بعد فتى يس المضعّف ... الهرويّ أحمد المصنّف
وهو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي [١] الحافظ الحداد أبو إسحاق مصنف «تاريخ هراة» وهو ليس بالقوي.
وفيها أبو الفضل أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال السّلمي الدمشقي [٢] في جمادى الأولى، وله بضع وتسعون سنة. تفرد بالرواية عن جماعة، وحدّث عن موسى بن عامل المري ومحمد بن إسماعيل بن علية وطبقتهما.
وفيها الصّنوبري الشاعر، أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الضبّي الحلبي [٣] وشعره في الذّروة العليا.
وفيها الحسين بن يحيى أبو عبد الله المتّوثي القطّان [٤] في جمادى الآخرة، ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. روى عن أحمد بن المقدام العجلي وجماعة، وآخر من حدّث عنه هلال الحفّار.
وفيها عثمان بن محمد أبو الحسين الذهبي البغدادي [٥] بحلب. روى عن أبي بكر بن أبي الدّنيا وطبقته.
وفيها علي بن إسحاق [٦] المادرائي أبو الحسن [٧] محدّث البصرة. روى عن علي بن حرب وطائفة.
стр. 1472
وفيها قاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن عبد الله الخرقي، ولي قضاء واسط، ثم قضاء مصر، ثم قضاء بغداد، في سنة ثلاثين، وكان قليل العلم إلى الغاية، إنما كان هو وأبوه وأهله من كبار العدول، فتعجب الناس من ولايته، لكنه ظهرت منه صرامة وعفّة، وكفاءة. قاله في «العبر» [١] .
وفيها الوزير العادل أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح البغدادي الكاتب، وزر مرّات للمقتدر، ثم للقاهر، وكان محدّثا، عالما، ديّنا، خيّرا، كبير الشأن، عليّ [٢] الإسناد. روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزّعفراني، وطائفة، وعاش تسعين سنة. وكان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
قال أحمد بن كامل القاضي: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول:
كسبت سبعمائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البرّ ستمائة ألف دينار.
آخر من روى عنه ابنه عيسى في «أماليه» . قاله في «العبر» [٣] .
وفيها الإمام العلّامة الثقة أبو القاسم الخرقي عمر بن الحسين البغدادي الحنبلي صاحب «المختصر» [٤] في الفقه، بدمشق، ودفن بباب الصغير. قاله في «العبر» [٥] .
стр. 1473
وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [١] : قرأ [العلم] على من قرأ على أبي بكر المرّوذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ابني إمامنا. له المصنفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلّا «المختصر» في الفقه، لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر فيها سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد.
قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمي، وأبو الحسين [٢] بن سمعون [٣] وغيرهم.
قرأت بخط أبي إسحاق البرمكي، أن عدد مسائل «المختصر» ألفان وثلاثمائة مسألة. انتهى ملخصا.
وقال ابن خلّكان [٤] : وكان والده أيضا من الأعيان. روى عن جماعة، رحمهم الله تعالى أجمعين.
والخرقي: بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء وبعدها قاف، هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب. انتهى.
وفيها الحافظ أبو علي محمد بن سعيد [٥] القشيري الحرّاني، نزيل الرّقّة ومؤرّخها. روى عن سليمان بن سيف الحرّاني وطبقته، وعنه:
стр. 1474
محمد [بن عبد الله] [١] بن جامع [٢] الدهان، وغندر البغدادي، وابن جميع، وهو ثقة ثبت.
وفيها الإخشيذ [٣] أبو بكر محمد بن طغج [٤] بن جف التركي الفرغاني، صاحب مصر، والشام، ودمشق، والحجاز، وغيرها. وصاحب سرير الذهب، والإخشيذ لقب لكل من ملك فرغانة، وكان الإخشيذ ملكها، وولّاه خلفاء العباسيين الأمصار حتّى عظم شأنه.
قال في «العبر» [٥] : والإخشيذ بالتركي: ملك الملوك، وطغج [٤] : عبد الرحمن. وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جف من التّرك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه، وقرّبه، ومات في العام الذي قتل فيه المتوكل، فاتصل طغج بابن طولون، وكان من كبار أمرائه، وكان الإخشيذ شجاعا، حازما، يقظا، شديد البطش، لا يكاد أحد يجرّ قوسه. توفي بدمشق في ذي الحجة، وله ست وستون سنة، ودفنوه ببيت المقدس، وكان له ثمانية آلاف مملوك [٦] . انتهى ما قاله في «العبر» .
وقال ابن خلّكان [٧] : وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه
стр. 1475
الصغير الذي سمّاه «عيون السّير» أن جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وأنه كان جبانا، وله ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكّل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لا يثق حتّى يمضي إلى خيم الفرّاشين فينام فيها.
ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة ثاني عشري [ذي] الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به.
ثم قال ابن خلّكان: وهو أستاذ كافور الإخشيذي، وفاتك المجنون.
ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وهما أبو القاسم أنوجور، وأبو الحسن علي. انتهى ملخصا.
وفيها القائم بأمر الله أبو القاسم [نزار بن المهدي] [١] عبيد الله، الدّعيّ الباطنيّ، صاحب المغرب، وقد سار مرتين إلى مصر ليملكها، فما قدّر له، وكان مولده بسلميّة [٢] في حدود الثمانين ومائتين، وقام بعده ابنه المنصور إسماعيل.
وفيها الشّبلي، أبو بكر، دلف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس- وهذا هو المكتوب على قبره- الزاهد المشهور، صاحب الأحوال والتصوف.
قرأ في أول أمره الفقه، وبرع في مذهب مالك، ثم سلك، وصحب الجنيد، وكان أبوه من حجّاب الدولة.
قال السخاوي في «تاريخه» [٣] : أصله من أسروشنة، من قرية من قراها
стр. 1476
يقال لها شبليّة [١] ومولده بسرّ من رأى. كان خاله أمير الأمراء بالإسكندرية، وكان الشّبلي حاجب الموفّق، وكان أبوه حاجب الحجّاب، وكان الموفق جعل لطعمته دماوند [٢] ثم حضر الشّبلي يوما مجلس خير النسّاج، فتاب فيه ورجع إلى دماوند [٢] ، وقال: أنا كنت حاجب الموفق، وكان ولايتي بلدتكم هذه، فاجعلوني في حلّ، فجعلوه في حلّ، وجهدوا أن يقبل منهم شيئا فأبى، وصار بعد ذلك واحد زمانه حالا ويقينا.
وقال شيخه الجنيد: لا تنظروا إلى الشّبليّ بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله [٣] .
وكان الشّبليّ فقيها عالما، كتب الحديث الكثير.
وقال محمد بن الحسن البغدادي: سمعت الشّبلي يقول: أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتّى أنفق جميع ملكه، وغرّق في هذه الدّجلة التي ترون سبعين قمطرا مكتوبا بخطه، وحفظ «الموطأ» وقرأ بكذا وكذا قراءة، عنى به نفسه [٤] .
وقال: كتبت الحديث عشرين سنة، وجالست الفقهاء عشرين سنة.
