يأخذ رجالا في صناديق فيها مال إلى الصحراء، ثم يفتح عليهم فيعاونونه على دفن المال ثم يعيدهم في الصناديق ولا يدرون إلى أي موضع حملهم، فضاعت أمواله بموته والدفائن، ونقل من داره وأخرج بالحفر منها ما يزيد على ألفي ألف عينا وورقا، وقيل: للرورحارية: خذوا التراب بأجرتكم فأبوا [١] فأعطوا ألف درهم وغسل التراب فخرج منه ستة وثلاثون ألف درهم.
وفيها توفي البربهاري أبو محمد الحسن بن علي [٢] الفقيه القدوة، شيخ الحنابلة بالعراق، قالا وحالا. وكان له صيت عظيم، وحرمة تامة، أخذ عن المرّوذي [٣] ، وصحب سهل بن عبد الله التّستري، وصنّف التصانيف، وكان المخالفون يغلّظون قلب الدولة [٤] عليه، فقبض على جماعة من أصحابه واستتر هو في سنة إحدى وعشرين، ثم تغيّرت الدولة، وزادت حرمة البربهاري، ثم سعت المبتدعة به، فنودي بأمر الراضي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى إلى أن مات في رجب، رحمه الله تعالى. قاله في «العبر» .
وقال القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في «طبقاته» [٥] : الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البربهاري، شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في
стр. 1445
الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المتقنين، والثقات المأمونين.
صحب جماعة من أصحاب إمامنا أحمد، ﵁، منهم المرّوذي. وصحب سهل التّستري.
وصنّف البربهاري كتبا، منها «شرح كتاب السّنّة» ذكر فيه: احذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتّى تصير كبارا. وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت، وصارت دينا يدان به يخالف [١] الصراط المستقيم، وخرج [٢] من الإسلام، فانظر رحمك الله، كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلنّ ولا تدخلن في شيء منه حتّى تسأل وتنظر، هل تكلّم فيه أحد من أصحاب النّبيّ ﷺ ، أو أحد العلماء، فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه بشيء، ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار.
واعلم- رحمك الله- أنه لا يتم إسلام عبد حتّى يكون متّبعا مصدّقا مسلما، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذّبهم، وكفى بهذا فرقة وطعنا [٣] عليهم، فهو مبتدع، ضال مضل، محدث في الإسلام ما ليس فيه.
واعلم أن الكلام في الربّ تعالى محدث وهو بدعة وضلالة ولا يتكلّم في الربّ إلا بما وصف به نفسه [ ] في القرآن، وما بيّن رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو، جلّ ثناؤه، واحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٤٢: ١١
стр. 1446
[الشورى: ١١] ربنا، ، أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السّرّ وأخفى. على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان، ولا يقول في صفات الربّ لم؟ وكيف؟ إلا شاكّ في الله ﵎. والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، وليس بمخلوق [١] ، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس، والفقهاء قبله وبعده، والمراء فيه كفر. والإيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله تعالى بأعين رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حاجب ولا ترجمان.
والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشّرّ، له كفّتان ولسان، والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير، والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ولكل نبيّ حوض، إلا صالح النّبيّ ﷺ ، فإن حوضه ضرع ناقته، والإيمان بشفاعة رسول الله ﷺ ، للمذنبين الخاطئين يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم [من جوف جهنم] [٢] . وما من نبيّ إلا وله شفاعة، وكذلك الصّدّيقون، والشهداء، والصالحون، والله بعد ذلك يتفضّل [٣] كثيرا على من يشاء، والخروج من النار بعد ما احترقوا وصاروا فحما.
والإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز [٤] من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله [٥] ولهم أنوار على قدر إيمانهم.
والإيمان بالله، والأنبياء، والملائكة، والإيمان بالجنة والنار، أنهما مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنّار تحت الأرض
стр. 1447
السابعة السفلى، وهما مخلوقتان، قد علم الله عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا يفنيان أبدا، بقاؤهما مع بقاء الله أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
وآدم، ﷺ ، كان في الجنة الباقية المخلوقة، فأخرج منها بعد ما عصى الله .
والإيمان بالمسيح [الدجال] [١] .
والإيمان بنزول عيسى، ﷺ ، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم [٢] من آل محمد، ﷺ ، ويموت ويدفنه المؤمنون.
والإيمان بأن الإيمان قول، وعمل، ونية، وإصابة [٣] يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتّى لا يبقى منه شيء. وأفضل هذه الأمة والأمم كلها بعد الأنبياء، صلوات الله عليهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: طلحة، والزّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرّحمن بن عوف، [وأبو عبيدة عامر بن الجرّاح] وكلهم يصلح للخلافة.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله، ﷺ ، القرن الذي بعث فيهم المهاجرون الأولون والأنصار، وهم من صلّى للقبلتين.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله ﷺ ، يوما، أو شهرا، أو سنة، أو أقل من ذلك أو أكثر، نترحّم عليهم، ونذكر فضلهم، ونكفّ عن زللهم، ولا نذكر أحدا منهم إلا بخير [٤] لقول رسول الله ﷺ : «إذا
стр. 1448
ذكر أصحابي فأمسكوا» [١] .