وصحب الجنيد ومن في عصره، وصار أوحد العصر حالا وعلما، وتوفي في ذي الحجة، ودفن بالخيزرانية ببغداد بقرب الإمام الأعظم، وله سبع وثمانون سنة، وورد أنه سئل إذا اشتبه على المرأة دم الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع؟ فأجاب بثمانية عشر جوابا للعلماء. انتهى ملخصا.
стр. 1477
سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة
فيها تملّك سيف الدولة بن حمدان دمشق بعد موت الإخشيذ، فجاءته جيوش مصر فدفعته إلى الرّقّة، بعد حروب وأمور، واصطلح معز الدولة بن بويه، وناصر الدولة بن حمدان.
وفيها كما قال في «الشذور» ملكت الدّيالم الجانب الشرقي- أي من بغداد- ونهبت سوق يحيى وغيره، فخرج الناس حفاة مشاة من بغداد إلى ناحية عكبرا [١] هاربين، النساء والصبيان، فتلفوا من الحرّ والعطش، حتّى إن امرأة كانت تنادي في الصحراء: أنا ابنة فلان، ومعي جوهر وحليّ بألف دينار، رحم الله من أخذه وسقاني شربة ماء، فما التفت إليها أحد فوقعت ميتة [٢] .
وفيها توفي أبو العبّاس بن القاص، أحمد بن أبي أحمد الطبري الشافعي، وله مصنفات مشهورة. تفقه على ابن سريج. وتفقه عليه أهل طبرستان، وتوفي بطرسوس.
قال ابن السمعاني [٣] : والقاصّ هو الذي يعظ ويذكر القصص.
عرف أبوه بالقاصّ لأنه دخل بلاد الديلم وقصّ على الناس الأخبار
стр. 1478
المرغّبة في الجهاد، ثم دخل بلاد الرّوم غازيا، فبينما هو يقصّ لحقه وجد وخشية فمات، رحمه الله تعالى. قاله النووي في «تهذيبه» [١] .
وقال ابن خلّكان [٢] : إن صاحب الترجمة- وهو أبو العباس، هو الذي مات في حالة من الوجد والخشية [٣]- وله تصانيف صغيرة الحجم كبيرة الفائدة [٤] ، منها: «التلخيص» و «المفتاح» و «أدب القضاء» [٥] وكتاب «دلائل القبلة» [٦] وأكثره تاريخ وحكايات عن أحوال الأرض وعجائبها وتصنيف في إحرام المرأة، وتصنيف في الكلام على قوله ﷺ : «يا أبا عمير ما فعل النّغير» [٧] . وفيها المطيري [٨] المحدّث، أبو بكر، محمد بن جعفر الصيرفي ببغداد، وكان ثقة مأمونا. روى عن الحسن بن عرفة وطائفة.
وفيها الصّولي، أبو بكر محمد بن يحيى البغدادي، الأديب الأخباري العلّامة، صاحب التصانيف. أخذ الأدب عن المبرّد، وثعلب.
стр. 1479
وروى عن أبي داود السّجستاني وطائفة. وروى عنه الدارقطني وغيره، ونادم غير واحد من الخلفاء، وجدّه الأعلى هو صول، ملك جرجان.
وكان الصولي حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، يضرب به المثل في لعب الشطرنج، ويعتقد كثيرون أنه الذي وضعه، وإنما وضعه صصّه بن داهر [١] وقيل: ابن يلهب، وقيل: ابن قاسم، وضعه لملك الهند شهرام [٢] ، واسمه بلهيث، وقيل: ماهيت، وكان أزدشير بن بابك [٣] أول ملوك الفرس الأخيرة قد وضع النرد، ولذلك قيل له: نردشير، لأنهم نسبوه إلى واضعه المذكور، وجعله مثالا للدّنيا وأهلها، فرتب الرقعة اثني عشر بيتا، بعدد شهور السنة، ومن الجهة الأخرى اثني عشر بيتا، بعدد البروج [٤] ، وجعل القطع ثلاثين، بعدد أيام الشهر، وجعل الفصوص فيما يرمى به من كل جهتين [٥] سبعة بعدد أيام الأسبوع، وجعل ما يأتي به اللاعب مثالا للقضاء والقدر، فتارة له وتارة عليه، فافتخرت ملوك الفرس بذلك، فلما وضع صصه الشطرنج قضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد لأمور يطول شرحها، ويقال: إن صصّه لما وضعه وعرضه على ملك الهند المذكور، أعجبه وفرح به كثيرا، وأمر أن يكون في بيوت [٦] الديانة، ورآه أفضل ما علم، لأنه آلة للحرب وعزّ للدّين والدّنيا، وأساس لكل عدل، فأظهر الشكر [والسرور] [٧] على ما أنعم عليه به في ملكه، وقال له: اقترح عليّ ما تشتهي، فقال له: اقترحت أن
стр. 1480
تضع حبة قمح في البيت الأول، ولا تزال تضعفها [١] حتّى تنتهي إلى آخرها، فمهما بلغ تعطيني، فاستصغر الملك ذلك، وأنكر عليه كونه قابله بالنزر [اليسير] ، وقد كان أضمر له شيئا كثيرا، فقال: ما أريد إلا هذا، فأجابه إلى مطلوبه، وتقدم له به، فلما حسبه أرباب الديوان قالوا: ما عندنا ولا في ملكنا ما يفي به ولا ما يقاربه، فكانت أمنيته أعجب من وضعه، وكيفية تضعيفه، وما انتهى إليه التضعيف مما شاع وذاع فلا نطيل به، ولكن ما انتهى إليه التضعيف على ما قاله ابن الأهدل [٢] وهو آخر بيت من أبيات الرقعة الأربعة والستين، إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربع وثمانين مدينة.
وقال ابن الأهدل أيضا: ومن المعلوم قطعا أن الدّنيا ليس فيها مدن أكثر من هذا العدد، فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة، وهو ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أيّ موضع من الأرض وأدير الحبل على كرة الأرض ومسح الحبل، كان أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ، وذلك قطعي لا شك فيه.
وقد أراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك، فسأل بني موسى بن شاكر [٣] وكانوا قد انفردوا بعلم الهندسة، فقالوا: نعم هذا قطعي، فسألهم تحقيقه معاينة، فسألوا عن صحراء مستوية، فقيل صحراء سنجار، ووطأة الكوفة، فخرجوا إليها، ووقفوا في موضع واحد، ثم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي وضربوا في ذلك الموضع وتدا، وربطوا حبلا طويلا ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى يمين أو شمال بحسب الإمكان، فلما فرغ الحبل نصبوا وتدا آخر في الأرض وربطوا فيه حبلا آخر،
стр. 1481
ومضوا إلى جهة الشمال [١] حتّى انتهوا إلى موضع أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور، فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة، فمسحوا ذلك القدر الذي قدّروه من الأرض بالحبال، فبلغ ستة وستين ميلا وثلثي ميل، وجميع الفلك ثلاثمائة وستون درجة، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجا، وكل برج ثلاثون درجة، فضربوا عدد درج الفلك الثلاثمائة والستين في ستة وستين ميلا وثلثين التي هي حصة كل درجة، فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ.
قال: فعلى هذا يكون دور كرة الأرض مسيرة ألف مرحلة، وذلك مسيرة ثلاث سنين إلّا ثمانين يوما، بسير النهار دون الليل، لأن المرحلة ثمانية فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وهذا ينافي ما اشتهر أن الأرض مسيرة خمسمائة سنة، ويعلم من ذلك أيضا أن في كل ثلاث مراحل إلا خمسة أميال، وثلث في السير إلى جهة الشمال، يرتفع القطب درجة ويكون عرض تلك البلد أزيد من التي ابتدئ السير منها بدرجة، ومما يدل على هذا أن عرض المدينة المشرّفة يزيد على عرض مكّة المعظّمة ثلاث درج، والله أعلم. انتهى ما أورده ابن الأهدل ملخصا.
وقال المسعودي: ذكر لي أن [٢] الصوليّ في بدء دخوله على الإمام المكتفي، وقد كان ذكر له تخريجه في اللعب بالشطرنج، وكان الماورديّ اللاعب متقيدا عنده، متمكنا من قلبه، معجبا به للعبه، فلما لعبا جميعا بحضرة المكتفي حسن رأيه في الماورديّ، وتقدم على نصرته، وتشجيعه، وتنبيهه، حتّى أدهش ذلك الصوليّ في أول وهلة، فلما اتصل اللعب بينهما، وجمع له الصولي متانته، وقصد قصده، غلبه غلبا لا يكاد يرد عليه شيء،
стр. 1482
وتبين حسن لعب الصوليّ للمكتفي، فعدل عن موالاة الماوردي، وقال: عاد ماء وردك بولا.
وصنّف الصولي المصنفات الحسان، منها: كتاب «الوزراء» وكتاب «الورقة» وكتاب «أخبار القرامطة» وكتاب «الغرر» وكتاب «أخبار أبي عمرو بن العلاء» وجمع أخبار جماعة من الشعراء، ورتبه على حروف المعجم، وكلهم من المحدثين.
وكان ينادم الخلفاء، وكان أغلب فنونه أخبار الناس، وله رواية واسعة، ومحفوظات كثيرة، وتوفي بالبصرة مستترا، لأنه روى خبرا في حق عليّ، كرّم الله وجهه، فطلبه الخاصة والعامة، فلم يقدروا عليه، وكان قد خرج من بغداد لضائقة لحقته.
وفيها الهيثم بن كليب، الحافظ أبو سعيد الشاشي، صاحب «المسند» ومحدّث ما وراء النهر. روى عن عيسى بن أحمد البلخي، وأبي عيسى الترمذي، والدّوري، وآخرين. وعنه علي بن أحمد الخزاعي، ومنصور بن نصر الكاغدي، وآخرون، وهو ثقة.
стр. 1483
سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» ظهر كوكب عظيم ذو ذنب منتشر، طوله نحو ذراعين، فبقي ثلاثة عشر يوما، ثم اضمحل. انتهى.
وفيها ظفر المنصور العبيدي بمخلد بن كيداد، وقتل قوّاده، ومزّق جيشه.
وفيها توفي الحافظ العلم الثقة، أبو الحسين، أحمد بن المنادي، واسم المنادي جعفر بن محمد بن جعفر بن أبي داود عبيد الله البغدادي، وله ثمانون سنة، صنّف، وجمع، وسمع من [جدّه] [١] ، وغيره. ومنه: أحمد بن نصر الشّذائي، وغيره.
قال الخطيب [٢] : كان صلب الدّين [خشنا] ، شرس الأخلاق، مع كونه ثقة.
وفيها حاجب بن أحمد بن يرحم، أبو محمد، الطّوسي، وهو معمّر، ضعيف الحديث. زعم أنه ابن مائة وثمان سنين، وحدّث عن محمد بن رافع، والذهلي، والكبار.
стр. 1484
قاله في «العبر» [١] .
وقال في «المغني» [٢] : حاجب بن أحمد الطّوسي، شيخ مشهور، لقيه ابن مندة، ضعفه الحاكم وغيره في اللّقي [٣] . انتهى.
وفيها أبو العبّاس الأثرم، محمد بن أحمد بن حمّاد المقرئ البغدادي، وله ست وتسعون سنة. روى عن الحسن بن عرفة، وعمر بن شبّة [٤] والكبار، وتوفي بالبصرة.
وفيها الحكيمي- مكبّرا نسبة إلى حكيم جد- محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب ببغداد في ذي الحجة. روى عن زكريا بن يحيى المروزي وطبقته.
وفيها الميداني، أبو علي [محمد بن أحمد] [٥] بن محمد بن معقل النيسابوري، في رجب فجأة، وكان عنده جزء عن الذّهلي، وهو الذي تفرّد به سبط السّلفي.
وفيها أبو طاهر المحمّد أباذي- نسبة إلى محمّد أباذ محلة خارج نيسابور [٦]- محمد بن الحسن بن محمد النيسابوري، أحد [أئمة] [٧] اللسان.
روى عن أحمد بن يوسف السّلمي وطائفة، وببغداد عن عبّاس الدّوري وذويه، وكان إمام الأئمة ابن خزيمة إذا شكّ في لغة سأله [٨] .
стр. 1485
سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة
فيها كان الغرق ببغداد، وبلغت دجلة أحدا وعشرين ذراعا، وهلك خلق تحت الهدم.
وفيها قوي معزّ الدولة على صاحب الموصل ابن حمدان، وقصده، ففرّ ابن حمدان إلى نصيبين، ثم صالحه على حمل ثمانية آلاف ألف في السنة.
وفيها خرجت الرّوم- لعنهم الله- وهزمهم سيف الدولة على مرعش [١] ، وملك مرعش.
وفيها توفي أبو إسحاق القرميسيني- نسبة إلى قرميسين مدينة بالعراق [٢]- إبراهيم بن شيبان، شيخ الصوفية ببلاد الجبل. صحب إبراهيم الخوّاص، وساح بالشام.
ومن كلامه: علم الفناء والبقاء، يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبوديّة، وما كان غير هذا، فهو من المغاليط والزندقة.
قال السخاوي [٣] : له مقامات في الورع والتقوى، يعجز عنها الخلق،
стр. 1486
وكان متمسكا بالكتاب والسّنّة، لازما لطريقة المشايخ والأئمة المتقدمين.
قال عبد الله بن منازل [١]- وقد سئل عنه-: هو حجّة الله على الفقراء، وأهل الآداب والمعاملات.
ومن كلامه: من أراد أن يتعطّل ويتبطّل، فليلزم الرّخص.
والذي ذكره اليافعي في «نشر المحاسن» عنه: من أراد أن يتعطل، أو يتبطل، أو يتنطل، فليلزم الرّخص.
ومعنى يتنطل من قول العرب: فلان ناطل، يعنون ليس بجيد، بل ساقط، ويقولون: نطل الخبز من التنور: إذا سقط منه ووقع في الرماد.
ومن كلامه: إذا سكن الخوف القلب أحرق محلّ الشهوات فيه، وطرد عنه رغبة الدّنيا، وحال بينه وبين النوم، وبعّده [٢] [عنها] فإن الذي قطعهم وأهلكهم، محبة الراكنين إلى الدّنيا.
وقال: يا بني! تعلّم العلم لأدب الظاهر، واستعمل الورع لأدب الباطن، وإياك أن يشغلك عن الله شاغل، فقلّ من أعرض عنه، فأقبل عليه.