واعلم [٢] أن أصول البدع أربعة أبواب، يتشعّب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى، ويصير كل واحد من البدع يتشعب، حتّى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة مقالة [٣] كلها ضلالة، وكلها في النار، إلا واحدة، وهي [٤] من آمن بما في هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنّة، وهو ناج إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الرجل إذا أحبّ مالك بن أنس وتولّاه فهو صاحب سنّة، وإذا رأيت الرجل يحبّ أبا هريرة، وأسيدا، وأيوب بن عون، ويونس بن عبيد الله، وعبد الله بن إدريس الأنصاري، والشعبي، ومالك بن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، وحمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة، ومالك بن أنس [٥] ، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة، وأحمد بن حنبل، والحجاج بن منهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير، وقال بقولهم، فاعلم أنه صاحب سنّة.
واعلم أن من تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله، ، حتّى يرجع.
وقال الفضيل بن عياض: آكل مع اليهودي والنصراني، ولا آكل مع
стр. 1449
مبتدع، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد.
وذكر أبو الحسن [١] بن بشار قال: تنزّه البربهاري من ميراث أبيه عن تسعين [٢] ألف درهم.
وكانت له مجاهدات ومقامات في الدّين كثيرة. وكان المخالفون يغلّظون [٣] قلب السلطان عليه. ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة تقدّم ابن مقلة بالقبض على البربهاري، فاستتر، وقبض جماعة من كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله تعالى ابن مقلة على فعله ذلك بأن أسخط [٤] عليه القاهر، ووقع له ما وقع، ثم تفضل الله، ، وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت، حتّى إنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة، المعروف بنفطويه، وحضر جنازته أماثل أبناء الدّين والدّنيا، كان المقدّم على جماعتهم في الإمامة البربهاري، وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، في خلافة الراضي.
وفي هذه السنة زادت حشمة البربهاري، وعلت كلمته، وظهر أصحابه وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، فبلغنا أن البربهاري اجتاز بالجانب الغربي، فعطس، فشمّته أصحابه، فارتفعت ضجّتهم حتّى سمعها الخليفة.
ولم تزل المبتدعة يوغرون [٥] قلب الراضي على البربهاري، حتى نودي في بغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر، وتوفي في الاستتار، رحمه الله تعالى.
стр. 1450
وحدثني محمد بن الحسن المقرئ قال: حكى لي جدي وجدتي قالا: كان أبو محمد البربهاري قد اختفى [١] عند أخت توزون بالجانب الشرقي في درب الحمّام، في شارع درب السلسلة، فبقي نحوا من شهر، فلحقه قيام الدم، فقالت أخت توزون لخادمها لما مات البربهاريّ عندها مستترا: انظر من يغسله، فجاء بالغاسل فغسله، وغلّق الأبواب [٢] حتّى لا يعلم أحد، ووقف يصلي عليه وحده. فاطّلعت صاحبة المنزل، فرأت الدار ملأى رجالا بثياب بيض وخضر، فلما سلّم لم تر أحدا، فاستدعت الخادم وقالت: أهلكتني مع أخي، فقال: يا ستي، رأيت ما رأيت؟ فقالت: نعم، فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق، فقالت: ادفنوه في بيتي، وإذا متّ فادفنوني عنده في بيت القبة، فدفنوه في دارها، وماتت بعده بزمان فدفنت في ذلك المكان، ومضى الزمان عليه وصار تربة. انتهى ما أورده ابن أبي يعلى ملخصا جدا.
وفيها القاضي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن زبر الرّبعي البغدادي [٣] وله بضع وسبعون سنة. سمع عبّاسا الدّوري وطبقته، وولي قضاء مصر ثلاث مرات، آخرها في ربيع الأول من هذا العام، فتوفي بعد شهر. ضعّفه غير واحد في الحديث، وله عدّة تصانيف.
قال في «المغني» [٤] : عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زبر القاضي، ضعّف. روى عن عبّاس الدّوري، وأبي داود [٥] السّجزي.
قال الخطيب: كان غير ثقة. انتهى.
стр. 1451
وفيها الحامض المحدّث، وهو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي ثم البغدادي [١] روى عن سعدان بن نصر، وطائفة.
وفيها أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل بن يزداد المروزي ثم الغازي [٢] الحافظ الثقة. روى عن أبي داود السّنجي، ومحمود بن آدم، وطائفة. وعنه ابن القوّاس، والدارقطني، وقال: هو ثقة حافظ.
وفيها أبو الفضل البلعميّ الوزير محمد بن عبيد الله [٣] ، أحد رجال الدهر عقلا، ورأيا، وبلاغة. روى عن محمد بن نصر المروزي وغيره، وصنّف «كتاب تلقيح البلاغة» ، و «كتاب المقالات» .