وقال: الخلق محل الآفات، وأكثر منهم آفة من يأنس بهم أو يسكن إليهم.
وقال: صحبت أبا عبد الله المغربي ثلاثين سنة، فدخلت عليه يوما وهو يأكل، فقال لي: أدن وكل معي، فقلت له: إني قد صحبتك منذ ثلاثين سنة لم تدعني إلى طعامك إلّا اليوم، فما بالك دعوتني اليوم؟ فقال: لأن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا يأكل طعامك إلّا تقيّ» [٣] ولم يظهر لي تقاك إلّا اليوم.
стр. 1487
وفيها محمد بن علي بن عمر، أبو علي النيسابوري، المذكّر، أحد الضعفاء. سمع من أحمد بن الأزهر وأقرانه، ولو اقتصر عليهم لكان مسند خراسان [١] ولكنه حدّث عن محمد بن رافع والكبار، [فترك] . قاله في «العبر» [٢] .
وقال في «المغني» [٣] : محمد بن علي بن عمر المذكّر النيسابوري، شيخ الحاكم، لا ثقة، ولا مأمون. انتهى.
وفيها إسحاق بن إبراهيم بن محمد الجرجاني البحري، أبو يعقوب، حافظ ثقة.
قال ابن ناصر الدّين:
إسحاق البحريّ ذا الجرجاني ... شيخ زكا لحفظه المعاني
стр. 1488
سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقعت فتنة بين أهل [١] السّنّة والشيعة، ونهبت الكرخ.
وفيها ولي قضاء القضاة، أبو السائب عتبة بن عبد الله، ولم يحجّ ركب العراق.
وفيها توفي المستكفي بالله، أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد أحمد العبّاسي، الذي استخلف وسمل في سنة أربع وثلاثين كما ذكرنا، وحبس حتّى مات، وله ست وأربعون سنة. وكان أبيض، جميلا، ربعة، أكحل، أقنى، خفيف العارضين، وأمه أمة، وكانت مدة خلافته سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوبا على أمره مدة خلافته، والله أعلم.
وفيها أحمد بن سليمان بن زبّان [٢] ، أبو بكر الكندي الدمشقي الضرير. ذكر أنه ولد سنة خمس وعشرين ومائتين، وأنه قرأ على أحمد بن يزيد الحلواني، وأنه سمع من هشام بن عمّار، وابن أبي الحواري. وروى
стр. 1489
عنه تمّام الرّازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، ثم تركا الرواية عنه، لما تبيّن أمره.
قال الحافظ عبد الغني الأزدي: كان غير ثقة.
وقال عبد العزيز الكتاني: كان يعرف بابن زبّان [١] العابد، لزهده وورعه.
وفيها أبو جعفر النّحاس، أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري النحوي، كان ينظّر بابن الأنباري، ونفطويه، وله تصانيف كثيرة، وكان مقتّرا على نفسه، في لباسه وطعامه. توفي في ذي الحجة.
قال السيوطي في «حسن المحاضرة» [٢] : وقد أخذ عن الأخفش الصغير وغيره، وروى الحديث عن النسائي، ومن مصنفاته «تفسير القرآن» و «الناسخ والمنسوخ» و «شرح أبيات سيبويه» و «شرح المعلقات» . غرق تحت المقياس [٣] ، ولم يدر أين ذهب. انتهى.
وفيها إبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي المقرئ، مقرئ أهل الشام في زمانه. قرأ على قنبل، وهارون الأخفش، وعثمان بن خرّزاذ، وصنّف كتابا في القراءات الثمان، وروى الحديث عن أبي أميّة الطّرسوسي، وقيل: توفي في السنة الآتية.
وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت السّامرّي القاضي، نزيل دمشق، ونائب الحكم بها، وصاحب الجزء المشهور. روى عن الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، وطائفة من العراقيين، والشاميين، والمصريين، وثّقه الخطيب، وتوفي في ربيع الآخر.
стр. 1490
والسّامرّي: بفتح الميم وتشديد الراء، نسبة إلى سرّ من رأى، مدينة فوق بغداد.
وفيها أبو علي الحصائري [١] الحسن بن حبيب الدمشقي الفقيه الشافعي. روى عن الربيع بن سليمان، وابن عبد الحكم، وحدّث بكتاب «الأم» للشافعي، ﵁.
قال الكتّاني: هو ثقة، نبيل، حافظ لمذهب الشافعي، مات في ذي القعدة.
وفيها عماد الدولة، أبو الحسن، علي بن بويه بن فناخسرو الديلمي، صاحب بلاد فارس، وهو أول من ملك من إخوته، وكان الملك معز الدولة أحمد أخوه، يتأدّب معه، ويقدّمه على نفسه، عاش بضعا وخمسين سنة، وكانت أيامه ست عشرة سنة، وملك فارس بعده ابن أخيه عضد الدولة بن ركن الدولة.
وذكر أبو محمد هارون بن العبّاس المأموني [٢] في «تاريخه» أن عماد الدولة المذكور اتفقت له أسباب عجيبة، كانت سببا لثبات ملكه، منها: أنه لما ملك شيراز في أول ملكه، اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال، ولم يكن معه ما يرضيهم، به وأشرف أمره على الانحلال، فاغتمّ لذلك، فبينا هو مفكر، وقد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للتفكّر والتدبير، إذ رأى حيّة خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر منه،
стр. 1491
فخاف أن تسقط عليه، فدعا بالفرّاشين وأمرهم بإحضار سلّم، وأن تخرج الحيّة، فلما صعدوا وبحثوا عن الحيّة، وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرّفوه ذلك، فأمرهم بفتحها، ففتحت فوجد فيها عدّة صناديق من المال والمصاغات، قدر خمسمائة ألف دينار، فحمل المال إلى بين يديه وسرّ به، وأنفقه في رجاله، وثبت أمره بعد أن كان أشفى على الانخرام، ثم إنه قطع ثيابا وسأل عن خيّاط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره، وكان أطروشا، فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحبه، وأنه طالبه بهذا السبب، فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثنا عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فعجب عماد الدولة من جوابه، ووجّه معه من حملها، فوجد فيها أموالا وثيابا بجملة عظيمة، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، ثم تمكنت حاله واستقرت قواعده، وكانت وفاته يوم الأحد سادس جمادى الأولى بشيراز، ودفن بدار المملكة، وأقام في الملك ستة وعشرين سنة، وقيل: إنه ملك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ولم يعقب، وأتاه في مرضه أخوه ركن الدولة، واتفقا على تسليم بلاد فارس إلى عضد الدولة فتسلمها.
وفيها علي بن محمد أبو الحسن الواعظ المصري، وهو بغدادي، أقام بمصر مدة. روى عن أحمد بن عبيد بن ناصح، وأبي يزيد القراطيسي، وطبقتهما، وكان صاحب حديث، له مصنفات كثيرة في الحديث والزهد، وكان مقدّم زمانه في الوعظ.
قال السيوطي في «حسن المحاضرة» [١] : قال ابن كثير: ارتحل إلى مصر، فأقام بها حتّى عرف بالمصري. روى عنه الدارقطني، وغيره، وكان له مجلس وعظ عظيم. مات في ذي القعدة، وله سبع وثمانون سنة. انتهى ملخصا.
стр. 1492
وفيها علي بن محمد بن سختونة بن حمشاذ [١] ، أبو الحسن، النيسابوري الحافظ العدل الثقة، أحد الأئمة. سمع الفضل بن محمد الشّعراني، وإبراهيم [بن] ديزيل، وطبقتهما، ورحل، وطوّف، وصنّف، وله مسند كبير في أربعمائة جزء، وأحكام في مائتين وستين جزءا. توفي فجأة في الحمام وله ثمانون سنة.
قال أحمد بن إسحاق الضّبعي: صحبت علي بن حمشاذ [١] في الحضر والسفر، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
وفيها محمد بن عبد الله بن دينار، أبو عبد الله، النيسابوري الفقيه، الرجل الصالح. سمع السّريّ بن خزيمة، وأقرانه.
قال الحاكم: كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويصبر على الفقر، ما رأيت في مشايخنا أصحاب الرأي أعبد منه.
стр. 1493
سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
فيها دخل سيف الدولة بن حمدان بلاد الرّوم، في ثلاثين ألفا، فافتتح حصونا، وسبى وغنم، فأخذت الرّوم عليه الدروب، فاستولوا على عسكره قتلا وأسرا، ونجا هو في عدد قليل، ووصل من سلم في أسوأ حال.
وفيها أعادت القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وكان بجكم [١] [قد] بذل لهم في ردّه خمسين ألف دينار فلم يردّوه، وقالوا: أخذناه بأمر وإذا ورد أمر رددناه، فردّوه، وقالوا: رددناه بأمر من أخذناه بأمره، لتتمّ مناسك الناس.
قاله في «الشذور» .
وفيها توفي الحافظ أبو محمد، أحمد بن محمد بن إبراهيم الطّوسي البلاذريّ الصغير، روى عن ابن الضّريس وطبقته.
قال الحاكم: كان واحد عصره في الحفظ والوعظ، خرّج «صحيحا» على وضع مسلم، وهو ثقة.
وفيها حفص بن عمر الأردبيلي، أبو القاسم الحافظ، محدّث أذربيجان، وصاحب التصانيف. روى عن أبي حاتم الرّازي، ويحيى بن أبي طالب وطبقتهما. وعنه ابن لال وغيره، وكان رحّالا مصنفا.
والأردبيلي: بالفتح وسكون الراء وضم الدال المهملة، وكسر الموحدة،
стр. 1494
وسكون التحتية، نسبة إلى أردبيل من بلاد أذربيجان.
وفيها قاضي الإسكندرية، علي بن عبد الله بن أبي مطر المعافري نسبة إلى المعافر بطن من قحطان- الإسكندراني، الفقيه، أبو الحسن، المالكي وله مائة سنة. روى عن محمد بن عبد الله بن ميمون، صاحب الوليد بن مسلم، وغيره.
وفيها القاضي ابن الأشناني، أبو الحسين، عمر بن الحسن ببغداد.
روى عن محمد بن عيسى بن حيّان المدائني، وابن أبي الدّنيا، وعدّة، وضعفه الدارقطني.
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصفّار.
روى عن أسيد بن أبي عاصم [وابن أبي الدّنيا] [١] وطبقتهما [٢] ، وصنّف في الزهد وغيره، وصحب العبّاد، وكان من أكثر الحفّاظ حديثا.
قال الحاكم: هو محدّث عصره، مجاب الدعوة، لم يرفع رأسه إلى السماء- كما بلغنا-[٣] نيفا وأربعين سنة، توفي في ذي القعدة، وله ثمان وتسعون سنة.
وفيها القاهر بالله، أبو منصور، محمد بن المعتضد بالله أحمد بن طلحة بن جعفر العبّاسي، سملت عيناه، وخلع في سنة اثنتين وعشرين، وكانت خلافته سنة وسبعة أشهر، وكان ربعة، أسمر، أصهب الشعر، طويل الأنف، فاتكا ظالما، سيء السيرة، كان بعد الكحل والعمى، يحبس تارة ويترك أخرى، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف، وعليه مبطنة بيضاء، وقال: تصدقوا عليّ فأنا من عرفتم، فقام أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه خمسمائة درهم، ثم منع لذلك من الخروج، فقيل: إنه
стр. 1495
أراد أن يشنّع بذلك على المستكفي، ولعله فعل ذلك في أيام القحط. توفي في جمادى الأولى، وله ثلاث وخمسون سنة.
وفيها محدّث بغداد، أبو جعفر، محمد بن عمرو بن البختري الرّزّاز، وله ثمان وثمانون سنة. روى عن سعدان بن نصر، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، وطائفة.
وفيها أبو نصر الفارابي، صاحب الفلسفة، محمد بن محمد بن طرخان التركي، ذو المصنفات المشهورة في الحكمة، والمنطق، والموسيقا، التي من ابتغى الهدى فيها أضلّه الله، وكان مفرط الذكاء. قدم دمشق ورتّب له سيف الدولة كل يوم أربعة دراهم إلى أن مات، وله نحو من ثمانين سنة. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن الأهدل: قيل هو أكبر فلاسفة المسلمين، لم يكن فيهم من بلغ رتبته، وبه- أي بتآليفه- تخرّج أبو علي بن سينا، وكان يحقّق كتاب أرسطاطاليس، وكتب عنه في شرحه سبعون سفرا، ولم يكن في وقته مثله، ولم يكن في هذا الفن أبصر من الفارابي، وسئل من أعلم أنت أو أرسطاطاليس؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته.
ويقال: أن آلة الصابون من وضعه.
قال الفقيه حسين: هؤلاء الثلاثة متّهمون في دينهم، يعني الفارابي، والكندي، وابن سينا، فلا تغتر بالسكوت عنهم. انتهى ما أورده ابن الأهدل ملخصا.
وقال ابن خلّكان [٢] : هو أكبر فلاسفة المسلمين، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه، والرئيس أبو علي بن سينا بكتبه تخرّج، وبه انتفع في
стр. 1496
تصانيفه، وكان الفارابيّ رجلا تركيا، ولد في بلده ونشأ بها، ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فشرع في اللسان العربي، فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة.
ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر، متّى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير، وكان يعلّم الناس فن المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته خلق كثير من المشتغلين، وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق، ويملي على تلامذته شرحه، فكتب عنه في شرحه سبعون سفرا، ولم يكن في ذلك الوقت مثله أحد في فنه، وكان حسن العبارة في تأليفه، وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذييل، حتّى قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق [١] تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلّا من بشر، يعني المذكور، وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته.
فأقام أبو نصر برهة، ثم ارتحل إلى مدينة حرّان، وفيها يوحنا بن جيلان، الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا، ثم إنه قفل إلى بغداد راجعا، وقرأ بها علوم الفلسفة، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس، وتمهر في استخراج معانيها، والوقوف على أغراضه فيها، ويقال: إنه وجد «كتاب النفس» لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي: قرأت «السماع الطبيعي» لأرسطاطاليس أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته.