وفيها الرّاضي بالله الخليفة، أبو إسحاق [٤] محمد، وقيل: أحمد بن أبي أحمد بن المتوكل العبّاسي [٥] . ولد سنة سبع وتسعين ومائتين من جارية رومية اسمها ظلوم، وكان قصيرا، أسمر، نحيفا، في وجهه طول، استخلف سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وهو آخر خليفة له شعر مدوّن، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش إلى خلافة المتقي [٦] وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، إلى خلافة الحاكم العباسي، فإنه خطب أيضا مرتين، وآخر خليفة جالس النّدماء. ولكنه كان مقهورا مع أمرائه، مرض في ربيع الأول بمرض دمويّ، ومات، وكان سمحا كريما، محبّا للعلماء والأدباء. سمع الحديث من البغوي. توفي في نصف ربيع الأول، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف.
стр. 1452
وفيها أبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن بهلول أبو بكر التّنوخيّ الأنباري الأزرق الكاتب، في آخر السنة ببغداد، وله نيّف وتسعون سنة. روى عن جدّه، والحسن بن عرفة وطائفة.
стр. 1453
سنة ثلاثين وثلاثمائة
فيها كان الغلاء المفرط، والوباء ببغداد، وبلغ الكرّ [١] مائتين وعشرة دنانير، وأكلوا الجيف.
وفيها وصلت الرّوم، فأغارت على أعمال حلب، وبدّعوا، وسبوا عشرة آلاف نسمة.
وفيها أقبل أبو الحسين [٢] علي بن محمد البريدي في الجيوش، فالتقاه المتّقي، وابن رائق فكسرهما، ودخلت طائفة من الدّيلم دار الخلافة، فقتلوا جماعة، وهرب المتقي وابنه وابن رائق إلى الموصل، واختفى وزيره أبو إسحاق القراريطي، ووجدوا في الحبس كورتكين، وكان قد عثر عليه ابن رائق فسجنه، فأهلكه البريدي، ووقع النهب في بغداد، واشتد القحط، حتّى بلغ الكرّ ثلاثمائة وستة عشر دينارا، وهذا شيء لم يعهد في العراق، ثم عمّ البلاء بزيادة دجلة، فبلغت عشرين ذراعا، وغرق الخلق، ثم خامر توزون، وذهب إلى الموصل.
وأما ناصر الدولة بن حمدان، فإنه جاءه محمد بن رائق إلى خيمته، فوضع رجله في الرّكاب، فشبّ به الفرس، فوقع، فصاح ابن حمدان:
стр. 1454
لا يفوتنّكم، فقتلوه، ثم دفن وعفا [١] قبره، وجاء ابن حمدان إلى المتّقي، فقلّده مكان ابن رائق، ولقّبه ناصر الدولة، ولقّب أخاه عليّا سيف الدولة، وعاد وهما معه، فهرب البريدي من بغداد، وكانت مدة استيلائه عليها ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ثم تأهّب [٢] البريدي، فالتقاه سيف الدولة بقرب المدائن، ودام القتال يومين، فكانت الهزيمة أولا على بني حمدان والأتراك، ثم كانت على البريدي، وقتل جماعة من أمراء الدّيلم، وأسر آخرون، وردّ إلى واسط بأسوأ حال، وساق وراءه سيف الدّولة، ففرّ إلى البصرة.
وفيها توفي في رجب بمصر أبو بكر محمد بن عبد الله الصّيرفي الشافعي [٣] ، له مصنّفات في المذهب، وهو صاحب وجه. روى عن أحمد ابن منصور الرّمادي.
قال الإسنوي: كان إماما في الفقه والأصول. تفقه على ابن سريج، وله تصانيف موجودة، منها «شرح الرسالة» ، وكتاب في الشروط أحسن فيه كل الإحسان.
قال القفّال الشاشي: كان الصيرفيّ أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي. انتهى.
وفيها أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال النيسابوري [٤] .
روى عن الذّهلي، والحسن الزعفراني، وطبقتهما، بخراسان، والعراق، ومصر.
وفيها أبو يعقوب النّهرجوري [٥] ، شيخ الصوفية، إسحاق بن محمد.
стр. 1455
صحب الجنيد وغيره، وجاور مدة، وكان من كبار العارفين.
قال السخاوي في «طبقاته» : صحب الجنيد، وعمرو [بن عثمان] المكّي [١] ، وأبا يعقوب السّوسي، وغيرهم من المشايخ.
أقام بالحرم سنين كثيرة مجاورا. ومات بها [٢] . كان أبو عثمان المغربي يقول: ما رأيت في مشايخنا أنور من النّهرجوري.
قال: الفناء هو فناء رؤية قيام العبد لله، والبقاء رؤية قيام الله في الأحكام.
وقال: الصدق موافقة الحقّ في السّرّ والعلانية، وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة [٣] .
وقال: العابد يعبد الله تحذيرا، والعارف يعبد الله تشويقا.
وقال في قوله، ﷺ ، «احترسوا من النّاس بسوء الظّنّ» [٤] أو كما قال، ﷺ ، فقال: بسوء الظن في أنفسكم [٥] بأنفسكم، لا بالناس.
وقال: مفاوز الدّنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.
وقال: من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعا، ومن كان غناه بالمال، لم يزل فقيرا، ومن قصد بحاجته الخلق، لم يزل محروما، ومن استعان في أمره بغير الله، لم يزل مخذولا.