ورأيت في بعض المجاميع، أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة، وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف، وكان سلطان الشام يومئذ،
стр. 1497
فدخل عليه [١] وهو بزيّ الأتراك، وكان ذلك زيّه دائما، فقال له سيف الدولة:
اقعد [٢] ، فقال: حيث أنا، أم حيث أنت؟ ثم تخطى رقاب الناس حتّى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه، حتّى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يسارهم به، قلّ أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني مسائله عن أشياء إن لم يعرفها فاخرقوا به، فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير، اصبر فإن الأمور بعواقبها، فعجب سيف الدولة منه، وقال له: أتحسن هذا اللسان؟
قال: نعم، أحسن أكثر من سبعين لسانا، فعظم عنده، ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل، حتّى صمت الكلّ، وبقي يتكلم وحده، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدولة وخلا به، فقال له: هل لك [في] أن تأكل شيئا؟ قال:
لا، قال: فهل تشرب؟ قال: لا، قال: فهل تسمع؟ فقال: نعم، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل ماهر في هذا الفن بأنواع الملاهي، فلم يحرّك أحد منهم آلة إلا وعابه أبو نصر، وقال: أخطأت، فقال سيف الدولة:
وهل تحسن في هذه [٣] الصناعة شيئا؟ قال: نعم، ثم أخرج من وسطه خريطة، ففتحها وأخرج منها عيدانا فركبها، ثم لعب بها فضحك [منها] كل من في المجلس، ثم فكها وغيّر تركيبها وركبها تركيبا آخر وضرب بها، فبكى كلّ من في المجلس، ثم فكّها وغيّر تركيبها وحرّكها، فنام كلّ من في المجلس، حتّى البوّاب، فتركهم نياما وخرج.
ويحكى أن الآلة المسمّاة بالقانون من وضعه، وهو أول من ركّبها هذا التركيب.
стр. 1498
وكان منفردا بنفسه، لا يجالس الناس، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا في مجتمع المياه ومشتبك الرياض [١] ويؤلف هناك كتبه، ويأتيه المشتغلون عليه. وكان أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق، ويوجد بعضها ناقصا مبتورا، وكان أزهد الناس في الدّنيا، لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن، وأجرى عليه سيف الدولة من بيت المال كل يوم أربعة دراهم، وهو الذي اقتصر على القناعة [٢] . ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بدمشق، وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه، وقد ناهز ثمانين سنة، ودفن بظاهر دمشق، خارج باب الصغير.
وتوفي متّى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي، هكذا حكاه ابن صاعد القرطبي في «طبقات الأطباء» .
والفارابيّ: بفتح الفاء والراء، وبينهما ألف، وبعد الألف الثانية [٣] باء موحدة، نسبة إلى فاراب، وتسمى في هذا الزمان أترار [٤] ، وهي مدينة فوق الشّاش، قريبة من مدينة بلاساغون، وجميع أهلها على مذهب الشافعي، ﵁، وهي قاعدة من قواعد مدن التّرك، ويقال لها: فاراب الداخلة، ولهم فاراب الخارجة، وهي في أطراف بلاد فارس. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وبالجملة فأخباره وعلومه وتصانيفه كثيرة شهيرة، ولكن أكثر العلماء على كفره وزندقته، حتّى قال الإمام الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال» [٥] : لا نشك في كفرهما، أي الفارابي وابن سينا.
стр. 1499
وقال فيه أيضا [١] : وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم، وما قدروا على الوفاء بالبرهان على ما شرطوا [٢] في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه.
ولقد قرب [٣] مذهب أرسطاطاليس فيها من مذهب الإسلاميين [على ما نقله] [٤] الفارابي وابن سينا، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر.
ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين، صنفنا كتاب «التهافت» .
أما المسائل الثلاث فقد خالفوا فيها كافة الإسلاميين [٥] ، وذلك قولهم:
إن الأجسام [٦] لا تحشر، وإن [٧] المثاب والمعاقب هي الروح [٨] [المجردة، والعقوبات] [٩] روحانية لا جسمانية، ولقد صدقوا في إثبات الروحانية، فإنها كائنة أيضا، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.
ومن ذلك قولهم: إن الله يعلم الكليّات دون الجزئيات. وهذا أيضا كفر صريح، بل الحق أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض [١٠] .
стр. 1500
ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل.
وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم إنه عالم الذات، لا بعلم زائد [على الذات] [١] وما يجري مجراه، فمذهبهم فيه قريب من مذهب المعتزلة، ولا يجب تكفير المعتزلة [بمثل ذلك] [١] .
وقال فيه [٢] أيضا: القسم الثالث الإلهيون، وهم المتأخرون، مثل سقراط، وهو أستاذ أفلاطون [٣] وأفلاطون [٣] أستاذ أرسطاطاليس، وهو الذي رتب لهم المنطق، وهذّب [لهم] العلوم وحرر لهم ما لم يكن محررا [٤] من قبل، وأوضح لهم ما كان انمحى من علومهم [٥] .
وهم بجملتهم ردّوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم، وكفى الله المؤمن القتال بتقابلهم.
ثم ردّ أرسطاطاليس على أفلاطون، وسقراط، ومن كان قبله من الإلهيين ردّا لم يقصر فيه، حتّى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا، لم يوفّق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعهم من الإسلاميين، كابن سينا، والفارابي، وأمثالهما.
стр. 1501
على أنه لم يقم بعلم أرسطاطاليس أحد من المتفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهم ليس يخلو عن تخبيط وتخليط، يتشوش فيه قلب المطالع، حتّى لا يفهم، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل، ومجموع ما صحّ عندنا من فلسفة أرسطاطاليس، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام: قسم يجب التكفير به، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلا. انتهى ما قاله حجة الإسلام الغزالي، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
فانظر ما يجرّ إليه علم المنطق وما يترتب عليه للمتوغل فيه، ولهذا حرّمه أعيان الأجلّاء، كابن الصلاح، والنواوي، والسيوطي، وابن نجيم في «أشباهه» وابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، وغيرهم، وإن كان أكثر الحنابلة على كراهته.
قال الشيخ مرعي في «غاية المنتهى» : ما لم يخف فساد عقيدة. أي فيحرم، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 1502
سنة أربعين وثلاثمائة
فيها سار الوزير أبو محمد، الحسن بن محمد المهلّبي بالجيوش، وقد استوزر عام أول، فالتقى القرامطة، فهزمهم واستباح عسكرهم، وعاد بالأسارى.
وفيها جمع سيف الدولة جيشا عظيما، ووغل في بلاد الرّوم، فغنم وسبى شيئا كثيرا، وعاد سالما، وأمن الوقت، وذلّت القرامطة، وحجّ الركب.
وفيها توفي ابن الأعرابي، المحدّث الصوفي القدوة، أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري، نزيل مكة، في ذي القعدة، وله أربع وتسعون سنة. روى عن الحسن الزعفراني، وسعدان بن نصر [١] وخلق كثير. وعنه ابن المقرئ، وابن مندة، وابن جميع، وخلق [٢] .
وكان ثقة، نبيلا، عارفا، عابدا، ربانيا، كبير القدر، بعيد الصيت، وجمع، وصنّف ورحلوا إليه.