стр. 1456
وقال: الدّنيا بحر، والآخرة ساحل، والمركب التقوى، والناس سفر.
وقال: لا زوال لنعمة إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت.
وقال: اليقين مشاهدة الإيمان بالغيب.
وقال: من عرف الله لم يغتر بالله.
انتهى ملخصا.
وفيها تبوك بن أحمد بن تبوك السّلمي [١] بدمشق. روى عن هشام بن عمّار.
وفيها المحاملي، القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضّبّي البغدادي [٢] ، في ربيع الآخر، وله خمس وتسعون سنة. وهو ثقة مأمون، وأول سماعه في سنة أربع وأربعين من أبي هشام الرفاعي، وأقدم شيخ له أحمد بن إسماعيل السّهمي صاحب مالك.
قال أبو بكر الدّاودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل يكتبون عنه.
وقال ابن بردس: روى عن الفلّاس، والدّورقي، وغيرهما. وعنه:
دعلج، والدارقطني، وابن جميع.
أثنى عليه الخطيب [٣] . انتهى.
وفيها قاضي دمشق، أبو يحيى، زكريا بن أحمد بن يحيى بن موسى ختّ البلخي [٤] الشافعي، وهو صاحب وجه. روى عن أبي حاتم الرّازي
стр. 1457
وطائفة، ومن غرائب وجوهه: إذا شرط في القراض، أن يعمل ربّ المال مع العامل جاز. قاله في «العبر» .
وقال الإسنوي: فارق وطنه لأجل الدّين، ومسح عرض الأرض، وسافر إلى أقاصي الدّنيا في طلب الفقه، وكان حسن البيان في النظر، عذب اللسان في الجدل.
وذكره ابن عساكر في «تاريخ الشام» فقال: كان أبوه وجدّه عالمين، وولّاه المقتدر بالله قضاء الشام، وتوفي بدمشق في ربيع الأول، وقيل في ربيع الآخر.
ونقل عنه الرافعي: أنه كان يرى أن القاضي يزوج نفسه بامرأة هو وليّها.
قال: وحكي عنه أنه فعله لما كان قاضيا بدمشق.
قال العبّادي في «الطبقات» [١] : قال أبو سهل الصعلوكي: رأيت ابنه من هذه المرأة يكدي [٢] بالشام. انتهى ملخصا.
وفيها عبد الغافر بن سلامة أبو هاشم الحمصي [٣] بالبصرة، وله بضع وتسعون سنة. روى عن كثير بن عبيد وطائفة.
وفيها عبد الله بن يونس القبري [٤] الأندلسي [٥] صاحب بقي بن مخلد، وكان كثير الحديث مقبولا.
стр. 1458
وفيها عبد الملك بن أحمد بن أبي حمزة [١] البغدادي الزّيّات [٢] روى عن الحسن بن عرفة وجماعة، وهو من كبار شيوخ ابن جميع.
وفيها الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبيد البغدادي البزّار [٣] .
روى عن عبّاس الدّوري، ويحيى بن أبي طالب. وعنه: الدارقطني، وابن جميع. وثّقه الخطيب [٤] وغيره، ووصفوه بالحفظ.
وفيها محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبيّ [٥] أبو عبد الله الحافظ، وله ثمان وسبعون سنة. رحل إلى العراق سنة أربع وتسعين، وصنّف كتابا على «سنن أبي داود» وسمع من محمد بن إسماعيل الصائغ، ومحمد بن الجهم السّمّري [٦] وطبقتهما. وعنه: ابنه أحمد.
قال ابن بردس: هو مسند الأندلس، وهو ثقة ثقة.
وفيها عمر بن سهل بن إسماعيل الحافظ المجوّد أبو حفص الدّينوري [٧] . رحّال. روى عن إبراهيم بن أبي العنبس، وأبي قلابة الرّقاشي.
وعنه: أبو القاسم بن ثابت الحافظ، وصالح بن أحمد الهمداني. ذكره أبو يعلى في «الإرشاد» فقال: ثقة، إمام، عالم.
وفيها محمد بن عمر بن حفص الجورجيري [٨] بأصبهان. سمع إسحاق بن الفيض [٩] ، ومسعود بن يزيد القطّان، وطبقتهما.
стр. 1459
وفيها محمد بن يوسف بن بشر، أبو عبد الله الهروي الحافظ [١] ، غندر [٢] من أعيان الشافعية، والرحّالين في الحديث. سمع الرّبيع بن سليمان، والعبّاس بن الوليد البيروتي، وطبقتهما. ومنه: الطبراني، والزّبير بن عبد الواحد، وهو ثقة ثبت.
وفيها الزاهد العابد، أبو صالح [٣] صاحب المسجد المشهور بظاهر باب شرقي [٤] ، يقال: اسمه مفلح [٥] ، وكان من الصوفية العارفين.
стр. 1460
سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» وافى جراد زائد عن الحد، حتّى بيع كل خمسين رطلا بدرهم، واستعان به الفقراء على الغلاء.
وفي التي قبلها ظهر كوكب عظيم ذو ذنب منتشر، فبقي ثلاثة عشر يوما، ثم اضمحل، واشتد الغلاء والمرض. انتهى.
وفيها قلّل ناصر الدولة بن حمدان رواتب المتّقي، وأخذ ضياعه، وصادر العمال، وكرهه الناس، وزوّج بنته بابن المتقي، على مائتي ألف دينار، وهاجت الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب. وسار أخوه ناصر الدولة إلى الموصل، فنهبت داره، وأقبل توزون، فدخل بغداد، فولّاه المتقي إمرة الأمراء، فلم يلبث أن وقعت بينهما الوحشة، فرجع توزون إلى واسط، ونزح خلق من بغداد، من تتابع الفتن والخوف، إلى الشام ومصر، وبعث المتقي خلعا إلى أحمد بن بويه، فسرّ بها.
وفيها أبو روق الهزّاني، أحمد بن محمد بن بكر [١] ، بالبصرة، وقيل:
بعدها، وله بضع وتسعون سنة. روى عن أبي حفص الفلّاس وطائفة.
стр. 1461
وبكر بن أحمد بن حفص التّنّيسي الشعراني [١] روى عن يونس بن عبد الأعلى وطبقته، بمصر والشام.
وحبشون بن موسى، أبو نصر الخلّال [٢] ببغداد في شعبان، وله ست وتسعون سنة. روى عن الحسن بن عرفة، وعلي بن إشكاب [٣] .
وفيها أبو علي حسن بن سعد بن إدريس الحافظ الكتامي القرطبي [٤] .
قال ابن ناصر الدّين: كان من الحفاظ الصالحين، لكنه لم يكن بالضابط المتين.
وقال في «العبر» : سمع من بقي بن مخلد مسنده، وبمصر من أبي يزيد القراطيسي، وباليمن من إسحاق الدّبري، وبمكة، وبغداد. وكان فقيها، مفتيا، صالحا، عاش ثمانيا وثمانين سنة.
قال ابن الفرضي [٥] : لم يكن بالضابط جدا. انتهى.
وفيها أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة السّدوسي [٦] ببغداد، في ربيع الآخر. سمع من جدّه «مسند العشرة» و «مسند العبّاس» وهو ابن سبع سنين، وسمع من الرّمادي وأناس، ووثقه الخطيب.
وفيها أبو بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني الصّوفي [٧] ، أستاذ أبي بكر الرّقّي، وكان من العابدين، وله بزّة حسنة، ومعه مفتاح منقوش، يصلي
стр. 1462
ويضعه بين يديه، كأنه تاجر، وليس له بيت، بل ينطرح في المسجد، ويطوي أياما.
وفيها الزاهد أبو محمود [١] عبد الله بن محمد بن منازل النّيسابوري [٢] المجرد على الصحة والحقيقة. صحب حمدون القصّار، وحدّث بالمسند الصحيح عن أحمد بن سلمة النيسابوري، وكان له كلام رفيع في الإخلاص والمعرفة. قاله في «العبر» .
وقال السخاوي: من أجلّ مشايخ نيسابور، له طريقة ينفرد [٣] بها، وكان عالما بعلوم الظاهر، كتب الحديث الكثير، ورواه، ومات بنيسابور.
ومن كلامه: لا خير فيمن لم يذق ذلّ المكاسب، وذلّ السؤال، وذلّ الردّ.
وقال: [عبّر] [٤] بلسانك عن حالك، ولا تكن بكلامك حاكيا عن أحوال غيرك.
وقال: إذا لم تنتفع أنت بكلامك كيف ينتفع به غيرك.
وقال: لم يضيّع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل أحد بتضييع السّنن إلا أوشك أن يبتلى [٥] بالبدع.
وقال: التفويض مع الكسب خير من خلوّه عنه.
стр. 1463
وقال: من عظم قدره عند الناس يجب أن يحتقر نفسه عنده.
وقال: أحكام الغيب لا تشاهد في الدّنيا، ولكن تشاهد فضائح الدعاوى [١] .
وقال: لو صحّ لعبد في عمره نفس من غير رياء ولا شرك، لأثّر بركات ذلك عليه آخر الدهر.
وقال: لا تكن خصما لنفسك على الخلق، وكن خصما للخلق على نفسك. انتهى ملخصا.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الدّينوري [٢] الصّائغ الزاهد، أحد المشايخ الكبار، بمصر في رجب. كان صاحب أحوال ومواعظ. سئل عن الاستدلال بالشاهد عن الغائب، فقال: كيف يستدل بصفات من يشاهد ويعاين، ويمثل على من لا يشاهد في الدّنيا، ولا يعاين، ولا مثل له، ولا نظير.
وقال: من فساد الطّبع التمنّي والأمل.
وقال: كان بعض مشايخنا يقول: من تعرض لمحبته جاءته المحن والبلايا.
وقال أهل المحبّة في لهيب شوقهم إلى محبوبهم يتنعّمون في ذلك اللهيب، أحسن مما يتنعم أهل الجنة فيما أهّلوا له من النعيم.
وقال: محبتك لنفسك هي التي تهلكها.