قال السخاوي: وصنّف للقوم كتبا كثيرة، وصحب الجنيد، وعمرو بن عثمان المكّي، والنوري، وغيرهم.
стр. 1503
قال السّلمي [١] : سمعت أبا بكر الرّازي يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول بمكة: ثبت الوعد والوعيد عن الله تعالى. فإذا كان الوعد قبل الوعيد، فالوعيد تهديد، وإذا كان الوعيد قبل الوعد، فالوعيد منسوخ، وإذا اجتمعا معا، فالغلبة والثبات للوعد، فالوعد حقّ العبد، والوعيد حق الله تعالى، والكريم يتغافل عن حقه ولا يهمل ولا يترك ما عليه.
وقال: إن الله تعالى طيّب الدّنيا للعارفين بالخروج منها، وطيب الجنة لأهلها بالخلود فيها، فلو قيل للعارف: إنك تبقى في الدّنيا لمات كمدا، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم تخرجون منها لماتوا كمدا، فطابت الدّنيا بذكر الخروج، وطابت الآخرة بذكر الخلود [فيها] .
وقال: اشتغالك بنفسك يقطعك عن عبادة ربّك، واشتغالك بهموم الدّنيا يقطعك عن هموم الآخرة، واشتغالك بمداراة الخلق يقطعك عن الخالق، ولا عبد أعجز من عبد نسي فضل ربه، وعدّ عليه تسبيحه وتكبيره، الذي هو [٢] إلى الحياء منه أقرب من طلب ثواب عليه، أو افتخار به.
وقال الذهبي: وكان شيخ الحرم في وقته، سندا، وعلما، وزهدا، وعبادة، وتسليكا، وجمع كتاب «طبقات النّسّاك» وكتاب «تاريخ البصرة» وصنّف في شرف الفقر، وفي التصوف.
ومن كلامه: أخسر الخاسرين، من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد. انتهى ما أورده السخاوي ملخصا.
وفيها أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد، شيخ الشافعية، وصاحب ابن سريج، وذو التصانيف. انتهت إليه رئاسة مذهب الشافعي ببغداد، وانتقل في آخر عمره إلى مصر، فمات في رجب، ودفن عند ضريح الشافعي ﵄.
стр. 1504
قال الإسنوي: كان إماما جليلا، غوّاصا على المعاني، ورعا زاهدا.
أخذ عن ابن سريج، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد.
قال العبّادي [١] : وخرج من مجلسه إلى البلاد سبعون إماما، وحكي عنه حكاية غريبة متعلقة بالقافة [٢] ، فقال: حكى الصيدلاني وغيره، عن القفّال، عن الشيخ أبي زيد، عن أبي إسحاق قال: كان لي جار ببغداد وله مال ويسار، وكان له ابن يضرب إلى سواد، ولون الرجل لا يشبهه، وكان يعرّض بأنه ليس منه، قال: فأتاني وقال: عزمت على الحجّ، وأكثر قصدي أن أستصحب ابني وأريه بعض القافة، فنهيته، وقلت: لعل القائف يقول ما تكره، وليس لك ابن غيره، فلم ينته، وخرج، فلما رجع، قال: إني استحضرت مجلسا وأمرت بعرضه عليه في عدة رجال، كان فيهم الذي يرمى بأنه منه، وكان معنا في الرفقة، وغيبت عن المجلس، فنظر القائف فيهم فلم يلحقه بأحد منهم، فأخبرت بذلك، وقيل لي: احضر فلعله يلحقه بك، فأقبلت على ناقة يقودها عبد لنا أسود كبير، فلما رفع بصره علينا، قال: الله أكبر، ذاك الراكب أبو هذا الغلام، والقائد الأسود أبو الراكب، فغشي عليّ من صعوبة ما سمعت، فلما رجعت، ألححت على والدتي، فأخبرتني أن أبي طلقها ثلاثا ثم ندم، فأمر هذا الغلام بنكاحها للتحليل، ففعل، فعلقت منه، وكان ذا مال كثير، وقد بلغ الكبر وليس له ولد، فاستلحقتك، ونكحني مرة ثانية. انتهى كلام الإسنوي.
قال ابن خلّكان [٣] : وتوفي لتسع خلون من رجب.
والمروزيّ: بفتح الميم وسكون الراء، وفتح الواو، وبعدها زاي، هذه
стр. 1505
النسبة إلى مرو الشّاهجان، [وهي إحدى كراسي خراسان، وهم أربع مدن، هذه، ونيسابور، وهراة، وبلخ، وإنما قيل لها مرو الشاهجان] [١] لتتميز عن مرو الرّوذ، والشاهجان: لفظ عجمي، تفسيره روح الملك. انتهى ملخصا.
وفيها أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن أيوب الطّوسي الأديب.
ثقة رحّال مكثر، أقام على أبي حاتم مدة، وجاور لأجل [أبي] يحيى بن أبي ميسرة [٢] .
وفيها أبو علي، الحسين بن صفوان البردعي- بالمهملة، نسبة إلى بردعة، بلد بأذربيجان- صاحب أبي بكر بن أبي الدّنيا. توفي ببغداد في شعبان.
وفيها العلّامة، أبو محمد، عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث البخاري الفقيه، شيخ الحنفية بما وراء النهر، ويعرف بعبد الله الأستاذ، وكان محدّثا، جوّالا، رأسا في الفقه، وصنّف التصانيف، وعمّر اثنتين وثمانين سنة. وروى عن عبد الصمد بن الفضل، وعبيد الله بن واصل وطبقتهما.
قال أبو زرعة: أحمد بن الحسين الحافظ، ضعيف هو [٣] .
وقال الحاكم: هو صاحب عجائب [وأفراد] ، عن الثقات. قاله في «العبر» [٤] .
وفيها أبو القاسم الزجّاجي- نسبة إلى الزجّاج [٥]- النحوي عبد الرحمن بن إسحاق النّهاوندي، صاحب التصانيف. أخذ عن أبي إسحاق
стр. 1506
الزجّاج، وابن دريد، وعلي بن سليمان الأخفش، وقد انتفع بكتابه «الجمل» خلق لا يحصون، فقيل: إنه جاور مدة بمكّة وصنّفه فيها، وكان إذا فرغ من الباب طاف أسبوعا، ودعا الله بالمغفرة، وأن ينفع الله بكتابه وقراءته.
قال بعض المغاربة: لكتابه عندنا مائة وعشرون شرحا، اشتغل ببغداد ثم بحلب، ثم بدمشق، ومات بطبرية في رمضان.
وفيها قاسم بن أصبغ، الحافظ الإمام، محدّث الأندلس، أبو محمد القرطبي، مولى بني أميّة، ويقال له البيّاني- وبيّانة محلّة بقرطبة- وهو ثقة.
انتهى إليه التقدم في الحديث معرفة، وحفظا، وعلو إسناد. سمع بقي بن مخلد، وأقرانه، ومنه حفيده قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد الباجي، والقاسم بن محمد بن غسلون وغيرهم، ورحل سنة أربع وسبعين ومائتين، فسمع محمد بن إسماعيل بمكة، وأبا بكر بن أبي الدّنيا، وأبا محمد بن قتيبة، ومحمد بن الجهم، وطبقتهم ببغداد، وإبراهيم القصّار بالكوفة. وصنّف كتابا على وضع «سنن أبي داود» لكونه فاته لقيه، وكان إماما في العربية، مشاورا في الأحكام، عاش ثلاثا وستين سنة، وتغير ذهنه يسيرا قبل موته بثلاثة أعوام، ومات في جمادى الأولى.