وسئل ما المعرفة؟ فقال: رؤية المنّة في كلّ الأحوال، والعجز عن أداء شكر المنعم من كلّ الوجوه، والتّبرّي من الحول والقوّة في كل شيء.
стр. 1464
وقال: من توالت عليه الهموم في الدّنيا، فليذكر همّا لا يزول، يستريح منها.
وقال: الأحوال كالبروق، فإذا أثبتت فهو حديث النفس وملازمة الطبع.
ومن حلو كلامه: من أيقن أنه لغيره، فما له أن يبخل بنفسه.
وفيها محمد بن مخلد العطّار الدّوري [١] أبو عبد الله الحافظ، ببغداد. سمع يعقوب الدّورقي، وأحمد بن إسماعيل السّهمي، وخلائق.
ومنه [٢] الدارقطني وآخرون. وكان معروفا بالثقة، والصلاح، والاجتهاد في الطلب، وله تصانيف، توفي في جمادى الآخرة، وله سبع وتسعون سنة.
وفيها صاحب ما وراء النهر، أبو الحسن نصر بن الملك أحمد بن إسماعيل السّاماني [٣] بقي في المملكة بعد أبيه ثلاثين سنة وثلاثين يوما، وولي بعده ابنه نوح.
وفيها هنّاد بن السّري بن يحيى الكوفي الصغير [٤] . روى عن أبي سعيد الأشج وجماعة.
وفيها الجصّاص، أبو يوسف، يعقوب بن عبد الرّحمن بن أحمد البغدادي [٥] الدّعّاء. روى عن أحمد بن إسماعيل السّهمي، وعلي بن إشكاب، وجماعة، وله أوهام وغلطات.
قال في «المغني» [٦] : قال الخطيب: في حديثه وهم كثير. انتهى.
стр. 1465
سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
قال في «الشذور» : فيها اشتد الغلاء، وكثرت اللصوص، حتّى تحارس الناس بالليل بالبوقات. انتهى.
وفيها قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف لكونه عامل عليه ابن بويه ونسبه إلى الظلم.
ولم يحج الركب لموت القرمطي الطاغية، أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنّابي، في رمضان بهجر، من الجدري. أهلكه الله [١] به، فلا رحم الله فيه مغرز إبرة. وقام بعده أبو القاسم الجنّابي. قاله في «العبر» .
وفيها توفي الحافظ ابن عقدة أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي الشيعي [٢] ، أحد أركان الحديث. سمع من [٣] الحسن بن علي بن عفّان، ويحيى بن أبي طالب، وخلق لا يحصون. ومنه الطبراني، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم. ولم يرحل إلى غير الحجاز وبغداد، لكنه كان آية من الآيات في الحفظ، حتّى قال الدارقطني: أجمع أهل بغداد أنه لم ير بالكوفة من زمن ابن مسعود، ﵁، إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه.
وسمعته يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم.
стр. 1466
وروي عن ابن عقدة قال: أحفظ مائة ألف حديث بإسنادها، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث.
وقال أبو سعيد الماليني: تحول ابن عقدة مرّة، فكانت كتبه ستمائة حمل.
قال في «العبر» : قلت: ضعّفوه، واتهمه بعضهم بالكذب.
وقال أبو عمر بن حيّويه [١] : كان يملي مثالب الصحابة، فتركته. انتهى.
وعقدة: لقب أبيه.
وفيها محمد بن بشر، أبو بكر الزّبيري العكري [٢] روى عن بحر بن نصر الخولاني وجماعة، وعاش أربعا وثمانين سنة.
وفيها محمد [بن الحسين] بن الحسن أبو بكر القطّان النيسابوري [٣] في شوال. روى عن عبد الرّحمن بن بشر، وأحمد بن يوسف، والسّلمي، والكبار.
وفيها محمد بن محمد بن أبي حذيفة، أبو علي الدمشقي [٤] المحدّث. روى عن أبي أميّة الطّرسوسي وطبقته.
وفيها الإمام ابن ولّاد النحوي، وهو أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الوليد التميمي المصري [٥] ، مصنّف كتاب «الانتصار لسيبويه على المبرد» وكان شيخ الديار المصرية في العربية مع أبي جعفر النّحّاس [٦] .
стр. 1467
سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
فيها حلف توزون أيمانا صعبة للمتقي لله [١] فسار المتقي من الرّقّة واثقا بأيمانه، في المحرم، فلما قرب من الأنبار، جاء توزون، وتلقاه وقبّل الأرض، وأنزله في مخيّم ضربه له، ثم قبض على الوزير أبي الحسين بن أبي [٢] علي بن مقلة، وكحل المتقي لله، فسمل عينيه، وأدخل بغداد مسمولا مخلوعا. وتوفي في شعبان سنة [خمسين، وقيل سنة سبع] [٣] وخمسين وثلاثمائة وله ستون سنة، وبويع عبد الله بن المكتفي ولقب المستكفي بالله فلم يحل الحول [٤] على توزون، واستولى أحمد بن بويه على واسط، والبصرة، والأهواز، فسار توزون لحربه، فدام القتال والمنازلة بينهما أشهرا، وابن بويه في استظهار، ومرض توزون بعلّة الصّرع، واشتد الغلاء على ابن بويه، فردّ إلى الأهواز، ورد توزون إلى بغداد، وقد زاد به الصّرع.