وفيها أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي الموصلي. قدم بغداد، وحدّث بها عن جدّه، وعن جدّ أبيه. وثّقه أبو حازم العبدوي، ومات في رمضان.
وفيها أبو الحسن الكرخي، شيخ الحنفية بالعراق، واسمه عبيد الله [١] بن حسين بن دلّال. روى عن إسماعيل القاضي، وغيره، وعاش ثمانين سنة. انتهت إليه رئاسة المذهب، وخرج له أصحاب أئمة، وكان قانعا، متعفّفا، عابدا، صوّاما، قوّاما، كبير القدر.
стр. 1507
سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة
فيها على ما قال في «الشذور» ولي قضاء القضاة ببغداد عبد الله أبو العبّاس بن الحسين بن أبي الشوارب، والتزم كل سنة بمائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، ثم الحسبة والشرطة.
وفيها اطّلع الوزير المهلّبي، على جماعة من التناسخية، فيهم رجل يزعم أن روح علي، ﵁، انتقلت إليه، وفيهم امرأة تزعم أن روح فاطمة، ﵂، انتقلت إليها، وآخر يدّعي أنه جبريل، فضربهم فتستروا [١] بالانتماء إلى أهل البيت، وكان ابن بويه شيعيّا، فأمر بإطلاقهم.
وفيها أخذت الرّوم مدينة سروج، فاستباحوها.
وفيها توفي أبو الطاهر المدائني، أحمد بن محمد بن عمرو الخامي [٢] محدّث مصر، في ذي الحجة. روى عن يونس بن عبد الأعلى وجماعة.
وفيها أبو علي الصّفّار إسماعيل بن محمد البغدادي، النحوي الأديب، صاحب المبرّد. سمع الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، وطائفة.
وتوفي في المحرم، وله أربع وتسعون سنة.
стр. 1508
وفيها أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصّفّار، أبو الحسن.
حدّث عنه الدارقطني وغيره، وهو ثقة إمام. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها المنصور، أبو الطاهر، إسماعيل بن القائم بن المهدي عبيد الله العبيدي الباطني، صاحب المغرب، حارب مخلد بن كيداد الإباضي، الذي كان قد قمع بني عبيد، واستولى على ممالكهم، فأسره المنصور، فسلخه بعد موته، وحشا جلده، وكان فصيحا مفوّها، بطلا شجاعا، يرتجل الخطب، مات في شوال، وله تسع وثلاثون سنة. وكانت دولته سبعة أعوام. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن خلّكان [٢] : ذكر أبو جعفر المرّوذي، قال: خرجت مع المنصور يوم هزم أبا يزيد، فسايرته وبيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا، فمسحته وناولته إياه، وتفاءلت له فأنشدته:
فألقت عصاها واستقر بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
فقال: ألا قلت، ما هو خير من هذا وأصدق: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ٧: ١١٧- ١١٩ [الأعراف: ١١٧- ١١٩] فقلت: يا مولانا، أنت ابن رسول الله، ﷺ ، قلت ما عندك من العلم، أي لأن المنصور من الفاطمية.
بويع المنصور هذا يوم وفاة أبيه القائم.
وكان أبوه قد ولّاه محاربة أبي يزيد الخارجي عليه، وكان هذا أبو يزيد مخلد بن كيداد رجلا من الإباضية، يظهر التزهد، وأنه إنما قام غضبا لله تعالى، ولا يركب غير حمار، ولا يلبس إلا الصوف، وله مع القائم والد
стр. 1509
المنصور وقائع كثيرة، وملك جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم إلا المهدية، فأناخ عليها أبو يزيد، وحاصرها، فهلك القائم في الحصار، ثم تولى [١] المنصور، فاستمر على محاربته، وأخفى موت أبيه، وصابر الحصار حتّى رجع أبو يزيد عن المهدية، ونزل على سوسة وحاصرها، فخرج المنصور من المهدية ولقيه على سوسة فهزمه، ووالى عليه الهزائم إلى أن أسره يوم الأحد خامس عشري محرم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراحة كانت به، فأمر بسلخ جسده، وحشا جلده قطنا، وصلبه، وبنى مدينة في موضع الوقعة، وسمّاها المنصورية واستوطنها. وخرج في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين من المنصورية إلى مدينة جلولاء ليتنزه بها، ومعه حظيّته قضيب، وكان مغرما بها، فأمطر الله عليهم بردا كثيرا، وسلط عليهم ريحا عظيمة [٢] ، فخرج منها إلى المنصورية، فاعتلّ بها، فمات يوم الجمعة آخر شوال، وكان سبب علته أنه لما وصل المنصورية، أراد دخول الحمام، ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأقبل إسحاق [٣] يعالجه، والسهر باق على حاله، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض الخدام: أما بالقيروان طبيب يخلصني من هذا [الداء] ؟ فقالوا:
هاهنا شاب قد نشأ يقال له إبراهيم، فأمر بإحضاره، فحضر فعرّفه حاله، وشكا ما به إليه [٤] ، فجمع له شيئا ينوّمه، وجعله في قنّينة على النار، وكلّفه شمّها، فلما أدمن شمّها نام، وخرج إبراهيم مسرورا بما فعل، وجاء إسحاق إليه، فقالوا: إنه نائم، فقال: إن كان صنع له شيئا ينام منه فقد مات، فدخلوا عليه فوجدوه ميتا، فأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ما له ذنب، إنما داواه
стр. 1510
بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرّفتموه ذلك، وذلك أني كنت أعالجه وأنظر في تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات.
ودفن بالمهدية، ومولده بالقيروان في سنة اثنتين، وقيل: إحدى وثلاثمائة، وكانت مدة خلافته سبع سنين وستة أيام. انتهى ملخصا.
وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن ناصر الدّين- البتلهيّ بفتحتين وسكون اللام نسبة إلى بيت لهيا من أعمال دمشق [١] واسمه محمد بن عيسى بن أحمد بن عبيد الله أبو عمرو القزويني، نزيل بيت لهيا.
كان من الرحّالين، الحفّاظ، الثقات.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
ومات بعد مغرب شموسا ... البتلهي محمّد بن عيسى
فسكّن التاء وحرك اللّام ضرورة.
وفيها محمد بن أيوب بن الصّموت الرّقّيّ، نزيل مصر. روى عن هلال بن العلاء وطائفة، وهو من الضعفاء.
قال في «المغني» [٢] : ضعفه أبو حاتم.
وفيها محمد بن حميد أبو الطيب الحوراني. روى عن عبّاد بن الوليد، وأحمد بن منصور الرمادي، ومات في عشر المائة.
وفيها محمد بن النّضر، أبو الحسن بن الأخرم الربعي، قارئ أهل دمشق. قرأ على هارون الأخفش وغيره، وكانت له حلقة عظيمة بجامع دمشق لإتقانه ومعرفته.