وفيها تملك سيف الدولة بن حمدان حلب وأعمالها، وهرب متولّيها يانس المؤنسي إلى مصر، فجهز الإخشيذ جيشا، فالتقاهم سيف الدولة على
стр. 1468
الرّستن [١] فهزمهم، وأسر منهم ألف نفس، وافتتح الرّستن، ثم سار إلى دمشق فملكها، فسار الإخشيذ ونزل على طبريّة، فخامر خلق من عسكر سيف الدولة إلى الإخشيذ، فردّ سيف الدولة، وجمع وحشد، فقصده الإخشيذ، فالتقاه بقنسرين وهزمه، ودخل حلب، وهرب سيف الدولة.
وأما بغداد، فكان فيها قحط لم ير مثله، وهرب الخلق، وكان النساء يخرجن عشرين وعشرا، يمسك بعضهنّ ببعض يصحن: الجوع الجوع، ثم تسقط الواحدة بعد الواحدة ميتة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ قاله في «العبر» [٢] .
وفي شوال مات أبو عبد الله البريدي، وقام أخوه أبو الحسين مقامه، وكان البريدي هذا على ما قال ابن الفرات ظلوما عسوفا، وكان أعظم أسباب الغلاء ببغداد، لأنه صادر النّاس في أموالها، وجعل على كل كرّ [٣] من الحنطة، والشعير خمسة دنانير، فبلغ ثمن كرّ الحنطة ثلاثمائة دينار وستة عشر دينارا، ثم افتتح الخراج في آذار، وحصد أصحابه الحنطة والشعير وحملوه بسنبله إلى منازلهم، ووظف الوظائف على أهل الذّمة، وعلى سائر المكيلات، وأخذ أموال التجار غصبا، وظلمهم ظلما، لم يسمع بمثله، واستتر أكثر العمال لعظم ما طالبهم به، فسبحان الفعّال لما يريد.
وفيها توفي الحافظ، حافظ فلسطين، أبو بكر أحمد بن عمرو بن جابر الطحّان [٤] بالرّملة. رحل إلى الشام، والجزيرة، والعراق. وروى عن العبّاس بن الوليد البيروتي وطبقته. وعنه ابن جميع وطبقته.
стр. 1469
وفيها- على ما قال ابن بردس [١]- الحافظ محدّث الشام، خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي [٢] أبو الحسن أحد الثقات. روى عن أحمد بن الفرج وطبقته، وعنه: ابن جميع، وابن مندة، وغيرهما.
قال الخطيب: ثقة ثقة.
وفيها قال ابن ناصر الدّين:
مثل الإمام المغربي حزّ الأدب ... ذاك الفتى محمّد أبو العرب
كان ثقة، حافظا، نبيلا. كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة كتاب [٣] .
وفيها أبو علي اللّؤلؤي محمد بن أحمد بن عمرو البصري [٤] راوية «السنن» عن أبي داود. لزم أبا داود مدة طويلة يقرأ «السنن» للناس.
стр. 1470
سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» دخل معز الدولة، وأبو الحسين بن بويه على المستكفي، فظنهما يريدان تقبيل يده، فناولهما يده فنكساه عن السرير، ووضعا عمامته في عنقه وجرّاه، ونهض أبو الحسين وحمل المستكفي راجلا إلى دار أبي الحسن، فاعتقل وخلع من الخلافة. انتهى [١] .
أي وسملت عيناه أيضا، وحبس في دار الخلافة إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وسنه ستة وأربعون سنة.
وقال في «الشذور» : وفي هذه السنة اشتد الغلاء حتّى ذبح الصبيان وأكلوا، وأكل الناس الجيف، وصارت العقار والدّور تباع برغفان خبز، واشتري لمعز الدولة كرّ دقيق بعشرين ألف درهم. انتهى [٢] .
وفيها اصطلح سيف الدولة [٣] والإخشيذ، وصاهره، وتقرر لسيف الدولة حلب، وحمص، وأنطاكية.
وفيها تداعت بغداد للخراب من شدة القحط والفتن والجور.
وهلك توزون بعلة الصّرع في المحرم ب «هيت» .
وفيها توفي كما قال ابن ناصر الدّين:
стр. 1471
بعد فتى يس المضعّف ... الهرويّ أحمد المصنّف
وهو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي [١] الحافظ الحداد أبو إسحاق مصنف «تاريخ هراة» وهو ليس بالقوي.
وفيها أبو الفضل أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال السّلمي الدمشقي [٢] في جمادى الأولى، وله بضع وتسعون سنة. تفرد بالرواية عن جماعة، وحدّث عن موسى بن عامل المري ومحمد بن إسماعيل بن علية وطبقتهما.
وفيها الصّنوبري الشاعر، أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الضبّي الحلبي [٣] وشعره في الذّروة العليا.
وفيها الحسين بن يحيى أبو عبد الله المتّوثي القطّان [٤] في جمادى الآخرة، ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. روى عن أحمد بن المقدام العجلي وجماعة، وآخر من حدّث عنه هلال الحفّار.
وفيها عثمان بن محمد أبو الحسين الذهبي البغدادي [٥] بحلب. روى عن أبي بكر بن أبي الدّنيا وطبقته.
وفيها علي بن إسحاق [٦] المادرائي أبو الحسن [٧] محدّث البصرة. روى عن علي بن حرب وطائفة.
стр. 1472
وفيها قاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن عبد الله الخرقي، ولي قضاء واسط، ثم قضاء مصر، ثم قضاء بغداد، في سنة ثلاثين، وكان قليل العلم إلى الغاية، إنما كان هو وأبوه وأهله من كبار العدول، فتعجب الناس من ولايته، لكنه ظهرت منه صرامة وعفّة، وكفاءة. قاله في «العبر» [١] .
وفيها الوزير العادل أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح البغدادي الكاتب، وزر مرّات للمقتدر، ثم للقاهر، وكان محدّثا، عالما، ديّنا، خيّرا، كبير الشأن، عليّ [٢] الإسناد. روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزّعفراني، وطائفة، وعاش تسعين سنة. وكان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
قال أحمد بن كامل القاضي: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول:
كسبت سبعمائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البرّ ستمائة ألف دينار.
آخر من روى عنه ابنه عيسى في «أماليه» . قاله في «العبر» [٣] .
وفيها الإمام العلّامة الثقة أبو القاسم الخرقي عمر بن الحسين البغدادي الحنبلي صاحب «المختصر» [٤] في الفقه، بدمشق، ودفن بباب الصغير. قاله في «العبر» [٥] .
стр. 1473
وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [١] : قرأ [العلم] على من قرأ على أبي بكر المرّوذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ابني إمامنا. له المصنفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلّا «المختصر» في الفقه، لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر فيها سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد.
قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمي، وأبو الحسين [٢] بن سمعون [٣] وغيرهم.
قرأت بخط أبي إسحاق البرمكي، أن عدد مسائل «المختصر» ألفان وثلاثمائة مسألة. انتهى ملخصا.
وقال ابن خلّكان [٤] : وكان والده أيضا من الأعيان. روى عن جماعة، رحمهم الله تعالى أجمعين.
والخرقي: بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب. انتهى.
وفيها الحافظ أبو علي محمد بن سعيد [٥] القشيري الحرّاني، نزيل الرّقّة ومؤرّخها. روى عن سليمان بن سيف الحرّاني وطبقته، وعنه:
стр. 1474
محمد [بن عبد الله] [١] بن جامع [٢] الدهان، وغندر البغدادي، وابن جميع، وهو ثقة ثبت.
وفيها الإخشيذ [٣] أبو بكر محمد بن طغج [٤] بن جف التركي الفرغاني، صاحب مصر، والشام، ودمشق، والحجاز، وغيرها. وصاحب سرير الذهب، والإخشيذ لقب لكل من ملك فرغانة، وكان الإخشيذ ملكها، وولّاه خلفاء العباسيين الأمصار حتّى عظم شأنه.
قال في «العبر» [٥] : والإخشيذ بالتركي: ملك الملوك، وطغج [٤] : عبد الرحمن. وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جف من التّرك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه، وقرّبه، ومات في العام الذي قتل فيه المتوكل، فاتصل طغج بابن طولون، وكان من كبار أمرائه، وكان الإخشيذ شجاعا، حازما، يقظا، شديد البطش، لا يكاد أحد يجرّ قوسه. توفي بدمشق في ذي الحجة، وله ست وستون سنة، ودفنوه ببيت المقدس، وكان له ثمانية آلاف مملوك [٦] . انتهى ما قاله في «العبر» .
وقال ابن خلّكان [٧] : وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه
стр. 1475
الصغير الذي سمّاه «عيون السّير» أن جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وأنه كان جبانا، وله ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكّل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لا يثق حتّى يمضي إلى خيم الفرّاشين فينام فيها.
ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة ثاني عشري [ذي] الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به.
ثم قال ابن خلّكان: وهو أستاذ كافور الإخشيذي، وفاتك المجنون.
ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وهما أبو القاسم أنوجور، وأبو الحسن علي. انتهى ملخصا.
وفيها القائم بأمر الله أبو القاسم [نزار بن المهدي] [١] عبيد الله، الدّعيّ الباطنيّ، صاحب المغرب، وقد سار مرتين إلى مصر ليملكها، فما قدّر له، وكان مولده بسلميّة [٢] في حدود الثمانين ومائتين، وقام بعده ابنه المنصور إسماعيل.
وفيها الشّبلي، أبو بكر، دلف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس- وهذا هو المكتوب على قبره- الزاهد المشهور، صاحب الأحوال والتصوف.
قرأ في أول أمره الفقه، وبرع في مذهب مالك، ثم سلك، وصحب الجنيد، وكان أبوه من حجّاب الدولة.
قال السخاوي في «تاريخه» [٣] : أصله من أسروشنة، من قرية من قراها